عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

جفاني الحبُّ والمسرى جفاني

وقد ودّعتُ عمرًا في الأماني

*

أُناجيها وأبصرُها اضطرارًا

وأتبعُها فتتركني مكاني

*

وهذا حاليَ ما اتسعت دروب

فما من دائِها طبٌّ شفاني

*

أُصارعُ في خريفِ العمرِ ظِلّي

ويغزلُ من شظايا القلبِ ثاني

*

فلا الأقدارُ تُنصفُني بوصْلٍ

ولا الأيامُ تَرحمُ ما دهاني

*

أجوبُ الليلَ في حُزنٍ عميقٍ

كأنَّ الليلَ من حزني رآني

*

أُعلِّقُ في المدى نجوى اشتياقي

وأرجو أن تعاودني الأماني

*

فإنْ مِتُّ اشتياقًا، لا تنوحوا

على حبٍّ هوى دون احتضانِ

*

أسافر بينَ أشرعةِ اغترابٍ

وفي عينيَّ أطيافُ الزمانِ

*

كأنَّ الليلَ يهمسُ لي حكايا

فأبقى أسكبُ الدمعَ الُمدانِ

*

أرى في الصبح أنوارَ الأمانِ

وفي الآمال ألحانَ الحنانِ

*

ولكنّي إذا طالَ اشتياقي

أرى وصلاً سرابًا في المعاني

*

فلا خِلٌّ يُزيلُ جراحَ قلبي

ولا نبضٌ يُعيدُ إلى كياني

*

إذا مِتُّ اشتياقًا لا تُلمني

فكم غصنا ذوى قبل الأوانِ

***

د. جاسم الخالدي

 

كانت عيادة الطبيب غاصة بالمرضى. كل ينتظر دوره. كانت هناك حالة من الصمت التي خيمت على المكان. لا تسمع سوى صوت التلفاز المعلق أعلى الحائط كأنه رقيب على حركة كل واحد منهم. في الجانب الأيسر من قاعة الانتظار، كان رجلان، منسجمين في حديث طويل. لا يعيران أي اهتمام لأي حركة داخل القاعة. كانا ينتظران أيضا دورهما.

كانا يلبسان لباسا تقليديا. يبتسمان تارة وتارة يصمتان. أحيانا ترى أيديهما في صراع مع الكلمات كأنهما في مرافعة وكان كل واحد منهما يريد أن ينتصر.

قال الأول صاحب الجلباب الطويل وداكن اللون ورفيع الجسد وحاد النظرات:

-لقد أصبحت المعيشة لا تطاق. لا يستحمل ما نعيشه اليوم.

ابتسم الثاني، قصير القامة، بجلبابه الفضفاض وطيب الملامح:

-صحيح، في السابق، كنت أستطيع أن أشتري الخضر واللحم بمائة درهم.

أجابه الرجل الأول وهو يضرب كفا بكف:

- تقاعدي لم يعد يكفيني حتى لمسائلي الشخصية. حتى تكلفة زيارة هذا الطبيب لم أستطع دفعها. لولا مساعدة ابني المسكين الذي يشتغل في احدى المصانع.

ابتسم الرجل الثاني وقال له:

- ولدك طيب معك. الله يخليه لك.

استوطن الصمت المكان. نظرات غامضة وغير راضية لا على الانتظار الذي طال ولا على وضعيتهما.

ثم أردف الرجل الثاني وقال له:

- أتدري كم وجدت ثمن زيت الزيتون اليوم؟ لا تصدق.

- - كم؟

- مائة وعشرون درهما. انه الجنون. يظلون يغنون في الإذاعة والتلفاز بأهمية الزيت البلدي وضرورة استهلاكه. كيف يمكن ذلك اليوم؟

وتجهم وجهه بعدما كان شعلة من الفرح والرضا. ونظر الى الأرض كأنه يبحث عن شيء فقده.

سأل الرجل الأول السيدة التي في الاستقبال عن دوره. أجابته بانه سينتظر قليلا.

فرك يديه ومسح وجهه ولحيته واستغفر الله. ثم قال للرجل الثاني:

- لم أعد أستطيع شراء زيت الزيتون. انه غالي جدا والمسكين في هاذ البلاد يضيع.

- إذا رغبت نشترك في لتر واحد ونتقاسمه بيننا حتى لا نحرم منه.

ضحك الرجل الأول واقترب منه كأنه سيفشي سرا:

- الحصول على نصف لتر كأنك لم تحصل على شيء. خليها على الله.

وأضاف:

- حتى ثمن اللحم في ارتفاع. هل نقتسم اللحم أيضا؟

- ستفرج من عنده. همس اليه الرجل الثاني وصمتا في انتظار عودة الفرج.

التفت اليه وسأله بصوت غير مسموع:

- أخذنا الحديث ولم أسألك عن سبب مجيئك عند الطبيب؟

ابتسم وعادت علامات الرضى وقال له:

- آلام في المفاصل عند كل حركة. أصبحت شبه عاجز.

ضحك الرجل الأول وقال له:

- السن يا أخي لا يرحم. يجب فقط أن نهتم جيدا بصحتنا.

وسأله الرجل الثاني نفس السؤال:

- وأنت؟ ما سبب زيارتك للطبيب؟

- آلام في ظهري.

وعلا صوتهما وأطلقا العنان لضحكات مجلجلة، وابتسم كل الحاضرين بالقاعة.

دخلت سيدة تدفع رجلا على كرسي متحرك. واقتربت من السيدة المسئولة عن الاستقبال وقالت لها:

- هل حان وقت دخوله عند الطبيب؟

- انتظري قليلا، سيدخل الآن.

لم يفهما الرجلين ما يحدث.. كيف يدخل هذا الرجل حين وصوله دون أن ينتظر دوره.

استفسر الرجل الأول عن الأمر، شرحت له أن الطبيب يستقبله فور وصوله بسبب وضعه الصحي. لم يعجبه جوابها. طلبت منه أن يصبر، سيدخل بعده مباشرة.

عاد وجلس الى جانب صديقه. وهو يتمتم:

- أينما ذهبت يجب ان تنتظر. وضعه الصحي؟ أنا أيضا حالتي الصحية لا تستحمل الانتظار.

طبطب على كتفه الرجل الثاني وهو يبتسم بشكل خجول:

- لا عليك. الصبر مفتاح الفرج.

- حياتي كلها صبر. أينما ذهبت لا أسمع سوى الصبر. أريد فقط أن نتعامل بعدل.

ظل الرجل الأول مطأطأ رأسه، يحرك رجليه في كل اتجاه كأنه تائه. قال له الرجل الثاني:

- الانفعال سيضر بصحتك. وأنت لا تتوفر على ثمن زيارة طبيب آخر.

رمقه بنظرة حزينة ثم انفجر ضاحكا كأنه سمع نكتة. وأجابه وهو يحاول أن يعدل من جلسته:

- كلامك صحيح يا رجل ومن الهم ما يضحك.

أسند ظهره على الحائط وأغمض عينيه وبقي الرجل الأول يراقب ما يحدث أمامه من حديث يتطاير في فضاء غرفة الانتظار. فجأة، فتح الرجل الثاني عينيه، وقال له:

- هل سمعت بالفضيحة التي وقعت أمس بالمستشفى المركزي؟

علامات الاستفهام تستوطن ملامحه وقال له:

- لا أعلم. ليس لدي أصدقاء، حتى المقهى لم أعد أرتادها لأنني لا أملك ثمن كأس القهوة.

- اسمع يا سيدي، يوجد طبيب جراح لا يقبل ان يقوم بالعمليات الا بمقابل من عند المريض.

- هذا ممنوع. لأنه مستشفى عمومي.

ضحك الرجل الثاني، وطلب منه أن يسمع بقية الحكاية:

- دفع المريض المبلغ المالي لكنه وثق العملية كلها دون أن يدري الطبيب.

ابتسم الرجل الأول وقال له:

- رجل شجاع. لو أن كلنا نتحرك هكذا لما انتشر الفساد وتغير حالنا.

- صحيح، كشف امر الطبيب. وجاء مكانه طبيب آخر. وفرح الرجل لكن وجد أمامه عراقيل أخرى لم يكن ينتظرها. منها يجب عليه الانتظار من جديد حتى يحين موعد العملية.

وظل الرجل الأول صامتا، فارغا فاه. وقال:

- هل هذا انتقام منه؟

- فسر كما تشاء ولن تفهم شيئا.

ثم أضاف:

- هل سمعت بمصيبة مثل هذه؟ يعني محكوم علينا الانتظار.

وتاه بنظراته ثم تابع:

- لدي حلم، رقيق وأخاف عليه من هبة النسيم. أخاف أن حكيت عنه يتبدد ويختفي.

ابتسم الرجل الأول ووضع يده في جيبه وقال له:

- ما هو هذا الحلم الغريب؟

- أحلم بحياة أخرى كلها عدل ومحبة. بحياة لا يكون الانتظار هو قدري، بحياة يكفيني معاشي ..

- لا تحلم كثيرا يا صديقي.

وخرجت ساعتها السيدة المكلفة بالاستقبال من عند الطبيب وقالت للباقين في قاعة الانتظار:

- معذرة، الطبيب جاءته مكالمة مفاجئة، سيضطر للخروج الآن وسيعود بعد ساعة.

قام الرجل الأول وتبعه صديقه والغضب يتطاير من عينيهما قال لها الأول:

- حرام عليك، منذ الساعات الأولى من الصباح، ونحن ننتظر..

وقال لها الثاني:

- حرام على الطبيب، كان عليه أن ينتظر مثلنا ويستقبلنا ثم يذهب الى موعده. هل الانتظار مكتوب علينا نحن فقط؟

ثم اقترب منه الرجل الأول وقال له بكل سخرية:

- بالفعل، حلمك ضعيف جدا، ولا يستطيع ان يعيش للحظات.

وانطلق كالسهم الى داخل غرفة الفحص، وجد الطبيب يستعد للخروج. كلام كثير من الطرفين يتطاير في الفضاء.

تبعته السيدة المكلفة بالاستقبال، محاولة تهدئة الوضع واخراج الرجل. لكن هيجانه جعله أكثر قوة ودفع كلاما ناريا يعاتب الطبيب. حاول الرجل الثاني، التدخل لإطفاء نار الحريق التي اشتعلت بين الاثنين، صرخ الرجل الأول بكل قوته موجها كلامه الى الطبيب:

- لو أنك صبرت مثلنا بعض الدقائق، واستقبلتنا. لما حصل كل هذا.

ظل الرجل الثاني صامتا. كأن الاحداث تتابعت بسرعة شديدة ولم يستطع استيعاب ما يحصل. اتكأ على الحائط القريب منه في غرفة الطبيب وأسند رأسه وأغمض عينيه وشعر بتعب شديد مفاجئ ثم سقط أرضا.

حاول الطبيب اسعافه. سيطر على الرجل الأول هلع وقلق، كيف حدث كل هذا؟ يتساءل ونظراته فارغة وحزينة، يتمنى أن يعود صديقه الى الحياة. انتظار ثقيل كالجبل.

خرج الطبيب من غرفة الفحص وملامحه لا تبشر بخير. قال له:

- لقد قدمت له كل الإسعافات الضرورية. ما علينا الآن سوى الانتظار.

توجه اليه بنظرات حادة تحمل تعب وآلام سنين وقال له:

- لو أنك صبرت مثلنا لبضع دقائق، واستقبلتنا، لما حصل كل هذا.

***

أمينة شرادي

 

في رثاء أمي الحبيبة (مُلْك محمد عبد العزيز)

التي وافاها الأجل في 26 / 12 / 2024

***

أُمَّــــــاهُ أخشى أنْ أقولَ كــلاما

لا يَرْوي حُزْني...أو يُزيحُ رُكَـــاما

*

تَخشى حروفي إنْ رَثَتْكِ بِدَمْعِهَا

يوماً تجِفُّ.. وتنضَبُ اسْتِــلْهَــاما

*

أُمَّـــــاهُ.. أظْمَـــأَ مُقْلَتَـايَ فِرَاقُــكِ

وحَشَا بِبَـــرْدِ المُوجِعَاتِ عِظَـاما

*

وكَسَـاني وُحْشَتَــهُ بثوبٍ مُظٰلِمٍ

لأَرَى نَهَــــارَ السَّـــائِغاتِ ظَــلاما

*

بتُرابِ قَبْــركِ قد تَعَفَّــرَ مِزْهَــري

وبِــَـهِ توجَّــــهَ للصلاةِ وقــــــاما

*

وتَـلَا دِمَاءَهُ في مقامكِ فارْتَوَتْ

أزهــــــــــار مَتْـنِهِ وانْتَشَتْ آلاما

*

في ظِلِّكِ ابْتَسَمَتْ ملائكةُ الهوى

لـي واحْتَـــــوَتْني بثوبِها إنْعَــاما

*

أوْقَفْتُ عُمْــري في رِضَاكِ وإنَّني

أرثيكِ يا(مُلْكَ) الفؤادِ خِتَــــــاما

*

أمزانها سَــــالتْ بِعَلْقَـــمِ نَأْيُــــكِ

هَجْسًـــــا بوادي الناظمينَ أقاما

*

عَجَـلَاتهُ مَرَّتْ على صَحْــــرَائِهِمٰ

نَصَبَتْ عليها مَنـــارةً وخِيـــــاما

*

ها قد عَرَفْتي المــــوتَ قَبٰلنا إنَّنا

نَـــدْريهِ إلا أنْ يكــونُ لِـــَـــــزاما

*

والله قـــدَّرَ أن يكـون رَحِيـــــلُكِ

يوم (الخميسِ) مَساؤهُ إعــــلاما

*

ناجَيْتُ باسْمِكِ مَنْ بِرَحْمَتِــهِ التي

وَسِعَتْ يجيبُ.. ويَسْتَجيبُ إذا مَا...

*

صــــــلَّى عليكِ اللهُ مِنْ سَبْعٍ وما

في الأرضِ سَبَّحَ للجليلِ وهَــــاما

***

محمد ثابت السميعي - اليمن

 

على كتفه

حطت عصفورة

الريش الزغب

داعب وجهه فالتهب

إستغرق ضاحكا

همست كلمات

في إذنيه

على وجهه انكب

فعلا نشيجه

وبكى ..

