عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

نصوص أدبية

إلى لؤلؤة العاصي الشهيدة

(حَماة)

***

وَمَدينةٍ

أرْختْ ضفائرَها

على الضَفَتيْنِ من نَهرِ البسالةِ والسلامْ

*

إيهٍ شهيدةَ عصرِنا

أرثيكِ كي أُبقيكِ شاهدةً على

معنى الشهادةِ للبواسلِ والكِرامْ

*

لَيَكُفَّ عُشّاقُ الطُغاةِ عن الكلامْ

وَعَنِ التغزّلِ في طواغيتِ المجازرِ والحِمامْ

*

فالْكيْلُ لو تدري بمكْيالينِ في الدنيا

وفي الأخرى فُجورٌ بل حَرامْ

*

ولطالما وردت ندىً بكلامِ قدوتنا الإمامْ

فَدَعِ العقائدَ جانباً واخْترْ طريقَ السالكينَ

خُطى الإمامِ إلى الأمامْ

*

وينوحُ في العاصي الحَمامْ

هَوَ نهرُها

لم يعصِ ربّاً إنما كان العصيَّ على اللئامْ

*

وعصيّةً ظلّت مدينتُهُ على شرِّ الكواسجِ والأنامْ

هو نهرُها

ويذوب عشقاً في نواعير المدينةِ

كلّما صهلتْ زغاريداً لثائرها الهُمامْ

*

كَفُؤاد صَبٍّ دونَ مَعْصيَةٍ سِوى

عِشْقِ البطولةِ في النهارِ سَجيّةً

لا في دهاليز الظلام

*

وَتَؤمُّهُ عندَ المساءِ عقاربٌ

وَلَهُ مَواعيدٌ على شَفَةِ الصباحِ بَهيّةٌ

كبياضِ ريشاتِ الحَمامْ

*

هُوَ نهرُها

وأبى الخنوعَ لجائرٍ

شاءت قبيلتهُ التغوّلَ في أرضِ الشآمْ

*

فَمِنَ الجَنوبِ إلى الشِمالِ مُعاصِياً

بِمَسيرِهِ

لِرذيلةِ الطغيانِ محفوظَ الذِمامْ

*

هو نهرُها

عاصٍ على طاغوتها وَلَشَدّما

عَشِقَ الكرامةَ فِطْرةً والكبرياءْ

*

لكنّ طاغيةَ القبيلةِ قلبهُ جرثومةٌ

تسطو كما العدوى وجائحةُ الوباءْ

*

فَيُباعدُ الأنهارَ عن نبعِ البراءةِ والضياءْ

ويشوّه الألوانَ في قلبِ الطفولةِ والسماءْ

*

هو نهرُها

عاصٍ على ضبعٍ تسلّقَ غَفْلةً في ليلةٍ ظلماءَ حُبْلى بالضغينةِ  والرياءْ

*

رَكِبَ العروبةَ سُلّماً ومطيّةً للسلطَةِ

العمياءِ فاسْتَعَرَ البلاءْ

*

كالسيْلِ من جَبَلِ المطامِعِ هابطاً

جَرَفَ السهولَ منازلاً ومدائناً

حَدَّ الفَناءْ

*

كم دكَّ قلعَتها وساقيةَ (الدهيشةِ)

رامياً تركيعَها

هيهاتَ ما بلغَ المرامْ

*

قد كان قلبي شاهداً

يُصغي لصرخاتِ الصبايا يَوْمَ داهَمَها الضباعْ

*

لِوحوشِ أقبيةِ الكهوفِ عقيدةٌ

سِرّيّةٌ صيغتْ سَرايا للرذائلِ لا الدفاعْ

*

والله يعلمُ من وراء الغيبِ ما يُخْفي القِناعْ

وَيَقودُهمْ ضبعٌ خَسيسٌ إنّما

زوراً وَبُهتاناً يُسمّى

في قواميسِ التفاهةِ (قَسْورَهْ)

*

ما أقذرهْ !

رَفَعوه إسْما إنما لا (رِفْعَةٌ) في

روحِهِ أو جوهرة

*

مُتَبَرّأً منه إلى يومِ القيامةِ (حيْدَرهْ)

مسعورةً راحتْ تحرّضُ شِبْلها

أَبِدِ المدينةَ عِبْرةً لعبيدِنا

وَلَدي المُفَدّى (عَنْتَرهْ)!!

*

لَبّى نداءَ شقيقِهِ

وَلِأمّهِ هدمَ المساجدَ كلّها والأدْيِرهْ

*

أوّاهُ من وجعِ المظالمِ في الحياةْ

كم يصبحُ المعنى غباراً كلّما فَلَتَ الجُناةْ

من قبضةِ الموتورِ أو حُكمِ القضاةْ

*

لا شيءَ أسوأ من طواغيتِ الزمانِ نذالةً

واسألْ قواميسَ اللغاتْ

***

د. مصطفى علي

لوثة الألم،

تُخرِج ُ نبض الفرح

من قلب العاشق ...

إنها صخرة من جنونٍ

تلتفُّ في صدره

كأسطوانة دائمة الدوران! ...

**

إشرب همساتي

التي لا تسمعها

تعرف لماذا أنا ما أنا!

**

غَرابة ابتسامات الخوف

أنها لا تفتح أفواهَها،

إلا للنفوس المناسبة!

*  *  *

تَعلَّمْ كيف تُصادِق الوردة

وكيف تمنحها نداوة روحك

حينها لن تتهم َ رجولتك

بالصحراويّة،

لو قطفتها! ...

**

إنْ كنتَ لا تدرك

ما يدور في فلك ِ مشاعري

فالكلمات عندك

أرضٌ بلا فضاءْ!

**

ثوب الجنون جميل جداً

فقط لأولئك الذين

يُدركونَ بأنهم

مَجانين بأناقه!

**

لا تسألني لماذا

لن أسألَكَ كيف ...

كلُّ ما في تراثِنا،

أنَّ فسيفساءَه ُ

تكسَّرَ مِن مياهنا الآسنة!

**

إنْ لم تكن ترى وطنك

وأنت تسكن عيونه الدافئة

كيف ستراه

فيما وراء الثلوج؟!

**

قُم بعلاقةٍ طيّبةٍ،

بين جَحيم الحب واللاحب

لتصنعَ جنَّةً صغيرة

قد تُغيّرُ مجرى مشاعرِك!

**

التغريد المستمر

في آفاق لا تسمع

قد تصنع آذاناً لها!

**

يرتفع ثمن يد المحبة

في أعراس الحروب

أكثر فأكثر!

**

بورصة المشاعر

خالية من أي إحساس

لأن جهاز التحكم بها

غير إنساني عادةً!

**

عندما يتحجر الإنسان

في كل شيء

وفي أكثر الأماكن تحضّراً

سيعاملهُ الآخرون،

كحجَرِ لا أكثرْ ...

**

إنها صخرة الخَيبة،

تلك التي تجعل الآخرين

الأقرب إلى مياهك،

هم الأبعد

عن مدارات روحك!

**

لا تَخَفْ مِن الإحتراق ...

إقترب من شمس الطفولة

دون أن تنسى بأنك

لستَ في الواقع طفلاً

إن نسيتْ،

ستحترق فعلاً.

**

تأمُّلاتك غير المنظورة

لا يمكن أن تتفتح

دون أن تمشي

على أشواك تلك

التي تراها بوضوح!

**

مِحْنة القلم،

في عينيهِ التي تضيءُ،

وفي صَوته الذي يُصِمُّ

وفي جَريان دمه نهراً

في شرايين تربة الكلمات

التي تنتظر

لحظات الإخصاب

عبر تواصلها المتنافر والمُدهش

مع بعضها وبعضنا!

**

كُلُّ الطرقات

الأكثر توهُّجاً

في حياتنا،

هي التي تضيئنا الآن

رغم أنها

كانت مظلمة جداً!

**

هل يبعث صمتي

غضبَك

حيرتَك

جنونَك

وتمزُّقَ أحلامك؟!

فَكِّر إذن في خطورة الكلمات

تلك التي وقَّعْتُها

في رسالة الصمت هذه!

**

صباحاتُكَ،

فنجانٌ من القهوة،

جريدة،

وبعض أخبارٍ

تراها وتسمعها

كي تثيرَ ثورات

غضبكَ عليّ! ...

**

الموتُ حالةٌ من كلِّ الأشياء

التي كنا نعتقد بأنها

اندثرت إلى حين،

لكنها مازالت عالقةً

في عوالمنا الأخرى

تلك التي

لم نكتشفها بعد!

**

قُلت َ بأنَّكَ لا تراني

إلا في الضَّباب،

أقولُ إنّكَ

تخاف وضوحيَ الصارخ!

**

إسمَعْ ما لا يُرى

إقرأ ما لا يُكتَبْ

شاهِد ماأنتَ عاجز

عن الإمساك بجرائمه ِ الصغيرة

ولتكنْ هنّاتُك النادرة هذه،

عاقبةٌ مُنعشةٌ

لروحك التي لا ...

يُتوقَّع لها أن تتلاشى

في اللاشيء!

**

فَلْسِفْ ولكن

لاتتفلسَف ْ ..

شتَّان ما بين التَّجديد

والتعقيد !

**

قِماشُ الذات

هشٌ جداً

وقابِلٌ للتمزق

إذا نحن

تمسَّكْنا بِخيوطه فقط!

**

غَرابة الأشياء،

ليس في جمال شكلها

الذي لا تتوقعه،

بل في عدم استكانتها

لوجودها الذي نادراً

ما يلبسُ ذاتَه

مرّة واحدة فقط!

**

مِن أين يأتي العفن؟

كل الطعام نظيف

كل الملابس نظيفة

كل الأسِرَّة مرتبة

إنها أنفاسُ المنزل،

تدخلُ بوابةَ الموت!

**

تَمهَّل كثيراَ

فما ستكتشفه ُ قريباَ

هو روعة الصُّورة الفطرية

التي وجدْتَها

في مرآة ذاتك القادمة!

**

سماؤك ملّبدةٌ بالحب

تَعلَّمْ كيف تُصادِق الغيوم

ليصبح ماؤك أكثر شفافيةً

وسماؤك أكثرَ إشراقاً.

**

الخارطة التي رسمتها

لشبابِك َ

بطريق الخطأ،

ستوصلك حتماً

إلى شيخوخة ٍ خاطئة! ...

***

إباء إسـماعيل

 

عند تمام الساعة السابعه

يمضي النهار بخطى طيّعه

*

بعد قليل ويحلّ الدجى

ويترك الضيا له موضعه

*

هذا البريق ان بدا ساطعا

كصحوة الموت فما أسرعه

*

فلا يغرّتك الشباب وقد

زادت على خمسينه أربعه

*

وان بدا الشيب فلا تحفه

أتاك ما صحا لكي تسمعه

*

وان أتى جيل جديد فقل

يوم جديد جاء.. ما أروعه

***

الدكتور محمد تقي جون

وأجمعْ تلكَ الفُرَصَ المخطوطةَ بالفصحى،

وحاورْ صمتَكَ الآن؛

صوتُكَ الجَهوريُّ

يعلو في سُباتِكَ الحُرِّ.

*

فأيُّ المَدَيَيْنِ أنتَ؟

أبحثُ عنكَ

على مَهَلٍ،

حينَ يكونُ الجريُ معَ الماءِ

خيارًا

لا يقبلُ الإنصافَ

ولا المغيبَ.

*

كانَ وعدًا لي:

إنْ أخطأكَ

السحابُ القريبُ منَ الأرض،

فلنْ يُخطئكَ

لونُ الغبار،

ولا هواؤكَ الجافُّ،

ولا بعضُ سَهَرِكَ

المبلولِ بالحُمّى.

*

لونٌ يُضاهي الثلجَ

كانَ اختيارَكَ

من بينِ آلافِ الدُّمى الرماديّة،

كأنَّكَ نجوتَ

من عرضٍ مسرحيٍّ

كانَ يبحثُ عن خيالِكَ.

***

رجاء الغانمي - العراق

 

أيا فرحاً تَجلَّى

من فمِ الصمتِ اسْتَعَادَ ظِلالَهُ

في رُبْعِ أنثى

لكَ ما وَهَبْتَ الكأس نِصْف بنانِها

أفْرَغْتَها ملأى

أصَابتْ منكَ حضْرَة ليلها:

ليلى

وهذي الكأس

والفرح الذي

أسرى بحُبِّكَ

وارتأى النجوى ثلاثتهمْ:

ليلى

وهذي الكأس

والفرح المُجَابْ!

*

لكَ.. ما اندلَقْتَ ببابِهِ حِبْراً

بياض موسيقا

موانئ لَوْزَة ٍ...

أفياء فاحشة الثناء ْ

أنهار من شَغَف ٍ

وأخرى من كتابْ!

***

محمد ثابت السُّمَيْعي

صباحُكم أحلى وأغلى، أحبّتي…

كيف حالُ قلوبكم بعد هذا الغياب؟

عدتُ إليكم وفي يدي حفنةُ ضوء،

وفي صدري كلامٌ طويل

كان ينتظر نافذةً تشبه أرواحكم.

*

عدتُ

كعصفورٍ أضاع الطريقَ إلى دفئه،

ثمّ وجد في أصواتِكم شجرةً

تليقُ بالقاء التعب.

*

ما زالتِ الدنيا

تُكثرُ من الضجيج،

وما زالتِ الأرواحُ النقيّة

تتجول بيننا

كشموعٍ صغيرةٍ في مهبِّ الريح،

لكنّها ـ رغم كلِّ شيء ـ

لا تنطفئ.

*

كيف حالُ أيّامكم؟

هل صافحتكم الطمأنينةُ أخيرًا؟

هل نامتِ الأحزانُ قليلًا

على كتفِ المساءِ

دون أن توقظَ فيكم ذلك التعبَ القديم؟

*

أعرفُ أنّ الغيابَ

ليس مسافةً دائمًا،

أحيانًا يكونُ زحمةَ حياة،

وأحيانًا يكونُ صمتًا

يحاولُ أن يُرمِّمَ ما تصدّعَ في الداخل.

*

كنتُم تأتون إلي،

في الخاطرِ،

كلّما مرّتْ أمامي كلمةٌ جميلة،

أو رأيتُ غيمةً تشبهُ الحنين،

أو سمعتُ قلبًا

يبحثُ عن قلب.

*

صباحُكم

يشبهُ الأغنياتِ التي لا تشيخ،

ويشبهُ الخبزَ الساخنَ في بيوتِ الأمهات،

ويشبهُ وردةً

نجتْ من قسوةِ الفصول.

*

كونوا بخير،

كما تتمنّى السماءُ للأرضِ بعد المطر،

وكما يتمنّى البحرُ

لسفنِه العائدة

ألّا تضيع.

***

مجيدة محمدي - تونس

١- طيفٌ رأى مِنْ بَني الزَّوْراءِ سَيِّدَها

تَمُدُّهُ مثلَ نَجْمٍ بازِغٍ يَدَها

*

يأتي بِدِجْلَةَ مِنْ شَرْقٍ لِيُطْعِمَها

كَنَخْلِ مَرْيَمِهِ لَم تَنْسَ مَوْعِدَها

*

جَلا وأَجْلى جَلِيًّا بَعْدَ ذي فَلَقٍ

وَقَبْلَ مَحْلِ الظَّما قد كانَ مَوْرِدَها

*

أَصالِحُ اِئْتِ رُباها غَيرَ مُبْتَئِسٍ

وَرَوِّ مِثلَ فُراتِ الوَعْدِ صَيْهَدَها

*

٥-   كناقةِ الصِّدقِ ذَرْها مِنْ مَباهِجِها

تَأْكُلْ تَجِدْ وارِفَ الأنْداءِ جَيِّدَها

*

مَدينةٌ لِلتَّجلِّي والسَّلامِ أَرا

كَ إنْ أضلَّ فَتَى الرَّوْحاءِ مُرْشِدَها

*

مَوسُوعَةٌ جِئْتَها مُوسى على قَدَرٍ

مِنْ جَيْبِ بَيْضاءَ تَسْتَرْضي تَهَجُّدَها

*

مَدائنُ الحَرْفِ تُرْوَى مِنْ كَرامَتِهِ

كَما رَوَتْ يَدُهُ البيضاءُ أَجْرَدَها

*

أَنَجْلَ صالِحَ خَفِّفْ وَطْءَ مِشْيَتِها

إلى حُروفِ حُسَيْنٍ كُنتَ مَرْفَدَها

*

١٠-  أَمِنْكَ نَفحُ يَدِ الرَّيْحانِ تُرْسِلُها

إلى بَني الحَرْفِ لَمْ تَسْتَبْقِ أَجْوَدَها

*

أَتَيْتَ مِنْ جَنَّةِ الزَّوْراءِ ذا وَزَرٍ

بِشْرًا فَهيِّءْ لَها في الخُلْدِ مَقْعَدَها

*

مَوسُوعَةٌ مِنْ يَدَيْ كَرباسَ أنتَ تَرى

أَعَزَّها يَعْتَلي العَلْيا وَأَمْجَدَها

*

هُوَ الحُسَيْنُ يُناديكَ اسْتَمِعْ شَغَفًا

إلَيْهِ وانقُلْ إلى بَغْدانَ مَشْهَدَها

*

هُمْ يَنْحِتونَ حُروفًا في جِبالِ إِبًا

وَأَنْتَ مَنْ كَنَشيدِ المَجْدِ رَدَّدها

*

١٥- كَأَحْرُفٍ أَبْرَأَتْ في الغَرْبِ فِتْيَتَها

وَفي حِمى الشَّرْقِ لَمْ تَسْتَثْنِ عُوَّدَها

*

حَمائِمُ الشَّوقِ فوقَ الغَيمِ قَدْ نَثَرَت

في مَشْرِقٍ مَغْرِبٍ كالضَّوْءِ عَسْجَدَها

*

لا تُبْقِ مِصْرادَ غُبْرٍ في سَفينَتِها

شِراعَها فَلْتَكُنْ كالمَوْجِ مَدَّدَها

*

وَعُدْ نَبِيًّا إلى رَوْحاءَ أَقْرَبَها

تُدْني بِما تُطرِبُ الزَّوْرا وَأَبْعَدَها

*

ما أَصلَحَ اليَدَ مِنْ مَمْشوقِ هِمَّتِهِ

تُهْدي إلى رَوْضِ رَيْحانٍ تَوَدُّدَها

*

٢٠-  مَوسُوعَةٌ أَطْرَبَتْ في فَنِّها وَرَبَتْ

وَأَزْهَرَتْ فَزَهَتْ والمَدْحُ عَدَّدَها

*

كُلُّ المَعاني جَليلاتٍ نُشِرْنَ بِها

الحَقُّ أيَّدَها والبَغْيُ أَجْهَدَها

*

لَعلَّ نَتْلو لآَيِ السِّرِّ سُورَتَهُ

الجَهْرُ أَظهَرَها واللهُ سَرْمَدَها

*

بِدِجْلَةَ اِنْفلَقَتْ كِبْرًا مَلاحِمُها

فَصارَ أَبْيَضُها كاللَّيْلِ أَسْوَدَها

*

أُوروكُ شِبْهُكَ مِنْ أَسْفارِ رِحْلَتِهِ

بَحْثا عنِ الخَيرِ في الشُّطآنِ جَسَّدَها

***

[البسيط الأول]

عبد العزيز شبِّين - لندن

١٠/ أيار/ ٢٠٢٦م

في دَوْرقي سحابةٌ ذاهلةٌ

و جلّنارٌ لا تُجيرُ خَدّهُ ذاكرةٌ.

