عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

نصوص أدبية

لا أنتَ مُفتقِدٌ لا أنتَ مُفتقَدُ

أطِلْ غياباً فكلُّ الناسِ لا أحَدُ

*

إنْ ماتَ طيرٌ فما للناسِ من خبرٍ

لكنْ تُؤَبِّنُهُ الأشجارُ لا البلدُ

*

وعازفُ العودِ بالألحانِ مُنْفَرِدَاً

ما ضرَّهُ قطُّ أنّ العَزْفَ مُنْفَرِدُ

*

مجدُ السفينةِ للقُبْطَانِ حينَ رَسَتْ

أمّا الفَنَارُ فيُنسى أنّهُ السَّنَدُ

*

مُفارِقٌ أنتَ مهما رُمْتَ وصلَهُمُ

وجازعٌ أنتَ مهما قيلَ: مُتَّئِدُ

*

وقابضٌ جمرةً من فيضِ عاطفةٍ

ويَحْسَبونَك بالنّعماءِ تَبترِدُ

*

من فرطِ ما لوّحَتْ عندَ الوداعِ يدٌ

تكادُ تَرْكُضُ خلفَ الراحلينَ يدُ

*

لو قيلَ: دربانِ، فاخترْ واحداً لغدٍ

شَقَقْتَ ثالثَ دربٍ عندما رقدوا

*

وإنْ هَمَمْتَ بأمرٍ ما استشرْتَ وهل

سِوى على نفسِهِ الضِّرغامُ يَعتَمِدُ

*

وفيكَ مِنْ كَرَمِ الْمِرْآةِ أنْ نسيَتْ

بأنْ ترى نفسَها والكلُّ قَدْ وفَدُوا

*

وفيكَ من طَبْعِ نَبْتِ الغارِ أنَّ بهِ

مِسْكاً يفوحُ ولو خانوا الذي عهدوا

*

طفولةٌ مثلَ قوسِ الماءِ زائلةٌ

والعمرُ سهمٌ وعنها ظلَّ يَبْتَعِدُ

*

والحَرْبُ أقبَحُ وَجْهٍ سَوْفَ يُظْهِرُهُ

مَنْ بالسَّلامِ على أوطانِنا يَعِدُ

*

فكَيفَ نَبني عِرَاقاً واحِداً أحَدَاً

وأَلْفُ رَبٍّ لَنا في البَيْتِ قَدْ عُبِدُوا

*

وكيفَ أقنعُهم بالشمسِ مُشرِقةً

وغيرَ هذا الظلامِ المَحْضِ ما وجدوا

*

مُحَاوِلاً فَتْحَ بابِ العَقْلِ في وَطَنٍ

لَهُ من الجهلِ والأوهامِ مُعتقَدُ

*

لذا تَوَارَيْتُ كالأنهارِ حينَ رأَتْ

أنَّ المديحَ جميعاً نالَهُ الزبَدُ

***

د. عبد الله سرمد الجميل

تلك الرُبى وافرة المدد

تفيض على العين قزحية آخرى

تغوص في صور الذات وتمضي

الى أريكة الخيال بثوبِ سفرٍ أخضر.

مطر الغسق الأنيق ينوس ويلهو

ليبارك الأرض يسقى لفيف منعطفاتها

مثل رفيف يتدفق في حلم الليل

كدهشة ريحٍ تخرج من أطراف

مناكبه ضحكة.

بينما الحب مليئاً بالحلم والمرح على مدار

الساعة يتناسل برقاً ورعداً

ثم يغادر كي يتفيأ ظل بداهته

يا رُبى اقشعي الطين من احشاء جسدك

وأعطيني خبزا من ضوءٍ أنقشه في

خضاب دمي قصيدة.

***

عارف عبد الرحمن

 

حين كنتُ طفلًا، كانت القرية التي أعيش فيها مليئةً بالسحر؛ سحر طبيعيٍّ حلالٍ زلال: جبلٌ في الشمال، وتلالٌ عن اليمين واليسار، وفي الجنوب شارعٌ ترابيٌّ يوازي جدولَ الماء المؤدّي إلى الإسكينية السفلى. وكان هذا الجدولُ الغزيرُ ماؤه ينبع من قلب الجبل، بارد صيفا ودافئ شتاء ويشقّ القرية نصفين جارياً نحو بئر الطاحونة المائية التي في نهاية القرية، عابرًا بساتينَ التين والرمان. ويمتدّ الدرب بعد ذلك ليفضي إلى صحراء الجزيرة الواسعة، وقبلها يصل القرى القريبة من الجبل ببعضها، ثم يمضي ليبلغ سنجار، القضاءَ الذي كان السفر إليه حلمًا لا يطاله كلُّ أهالي القرية، بل القلّة فقط من أمثال أبي سليمان علو، البقّالِ المشهور في القرية.