اخبرته :

سيقتل ضحى

عند إعتلاء الشمس

صهوة البحر

وبضوءها يكفن

وستلثم الشمس

جراحه العشرة

فتزهر بكل جرح

قرنفلة حمراء

بعدد سنوات عمره

وفي الليلة الأولى

ستضاء السماء له

بنجوم عشرة

ويجف دمه

في كل جراحه العشرة

بعدد سنوات عمره

***

صالح البياتي

في حينا الفقير

دشن وزير الثقافة مركزا

يعنى بقضايا الشعر والشعراء

تعالج فيه القصائد الرديئة

في مدح الزعيم الأوحد

الذي ينام قرير العين

*

وعندما يعتلي الشاعر الكبير المنصة

ويتلو على اتباعه ومريده

ملحمته الهوميرية

وتراجيديات الروم والاغريق

ومعارك الحرب والسلام

على ارض الفرس والهند والسند

ويبكي اطلال حضارات سادت ثم بادت

تجدني اركن في الصف الخلفي

ثم اغط في سبات عميق

واحلم بيوتيوبيا الشعراء الصعاليك

حتى يدوسني حصان طراودة

واكتب اليادة  جديدة عن الحريم والعبيد

هنالك في باحة قصر السيد الزعيم

طائر سجين يلعب على وتر الحرية

ويسخر من فزاعة مكبلة

في حديقة الاميرة المدللة

وبصوت حزين تغني الجارية:

لا تنامي ايتها العتمة

حتى يستيقظ الليل

وتنط الضفادع

على ضفة نهر هادىء

تحت ضوء القمر

*

الشاعر الذي يهز سرير الزعيم

حتى ينام في مهده

فهو شاعر ثقيل الظل

يضع على ظهره

سرج متعب ولجام مزعج ومشنقة

يخاطب الكراسي الفارغة

في بيوت الشعر المكتظة

بالجنود والضباط الكسلاء

وينتحل هوية مرشد عسكري شاعر

ورؤساء تحرير الصفحات الثقافية

في جرائد الزعيم الأوحد

***

بن يونس ماجن

 

من حدود العتمة

تبدأ مسيرة ضوء

تخطو في المدى

خطوات وئيدة

سارح في السموات…

في زوايا الكون

غيوم الأفكار

شاردة…

تدفع بها رياح القلق

يفكر…

بذلك الألم

بذلك الأمل

ذروة شكوك

مزدحمة…

فراغ قاتل…

لا مكان للنسيان

ذكريات أليفة

نوافذها مفتوحة

نسائم الحنين

تعبر جدران المنازل المهدمة

تتلاطم ستائر الشوق

تقيم ساعات الأمس

في انتظار

لا يدركه الملل

شاخص الى زرقة السماء

يرمقها بعيون

مشبعة بالأحلام

حتى ينكشف السر

عن إيقاع ضوء آت

من الأعالي

من داخل النفوس

لتزهر اشجار ايامنا

آيات بينات…

***

عباس علي مراد

منذ تخرّج أبو الجعافر من السجن وحلف بالطلاق على زوجته مُسبّبة ايداعه السجن.. منذ ثلاثة أشهر وثلاثة أيام، وربّما ثلاث ساعات، فهو لا ينسى ذلك الوقت الفاصل في حياته وفي علاقته بزوجته تحديدًا.. منذ ذلك الوقت وهو يفكّر في تلك المرأة التي تحدّثت إليه صديقته الختيارة عنها وعن اهتمامها به وبأخباره أثناء فترة سجنه. لقد علّمه السجن الكثير الكثير فبات بأدواء النساء خبيرا. هو يعرف أنه إذا ما عرف مفتاح المرأة، أي امرأة، تمكّن من فتح بابها المغلق ودخل إلى رحابه دون شور ولا دستور. وضع خريج السجون الهُمام يديه وراء رأسه على شكل مثلثين أو هرمين مُتحفّزين للانقضاض على واحة في صحراء.. واسعة مترامية الأطراف وراح يفكّر في مِفتاح تلك المرأة. فكيف سيصل إلى بابها حقيقة وكيف سيتمكن من فتحه؟ وماذا عليه أن يفعل كي يقوم بهكذا مهمة دون كبير عناء أو عظيم جهد؟.. ماذا بإمكانه أن يفعل في هذا الصباح الشتوي المُزغرد المغنّي... لينعم بالدفء الغامر والراحة الخالصة؟..

"لكل امرأة مفتاحها"، قال في دخيلة نفسه فأي المفاتيح يمكن أن يفتح باب تلك المهتمة به وبأخباره؟.. لقد طرق بابها الموارب قبل أيام فانفتح من تلقاء ذاته، وهو لا ينكر أنه نَعِمَ بالقرب منها ومما نشرته من ورود جورية في بستانها المترف، غير أنه سرعان ما اكتشف أنها إنما تلعب معه لعبة القط والفار، فكلّما اقترب ابتعدت وكلّما ابتعد اقتربت. تحرّك في مسترخاه، "أنا يجب أن افعل شيئًا.. لست عاجزًا وسوف أصل إليها". وكان أول ما فكّر فيه هو أن يقوم بالتوجّه إلى البرية المحاذية لبلدته ليلتقط لها إضمامة ساحرة باهرة من أزهارها البرّية، غير أنه ما إن تذكّر أن تلك.. كانت الطريقة التي اوصلته إلى زوجته.. المُتسبّبة في سجنه حتى هتف لنفسه "كلا انا لا يمكن أن أسلك في الطريق الخطأ مرتين وألا الذغ من جحر واحد مرتين.

فتح عينيه وأغمضهما.. استسلم لنوع ما من الوسن. ورأى بأم حلمه نفسه في حديقة حافلة بالورود والأمواه والوجه الحسن. كان وجهها.. وجه تلك الفاتنة صاحبة اللعبّة المُضنية، لعبة القط والفار، يُطلّ عليه من كل زاوية وركن. عندما فتح عينيه عاوده تفكيره الملحّ بها. وكان يشعر بأنه أشبه ما يكون بعدًا عنها.. بُعد الألف ميل وما عليه الآن إلا أن يضع الخطوة الأولى على جبهة الميل الأول.

أطلّت الحيرة من عينيه اللامعتين. وفي لحظة مُغافلة للوقت والزمن لاحت له صورة تلك الختيارة التي أخبرته باهتمام تلك المحبوبة المستعصية عليه، إبّان مكوثه في السجن. ترى هل سيجد الحل لدى تلك الختيارة.. بعد ان تعقدت اموره وسُدّت في وجهه كل الطرق.

هكذا امتطى أبو الجعافر رجليه وانطلق باتجاه تلك الختيارة. لم يكن الطريق طويلًا وإن خُيّل إليه أنه كذلك. تسلّل على أطراف قدميه ليدخل إلى غرفتها الوحيدة وتعمّد مُفاجأتها، غير أن ما تبيّن له، بعد تجاوزه باب تلك الغرفة واقترابه من وسطها، أنها ليست هناك. جلس الضيف الحبّوب على حافة سرير مُضيفته ومثيرة أفكاره الغائبة. استرخى على السرير الوحيد في الغرفة. كان سرير ختيارته مريحًا إلى اقصى حدّ. فاستسلم إلى ملك الكرى.. ونام، ولم يستيقظ إلا على يد تُمسّد جبينه، وتسوّى خصلات شعره بحيث تُبعدها عن وجهه وجبينه الشاب. تحكّم فيه استولى عليه أمير الغرام، ولم يعد يميّز بين واقع وحلم، فواصل استسلامه لليد الحنون المُحبّة الحانية. وعندما فتح عينيه هذه المرة، رأى وجه محبوبته العاصية المُستعصية. شعور دافئ افترش وجهه.. وحلم ورديّ سرى في جسده المُلتهب غرامًا شوقًا وتوقًا. فانصاع لمشاعره الفياضة تلك.. وتابع حلمه متداخلًا فيه.. ولم يُخرجه من حلمه هذا سوى يد تلك الختيارة اللطيفة.. كان ذلك عندما هزّته هائبة به أن يفيق.

اقتعد الضيف المُفاجئ طرف سرير ختيارته وفاتحة أبواب أشواقه وآلامه في الآن ذاته، وراح يتحدّث إليها باكيًا شاكيا ما لاقاه من الآم صدّ وحرمان تكاد تكون أقسى مما عاناه في أيام سجنه وليليها المعتمات. تحدّث عمّا اختزنه من مشاعر طيبة، وغالى في التعبير عمّا يجيش بنفسه من مشاعر ترافقها الام عظام. فمدّت ختيارته يدها إلى جبينه بحنوّ لا حدود له، الامر الذي أنساه معاناته، مع تلك اللاعبة الماهرة في ميادين المحبّة.. قُربًا وبُعدًا. اخذته يدها من نفسه، حتى أنه بات يعتقد أن تلك الختيارة استعارت صورة تلك المحبوبة العاصية المستعصية عليه. فقرّر ان يخوض غمار اللعبة الغرامية حتى ذراها السامقة العالية. أرسل ابتسامة حنونًا تعلّم إرسالها أيام الغرام الأولى مع زوجته الناكرة، فبادلته مُجالسته النظرة الموازية. ما جعله يسألها عن نوع العطور الساحرة التي يتنسّمها مع هبّات الهواء الرخية الهابّة في الغرفة. ما إن سمعت ختيارته إطراءه هذا حتى توجّهت إلى عُلبة خشبيّة عتيقة ذات زجاج بلوريّ من تحت سريرها.. تناولت منها قارورة طيب.. ورشّت منه بعضًا من رذاذها على جسدها.. منتقلة بيدها الحانية لترشّ منها على جسده غامرة إياه من راسه الى اساسه. عبقت الغرفة بالرائحة الذكية المشتهاة منتشرة في الآفاق والأجواء. فما كان منه.. هو ضحية زوجته الناكرة المتنكرة.. خريج السجن المُظلم الظالم، إلا أن لمعت في خاطرة سانحة ما لبث أن شرع في تنفيذها.

أمسك أبو الجعافر بيد ختيارته وانطلق مندفعًا نحو باب غرفتها المعتّق العتيق. ضمن محاولة للانطلاق في الفضاء الرحب، تمنّعت صاحبة اليد عليه قليلًا غير أنها ما لبثت أن انصاعت له وللرائحة الذكية المنتشرة في الأجواء. انطلق الاثنان باتجاه تلك المرأة المحبوبة المستعصية، بُعدًا وقُربًا.. انطلق وفي نفسه رغبة جامحة في أن يُفجّر ما يشعر به بين المرأتين.. الصبيّة المُستعصية.. والختيارة المُرتضية..

انطلق الاثنان في الشارع الطويل، وما لبثا أن توقّفا قرب فيللا مُشرئبة بعنقها نحو السماء.. صلفًا وخيلاءً.. دخل الاثنان إلى ردهات الفيللا متنقّلين مثل ديك بلدي ودجاجة أمريكية عُتقية. وسرعان ما توقّفا قُبالة محيرة أبي الجعافر وسالبة لبّه. فاحت الرائحة الذكيّة في كلّ أنحاء الغرفة، وقالت ابتسامات تلك المحبوبة المستعصية للعاشق المحتار إنه ربح اللعبة.. فَهِمَ ذلك من طلبها السماح له بأن تقبّله، فمدّ لها خده.. وفي باله أن يمُدّ شفتيه.. وهو يرسل نظرة آملة إلى ختيارته مرافقته.. نظرة غير متأكدة وحافلة بالشك.

***

قصة: ناجي ظاهر

يلتقي الماء بالماءِ

لكنّ كلّ الفصول تضيق.

*

يدخل الظلّ في الظلّ

كيف العبور إليك وهذي الظلال حريق؟

*

أيها المستطيل

تمدّد قليلا

لتلمس دائرة الاختناق.

*

أيها الميّت المتجمّد في دمنا

هل لقيت قلاع المدينة؟

-   شاهدتها

تتوغّل صوب السراب.

*

أمزج الأصفر القروي

بأزرق كل البحار

لأرسم أخضر قلبك أيتها العاشقة.

*

مالها النحلة الملكية

تهجر هذا التُّويجَ

وتحرد منتحبة؟

*

ينكر اللون لونه

لو يتعرّى.

*

تشتهي الريح خدّ المحيط

فتخنقها شوكة طائشة.

*

كيف لا يلتقي الطفل

بالمعجزة؟

*

للبنفسجة القمرية

أن تتفتّح فوق سريري

وتكسو هذا الخراب.

*

عندما لاذت النار بالنار

صرّخ نيرون

في وجه روما

لتهلك كل الخليقة

ثم أموت.

*

مَثَلٌ شائع:

قمم الأرض لا تلتقي

إنما للرجال لقاء.

*

ليس هذا الجدار سميكا

لتعبره النملة العاملة

ولكنها متعبة.

*

أيها المطر الطفل عجّل خطاك

فقد ترحل الأرض قبل لقاك.

*

إن لقيت الحقيقة قدام بابك

ذات صباح

فلا تركب الحافلة.

*

ضحكة الميّت المتجول لا تلتقي بسواها

ولكنّها تستقرّ بقعر البيوت.

*

لا يحطّ الجراد على قرية

مرّتين.

*

البياض لقاء لحلمين

فرّا من الذاكرة.

*

التي نذرت وجهها للرماد

لا يليق بها غير ثوب الحداد.

*

ضيعتني المدينة

منذ التقيت بنفسي.

***

محمد نجيب بوجناح - تونس

في الشهر الفائت جيء بنا مع الفوج إلى هذا الفج من أرض المعركة المجنونة. خمسة رجال بثياب العسكرية الرثة. لم نغتسل منذ زمن لكثرة أيام المعارك وساعاتها المرعبة الموحشة. في اليوم الأول من الشهر صدحت حنجرة عبد الرحيم الضامن بشجنها المؤسي، عند الساتر الذي يختفي ملجأنا بين انحناءته الحادة. ناح عبد الرحيم وتوجع وكنا جميعا نلوك الحزن مع صوته تأسيا دون جزع. الأسبوع الفائت كان عبد الرحيم جاثيا على ركبتيه أمام باب الملجأ يترنح مثل شحاذ يستعطف المارة. اختار هذه الزاوية دون غيرها ليتكئ عند حافتها ضاما بين أصابعه خاتم خطوبته الذي ألبسته إياه حبيبته  في  إجازته الأخيرة. فتح أصابعه ووضع الخاتم في أصبعه الأوسط ثم استله ووضعه في أصبع البنصر من اليد الأخرى، كرر ذلك وهو ينشد مناحته، تهدج صوته حزنا دون أن نرى له  دمعا.

البارحة، كانت النجوم تلمع في الطرف الآخر من العالم، وظلمة المساء تسدل عتمتها لتغلق الأفق البعيد، والناس في المدن البعيدة نيام، ربما يتظاهرون بالنوم، ولكن جفونهم كانت مغلقة بانتظار مداهمة النوم، لم يكن هناك سوانا يتنصت أصوات المدافع وأزيز الرصاص وانفلاق القنابل، نمد أجسادنا في الملجأ الرطب نترقب القادم بعيون جاحظة فزعة.