كأسي يُفيضُها

غُرابٌ أَوْجَعَهُ فَرْطُ الْجَوى،

يُتْرِعُها فَضْفَضَةً

و بَسْطَةً في الْهَمَسَاتْ.

يُرهِقُني - قال- دِهَانٌ

يرتوي مِن وجهِ قابيلَ

و نبْضِ عطرِهِ.

يَزّرَقُّ حينا،

ثُمّ منه ينزعُ اللّيْلُ الضّياءْ.

أنا الّذي أَرْخَيْتُ أَجْنُحِي لقابيلَ

مَفاتيحَ لِأَقْفال السّماءْ،

تُرْبِكني الْتِفافَةُ الظِّلالِ

حول هامتي،

و رجْفَةُ الضّلوع

حول مقلتي.

مُذْ أَمَدٍ

رَتَقْتُ عشبَ كفِّهِ،

فما رأيْتُهُ على السُّقْيا استقامَ

فَاشْتفى.

و ما رأيْتُهُ

لِأَنْغامِ السَّماواتِ

يُلَقِّي سَمْعَهُ

و يَرْتَوي بِمَا هَمَى.

و إنّما في " خَزَمٍ "(*) أَلْمَحُهُ

يُعطِّر الْغَيْمَ بعنقود الْجفَاءْ…

**

قلتُ و بي حشرجةٌ:

هل مِنْ ضياءٍ يُوقِظُ السّحابَهْ؟

و هل لهذا الْجُلّنارِ الْخَذَلَتْهُ الذّاكِرَهْ

تَذْكِرَةٌ

إلى نسيمِ قمّةِ الْجُودِيِّ

أو ظُلَّتِها؟

عباءةٌ - ردَّ - بها يعرُجُ

نحو نَفْحَةٍ

تَرُدُّهُ مُذَّكِرا.

عباءةٌ تَجيئهُ مِنْ " خَضِرٍ "،

بها نُقوشاتُ قميصٍ

و حديثُ سُنْبُلَهْ…

تمتدُّ نحوه يدُ " الْخَضِرْ"

بِدَوْرَقٍ به شفاهُ شمسٍ

تحْمِلُ الْبَدْرَ صَدًى،

و تُلْهِمُ السّحابَةَ الْهَمْسَ

و دَفْقَةَ النَّدَى…

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي – تونس

......................

- الْخَزَمُ: شجر يسمّى أيضا "دم الْأخويْن".

(قصائر)

1

لعلّكَ لا تَدري

أيّامَكَ التي رتَقْتَ ثُقوبَها

بلا كلَل

كانت بإبرةٍ

بلا ثَقبْ

**

2

الأرضُ التي أنبَتَتكِ

أيتُها النَخلَة

تدَنسّتْ

احبسي التَمرَ.. عنها

والظِلّْ

**

3

بابُ سُليمان

مَشيمَةٌ لم تقْطَعْها أمّي

بَقِيَتْ تَشدّني

مُكبّلاً

الى مَوطنٍ..

ضَحِكَ بالأمس

**

4

شَمسُ الغُروب

ونِثارُ غُيومٍ قِرمِزية

رسّمَتْ على عَينيكِ

لوحةَ عُرس

تُشْبِهُ قلبي .. معك

في المَوعدِ الأوّل

**

5

يُسْلِمُ كلّ يَومٍ الى الآخر

سِرَّ تَشرّدي

وأنا..

أدخُلُ كلّما عَبَرْتُ

قِيامةَ الحَنين

**

6

أقتَرِفُ الحُبّ

كلّما سقطَ بَعضٌ من الشَيب

تاركاً ثلمةً

أحَسبُ التماعَها إغراءً

لغافِلةٍ مثلي ..

لا تأتي

**

7

خَمسُ حَواسٍ.. ألفْ

ملَلتُ العَدّ

فأنا في وطَنٍ

تولدُ في كلّ يومٍ واحِدة

صَليَبةً

على أعوادِ أخرى ..

تَندَثِر

**

8

هناك

في وطأةِ البَرْد

يخرُجْنَ منَ الحانِ

أنصافَ عُراة..

كالخَمرِ التي ابتَلَعنَها

أنشُرُ أشرعَتي بينَهم

تلكَ ذريعَتي لاقتِناصِ فَريسةٍ ..

لا تَعي

**

9

كيفَ لي ايُّها البَحر

أن أجِدَ المسارَ الى الشاطِئ

الهُ السماءِ فوقَك..

لا يرضىٰ اقتسامَ الماء

بلا عَواصِف

**

10

تلكَ الشَمسُ

تُداعِبُ أكتافَهنَّ العارية

ذاتُها هنا

تُصلي جَبهَتي

أتُرانا خيرَ أمّةٍ

بشَمسٍ أُخرىٰ ..

ناقِمة

**

11

أكادُ أكونُ كمَن يَنصَرِفْ

ثمّ يَعود

ببَعضِ كلامٍ يُقال

بلا مَعنىٰ ..

أحياناً

**

12

ليسَت تَجاعيدُ وجْهي ..

فحَسب

تغَضّنَ قلبي كذلك

يَعرِفُ ذلكَ أيضا..

قلَمي

**

13

بعضُ أيامكَ لا تمُرّ

تَختالُ بغِلظَتِها

حتى جَبَروت الشَمس

لا يُشعِلُ غيرَ قِشرَتِها..

الباردة

**

14

لا ..

حرفانِ لم يَعرِفاكِ قَط

أيُّ بابٍ فُتِحَتْ

بينَنا ..

ليَدخُلا

**

15

ليتَني أرىٰ ما رأَتْ عَيناكِ

فيَّ ..

لمّا التقَينا

فما أخفَيتيهِ ..

حَجَبَتْهُ المِرآة ..

أيضا

**

16

دعنا لا نقتسِمُ الأخطاء

أيّها الزاني بالأقداس

لم أعُد آيةً ..

تُبرّرُ الآثام

***

د. عادل الحنظل

 

على تخومِ الحكايةِ،

قبلَ أنْ تُكسرَ المآذنُ بالنحيبْ،

وقبلَ أنْ ترتديَ القرى

أكفانَ الغيابِ والكآبةِ واللهيبْ،

كانَ جدّي الكنعانيُّ

يعودُ مع الغروبِ

وحقلُ القمحِ يمشي خلفَ خُطاهُ

على الخصبِ والعشبِ والطيبْ.

مات جدّي

ولا زالت الكوفيّةُ

على كتفِهِ

ترفرفُ فوقَ الريحِ

تباركُها السنابلُ

ودعواتُ الأمهاتِ

وأجراسُ المغيبْ.

وكانتْ جدّتي الكنعانيّة،

تمشي في ساحةِ الدار

بثوبِها المطرَّزِ

بأغاني البرتقالِ والزيتونْ،

فتنحني لها الجرارُ

ويصحو الطابونْ،

فيفوحُ الخبزُ من بينِ يديها

في ذاكرةِ السنينْ.

في خاصرة أيار،

وفي حضيرةِ البيتْ

نامَ حصادُ القمحِ

كنزًا من ذهبِ الحقولْ،

وامتلأتِ الجرارُ

بزيتِ الزيتون،

وكانتِ الأبوابُ الخشبيّةُ

تحفظُ ضحكاتِ المساءِ

وصهيلَ الخيولِ

ورائحةَ الزعترِ المبلّلِ بالندى

وأغاني الحصّادينْ.

ثمَّ جاءَ الليل

ليلٌ ثقيلٌ

تعثّرتْ فيهِ النجومُ

بأقدامِ الغزاةْ،

ليلٌ

كانتْ فيهِ القرى

تجمعُ أطفالَها،

وأشلاءَ الدعاءِ والنجاةْ.

نهض جدّي ليحملَ مفتاحَ المالحة،

وشدّتْ جدّتي

ثوبَها المطرَّزَ

على صدرِها المرتجفْ،

ومشيا بينَ القرى

والنارُ تلتهمُ أسماءَ البيوت،

وخلفَهما

ظلَّ حصادُ القمحِ

نائمًا في حضيرةِ النسيان،

ينتظرُ عودةَ أصحابِهِ

من دروبِ التيهِ والانكسارْ.

يا مالحةُ

يا خارجةً من سِفرِ الكنعانيينْ،

يا نارَ زيتونٍ

على كتفِ السنينْ،

فيكِ الملاحمُ تمشي

بثوبِ الخالدينْ،

وفي ترابِكِ ترتقي الصلواتِ

على جبينِ العارفينْ.

تقفُ الجدّاتُ

على أبوابِكِ العتيقةْ،

ينسجنَ من ضوءِ الحنّاءِ

تعاويذَ الطريقْ،

ويخبزنَ للشمسِ

أقمارًا من القمحِ العريقْ،

ثمَّ يرسمنَ فوقَ أكفِّ الصغارِ

مفاتيحَ البيوتِ

ليكبرَ فيهم

وعدُ العائدينْ.

أيُّها المفتاحُ

المعلَّقُ في رقبةِ المنافي،

يا آخرَ الأجراسِ

في زمنِ الخرابْ،

ثمانيةٌ وسبعونَ عامًا

والمالحةُ تشربُ مرارةَ الأحباب،

ثمانيةٌ وسبعونَ عامًا

والنوافذُ تنتظرُ الخُطى

مثلَ عيونِ الأمهاتِ

على عتباتِ السرابْ،

حتى غدا اليُتمُ

رايةَ قريةٍ،

وصلواتَ بيتٍ،

وأنينَ زيتونةٍ

في مواسمِ الغيابْ.

نهض الجدُّ الكنعانيُّ

فارتجفتْ تلالُ القمحِ،

وصعدَتِ السنابلُ

جيشًا من الضوءِ والنارْ،

وتقدّمتِ الكوفيّةُ

فوقَ أكتافِ الرجالْ،

مثلَ رايةِ “عنات”

التي تعودُ من الحروبِ

مكلّلةً بغبارِ الانتصارْ.

يا بحرَ غزّةْ،

خبِّئْ مراكبَ الفينيقيينَ

في زرقةِ الأسرارْ،

واحملْ غناءَ الصيّادينَ

إلى آخرِ الدنيا

وآخرِ البحارْ،

ويا قدسُ،

يا نسرًا كنعانيًّا

يحرسُ أبوابَ السماءْ،

قِفي على جرحِكِ العالي

أسطورةً

لا تنحني للغزاةْ،

ولا تموتُ مع انكسارِ النهارْ.

في اللدِّ

سارتِ القرى بثيابِ النارْ،

الأمُّ تحملُ خبزَها،

والجدُّ يحملُ مفتاحَهُ،

والطفلُ يحملُ دهشةَ الأعمارْ.

يركضُ الهواء لاهثًا خلفَ القوافلِ

حاملًا رائحةَ الزعترِ

وأغاني الحصّادينَ

وصهيلَ المواويلِ

في قلبِ الديارْ.

أقسمتِ الجدّاتُ

عندَ مواقدِ الخيامْ:

“سيعودُ الزيتونُ يومًا

إلى صدورِ التلالْ،

وسيعودُ القمحُ

ليلبسَ ذهبَ المواسمِ والحقولْ،

وسيعودُ المفتاحُ

ليوقظَ أبوابَ البيوتِ

بعدَ هذا الرحيلِ الطويلْ”،

ثمَّ نثرنَ الحنّاءَ

فوقَ جباهِ الصغارْ،

فكبروا

وفي عيونِهم

تركضُ خيولُ جلجامشْ،

وتشتعلُ نارُ بروميثيوسْ،

ويعلو نشيدُ فلسطينْ

فوقَ رؤوسِ الرجالْ.

أيُّها العابرونَ

فوقَ جراحِ البلادْ،

هل سمعتمْ صوتَ الكوفيّةِ

المرفرفة فوقَ البنادقِ والمآذنِ والسهولْ؟

إنّها تقرأُ تاريخَ فلسطينْ

بصوتِ الأنبياءِ

وصهيلِ الخيولْ.

وهل رأيتمْ زيتونةً

تقاتلُ الريحَ

ثمانيةً وسبعينَ عامًا

ثمَّ ترفعُ أغصانَها الخضراء

في وجهِ الأفولْ؟

ها همُ الشهداءُ

يصعدونَ من ترابِ البلاد

بعدَ الشتاءِ الطويلْ،

وجوهُهم قناديلُ،

وأصواتُهم طبولُ الملاحمِ

في ليلِ المستحيلْ،

وفي أيديهم

مفاتيحُ البيوتِ القديمةْ،

وفي خطوِهم

ترتجفُ أبوابُ التاريخِ

وترتفعُ راياتُ العودةِ

فوقَ الجليلْ.

ها هو الليل يفرغُ

آخرَ ما في جعبتِهِ من الخرابْ،

وتنكسرُ على أسوارِ القدسِ

أنيابُ القرونْ،

سيهبطُ الكنعانيُّ الأخيرُ

من أعلى الملاحمِ والأساطيرْ،

مكلّلًا بغبارِ المعاركِ

وبرائحةِ الزيتونِ والحنينْ

يرفعُ مفتاحَ المالحةِ عاليًا،

فتنشقُّ الأرضُ

عن القرى النائمةِ تحتَ الرمادْ،

وتنهضُ البيوتُ

كما تنهضُ العنقاءُ

من قلبِ النارِ واليقينْ.

فتشتعلُ الكوفيّةُ فوقَ الريحْ

رايةً بحجمِ السماءْ،

وتمشي السنابلُ

خلفَ العائدينْ،

وتخرجُ الجدّاتُ

من أبوابِ الزمنْ،

ينثرنَ الحنّاءَ

فوقَ جبينِ البلادْ،

فيخضرُّ الحجرُ،

ويعودُ البحرُ

لينطقَ الاسمَ المقدّسَ

في حضرةِ الخالدينْ:

فلسطينُ

يا ملحمةَ الأرضِ

من أوّلِ النارِ

حتى آخرِ العائدينْ.

***

غدير حميدان الزبون

المالحة / القدس / فلسطين

إلى ا. د. بشرى موسى صالح

***

إليها فقط

نصغي،

وثمّةَ وجوهٌ أخرى

تقفُ خارجَ التغطية،

تراقبُ الصوتَ

وتحسبُ الضجيجَ

غناءً

**

ترفعُ نبرتها

كمن يطرقُ باباً عتيقة،

تكدّسُ الكلماتِ

وتبعثرها في الهواء،

ثم تسألُ الصدى

لماذا لا يعود.

إليها

**

يتّسعُ الهواء،

ولها يعلو النشيد.

**

لا حاجةَ لدفعِ الصوت،

إذ يرتفعُ وحده

كنبعٍ

حين يفيض،

وكالضوء

حين يجدُ نافذته.

**

حين يمرُّ الكلامُ ممهورا

بختمها

تتراجعُ الأصواتُ الأخرى

بخطواتٍ مهزومة،

كأنّها

تدركُ

أنّ التفرّدٓ

ليس في الهذيان.

**

هناكَ من يظلُّ

يلاحقُ الأذنَ،

يرفعُ صوته

كي لا يغيب،

لكنَّ الصوتَ

يبقى عالقاً

على حوافِّ الهواء.

**

الغناءُ المرفوعُ إليها

يدخلُ القلبَ

مثلَ ماءٍ صافٍ

وجدَ مجراه.

**

إليها وحدها

يعلو الصوت،

وتمضي الأصواتُ الأخرى

خجولة

كظلٍّ

خاصمه الضوء.

***

د. جاسم الخالدي

طال الصمت،

وبدأ يشقّ عويل القرى،

أصبح صيّادًا مرعبًا،

يجوب المدن الأنيقة،

يدخل البساتين والحدائق،

يخرّب أعشاش العصافير،

يحرق الخيام،

يغلق الأسواق،

يهدم الجسور،

يوقظ النيام.

هذا الصمت يحمل الموت،

يغوي البيوت،

يقود العواصف،

يسرق شمس الصباح،

وينام في الخاصرة.

إلى متى الصمت؟

البلاد في ظلام تام،

والقلق يأكل أكبادنا.

من يدلنا على الفجر؟

بدأ ليل العراق،

توقف ماء دجلة والفرات،

قُطعت الأشجار والنخيل،

والرجال صامتون.

فراشات عمياء تطير من حنجرتي،

الطيور تسقط من سماء المدينة.

أي نهارٍ أسود يحتويك؟

الثقوب لا تُعدّ،

وكذلك الذئاب،

واللصوص،

والخونة.

أنت في عراق الجحيم،

فتعلم الصمت مثل الآخرين.

***

مراد سليمان علو

استيقظ في ذلك الصباح على وضوحٍ غير مألوف، وكأن الأشياء قرّرت أن تعلن عن نفسها بلا التباس.. مدّ يده إلى الجهة الأخرى من السرير، فلم يجد زوجته. لم يكن الغياب غيابًا عاديًا؛ الوسادة غائرة، والغطاء مطويٌّ بعنايةٍ كما تفعل كل صباح، والكوب على الطاولة لا يزال يحتفظ بأثر شفةٍ لم يجفّ تمامًا. نهض ببطء، ومشى نحو المرآة، فرأى الغرفة كاملةً منعكسةً بوضوحٍ قاسٍ: النافذة، الستارة، الكرسي، اللوحة الصغيرة المائلة. وقف مكانه ولوّح بيده، لكن المرآة لم تلوّح بشيء.