يذهب أبي إلى سنجار ليتبضّع الأشياءَ التي تحتاجها القريةُ في مواسمها الرتيبة من مغازات الصولبند الذائعةِ الصيتِ بالجملة، ويبيع ما يحمله للأهالي بالمفرد. وكان عليه أن ينهض باكرًا، حاله حالُ سائقِنا حسن حجيكا، الذي يقود سيارتَنا البيك آب، الشيفروليه ذاتَ الموديل الـ 55. وطبعًا كان الصدرُ محجوزًا دائمًا لأبي.

والدي كان أحدَ رجالِ القريةِ الحُكماء، وكان يجمع كلَّ ما يحبّه ويحتاجه الأطفالُ في دكّانه، من أقمشةٍ ملوّنة، وحلويات، ومراهمِ البنسلين، وحبوبِ الأسبرين، وعلكة أبو السهم.

لذكريات صباحات الإسكينية شرايين رفيعة كالتي تقطعها السبايا حين حضور الدواعش الأشرار، وهي كذلك مثل خيوط الشمس التي كانت تربط أحلامنا بزجاجات الحلوى على رفوف الدكان، وتلك الصباحات ممتلئة بهورنات ومنبهات بيك آب العم حسن حجيكا المتتالية والمطولة التي كانت تربط بين طفولتي والذهاب شرقا إلى سنجار.

البيك آب مليء بالقرويين من الإسكينية العليا، والإسكينية السفلى، وتل حيالى، والووردية وقصركي وزرافكي، إلى سوق المواصلة التحتاني العامر في سنجار. ينتهي الفجر بخروجنا من القرية، أما صباحها فيكون حافلا برائحة خبز تنور أمي. وضجة ثغاء الخرفان الصغيرة التي تشبه الغيوم البيضاء، وهش وكش وتتراكض إلى التلال القريبة حيث الصباح يهمس بألف زهرة نيسان، وألف عصفور هارب من بساتين الرمان خوف جتلات ومقاليع ومصيادات تلاميذ مدرسة الإسكينية الابتدائية المختلطة الأشقياء.

هديتي كانت طائر وروار إلى نجمتي المفضلة صباح، رجوت من صاحب المكتبة أن يوصل الأمانة ولكنه أكد لي إن صباح شحرورة وإنها تحب طائر الشحرور وليس الشالول الوروار.

في الدكان كان هناك صفٌّ من الزجاجاتِ المملوءةِ بالحلوى والسكاكر، من حلقومٍ، وسمسميةٍ، وحامضٍ حلوٍ، وملبّسٍ، وسكّرِ أبو إصبع. وعلك، وأنواع الجكليت. وكان الرفُّ عاليًا لا تصلُ يدُ الأطفالِ إليه، فيكتفون بالنظر إليها وهم يرفعون رؤوسهم. وكان المنظرُ يسحرُ من ينظر إليه.

صفّ الزجاجات لم يكن مجرّد رفٍّ عالٍ، بل كان أشبهَ بأحلامٍ من الألوان، تظلّل طفولتنا بوعودٍ حلوةٍ لا تنتهي. كانت الزجاجاتُ مصطفّةً كجنودٍ من البلّور، أو كطيورٍ تقترب من بعضها في فجر القرية، يلمع السكّرُ في بطونها كلما لامستها شمسُ الظهيرة المتسلّلةُ من باب الدكّان.

وكان الأطفالُ يقفون تحتها كمن يقف تحت شجرةِ تينٍ أو رُمّانٍ مثمرةٍ لا يطالها، يرفعون رؤوسهم، يحدّقون، يبتلعون ريقهم، ثم يبتسمون ابتسامةً صغيرةً، بعد أن باء دعاؤهم بسقوط إحدى تلك الزجاجات بالفشل. كأنّ تلك الزجاجاتِ تحفظ سرًّا لا يُقال، سرَّ الطفولة حين كانت الأشياءُ البسيطة تكفي لتملأ القلبَ بهجةً وسرورًا.

