دارت العجلات في صمت، قدماي تضغطان على دواستي الدراجة بمجهود مستنزِف، محفظتي مثبتة في الخلف، ويداي ترتعشان من أثر البرد؛ روتين اليوم المعتاد بين فرعية "البراهمة" ومدينة "وادي زم". الطقس هذا اليوم بارد، وحصة هذا المساء مرت ثقيلة؛ شعرت بألم في صدري واضطررت إلى التمدد على طاولة في الجهة الخلفية لحجرة الدرس حتى يسكن الوجع. في بداية الحصة تكالبت على نفسي وكتبت تمارين تقويمية للدرس السابق، ودعوت التلاميذ إلى إنجازها دون ضجيج، ورغم ذلك كانت أصواتهم الرقيقة تخترق طبلتي أذنيّ فتحدث فيهما وقراً.
انتهت الحصة وسكن الوجع، اندفع التلاميذ نحو الباب عند سماع الجرس اليدوي الذي كان المعلم المكلف بالحراسة يدقه، نهرتهم ودعوتهم لاحترام النظام والخروج بهدوء وفي صف منتظم، لأن التعليم دون تربية لا فائدة ترجى منه. استجاب الصغار لطلبي بصدور رحبة فأثنيت عليهم، ثم أغلقت باب القسم، وامتطيت دراجتي الهوائية وانطلقت مسرعاً.
توقفت أمام مقهى المحطة، ركنت دراجتي عند الرصيف، وأحكمت إغلاق قفل الأمان. كانت زخات مطرية قد بدأت بالهطول، فهرولت إلى داخل المقهى، واتجهت مباشرة نحو "السّفْناج" الذي كان يَعتلي مصطبة في المدخل، وأمامه مقلاة يقلب فيها السفنج بقضيب من الفولاذ. تبادلنا التحية وقلت وأنا أمدُّ له صحناً معدنياً:
"رابعة سخونة"-
على طاولة في ركن قصي، جلست أمام برّاد الشاي وصحن السفنج، أدفئ مصاريني، وأرفع نسبة السعرات الحرارية التي تمنح جسدي الدفء اللازم لمواجهة برد فصل شتاء قاسٍ .
سرقتني أفكاري وحلقت بي في رحلة انزياح زمني: "لعبة البحث عن الزمن الضائع تتواصل؛ زمن الأبيض والأسود، زمن قوس قزح عندما تعانق ابتسامة الشمسِ رطوبةَ المطر، زمن الفصل بين الممكن والمستحيل والمضمر في سحر المنظرِ وجمال الصورة. لعلّ الحاضر يكون رحيماً بقلب آلفَ العِشق وآنس لحظات الاِنتشاء، فيجود عليه بشذرات من السكينة وفلذات من نور المهادنة، ويسمح للعقل الباطن بالتوافق مع العقل الواعي لخلق جسر نحو تلافيف الذاكرة، وإعادة ترتيب تجليات الماضي مع بوح الحاضر"
أفقتُ على صوت النادل وهو يطلب ثمن الشاي والسفنج لانتهاء فترة عمله، فنظرتُ إليه مبتسماً ثم نقدتُه الثمن. ألقيت نظرة على ساعتي، كان الوقت قد انفلت بسرعة. قَفَزَتْ إِلَى ذِهْنِي فَجْأَةً مَقُولَةٌ لِرُوسُو مِنْ كِتَابِ "العَقْدِ الِاجْتِمَاعِيِّ"، كَانَ يُرَدِّدُهَا الأُسْتَاذُ الفِلَسْطِينِيُّ لِمَادَّةِ التَّرْبِيَةِ وَعِلْمِ النَّفْسِ الَّذِي كَانَ يُدَرِّسُني بِمَدْرَسَةِ المُعَلِّمِينَ: «وُلِدَ الإِنْسَانُ حُرًّا، وَهُوَ فِي الأَغْلَالِ حَيْثُمَا كَانَ، ذَاكَ يَظُنُّ نَفْسَهُ سَيِّدَ الآخَرِينَ، وَهُوَ أَكْثَرُهُمْ عُبُودِيَّةً"
ترى ما حدود حريتي في هذا الزمن الأغبر؟ ضياع شاسع وسلاسل تُكبل مشاعري وتكبح جماح أحلامي؛ معلمٌ زاده الحزن، ومآله الرهبة، ضغوط آتية من كل صوب، واغتراب لا ينتهي!