أقنع نفسه أن الضوء يخونه. غسل وجهه طويلًا، كما لو أن الماء قادرٌ على إعادة العالم إلى ترتيبه المألوف، ثم خرج إلى الشارع. كانت المدينة تعمل بكفاءةٍ مذهلة؛ السيارات تمرّ بانضباطٍ محسوب، الدراجات تنساب بخفة، الترام يشقّ مساره بصريرٍ منتظم، وإشارات المرور تتبدّل. ومع ذلك لم يكن هناك سائقون، ولا مشاة، ولا وجوه. الأبواب تُفتح وتُغلق، والمحالّ تعرض بضائعها، والجرائد تتساقط من الآلات المعدنية إلى الأرصفة… غير أن أحدًا لا ينحني لالتقاطها.

توقّف عند مفترقٍ واسع، وشعر لأول مرة أن الدقة الزائدة ليست طمأنينةً. كاميرات صغيرة مثبتة على أعمدة الإنارة، وعدساتٌ سوداء تتوزّع على واجهات المباني، وأجهزةٌ تحوم بعيدًا في السماء بحركةٍ دائريةٍ هادئة، كأنها تراجع المشهد من علٍ. لم ينتبه إليها من قبل؛ أو ربما لم تكن بهذا الوضوح. اقترب من حافلةٍ توقفت أمامه، فُتح بابها الأماميّ، وانتظر أن ينزل أحد. لم ينزل أحد. أُغلق الباب وانطلقت في موعدها الدقيق.

دخل مقهى اعتاد الجلوس فيه. رنّ الجرس المعلّق فوق الباب بنغمةٍ قصيرة، وكانت الطاولات مصطفّةً بعناية، والكراسي مسحوبة قليلًا كأن أشباحًا نهضت لتوّها، وآلة القهوة تنفث بخارًا حيًّا، وفنجان يتحرّك ببطءٍ فوق الصحن حتى حافة الطاولة ثم يتوقّف، كأن يدًا غير مرئيةٍ تمسكه في اللحظة الأخيرة. جلس، وقال بصوتٍ متردّد: «مرحبًا؟» فعاد إليه صدى صوته. مدّ يده إلى الفنجان، كان دافئًا؛ ارتشف، الطعم كامل، القهوة موجودة… إلا أن الذي أعدّها لم يكن موجودًا.

بدأ يبحث عن البشر كما يبحث المرء عن شيءٍ ضاع في غرفةٍ يعرفها جيدًا. اشترى صحيفة؛ الصفحات مليئة بالأخبار، بالعناوين العريضة، بصورٍ لمبانٍ رسمية، بمنصّاتٍ مزدانةٍ بالميكروفونات، بمدرّجاتٍ واسعة، لكن في الصورة الجماعية الكبيرة لم يكن هناك أحد: منصّةٌ بلا خطيب، مدرّجٌ بلا جمهور، شوارع بلا عابرين. مضى إلى دار السينما، دفع ثمن التذكرة من آلةٍ تقبل النقود دون أن يسلّمها أحد، دخل القاعة وجلس في الصف الأوسط. انطفأت الأنوار، وبدأ الفيلم: مدينة على الشاشة، شقة أنيقة، باب يُفتح بعنف، كأس يسقط ويتحطّم، مسدّس يُطلق رصاصةً، سيارة تنقلب… غير أن الممثلين غائبون. الحوار يُسمع بوضوح؛ امرأة تبكي، رجل يصرخ، خطوات تجري، أنفاس متقطّعة، بينما الأماكن فارغة. كان الصوت حاضرًا، والجسد محذوفًا، كأن العالم احتفظ بالأثر واستغنى عن الأصل.

خرج مسرعًا، وأحسّ أن العيون الزجاجية المثبتة في كل مكان تتبعه. رفع رأسه فرأى جهازًا صغيرًا يحوم عاليًا، يتحرّك في دائرةٍ ثابتة، لا يتدخّل ولا يقترب، يكتفي بالرصد. في تلك اللحظة شقّت رأسه فكرةٌ هادئةٌ وقاسية: ماذا لو لم يختفِ البشر، بل اختفى هو عنهم؟ ماذا لو أن الخلل ليس في المدينة، بل في موضعه منها؟

عاد إلى بيته بخطواتٍ متسارعة. وقف أمام المرآة مرةً أخرى؛ الغرفة موجودة، السرير موجود، الستارة موجودة، أما هو فكان فراغًا دقيقًا يشبه شكله. اقترب حتى كاد يلامس الزجاج، شعر بأنفاسه ترتدّ عليه، ووضع يده على صدره؛ القلب ينبض، والنبض يسمعه بوضوح. جلس على الأرض مستندًا إلى الحائط، وللمرة الأولى منذ استيقظ شعر بالخوف؛ لا خوف الوحدة، بل خوف أن يكون العالم قد أعاد ترتيبه بحيث لم يعد يحتاجه.

أغمض عينيه لحظةً، فرأى في العتمة وجهًا عابرًا، ضحكة طفلٍ بعيدة، يدًا تلوّح، ثم تلاشى كل شيء. فتح عينيه، فكانت المدينة خارج النافذة تؤدي وظائفها بانضباطٍ كامل، بلا خللٍ ظاهر. عندئذٍ سمع أزيزًا خافتًا، منتظمًا، يقترب تدريجيًّا. رفع رأسه فرأى طائرةً صغيرةً بلا طيّار تحوم أمام الزجاج، عدستها السوداء ثابتةٌ عليه بثباتٍ لا يحتمل الخطأ. لم يفاجأ؛ كأن المشهد كان مؤجّلًا منذ الصباح.

تقدّمت الطائرة ببطءٍ محسوب، ثم عبرت الزجاج كما لو أنه هواء، من دون تحطّمٍ أو شظايا. توقّفت على مسافةٍ قصيرة، وانبعث منها صوتٌ آليّ محايد: «تحرّك نحو الباب.» لم يناقش، لم يسأل، كان الأمر أشبه بإتمام معادلةٍ بدأت قبل ساعات. فتح الباب ومشى في الممرّ، ثم ركض فوق ممشى الحديقة الحجريّ، فيما جهازٌ آخر يحوم فوقه على ارتفاعٍ منخفض، يواكب خطاه بدقّة. عند بوابة الحديقة كانت مركبةٌ داكنة تنتظره، بابها الخلفيّ مفتوح. لم يرَ سائقًا، ولم يرَ أحدًا يراقب، سوى العدسات الثابتة التي لا ترمش.

توقّف لحظةً ونظر إلى البيت الذي كان قبل قليلٍ عالمه الوحيد، فلم يشعر نحوه بشيءٍ محدّد؛ كان مجرد عنصرٍ آخر في نظامٍ يعمل بلا انقطاع. صعد إلى المركبة، فأُغلق الباب بإحكامٍ لطيف، وانطلقت بهدوءٍ تام. من خلف الزجاج المعتم، كانت الشوارع تمتدّ نظيفةً ومنضبطة، والسيارات تسير في خطوطها الدقيقة، والإشارات تتبدّل في مواعيدها، وكل شيءٍ يؤدي دوره كما ينبغي.

لم يعرف إلى أين يُقتاد. وبينما كانت المباني تتراجع خلفه بانضباطٍ صارم، أدرك أن وضوح الصباح لم يكن نعمةً، بل إعلانًا مبكرًا عن خروجه من الحساب؛ ثم ابتلعته الطريق، واستمرّ كل شيءٍ في العمل كما لو أنه لم يكن.

***

بولص آدم

فِي الزَّوَايَا..

أَشْيَاءُ تُرَاقِبُنَا بِصَمْتٍ عَبْقَرِيّْ..

جَرِيدَتُهُ..

مَا زَالَتْ مُشْرَعَةً عَلَى خَبَرٍ قَدِيمْ،

تَمْتَصُّ حِبْرَ الذَّاكِرَةِ،

وَتَنَامُ فِي حِضْنِ المَسَاءْ.

عَلَى الكُرْسِيِّ..

جَوَارِبُهُ المُهْمَلَةُ تَبْحَثُ عَنْ خُطَاهْ،

تَحْرُسُ دِفْءًا رَاحِلاً،

وَتَقِفُ كَشَاهِدٍ عَدْلٍ عَلَى تَعَبِ المَمَاشِي.

وَعَلَى الطَّاوِلَةِ..

نَظَّارَاتٌ مَطْوِيَّةٌ..

تَخْتَزِنُ فِيهَا مَلَامِحَ الوُجُوهِ،

تُحَدِّقُ فِي الفَرَاغِ،

وَتَقْرَأُ مَا لَمْ تَقُلْهُ العُيُونْ.

كُلُّ هَذَا الرُّكَامِ الحَمِيمِ..

نَبْضٌ مُؤَجَّلْ،

أَثَرُ الحَيَاةِ عَلَى حَافَّةِ المَحْوِ،

وَرُوحٌ أُخْرَى..

تُعِيدُ تَرْتِيبَ المَكَانْ!

***

العامرية سعد الله

 

أَغْفِي عَلَى كَتِفِي كَيْ تُلْجِمِي الْوَجَعَا

مُذْ غَابَ وَجْهُكِ هَذَا الْقَلْبُ مَا هَجَعَا

*

أَغْفِي.. لَعَلَّ وَرَاءَ الْجَفْنِ مُنْتَبَذًا

يَأْوِي إِلَيْهِ شَتَاتٌ مِنْكِ قَدْ جُمِعَا

*

أَسْنَدْتِ رَأْسًا كَأَنَّ الْأُفْقَ مَحْمَلُهُ

لَوْ نَامَ فَوْقَ مَتِينِ الصَّخْرِ لَانْصَدَعَا

*

لَوْ يَرْتَدِي الْفَجْرُ مِنْ عِطْرِ اللِّقَاءِ رُؤىً

لَظَلَّ يَلْهَثُ خَلْفَ الرِّيحِ مَا رَجَعَا

*

إِنِّي أُهَنْدِسُ هَذَا الْوَقْتَ فِي لُغَتِي

جِسْرًا مِنَ الضَّوْءِ.. فَوْقَ الْغَيْمِ قَدْ وُضِعَا

*

فِي صَمْتِ عَيْنَيْكِ أَسْرَارٌ أُطَالِعُهَا

كَأَنَّهَا الْفَجْرُ فِي وِجْدَانِيَ انْطَبَعَا

*

مَا كَانَ صَمْتُكِ إِلَّا مَحْضَ مُعْجِزَةٍ

صَاغَتْ مِنَ اللُّغَةِ الْخَرْسَاءِ مَا نَصَعَا

*

مَا عَادَ لِلَّيْلِ أَنْيَابٌ تُؤَرِّقُنَا

وَلَا لِمُرِّ الْأَسَى فِي الرُّوحِ مُتَّسَعَا

*

هَيَّا لِنَمْضِي وَضَوْءُ الصُّبْحِ يَتْبَعُنَا

كَكَوْكَبٍ بَعْدَ دَاجِي اللَّيْلِ قَدْ سَطَعَا

*

وَنَزْرَعُ الْوُدَّ فِي بَاحَاتِنَا أَمَلًا

كَيْ نَطْوِيَ الْهَمَّ وَالْآلَامَ وَالْجَزَعَا

*

لَا تَسْأَلِي الدَّرْبَ عَنْ ذِكْرَى تُخَلِّدُنَا

فَالدَّرْبُ يَنْسَى خُطَى مَنْ لِلْهَوَى اتَّبَعَا

*

حَسْبُ الْقُلُوبِ بِأَنَّ اللهَ يَجْمَعُنَا

وَيَمْنَحُ الرُّوحَ وَصْلًا كَانَ مُمْتَنَعَا

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

 

على شُرفَةِ الانتِظارِ

حُلمٌ مُعَتَقٌ

على دروبِ المَطَر

أَملٌ يَلهَث

وعلى مَذبَحِ القَدَر

أشوَاقٌ تُصلَب

ماذا خَلفَ السِّتارِ؟

شَهَقاتٌ تُحتَضِر

في نَفَقِ الَلَّيلِ

تَوَسُّلات ٌعَلى رَصيفِ النِّسْيانِ

جَفَّ نَدَى اَلعَذارى

وَرَحَلَ اليَاسمينُ

أَفَلَتِ الشَّمسُ

وَحُجِبَتِ النُّجومُ

بوشاحِ النَّفاق ِ

فَتَدحرَجَت الحَقيقَةُ

إِلى قاعِ الوَهْمِ

ببَرقِ رَعْدٍ بِلا وَميضٍ

سَقَطَ اَللؤُلُؤ

من أَعنَاقِ حَواري الشَّرقِ

سَرابٌ مُرَقّعٌ

سُكونٌ بلا عِطرٍ

وبَسماتٌ خَريفِيَّةٌ

صَلاةٌ عَمياء

اِبتِهالاتٌ باردَةٌ

وأَجراسٌ بلا صَدى

التُّرابُ يَنزفُ

والأَرضُ سَكْرَى..

لُطفاً أيُّهَا الرَّبُّ بظِلالكَ

بَأرواحٍ تائِهَةٍ

عَلّها تُبصِرُ الطَريق

إِلى سُفوحِ الصَّحوَةِ

وبَسَاتينِ الخَلاص

فَتُزهِرُ الأُلوهِيَّةُ

عَناقيدَ مَحبَّةٍ

مُضَمّخَةً بِماءِ اَلنُّور

***

سلوى فرح - كندا

 

كانَ قلبي غربالَ نبيٍّ قديم… تساقطتْ منهُ النساءُ كما يتساقطُ المطرُ منْ ثقوبِ الغيم، امرأةً بعدَ امرأة، وعمرًا بعدَ عمر، حتى حسبتُ أنّ الحبَّ مجرّدُ ماءٍ لا يُقيمُ طويلًا في كفِّ الروح.

*

كلُّ اللواتي عبرنَني كنَّ يشبهنَ الفصولَ العابرة: تأتي الواحدةُ محمولةً على عطرِها، ثمّ تذوبُ كملحٍ في فمِ الريح. واحدةٌ تركتْ شالَها على كرسيِّ المساءِ، وأخرى علّقتْ ضحكتَها على نافذةِ القلبِ ثمّ رحلت، وثالثةٌ نامتْ قليلًا في سريرِ القصيدة واستيقظتْ في رجلٍ آخر.

*

أمّا أنتِ…

يا خطأَ اللهِ الجميل حينَ نحتَ امرأةً منْ دهشةِ الضوء، ثمّ أخفاها في جسدٍ منْ موسيقى…أنتِ لمْ تمُرّي. كنتِ الحجرَ الوحيد الذي علقَ في ثقوبِ الغربال، فارتبكَ قلبي لأوّلِ مرّة، وشعرَ أنّهُ ليسَ مثقوبًا كما ظنَّ طويلًا، بلْ كانَ ينتظرُ نجمتَهُ المستحيلة.

*

منْ أنتِ؟

كيفَ دخلتِ إلى هذا الخرابِ الموشّى بالنساء ولمْ تسقطي؟ كيفَ استطاعتْ أصابعُكِ أنْ تُرمّمَ التصدّعاتِ التي خلّفتها الحروبُ العاطفية في جدرانِ روحي؟

*

كنتِ كلّما اقتربتِ سمعتُ البحرَ يرتّبُ أمواجهُ كجوقةٍ سماوية، ورأيتُ الليلَ ينزعُ سوادَهُ ويجلسُ عندَ قدميكِ مثلَ ناسكٍ مفتون.

 *

أنتِ لستِ امرأة… أنتِ ارتباكُ العناصرِ الأولى قبلَ أنْ يستقيمَ الكون. في عينيكِ رأيتُ المجرّاتِ وهي تُبدّلُ مداراتِها، ورأيتُ الوقتَ يتعثّرُ بثوبِكِ فيقعُ على ركبتيهِ كعاشقٍ مذعور.

*

أعرفُ الآن لماذا مرّتْ كلُّ النساءِ منّي: لأنَّ قلبي كانَ يتدرّبُ عليكِ. كانَ يتعلّمُ كيفَ يحتملُ امرأةً لا تشبهُ النساء، امرأةً إذا ابتسمتْ تشقّقتْ في السماءِ نافذةٌ إضافيةٌ للملائكة.

*

أنتِ لمْ تعبري… أنتِ أقمتِ مثلَ صلاةٍ أبدية في أكثرِ الأماكنِ هشاشةً داخلي.

*

ومنذُ عرفتكِ لمْ أعُدْ غربالًا… صرتُ مجرّةً تدورُ كلُّ نجومِها حولَ اسمكِ.

***

كريم عبد الله - بغداد / العراق

إنْ كُنتِ صادقةً لمْ تحملي الريبا

عنّيْ ولمْ تذهبي بالظنِّ ما ذَهبا

*

أمستْ ظنونكِ وَسْواسًا ومنْ زَمَنٍ

وغَيْرةً لم أجدْ في أصلِها سببا

*

كَمْ تَذهبينَ بتأولٍ وكم حملتْ

تلكَ التآويلُ في طيّاتها لهبا

*

لقدْ خَبَرتِ امرئً حُرًّا أخا ثقةٍ

نَدْبًا شِمِّلًّا إذا ما نادبٌ نَدَبا*

*

وما علمتِ لهُ في الحُبِّ خائنةً

فأينَ أنتِ إذنًا مِنْ مُرِّ ما شَرِبا

*

أراكٍ في حالةٍ ما كُنتُ أعهَدَها

لها اندهشتُ وإنّي ما ارى عَجَبا

*

نَعمْ دُهِشتُ لقولٍ لستُ أحسبهُ

إلا اختلاقًا أتى مِنْ حاطبٍ حَطبا

*

مأساةُ مَحبوبتي والحبُّ ذا قدري

تعيشُ وَهمًا، علينا هكذا كُتِبا

*

إنّي لأسألُها هلْ كُنتُ مُدّعيًا

حُبيْ ومُنتحِلًا أعراضَهُ كَذِبا

*

واللهُ يشهدُ مُذْ أشرعتُ أشرعتي

في حُبِّكِ القلبُ لو تدرينَ قد صُلِبا

*

ما عادَ ظلمُكِ بعد اليومِ يُؤلمني

ها قد تركتُ لكِ الاوهامَ والعتبا

*

سلامة الحُبِّ إنْ طهّرتِ موطنَهُ

ليستعيدَ ويبني كلّ ما خَرِبا

*

لكنْ أراكِ بطبعٍ شابَهُ كِبَرٌ

والحُبُّ والكِبْرُ ما كانا ولا اصطحبا

*

والله حسبي فقد أوكلتُهُ حَكَمًا

بيني وبينكِ في ما قِيْلَ أو نُسِبا

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور - العراق/ بغداد

في 30 حزيران 1989

.....................