في حديث طويل قال عبد الرحيم بأن في قريته القصية هناك في الجنوب، يتبادل الناس المحبة والخوف والتوجع وحتى الشتائم بالغناء، ولن تجد بينهم من لا يمتلك صوت غريد. هكذا قال عبد الرحيم وهو في حالة انشراح ونشوة، يدير الخاتم حول أصبعه ثم راح ينشد.

حين يغني عبد الرحيم أراه وكأنه وحده من يمتلك المكان وكل شيء فيه. جميعا كنا نشعر ذلك، لذا نعافه لهواجسه وتلذذه . البارحة غنى وشاركناه، فكنا نردد معه مثل جوق، وكأنا مارسنا الغناء طويلا، وعرفنا بعضنا منذ سنين بعيدة. صار عبد الرحيم ملاكنا الذي نرقب تجليات صوته لنحلق بعيدا مع أشجانه، ونبعد عنا وحشة الحرب وترقب الموت، ولكل منا أرجوحة من حكايات خوف وألم وتوجع، كنا نتتبعها بين تموجات ورخامة صوته.

كانت لي أسبابي لكتم ألمي وأسراري الشخصية، لم أكن أرغب البوح عنها. لم أود سرد حكاياتي حتى لعبد الرحيم الذي يسرني بالكثير من أسراره، ولست عارضا مشكلة عزوفي الذهاب إلى بيت أمي لوجود الرجل الذي حل بديلا عن أبي، رغم ما أشعر به من ألم ممض لفراقها. وهناك في عيون شركائي في الحظيرة المسكونة بالترقب والرعب اليومي، ما يشفع لذرف الدموع. ولكن عبد الرحيم كان صلدا صلبا رغم غنائه الموجوع الذي يدمي القلب.

البارحة مساءً أدار خاتم خطوبته بين كفيه لمرات، وكانت عيناه السوداوان تدوران في أفق بعيد، عند حافة السماء المغبرة المرمية خلف الساتر الترابي، وصوته يعلو شجنا، كان كمن يحلق في الريح ويمسك السحاب. للمرة الأولى شاهدت دمعة منفردة تسربت هابطة فوق وجنته المتغضنة، وكانت أصابعه تعتصر خاتم الخطوبة بقوة.

اليوم كان المساء شاحبا مغلقا تخترقه التماعات القنابل المتساقطة بهمجية، كنا فيه واجمين مذهولين موجوعين، تلامس أكفنا وجه عبد الرحيم البارد الشاحب، كان يتلوى مثل سمكة أخرجت من الماء، يتأوه بوهن شديد ولا يستطيع رفع جفنيه، بقعة الدم التي نزت من جسده تحيط به مثل دائرة سوداء.

ـ القنبلة سقطت جواره؟

ـ كلا، فقد انفلقت عندما كان يغني فوق الساتر وشظاياها حزت الكثير من المواضع في جسده.

هكذا اختلفنا حول مكان مقتله حين وجدناه جاثما بين جدار الملجأ وحافة الساتر الترابي. ارتخى جسده كليا وكان القمر شاحبا شحيح الضوء مصلوبا في قلب السماء، حينها لاحظت بأن أصابع الكف اليسرى لعبد الرحيم قد بترت واختفى معها  خاتم الخطوبة.

ليومين متتالين بحثنا في تجاويف الأرض القريبة من المكان الذي قتل فيه وخلف الساتر الترابي عن أصابع الكف، أو الأحرى عن الخاتم، لنلحقه بجثته ولكن محاولاتنا خابت تماماً.

***

فرات المحسن

"كل الذين عرفتهم"*

عادوا …

من الوليمة

دون وجوهٍ

دون أصابع

مشبعة أرواحهم

خيانة وضغينة…

**

كل الذين أودّهم

تركوا ذكرياتنا على الرصيف،

تناثرت أوراقها في القلب المثقلِ بالحنين

بين الدفاتر…

وقوداً لتنور أمي…

***

في الزمن السري…

رحلوا…

هاجروا…

وما عاد الرصيفُ

يحتضن أقدامنا،

ويغسلنا بالمطر

ومن بقي، مائدةً للمجزرة…

يا لهذه الحياة!

أينما التَفَتَ …

تراها مجازر

مترامية الأطراف…

صَمَّاءَ جائرة.

***

كريم شنشل

 

كما أراك

هل أنت كما اراك

في الحلم!

جنة نخيل

خصور نحيلة

قامات منتصبة

تستعرض عظمتك

كما جنود سليمان

في العالمين

هل العراق

غير الكوثرين !

كأسين سومريين

مزاجهما خمرة شمس

قمر ونجمتين

***

الأخ الأكبر

يا لهذا ألأخ الأكبر

الأمريكاني

من أخ سئ

يختال بطرا

على الأرض

بعيون زائغة

من نحاس

وقلب قاس

من حجر صوان

وبمكان ما

طفل يبكي لا يسمعه

لم يكد يحبس دموعه

حتى حطت حمامة

من حيث لا يدري

من اي سماء جاءت

حمامة ضمأى

تنقر راحة كفيه

فتأخذ دمعة صغيرة

وتعطيه دمية

ثم تطير في الأعالي

***

الجائحة

رأيت العالم

في زمن جائحته

عاريا كما هو

مرتعبا كطفل

ورآني

كما أنا

شبحا خائفاً

يتوارى خلف

قناع شجاعته

**

ارجحت ضجري

بكرسي وهمي هزاز

وبسيجار كوبي أتخيله

بين الشفتين

ولكي أدلل نفسي أكثر

امتطيت في نزوة عابرة

صهوة فرس عربية

وابحرت بقارب فينيقي

على صفحات بيضاء

لكتاب الكوميديا الإلهية

قلت لدانتي:

لنمضي يا رفيقي الايطالي

نسرح جيشا رومانيا

بزي المارينز

لا عمل لديه

سوى مسح غبار الارض

بمكانس خوذ حمراء غبية

لنعطيه عملا آخر

اكثر فائدة للبشرية

ان يقتلع بأسنانه الذرية

اشواك الأرض

ولنقم معا نحول

مشافي كل مجانين السلطة

قاعات للرقص الغجري

ومعابد الأوثان

حانات للخمرة

ومواخير للذة

نفتح فيها كوة

على غرف سرية

لرؤساء الألفية الثانية

بعد العقدين وخمسة اعوام

**

ارقص يا رفيقي

كما السنة نار مجوسية

اقطع ازرار قميصك

افتحه شراعا وابحر

سيورد الجوري

في وجنتيك

فبعض الوقار

ستار رخيص

ارقص حتى الاغماء

لتتساقط احزانك

كأوراق الأشجار

في خريف ينتظر

يهتف

مرحبًا بك

***

صالح البياتي

 

في النهارات المضيئة

تلبس العنادل

حلة ابتهاجاتها

وفراشات الحقول الخضر

تزهو بفرح لكن

في الجهة الاخرى

من سياج الخديعة

تعوي بنات اوى

الثعالب والذئاب

مهددة بتهشيم

مرايا حب العنادل

والعصافير للحقول

وللمروج الخضر وقرب

السفوح والهضاب المضيئة

تتناسل الايايل والغزلان

واحصنة البرق

الريح والمطر

تصهل.. تصهل

صهيلها العقيقي الناضج

معلنة عن مدى حبها

للشموس للنجوم

للشفق الازرق

ولهالة القمر.

***

سالم الياس مدالو

 

مذ كانت كثبان الريح

تكتب للصحراء معالمها

وتهتف للعوسج ان يصغي*

كانت اقدام الريح

ترسم مشوار مصائرنا

لا تعبئ في شيء

غير سموات لا تمطر إلا غيثاً

عند طلوع الفجر..

تحمل للكون بشائرها

حين يكون اليعسوب تلاشى*

او مات من القهر..

**

تقول: إلام أعاند نفسي

ولماذا اليعسوب يلاحق ظلي؟

ولماذا بات الهوس المضني

يناور بين ظلال الصحراء

وبين الصفصاف؟

يخالف كل الأعراف..

فمن اين تجيء الحمى

وكيف تسير الاقدام على الرمل

المثلوج بنار الاجلاف..؟

**

العلكة..

جاءتني تمضغ علكتها

وقامتها تلويها بدلال

وجديلتها تدفعها نحو الخلف

وبين الحين والحين

تخرج علكتها بالوناً وردي

يفرقع، حتى يظهر ثانية ليغيب

مع غيبوبة جفنيها

حين تحدق في الاعلى لتجيب

هي في شغل شاغل في علكتها

وانا في غيبوبة سحنتها

مبهورا بخلق الله..

***

د. جودت صالح

30/12/2024

.......................

* العوسج / شجيرة ذات اشواك حادة وسامة تتأقلم مع الظروف المناخية بين كثبان الصحارى.

* اليعسوب / حشرة (أيبيروتكا – باللغة اليونانية القديمة- أبرة الشيطان او حشرة التنين -

 

(الى روح شقيقتي "أم نوفل" الحاجة أحلام عباس السماوي الحسناوي

تغمدها الله بعظيم رحمته ورضوانه)

***

أحـتـالُ ـ مـن وجَـعـي ـ عـلـيّ فـأزعَـمُ

أنَّ الــمــواجِــعَ لــلــمــسَـــرَّةِ سُـــلَّـــمُ

*

كـثُـرَتْ عـلـيَّ مـن الـهـمـومِ ذئـابُـهــا

فـكـأنَّ بـيْ ذئــبَ الـهــمــومِ مُــتــيّــمُ

*

أمــشـي فـمـا أدري أتـحـمِـلُــنـي الــى

خَـلــفـي الـخُــطـى؟ أمْ أنــنـي أتــقَــدَّمُ؟

*

يــومٌ ولا أقــسـى رحــيـــلُ شــقــيــقــةٍ

هـي مــن فـــؤادي لا أعــــزُّ وأعــظـمُ

*

بَـلَـغَـتْ مـن الـشَـرَفِ الـتـمـامَ وبَـلَّـغَـتْ (1)

" سِــتًّـًا " جـمـيـعُـهُـمُ الـنـجـيـبُ الأكــرمُ

*

" سِــتّـا " ولـيـس كـمِـثـلِـهِــم في بِــرِّهِـمْ

فــكــأنـهــم لِــسِــوارِ بِــرٍّ مِـِـعـــصَـــمُ

*

فـكـأنـهــا لِــبـلاغــة الــمــبــنــى يـــدٌ

وكـأنـهــا لــفــصـاحـةِ الــمـعــنـى فــمُ

*

نــهــرٌ ولـكــن لا ضِــفــافَ لــهُ ولا (2)

لـمـثـيـلــهِ  فـي الـطـهــرِ إلآ زمــزمُ

*

حـوراءُ قُــدوَتُـهـا بـصـبــرٍ " زيـنـبٌ "

عـصـمـاءُ قُـدوتـهــا بـطـهــرٍ " مـريَــمُ " (3)

*

ورثـتْ عـن الأمِّ الـمـروءةَ والــتُّـقـى

وعـن الأبِ الـشـرَفَ الـذي يُـتـوَسَّـمُ

*

وعــن الـشـهــيــدِ الـبـعــلِ طـودَ إرادةٍ (4)

لـم يُــثْــنِـهــا الـمـتـجَـبِّـرُ الــمُــتـجَـهِّـمُ

*

يــا أمَّ نــوفــلَ والـلــيـالـي طـبـعُــهـــا

تــبــنـي كـمـا شــاءَ الــزمـانُ وتـهــدمُ

*

تُــدنـي مـن الــمـرءِ الــبـعــيــدَ وربَّـمـا

تُـقـصـي الـقـريـبَ وتـسـتـبـيـحُ وتُـرغِـمُ

*

يــا أمَّ نــوفــلَ أشــــتــكــي مــنـي وقــد

أعـيــا أطـبَّـائـي وصـحـبـي الــبــلـسَــمُ

*

طَحَـنـتْ رَحـى الأيـامِ أمـسـي واسـتـبـى

يــومـي ضَــبــابُ غَــدٍ وغَـيـبٌ  مُــبـهَــمُ

*

يـا أمَّ نــوفَــلَ والشـهـورُ تــشــابَـهَــتْ

فـي الــفـاجـعـاتِ فـكــلُّـهــنَّ " مُـحَــرَّمُ "

*

يـأ أمَّ نـوفــلَ والــفـصــولُ تــمـاثــلــتْ

فـي الـمُــعـسِـراتِ فـمـا لِــيُـسـرٍ مـوسِـمُ

*

غَـرَّبـتُ فـي خـطـوي فَـشَـرَّقَ خافِـقي

والــحــالـــتـــانِ مَــتــاهـــةٌ وتــوهُّـــمُ

*

يـــا أمَّ نــوفــلَ كــلُّ صـــرحٍ قــائِــمٍ

لا بُـــدّ  ذاتَ غـــدٍ يُـــدَكُّ ويُـــهـــدَمُ

***

رمَّــمْـــتُ لـــو أنَّ الـــزمـانَ يُــرَمَّــمُ

ورَدَمـتُ لـو بـئـرُ الــفـواجِـعِ  يُــردَمُ

*

يــا أمَّ نــوفــلَ مــا جـزعــتُ لأنـنـي

أشـكـو الـظـمـاءَ وأنَّ صـحـنـي مُـعـدَمُ

*

لـكــنْ لأنَّ الــقــائــمــيــنَ بــأمــرِنــا

غـالٍ عـلـيـهـمْ فـي الــمــزادِ الــدِّرهَـمُ

*

فـهـمـو عـلـيٌّ والـحـسـيـنُ خـطـابــةً (5)

أمّـأ الـفـعـالُ فـهـم يـزيـدُ ومُـلـجِـمُ

*

يــا أمَّ نــوفــلَ والــرزيــئــةُ أنـهــم

قــد حَـلـلـوا مـا لا  يَـحِـلُّ  وحـرمـوا

*

أحـنـتْ مـن الـدَّجَـلِ الـمـآذنُ رأسَـهـا

واسـتـوحَـشـتْ لـيـلَ الـعـراقِ الأنجـمُ

*

وطـنـي يــتــيــمٌ لا أبٌ فــيــذودُ عـن

طــفــلٍ ... ولا أمٌّ تَـحِــنُّ وتــرحَــمُ

*

ثُـكِلـتْ بـدجـلـتِهـا الـضـفافُ وأصحرَتْ

فــيــه الــحــقــولُ فـكــلَّ  يــومٍ مـأتــمُ

*

يــا أمَّ نــوفــلَ مـا الـحـيـاةُ إذا اســتــوى

فـيـهـا " الـمُهَـتَّـكُ " والـنـجيـبُ الأكرمُ

*

ولــربــمـا عـابَ الــذي ورث الـخــنــا

شـرفَ الـنـجيـبِ وعـابَ نـورًا مُـظـلِـمُ

**

يـا أمَّ نـوفـلَ حـسـبـنـا مـن ضـعــفــنـا

أنـّـا بــمـعــركــةِ الـحــيــاةِ ســـنُـهــزَمُ

ولــربَّـمـا يُــردي الـســلـيـمَ مُـعَـسَّــلٌ

ولــربَّـمـا يُــشـفـي الـعـلـيـلَ الـعـلـقَــمُ

*

نـبـكي ونــسـتــبـكي ونـعـلـمُ أنـنـا الـ

مـوتُ الــمـؤجَّـلُ والــفـنـاءُ الـمُـحـكـمُ

*

الــمــوتُ قــهّــارٌ ولا مـن غــالــبٍ

إلآهُ .. فـهْــو الـحـاكـمُ الــمُــتـحـكِّـمُ

*

هـي زورةٌ ـ وادي الـسـلامِ ـ وبـعـدهـا (6)

مـثـوايَ حـيـن يـجـفُّ نـبـضـي والـدمُ

*

عَـتَـبـي عـلـيــكِ سَـبَـقْـتِـنـي فـي رِحـلــةٍ

مـا  بــعــدهــا وصــلٌ يُــسِــرُّ ويُــنـعِــمُ

*

مَــنْ ذا  تــؤمُّ بــنــا  صَــلاةَ مــسَـــرَّةٍ

إنْ غـابَ عــنّــا وجـهُــكِ الــمُـتَــبَـسِّــمُ؟

*

مـنـي الـسـلامُ عـلـيـكِ مـا طـافَ امـرؤٌ

وســعــى وقـام الـى الـصـلاةِ الـمـسـلـمُ

***

يحيى السماوي

النجف الأشرف الأشرف ـ

مقبرة وادي السلام في 29/12/2024821 samawi

(1) ستّا: إشارة الى أطفالها الستة الذين أحسنت تربيتهم بعد اختطاف زوجها فكانوا ـ بعد أن كبروا ـ مثالا عظيما في البرّ ومكارم الأخلاق وفي الرجولة والشرف النضالي والجهادي حتى أن بعضهم أمضى السنين في سجون النظام الديكتاتوري البائد .