 ومع ترحيلِنا الإجباريِّ من القرية، بدأ سحرُها يجفّ، وبدأ العملُ في الخيال. وكانت الأحلامُ الحقيقيةُ حينها تلك التي أكون فيها بدشداشةِ طفولتي، أتخيّل ابتسامةَ أبي إن أساء طفلٌ الأدبَ في الدكان، وهو ممسكٌ بطرفِ ثوبِ أمّه.

 أنا أتخيّل الدكّان في غربتي، بينما بريجيت باردو تغادر الكوكب لتلتحق بقطار آلان ديلون، وتترك لنا كلَّ تلك الحلوى في أفلامها، لنتفرّج عليها دون أن نذوقها على مرّ الأيام.

هذا الكلام من قواميس التسكّع في أيام نازحٍ شنكاليٍّ مثلي، وربما كان مكتوبًا على ظهر جوازِ سفرِ سنونو مهاجرٍ يشبهني، أشعله الحنينُ إلى عشه في غرفتنا الصيفية العاليةِ السقف، فأخذ يبحث عني في مدن ألمانيا ليرمي لي آخرَ حبّةِ توتٍ حمراء من شجرتي في باحة داري في سيباي.

عندما أتذكّر لعبي مع أصدقائي بتايرٍ مستهلكٍ لسيارتنا، تتدلّى من ألعابي ولعابي شهوةُ طبيخِ أمي؛ وذلك كان الشبعَ الحقيقي. فأتسلل من دكّان أبي، وأترك أصدقائي ليسيروا بالتاير إلى قرى حوضِ جبلِ شنكال، قريةً وراء قرية، يحملون أحلامَ الأطفال على التاير. طفلا بعد طفل، وفي المساء أُفرغ تلك الأحلام في رفّ الزجاجات المليئة بالحلوى، ليصبح صباحُ الأسكينية حلوًا بنهوض أصدقائي الصغار وهم يلاحقون أحلامهم إلى دكّان أبي.

***

مراد سليمان علو

مقام النهاوند

(ظلٌّ يسبقني إلى الرصيف)

*

رصيفٌ... وأنتَ مع الظلِّ واقفْ

وظلُّكَ يسبقُ خطوكَ... ثمّ يعودْ

كأنَّ الطريقَ اعترافٌ شفيفْ

يُرتَّلُ... ثمّ يخفتْ

*

فلا، لستَ وحدكَ...