عندما غادرت المقهى، كانت الأمطار قد توقفت، وتَسَلَّلَ الشَّفَقُ الْأَحْمَرُ رُوَيْدًا رُوَيْدًا لِيُخْلِيَ الْمَكَانَ لِعَتَمَةٍ هَادِئَةٍ تَحْضُنُ الْمَدِينَةَ، وانعكست أضواء المصابيح على إسفلت ساحة الشهداء. جلت ببصري في المكان، فبَدَا الْفَضَاءُ مَغْمُوراً بِشَاعِرِيَّةٍ آسِرَةٍ، كَأَنَّ الْوَقْتَ تَوَقَّفَ لِيَمْنَحَنَا لَحْظَةً مِنَ السَّكِينَةِ، بَيْنَمَا تَرْسُمُ الْأَجْوَاءُ لَوْحَةً تَشْكِيلِيَّةً جَدِيرَةً بِالتَّأَمُّلِ.
بجانب الرصيف، كانت تربض حافلات تئن محركاتها؛ بعضها يستعد للانطلاق، والبعض الآخر ينتظر. راودتني فكرة ركوب الحافلة العابرة لخريبكة في طريقها إلى الدار البيضاء، فالليلة ليلة "الناير" التي تصادف مطلع السنة الفلاحية والأمازيغية؛ ليلة يحتفل بها المغاربة عن طريق إعداد وجبات "التريد" أو "الرفيسة" بالدجاج البلدي أو الديك الحبشي، وبمقدوري قضاء الليلة بين أحضان العائلة حيث تسود روح التآلف وتلتقي القلوب على المحبة والتوادد.
لكنني سرعان ما تراجعتُ، فقد داهمني إحساس برغبة قوية في الاختلاء بنفسي والدخول في حوار داخلي. امتطيت دراجتي وانطلقت عبر شارع محمد الخامس؛ كَانَ الضَّبَابُ يَلُفُّهُ، وَقَدْ تَبَعْثَرَتْ فِي الْأُفُقِ نَسَمَاتٌ بَارِدَةٌ تُعْلِنُ حُلُولَ الشِّتَاءِ. وَانْطَبَعَتْ ظِلَالُ الْمَارَّةِ عَلَى الأَرْصِفَةِ، تَأَمَّلْتُ الْوُجُوهَ حَوْلِي، فَكَانَ الشَّارِعُ يَنْبِضُ بِحَرَكَةٍ دَافِئَةٍ رَغْمَ الصَّقِيعِ، وَالْأَنْوَارُ تَصْنَعُ مَشْهَدًا رُومَانْسِيًّا بَدِيعًا.
وصلت إلى الشقة التي كنت أتقاسمها مع صديقي عَمّور البيضاوي الذي اختار السفر مساءَ الليلة الماضية ليقضي نهاية الأسبوع مع أسرته في مدينة
الدار البيضاء مُخَلِّفاً وَرَاءَهُ فَرَاغاً يَزِيدُ مِنْ وِحْشَةِ الْمَكَانِ كَانَ هَذَا الْمَسْكَنُ يَقَعُ فِي الطَّابَقِ السفلي بِبَابٍ مُسْتَقِلٍّ يَفْصِلُهُ عَنْ صَخَبِ الْعِمَارَة، أَدَرْتُ الْمِفْتَاحَ فِي الْقُفْلِ فَأَصْدَرَ صَرِيرًا هَادِئًا، ثُمَّ دَلَفْتُ بِدَرَّاجَتِي إِلَى داخل الْفِنَاءِ، ضَغطت على
زرِّ الكهرباء فغمر النور المكان.