(2) نهر: خبر لمبتدأ محذوف تقديره هي .

(3)  إشارة الى صبر الفقيدة منذ اختطاف زوجها من قبل نظام صدام حسين عام 1979 وحتى سقوطه عام 2003 حيث لم يُعثر له على  أثر في المقابر الجماعية فاتضح أنه من بين الذين تم فرم أجسادهم وإذابتهم في حامض الكبريتيك المركز ..

(4) وعصماء: صفة مشبهة تعني الفرس الأسود الذي في أحد أطرافه بياض .. كما تعني الفريدة التي لا مثيل لها في الفصاحة والبلاغة .. وتعني أيضا المرأة التي عصمها الله من الفاحشة والخطيئة فكانت نِعم الزوج لزوجها ـ وهو المعنى المقصود في القصيدة .

(5) يزيد وملجم: هما الملعونان يزيد بن معاوية وعبد الرحمن بن ملجم قتلة الإمامين علي بن أبي طالب والحسين بن علي عليهما السلام .

(6) وادي السلام: هي مقبرة وادي السلام في النجف الأشرف

أخبرتك ان العمر مضى

وأخبرتك انك ملاذ وحدتي

وما زارني الا طيفك

فلماذا خذلتني ..؟؟

غِبّ عهدك القديم

الا تذكر سنينا سقيناها معا

دموعا باهظة المخاض

كيف بعت قلبي

في سوق النخاسة

بدرهم صدأ

وقتلت براءة شجونه

هارب وجعي

من صبره المعتق

فساقه الوهم اليك

أعذارك القديمة بت أمقتها

أعرفها

وتلك الأكاذيب

غدونا شواطئ بلا ذكريات

أسئلتي تبحث

عن قارب ضل مرساه

محفورة بذاكرتي تلك الحقائق

لا تلمني ان رميتها

تحت احذية السابلة

وآن الأوان ان أتقيأ

فرحة وعودك المؤجلة

كي لا أبدو شاحبة أمام مرآتي

***

نص شعر

سنية عبد عون رشو

كانت الحاجّة غُبنة في طريقها إلى الشيخ مسعود، عمادها الأول ومستقر معرفتها. عندما تتالت صور ذلك المشهد الرهيب تترى على مخيّلتها. رجل يسقط من برندا الطابق الثالث القائم قُبالة شقتها في الطابق الثاني. رجل يسقط مِن هناك. وظلُّ رجل آخر في الأعلى. وكانت الحيرة تعبث بها وتأخذها هائمة بها من شجرة شمّاء إلى صخرة عمياء غائرة في أعماق الأرض. ". الطريق إلى بيت الشيخ مسعود ما زال طويلا"، قالت لنفسها وتابعت "عنده سأجد الحلّ لتلك المعاناة.. تلك المعاناة كبرت يومًا إثر يوم، حتى وصلت إلى تعقيدات وتشابكات.. إما حياة واما سجن وموت. منذ نحو الاربعين عامًا.. أيام كانت الحاجة المصون صبيّة في ذروت تفتح زهرتها تعرّفت إلى الشيخ مسعود. بالأحرى.. عرفتها به امرأة مُسنّة كانت تقيم في البيت السابع فيما بعد بيت أهلها.. في الحي القديم. كان ذلك يوم شكت لها من عبوس الحظ لها وانغلاق ابواب الفرح في وجهها واكفهرار السماء الواسعة بينها وبين خطيبها. عندما وقفت في حينها بين يدي الشيخ مسعود سألها أن تروي له عن كلّ ما حصل لها مع خطيبها فروت كلّ صغيرة وكبيرة بينها وبينه شاكية له انصراف خطيبها عنها وانقطاعه عنها لمصلحة صبية أخرى منافسة. يومها سألها الشيخ مسعود هل ضايقته بشيء.. فنفت أن تكون قد قامت بأي مضايقة له. بل استرسلت في حديث مطوّل عن تكريم أهلها لخطيبها وعن تلك العلاقة الودّية الرائعة التي ربطت فيما بينها وبينها. وهي مازالت تتذكّر كيف أن الشيخ مسعود الذي كان يكبرها باقل من عقدين من الزمن هزّ يومها برأسه ووعدها أن تعود العلاقة بينها وبين خطيبها المولّى كما كانت من ذي قبل وأكثر. لقد مضى على ذلك اللقاء ردح مديد من الزمن، وقد ارتبطت بخطيبها بعد ان صدق كلام الشيخ الموقّر، وأنجبت الأولاد.. والأولاد انجبوا أبناء، ورحل زوجها العزيز الغالي من دنيانا.. وها هي تجد نفسها في موقف هي أحوج ما تكون فيه لمعونة الشيخ مسعود ومُساعدته، فالأمر يدور حول حياة تتواصل أو موت يتفاصل..

وضعت الحاجّة يدها على جبينها وهي ترسل نظرات مستطلعة في الطريق الطويل أمامها. وكانت كلّما خطت خطوة شعرت بثقل المسؤولية المنوطة بها. كانت تودّ لو أنها لم ترَ ذلك المشهد ولم تكون واقفة في شرفة بيتها في ذلك اليوم المشؤوم. امتلكت الحيرة عليها جُماع نفسها واستحوذت على دنيا تفكيرها، وتساءلت بينها وبين نفسها عمّا سيقوله لها ذلك الشيخ المُبجّل، الشيخ مسعود. هنا أطلّ طيف مُرافقتها الأولى ذاتها الى بيت الشيخ قبل كلّ تلك السنين " تابعي الطريق. لم يبق عليك إلا أقلّه. تابعي يا أخيتي. عند الشيخ ستجدين الإجابة الشافية لسؤالك الصعب.. الشيخ مسعود إنسان عاقل ومثلما وجد لك الحلّ لسؤلك المستعصي أيام خطوبتك فإنه سيجد الإجابة لسؤالك المقّعد الراهن.. "، حفزها صوت تلك المرأة ساكنة البيت السابع في تلك الأيام الشابّة الماضية على مواصلة الطريق.. غير أن الطريق ما زال طويلا.

مضت الحاجّة غُبنة تشقّ عُباب العتمة بعد أن ابتدأت في الهبوط على الارض. ومضى طيفُ تلك المرأة إلى جانبها يحثّها كلّما أحسّت بوهن ما على المواصلة.. مسؤولية كبيرة تتوقف على شهادتها ضد انسان مسكين.. هي كانت الشاهدة الوحيدة على ذلك الحادث المُرعب الذي ذهب ضحية له انسان خائف ويتوقف عليها مصير انسان مسكين.. إلى حدّ ما.

توقّفت الحاجة الحائرة قُبالة بيت كبير، قام في السفح العالي للجبل المحاذي للقرية. سارت خطوات توقّفت بعدها أمام الباب المفتوح، ودلفت إليه لتجد نفسها تقف وجهًا لوحه قُبالة الشيخ مسعود. ابتسم لها الشيخ الجالس قرب كوانين النار وعليها دلّة القهوة السادة. رحب بها ترحيب مَن يعرفها ويعرف أنها لا تأتي إلا للبحث عن إجابة لسؤال صعب محير. أهلًا وسهلًا بك. رحب بها فردّت وبك.. ماذا وراؤك سألها. فردّت.. تذكر مصرع ذلك الشاب (وذكرت اسمه)، عندما حاول الهروب من شقة عشيقته بعد أن ضبطه صاحب البيت مع زوجته في وضع غرامي حميم. نعم نعم أذكر.. تابعي.. أهاب بها الشيخ الموقّر. تابعي.. أذكر.. أذكر. تابعت الحاجة غُبنة أنت تعرف ما حدث يومها.. فقد تحدّث به القاصي والداني. وعلم به وبما احتواه من تفاصيل جميع أهل البلدة. وها أنا ذي أتيت إليك لأفضي بسرّ كبير احتبسته في صدرى منذ السنة الماضية. سرّ جعلني الشاهدة الوحيدة فقد كنت يومها أقف في شباك بيتي المطلّ على بيت الحادث المؤسف. وقد رأيت جارنا يقف في أعلى برندا بيته في الطابق الثالث، في حين تعلّق عشيق زوحته بطرف البرندا. لقد رأيت الزوج صاحب البيت يُفلت يديّ عشيق زوجته ليسقط المسكين من اعلى وليلق بالتالي مصرعه. وقد جرت تحقيقات واسعة النطاق في ذلك الحادث المحزن.. وها هي المحكمة تطلبني للإدلاء بشهادتي العيانيّة. فاذا ما شهدت بما رأته عيناي هاتان ذهب الزوج المخيون ضحية أخرى.. وقضى ما تبقى له من عمر رهن أربعة جدران وبرودة سجن لا يرحم لا ابن ولا ابنة. فهل أشهد بما شاهدته أم أخرج ذلك الزوج من دائرة الفرندا. وأدّعي أن العشيق سقط دون أن يتسبب له الزوج بأي أذى؟. أريد أن استمع إلى رايك.. ارشدني.. للخروج من هذه الورطة.. فهل يمكنني أنا الحاجة إلى بيت الله أن أحرّف شهادتي لإنقاذ ذلك الرجل وللترحم على مَن فقد حياته نتيجة خطأ ما كان عليه أن يرتكبه. هزّ الشيخ مسعود رأسه غارسًا عينيه ذوي الحاجبين الكثين في طيف تلك المرأة المرافقة للحاجة غُبنة" هذه قضية معقّدة يا حاجة. معقدة جدًا. فاذا ما شهدت ضد ذلك الرجل المخيون ساهمت في إغلاق بيت آخر بعد أن أغلق بيت ذلك العشيق المسكين. وتسبّبت في حرمان ابن وابنة من أبيهما. وكمن فطن إلى سؤال مُلحّ قال:" هل أنت متأكدة من أن الزوج تسبّب في سقوط العشيق. "، فتراجعت الحاجة متذكرة تلك اللحظة القاتلة وخطر لها خاطر،، تأثر بما طرحه الشيخ ضمن سؤاله.. قالت كان الظلام مخيّمًا ويغطّي كلّ شيء.. لم أشاهد ما حدث مئة بالمائة. بإمكانك أن تدلي بشهادتك كما تروينها الآن فإنقاذ إنسان أفضل من الحاقه بضحية مولّية.. انتهى أمرها. قدمي شهادتك واتكلي على الله..، بدت علامات القبول واضحة على وجه الحاجة وخرجت من الغرفة تشكر الشيخ المتفهم ويرافقها شيء من الرضا.

ما إن استقبل الشارع الطويل ذاته الحاجة غُبنة وانطلقت فيه وكلّ خطوة تدنيها من بيتها وموقع الجريمة. حتى وجدت طيف المرأة ساكنة البيت السابع يهتف بها لا تشهدي الا بما رايته.. لا تشهدي زورًا.. فالعدالة واسعة مترامية الأطراف وهي أكبر من الجميع.

 ***

قصة: ناجي ظاهر

 

(حين وردني نعي العزيز كتبت قصيدة أشبه بالارتجال وقد نقّحتها وأضفت إليها مع الشكر سلفا للمثقّف)

***

كفكف دموعك هل يفيد نحيب

أم يرجعنَّ من الممات حبيب

*

أأبا عديّ ألف كلا لم يمت

من كان  في حبِّ الحسين يذوب

*

جبل تسامى للسماء رزانة

تبكي عليه نواظر وقلوب

*

يا أيها السند الذي بفراقه

سُدَّتْ عليّ متاهة   ودروب

*

يوم به الأحزان حلت فجأة

فالفجر من شَجَنٍ يكاد يغيب

*

أحلامنا خلف السّراب تشتّتت

والليل يطبق والفراغ رهيب

*

تجري أمانينا فتسبق يومنا

ليردّنا عن نيلها المكتوب

*

ماذا أحدث عن زمان بائس

متلوِّن فيه النقيّ غريب

*

الحاقدون عليك لم يتغيروا

أيحول عن طبعٍ لئيمٍ ذيب

*

وإذا النفوس على الدنايا غُذِّيت

عجزت رُقى عنها وحار طبيب

*

غنيتَ للأمل  الجميل ملاحما

والخوف باد والزمان مريب

*

ونسجت في آال الرسول قصائدا

حيث القوافي  وقعهنّ قشيب

*

ونطقت بالحق  الصريح  بموقف

الموت يسأل والدماء تجيب

*

تدعو إلى الخير العميم بعالم

قد أرهقته مطامع وحروب

*

فعليك من رب غفور رحمة

يندى بها مسك الجنان وطيب

***

قصي الشيخ عسكر

 

"أنظر إلى تاريخي أراه محمّلا بالخسائر. لا شيء جدير بالذّكر مع ذلك، كلّ ما حدث كان بشكل عبثيّ وغير ضروري. أهم أحداث حياتي كانت في الحقيقة محض معارك خضتها مع نفسي ودفعت نفسي لأجلها دون سبب وجيه.."