نصفُ خطاكَ هنا

ونصفٌ تذروهُ ريحٌ خفيفةْ

كأنَّكَ لم تكتملْ

بأطرافِ صمتٍ كثيفْ

*

تُنصتُ... لعبورٍ خفيّْ

كأنَّ العبورَ صلاةٌ قصيرةْ

ولا صوتَ فيكَ يُقيمْ

*

وتنظرُ نحو النوافذِ: صفوًا

فتنشقُّ صورتُكَ الآنَ فيها

على مهلٍ... ثم تميلْ

كأنَّ الزجاجَ تعبْ

من انكسار الملامحِ فيكْ

*

فكم أنتَ حرٌّ... بلا شاهدٍ

كأنَّ الحريةَ الآنَ

أن لا يراكَ أحدْ

ولا أحدٌ

يتفحّصُ صدعَ العيونِ

ولا أحدٌ

يستدلُّ عليكَ إذا ما انصرفتْ

*

تبدّلُ قلبَكَ بين الجيوبِ

كأنَّكَ تُخفيهُ... كي لا يدلّْ

وتهمسُ: أين اختفى؟

*

وتخلعُ وجهَكَ عند المساءِ

كما تُخلعُ النبرةُ المتعبةْ

وتتركُهُ باردًا

فوقَ صمتٍ مقيمْ

بقربِ أسلاكِ ضوءٍ خفيفْ

يُوشكُ أن ينطفئْ

*

حيثُ العصافيرُ مرّتْ وغنّتْ

وكانَ الغناءُ خفيفًا

وحينَ مررتَ

انكسرَ الصوتُ في الحلقِ... صمتْ

كأنَّ الحفيفَ تأخّرَ فيكْ

*

فامضِ كما أنتَ... لا تنثنِ

رفيفًا... كثقلِ المؤجَّلْ

كأنَّ الخفوتَ جناحٌ ثقيلْ

وثقيلًا... كذكرى

تميلُ... ولا تستقيمْ

*

اكتبْ على الريحِ سرَّكَ

كما تُكتبُ النغمةُ المرتجفةْ

وامحُهُ

قبل اكتمالِ الكلامْ

كأنَّ الكلامَ إذا اكتملَ... انكسرْ

*

فلا قاضٍ الآنَ

غيرُ السكونِ

ولا شاهدٌ

غيرُ هذا الرصيفْ

الذي يعرفُ الخطوَ أكثرَ منكْ

*

التمسْ عذرًا لمن مرَّ

ولم يلتفتْ

فقد كنتَ تمضي ببطءٍ... إليكْ

كأنَّ الوصولَ انسحابٌ خفيٌّ

*

ولأنَّكَ حينَ مرّتْ حياةٌ

انشغلتَ بترتيبِ هذا الغيابْ

كأنَّ الغيابَ نظامٌ دقيقْ

*

وحين اصطدمتَ بسحابةٍ

لم تنكسرْ

بل كتبتَ الحفيفَ

أوّلَ نصٍّ

بملحِ الدموعْ

كأنَّ الدموعَ مقامٌ قديمْ

*

رصيفٌ... وأنتَ مع الظلِّ واقفْ

بزاويةٍ منسيّةْ

كأنَّ الزوايا تُخفي صداها

*

لا أحدٌ

يُربكُ صفوَ روحِكَ

لا أحدٌ

يسألُ: كيفْ؟

*

فكم أنتَ منسيٌّ هذا المساءْ

كأنَّ النسيانَ نعمةُ هذا المقامْ

وكم أنتَ حرٌّ

في هذا الوقوفْ

كأنَّ الوقوفَ انتهاءُ النشيدْ

***

د. سعد محمد مهدي غلام

يصطخب الموج تحت جلدي ..

غير ان البحر ينكرني.. فيكسرني

*

والوقت يكسرني

المْلِمُه.. بقايا قطاف اخير

أسكبه في خابية، يخذلني جرح بها ..

فينزف عمري...

*

يكسرني الطّريق إلى قْبلة مخبّاة هناك

تحتاج إلى كلّ ذلك الموج...

كلّ ذلك الوقت...

تحتاج إلى كلّ تلك الأشياءالتى

تموت.........