* الندب والشِمِّل: السريع الاجابة للمساعدة

10. ميثاقُ الوجعِ واليقين

كان اقتراح صلاح بسيطًا في ظاهره، بيد أنه فتح في جدار الصمت بابًا لم يكن أحدٌ يتبينه بوضوح من قبل. فذات صباح، وبينما كان يقتسم مع الجيران شجن الجلسة في الحديقة، التفت الى هدى قائلًا:

"لماذا لا تكتبين عن الحيّ يا هدى؟ أنتِ ابنة الصحافة، ولعلّ مداد قلمكِ يوصل أنيننا إلى مدياتٍ أبعد من هذه الأزقة المخنوقة".

في تلك اللحظة، داهمت هدى القناعةُ بأن الكلمات، حين تُصاغ بصدق، تكون أشدّ قدرة على فتح الأبواب المؤصدة من الطرق العنيف عليها.

عادت إلى بيتها ذلك اليوم وهي تحمل في مخيلتها صور جيرانها كأنها أيقوناتٌ طاهرة:

الشيخ حسين بصوته الذي يقطر حنينًا؛

العم أبو عواد بوقاره الذي لم يهزمه الوهن؛

صلاح وهو يدفع مقعد أمه بحنوّ الأنبياء؛

جدعة التي توازن قفّة الخبز فوق رأسها كأنها توازن قدر العائلة.

حتى الأطفال الذين غادرهم المرح، صاروا يمشون فوق العشب بحذرٍ مريب، كأنّ الأرض التي ألفوها غدت فخًا كبيرًا يترصد براءتهم.

جلست هدى إلى مكتبها، وأسلمت يدها للقلم؛ كتبت عن الحيّ لا ككتلٍ أسمنتية، بل كرحمٍ يتقاسم فيه الناس الجدران والذكريات. وصفت الحديقة التي شهدت بدايات صباحاتهم، ثم انتقلت بمرارة إلى غزو الخنافس الذي استحال كابوسًا يزحف إلى غرف النوم، والدخان الذي بات يغلف البيوت في محاولات يائسة لطرد الآفة المقيتة.

لم تكن لغتها لغة استجداء، بل جعلتها "شهادةً تاريخية" لبيوتٍ يراد لها ان تُنتزع من أصحابها بآلة الجشع المقنّع بخطر الوباء. وفي الخاتمة، وضعت جملةً كانت بمثابة النداء الأخير:

"دعوةٌ لكل الشرفاء للتضامن معنا في وقفة الاحتجاج أمام مبنى البلدية/ يوم.../ الساعة..."

نُشر المقال في صباح غد اليوم الثاني.

كانت المفاجأة تفوق التوقعات؛ إذ لامست الحكاية وترًا حساسًا في قلوب القراء، وتحول حيّهم الصغير في نظر المدينة إلى رمزٍ لصمود "الإنسان البسيط" ضد القوى المتسترة خلف خديعة الخنافس. بل إن محامي الجريدة، مدفوعًا بنبل القضية، تبرع بتمثيلهم قانونيًا دون مقابل.

بعد عودتها من العمل، خرجت هدى إلى الساحة والجريدةُ في يدها كأنها راية نصرٍ مبكر، لوّحت بها للجيران، فالتفوا حولها كأنهم يتحلقون حول نارٍ دافئة في ليلةٍ قمرّية. قرأ العم أبو عواد المقال بصوتٍ جهوري، وحين انتهى، ضحك صلاح بحرارة ممزوجة بالفخر:

"يبدو أن علينا شراء مزيدًا من النسخ..

من يريد نسخة من الجريدة؟".

كانت لحظةً عفوية، لكنها كانت الفتيل الذي أشعل الرغبة في الخطوة التالية.

قال العم أبو عواد وهو يطوي الجريدة بوقار:

"كلامُ الورق جميل، لكن الحقيقة تُصنع بالإقدام والشهود.

اعتقد ان علينا صياغة (عريضة) باسم أهل الحيّ، نرفعها للبلدية لنعلمهم أننا لسنا مجرد أرقامٍ في كشوفات الإخلاء، بل نحن أصحابُ حقٍ لا يصمت".

جلسوا جميعًا على ذلك المقعد الخشبي القديم الذي حفرت فيه السنون تجاعيدها. وضعت هدى الورقة فوق الجريدة على ركبتها وبدأت التدوين.

لم تكن الكلمات حبرًا على ورق، بل كانت نبضًا يُسجل؛ كتبت عن تاريخ البيوت، وعن الأطفال الذين تشربوا رائحة هذا التراب وما أصيبت به جلودهم من داء، وعن الخنافس الدخيلة، وعن المناشير المريبة التي هبطت كالموت المفاجئ لتأمرهم بالرحيل او تسوغ له.

حين اتمت، قالت بصوتٍ جاهدت ان يظل رزينًا:

"هذا ميثاقنا.. ولم يتبقَ إلا توقيعاتكم لتمهروا الصدق باليقين".

بينما كانت الأقلام تتدافع، حدث انكسارٌ مفاجئ في المشهد؛ تراجع عددٌ من الجيران إلى الخلف، وبدأوا يتشاورون بهمسٍ يقطعه الخوف.

تقدّم أبو أحمد بملامح كساها اعتذارٌ ذليل، وقال بكلماتٍ سقطت عليهم كالصخر:

"نحن قررنا قبول العرض.. سنبيع ونغادر.

الجهة التي تقف خلف هذا المشروع نافذةٌ جدًا، ولا قبل لنا بمواجهتها..

من سيسمع لنا؟ إنهم سيغلِبون في النهاية".

أيده البعض. ساد صمتٌ موجع..

نظرت هدى إلى الجدران التي حفظت ضحكاتهم، والى العريضة في يدها والتي غدت في نظرها ميثاقاً للوفاء لا مجرد إجراءٍ إداري.

تضاءل عدد الواقفين، لكن الذين بقوا كانت في عيونهم لمعةُ الأرض بعد أول مطر؛ لمعةُ من أدرك أن البيت ليس سقفًا وجدران، بل هو امتدادٌ للروح والذاكرة.

تقدم الحاج عمران بظهره المقوس وتاريخه الطويل، تناول القلم كأنه يمسك سلاحًا، ووقّع اسمه بخطٍ غائر، فتبعه آخرون، لتصير التوقيعات تراصفَا للأرواح في وجه العاصفة.

عندها، أدرك الجميع أن معركتهم ليست مع "الحشرات" السوداء، بل مع ذلك الصوت الخفي في الداخل الذي يهمس بالاستسلام.

رفع صلاح العريضة وقال بلسانٍ صقله الإصرار:

"تشتتنا هو الثغرة التي سينفذون منها، وصمتنا هو الوقود الذي يسعر نيران جشعهم.

إن لم نحول خوفنا إلى فعلٍ قانوني واجراء عملي، فسيصنعون بنا وبأطفالنا ما يشتهون.

سنشكل من هذه التوقيعات (نواةً صلبة)، لجنةً مصغرة تحيل هذا الورق الباهت إلى صاعقٍ يقوض خطط المتآمرين.

سنقرع أبواب البلدية بجباهٍ لا تعرف الانحناء، ونواجه يافطاتهم الزائفة بحقائقنا الدامغة".

تدافعت الكلمات من حنجرته كأنها نذيرُ فجرٍ عصيّ:

"سنخرج بوجوهنا التي لفحتها شمس اليقين، لنُفهمهم أن جذورنا في هذا التراب أعمق من كل مخططاتهم الورقية العابرة.

إن الوقوف المشترك هو المطهر الوحيد من رجس الخوف، والمعركة التي بدأت بـ (كيس خنافس مريب ومنشور طافح بالضغينة) ستنتهي حتمًا بانتصار الإنسان المكافح على الجشع، وبقاء الروح في سكنها الأبدي"...

انصرف الجيران بعد ذلك، والمنشورات التي أرادها الغرباء صكوكًا للرحيل، تحولت في أيديهم إلى شواهدَ على إرادةٍ ولدت من جديد.

لم تعد المحلة مجرد حيّ سكني، بل غدت قضيةً ووطنًا صغيرًا يرفض التواري خلف ستار النسيان، وبقي هؤلاء الحرّاس ينتظرون الصباح القادم بقلوبٍ مفعمة بالثبات لبداية معركة لم يلتمسوها.

***

11. موازينُ الطين.. وموازينُ الأرقام

أولاً: تحت هجير المواجهة

لم تكن شمس ذلك الصباح كعهد الجيران بها؛ إذ أشرقت بوهجٍ نحاسيّ ثقيل، كأنها عينٌ كونية زجاجية ترقبُ أنفاسهم المتحفزة وتستحثّ خطاهم نحو المجهول.

احتشدوا جميعًا أمام مبنى البلدية؛ ذلك الهيكل الخرساني البارد الذي ينتصب بصلفٍ كصخرةٍ عاتية ظنّت في غروها أنها ستحبس مجرى النهر أو تئد صوت الحقيقة.

لم يكونوا يومها غوغاءً ثائرين، بل كانوا كتلةً من الهدوء المتفجر، يسبقهم وقارُ المظلوم الذي استنفد صبره.

كانت يافطاتهم التي خُطت بأيدٍ ترتعشُ حبًا لا وجلًا، تبدو كاستغاثاتٍ موثقة تصرخ في وجه الصمت المطبق:

"بيوتنا أرحامنا.. فلا تقتلعوا الأجنة من أحشائها"

"عرقُ الآباء لا تشتريه صفقاتُ الغرباء"

تجلى المشهدُ في سرياليةٍ مهيبة؛ تلك الوجوه التي ألِفْها الناسُ خلف صمت الجدران وسكينة الأزقة، انبعثت اليوم تحت الضوء الكاشف بملامح قديسين كادحين، استحال شقاؤهم نورًا يطاردُ دياجير الظلم الذي فرض عليهم.

لم يكونوا وحدهم في الميدان، بل احتضنتهم جموعٌ من مواطني الأحياء الأخرى، في مشهدٍ جسّد وحدة الروح والمصير، وصهر المدينةَ كلَّها في بوتقة تضامنٍ لا تلين.

تصدّر المشهد العم أبو عواد، متكئًا على عصاه الأبنوسية التي تحولت في النواظر إلى رمحٍ طرواديّ يغرس سنانه في قلب الباطل.

كانت عيناه تلمعان ببريق من أبصر بيته يُهدم في كوابيسه ألف مرة، فانتفض في يقظته ليمنع الكابوس من تلويث الواقع.

حين انفتحت البوابات الحديدية الضخمة بصريرٍ كئيب، سلم المحامي العريضة الممهورة بتواقيع الوجع، ثم تسللوا بوقار إلى قاعة الانتظار الفارهة، حيث كان الصمت الرخامي يمتص ضجيج صدورهم المتعبة.

بعد ساعةٍ من الترقب المرّ، خرج موظفٌ بملامح حيادية باردة ليقترح عليهم مسار التقاضي... لان البلدية لا تمتلك صلاحية البت في القضية

لم يترددوا لحظة واحدة، فقد كان قرارهم قد نضج واستوى تحت شمس الاحتجاج اللاهبة. توجهوا فورًا إلى منظمة محامي حقوق المجتمع المدني، وهناك استقبلهم فرسانُ الحق بصدورٍ مفتوحة، مشكلين فريقًا دفاعيًا قويًا.

شعروا لأول مرة أنهم ليسوا وحدهم في هذا العراء.

دُوّنت المظلمةُ رسميًا ضد الخصم الذي غدا مَعلومًا لا لَبس فيه، ولم تعد تنطلي على أحدٍ حِيَلُه في التخفي خلف قناع الآفة أو الترهيب.

وحين حمل المحامون أمانةَ القضية إلى أروقة المحكمة، كانت تلك الإشارةَ المعلنة لانبلاج فجر الحقيقة، وبدايةَ فصلٍ حاسم يضعُ ميثاقَ الأرض في كفّة العدالة.

ثانياً: في حضرة العدالة

داخل قاعة المحكمة، استقبلهم بريقُ الرخام المصقول ببرودةٍ جارحة تمسُّ العصب العاري.

هناك، كان الخصومُ يجلسون بخيلاءٍ خلف نظاراتهم القاتمة التي تخفي عيونًا لا ترحم؛ يفوح منهم عفونة الصفحات المريبة وغلظة القلوب التي صُنعت من "أرقامٍ صماء"، بينما عُجنت قلوب أبناء الحي من "طينِ الأرض وعطر الذكريات".

اعتلى محامي الفريق المنصة، ولم يكن ينطق بلسان "المواد والفقرات" القانونية الباردة فحسب، بل كان يستلُّ من حنجرته "زفرات المحلة" ليقذفها في وجه الصمت المريب ببيانٍ يقطر جزالةً:

"إننا يا سادة، لا نحاكم هنا مجرد شركة عقارية يتملكها الجشع، بل نحن هنا لنحمي 'المعنى' من تغول 'المادة'. هؤلاء السكان ليسوا 'عقباتٍ مساحية' في مخططاتكم، بل هم حراسُ الذاكرة وحملةُ أمانة التراب.

فكيف يستقيم عدلٌ حين يقتلع طفلًا من مهده ليُعلي ناطحة سحاب صماء لا قلب لها؟"

كانت الكلمات تتردد في جنبات القاعة كأنها رعدٌ في ليلةٍ شاتية.

ثم جاءت اللحظة التي حبست الأنفاس؛ حين تقدمت ياسمين الصغيرة، بصحبة رفاقها الأطفال شهودًا.

وقفت ياسمين كعصفورٍ يلتمس الطيران، وببراءةٍ عفوية، مدّت يدها الصغيرة لتريهم "الكيس اللعين" الذي يحمل ذرات الموت السوداء، وبقايا "الحلوى المسمومة"، وتلك القطع النقدية التي أُريد لها أن تكون ثمنًا رخيصًا لوأد أحلامها واقتلاع جذور بيتها، إضافة إلى نسخة من المنشور.

في تلك اللحظة، خيّم على القاعة صمتٌ حذرٌ ومهيب، استحال معه الرخام البارد مرآةً صقيلة تعكس خزي الباطل وانكسار الباغين.

شعر الجيران أن جدران القاعة ذاتها بدأت تتنفس معهم، وأن أرواح الآباء والأجداد قد حضرت لتقف صفًا واحداً خلفهم.

لم تكن تلك معركةً تُخاض بالنصال، بل كانت ملحمةً سلاحها "قوة البيان" و" حيوية الحجة" و"طهارة الموقف".

أدركوا في تلك الهنيهة أنهم، وإن كانوا قلةً في موازين القوة المادية، فإنهم "الأكثرية الساحقة" في موازين الحق والضمير.

نظروا إلى الخصوم، فإذا بنظاراتهم القاتمة لم تعد قادرة على حجب ارتعاد فرائصهم أمام طفلةٍ تحمل حقيقةً في كيس، ووطنًا في قلب.

لقد كانت ياسمين في تلك اللحظة هي المحامية، وهي الشاهدة، وهي القاضية التي أصدرت حكم التاريخ قبل أن ينطق به القاضي:

أن الأرض لمن عشقها، والبيوت لمن عمّرها بالحب، لا لمن أراد مقايضتها بحفنة من ذهبٍ زائف.

يتبع

***

سعاد الراعي

..........................

* من رواية قيد الطبع

في ليالي الشتاء،

القلب أحمر.

في مساءات الصيف،

الرقي أكثر حمرة.

تربكك هذه الحياة المليئة بالماء،

ينبت في حوض الحكاية ألف سؤال،

تتأمل خواتمك

هل تريد أن تكون طيرًا،

تجوب الأعالي،

أم ستبقى في الحكاية حمّالًا؟

تنتظر خيانة شهرزاد،

الجزء الذي أتذكره من الحكاية

الحجول تشبه البشر،

تخون بعضها،

وكأن الخيانة منذ الأزل

أغنية وموّال.

الخيانة حبكة القصّة،

والبقية غبار دبكة.

تقف أمام المرآة فاغر الفم،

وتذبل الذكرى

كما شمس الخريف.

تمرر لونك البرتقالي عليها،

لا يبقى منها غير زقاق ضيق،

بيت طيني،

عيون عسلية،

واسمًا تثمل به قبل أن تنطقه.

تظهر خطوط من عسل وحرير،

وتفاح وقصائد يأكل منها الدود الأصفر.

تتسلل حكايات الشتاء،

تعلن غيابك،

تشهد على ذلك امرأة تحبك.

تقدم برهان الجمرات المتروكة،

ومساءات الصيف الوحيدة.

من جديد، تربكك الموسيقا،

وأناشيد الحجول الخائنة.

وفي نهاية النهار،

تتأمل أجنحتك المتكسرة،

ورسالة كنت قد كتبتها

وموعد تأجل.

***

مراد سليمان علو

– إلّا الشرف يا حيوان!

سمعنا صوتا مدويّا، خرجت من المنزل، مع والدي رحمه الله لنرى ما يحدث، فإذا بشاكر، الشاب المعروف بعضلاته المفتولة ونزقه، يمسك زهيرا من تلابيبه في وسط الشارع الرئيسي في حارتنا، ويصرخ مهددا:

-إلّا الشرف يا حيوان.

لم نفهم شيئا للوهلة الأولى، فما علاقة هذا الشاب المسكين بشرف القبضاي شاكر؟

زهير شاب نحيل، شاحب الوجه، يميل لونه إلى الصفرة حتى ليظنه الناظر مصابا باليرقان، لكنه لم يكن مريضا، وما يزال حيّا يُرزق حتى اليوم.