كانت تخطّ هذه الكلمات في مفكّرتها وهي تلتهم سيجارتها بشراهة. شعرت بأمواج الأفكار تتلاطم بعنف داخل رأسها، تتسارع وتتصارع، بعضها قويّ يفرض نفسه والبعض الآخر يأتي بهدوء ثمّ يختفي. استرخت بعينين نصف مغمضتين بينما أصابعها تمسك بالسيجارة الّتي تكاد تذوب. ثمّ جعلت تنفث دخانها في الهواء برفق في شكل سحب خفيفة تتناثر ثمّ تتلاشى ببطء.

تنفّست بعمق وهي تمدّ يدها بحذر الى الخاتم الموضوع على الطاولة ثم بسطت كفّها وأخذت تحدّق فيه فشعرت أنّ زرقة تلك الجوهرة تستفزّها رغم ارتباط ذلك اللّون عندها بالهدوء والسّكينة عادة وشيء من الحزن اللّذيذ أحيانا. خمّنت أنّ المشي قليلاً سيخفّف من حدّة هذه المشاعر التّي خلّفتها تلك الشّابّة قبل أن ترحل مسرعة دون تفسير واضح فأخذت معطفها وخرجت لا تعرف أيّما وجهة تقصد..

كانت ليلة شتويّة من ليالي ديسمبر الباردة لكنّ برودة الطّقس آخر شيء قد يثنيها عن الخروج فأحكمت معطفها حول جسدها وهي تشعر بالنّسائم تداعبها بلمسات ودّ وتمرّر أصابعها برقّة لاذعة فوق وجنتيها وأنفها. لطالما كانت ليالي الشّتاء توقظ بداخلها ذكريات متضاربة وتولّد لديها مزيجًا من الشّاعريّة والدفء من جهة والوحدة القاسية الّتي التصقت بروحها ليالٍ عدّة من جهة أخرى. وبينما كانت تسير استوقفها مقهى قديم اعتادت ارتياده قبل ثلاث سنوات فشعرت بقوّة عجيبة تدفعها للدّخول رغم شعورها بأنّ قدميها قد التصقتا بالأرض تأبيان الانزياح والمُضيّ قُدُما غير أنّها - وقبل أن تطيل تحليل الموقف- دفعت الباب بهدوء ودخلت وهي تعبر القِلّة المتواجدة هناك متّجهة نحو طاولة فارغة تعرفها وتألفُها منذ زمن وكأنّما تلك الطّاولة قد رفضت كلّ جليس في تلك اللّيلة لعلمها بأنها تستعدّ لاستقبال صديقة قديمة. سحبت الكرسي بحركة آليّة وجلست وقد ثبّتت عينيها بالباب وكأنّما تنتظر دخول شخص ما. وما هي الاّ لحظات حتى جاءها النّادل فقالت دون أن تدير رأسها إليه:

"- قهوة سوداء، رجاءً"

فأومأ الرّجل برأسه مستجيبا وذهب. شعرت بالصّداع يثقل رأسها فدفنت وجهها بين يديها في انتظار القهوة وقد تناهت الى مسمعها نغمات مقطوعة "الخريف" لفيفالدي تنبعث من الجهاز الصغير المخبّأ بزاوية المقهى وكأنّما موسيقى الفصول الاربعة قد تبعتها الى هناك. وبينما هي غارقة في تأملاتها سمعت الكرسيّ المقابل لها يُسحب

"لم أتأخّر، أليس كذلك؟" جاءها الصّوت هادئا وعميقًا كما عهدته. رفعت رأسها ببطء فوجدته يجلس أمامها، كما كان دومًا، ينظر اليها بابتسامته الخافتة. لم تُبدِ أيّ دهشة بل ابتسمت وهي تحدّق بعينيه، نفس العينين بسوادهما الدّاكن ونظرتهما الثّاقبة التي دائما ما تشعر وكأنها تتسلل خلسة وتقرأ اعماقها، ثمّ قالت:

"-كنت أعلم أنّك ستأتي، دائما تعود."

ابتسم وهمّ بالحديث فقاطعه النّادل وهو يضع القهوة على الطّاولة ثمّ غادر. فرفعت ايزلي يدها في إشارة لمناداته ثانية وقالت محتجّة:

"- لم يأخذ طلبك!"

لكنّه أمسك بيدها وقال:

" لا تقلقي، كما تعلمين، لا أحتاج لشيء" ثمّ استطرد مبتسما وقد انتبه الى الخاتم ذي الجوهرة الزّرقاء في اصبعها: " لازلتِ تحتفظين بآخر هديّة قدّمتها لك."

ارتبكت قليلا لكن سرعان ما استعادت هدوءها، محاولة التّمسّك بلحظة تخشى أن تتلاشى. سحبت يدها برفق ونظرت الى الفنجان أمامها ثمّ أطبقت يديها حوله تستشعر دفأه.

"أتعلمين" قال وهو يتّكئ على الطّاولة " كان يوما طويلا، لكنّني انتظرت هذه اللّحظة طوال الوقت."

لم تردّ، فقط نظرت إليه بعمق فتابع وهو يسحب الكرسيّ قليلا ليقترب: "لقد عملت اليوم على تحقيق صحفيّ عن قضيّةٍ مرهقة لكنّها بالغة الأهمّيّة، تعلمين كيف تعمل الشّركات الكبرى على التّستّر عن أعمالها؟ واحدة منها تسبّبت اليوم في تدمير قرية بأكملها جرّاء تسرّب كيميائي. ليس ذلك فحسب بل إنّهم لم يعوّضوا الأهالي حتّى الآن، هؤلاء النّاس لا صوت ينصرهم، لقد فقدوا كلّ شيء منازلهم، أراضيهم وحتّى آمالهم.."

أخذ نفسا عميقا وتابع في أسف: " تحدّثت الى امرأة فقدت ابنيها تباعا بسبب التّلوّث. أخبرتني وهي تبكي بحرقة عن كمّ التّضحيات والجهد الذي بذلته في تنشأتهما. كانت تراقبهما وهما ينموان وتحرص على دراستهما رغم الصعوبات وكأنّما هي بذلك ترعى الأمل الّذي سينتشل عائلتها الصغيرة من بؤسها. شعرتُ بصدري ينقبض وأنا أسمعها غير أنّني إلى جانب الألم رأيت اصرارا عظيما وهي تخبرني أنّها لن تستسلم وأنّها ستحمي البقيّة بأيّ ثمن حتى لو كانت وحدها."

ابتسم ابتسامة خافتة وتابع "هذا الايمان هو ما يجعلني أواصل رغم كلّ شيء. سأحرص على الوقوف الى جانب هؤلاء الأشخاص وكلّ من أجده مظلوما.. تعرفين، ايزلي، كلّ ما أفعله، كلّ كلمة أكتبها، أشعر أحيانا أنّها نقطة في بحر لكنّني أقول لنفسي نقطة واحدة قد تغيّر مسار موجة."

بدا عليها التّأثّر بسبب ما أخبرها به ثمّ نظرت إلى يده الّتي لا تزال على الطّاولة وقالت بنبرة تكاد لا تُسمع: " وأنت، هل تغيّرت؟"

ابتسم بحزن وخفض رأسه قائلا: " ربّما، لازلت أحاول أن أفهم هذا العالم حتّى بعد هذه المدّة الطّويلة، إنّني أستمرّ بتغيير نفسي علّني أناسب الحياة، علّني أستطيع أن أعيش"

تراءت في عينها دمعة عنيدة سرعان ما مسحتها ثم عادت تتفرّس في ملامحه وفجأة انفتح باب المقهى بقوّة واندفعت الرّياح الى الدّاخل فشعرت بقشعريرة تسري في جسدها. "هل تتذكرين؟" وقف قائلا "اعتدنا الخروج والتّسكّع معا في مثل هذه اللّيالي الباردة" ثمّ مدّ يده مبتسما "أترافقينني؟"

ابتسمت ايزلي وهي تنظر الى يده الممدودة إليها، شعور بين الحذر والشّوق يتغلغل بداخلها، ثمّ أمسكت يده وخرجا معا من المقهى.

كان الشّارع يبدو وكأنّه يغفو تحت أضواء خافتة تمتزج مع لمعان الرّذاذ الخفيف المتساقط.

" هل تذكرين عندما رقصنا هنا للمرّة الأولى؟"

" وكيف لي أن أنسى؟" ردّت ايزلي ضاحكة " كُنتَ دائما تجرؤ  على فعل أشياء لا يمكنني تخيّلها."

ابتسم وهو يلفّ ذراعه حول خصرها بخفّة، استعدادا للحركة الأولى. بدأت الموسيقى تتردّد في عقلها كأنّها صدى بعيد، مقطوعة " الرّبيع" وقد استجابت خطواتهما الراقصة للحركة الأولى بألحانها المشرقة المتسارعة الّتي تشبه زقزقة العصافير. وبدأت الحركة الثانية من المقطوعة بانسيابها الهادئ. فاستدار بها بلطف وكأنّهما في رقصة قديمة اعتاداها دون تدريب رغم ما انطوت عليه من عفويّة. كانا يدوران ببطء تحت أضواء الشّارع وكأنّهما الوحيدين في العالم.

شعرت ايزلي وكأنّها في حلم جميل لا تريد أن ينتهي. " هل أنتَ هنا حقّا؟" سألت وهي تنظر في عينيه ونظراتها تشي بشيء من الرّجاء المشحون بالارتباك بينما تتابع خطواتها خطواته.

" أنا هنا بقدر ما تريدينني أن أكون" أجابها بنبرة غامضة تغلّفها ابتسامة لطيفة .

"كيف تعود في كلّ مرّة ثمّ ترحل من جديد وأين تذهب؟" سألته ايزلي بنبرة غلب عليها الحزن والاضطراب رغم محاولاتها للمحافظة على هدوئها.

لم يردّ مباشرة، رمقها طويلا ثمّ أجاب: " أنتِ من جعلتني أعود، ايزلي، أنا هنا لأنّك لم تتركي لي خَيارا"

أرعبتها النّبرة الّتي تحدّث بها ووقعت الكلمات على مسمعها وقع دويّ شديد شعرت به يسحبها من عالم الأحلام الرّاقص.

توقّفت عن الحركة فجأة ونظرت إليه مليّا، شعرت بثقل في صدرها وبكلماتها تتمزّق من حلقها تمزّقا عنيفًا :" أنت لست هُنا حقّا، أليس كذلك؟"

تناهت إلى مسمعها نغمات المقطوعة تتعالى شيئا فشيئا وكأنّها تطغى على كلّ صوت آخر وشعرت بانفصالها عن الواقع وتجمُّد الوقت، لا شيء يتحرّك سوى أنفاسها المضطربة ونظراتهما المتشابكة.

"لماذا الآن؟" سألته

ابتسم ابتسامة باهتة وأجابها: " ربّما لأنّك مستعدّة الآن لتواجهيني..أو لتواجهي نفسك." شعرت بكلماته تمزّق غلافا رقيقًا داخلها لكن قبل أن تتمكّن من الرّد عليها انطفأت الموسيقى فجأة فأغلقت عينيها كأنّما تخشى فتحهما على الحقيقة، إنّها تخشى أن تفتحهما ولا تجده، أن يتلاشى السّراب الّذي جاهدت كي تتشبّث ببقاءه وهاهي الآن تشعر به ينساب من بين أصابعها. حاولت أن تتخيّل صوت خطواته وهو يغادر اذ لا يمكن أن يتبخّر فجأة. لقد كان هنا منذ لحظات، استمعت بشغف الى أحاديثه وشعرت بلمساته.

"سيّدتي، لا أقصد التّطفّل ولكنّ البرد لا يُحتمل وأنت تقفين هناك منذ ساعة تقريبا، ستتجمدين." جاءها صوت النّادل وهو يطلّ عليها من أمام المقهى كأنّما هو ناطق باسم واقع لا تريده.

" وداعا." همست بصوت يائس ثمّ سارت نحو منزلها وقد استبدّ بها الصّداع. عند اقترابها من مدخل المنزل وبينما هي تجترّ أحداث اللّيلة غير قادرة على التّمييز بين ما حدث ولم يحدث لمحت حنين تقترب منها وقد بدت عليها علامات حزن وتيه شديدين هي الأخرى. استغربت لتواجدها في هذا المكان في وقت متأخّر وتوقّعت أن تتوقّف لتحدّثها أو تطلب الدّخول لكنّ حنين اكتفت بأن حيّتها بابتسامة غامضة ثمّ أكملت الّسير نحو المقهى فتابعتها بنظراتها حتّى رأتها تلجُ إليه..

في المنزل، بحثت بجنون عن شيء يمكن أن يمنحها إجابة عمّا يحصل لها. أيّ ذكرى ملموسة تستطيع أن تنقذها من الانفصال العميق الّذي تشعر به لكنّها لم تهتدِ إلى شيء حتّى تراءى لها صندوق خشبيّ متوسّط الحجم تغطّيه كومة من الملابس. هرعت إليه تفتحه فوجدت به بضع صفحات من جرائد مختلفة. تغيّرت ملامحها المتلهّفة وارتسمت عليها آثار الصّدمة وهي تقرأ الأخبار واحدا تلو الآخر.

"طفلة تنجو من حادثة مروعة داخل منزلها..

 نجت الطّفلة ذات السّتّ سنوات من محاولة اعتداء عليها من قبل والدتها، التي تعاني من إدمان الكحول واضطرابات نفسية. الحادث انتهى بمقتل الأم على يد طليقها، الذي يواجه حاليًّا اتّهامات بالقتل المتعمّد.

نُقلت الطّفلة إلى مركز حماية الأطفال."

"الشّابّة ايزلي تُحدث تغييرا في مجتمع الصّحّة النّفسيّة بفضل طريقتها الّتي تمزج بين الفنون والحديث"

" برنامج الطّبيبة النّفسيّة ايزلي لتقديم الدّعم النّفسي للأطفال المحرومين في المناطق النّائية يحظى بدعم واسع"

استمرّت بالتّقليب بين العناوين والصّفحات المتناثرة حولها حتى استقرت عيناها على عنوان " العدل أيضا يمكن أن يُباع" وعنوان آخر " احدى الشّركات الكبرى تدمّر حياة المئات..و السّلطات تقف مكتوفة اليدين.."

تذكّرت تلك القضيّة الأخيرة الّتي حدّثها عنها مرّات عديدة وقد قادته الى الفاجعة الكبرى.

"تمّ اغتيال الصّحفي الاستقصائي "خليل الحسن" بعد مسيرة اعلامية حافلة مساء هذا اليوم في حادثة هزّت الأوساط الاعلامية والسّياسيّة وقد عُثر عليه مقتولا أمام منزله في ظروف غامضة. واشتهر بشجاعته في فضح الفساد وكشف الحقائق ممّا جعله هدفا محتملا للعديد من الأطراف المتضررة من تحقيقاته."