***

حياة بن تمنصورت - تونس

١-  كم هَزارٍ هاداكَ ناغيتَ عِزَّه

وَشَهيدٍ لم يَسْمُ إلاَّ بِغَزَّه

*

العَصافيرُ إذْ تَمايَلْنَ زُهْرًا

يَتَبادَلْنَ البَوْحَ بَيْنَ الأَعِزَّه

*

غُولُ تختالُ فوقَ أَرْضٍ خَرابٍ

مِنْ سَماءِ الصَّدى تُدَمْدِمُ رِكْزَه

*

قَدْ أَرَيْتَ الجَناحَ مِنْ كلِّ صُبْحٍ

في مَساءٍ يغلي حَرائِقَ رِجْزَه

*

٥- طِفْلُ كَنْعانَ في عَواصِفَ حُمْرٍ

نَثَرُوهُ لَمْ يَلْقَ في الرِّيحِ حِرْزَه

*

طِفْلُ كنْعانَ رامَ أُغنيةَ الزَّيْ

تِ وَلَكِنْ سَيْفُ الأكاذيبِ حَزَّه

*

طِفْلُ كنعانَ شَدَّهُ شَغَفُ الزَّيْ

تونِ فوق الأبراجِ يَرْقُصْنَ هَزَّه

*

طِفلُ كَنْعانَ أَيْقَظَتْهُ الأَفاعي

وَفحيحُ الظَّلامِ أَوْغَرَ وَخْزَه

*

طِفْلُ كَنْعانَ أَطْعَمَ البَحْرَ مِنْ أَدْ

مُعِهِ ثُمَّ مِنْ دِما الحُزنِْ مَزَّه

*

١٠-  طِفْلُ كَنعانَ لَمْ يَرَ المَهْدَ حَيْرا

نَ عَلى اللَّحْدِ طارِقُ المَوْتِ رَزَّه

*

قَدْ ذَرى شَمْشومُ الجَرادَ خَرابا

وَرَمى كُلَّ ذي حَمامٍ وَفَزَّه

*

حَمَلوا مِنْ عَصْفِ الأبابيلِ ما لا

شَيْءَ يَسْطيعُ في الأعاصيرِ أزَّه

*

لِهَزاتي مِنْ ألفِ فينيقَ شَدْوٌ

نَخلةٌ تَستطيلُ طُهرًا وَعِزَّه

*

غُصْنُ فازَا هَلْ يَنْحَني لا

يَنْحَني يَوْمًا والسَّماواتُ غَزَّه

*

١٥- حاصَرَ اللَّيلُ أَرْضَها وَسَماها

بِضُحاها بابَ الكَرامَةِ لَزَّه

*

نَطَقَ الصَّمْتُ واسْتَباحَ شِفاهًا

وأذاعَ الحَريقُ في الزَّرْعِ غَمْزَه

*

رِحْلَتا الصَّيْفِ والشِّتا صارَتا مِثْ

لَ يَبابٍ يَبيعُ لِلنَّارِ خَزَّه

*

ذلكَ البَحْرُ خَضَّبَتْهُ دِماهُ

هاشِمٌ أَسْداهُ مِنَ الرَّسْمِ رَمْزَه

*

الظَّما مِنْ وادي الخَليلِ اِنْكِسارٌ

لَمْ يَعُدْ يُبْدي لِلخَفافِيشِ عَجْزَه

*

٢٠- وَلَظًى قاوَمَ السِّنينَ عِجافًا

يَتَكَسَّى على الجَلاميدِ فَوْزَه

***

عبد العزيز شبِّين - هرو ويلد / لندن

١١ / تشرين الأول/ ٢٠٢٥ م

 

الاهداء ـ الى روح أخي الشهيد

لمناسبة مرور 92 عاما لتأسيس الحزب

***

في كل عام أوقد لك شمعة في قلبي

وأتذكر شقرة شاربك وطولك الأهيف

وأتذكر كيف تخبئ الجريدة تحت معطفك القديم

وقلبك ينبض متسارعا تحت الجريدة

وكنت تعرف ان الرفاق ينتظرون

وان صديقك فائق سيقرأها بعيدا عن العيون المتربصة

وأتذكر همسك سرا وانت تحدثني عن شجاعة الرفاق

وعن فهد وسلام عادل وجمال الحيدري

وأنا ما زلت في مرحلة الاعدادية

وتقول انهم لا يهابون الموت الزؤام

لكنك لم تتأخر عن اللحاق بهم

الى ضوء لا يعرفه الخائفون

وكلما يسألني ولدك الوحيد

أقول له: لا تبكِ يا صغيري

فالذين يموتون من أجل وطنهم

لا يموتون أبدا

كنت تحمل حلما أكبر من سجونهم

نعتوك بالمتمرد

فرفعت صوتك لا لظلم الفقراء والكادحين

نم قرير العين مع الرفاق

والأرض التي شربت أزكى الدماء

ستنبت يوما حرية تشبه أرواحكم

***

نص شعري

سنية عبد عون رشو

في المدينة التي تلمع

مثل سكاكين تُغسل كل صباح

يمشي الناس بخطى متشابهة

كأن الأرض قررت أن تمحو الفروق

لكنها تَرَكَت في الظلّ مساحات صغيرة

يكفي أن تنمو فيها الكراهية

كما تنمو الحشائش بين الإسفلت.

*

العنصرية ليست صرخة

إنها حركة بطيئة في الهواء

مثل ضوءٍ يخبو في غرفة مغلقة.

تبدأ من كلمة

من سؤال عن لون

من إيماءة عابرة في حافلة مزدحمة

ثم تكبر

حتى تصير حجراً في يد طفل لا يعرف لماذا عليه أن يرميه.

في الحارات التي تسقط كالحجارة

تتراكم الأصوات كرمادٍ ناعم

والسماء

خزانة مهجورة تُغلق على سرها.

*

أمشي بين جدرانٍ تتنفس بصمت

تحكي قصصًا بلا لسان

وحروفٌ معلقة مثل أكياس بلا وزن

تنتظر أن تُفتح

لكن المفتاح ضاع في زحمة الأيام.

*

كل شيء يبدو عادياً:

مقاهٍ

أبواب مفتوحة

إعلانات بوجوه بلا عيون

حافلات تمضي بلا وجهة

لكن

تحت الأرض

ثمة عظام تتحاور بلغة انقرضت

تحكي عن مدن أكلتها الأيديولوجيا

كما تأكل النار أطراف الورق.

*

أفكر:

ربما يبدأ الموت

حين نمنح الآخر اسماً أقلّ من إنسان

وربما تبدأ الإبادة

حين نعلّق على صدورنا

مرآةً لا تعكس إلا وجوهنا.

*

مدينة الصمت..

انطفأت أصواتها بعد المجزرة.

أرواح

تتدلّى من أسلاك الكهرباء

مثل قمصان نُشرت لتجفّ

لكنها فقدت الأجساد التي كانت تخصها.