كان زهير انطوائيّا، خجولا، ضعيف الصوت، بالكاد يُسمَع، ميّالا إلى العزلة، وزاد تقوقعه مع تفوقه في الشهادة الثانوية، وانتسابه إلى كلية الآداب – قسم اللغة العربية – بجامعة دمشق.

لكن زهير" السهيان"، كان يخفي سرّا، بل أسرارا، ويمارس هواية خفيّة عرفنا بها مصادفة في ذلك اليوم الربيعي من عام 1989م، على ما أذكر.

تعاطف أبناء الحيّ مع زهير كان فوريّا، واستطاعوا إنقاذه من الضرب، لكن حرارة التعاطف خفّت بعد أن عرفنا الحقيقة.

مرّ أسبوع كامل قبل أن نكتشف سبب هجوم شاكر. فقد أخبر والد زهير أبي أن ولده كان يقضي وقت فراغه في تفتيش قمامة الحارة، ليبحث عن أشياء محددة: رسائل العشاق.

في تلك الأيام، لم تكن هناك هواتف نقالة أو وسائل تواصل اجتماعي، وكان التصريح بالعشق في مجتمع محافظ كدمشق القديمة يعد أمرا معيبًا.

كان زهير مولعا بالتلصص على أسرار العشاق. يحتفظ بصور الفتيات – حتى الممزقة منها يعيد لصقها – ويجمع الرسائل الغرامية المليئة بالقلوب والأسهم والألوان والعطور، ليضمها إلى ألبومه الخاص.

اعترف زهير بهذه الهواية لوالده بعد أن ارتكب خطأه الأول والأخير.

كان زهير معجبا بـ رغد، أخت شاكر، لكنها لم تُعره اهتماما، بل عنّفته حين حاول الاقتراب منها.

ولسوء حظها، كانت قد مزّقت جزئيّا رسالة حبيبها، وألقتها في سلة القمامة، ليلتقطها زهير، ويجد فيها كنزا.

جمع شجاعته ذات يوم، واعترض طريقها، ومدّ يده بالرسالة بعد أن أعاد ترميمها، دون أن ينبس بكلمة.

اعتقد زهير أنه أمسك عليها زلّة، وأنه سيستطيع لاحقا الحديث معها عن مشاعره الملتهبة، لكن أمله تبخر سريعا.

فما إن عادت رغد إلى البيت، حتى انهارت بالبكاء وقدّمت الرسالة لأمها أمام أخيها ووالدها، وقالت:

– زهير، الحقير... السافل!

ولو حاول أحدهم قراءة الرسالة لعرف بسهولة أن مرسلها شخص آخر، لكن الحميّة دفعت شاكر للدفاع عن العرض والشرف، واندفع يهاجم زهير.

بعد تلك الحادثة، لم نسمع شيئا عن مغامرات زهير، وأما رغد، فقد تزوجت بعد سنوات من قريب لها، وخرج زهير وحبيبها الورقي من القصة خائبين.

***

فراس ميهوب

الأربعاء، 12 آذار/مارس 2025

كَانَا يَسِيرَانِ مَعًا

وَيَعْبُرَانِ شَارِعًا، فَشَارِعًا

وَحْدَهُمَا

مُنْذُ اِسْتَهَلَّا دُونَ وَعْيٍ مِنْهُمَا

سَيرَهُهْمَا

لَا أَحَدٌ يَعْرِفُ مَا سِرَّهُمَا

قد يَبْسُمَانِ مَرَّةً

أَو يَبْكِيَانِ مَرَّةً

وَلَمْ يُكِنْ كِلَاهُمَا

يَعْرِفُ أَيْنَ يَنْتَهِي دَرْبَهُمَا

تَخَيَّلاً أَنَّهُمَا

قَدْ أَصْبَحَا

وَسَطَ اَلطَّرِيقِ يَمْشِيَانْ

وَيَسْأَلَانْ

هَلْ آنَ أَنْ يَصْطَلِحَا

هَلْ وَصَلاَ

مُنْتَصَفَ اَلطَّرِيقِ، أَمْ إنَّهُمَا

ضاعتْ سُدًى خُطَاهُمَا؟

**

مَرَّتْ سِنِينٌ وَهُمَا

يَسْتَفْسِرَانِ كُلَّمَا

طَالَ اَلطَّرِيقُ وَاسْتَوَتْ خُطَاهُمَا

هَلْ سِيجِيءُ صَوْبَنَا

مُنْتَصَفُ اَلطَّرِيقِ أْمْ يَعْبُرُنَا

مِنْ دُونِ أَنْ يَتْرُكَنَا

نَخْتَارُ مَا يَحْلُو لَنَا

مِنْ أُغْنِيَاتِ أَمْسِنَا

أَوْ يَوْمِنَا

أَوْ غَدِنَا

مُنْتَصَفُ اَلطَّرِيقِ هَلْ يَأْتِي لَنَا؟

أَمْ إِنَّهُ

سَوْفَ يَظَلُّ بِانْتِظَارِ غَيْرِنَا؟

***

شعر: خالد الحلّي

 

"قارورة الأسلاف"

ذاتَ حَفْلٍ حاجَجتْني ناقِدهْ

فَمُها زَخّ سِياطاً بَلْ بُروقاً

مِنْ عَراجينِ ثَناياها النضيدهْ

*

قَشَّرتْ رُمّانَ شِعْري واستهلّتْ قائلهْ:

لَمْ يَدَعْ أسلافُنا من حَبِّ بستانِ الفراهيدي لَكُمْ

إلا حصيدَهْ

*

هلْ بَلَغْتَ الآن شأوًا

مِنْ تَرانيمِ القُدامى

وَنُبوءاتِ سرايا الفاتحينْ

يَوْمَ صاروا سادَةَ الفَتْحِ وَ صِيدَهْ ؟

*

قِيلَ قد كانوا نَدامى

نادَموا أنغامَ شيْخِ البصرةِ الوَزّانِ

ليلًا

بينما قد أنكَروا صُبْحاً وَقيدَهْ

*

رَتّلوا أنغامَ أرْبابِ الرَوِيِّ المُنْتَقاةْ

وَبِها باتوا نَشاوى حَدّ أعتابِ الطَرَبْ

فالقوافي كالغواني

نَصَبتْ للمُنْتَشي أحلى مَكيدهْ

*

ثمّ عادوا مَطْلعَ الصَحْوِ ولكنْ

دُونَ أجراسِ الخليلْ

أَتُراهُمْ

أحْجَموا عن كَفّةِ الميزانِ

أم خانوا عَميدَهْ

*

هل أتى الرُوّادُ طيشاً بِدْعةً

إيقاعها يسقي العطاشى غَرفةً

إذ حَرّروا من سِجنِ مولاهم عبيدَهْ ؟

*

لا تَلُمْهمْ أيُّها الشيخُ الوَقورْ

ضاقَ ميزا نُكَ مَدّاً

عن رُؤى الشعرِ وَآفاقٍ مَديدَهْ

*

بعدها سارَ وحيداً في الفلاةْ

حاملاً سِفْرَ الوصايا

وَنَعى الشيخُ مُريدَه؟

*

فالنشامى المُبدعونْ

مَرَقوا من بينَ أصفادِ القبيلهْ

كَمُروقِ الحُرِّ زنديقاً تشافى

من قذى عَيْنِ العقيدَهْ

*

سافروا مستقبلينَ الريحَ والمجهولَ

لم يَلْتَفِتوا إلّا لمامًا للوراءْ

خرجوا مثلَ العُصاةِ المارقينْ

في (حُروراءِ) اللظى والكبرياء

وعلى أسوارها قد شيّعوا

ألْفَ شهيدهْ

*

إنّها قارورةُ الأسلافِ

فإحذَرْ كَسْرَها

إن شِئتَ واحذَرْ من نتوءات الشظايا

وَقُلاماتِ الخَريدهْ

*

لا تُمالئْ سيفَ ناطورِ التُراثْ

فالنواطيرُ أشاعوا

لعنةَ الأسلافِ في روح الوئيدة

*

قَلْعةُ الأجدادِ لو تدرينَ ذابتْ

في مرايا الروحِ بَحراً،

كعْبةً أُخرى معانيها وطيدَهْ

أنْجَزتْ غاياتِها

وإستودعتْ أسرارَها روحَ الزَمانْ

وَمُلوكُ الأمْسِ زَهواً

غَلّقوا أبوابَها

والمحاريبَ العَتيدَهْ

*

فَلِماذا

لَمْ يَزَلْ يُغْريكَ تَرْتيلُ

الحُداةِ الظاعنينَ العُمْرَ شَرْقاً

عَبْرَ بابِ الهيكلِ المغروسِ

في النفسِ العَنيدَهْ

*

أيُّها العَوَّامُ مهلاً

أَبَلَغْتَ اليوْمَ مَرْسىً

في بُحورِ الشيخِ إلاّ

بينَ شَطْرَيِّ القصيدة؟

*

هل لَدَيْكَ اليوْمَ ما يُغْني قليلًا

عن رَبابِ الأمْسِ عَزْفاً

أيْقظ الرُكْبانَ حتى

أسْكَرَ الحادي وَ بِيدَهْ

*

لَسْتَ إلّا سارِقاً

من كنوزِ المَلِكِ الضلّيلِ معنىً

مُذْ صَبا يشدو

الى النُدْمانِ في البيدِ نَشيدَه

*

لم تَكُنْ صوتًا فريداً

بل صدى صوتِ الحُداةِ الغابِرينْ

لم تكنْ يومًا سِوى

ظِلٍّ لآثارٍ تَليدَهْ

*

فأهْجُرِ المسكوكَ لحْناً

أو فَغادرْ

وَهْمَ فردوسِ الخزامى

بينَ ودْيانٍ خَديدَهْ

*

حارَ لا يَدْري جوابًا

وَتَدلّى في أراجيحِ السُؤالْ

يتمَنّى والمُنى حَرّى شديدهْ

*

فالقُدامى.

أوْرَثونا فيضَ آلاءِ الحَنايا كوثراً

يروي فراديسَ القوافي

تحتَ أفياءِ اليَتيماتِ الفَريدهْ

*

والأُلى ساحوا طويلًا

رِفْقَةَ الضِلّيلِ تَوْقاً

لِفتوحاتٍ جديدهْ

*

غادرونا

إنّما هل غادَروا

من عصافيرِ البَراري

طائراً حتى نَصيدَهْ

*

وَذَواتِ البيتِ ذي الشطرينِ

أكداسٌ ورائي

أودعتني بيدرَ العُشّاقِ لكنْ

ساقَها الطوفانُ قَسْراً

للنِهاياتِ البعيدهْ

*

فالخَيالاتُ الحُبالى

بِشُجيراتِ المَجازْ

وَفيوضاتُ الهوى العُذريِّ

عُذْراً لنْ تُعيدَهْ

*

والسَماواتِ اللواتي أمْطَرتْ

دُرّاقَها الصَيْفِيَّ في البيداءِ

تأبى أن تزيدهْ

*

هل تُراهمْ

حَلّقوا فيها نُسوراً

حيثُ أسرابُ القوافي كالحَبارى

دونهمْ حيرى طريدهْ

*

أَمْ تُراهُمْ خَلّفوا

إِذْ خَلّفوا

في فضاءِ الروحِ والمنفى

غزالاتٍ شريدهْ

*

فإعتلى الصيّادُ فجرًا

صَهْوةَ الحَرْفِ المُقَفّى

عَلّهُ يصطادُ غيدَهْ

*

وَيْكِ أغصانُ المَجازِ الخُضْرُ

في روضِ الرُؤى ولّادةٌ

مهما تدلّتْ

سوفَ تبقى عن فَمِ الرائي بعيدهْ

*

والكَمَنْجاتِ حضورٌ ساطِعٌ في ليلتي

رغْمَ الدجى

أوتارُها حُبلى بأنغامٍ وليدَهْ

*

يا أُسارى الحرفِ والمعنى

وموسيقى البحورْ

مَنْ كانَ يومًا غاوياً

أمْسى يُغنّي نَخْبَ قافيةٍ وحيدَهْ

*

رُبَّما أدْماهُ صَمْتاً

خِنْجَرُ الفِقْدانِ حتى

صَيَّرَ الوجدانَ كافوراً به

يرثي فقيدَهْ

*

ياخيالي طِرْ بِنا

حتى تُخومِ السوسنِ البرّيِّ في بيدائها

واجْرحْ وريدَهْ

*

وإسْقني خمْراً

بِطعْمِ الدمعةِ الأولى على مَنْ غادروا

كيما أذيبُ الثلْجَ في الوجدانِ

أو أمحو جَليدَهْ

*

إنّ وعدَ الشِعْرِ بَرْقٌ

يَتَرائى بينَ قَحْطِ الغيْبِ والرمضاءِ غيْثاً

وَبِهِ نُطْفي وَعيدَه

*

هكذا النجوى إذنْ فَلْتَحْدِسي

في نغمةِ العَزّافِ سِرّاً

يَتَوارى في تلابيبِ القصيدَهْ

***

د. مصطفى علي

 

لأني ـ على مستوى العالَمِ الحرِّ ـ أجملُ شاعرْ

وأعرفُ هذا وقدْ أخبروني

صعدتُ لأقطفَ أحلى الأزاهيرِ مِن أزهَرِ البارقاتْ

وأودعتُها في قلوبِ البناتْ

فتَمورُ نهورُ المحبةِ والوجدِ والذكرياتْ

وتضحي القلوبُ دفاترْ

وتضيءُ الرؤى والمشاعرْ

سطوعاً سطوعاً .. سطوراً سطورا

وتصبحُ فيها البيوتُ القصيَّةُ دورا

بِها تُبهرُ الصورُ الكلماتْ

الدفاترُ هذي دفاترُ هذا الفتى

فلا تسألوهُ بماذا أتى.

***

كريم الأسدي – العراق

12/5/2026

بائع خضروات من مخيم (جم مشكو)،

يسكن الخيمة الثانية من البلوك السابع،

ذلك عنوان سكنه المؤقت.

عنوان شاعري يصلح لقصيدة سريالية،

أو قطعة موسيقية ارتجالية بأنامل منير بشير،

ولكن منير بشير مات،

وطنين ذباب الفواكه باقٍ.

فقط لو يغسلون الخضروات جيدًا،

ولو لا زعيق هذا البائع،

لو يضع الفواكه بالترتيب قبل الخضروات،

لو يكون هناك تفاحٌ،

الكثير من التفاح الريّان،

الأحمر والأخضر والأصفر،

لكن دون تلك القبائل من الدود.

دون أن تمد حواء يدها إلى واحدة شهيّة،

دون أن يشهد نيوتن الجالس الكسلان سقوط إحداها.

نعم، كان يمكن للعنوان أن يكون شاعريًا،

وكان يمكن للقصيدة أن تشتهر،

ويصبح بائع الخضروات شاعرًا،

ويتحول الشاعر إلى تفاحة.

ويتسلل الدود من الباب الخلفي للمخيم،

تقودهم هذه القصيدة

وطائر القبج الشنكالي،

إلى الخيمة رقم 2، بلوك رقم 7.

يملؤون الخيمة بالثقوب،

وننسى التفاح،

والشعر،

وزعيق بائع الخضروات.

***

مراد سليمان علو

الآن..

يسقطُ الكلامُ كما تسقطُ الثمارُ الناضجةُ عن غصنِ الوجد،

فلا "نحوٌ" يضبطُ فوضى هذا السكونِ المأهولِ بك.

لقد عَبَرنا نفقَ الحروفِ..

وصرنا "المعنى" العاريَ الذي لا يحتاجُ لثيابِ المجاز.

في هذا الصمتِ العظيم،

أسمعُ دبيبَ ذراتِ الكونِ وهي تأخذُ مكانَها الجديد..

على هذي الوهاد.

فأنتَ "الصدى" الذي يسبقُ صوتي،

وأنا "الرؤيا" التي تسكنُ خلفَ جفونٍ مطبقةٍ.

وهذا الصمتُ..

هو "البيتُ" الذي رمّمنا جدرانَهُ بماءِ الحقيقة.

اتركْ يدَكَ تستريحُ فوقَهُ..

كعصفورٍ وجدَ أخيراً غصنَهُ القديم،

ودعنا نراقبُ من ثقبِ إبرةِ الحلمِ..

كيف يرتدي (الوجود) حُلّةَ الضياء.

وأنتَ تمررُ يدَكَ على هذي الوهاد..

تفتحُ "غلافاً لكتابٍ" لم يجرؤ أحدٌ على فكِّ أختامِه.

هذا "الطينُ" الذي صهرتْهُ شموسُ الانتظار..

في انحناءةِ الظَفَر،

وفي ارتعاشةٍ حين تثقلُها القصيدة،

فينزاحُ تاريخٌ كاملٌ من الهزائمِ الجميلة.

أنا أمشي..

أقودُ هذه الملحمةَ الطينيةَ وسطَ حقولِ الألغام،

أحوّلُ "النبضَ" إلى إيقاعٍ خليلِيٍّ جديدٍ،

وأبني حواراً بين مجرّتين.

فدونَكَ والبرقَ المخبوءَ في أطرافِ أصابعي..

رتبْ ذراتِ الكونِ على شطآنِه،

وفكَّ طلاسمَهُ المكتوبةَ بـ "ماءِ الورد" و"طينِ الأرض"؛

عناقاً..

يعيدُ بناءَ السماءِ والأكوان.

*

الآن..

تتركُ أصابعَكَ..

توقّعُ باسمي وشماً على خاصرةِ الوقت،

وتقرأُ ما نسيتُهُ من "وصايا الروح".

و "تنبشُ" عن حضاراتٍ غارقةٍ في دمي،

تعيدُ ترتيبَ "مسامي" لتكونَ مرافئَ لجنونِك..

تحتَ قارةٍ غيرِ مأهولة،

تستيقظُ الجغرافيا المنسية،

تتبرعمُ "الندوبُ" وتصيرُ زهوراً برية،

تتحولُ إلى "أرشيفٍ" حيّ؛

كلُّ لمسةٍ هي "تأريخٌ" جديدٌ لميلادي،

وكلُّ ركضةِ نبضٍ.. هي "فتحٌ" لممالكَ كنتُ أظنُّها بادت.