اتَّجَهْتُ صَوْبَ الصَّالَةِ وَشَغَّلْتُ جِهَازَ التِّلْفَازِ الْقَابِعَ فَوْقَ طَاوِلَةٍ خَشَبِيَّةٍ بَاهِتَةِ اللَّوْنِ، ثُمَّ اسْتَلْقَيْتُ عَلَى الْكَنَبَةِ الْمُتَهَالِكَةِ وَمَدَدْتُ قَدَمَيَّ، كانوا يقدمون المسلسل
الأجنبي: صحافي مستبصر، وتدور أحداثه حول صحفي يعمل في إحدى الصحف حيث ينتقل إلى مسرح الجريمة ويتخيل الأحداث الماضية وتفاصيل وقوعها بحدس واستبصار غريب ليتعرف على المجرمين ويساعد في حل القضايا الجنائية، تابعت الأحداث باهتمام وتركيز، وعشت معها قلبا وقالبا،
انتهى المسلسل، فقمت من مكاني نحو المطبخ، فتحت الثلاجة وجدتها شبه فارغة
هناك فقط بيضتان، وعلبة حليب، ولا شيء آخر، فكرت بإعداد عجّة بالبيضتين، لكنني تراجعت وعدت إلى الصالون، اقْتَرَبْتُ مِنَ النَّافِذَةِ الْمُوَاجِهَةِ لِلشَّارِع؛ كَانَتْ قَطَرَاتُ الْمَطَرِ تَنْزِلُ بِخُفُوتٍ ظَاهِرٍ، مُدَاعِبَةً نَبَاتَاتِ الْجُنَيْنَةِ الْوَاقِعَةِ عِنْدَ مَدْخَلِ الْعِمَارَةِ، وَتَغْسِلُ بِلَاطَ مَمَرَّاتِهَا. انْقَلَبْتُ عَائِدًا نَحْوَ الْكَنَبَةِ، هَذِهِ الْمَرَّة جَلَسْتُ فِي وَضْعِيَّةٍ مُسْتَقِيمَةٍ وَأَلْقَيْتُ بِقَدَمَيَّ عَلَى الطَّاوِلَةِ الْخَشَبِيَّةِ الْمُقَابِلَةِ. هُنَاكَ أَشْيَاءُ نَجِدُ صُعُوبَةً فِي وَضْعِ سِيَاقٍ مُعَيَّنٍ يُفَسِّرُهَا، أَوْ يُعْطِيهَا مَعْنًى مُقْنِعاً يَسْمَحُ لَنَا بِفَهْمِ مَا يَجْرِي وَيَدُورُ حَوْلَنَا؛ لِأَنَّ هُنَاكَ تَكْرَاراً غَيْرَ بَرِيءٍ لِوَقَائِعَ بِعَيْنِهَا وَكَأَنَّهَا سِينَارْيُو كُتِبَ مُسْبَقاً، وَعَلَيْنَا أَنْ نَقْبَلَ بِهِ دُونَ قَيْدٍ أَوْ شَرْطٍ. لَعَنْتُ الشَّيْطَانَ، وَتَجَاوَزْتُ هَذِهِ الْأَفْكَارَ الَّتِي عَنَّتْ لِي عَلَى حِينِ غِرَّةٍ.