*

في الساحات التي غادرها الضوء

تتكدّس الأصوات في صناديق مغلقة

كما لو أن اللغة نفسها خجلت من الكلام.

*

العنصرية طقس يومي

يشبه وضع الزهور البلاستيكية على قبر مجهول.

هي ليست فكرة

بل تنهيدة

تشبه صفعة لا تُرى

تخرج من صدرٍ

يحمل نشيداً قديماً عن النقاء.

*

الإبادة نافذة قديمة

تنفجر في وجه العاصفة.

لا أحد يصرخ.

الجدران صارت أذناً من إسمنت

والسماء

سقف معدني مثقوب بعوادم السيارات

لا بصرخات المذبوحين.

*

أفكر:

هل ننجو بالكتابة؟

أم أن الحبر يتحوّل إلى رماد

حين يُكتب فوق أجساد غائبة؟ .

*

الصمت ليس سلاماً.

إنه جسر بين موتين:

لحظة يُذبح فيها اسمك

ولحظة لا يعود فيها أحد ليذكرك.

*

بعد الإبادة

لا يبقى سوى هواء مُثقل بأسماء لم تُنطق

وخرائط فقدت حدودها مثل وجوهٍ مُسحت من المرايا.

*

الصمت ينهض من الركام

لا كسلام

بل كإله صغير يحمل في يده دفترًا فارغًا

ويبتسم

ابتسامة تشبه الجحيم.

*

في المدينة

الأشجار تنحني مثل شهود زور

والأنهار تواصل جريانها كأن الدم كان ماءً

كأن الحكاية مجرد خطأ في الطقس.

*

من يكتب التاريخ؟

من يضع النقطة الأخيرة؟

لا أحد

سوى الظل

ذلك الظل الذي يتعلم ببطء كيف يكون ذاكرة

ثم يخونها

ليصير فراغاً.

الصمت ينتج أوهاماً عن العدالة

أوهاماً نعلّقها على الشرفات

كما نعلّق الملابس النظيفة

في مدينة امتلأت بالرماد.

*

أفكر:

ربما لم نُخلق لننقذ أحداً

ربما خُلقنا لنشهد

ولنكتب أسماءً تظلّ عالقة على جدران مهدومة

مثل رسائل لم تجد بريدها

أو مثل أصوات انطفأت قبل أن تكتمل.

*

لكن

حتى الصمت يحتاج إلى من يسمعه

إلى قلبٍ واحدٍ على الأقل لا يزال يخفق

ليقول:

كنت هناك

ورأيت كيف تحوّل الإنسان إلى فراغ

والفراغ

إلى قاعدة جديدة للكون.

***

مروان ياسين الدليمي

​هُوَ الحُزنُ

يا سيِّدَ العارِفينَ

يُؤَرْجِحُ نَخْلي

ومازِلتُ حتى هُبوبِ النَّشيدِ

ورِحْلَةَ ظَنِّي

أُمَسِّدُ

جِسْمَ الكواكِبِ فيكَ

وأرعى

جنونَ جِراحي

​ومازِلْتُ

في الاشتياقِ البَعيدِ

أُهَيِّئُ

بينَ السماواتِ والأرضِ

نَبْضاً

يَحِجُّ إليكَ

​فيا سيدَ العارِفين

احتَضِنْ

ما تَبَقَّى

مِنَ السُّهْدِ والشَّهْدِ

في راحَتَيَّ

وأطفِئْ

جِمارَ الثلوجِ على جانِبَيَّ

​فأنْتَ امتدادي

مِنَ البَحْرِ للبَحْرِ

أنتَ عيونُ القطا

حينَ تأوي

إلى حضنِ مالا ينامْ

​ويا سيدي المُسَتهامْ

أراكَ

عميقاً عميقاً

فلا تَحْتَجِبْ

إنني مُذ رآني

ملاكُ التحولِ

أَيْقَظْتُ فيكَ

رَفيفَ المُدامْ

​فلا تَستَعِدْ

ما يموتُ مِنَ الحالَتَيْنِ

وأبرِقْ إليَّ

فإنَّ لِكلِّ البُروقِ التي

في يدَيْكَ

يَطيبُ المقامْ

***

مرشدة جاويش

من المجموعة الشعرية (وصايا الغيم)، دار نون

 