ارتعدت ايزلي وهي تقرأ الخبر. شعرت وكأنّ الكلمات تتسرّب كجمرات تحرق أعصابها وعقلها. أعادت قراءة السّطور ببطء لعلّ هنالك خطأ ما وهي تتمتم في حيرة "المقال بتاريخ الثالث عشر من ديسمبر 2019 اي منذ ثلاث سنوات! هل مات حقّا؟"

امتلأت عيناها بالدّموع لكنّها لم تبكِ بل جلست في صمت يشبه السّقوط في هاوية لا نهاية لها. وقد جعلت الذّكريات تتدفّق متدافعة في عقلها..

أحسّت باعياء شديد وبرأسها يكاد يسقط عن جسدها من شدّة الصّداع فمشت بخطوات متعثّرة حتّى أدركت السّرير وارتمت عليه كأنّما فقدت الوعي..

فتحت ايزلي عينيها اذ أزعجها النّور السّاطع الّذي تسلّل من النّافذة لينكسر على الجدار مع أوّل خيوط الصّباح. نهضت متثاقلة لتُغلق النّافذة واذ بهاتفها الخلويّ يرنّ. رفعت الخطّ دون أن تتكلّم فتناهى الى مسمعها صوت نسائيّ يقول:

" صباح الخير سيّدة ايزلي. أتّصل لأذكّرك بموعدك مع الطّبيب النّفسيّ هذا اليوم على السّاعة الحادية عشر."

أجابت بصوت مقتضب: " أشكرك."

 أغلقت الهاتف ثم جلست الى النّافذة وجعلت تراقب العالم الخارجي بعينين بلّوريّتين. تبدو الحياة فيه هادئة جدّا وكأنّ لا أحد يلاحظ جنونها. بات واضحا الآن أنّ العاصفة الّتي هبّت البارحة لم تمزّق سواها وأنّ العالم لا يهتمّ بالمعاناة الّتي تعيشها فهي مجرّد شذرة ضئيلة من بين مجموعة لامتناهية من الشّذرات الّتي ترتعش كلّ منها وحيدة وهي تصارع عوالمها الدّاخليّة مع أنّ صورتها الخارجيّة ثابتة. تساءلت في نفسها " هل نحن نخلق الوهم أم الوهم هو الّذي يخلقنا؟"

اتجهت بهدوء الى الأوراق المتناثرة في الغرفة وأخذت تجمعها ثم أعادتها الى الصّندوق دون أن يبدو عليها الاكتراث وبعدها أغلقت جميع النّوافذ. ساد السّكون أرجاء الغرفة ولم يبقَ سوى صوت مقطوعة "الشّتاء" يعصف داخلها كعاصفة هادئة. ثمّ تقدّمت نحو الحمّام ببرود شديد كأنّها تعيش لحظة اعتراف بجميع الآلام الّتي تجاهلتها لسنوات. فتحت الصّنبور ببطء وهي تملأ الحوض وتراقب انعكاس وجهها الّذي بدا يحدّق بها شاحبا كأنّها عائدة من معركة عتيدة. جلست على الحافّة تصغي الى الألحان الأخيرة لهذه المقطوعة الّتي رافقتها مدّة طويلة فبدت وكأنّها تصف فصول حياتها. أخذت نفسا عميقا وقالت"لا أعلم متى بدأ الوهم لكنّني أعلم أين سينتهي."

نهضت بهدوء ودخلت الحوض وغمرت جسدها بالماء. غاصت تحته بلا حركة أو مقاومة وهي تستمع بالسّكون المستمرّ والموسيقى تغمر جميع أرجاء البيت.

انتهت.

***

مريم عبد الجواد - تونس

 

حِينَ تَجِيءْ

تَمْلَأُ بُسْتَانَ اَلدَّهْشَةِ عِطْرًا

ثُمَّ تُضِيءْ

تَأتِي فَجْرًا، وتُغادِرُ ظُهْرًا

تُقْدِمُ سِرًّا، وَ تُبَارِحُ جَهْرًا

وَ إذا ما صَارَتْ وَسْطَ اَلْبُسْتَانْ

تَلْبَسُ طاقيةً للإخفاءِ،

و ذاتَ صَبَاحْ

ضاعَتْ طَاقِيَتُها

لَكِنّا

بَعْدَ مريرِ البحثِ عَرِفْنا

إنَّ هنالِكَ زاجلْ

يأتيها عند ضِفافٍ ظَامِئَةٍ

برسائلَ غامِضَةٍ

لَمْ يَفْتَحْها أحَدٌ

**

فِي يَوْمٍ كَالِحْ

كَانَتْ تُعَولُ فِيهِ اَلرِّيحْ

جَاءَتْ بَاكِيَةً وَهْيَ تَصِيحْ

آهٍ .. آهٍ .. آهٍ .. آهْ

يا أُمًّاهْ:

لَوْ قَتَلُونِي بَدَلاً مِنْ قَتْلِ اَلزَّاجِلِ

لَوْ قَتَلُونِي بَدَلاً مِنْ . . .

لَوْ قَتَلُونِي بَدَلاً . . .

ظَلَّتْ تَبْكِي .. تَبْكِي

لَمْ تَتْرُكْ أَمَلاً

لدُمُوعٍ يَسْفَحُها إِنْسَانْ

وَ دُمُوعٍ يَذْرُفُها بُسْتَانْ

***

شعر: خالد الحلّي

سَــدِدْ خُـطاكَ، وأشّــرْ مـوضِعَ الخـللِ

واسـتـنهِـض الحَـسْـمَ انـقاذاً مِن الزَللِ

*

إمـارةُ الـمُـلْـكِ، كُــرسِـــيٌ قــوائـمُـهُ

تـنهارُ بالســوء والـتـدليـسِ والـهَــزَلِ

*

إحرِصْ عـلى أن تــنامَ العـيـنُ هـادئـةً

لا ظلمَ ..لا سُحْتَ ..لا إخلالَ في العمل

*

إنّ السـيـادةَ فــي الأعــمال تَـرْقــبُـهــا

ســيادةُ الـكوْنِ، فاحـذَرْ كبْـوَةَ الخَـطَـلِ

*

يـبـقى الـسُـموّ بِـعِـز النفـس مُـؤتـلِـقـاً

لافي المظاهـرِ، أو فـي زِيـنَـةِ الحُـلَل

*

إنّ الوِســـامَ عـلى صَـدرٍ يـلـيــقُ بـه

قــوْلاً وفِـعـلاً، لــه حَـظٌ مِــن الأمَــلِ

*

مـَـراتِــبُ الــعِــز، بـالأفـعـال خـالِــدَة

ومَـن يكـن عـالةً، يدنـو مِـن الـشَــللِ

*

مَــنْ يـبـتغي مَـسْـلكا ً يزهو به كَـذِبا ً

يَهْوِي به السوءُ، في دَرْكٍ مِـن العِـللِ

*

قـــد أودَعـوكَ بـمِـلء العـين مِـقودَهـم

اقْـــسَـمْـتَ تَسعى الى الحُسْنى بِلا مَلَلِ

*

فاطْلِـقْ عِـنـانَـك لا تـثـنـيـك جَـعْـجـعـةٌ

ان الـتـرددَ، لا يُـرقـي الــــى الــقُــلَـلِ

*

فالـســيـفُ قـوّتُـه: إيــمانُ مُـمْـسِــكـهِ

والعـيـنُ يُـعـرَفُ مَغْـزاهـا مِـن المُـقَـلِ

*

إنّ الأمانيَّ فـــي تسْــويـف مَـوْعِـدِهــا

يـُهـَـدِدُ الـثـقــةَ الـعـليـاءَ، بـالــفَـــشَــلِ

*

ادْرِك شـراعَـــك، فالأنـظـارُ فـي وَجَــلٍ

مِـن غَـدْرةِ الريـح فاسْـبقهـا على عَجَـلِ

*

ونَـمْ بـعَـيـنٍ، ودَعْ أخـرى عــلى حَــذَرٍ

مِـن مَخْـلب الذئب، أو مِن بِرْكة الوَحَـلِ

***

(على وزن البسيط)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

إذا كانَ نهرٌ صغيرٌ لديكَ سيُمسي مجرهْ

وبستانُ نخلٍ ستُصبحُ كونْ

فكيفَ يكونُ لديكَ التقاءُ الفراتينِ نوناً يُجِننُ نونْ

وهُما في الزمانِ كتابٌ

وهُما في المكانِ عيونْ..

***

شعر: كريم الأسدي

............................

 * ملاحظة: زمان ومكان كتابة هذه القصيدة: الرابع والعشرون من كانون الأول (ديسمبر) 2024، في العراق.. ويوم الرابع والعشرين من ديسمبر هو تأريخ ولادة المسيح وتأريخ وفاة السياب في نفس الوقت.

 

قالوا: كَبِرتَ على الغَزَلْ

وعلى أساطِيرِ الغَزَلْ

*

ما العمرُ إلاّ قصةٌ

والحبُّ فصلٌ ما اكتَمَلْ

*

ما زلتُ في وهجِ الصِّبا

والعشقُ في صدري اشتعلْ

*

الحبُّ نبضٌ في الدما  ءِ وإن كَبِرنا، لم يَزَلْ

*

لكِنَّني حُمِّلْتُ حُز  نًا أرهقَ الصدرَ الثَّمِلْ

*

يا ليلُ، هل تهفو النجو  مُ إلى سرابٍ مُكتمِلْ؟

*

أم أنها تبكي اشتيا  قًا للضياءِ المُرتَحِلْ؟

*

يا من يُجادلُ في الهوى

ألَمُ الهوى حلوٌ، عَسَلْ

*

والعشقُ إن ضاقت بنا

دنياهُ يَمنحنا الأملْ

*

وَدَعُوا مَلامَتَكُم، فإنِّـ  ـي بالهوى مَلِكٌ، بَطَلْ

*

ما كان حظّي في الهوى

يمشي على دربِ الزلل

*

ما زلتُ أبحرُ في الخيا  لِ وما ارتضيتُ لهُ بدلْ

*

أوَ يهرمُ العشقُ النبيـ  لُ إذا نأى عنهُ الملل؟

*

قد كنتُ أكتبُ للحسا  نِ قصائدي تحتَ الظُّلَلْ

*

واليومَ أكتبُ للظلا  لِ حديثَ عاشقٍ اعتزَلْ؟

*

يا مَن تُجادلُ في المحبـَّ  ـةِ كيفَ يُنسيكَ الجَدَلْ؟

*

الحبُّ فطرةُ كلِّ قلـ  ـبٍ لا يُقاسُ ويُحتَمَلْ

*

هيا امنحيني من رضا  كِ حكايةً تُنسي الخجلْ؟

*

وَدَعِي بَقايَا العمرِ تَسـ  ـري مثلَ ضوءٍ في المُقَلْ

*

وأعيدي لي صبحَ الربيـ  ـعِ إذا تبدَّلَ وارتحلْ

*

يا من تعيدين الحيا  ةَ بنظرةٍ رغمَ الوجل

*

الحبُّ في صدري قصيـ  ــدٌ قد تغنّى واحتفلْ

*

قلبي كطفلٍ لا يُفيـ  ــقُ مِنَ الأَمانِي، لا يَمَلْ

*

إن كنتُ شيخًا في الزما  نِ ففي الهوى طفلٌ الغَزَلْ

***

بقلم: د. علي الطائي

كتبت بتاريخ 26-12-2024 (مجزوء الكامل)

وحيداً

أتلو آياتِ الرَّحْمَةِ

ومناديلُ الدَّمعِ ثقيلةٌ

أنهَكتها الأيّامْ

وحيداً

أعصرُ الهمَّ

وأُعتِّقهُ في جرارِ البوحِ

والرّوحُ تنثرُ قمحَ الوهمِ

على سهولِ الحاجةِ

وتنامْ

كيفَ لهذا اليأسِ

أنْ يُعربِشَ على جدرانٍ

تَهَشَّمَتْ بوَمضةِ البَرقِ

وباتَتْ أكوامَ ركامٍ ..

رُكامِ الوجوهِ البريئةِ

ركامِ الأصابِعِ المرتَعِشَةِ

ركامِ الأحاديثِ المؤجَّلةِ

ركامِ أُسرةٍ

اجتمَعَتْ على مائدةِ العشاءِ

ركامِ رَجلٍ يَحْتَضِنُ

مولوداً جديداً

ركامِ أُمٍّ تَنْثرُ الغطاءَ

على أطفالِها

خَوفاً منَ الصَّقيعِ

ركامِ الدفاتِرِ والكتبِ

في محفَظَةِ المدرَسَةِ

وركامٍ يَمْسَحُ ملامِحَ وجُودنا

يَتَقيَّأُ مُسْتَقْبلنا

كمدفَعٍ

ويدثِّرنا

بِهَزَّةٍ أرضيَّةٍ وَينامْ ..!

***

سلام البهية السماوي

عودي نهارا ً مُشرقا ً باسما ً

لا ليلة ً عاصفة ً شاتيه ْ

*

عودي كما البُلْبل ُ صدّاحة ً

بالحُب ِّ لا أ ُغنية ً باكيهْ

*

عودي كما كنت ِ فأحْلامُنا

توشك ُ أن ْ تسقط َ في الهاويه ْ

*

لا تؤثري الشك ًّ على حبِّنا

وحاذري من رِيحه ِ العاتيه ْ

*

كما يجئُ الحبُّ في لحظة ٍ

فقدْ يموت ُ الحب ُّ في ثانيه ْ

*

أين َ الحديث ُ العذْب ُ يا حلوتي

وأيْن َ.. أيْن َ البسْمة ُ الصافيه ْ

*

مُنْذ ُ شهور ٍ لَم ْ يَعُدْ حُبّنا

يُلمَس ُ فيه ِ أثر ُ العافيه ْ

*

في لحظة ٍ تَحوّلتْ بغْتة ً

حَمامة ُ الحب ِّ إلى طاغيه ْ

*

مُنْذ ُ شهور ٍ أنْت ِ مهووسة ٌ

أن ْ تصبحي الآمرة َ الناهية

***

..................