فَجْأَةً، شَقَّ صَمْتَ الْغُرْفَةِ رَنِينُ جَرَسِ الْبَابِ بِحِدَّةٍ مُفْزِعَةٍ، مِمَّا جَعَلَنِي أَنْتَفِضُ جَافِلًا، لِتَتَبَعْثَرَ تِلْكَ الظُّنُونُ كَأَوْرَاقٍ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ. قُمْتُ مُنْدَفِعاً نَحْوَ الْبَابِ وَأَنَا فَرِيسَةٌ لِهَوَاجِسَ طَارِئَةٍ حَوْلَ هُوِيَّةِ الطَّارِقِ. فَتَحْتُهُ بِلَهْفَةٍ ظَاهِرَةٍ، ثُمَّ وَقَفْتُ مُنْبَهِراً لِلَحْظَةٍ؛ كَانَتِ الطَّارِقَةُ ابْنَةَ الْجِيرَانِ، وَهِيَ فَتَاةٌ دُونَ الْعِشْرِينَ تَتَمَتَّعُ بِجَمَالٍ بَاهِرٍ، تَحْمِلُ صِينِيَّة مُرَبَّعَةَ الشَّكْلِ مُغَطَّاةً بِمِنْدِيلٍ أَصْفَرَ اللَّوْنِ. قَالَتْ مُبْتَسِمَةً:
- كُلُّ عَامٍ وَأَنْتَ بِخَيْرٍ أُسْتَاذ.
وَقَدَّمَتْ لِي صِينِيَّةَ الْأَكْلِ، ثُمَّ انْقَلَبَتْ عَلَى عَقِبَيْهَا مُهَرْوِلَةً. تَابَعْتُهَا حَتَّى اخْتَفَتْ تَمَاماً، ثُمَّ دَلَفْتُ دَاخِلًا. كَشَفْتُ الْغِطَاءَ عَنْ صِينِيَّةِ الطَّعَامِ، ثُمَّ وَضَعْتُهَا عَلَى الطَّاوِلَةِ؛ صَحْنُ "رَفِيسَةٍ" يَتَصَاعَدُ مِنْهُ الْبُخَارُ، وَطَبَقُ فَوَاكِهَ موسمية.
أكلتُ بنهمٍ شديدٍ بعد أن استبدَّ بي الجوعُ، وزاد المذاقُ الطيبُ للأكلِ من فتحِ شهيتي. خلال دقائقَ معدودةٍ، أتيتُ على معظمِ ما في الصحنِ، ثم التفتُّ إلى طبقِ الفواكهِ؛ قشرتُ تفاحةً والتهمتُها، قبل أن أزدردَ حباتِ العنبِ الباردة.
عام 1987م بدأ مطيراً، والأجواءُ تنبئُ بموسمٍ قد يكونُ وفيرَ الغلة.
انتابني فجأة شعورٌ بالخمول ورغبةٌ في التمدد من جديد، لكنَّ طرقاً على الباب بدد هذا الشعور ودفعني للقيام مرة ثانية والتوجه نحو الباب. كان الطارقُ "عباس البودالي"، زميلَ عَمُّور في العمل، حَيّاني بحرارة، وكان هو الآخر يحمل صينية أكل على ما يبدو. قال وهو يرسم ابتسامة على محياه، إنه يحب أن يتقاسم معنا الاحتفاء بـ "ليلة حاكوزة". أخبرته بأن عمّور سافر عند ذويه، فقال بنبرة ودية:
ولكنك حاضر..
قاطعته ضاحكاً:
- هذا يوم الخيرات، ابنة الجيران أكرمتني بما لذ وطاب منذ حين!
وضع عباس صينية الأكل على الطاولة بالصالون، وكشف عنها الغطاء؛ طبق معدني يحتضن أكلة "ثريد" وآخر به فواكه جافة. قلتُ إن هذا سيكون وجبة غداء لي في الغد، وقبل أن يذهب لحال سبيله قدم لي شريط "أنت الحب" لأم كلثوم، وطلب مني تسليمه لصديقنا المشترك عمور.
تساءلت بيني وبين نفسي عن سر هذا السخاء الذي يتماهى مع سلوك الناس خلال هذه المناسبات الاجتماعية؛ أهي فطرة كامنة في السرائر أم مجرد مظاهر خادعة ذات طبيعة موسمية؟ والدتي - دائماً وأبداً- تقول إن الأصل في النفس البشرية هو الخير، أما ما دون ذلك فهو مجرد طارئ.