يا أرضُ يا سرَّ البقاءِ وأنسَهُ

يا دفءَ من مرّوا بنا وتفرّقوا

فيكِ الحكايا تستفيقُ كأنّها

نهرٌ من الذكرى يفيضُ ويُغدِقُ

فيكِ الجليلُ ملوّحٌ بفضائِهِ

وترابُهُ بالعهدِ دومًا يَصدُقُ

ستٌّ مَضَوا فاستيقظَ التاريخُ في

أرواحهم وعلى خطاهم يُشرِقُ

والجرحُ صار نشيدَنا في لحنِهِ

والصبرُ في أوتارِنا يتدفّقُ

نمضي ونحملُ في العيونِ كرومَنا

خضراءَ يحفظُ سرَّها مَن يَعشَقُ

نمضي وفي كفِّ الزمانِ حكايةٌ

تُروى وفي صدرِ الرّدى تتعلّقُ

يا أرضُ يا وعدًا يُجدِّدُ عهدَهُ

في كلِّ فجرٍ نورُ عِزٍّ يُطلَقُ

تبقينَ ما بقيَ الضياءُ حكايةً

وتظلُّ فيكِ الروحُ وهي تُحلِّقُ

وتظلُّ فيكِ الروحُ ريّا تستقي

عذبَ الفراتِ بهمّةٍ لا تُرهَقُ

فيكِ الطريقُ وإنْ تباعدَ موضعٌ

يبقى وفي نبضِ القلوبِ يُنسَّقُ

فيكِ البدايةُ كلّما ضاقت بنا

سُبلُ المسيرِ وبابُ نورٍ يُطرَقُ

فيكِ الحقولُ إذا تنفّسَ عطرُها

عادَتْ لنا الأيامُ وهي تُصفِّقُ

فيكِ الطفولةُ تستعيدُ جناحَها

بيضاءَ في عينيكِ حلمٌ يُورِقُ

يا أرضُ يا عهدًا يسيرُ بدمعِنا

ويصاغُ من صبرِ السنينِ فينْطِقُ

نمضي إليكِ كأنّنا في حبِّنا

وترٌ على شرفاتِ فجرٍ يُشرقُ

حتى إذا اكتملَ النشيدُ بأهلِهِ

لَثَمَ الترابَ حُماتُه وتحلّقوا

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

منذ أن رحل ساعي البريد، رحلت معه تلك اللمسة الدافئة، التي كانت تُطرّز الورق بالحياة. لم يعد هناك من يطرق الباب بخجلٍ، ولا من يسلّم القلب في مظروفٍ أنيق.

*

الرسائل الآن بلا رائحة، بلا دمعةٍ جافة على زاوية الورق، بلا أثر شفاهٍ قبّلت السطر الأخير. أصبح الحنين مجرّد إشعارٍ إلكتروني، والشوقُ... مجرّد نصٍّ يُقرأ ويُنسى.

*

ذلك الساعي، كان آخر الشعراء الذين يمشون على قدمين، يحمل في حقيبته قلوبنا ويضعها في صناديق باردة، ثم يغادر بلا ضجيج، كما يغادر الضوء آخر الغرف.

*

أين ذهبت تلك الأوراق التي كانت ترتعش بين أيدينا؟ كانت الرسالة تنام في الجيب ككائنٍ حي، تُخفيها تحت الوسادة، تشمّها كما يُشمّ الحنين في معطفٍ قديم، وتبكي، تبكي لأنك تلمس أثر اليد التي كتبتها.

*

الآن... الرسائل تكتبها أصابع باردة على شاشات لا تحفظ الذاكرة، تُرسلها الآلة، وتستقبلها العادة.

*

لقد تغيّر العالم، لم تعد المسافات طويلة بما يكفي لتولد اللهفة، ولا الأيام قاسية بما يكفي لتبرر الانتظار، أصبح اللقاء أسرع من الاشتياق، والكلمات أسرع من النبض.

*

أشتاق لرسالة تصل بعد عشرة أيام ويكون فيها خربشة قلب، وبقايا عطر، وغيمة من حنين.

*

يا ساعي البريد، عد إلينا ولو مرة، أحضر لنا رسالة واحدة فقط، رسالة لم تكتبها آلة، بل قلب.

*

رسالة تخبرني أن الحبيبة لا تزال تتعطّر بالحروف، وأن الانتظار لا يزال حيّاً في ركن من هذا العالم البارد.

*

عد... قبل أن يُصاب الشوق بالخرس، وقبل أن يتحوّل الحب إلى مجرّد تنبيه في شاشة الهاتف.

***

بقلم: كريم عبد الله

بغداد - العراق

فاطمهْ

تتمشى الى آخرِ الليلِ كيْ تَسحبَ الفجرَ مِنهُ لِتسكبَهُ في مروجِ الجنوبْ ..