أعِدْ قراءةَ فَقراتِها.. فِقرةً فِقرة،

ففيها طبقاتٌ من الحنينِ وعروقٌ من المَعادن،

تنتظرُ زلزالاً..

يفجرَ نبعَ الضوءِ من جوفِ العتمة.

***

العامرية. سعد الله /تونس

١٣/٠٥/٢٠٢٦

مدن تسبح

وسماء وهلة تتغزل بهنيهات الصباح

ليل لأصداء الطفولة في كف عفريت

تبوح للطيف العارف بسر البحة واليتم المباغت

سفر

أسراب سنونوات تهرب لحضن الريح

وغبش أمنية أدبرت

السماء تسبح في ذهول

العازفون على وتر النهد

والوتد

وأوتار العتاب .

*

يفيء البوح للصمت

يدرك عنعنة العباب المسافر

عبر مشاهد النوافذ

والباب الموارب للصدى

أوتار قلب تعرى

وفر بجلده لجزيرة الكتمان

يرمي سره

وتعب مدن الملح

*

هكذا

تأتي الخيبة

تزودنا بمهارة الإنصات للصفع

وصد الخوف

هكذا تعزف الأضداد لحن جوقتها وتنام

على اختراق جدران المتعبين بأحلام الأنبياء .

***

صليحة نعيجة – الجزائر

2024

مثقلاً بالذنوبِ جئتُ فرادى

طالب العفو كي أنالَ المُرادا

*

أتعبتني الحياةُ، ذي جروحي

لم يزل نزفُها يعودُ ارتدادا

*

أرتجي منك عفوَ ذنبٍ ثقيلٍ

أورثَ القلبَ لوعةً وسُهادا

*

ضاقتِ الأرضُ حين ضاقَ فؤادي

فاستجرتُ الإلهَ ربًّا مُرادا

*

يا كريمَ العطاءِ جئتك عبدًا

حملَ الضعفَ والتعبّدَ زادا

*

لم أجد غيرَ بابِ فضلِكَ مأوى

فارحمِ القلبَ إنَّهُ قد تمادى

*

إنني تائبٌ وعهدُ رجوعي

أن يكونَ الرضا لقلبـي عمادا

*

فاجعلِ القلبَ في هداكَ سليمًا

وانشرِ النورَ في مسيري امتدادا

***

د. جاسم الخالدي

الكوت/  11/ 5/ 2026م

مدحُ الحبيبِ حبيبَهُ كذبٌ إذا

لم تُتبعِ الكلماتُ بالقبُلاتِ

*

قبّلْ حبيبكَ فالهوى يخبو إذا

اقتصَرتْ معايشُهُ على الكلِماتِ

*

وإذا خبَتْ نيرانهُ صارَ الهوى

شبحًا لنفخِ الرّوحِ في الأزمَاتِ

*

وإغاثةِ الشّبهاتِ بالكذباتِ

وإصابةِ القلبينِ بالطّعَناتِ

*

قبّلهُ في كفّيهِ أو قدَمَيْهِ في

شفَتَيْهِ  أو عيْنَيهِ في الوجَناتِ

*

في كلّ ما تصِلُ الشِّفاهُ إليهِ فالـ

أجسادُ وُصْلُ الرّوحِ بالحيواتِ

*

حين الصّباحِ وفي الضّحى حين الهجيـ

ــرِ وفي المسا  واشْعلْهُ في اللّيَلاتِ

*

في غمرةِ الآهاتِ والأنّاتِ

وبكلّ ما في الأرضِ من لهَجاتِ

***

أسامة محمد صالح زامل

إلى (أ، ك)

هل أنا أخطأتُ في العنوان ؟

أم أنيَ قد عُدتُ سنيناً للوراء

لم أعدْ أسطيعُ أنْ أُمسكَ بالعمر الذي يهربُ من كفي

كمن يشكو الشلل

هذهِ أنتِ إذن

صارَ للطفلة بيتٌ يسعُ الكونَ

وحشدٌ من صغار يشغبون

حفرتْ بصمة كفّيكِ على جلدي رسوماً

وعناوينَ أماكن

ما الذي أصبو إليهِ

ليس غير الشوكِ ما أبقيتِهِ لي، والمُرِّ

لكن، عبثاً تمحو سنونُ المُرّ عن لَسنيَ قطراتِ العسلْ

قد كبرتِ الآنَ في طرفة عينٍ

ونمَتْ من مَنبتِ الشَعْرِ على جسمكِ أعشابُ الربيع

وتخطّيتِ سِنيَّ اللثغِ

والضَمّ الأوَلْ

**

لم تزل تحفر في ذاكرتي تلك الأصابع

لم تزل تلكَ البيوتُ

مثلما غادرتُها تُخفي سجايا اللينِ في لُبّ الحجر

فهيَ قد تضحكُ

أو تهمسُ

أو قد تتوارى من خَجَلْ

ربما تمشي البيوتُ

خلفَنا من دون وقعٍ

أو أثرْ

ربما تتبعُنا مثلَ الظلال

مَرّةً تُبطيءُ إن نحنُ رصدناها

وأخرى إنْ غفلنا

تتخطّانا خِفافاً بعَجَلْ

ألسُجُفُ البيضُ عيونٌ ضاحكاتٌ

والشبابيكُ سجونٌ

فوقَها للقمر النعسان هالاتٌ

ولكنْ خلفَها يرزحُ أبناءُ القمرْ

وعلى الشُرْفاتِ أشباحُ الذين ارتحلوا

مَكَثَتْ تمنحُ من أعتمتِ الدنيا بعينيهِ أملْ

مرّتِ الأعوامُ والبابُ الذي أوصدتِهِ شابَ كما شبنا

وصرَّ الخَشَبُ المُتعبُ من ثِقلِ القَدَرْ

ربما لمّا يكنْ ذاك صريراً

إنما ما نحنُ كنّا قد خَزنّا فيه من بوحٍ حَييٍّ وٌقُبَلْ2753 laith

هل أنا أخطأتُ في العنوان ؟

أم إنيَ مذ عدتُ

بدا وجهيَ للجدرانِ، والأعمدة الصُمّ وحيداً

ومُريب

أم أنا أكتبُ فوقَ الغيم أسماءَ الذين ارتحلوا

كي يُمرعوا الآفاقَ أطياباً وزخّاتِ مطرْ

ها أنا أخرج من صندوق أسراريَ تصاويركِ

مذ يومَ نحتُّ بيدي نهديكِ من شمعٍ مزيجٍ بحليبْ

ونفختُ النارَ من روحيَ فيهِ

عندما ألمسه

أسمعُ من صدريَ أصواتَ حطام

فإذا عَصّرتُهُ

تسحبني الأيامُ بالحبلِ إلى مدرسة الأطفالِ طفلاً

وإذا أغمضتُ عينيْ انقطعَ الحبلُ

فأهوي كنبيٍّ من صليبْ

هل ترى ذي أنتِ

أم ذا توأمٌ رافقني منذ الولادة

ونما في صحبتي

يسرقُ من حلقيَ رضعاتِ الحليب

**

وكما كنتِ تُنيمينَ الصغار

عُدتِ باللحن الذي غيّبتِهِ

كي توقظي الطفلَ الذي قد نام من عشرين عاماً

وهو في أحلامهِ لمّا يزل

عبثاً توقظه نارُ الحروب

وخياناتُ ذوي القربى

ولا العصفُ الذي يعتصَرُ الناسَ

ويستقطرُ من أشلائهم آخرَ قطرات البللْ

ليس من نِدٍّ تحرّى سرّنا ثمّ فشاه

ليسَ من بئرٍ حفرناها

لكي نكشفَ من أخفى الجريمة

نحنُ أسدلنا بأيدينا الستار

بعد أن هرّأها نابُ الفشلْ

وهربنا

تاركينَ الصمتَ يضّخمُ من لحم الخطايا

مستحيلاً لجبل

هكذا قد حصدَ النسيانُ ما نحنُ زرعنا من قُبلْ

***

شعر: ليث الصندوق

ــ لقد سئمتُ الحياة ومتاعبها.

كانت هذه كلماته الأخيرة، تتساقط كأوراق الخريف، وتتلاشى أنفاسه في العدم. ومن بين تلك الأنفاس الأخيرة، انفتح داخله يقينٌ متذبذب أن وجوده في الحياة لم يكن باختياره، ومن هذا اليقين المرهق تراءت له ضوضاء أصوات مبهمة، ورسائل غير مفهومة، وأنه كان يكبح جماح نفسه الهشة بسبب صدمات متتالية. ذلك التباعد النفسي بعثر أفكاره، كأوراق متناثرة في ريح عاصفة، كما لو كان مقيدًا بسلاسل صدئة في قبو رطب.

تتربص الأحلام الوهمية في ضباب الليل الكالح، وتحمل رياح عاتية همساتها المشؤومة عبر أخاديد الزمن الراكدة؛ أما الوعود الكاذبة، التي كانت تحمل آمالًا وردية، فقد دُفنت الآن بين ذرات الغبار على رفوف مهترئة وقد ابتلعتها سنوات النسيان.

وفي خضم هذا الصراع الفكري، كغيمة داكنة في سماء ليلية كئيبة، تراءى له أن حاضره ينساب من ماضيه، كظلٍ لا ينفك عنه، غارقًا في مستنقع الهزائم، بعد أن فقد قدرته على مواجهة الحياة، كأن قوة غامضة تأسره، تملأه بالقلق. ذلك الجبل الثقيل من اليأس لم يُشيّد له أي جدران دفاعية بعد تلك الرحلة الراكدة في حياته.

هكذا كان يمقت الماضي، كما لو أنه يقف مشدوها خلف القضبان يقضي سنوات حرمانه في عالم فقد وجه العدالة. انهيارٌ تلو انهيار، كأن العمر يتفتت في مسارٍ لا يرحم، حتى غدا رقمًا يتهاوى في هوةٍ لا قرار لها، حيث يذوب الزمن في فراغٍ صامت لا يحدّه سوى النهاية.

وفي غمرة الانكسارات المتراكمة، غدت الفوضى قانونًا غامضًا يتسلل بين الشقوق، صاغته عقول مبتلع في طمع لا ينتهي، وظلالٍ معتمة، ساحقة روحه الضعيفة ككائن هش يتفتت تحت وطأة الأقدام. رنين أجراس يتردّد في الفراغ، يصدح بصخبٍ جشع، كأن العالم مستغرق في سباتٍ عميق، تتكدّس فيه هياكل الطقوس بلا روح، وتردّد أصداء الفراغ في أرجاء العباد.

خيّل إليه أن الإنسان نُبذ صدفةً، ككائن سقط فجأة على صخرة عمياء. انهالت الحياة عليه ككارثة لا مفر منها، وأغلقت عليه أبواب سجن داخلي مظلم بلا نوافذ. هناك، في أعماق الخلايا الواجفة، الواقعة في العزلة، تردّد إيعاز مرتجف، يتسرب رعبٌ خفي إلى كل صوب وحدب، كأنه على وشك أن يرفع راية الاستسلام في مواجهة العبث.

ينبثق صوت خفي من مسام الجدران، يهز أركان الغرفة، ويوقظ في نفسه شيئًا من التحدي:

ــ هذا هو قانون الغاب: "البقاء للأقوى"، كدوامة سوداء تبتلع الضعفاء، وتدور بلا نهاية في فضاء الإذلال.

وفي غمرة هذا التشابك المعقد، انسيبت أفكاره هادئة، متلألئة كوميض مفاجئ. عندها أدرك أن الرحيل ليس قدرًا محتومًا، بل أن الحياة، مهما كانت قاسية ومعقدة وغير عادلة، تُواجه بالمرونة والإرادة، لا بالهروب والاختفاء.

***

كفاح الزهاوي

يقولون ماذا..

بعد أن صار الهواء هراء..؟

يقولون، ماذا ترى،

لا شيء في الحقل غير الخواء..؟

الشمس تشرق في المغيب بلا حياء..

والناس في البيداء يقتلها الرياء..

والأرض شاسعة المدى، عطشى

والشمس ساطعة الضياء..

كل الذين تكمموا  وتثكلوا

لم تبق في الأجواء غير رائحة الشواء..

في جوفهم لحم أدمي وزمجرة النداء..

يتصارعون على الهواء كانهم يتم الشقاء..

ماذا ترون إذا ما فاض

همس الليل في الطرقات

في درب الصغار الحائرين..؟

في كل حين،

تتراكض الأقدام في درب الجياع الصابرين..

في برزخ ما عاد يحتضن المباهج والحنين..

يا ايها الليل البهيم،

ماذا ارى غير الجياع من الصغار

تتراقص النبضات في كل الدروب

وعلى وجوههم شمس المغيب..

هو ذا الهم المخيب والمريب..!!

***

د. جودت صالح

11/5/2026

6- صلاح الأعزب.. مِحراب الوفاء

الجار صلاح.. ذلك الذي اتخذ له أهلُ المحلّة لقبًا التصق به حتى غدا جزءًا من هويته، ينادونه بمحبةٍ يشوبها مزاحٌ رقيق: "صلاح الأعزب".

كان قد تجاوز الأربعين من سنوات عمره، غير أنّ ملامحه لم تكن توحي برجلٍ طحنته رحى السنين؛ بل كانت، كما هي دائما، تشي بصفاءٍ هادئ ووقارٍ مستكين، كأنّ الزمن مرّ بساحته حافيًا، فلم يترك خلفه سوى خطوطٍ طفيفة من الحكمة حول عينيه.

كان يعمل مدرّسًا للغة العربية في إحدى ثانويات المدينة، يقضي نهاره متنقّلًا بين سبورات الفصول ودفاتر الطلاب، يزرع في عقولهم الناشئة بذور الجمال والبيان. وكان اهل الحي يرون فيه ذلك المعلّم الذي لا يلقّن فقط، بل يفتح نوافذ خفيّة من البهجة في أرواح تلاميذه، حيث تتشكّل الأحلام الأولى.

حين ينفضُّ الدرس، كان يعود مسرعًا إلى بيته المتواضع، حيث تنتظره حياةٌ أخرى لا تقلّ قداسة عن رسالته..

حياةٌ تتمحور حول امرأةٍ منحته الوجود، ثم انسحبت خلف جدار الصمت.

هناك، في ذلك الركن الهادئ من المحلّة، كانت تقيم أمّه..

تلك المرأة التي صادر المرض قدرتها على النطق والسمع، وأقعدها الزمان فوق مقعدٍ ذي عجلات، أصبح صلاحُ حركتها الوحيدة وامتداد يديها إلى العالم.

لم يكن مجرد ابنٍ يعتني بأمّه، كان أشبه بوعدٍ يُعاد تجديده كل يوم.

كان يدفع عربتها بعنايةٍ فائقة، تشبه عناية الأب بطفله الأول في أولى خطواته، يراعي اهتزازات المقعد، ويتحاشى الحفر الصغيرة في الزقاق كأنها أخاديد عميقة تهدّد سلامتها.

انكمشت ملامحها تحت وطأة السنين، غير أنّ عينيها ظلّتا نافذتين مفتوحتين على الحب، تلمعان بوميضٍ دافئ كلما وقع بصرها على وجه صلاح، كأنها ترى فيه تعويضًا من السماء عن كل ما فقدته.

رغم وسامته الهادئة، وروحه المرحة التي تجعل حديثه نُزهةً للقلوب، ظلّ صلاح أسير اختياره "الأعزب".

كان الجميع يدرك، أن عزوفه لم يكن جفاءً ولا زهدًا، بل كان قربانًا صامتًا قدّمه على محراب أمّه.

كان يخشى أن تأتي امرأةٌ تشاركه الحياة فترى في أمّه عبئًا، أو أن يقتحم ضجيجُ الأطفال سكون تلك المرأة الهرِمة، فتغدو غريبةً في بيتٍ عمّرته بصبرها.

ومع ذلك، لم تكفّ الأم يومًا عن حثّه على الزواج بلغة الإشارة التي ابتكرها قلبها. كانت تحرّك يديها المرتعشتين، تشير إلى قلبها ثم إلى السماء، وترسم في الفضاء هيئة طفلٍ صغير يحبو. كان يفهم شفرات حبها، فيبتسم ابتسامةً تمزج الحنان بالحرج، ويهمس لها بكلماتٍ لا تسمعها أذناها لكن قلبها يشعر بها:

"ليس الآن يا أمي. ليس بعد."

في أسواق المحلّة، كان مشهد صلاح وهو يدفع مقعدها لوحةً إنسانية تفيض بالسكينة. وكانت هدى، حين تمرّ بهما اثناء التسوق، تتباطأ قليلًا كأنها لا تريد أن تُفلت تلك اللحظة من عينيها.

يقف عند بائع الفاكهة، يرفع حبة تفاحٍ أو برتقال أمام عينيها مستفهمًا بحاجبيه، فتومئ برأسها موافقةً أو رافضة، فيبتسم لها بدفء يشبه تفتح زهرة في صباحٍ هادئ.

في أيام العطل، يقصد بها الحديقة الكبيرة عند طرف الحيّ، حيث الظلال الوارفة والأشجار العتيقة. هناك، يمنحها فرصةً لاستنشاق العالم والتمعن في حدوده اللامتناهية.

أحيانًا، حين يخلو الطريق، كان يمازحها بطريقةٍ طفولية؛ يجلس على مسند المقعد خلفها، يحيط كتفيها بذراعٍ قوية، ويدفع العجلات بقدميه لينطلقا معًا في سباقٍ وهمي مع الريح.

كانت تضحك بصمتٍ طافح، يميل برأسه نحوها كطفلٍ يستجدي رضاها ويشرح فؤادها برًّا بها.

لم يكن البيت الذي استقرّا فيه أخيرًا قصرًا، بل كان، قلعةً بُنيت من حجارة العناد والصبر.

لسنواتٍ طويلة، عاش صلاح وأمّه حياة الترحال في بيوت الإيجار، يطويان حقائبهما كلما ارتفع سعر الايجار أو انتهى عقده.

كانت ترى في عينيه ذلك الإصرار الصامت، وكأنه يلاحق حلمًا لا يحق له أن يخونه.