سأفترضُ أنَّ هذا الأمرَ صحيحٌ، ولكنَّ ما تبديهِ لي الحياةُ يكادُ يكونُ عكسَ هذا تماماً. بلغتِ الساعةُ منتصفَ الليلِ، وانْقَطَعَ بَثُّ التِّلْفِزْيُون لِيَتْرُك الشَّاشَة تَغْرقُ فِي رَذَاذٍ رَمَادِيٍّ بَارِدٍ، فَقُمْتُ مِنْ مَكَانِي مُتَثَاقِلاً، حَامِلًا مَعِي أَسْئِلَتِي إِلَى فِرَاشِي .
أدرتُ شريطَ "أنتَ الحبُّ" في جهازِ الكاسيتِ القابعِ فوقَ الخزانةِ الصغيرةِ المجاورةِ لسريرِ نومي، فانسابَ اللحنُ يملأُ زوايا الغرفةِ دفئاً، ثم تمددتُ على فراشي ودثّرتُ نفسي بالغطاء؛ شعرتُ بحرارةٍ خفيفةٍ تسري في كلِّ أعضاءِ جسمي، وتقلبْتُ في كلِّ الاتجاهاتِ بحثاً عن سلطانِ النومِ، لعلهُ يأتي كهبةِ نسيمٍ ليداعبَ أجفاني.
فجأةً، دوّى صوتُ رعدٍ قويٍّ ولمعَ البرقُ في السماءِ، ثم تلا ذلكَ تساقطاتٌ مطريةٌ شديدةٌ مصحوبةٌ بالبَرَدِ، وانطلقَ صفيرُ الرياحِ كعواءِ ذئابٍ جائعةٍ. تملكني خوفٌ رهيبٌ، وتلاشى صوتُ أمِّ كلثومٍ ليصبحَ همساً خافتاً يبتلعهُ صخبُ الطبيعةِ وجبروتُها. شددتُ الغطاءَ حتى عينيَّ وقرأتُ "اللطيفَ". بعْدَ سَاعَةٍ مِنَ الْقَلَقِ، اسْتَكَانَتِ الْعَاصِفَةُ، وَاعْتَرَتْنِي حَالَةُ هُدُوءٍ وَسَكِينَةٍ فَنِمْتُ نَوْماً عَمِيقاً.
2
استيقظت من نومي متأخراً، فتحت عينيَّ وأشعة الشمس قد توسطت السماء، وتسرَّبت من النافذة لتنعكس على وجهي. جلتُ ببصري في أرجاء الغرفة، فلاحظت أن أشياء كثيرة قد تغيَّرت بين الأمس واليوم؛ اختفت الخزانة الصغيرة، وتلاشى جهاز الكاسيت الذي أغمضتُ أجفاني على أنغامه، أما السرير فاستحال هيكلاً حديدياً بارداً، والجدران خلعت ألوانها القديمة لتلتحف ببياض ناصع.
انتبهتُ فجأة إلى وجود سيدة في الخمسينيات من العمر تجلس على كرسي مجاور للسرير وهي ترتدي فستاناً طويلاً بنيَّ اللون، وإلى جانبها شابان يجمع بينهما شبه كبير بشكل يوحي بأنهما شقيقان؛ حدَّقتُ بهم لحظة. اقترب مني الثلاثة، وقالت السيدة:
- كيف أصبحتَ؟
نظرتُ إليها بدهشة واستغراب وسألتها:
- مَن تكونين؟ لم يحصل لي شرف معرفتكِ؟
تدخَّل أحد الشابين وهتف قائلاً:
- هذه أمي يا أبي!
وقعت كلماته عليَّ كالصاعقة؛ كيف تكون هذه السيدة المتقدِّمة في السن زوجتي وهذا الشاب ابني؟! وكيف لليلة واحدة أن تَمضغ عقوداً من الزمن لتقذفني إلى خريف العمر؟! جسدي يرفض هذه الحقيقة العبثية، وعقلي يصرخ محتجاً. قلتُ بانفعال موجهاً كلامي للشاب:
- كيف تكون هذه السيدة زوجتي وهي في سن والدتي، وأنت في مثل سِنِّي؟! هذا عبث!