القصيــــــدة الثانيـــــــة:

إنّي انتظرتُ بأنْ تعودي نادمهْ

لكنْ رجعتِ كما السماء القاتمهْ

*

مزروعة ً بالرعْدِ والأمطار تنْ

تفضين ّ في وجهي زوابع َ ناقمهْ

*

أنْ تعصفي مثل ّ الرياح ِ وتعبثي

بعواطفي أو أن تعودي غانمهْ

*

هذا الخيارُ رفضتهُ ورفضتُ أنْ

أحيا بغير مشاعري المتناغمهْ

**

لا لنْ يُغامرَ من جديدٍ زورقي

حيث ُ العواصفُ والسماءُ الغائمهْ

*

إنّي عرفت ُ البحْرَ في هيجانهِ

وأخافُ من أمواجهِ المتلاطمهْ

*

لا تذكري الماضي فقدْ ودّعتُهُ

لا توقظي فيَّ الجراح َ النائمهْ

*

لا تُرغميني أنْ أغيّر َ موقفي

لا شئ يُزعجني كنفس ٍ راغمهْ

*

لا تُلبسي الأشياء َ غيْرَ مقاسها

فالشئُ لا يختارُ إلاّ عالمَهْ

*

إنّي مللت ُ من الحكايات التي

نُسِجَت بأخيلةِ النفوسِ الواهمهْ

*

لا تطلبي مِنّي اعترافا ً زائفا ً

انّي ظلمْتُك ِ حيث ُ أنْت ِ الظالمهْ

*

أنا لستُ محتاجا ً لكشف ِ دفاتري

أوْ أنْ أقدّم َ في ذنوبي قائمهْ

*

فات َ الأوان ُ فما الحسابُ بنافعٍ

والقصّةُ اخْتُتِمَتْ بأسوأ خاتمهْ

***

جميل حسين الساعدي

تـأتـيـنـنــي فـي الـحُـلـمِ أمـطـارًا

فـيـعـشـبُ رمـلَ صـحـرائـي

ويـغـسـلُ حـزنـيَ الـمـمـتـدَّ مـن أمـسـي

الـى يـومـي الـعـلـيـلْ

*

وحـمـامـةً تـأتـيـنَ

تُـلـبِـسُـنـي قـمـيـصـًا مـن هـديـلْ

*

وبِـشـارةً عـذراءَ عـن

مـفـتـاحِ قُـفـلِ الـمـسـتـحـيـلْ

*

وتـبـتُّـلاً ..

فـيـعـودُ طـفـلاً شـيـخُ بـاديـةِ الـسـمـاوةِ

خـلـفـهُ يـمـشـي مـن الأزهـارِ جـيـشٌ

والـسـواقـي والـنـخـيـلْ

*

يـطـوي الـفـيـافـي

يـقـتـفـي آثـارَ قـيـس بـنِ الـمُـلـوَّحِ والـسـمـوألِ

والـيـنـابـيـعِ الـتـي ســتُـقـيـمُ غـدرانـًا

وأنـهـرَ سـلـسـبـيـلْ

*

لِـتـقـومَ مـمـلـكـةُ الـمـسَـرَّةِ والـهـوى

فـيـهـا الـنـسـاءُ جـمـيـعـهـنَّ " بُـثـيـنـةٌ "

وجـمـيـعُ حـادٍ فـي مـضـاربِـهـا

" جـمـيـلْ "

*

مـن أيـن أبـتـدئُ الـحـكـايـةَ؟

نـكَّـسـتْ أعـذاقَـهـا غـابـاتُ نـخـلِ الأمَّـتـيـنِ

وفَـرّتِ الـشـطـآنُ مـن أنـهـارهـا

والـمـوجُ فـرَّ

فـلـمْ تـعُـدْ كـالأمسِ دجـلـةُ والـفـراتُ

ولا كـمـا فـي الأمـسِ " نِـيـلْ "

*

أحـتـالُ أحـيـانـًا عـلـى قـلـقـي بــرثـرةٍ

أنـشُّ بـهـا ذئـابَ الـصـمـتِ عـن غزلانِ حـنـجـرتـي ..

أنـا نـهـرٌ بـلا مـاءٍ

وفـانـوسٌ بـلا زيـتٍ

وصـحـراءٌ بـلا كَـمَـإٍ

أنـا الـحَـيُّ الـقـتـيـلْ

*

مـا بـيْ؟

تـوهَّـمـتُ الـمـنـافي سـوف تُـدنـي مـن أبـاريـقـي

الــشــذا والـزنـجـبـيـلْ

*

فـأنـا وأنـتِ

حـكـايـةُ الـرِّيـم الـتـي تـأبـى ســوى

مـرعـى الـشـريـدِ الـسـومـريِّ ..

أنـا وأنـتِ

الـقـوسُ والـسـهـمُ ..

الـصَّـدى والـصـوتُ ..

والـتـنُّـورُ والـمـحـراثُ ..

كـيـفَ إذنْ نـعـيـدُ الـمـوجَ لـلأنـهـارِ؟

والأشـجـارَ لـلـبـسـتـانِ؟

والـصـلـواتِ لـلـمـحـرابِ؟

كـيـف تـقـومُ أوروكُ الـجـديـدةُ؟

كـيـفَ؟

أشـبَـكَـتِ الـدروبُ عـلـى الـشـريـدِ الـسـومـريِّ (*)

ولـم يَـعُـدْ فـي كـأسِـهِ غـيـرُ الـحـبـابِ

ومـنْ سُـلافـةِ عـمـرهِ

إلآ الـقـلـيـلْ

***

يحيى السماوي

السماوة في 27/12/2024

........................

(*): أشبكَ: إختلطَ والتبس ..

 

زفرة من رحمِ العدم، هي ...

صوت في الريحِ يُخبرُنا أنّ الحُلمَ مرهونٌ بالسيرِ فوقَ الجُرح.

ونحن، كطيرٍ بلا عشّ، نبحثُ عن مأوى في سرابِ الأيام...

*

في كلِّ صباحٍ، نلبسُ درعَنا غيرَ المرئيّ،

نخوضُ معاركَ دونَ سيوفٍ أو قرع طبول.

معركةُ البقاءِ ضدّ ظلالِ الخوف،

ومعركةُ الحبّ ضدّ أسوارِ الصمت.

نحنُ الجيوشُ الوحيدةُ في ساحاتٍ يكتنفها الغموض،

حيث لا أعداءَ واضحين، ولا حلفاءَ مخلصين.

*

تُخبرُنا أنّها لا تهدي مجدًا دونَ ألم،

فنُقاتلُ الريحَ بأيدٍ عاريةٍ،

ونصنعُ من العتمةِ أفقًا...

لا نبكي الخطوات المسلوبة، كثيرا .

لأنها عبدت لنا جسر العبورِ.

*

في الطرقاتِ شواهدَ منسيّة،

حجارةً تُنادي بأسرارِ من مرُّوا قبلَنا،

وأشجارًا تعانقُ السماءَ تقولُ:

"اصعدوا، وإن كان السقوطُ محتومًا."

*

نغفو على أجنحة الأسئلةِ،

ونستيقظُ على وسادة الإحباط،

في عمقِ القلبِ شعلةٌ لا تنطفئ.

حُلمُ، جنديُّ أخيرُ ،

يُحاربُ من أجلِ بقائنا أحياء ...

*

في نهايةِ كلِّ معركةٍ،

نتأمّلُ جُثثَ أحلامِنا وندفنُها في ركنٍ خفيّ،

نعلمُ أنّها ستنهضُ في صورةٍ أخرى.

هكذا هي الحياة،

دوائرُ تتشابكُ، وموجاتٌ لا تهدأ،

تحملُنا حينًا، وتُسقطُنا أحيانًا،

لكنّنا، رغمَ كلِّ شيءٍ،

نظلُّ نحيا لنفهمَ المعنى ...

***

مجيدة محمدي - تونس

 

سعى جلال أن يصل إلى جسم عواطف الريان فلم يجد إليه سبيلا، رغم أنه روادها عليه عشرات المرات، ولكنها كانت تتمنع عليه، رغم أنها عاهرة، تعبد اللذة وتهيم بها، وغانية ممعنة في السفه والمجون، ولكنها الآن تسعى أن تكتفي من عشرات الرجال الذين لا يوجد من بينهم جميعاً من يملأ شعاب قلبها بالإعجاب، برجل واحد ينهض بكل ما تحتاج إليه، لقد أزمعت عواطف الموظفة بدار الرعاية الاجتماعية، أن تنصرف عن مغامراتها التي انخرطت فيها بعد أن أخفقت في زيجتها الأولى، لقد تزوجت عواطف زواجا تقليدياً من بن عمها "محسن"، زواجاً مجدباً من كل عاطفة، وخالياً من كل فتون، وفي الحق أنها كانت لا تحس بأي ميل تجاه محسن هذا، وقد صارحته في وقاحة محضة، أنها لا تكن له أي ذرة من الشعور، وأنها تعشق "الدخري"  الرقيب بالمدفعية، لأن الدخري هذا يُحسن كل ما يجهله محسن بن عمها، ولأن له لساناً تعود أن يهضب بالكلام  وهي تنصت، لسان ذرب يستطيع أن يدني كل فتاة منه،  وصدر واسع له قدرة فائقة على الاحتواء، لقد كان صدر الدخري يتسق بناؤه، وتتفق أجزاؤه مع ما تحتاجه عواطف من براكين وأعاصير، لهذا السبب ولغيره من الأسباب، خالفت علاقتها بالدخري العرف أشد المخالفة، فقد وجدت يوماً نفسها بعد أن تاهت مع طيوف الهوى والمرح والاختلاج، ما يجعلها كئيبة ملتاعة، على أن العلاقات لم تنقطع بينها وبين الدخري، بل قاد لأن تمضي في هذا الاختلاط العنيف إلى غير حد، خاصة بعد أن انتفت عنه ضروب الألم والمعاناة التي كانت تجدها.

والأيام التي لا تسير على وتيرة واحدة، أرغمت عواطف على أن تبحث عن "النبيل الحادب" الذي يخمد هذه الأصوات الخافتة التي تتناولها بالغمز والطعن، بعد أن انتهت مسيرة الدخري إلى أدغال الجنوب، لقد سار الدخري متئد الخطى في نظام واطراد، مع كتيبته التي يتبع إليها، إلى ذلك الصقع الحافل بالأهوال والمحن، غاب شبح الدخري الحبيب والعشيق الذي تمنته زوجاً لها، ولم تمضي ثلاثة أشهر حتى ظهر ما ينبغي أن يظهر، فقد دلّ هذا البطن المنتفخ للناس على ما وراءه من حقائق ناصعة، وتبدل الحال بعد هذا العار الذي ألحقته عواطف بأسرتها، فلا هي تطمع في بهرجة، ولا والدها يطمح إلى مهر كبير عاتي، بل احتمل المشقة والعناء حتى يقنع محسن بن أخيه بأن يرضى بأمر لا يرضاه الناس في يسر وسهولة، وقد همّ محسن أن يرد معتذراً إلى عمه، ولكنه تذكر رفض عواطف له، وزهدها فيه، وسخريتها منه، فوافق أن يستر على ابنه عمه، و حتى لا تمض هذه الأسرة الغضاضة، ويهون بهم الناس أشد التهوين، انتقلت إلى بيت بعيد إلى أقصى غايات البعد من تلك الحارة التي كانت تختصم وتحتكم في قصة بنتها.

ومحسن الذي كان متواضع في كل شيء، متواضع في فهمه ودرايته، وفي مظهره وهيئته، وفي رجولته وفحولته، أظهر الرضا والاذعان للحاجة "الرضية" والدة عواطف التي أخضعت ابنتها لسلسة من النكبات، أفضت هذه النكبات لاجهاض جنينها، واستئصال رحمها، وعواطف التي اتصل بسمعها، وانتهى إلى عقلها، ما يصك الأسماع، ويوهي العقول، أمست تستقبل أيامها، بالوجه العابس، والنفس الملتاعة، والصدر الضيق، والغيظ الحانق على الدخري الذي أهداها كل هذا البؤس الذي تحفل به حياتها الآن، لم يدور في ذهنها قط أن قصتها التي ملأت عقول الناس بالعظات والعبر، يمكن أن تنتهي بها إلى أن تحرمها من الأمومة التي لا سبيل إليها بعد الآن، لقد كان من العسير على عواطف المشرئبة للأمومة منذ أن استدار جسدها، واكتملت أنوثتها، أن تطرد هذه الأخيلة والصور، والعواطف المختلطة، التي كانت تثيرها في نفسها حقيقة عدم مقدرتها على الانجاب، ولم يكن عجزها عن الولادة هو المأساة الوحيدة في حياتها، فزوجها محسن الذي لم يجد تسلية تلهيه، وترضيه، سوى أن يهوي بالسوط على ظهرها في كل غداة وعتمة، كان يعنفها ويضربها ويسرف في ضربها، حتى أوشك أن ينهي تلك العيدان الباسقة التي كانت تعج بها  شجرة "النيم" القائمة في منزلهم المتهالك الذي استأجره بمبلغ زهيد، وهو في ضربه إياها يجد التشجيع من والدها الناقم والساخط عليها، والدها الذي أوشك أن يجهز عليها بالسيف لولا توسلات زوجته" الرضية"، والرجاء يعمل في النفوس، ويغريها، ويبعث فيها الحركة بالصفح والتجاوز.

 لقد كانت حياة عواطف مع زوجها جحيماً لا يطاق، فقد كان لا يتحدث معها إلا حينما تدعوه الضرورة الماسة إلى الحديث، ولا يقربها إلا بعد مجاهدة وعنف، وكان أكثر ما يهجم عليه، ويمضي فيه، هو جريرتها التي ارتكبتها مع الدخري عشيقها الذي فضلته عليه، لقد أمسى محسن زوجها خصماً مخيفا عنيفا، وباتت تفكر جادة كيف تفر من حياته الحافلة بالعذاب، لقد كان لا يفعل شيئاً غير أن يغض منها، ويهون بها، ويترك آثار كفه الجاف على خدها، لقد كان محسن يعطيها أكثر ما يستطيع أن يعطيها من عصبيته ومزاجه الحاد، لقد عجز حقاً أن يتغاضى عن علاقتها السابقة بالدخري، فذكراها  تجدد سخطه، وتدفعه لأن يأخذ على نفسه عهداً بالإجادة في تعذيبها والتنكيل بها، و"عواطف" حتى تنجو من كل هذه الخطوب، عرضت على زوجها الفارك لها، بريق المادة التي أغرته بها، ورغبته فيها، حتى رضخ، واشترطت عليه أنها لن تدفع له كل ما كان يستودعه عندها الدخري من أجل الاقتران بها، إلا حين يسافر معها إلى مقر عملها الجديد في مدينة من مدن السودان الواقعة على ضفاف النيل في أقصى الشمال، فهي تعلم جلياً أن والدها سيقف حجرة عثرة في طريقها، وأنه سيمنعها عن العمل، وعن الخروج من المنزل، وسيجاهد جهاداً واصباً من أجل أن يكرهها على البقاء في غرفتها الضيقة اكراها.