لطالما كانت تقول له، بلغة يديها وعينيها:

"يا ولدي، لا كرامة للمرء إلا في بيتٍ يملكه"

ومن أجل تلك الرغبة، نحت صلاح الصخر؛ وَفّرَ من راتبه الضئيل، واقتصد في كل شيء، حتى استطاع شراء ذلك البيت المتواضع.

يوم دخلته أمّه أول مرة، لم تكن تمشي، بل كانت عيناها تطوفان على السقوف والجدران كأنها تستردّ وطنًا ضائعًا.

لمست الحائط بيدٍ مرتعشة، ثم استقرّت في منتصف الغرفة وأجهشت بدموعٍ صامتة.

لم تنطق بكلمة، لكن صلاح قرأ في تلك الدموع فصلًا كاملًا من الشكر والارتياح، إذ علمتْ يقينًا أنها لم تكن يومًا عبئًا، بل كانت البوصلة التي وجهت كفاحه وشاركت في تحمله.

تحسّنت صحتها في ذلك البيت، وصار كل ركنٍ فيه يحمل أثرًا من جهاده:

الغرفة المشمسة، والمنحدر الصغير عند الباب، والحديقة التي سورها بشجيراتٍ الآس التي تليق بوقارها.

أصبح البيت بالنسبة له محرابًا مقدّسًا، لا مجرد عقار.

وحين أظلمت سماء المحلّة بغزو الخنافس، كان صلاح أكثر الجيران صمتًا وقلقًا. لم يكن يخشى الحشرات بقدر ما كان يخشى الفوضى التي قد تكسر سكون عالم أمّه.

كان يراقب انتشارها بريبة، ويفكر في الإجراءات التي يجب ان يسلكها ضدها، وخاصة في الحديقة التي ناضل لزراعتها وايناعها.

وحين بدأت همسات الرحيل تتصاعد، ظلّ صامتًا، وعيناه معلّقتان ببيته في نهاية الزقاق. كان في ذلك الصمت شيئًا أثقل من الكلام؛ كان أشبه بتمسّك أخير بجذرٍ لا يُرى.

كان يدرك أن المحلّة ليست مجرد مكان، بل هي الرئة التي تتنفس بها أمّه.

وأن الرحيل لن يكون انتقالًا، بل اقتلاعًا.

وقف في الساحة، وسط صخب الجيران، يراقبهم بهواجسه، وغصّةٌ خانقة تعتصر صدره.

كان يعرف أن دفاعه عن البيت ليس دفاعًا عن جدران، بل عن المعنى نفسه.. فخلف تلك الجدران تقبع أمّه…

دنياه كلّها، والبيتٌ هو الشاهد الأخير على صدق الوعد ووفاء الابن.

**

7ـ انقشاع القناع: معركةُ البقاء

داخل البيوت التي كانت يومًا ملاذاتٍ آمنة، استمر سُعار القلق ينهش السكينة..

إذ ظلّ الناس منهمكين في كفاحٍ مستمر، مستخدمين شتى الوسائل المتاحة لمقاومة ذلك الغزو الغريب الذي اجتاح خصوصياتهم وزعزع راحتهم.

لم تترك مخيلة المحاصَرين وسيلةً إلا وجرّبتها.. من المبيدات الكيماوية التي جُلبت على عجلٍ وبكمياتٍ مفرطة، إلى رشّ مزيج الماء والصابون والخل عند المداخل وعلى حواف الحدائق المنكوبة وعتبات البيوت.

بل ذهب اليأس ببعضهم إلى إشعال حزمٍ من الأعشاب ذات الروائح النفاذة؛ فتصاعدت أدخنة ورق الغار واللافندر في الممرات، في محاولةٍ يائسة لطرد تلك الكائنات السوداء التي بدت محصّنةً ضد الفناء.

كان المشهد سرياليًا ومؤلمًا في آنٍ واحد؛ رجالٌ بوجوهٍ أرهقها العمل، يقفون عند ناصية الأزقة حاملين المضخات والعبوات كأنهم في خنادق حربٍ غير متكافئة، ونساءٌ يراقبن الأرض بعيونٍ زائغة وقلوبٍ واجفة، كأنّ التراب الذي ألفوه لسنوات قد مسخته لعنةٌ مجهولة، فصار ينقلب فجأة إلى عدوٍ لا يعرفون كنهه.

أما الأطفال، فقد انطفأت جذوة ضحكاتهم في الساحة الكبيرة، وانكفأوا يراقبون عالم الكبار بذهولٍ وتساءل:

كيف تحولت ساحة لعبهم، التي كانت تضجّ بالركض والمرح، إلى منصةٍ لاجتماعاتٍ عابسة ووجوهٍ واجمة؟

لكن القلق، الذي كان يزحف ببطء، استحال إلى ذعرٍ صريح حين بدأت تظهر أولى العلامات الغامضة على أجساد الصغار الرهيفة؛ حكةٌ مزعجة وطفحٌ أحمر ينتشر على الجلود الغضّة، كأنّ أثر تلك الحشرات لم يكتفِ بمصادرة المكان، بل بدأ يتسلل بخبثٍ إلى العروق والأنفاس.

عندها، تضاعفت الجهود وانتقل الجيران من مرحلة المقاومة الفردية إلى التكاتف الجماعي؛ فصاغ بعض الرجال طلبًا رسميًا عاجلًا إلى البلدية، يناشدون فيه إرسال فرقٍ مختصة للتقصّي والمعالجة، أو على الأقل التحقيق في مصدر هذا الوباء الذي لا يشبه أي وباءٍ عرفوه من قبل.

مرّ اليوم الثالث ثقيلًا، كئيبًا، كأنه دهرٌ لا يريد أن ينقضي. وفي صبيحة اليوم التالي، استفاق الحيّ على صوتٍ خافتٍ ومريب، يشبه خشخشة الأوراق الجافة حين تلهو بها ريحٌ عابثة.

خرج الناس من بيوتهم والشكّ يسبق خطاهم، فصُعقوا حين وجدوا الأرضَ والدُّرَجَ والمداخلَ مغطاة بآلاف الأوراق المتناثرة، التي هبطت كالمطر الأسود في عتمة الليل.

كانت بعض الخنافس تتحرك فوق تلك الأوراق بلا اكتراث، كأنها في مهمةٍ خاصة لمباركة هذا المنشور الجديد.

انحنى أحد الرجال، والتقط ورقةً بيدٍ مرتعشة، وراح يقرؤها بصوتٍ متهدّج، ترافقه نظرات الجيران المترقبة.

كان المنشور بيانًا تحذيريًا شديد اللهجة، يطالب سكان المحلة بإخلاء بيوتهم فورًا، بدعوى أن المنطقة أصبحت بؤرةً موبوءة تشكّل خطرًا محدقًا على الصحة العامة، وأن البقاء فيها انتحارٌ بيولوجي.

ساد صمتٌ مطبق، ثقيلٌ كالحجر، تلاقت فيه العيون التي أضناها القهر.

في تلك اللحظة، تقدّم صلاح الأعزب، وعجن الورقة بين أصابعه بعصبيةٍ جارفة، كأنه يطبق على عنقِ أفعى سامة، ثم تمتم بمرارةٍ لا تخلو من سخريةٍ سوداء:

"إذن.. لقد انكشفت اللعبة، وبانت اليدُ التي كانت تحرّك هذه البيادق السوداء."

كانت عبارة صلاح بمثابة الصاعقة التي أنارت ظلام الحيرة؛ إذ وقعت في النفوس كجرسٍ يعلن انكشاف الخديعة الكبرى.

تفرّس الجميع في الأوراق من جديد، لكن بعيونٍ لم تعد ترى فيها نصيحةً، بل قناعًا شفافًا يخفي وراءه نيةً خبيثة للاقتلاع من الجذور.

تنحنح العم أبو عواد، وعدّل من وقفته وهو يستند إلى عكازه، ثم قال بصوتٍ رصينٍ هادئ:

 "الهدف صار أوضح من شمس الضحى؛ يريدون تشريدنا بحجة الوباء، يرهبوننا بسلامة أطفالنا حتى تضيق بنا الأرض بما رحبت، فنضطر في نهاية المطاف إلى بيع بيوتنا وذكرياتنا بأبخس الأثمان لهؤلاء الذين يراقبوننا من سياراتهم السوداء خلف النظارات القاتمة."

تحرّكت الرؤوس ببطءٍ موافقةً على كلام الشيخ الحكيم؛ فالفكرة، رغم قسوتها، كانت التفسير الوحيد المنطقي لهذا التسلسل المريب.

استحضرت هدى في تلك اللحظة المثقلة بالهواجس غصصَ التاريخِ المنسية، واستعادت صورَ أحياءٍ عريقةٍ سُويت بالأرضِ حتى غدت قاعاً صفصفاً؛ حيثُ لم تكن المعاولُ وحدها هي الأداة، بل كانت هناك استراتيجياتُ المحوِ بكل انواعها التي تبتلعُ البيوتَ بساكنيها، وتصهرُ الهويةَ في بوتقةِ النسيانِ القسري.

تراءت لها أشباحُ القرى والبيوت التي دُفع أهلها نحو الهاوية بمكائدٍ شيطانية، تتراوحُ بين التضييقِ الممنهجِ وبين أنيابِ الإبادةِ السافرة، في محاولةٍ محمومةٍ لإقناعِ "صاحبِ الدار" بأنّ الفرارَ هو "طوقُ النجاة" الوحيد، وأن التخلي عن الجذورِ هو الثمنُ اللازمُ للحياة. أدركت بعمقٍ مرعب أن المعركةَ ليست على جدرانٍ من آجرٍ واسمنت، بل هي حربٌ وجوديةٌ تهدفُ إلى تجريفِ الذاكرة، حيثُ يُراد للإنسان أن يستحيلَ غريباً في جهاتِ الأرض، تاركاً خلفه تراباً يُعاد تشكيله بملامحَ هجينة، لا صلةَ له بالجذور. نبتَ في صدرها يقينٌ صلب بأنّ التمسك بحجرِ الدار هو الوقوفُ في وجهِ تيارِ المحو، وأنّ الهروبَ الذي يغري به الخصومُ ليس إلا فخاً ينتهي بذوبانِ الذات في سديمِ اللاوجود.

ساد بينهم صمتٌ جديد، لكنه لم يكن صمت انكسار، بل كان صمتَ من يجمع قواه للوثوب.

تبادلوا النظرات، وأدركوا أن ما يجري لم يعد شأنًا عابرًا يمكن احتواؤه بمرشّات الصابون والمبيدات وغيرها.. إنها معركةُ وجود.

عندها، تقدّم صلاح خطوةً أخرى نحو مركز الساحة، وبنبرةٍ حاسمة كسرت بقايا التردد، قال:

"بما أن اللعب صار على المكشوف، فلا بد من مواجهةٍ تليق بحقنا.

لن نرحل

لن نبيع.

 سنكشف المتسببين والمخططين وسنرفع شكوى رسمية ضدهم.

علينا فورًا تشكيل لجنةٍ من المتطوعين، لجنةٍ لا تعرف الكلل، تتولى متابعة القضية في أروقة المحاكم والصحافة حتى تنكشف الحقيقة كاملة أمام الملأ."

هزّ الجيران رؤوسهم بحماسٍ لم يعهدوه منذ بدء الغزو. كانت كلمات صلاح وقودًا لروح المقاومة الخامدة. واتفقوا على كتابة "عريضة شكوى" جماعية، يوقّع عليها كل فردٍ في المحلة، يدوّنون فيها التسلسل الزمني للأحداث؛ من أول خنفساء ظهرت، إلى السيارات المريبة، وصولًا إلى منشورات الترهيب. يطالبون فيها بفتح تحقيقٍ جنائي يكشف المخططين، وضرورة معالجة المشكلة البيئية فورًا على نفقة الدولة، وتعويض الناس عن الأضرار النفسية والجسدية التي لحقت بهم وبصغارهم.

التفت صلاح إلى هدى، والتمعت في عينيه نظرةُ ثقةٍ حمّلتها مسؤوليةً جسيمة:

"هدى، أنتِ صحفية وتكتبين المقالات، وقلمكِ يصل إلى قلوب الناس خلف جدران هذا الحي. ما رأيكِ أن تجعلي من معاناتنا قضية رأي عام؟

خصّصي عمودًا ثابتًا في صحيفتك، انقليه من الورق إلى الشارع، اجعلي العالم يرى كيف يُراد لمحلّةٍ عريقة أن تموت بصمتٍ تحت وطأة مفاعيل الخنافس المصطنّعة."

نظرت هدى إلى وجوههم؛ وجه العم أبو عواد الذي يأبى الرحيل عن تراب زوجته، وجه الشيخ حسين الشاحب وزوجته المتعبة، وجه جدعة الخبازة التي تخشى على تنورها الإنطفاء، ووجه صلاح الذي ضحّى بعمره ليشتري لأمّه سقفًا لا يهدده طارقٌ غريب..

شعرت حينها أن قلمها لم يعد ملكًا لها، بل صار لسان حال هؤلاء الصامدين.

أومأت برأسها موافقة، وقالت بصوتٍ ملأته العزيمة:

"نعم، سنكتب… سنجعل من حكاية خنافسهم صرخةً تهز الضمائر، ولن نتوقف حتى تعود الضحكات إلى هذه الساحة، ويختفي هؤلاء الغرباء كما تختفي خنافسهم في ضوء الحقيقة."

انصرفوا بعدها، والمنشورات التي أُريد لها أن تكون صكوكًا للرحيل، تحوّلت في أيديهم إلى شواهدَ على إرادةٍ وُلدت من جديد.

لم تعد المحلّة مجرد بيوت، بل غدت خلية تعمل على كشف وأثارة قضيةً كبرى تخص أبناءها الرافضون للتواري عقب تهديدهم.

**

8- هدى: شرفاتُ الانتظارِ المفتوحة

لعلّ الوقت قد حان الآن ـ بفضل ملاحظة صلاح اللطيفة ـ ليتعرّف القارئُ على هدى، تلك المرأة التي تظهر كل صباح بين الوجوه الملتقية في حديقة المحلّة.. الوجوه التي تتشاطر القلق ذاته والرجاء ذاته في زمنٍ صار فيه كل يومٍ اختبارًا جديدًا لصلابة الروح وعمق الصبر.

لم تكن هدى يوماً امرأةً استثنائية في نظر الآخرين، بل كانت واحدةً من تلك النسوة اللواتي ساقتهنّ الأقدار عبر دروبٍ لم يخترنها بمحض إرادتهنّ، ثم وجدن أنفسهنّ مضطراتٍ للسير فيها حتى النهاية بوقارٍ يغالب الكسر.

غير أن لكل إنسانٍ حكايته.. تلك الحكاية التي تشبه خيطًا خفيًا من حرير الشجن، يربطُ بين ما كان وما صار، بين ما ضاع وما لا يزال يسكنُ حيز المرجوّ والمأمول.

بدأت حكايتها في أواخر ثمانينيات القرن الماضي؛ حين كانت مقاعد الجامعة تحتضن الشباب كما تضمّ الأم أبناءها في لحظةٍ قصيرة من الطمأنينة المغدورة، قبل أن تقذف بهم الحياة إلى لجج عواصفها العاتية.

هناك، بين أروقة المكتبات ورائحة الورق القديم، التقت بـ علي.

لم يكن علي أكثر الطلاب وسامةً، ولا أكثرهم صخبًا، لكنه كان يمتلك مهابةً هادئة ورزانةً فطرية لا تُستعار بالمظاهر.

كان في عينيه صدقٌ صلب يريح المتعبين، وفي كلماته وضوحٌ لا يعرف المساومة أو التجميل؛ يتحدث عن الحرية كأنّها هواءٌ لا يستقيم الشهيق بدونه، وعن الكرامة كأنّها الجذر الوحيد الذي يحمي الشجرة من السقوط.

انجذبت هدى إليه منذ الأيام الأولى، لا لشيءٍ مادي، بل لتلك الأخلاق التي بدت لها آنذاك أشبه بنخلةٍ وحيدة تصمد في صحراء الخوف والتردد.

كان متمسكًا بمبادئه بعنادٍ يشبه عناد ضوء الشمس حين يصرّ على التسلل من شقوق الجدران الصمّاء.

لم يكن طريقه ممهدًا بالرياحين؛ فقد تعرّض خلال سنوات دراسته لاعتقالاتٍ متكررة على يد سلطةٍ لم تكن ترى في الصوت المختلف إلا خطرًا يستوجب الإسكات.

كانت وزملاءها يرقبون غيابه بقلوبٍ واجفة، ثم يعود بعد أسابيع أو أشهر بوجهٍ شاحب أثقله التعب والكدمات، لكن بعينين أكثر اشتعالًا وأكثر صلابة.

سألته ذات مرةٍ والرجفةُ تسكن صوتها:

"ألا تخاف يا علي؟"

فابتسم ابتسامته تلك التي تشبه هدوء النهر وقال:

"الخوف يا هدى لا يمنع الأقدار من الوقوع.. لكنه يمنعنا من أن نكون البشر الذين يجب أن نكونهم".

حين تخرجا، لم يكن قرار ارتباطهما يسيرًا؛ فقد وقف أهلها موقف المعارض القلق. كانوا يحبون شجاعته، لكنهم يرتعدون من تبعاتها.

قال لها أبوها يومًا بلهجةٍ غلفها العطف والمرارة:

"يا ابنَتي، أنتِ تربطين حياتكِ برجلٍ يعشقُ الوقوف في وجه الريح، ومستقبله غيمةٌ لا مطر لها.. إنكِ تربطين مصيركِ بحبلٍ قد يتحول في أي لحظة إلى مشنقة".

كانت تفهم هواجسه، لكن قلبها كان قد اتخذ قراره، فربطت شراعها بسفينته رغم تلاطم الأمواج وعلو مكابدتها.

تزوجا في النهاية، وفي أعماقها شعورٌ غامض بأن الحياة التي تنتظرهما لن تكون هادئةً كما في الروايات الحالمة.

لم يطل الوقت حتى استيقظت المخاوف؛ إذ تزامن زواجهما مع الإرهاصات الأولى للانتفاضة الكبرى في التسعينيات. كانت البلاد تغلي تحت مرجلٍ من الصمت الثقيل، وحين انطلقت الشرارة، خرج الناس إلى الشوارع كمن يفتح صدره للهواء بعد دهرٍ من الاختناق.