ابتسم الشاب وقال:
- انظر إلى هذه الصورة، إنها تجمع أفراد أسرتنا، يبدو أن الحادثة كان لها أثر على ذاكرتك.
تأملتُ الصورة ملياً، فوقع بصري على رجل في خريف العمر يحمل ملامحي، لكن الزمن حفر فيها أخاديده وغزا الشيبُ مَفرِقيه، كأنني أنظر إلى شبحي المستقبلي. هل أنا هو؟ وأين غاب الشاب الذي كان يمتطي الدراجة تحت المطر ليلة أمس؟
في تلك اللحظة، دخلت سيدة بلباس أبيض، قدَّمت لي نفسها قائلة:
- أنا الدكتورة شادية إقبال، طبيبة أمراض الجهاز العصبي، الحمد لله على سلامتك.
طبيبة أمراض عصبية؟ ما الذي أصابني؟ من العبث أن تقع هذه التحولات الغريبة في هذه الفترة الزمنية الوجيزة! هناك لَبسٌ ما، وقد يكون ما أعيشه الآن مجرد حلم عابر أو كابوس تسببت فيه عاصفة الليلة المنصرمة.
تأملتُ ملامح الدكتورة الصارمة وثوبها الأبيض الذي تفوح منه رائحة الأدوية والمحاليل، فتسارعت نبضات قلبي وأنا أحاول الإمساك ببقايا عقلي. قلتُ لها بنبرة حزينة:
- دكتورة، أخبريهم أنهم مخطئون.. أنا غادرتُ المقهى البارحة في ليلة "الناير"، وعباس زارني منذ حين.
نظرتْ إليَّ الطبيبة بنظرة مليئة بالأسى؛ نظرة أوحت لي أن عالمي القديم قد تلاشى، وأن المسافة بين سريري الخشبي البارحة وهذا السرير الحديدي اليوم هي هُوَّةٌ سحيقة، وقالت:
- سيدي.. أنت رجل مؤمن، ما تعيشه اللحظة هو نوع من فقدان الذاكرة الحاد والمؤقت. يؤسفني أن أخبرك أنك تعرَّضت لحادثة سقوط بعد عصر يوم أمس من فوق دراجتك الهوائية وأنت تمارس هوايتك اليومية في محيط مسكنك، ثم دخلت في غيبوبة دامت - بحمد الله تعالى- أربعاً وعشرين ساعة فقط، لأن أسرتك حملتك على وجه السرعة إلى المصحة.
شعرتُ بِبرودة تسري في أطرافي غير تلك التي خلَّفتها نسمات شارع محمد الخامس. "هوايتك اليومية.. أسرتك.. المصحة".. كلمات غريبة عني، أنا الشاب الذي دفع دراجته قبل لحظات إلى فناء شقته السفلية! لقد أدركتُ اللحظة أنني لست سجين غرفة طبّية باردة، بل أنا سجين زمن تجاوزني وتركني عالقاً في ذكرى ليلة "ناير" قديمة
مدَّت السيدة ذات الفستان البني يدها المرتجفة لتمسح على جبيني بحنان مألوف كسر كل حواجز إنكاري، وانحنى أحد الشابين هامساً:
- الحمد لله على عودتك يا أبي، لقد عشنا ليلة رهيبة ننتظر خروجك من الغيبوبة
تلك اللمسة وذلك الصوت بدَّدا ضباب 1987، وأعاداني إلى واقعي. اكتشفتُ وأنا أتصفح الهاتف النقال الذي قدَّمته لي "السيدة المفترض أنها زوجتي" وقالت إنه يخصني، اكتشفت حقيقتي في صفحاتي على الفايس بوك والإنستغرام وتويتر؛ فصوري المتعددة وتدويناتي تشهد أن الفجوة لم تكن يوماً واحداً، بل أربعين سنة ركدت في أعماقي وطفَت فجأة على سطح غيبوبتي. لقد أسقطتْ السنوات ظلالها على ذاكرتي، فصارت القصّة حقيقة ماثلة في عقلي، وتَخْييلاً يُرمّم ما هَدمته الأيام. تنفسْتُ الصعداء وأنا أنظر إلى الوجوه الثّلاثة أمامي، مستسلماً لحقيقة أنّني عدتُ إلى واقعي، لكنني تركتُ قلبي هناك.. في ليلة "حاكوزة" بعيدة لا تموت.