وفي صباح يوم مشرق، امتطت هي ومحسن القطار المتجه إلى الشمال، وغادرت العاصمة الحافلة بضروب الجشع، وفنون النفاق، وهناك في تلك المدينة الهادئة الوادعة، استلمت وظيفتها الجديدة، واستمتعت بالنغم العذب، واللحن البهيج، بعد أن أوصدت باب معاناتها إلى الأبد، وحتى تريح نفسها، وتفرغ بالها، من عنت حياتها السابقة، أخذت تشجع نفسها على الإقدام، ولكن الأمر أعسر من هذا كله وأشد حرجا، فمن ذا الذي يوافق أن يتزوج من إمرأة لن يكون لها حظ من انجاب، من هو الذي يستطيع أن يهمل حقه حتى يموت، وبعد أن فرضت هذه الحقيقة التي لا تستطيع لها تغييراً ولا تبديلا، قناعاتها على ذهنها المكدود، أضحت وتيرة نزواتها  تضطرم ولا تخبو، أمسى شيطانها هو الذي يقود ذمامها، ويجعلها تعصى خالقها بالذنب المستمر الطويل، صارت عواطف تتردد على شقق كل من تعرفهم، بل تمضي الليل حتى مع من لم تعرفهم، أو تسمع من حديثهم شيئا، يكفي أن تقف في ناصية من نواصي الطرق الحالكة، فيأتي أحدهم بسيارته الفارهة لتصير فريسته التي لا يرفق بها، أو يعطف عليها، أو يحسن الرأي فيها، بعد أن يسدل الستار على قصته معها.

وعواطف التي أمست هدفاً للشريحة المترفة من سُكان تلك المدينة، فهم يطمعون فيها، ويطمحون إليها، لم تنكر شيئاً من علاقاتها المتعددة بأصحاب الشركات والأرصدة، فمزاجها يُعنى بتلك الطائفة التي منحتها الأقدار وجاهة المظهر، وفراهة المركب، ورفاهية العيش، ولم يسبق لها أن صدت ثرياً منهم سعى أن يستدرجها إلى مخدعه، عدا جلال، ذلك الثري الفائق الثراء، الذي يسعى دوما وراء كل امرأة حسناء مكتظة الجسم، وهي لا تدري على وجه التحديد لماذا تذود سعيه وتهالكه عليها بالفتور والاهمال، قد يكون مأخذها عليه، أنه طلبها في وضوح وسفور، ولم يكن من أصحاب اللباقة والظرف والكياسة في كيفية عرض الطلب، كما أن وجهه الشاحب، وأنفاسه التي تفوح منها رائحة الخمر، جعلها ترفض عرضه وتتمسك بالرفض، ولكن جلال كان مصمماً على أن ينال ما يبتغيه منها، فكان يتراءى لها في معظم الأماكن التي تتردد هي عليها، وحدث وأن حضر إليها في مقر عملها، ولكنها استخفت عنه، وبعد أن ضيق عليها الخناق قالت له بعد أن انتظرته أمام مقر شركته: "أنها أغرقت نفسها في هذا التفكير الذي جعلها تبغض حياتها تلك، وأن تسعى جادة في الزواج من رجل يلتمس لها داراً جديدة، ويأخذها بضروب الدعة والراحة، وينسيها كل تلك الأهوال التي ألمت بها". فوافق جلال دون أن يأخذ نفسه بالروية والتفكير، ولكن موافقته تلك كانت مقرونة بشرط، والشرط يتمثل في أن تستقيل من وظيفتها تلك، وأن تترك هذه المدينة التي سيشقوا فيها بألم الذكرى، ومرارة المعرفة، وفداحة التهكم.

وبعد أيام وجدت عواطف نفسها في الخرطوم مجدداً، ولكن في شقة واسعة جميلة، بهذه الشقة فتاة صغيرة بريئة، لم تكمل أعوامها الخمس، فتاة تثير في نفس كل من رأها الإعجاب والدهش، هذه الفتاة هي حفيدة زوجها جلال، الذي أضحى يستمتع معها بلذة التغاضي، وحلاوة الغفلة، و نعيم التجاوز، فجلال ضاق بهذه الوحدة التي أيقن أنها ستفنيه، وتبرم من حياته الجامحة التي أوشك أن يقنط من أن تترك له قلباً طاهراً، وضميراً حي، لقد كان الملياردير جلال يريد فعلاً أن يعتزل هذه الحياة الخاوية الحافلة بالضجر، والضيق، والفراغ، رغم ما يشوبها من لذة.

 جلال يؤثر عواطف الآن بهذا الحب، لأنه التمس الصدق في حديثها، ولأنها أظهرت له السمة الدالة على الحياة المتزنة الخالية من أوضار الانحراف، ولأنها ترعى بنت ابنه الوحيد الذي غاب رسمه عن الوجود، ولده الذي لقى حتفه هو وزوجته في حادث مروري قبل عدة أعوام، عواطف إذن استرقت قلب جلال بعاطفتها الملتهبة، وحسها القوي، ومشاعرها المتدفقة، وبحدبها وحنيتها ورعايتها" لرؤي" حفيدته الجميلة.

***

د. الطيب النقر

 

أمنيتي

عامٌ كقلبكِ

وأيامٌ كابتسامتِك

وبعدَها

فليعلنوا دفني،

بين رمشيكِ

أو شفتيكِ

أو

قطرةِ ندًى

أو

أو

قطرة تتخمرُ

من الذكرى

بين يديكِ.

***

كريم شنشل

 

الإهداء إلى: إميل سيوران

***

ابتعدي عني

أنا هناك،

لأحب زهور الموتى

والسفر في الأساطير

كأي كائن حزين،

أقرأ دوري عن صمت

لأن المشهد لا يشبهك

وأنت هنا،

حوار بين قناعين،

جسد يعلوه جسد

ومرآة تعكس المسرحية

*

لا تسيئي فهمي

لأني لا أحبك

أخبرتك آخر فصل

أن الخريف لا يغادرني

يحين فيّ كل حين،

من يحمله عني

وكل وجه ترتدين،

له صفة رمادية

*

أكلما حاورت عزلتي

ينتابني أنا الكئيب،

متى أحتمل الاندهاش

من المألوف؟

وما المغزى من الفوضى؟

قد تعتاد صخرة

على جمودها

أما الحركة،

فرفض المعنى للاعتيادية

*

يأسي معي

أنفض خطاه

يطارد خطاي،

والليل بدخلي قديم

قبل ميلاد الجريمة

يناديني من جوف ليلي

متى تكف أيها السوداوي؟

عن محاصرة الأشياء

وتستريح من عقدة

وضوح يديك

وتلقي عنك الهوية

*

وكباقي السطحي

تمارس الفراغ

بكل ما أتيت من اليومي

تتباهى،

تحاول الصوري،

تقلد،

ترتدي قناعا،

تخون،

لا تحب سواك،

تمشي وقاحة،

تشاهد التلفاز،

تصفق للمادي،

تبيعك لمن،

تظن أنك،

تتابع أخبار النجوم،

تستهلك التفاهة،

تعتاد الآخرين فيك،

تضحك بأعلى صخبك،

وتلغي الخصوصية

رويدا رويدا

بجرعات ودية

***

فؤاد ناجيمي

توقّف قُبالة مرآته الحبيبة في غرفته الوحيدة منذ رحلت والدته قبل ثلاثة أعوام.. لم يقف مثل تلك الوقفة. لمع في ذهنه موعده بعد حوالي الساعة مع معللته بالوصل الفني والانتيمي، سوّى شعره على طريقة محبوبه الابدي الفنان الأمريكي.. العالمي الفيس برسلي، أرسل ابتسامة تعمّد أن يجعلها اقرب ما يمكن من ابتسامة محبوبه الخالد ذاك. صدح بصوته العربي ولكنته الإنجليزية بمقطع من أغنية حّبّ اشتهر هو أيضًا بها أيام العزّ عندما كان يعتلي المنصات ويبهر السيدات والبنات. صوته ما زال قويًا بل قد يكون في مستوى صوت الفيس، ولماذا لا يكون كذلك. ألم يسمع كلمات الاعجاب به وبصوته الرنّان خلال فترة نافت على العقد ونصف العقد.. وما زالت ماثلة في ذهنه كلّ يوم وكلّ ساعة. رغم أنه توقّف عن الغناء منذ نحو الثلاثة عقود.. لأسباب لا يحبّ أن يذكرها.. لكثرة ما اشتملت عليه من عازفين حساد أرادوا عرقلة مسيرته الصاروخية.. فانفضّوا من حوله. تاركين إياه وحيدًا يعيش على ذكرى أيام مضت. وأفراح لمعت كباقي الوشم في ظاهر اليد. صحيح أنه تحدى الجميع وصمد فترة من الزمن بعد انفضاض أولئك عنه غيظًا وحسدًا ونكاية.. هو الفنان الخلّاب الجميل الذي ادخل الاغنية الأجنبية إلى بلدته المقدّسة.. فأطرب من لا تطرب وأشجى من ليس بها شجى!! كانت تلك السنوات وأيامها العذاب هي الاجمل في حياته.. ورغم أنه قضى كلّ تلك السنين يحيا وحيدًا إلى جانب والدته المحبة (رحمها الله)، فان الامل لم يغادره يومًا وخالجه في أنه سيعود وسوف يتابع رحلته الصاروخية في دنيا الفن والغناء العالمي.

ابتعد عن مرآته.. حبيبته الأبدية المعلّقة في صدر غرفته، سار بخطوات وئيدة ميّزته هو العازب الابدي ورفعت أسهمه في عالم الجميلات الفاتنات، في أيام العزّ خاصة. لمعت في خياله صورة تلك الأجنبية الزائرة العاملة الجديدة في مدينة البشارة، فدنا من باب خزانته العتيقة. تناول قميصًا تعمّد أن يكون واسعًا فضفاضًا ليظهر جمالياته هو الفنان المُغنّي على لياقته البدنية بانتظار الجولة الثانية من جولات خوضه بحيرة الفن الهادئة سطحًا الموّارة بالصخب والعنف عمقًا.. طولًا وعرضًا. ثم مدّ يده بتؤدة باحثًا عن بنطلونه المزركش على طريقة فناني هذه الايام. "مؤكد أن هذا البنطلون سيسحر تلك التي سيلتقي بها بعد قليل في المركز الإنجليزي الثقافي في المدينة. بحث وبحث وبحث.. لم يجد بنطلونه. مؤكد أن صديقه تلميذه المعجب به الفنان الهاوي السائر على طريقه قد غافله وأخذه. ربّما رغبة وتأملًا. لقد رأى دائمًا في ذلك الشاب استمرارًا له، لهذا لم تستول عليه فكرة السرقة بقدر ما نبقت في ذهنه فكرة المحبّة. أضف إلى هذا اعتقاده الجازم أن ذلك الشاب ينتمي إلى الجيل الجديد. وأنه يختلف عنه.. في وقاحته وصلافته وقلة خجله.. في أن يفعل كلّ شيء من أجل الوصول الى المنصّات العربية والعالمية دون خشية أن يخسر شيئًا. ليته كان واحدًا من هؤلاء ليته كان فنانًا بلا تاريخ لتنازل قليلًا عن عناده ولحاول اللحاق بالركب لكن على طريقته الخاصة.. طريق القيم العالية والمبادئ السامية.. وليس طريق التسرّع والجنون.

تمعّن في الساعة الكبيرة القديمة المُثبتة قُبالة مرآته الوفية المخلصة، كان الوقت يجري كأنما هو موجة تلحق موجة في رغبة منها لان تطالها. "الوقت يمضي بسرعة"، قال لنفسه، وتابع:" أنا يجب أن أرتدي أي بنطلون آخر.. لا يمكن أن أفوّت موعد لقائي.. بوابة مستقبلي ووجودي، السكرتيرة الجديدة للمعهد الإنجليزي. لقد ألتقى بتلك السكرتيرة في احتفال أقامه أصدقاء له في البلدة اليهودية المجاورة، وهو ما زال يتذكّر، وهل ينسى؟، لحظة اعتلى منصة الغناء، بعد أن دعاه صديق له لتقديم وصلة من الاغاني الامريكية.. كانت تلك من أجمل اللحظات، فقد تمعّن في وجوه الحاضرين.. الحاضرات تحديدًا.. وصدح بصوته القوي رغم التقاعد القسري طوال الأيام والسنين الماضية.. لقد لفت اهتمام تلك المرأة انتباهه. لهذا ما إن ترجّل عن المنصة. حتى صب اهتمامه كله على تلك المعجبة الإنجليزية في مدينة البشارة ..متجاهلًا ارتقاء الفنان الشاب مرافقه المنصة مثل فارس عهد النوادي واسرارها. وراح يصدح بصوته الشبابي. لقد كان عليه أن يصبّ جُماع اهتمامه على تلك السكرتيرة الجديدة للمركز الثقافي الإنجليزي في البلد. أما ضحكتها فقد أوحت له أن الأبواب المغلقة قد فتحت أمامه، فنًا وغرامًا، وزاد انفتاح الأبواب الموصدة أكثر فأكثر عندما اقترحت عليه زيارتها الموعودة.

أرسل الفيس العربي نظراته الصقرية نحو الساعة ذاتها.. "الوقت يمضي بسرعة"، قال وأضاف" عليّ أن أكون دقيقًا في الموعد فالإنجليز لا سيّما في بلاد العرب وبين ظهراني أبنائهم يقيّمون الانسان، خاصة الفنان وفق التزامه بالمواعيد.

وجرى باتجاه المركز.

بعد كدّ وتعب توقّف قُبالة مبنى المركز الإنجليزي. أزال العرق من على وجهه.. سوّى ملابسه. "القميص في عالم والبنطلون في عالم". قال لنفسه. وفكر لحظة في العودة وتأجيل الموعد. إلا أن رغبته المعمرة دفعته لأن يمضي باتجاه مدخل المركز. الصوت المنبعث من غرفة السكرتيرة دفعه للتوقف والاقتراب من باب غرفتها ليرى من شق الباب الموارب تلميذه النجيب.. وقد ارتدى بنطلونه ذاته.. واضعًا رجلًا على رجل ومتحدّثًا بثقة لا حدود لها.. فكر إزاء تلك الكارثة الجديدة ماذا بإمكانه أن يفعل.. يدخل إلى غرفة السكرتيرة ليعلمها درسًا بالعربية مفاده أنه لا يجوز دعوة فنانين في وقت واحد؟.. أم ينتظر تلميذه العاق لينتزع من على نصفه الأسفل بنطلونه العزيز الغالي.. بعد أن استمع إلى صوت تلميذه الشاب يغني داخل الغرفة بقوة.. جرأة وشجاعة.. كان لا بدّ له من العودة من حيث أتي.. حالمًا بانتظار فرصة قادمة.

***

قصة: ناجي ظاهر

في نصوص اليوم