كان علي في طليعة المندفعين، يخرج من البيت بعينين مضيئتين ببريق الأمل، بينما يلتفُّ حول قلب هدى خيطٌ من الذعر لا ينقطع.

لم تدم الانتفاضة طويلًا.. فقد أجهضتها السلطة بعنفٍ وحشي، واعتُقل الكثيرون، واختفى آخرون في ثقوب الأرض السوداء.

وفي أحد تلك الأيام العجاف، خرج علي كعادته.. لكنه لم يعد.

انتظرته في المساء، ثم في الفجر، ثم في الأيام التي تلت، حتى تآكلت روحها من الانتظار.

سألت الرفاق، وطرقت أبوابًا موصدة، لكن الأخبار كانت دائمًا شظايا متناقضة؛ قيل إنه:

اعتُقل في الساحة...

قيل إنهم رأوه يُقتاد معصوب العينين إلى جهةٍ مجهولة...

قيل، وقيل.. ثم..

انقطع كل خيط، وغرق اسمه في لجّة الصمت.

مرّت السنوات، وبقي اسمه معلقًا بين البرزخين.

وحين سقط النظام بعد عقدٍ، ظنت هدى أن القبور ستتكلم وأن الزنازين ستعيد أماناتها.

بحثت في مكاتب المفقودين، لكن اسم علي بقي مجرد قيدٍ بارد في قوائم المفقودين.

كانت كلمة "مفقود" بالنسبة لها هاويةً من الأسئلة، ومع ذلك، لم تفقد الأمل؛ ففي ليالٍ كثيرة، كانت تراه في أحلامها يفتح باب البيت بذات الخفة القديمة، فتستقبله بصرخةٍ تمزج بين البكاء واليقين. لهذا السبب، ظلّ باب البيت في قلبها، وفي الواقع، مواربًا ينتظر وقع خطاه.

بقيت هدى وابنتها ياسمين؛ الطفلة التي كانت في شهرها الأول حين اختطف الغياب أباها.

كبرت ياسمين في البيت الواسع الذي أهداه لهما عمها "أبو علي"؛ ذلك البيت الذي رتّبا كل ركنٍ فيه لينضجا فيه معًا.

بعد غيابه، صار البيت مزرًا للذكريات؛ مكتبته، كرسيه الهزاز، وفنجان قهوته الذي لا يزال في مكانه منذ رحيله الأخير، كأنها تخشى أن يمحو تحريكه ما تبقى من رائحته.

لكن الحياة قطارٌ لا يمنح ترف المحطات الطويلة؛ تفرغت هدى لتربية ياسمين، التي كانت تكبر لتصبح نسخةً أنثوية من أبيها.

مارست عملها في الصحيفة بحذر؛ تذهب في الصباح وتعود قبل عودة ابنتها من المدرسة، لتكمل الكتابة والتحرير بين جدران البيت. ولأن البيت كان كبيرًا، قررت تأجير الطابق العلوي لعائلتين من أصدقاءٍ قدامى، صاروا جزءًا من أمانها اليومي. هكذا، تحول البيت إلى عالمٍ صغير ينبض بالحياة..

في الأسفل سكينةُ الذكرى، وفي الأعلى ضجيجُ العائلات الذي يؤنس وحشتها. هكذا تعلمت هدى أن الحياة، حين تنتزع من المرء نصف حلمه، لا تترك له خيارًا سوى بناء ما تبقى بحجارة الأمل الصغيرة.

 وجدت نفسها وسط هؤلاء الجيران الطيبين:

العم أبو عواد بوفائه..

الشيخ حسين بكرامته..

وسعيد المكوجي بطيبته..

صلاح الأعزب بتضحياته..

وجدعة الخبازة بعزيمتها.

 صاروا جميعًا عائلةً كبرى، يتقاسمون الخبز والقلق والرجاء.

واليوم، مع زحف كارثة الخنافس نحو حصونهم الأخيرة، تشعر هدى أن حياتهم تقف مرةً أخرى على حافة امتحانٍ جديد. لكنها، كما كانت دائمًا، تتمسك بذات اليقين:

أن ما يُبنى بالصبر والمحبة، لا يمكن للكوارث أن تهدمه بسهولة.

وقررت أن تكتب قصتهم، ليس بصفتها صحفيةً فحسب، بل بصفتها حارسةً وفية لذاكرة علي ولأحلام هؤلاء البسطاء الذين لا يملكون سوى بيوتهم وقلوبهم العامرة بالحب.

***

سعاد الراعي

........................

* فصول من رواية قيد الانجاز

أريد أن ألعب،

أيّة لعبة من عهد الطفولة ستفي بالغرض:

الغميضة،

عسكر وحرامية،

كرة أركل بها حائطًا مرسومًا عليه خارطة الوطن.

أركل الخارطة بقوّة حتى يستيقظ من نومه هذا الوطن،

ويلعب معي،

ويسألني عن يومي،

عن فقري،

ويعالج أمراضي.

أريد أن أركل كرتي...

ولكن، ويا للأسف..

لا جدران في المخيم.

***

مراد سليمان علو

مثنوياتٌ ورباعياتٌ عربية..

التضامنُ العالمي قد يتخذُّ في طرقِ التعبيرِ عنه اشكالاً مُدمِّرةً في الاحتجاجِ على الظلمِ الذي يحكمُ الكوكب ..

اِسمعوا ما تقولُ الشعوبْ

أيُّها الحاكمونَ بأمرِ الهِ المصالحْ

فالرعايا لديهمْ قلوبْ

ولديهمْ اذا سخطوا موقفٌ لا يصالحْ

**

اِنَّ صوتَ فتاةٍ تتضورُ مِن جرحِها، جائعهْ

وصوتَ فتىً باتَ ينزفُ تحتَ الركامْ

لَهُ في العواصمِ والمدنِ الأجنبيةِ افئدةٌ لا تنامْ

فمِن المستحيلِ بأنْ تنحني جبهةُ الحُرِّ كيما تخرُّ لأسيادِكمْ طائعهْ

**

ستقولونَ حينَ يحاولُ شخصٌ ليثأرَ مِن قاتليِّ الطفولهْ

مريضٌ، فلا تعلنونَ ـ بِصدقِ الشجاعِ ـ دوافعَهُ وميولَهْ

***

كريم الاسدي

......................

* التضامنُ العالمي قد يتخذُّ في طرقِ التعبيرِ عنه اشكالاً مُدمِّرةً في الاحتجاجِ على الظلمِ الذي يحكمُ الكوكب.. بينَ حينٍ وحينٍ، ويومٍ ويومْ نرى مدنَ الغربِ سيلَ دماءٍ وطيرَ المنايا على الأبرياءِ يحومْ ..

ملاحظتان:

1 - كتبتُ هذه المقاطع في اليوم الرابع من آيار 2026 بعد سماعي لخبر حادث دهس متعمد في شارع للمشاة في مدينة لايبزج الألمانية الجميلة، وقد أودى الحادث للأسف بحياة مجموعة من المارَّة الأبرياء.. يحدث هذا الأمر في مدن أوربية و أميركية كثيرة، واذا كان سببه الحقيقي احتجاجاً سياسياً فلا يسمع الناس عنه بل يُعزى غالباً الى ان الفاعلَ مختلٌ عقلياً، ومرتبكٌ نفسياً ..

2 - مثنويات ورباعيات عربية مشروع شعري للشاعر كاتب هذه السطور نشر فصولاً عديدة منه في صحيفة المثقف، وقد صدر قبل أشهر ديوان شعري منه بعنوان (الف رافد ورافد) .. يحاور المشروع في أغراض عديدة منها: الحب، الحقد، السلام، الحرب، الانسان، الزمان، المكان، التاريخ، الأرض، الكون، الطبيعة، الذكريات، الصداقة، الوطن، الاغتراب، الطفولة، الحنين، الحياة، الموت.

قليلاً ما أتذكّرُ

تلكَ اليدينِ

اللّتينِ توسّلتا بي

كي تأخذاني

إلى نهايةِ الطريق.

*

ضحكتُ

حين رأيتُ ـ للمرّة الأولى ـ

ألسنةَ النار

تلتهمُ

ما بنيتُهُ

في السنينِ الماضية.

*

وبعدَ لفٍّ ودوران،

فتحتُ يديَّ

طالباً مصافحتكَ،

لكنَّ أصابعكَ تجمّدت،

وتحوّلتْ

إلى قطعةِ ثلج.

*

فعدتُ

أصافحُ ظلّي،

وأجمعُ من الرمادِ

بقايا اسمي.

*

كان الليلُ

أوسعَ من خيبتي،

وكان الطريقُ

يتقدّم وحده

من دوني.

*

مشيتُ قليلاً،

ثم أدركتُ

أنّ الذين يصلونَ أخيراً

لا يجدون أحداً

ينتظرهم.

*

فتركتُ يدي

للريح،

وتركتُ قلبي

يتعلّمُ

كيف يدفأ

من دونِ يدين.

*

ومنذُ ذلك اليوم

كلّما اشتعلتْ نارٌ

في الذاكرة،

كبرَ الثلجُ

في صدري

ببطء.

***

جاسم الخالدي

إبنُ المواخيرِ بين [الاينِ والنَجَدِ]

ضاقتْ عليه وكم قد عَدّ مِن عُدَدِ1

*

يا بنَ المواخيرِ هذا أنتَ في عَمَهٍ

آلتْ بكَ الحربُ مَحروبًا بلا سَنَدِ2

*

وعادَ حِلمُكَ يا مغرورُ كارثةً

حَلّتْ عليكَ فأنتَ اليومَ كالولدِ

*

تاهتْ خُطاهُ فلا يدري مَخارجَهُ

والموتُ أصبَحَ في قابينِ كالمَسَدِ3

*

إبنُ المواخيرِ ظنَّ الحربَ خاطِفةً

عمى البصيرةِ أرداهُ على حَردِ4

*

حتّى غدا الامرُ مَشكولًا فَحَيّرَهُ

ماذا سَيفعَلُ بالعُقبول والعُقَدِ5

*

لقد تَمنّى وعاشَ الحُلمَ مُغتَبِطًا

حتّى رأى نفسَهُ قد جُبَّ بالوتَدِ6

*

هي المقاديرُ في أحوالها غِيَرٌ

أ يكتفي السادرُ المعتوهُ بالرمَدِ؟!

-

هذا الغرورُ الذي يعلو بنبرتهِ

طبعٌ تَرسّخَ خُذْها لطْمةَ الاسدِ

*

تبقى الجذورُ التي أطنابُها ضرَبَتْ

مع الخساسةِ أوشاجًا ومِنْ أمدِ7

*

إبنُ المَواخير قد جاشتْ غواربُهُ

فجاءَهُ الردُّ ضربَ الرأسِ بالعمَدِ

*

هي الصواريخُ سِجّيلٌ وخيبرُها

أعادتِ الغِرَّ مَسطولًا وفي كَمَدِ8

*

وأصبحتْ لعنَةً قَضّتْ مَضاجعَهُ

دارت عليهِ ودار الكأسُ بالنَكَدِ

*

قدْ صارَ يُرْقى وراقيهِ بلا أملٍ

فهي الصواريخُ ليستْ نَظرَةَ الحسدِ9

*

إبنُ المواخيرِ طافتْ فيه أُمنيةٌ

حتّى طفا فغدا في البحر كالزَبَدِ

*

لهُ أقولُ وقولُ الصدقِ موعظةٌ

مَنْ حاربَ اللهَ مخذولٌ الى الابدِ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / كوبنهاجن

الخميس في 23 نيسان 2026

........................

1- الاين: التعب. والنَجَد: طلب النجدة وما بين القوسين تضمين للشاعر الجاهلي النابغة الذبيانِي في قوله [يظل مِن خوفهِ المَلّاحُ مُعتصِمًا*** با الخيزرانةِ بعد الاينِ والنَجدِ]

2- العَمَه: الحَيرةُ والتردد

- مَحروب: مسلوب

- قابين: اشارة لقرب الشيء

3- المَسَد: الحبل

4- الحَرَد: الغيظ

5- العُقبول: الشديد مِن الامور

- مُغتبط: مَسرور     

6- جُبَّ: قُطِعَ

7- الاطناب: جمع طُنُب وهي ما تمدّد ورسخ 

- أوشاج: جمع وشيجة وهي تداخل الاشياء في بعضها 

 8- مَسطول: غبي أو مُخَدّر

9- يُرقى: ما يُقرأُ به مِن مُعَوِذاتٍ على المُصاب بالعين

لكلٍّ منا اسمٌ يخفيه

لكلٍّ منا نارٌ يخشاها

فكلما أنصتتْ لوجهِها

المرآةُ

فرَّ النورُ من سمائها

وأبقتْ تلكَ البقعةَ

الداكنةَ،

فاتنةً

عطّرها المصيرُ بالدموعِ.

**

يمرُّ بي عمرُكِ

وأنتِ تتجولينَ في عزلتِكِ العاريةِ

بين أحلامٍ شقّتْ طريقها نحو أخطائي

واحداً تلوَ الآخرِ

لعلّي يوماً أجدُ نفسي فرحاً

وأنا أصبغُ شعركِ باللونِ القرمزيِّ الذي تحبينَ.

**

الدفلى تدلتْ على منعطفٍ

وما من ساقيةٍ أغلقتْ عليها حلوَ المذاقِ.

**

من يأتي بعدَكِ ليغرقَ يوسفُ

ويستنجدَ بذئبِ ذنوبِهِ!

من يختمُ مسافةَ الحبِّ

لعرشِ أبيهِ بالقبلِ!

من سيكسرُ عنكِ هذا الوهمَ

لتصدّقيِه الرؤيَا!

**

إن يبسَ الجرحُ

علينَا أن نضمّدَ الترابَ

بنبضةٍ من وردٍ.

***

زياد كامل السامرائي

الشَّطرُ الثَّاني

١- نادَيْتُ ثانيَ شَطْرِهِ عَلْيائي

بِحُروفِهِ أَهْديْتُها طُغْرائي

*

الشِّعْرُ يُشْرِبُني فُراتا سائِغا

أَسْقيهِ مُنْدَفِقًا نُفوسَ ظِماءِ

*

روضُ الكَلامِ رأيتُهُ مُتَفَتِّحًا

شِعْرًا يُغازِلُ رَبَّةَ الشُّعَراءِ

*

فَبِكلِّ حَرْفٍ عاشقٍ ذابَ الهَوى

وَلِكلِّ طيفٍ لاحَ نَفْحُ هَواءِ

*

٥- وَعَرائسٌ عُصْمٌ حَفِظْنَ قَصائِدي

غَنَّيْنَ للأمواتِ والأحْياءِ

*

أَنا تائِهٌ يا نايُ شِعْري مُؤْنِسي

وَمُنيرُ هَذا السَّيْرِ في البَيْداءِ

**

جِبْريلُ أَمْلى أَمْ سَنا العلياءِ؟

فَكِلاهُما لي مَصْدَري وَرَوائي

*

شَغَفًا بما فوقَ الذُّرى أَوحتْ بِهِ

سُوَرًا إليَّ مَعارجُ العَنْقاءِ

*

الشِّعْرُ يُنزِلُهُ عَلَيَّ مُنجَّمًا

مَلَكٌ بِصُبْحٍ راهِبٍ وَمَساءِ

*

١٠-  خوفا يُزمِّلُني فَيَنتَفِضُ الهَوى

مثلَ الخَيالِ مُجَنَّحَ الإيحاءِ

*

في الرَّعْشِ يَكْسوني القَريضُ جَناحَهُ

بُرْدًا يَطيرُ بِمُهْجَةٍ رَعْشاءِ

*

فَأنا النَّبِيُّ قرأتُ سِفْرَ قَصيدَتي

كالطَّيْرِ مُرْتَجِفًا على سَيْنائي

*

تَتدَفَّقُ الكَلِماتُ بينَ جَوانِحي

نِيلاً يبرِّدُ من أَسًى غَلْوائي

*

لَمَّا التظى اِسْتوقفتُ ليلاً غُربتي

حدَّثْتُها وَجِلاً حَديثَ عَزاءِ

*

١٥- أنا مَنْ نَثرتُ كَواكِبي شتَّى على

جَبَلِ اللِّقا يَرْقُبْنَ صَحْوَ نِدائي

*

وَمَواسِمي لولا شَذَى شِعْري لَبِسْ

نَ غَياهِبًا غُبْرًا من الشَّعْثاءِ

*

يا شِعْرُ نَغَّمتُ الرُّؤى تَسبيحَةً

وَحَفِظْتُها في الكَهْفِ شَدْوَ غِناءِ

*

مِنْ كلِّ حَرْفٍ هَمْسَةٌ ريَّانَةُ ال

أَحْلامِ في الأفْعالِ والأسْماءِ

*

يا نايُ لَمْ أجفُ القَوافي مُنْذُ أنْ

ساقَ الصَّبابَةَ خاطِري وَحُدائي

*

٢٠- وإذا مَرِضتُّ وإنْ تَعرَّى ذو شَجًا

فَهَديلُهُ يُشْفي وَمِنْهُ رِدائي

*

فَبِهِ نَسيتُ من الجِراحِ صَهيلَها

وَذَكرْتُ لِلْبُشْرى خُيولَ ذُكائي

*

أَطفَأْتُ أَحْزاني بِلُجِّ بُحورِهِ

أَشْعلْتُ أَفْراحي بِخِصْبِ نَماءِ

*

يَمَّمْتُ شَطْرَ الشِّعْرِ صُبْحي يافِعًا

وَكُهولَتي خَجِلاً وَشَيْبَ مَسائي

*

في وادِيَيْهِ خَلَعْتُ بَعضَ شَقاوَتي

عِنْدَ التَّجلِّي وارْتَديْتُ حَيائي

***

عبد العزيز شبِّين - هرو ويلد / لندن

٣ / أيار / ٢٠٢٦م

 

العقولُ العامِلةْ

تَحْمِلُ في الوطنِ المَشَاعِلْ

تَملأُ الوقتَ سَنابِلْ

وتُباهي مُنْتَهى الدرب وصولاً للحقيقةْ

والحقيقةُ حُرَّةٌ

تُنْبيكَ أنّ صُدَاعنا العربي

مِنْ صُنْعِ (الشقيقةْ)!

***

محمد ثابت السُّمَيْعي