القصة التي عشتها ليلة أمس حقيقة راسخة في وجداني، ومن الصعب محوها من ذاكرتي. تملَّكني ذعر غريب وأنا أنظر إلى يديَّ المرتجفتين؛ لقد استيقظتُ أخيراً وأيقنتُ أن هناك تغييراً واضحاً اعترى جسمي؛ شعر صدري غمره البياض، وعيناي لم تعودا تسعفانني كما كانتا من قبل، فنَظري قد قلَّ وصرتُ مضطراً لتكييف عينيَّ مع المشاهد والصور. أشياء كثيرة تؤكد أنني تجاوزت مرحلة الشباب، لكن دماغي يحجب عني ما وقع بعد "تلك الليلة" العاصفة
فجأة، اِنقطع حبل تأملاتي حين انفتح الباب ودلفت فتاة شابة تفوح نضارةً، ما كادت تظهر حتى شَخَصَ بصري نحوها، وقلت بدهشة عارمة:
- هذه الفتاة تشبه كثيراً ابنة الجيران التي أحضرت لي "الرفيسة" ليلة الناير
نظرتْ إليَّ السيدة ذات الرداء البنّي مندهشة، وابتسمت بأسىً حانٍ قائلة:
- هذه ابنتنا صفاء.. وأنا مَن حملتُ إليك صحن "الرفيسة" في تلك الليلة الماطرة بإلحاح من والدي المرحوم، الذي كان مديراً تربوياً وله سابق معرفة بك، وكان ذلك اللقاء بداية لقصة حب قصيرة انتهت بزواجنا.
عندئذٍ، انقشع الضباب عن عقلي، وهتفتُ بصوت عالٍ كسر صمت أرجاء الغرفة:
- أنتِ نبيلة
ما كاد اسم "نبيلة" يتحرر من بين شفتيَّ حتى تدفَّقت السنون دفعة واحدة في شرايين ذاكرتي، وتمزَّق الحجاب الذي ضربه دماغي حول مراحل مؤثرة في حياتي. نظرتُ إلى عيني زوجتي، فأبصرتُ فيهما نفس البريق الدافئ الذي أنار عتمة شقتي السفلية ذات ليلة ماطرة. صوتها أعاد ترتيب الفوضى داخلي؛ فاللَّبْسُ لم يكن في الواقع، بل في عقلي الذي رفض خريف العمر فلاذ ببداية الربيع. "أنتِ نبيلة".. نطقتها وكأنني أعيد اكتشاف حقيقة كانت غائبة عني ولو لبرهة وجيزة .
في تلك اللحظة، تصالح الشيب في صدري مع البياض على الجدران؛ فصفاء التي تقف أمامي لم تكن شبح الماضي، بل كانت ثمرة ذلك المطر القديم الذي هطل في ليلة شتاء عاصفة. فتحتُ ذراعيَّ لأحتضنها وقد تحرَّكت فيَّ عاطفة الأبوة، ورأيتُ وجه نبيلة الشاب يمتزج بتجاعيد وجهها الحالي الذي حفرت فيه الأيام قصة حبنا المشتركة، ويعيد الدفء لما تبقَّى من أيام العمر.
***
محمد محضار
30 أكتوبر 2026م