*

فاطمهْ

علَّقتْ فوقَ أشجارِ بَلداتِها أنْ يلفَّ الظلامُ شذاها فوانيسَ باهرةً

والفوانيسُ كانتْ قلوبْ

*

فاطمهْ

فتاةُ القرى الطيِّباتِ

ترشُّ الدروبَ التي تتشابكُ حولَ القرى بالطيوبْ

بعدَ اِنْ تمسحَ عنها الدماءَ

وتجهدَ حتى تُزيلَ عن الشجرِ الغضِّ ما علَّمتْهُ الندوبْ

فتمنحُ نفساً ربيعيةً للفداءِ

لكيما يعودُ ربيعُ الجنوبْ

***

شعر: كريم الأسدي - العراق

............................

ملاحظة: هذه القصيدة كتبتها بعد سماعي خبر استشهاد الصحفية اللبنانية فاطمة الفتوني قبل يومين في ميدان عملها قرب بلدتها الجنوبية (الطيبة) رفقة فريق صحفي لبناني يتألف من شقيقها محمد وزميلها علي شعيب اثر قصف سيارتهم من مسيرة اسرائيلية بأربعة صواريخ.

‏نمتُ عميقاً ولم أحلم بك البارحة

‏في المدى الرحيب يتهيأ الفراغ للفراغ

‏طائر بجناحين،

ليس بالضرورة أن يكونا كبيرين

مطلٌ على ما أوتيَ من فضاء

واثقٌ بالهواء ومسرفٌ في الرؤى

ترفعه الموسيقى سُلماً سُلماً

أفقٌ من المساء الفسيح

لست وحيداً في عزلتي،

كل الكلمات معي

أُهَدِّئُ جفلة الحصان

فتحيط بي الخيول التي بلا أسرجة

الخيول التي انفصلت عن عرباتها

أغبطُ اهتزازة وردة

فتتغمدني البراري السعيدة بأغنياتها المنفلتة

أغفو تحت شجرة

فتأتي إليَّ الطرائد آمنةً مطمئنةً

‏لن أرى وضوحي من النوافذ العالية المغلقة

بقدمين حافيتين، ‏

أراه من أمام بيتي الطيني المفتوح للقمر

أنصتُ إلى حكمة الطير

لا تُصلِح سقف البيت الذي يسرب الضوء

إلى عينين ساكنتين في السماء العميقة الزرقاء

يباريني شيء لا أعرفه،

في الليل قد يكون ذئباً جليّاً

في النهار،

شبحٌ بهيئتي

الليل واضحٌ والنهار مبهمٌ

أخّاذٌ يشعل فضولي

بوسع الجواد أن يفوز

بوسع الدم الدافئ أن يؤوي الذكريات

بوسع العالم أن يكون عالماً

تعود المياه إلى الجداول

وعلى ذؤابات شجر الدلب تحط الطيور المغردة

‏***

فارس مطر – برلين

30.03.2026

نسجت من دمعها شالا تجمّلْ

ثمّ قالت:

" خذْ تدثّرْ...

فيه عطري.."

لثمتْ زنده شوقا وحنينا،

وضعت في كفٌه الغضّ مدادا

وعلى يمناه وردا وسلاما

قطفت من عينها زنبقة ثمّ استدارت

خاطبت عينيه، قالت:

" جبل الزيتون يرعاها، فخذها حيث تمضي.."

ومضى أيّوب عصرا يتعجّلْ

يرسم الحلم على وجه المرايا

برتقالا ونخيلا..

جبل الزيتون أضحى مهرجانا لحياة

نبضها عطر.. وشال..

راقصته..

هطلت من عينها دمعة عزّ..

دمعتان...

مجّها الشّوق فقالت:

" لثرى الزيتون لون الزيت في القلب..

لست وحدي

من رجا صبحك يا قدس

قد رجاه الموت قبلي..

ذاك يا أقصى أريجي..

ذاك شالي..

قد أتاك اليوم يسعى..."

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي - تونس

بَـعـد طول اِنـتـظـارٍ يَـجُودُ الـقَـدرْ

قدِمت تَـرفُل. مِـن بَـعـيد السّــفـرْ

شَـوقُـها قَـد دَعَـا. مَا ثَناها خَـطـرْ

في شَهيلٍ شَوى. أو بسَـيْـلِ المطرْ

وَعـدت أنـجـزت. رُب وعـد لـحُــر

مــثـلــهـا درة. مـن بــديــع الــدرر

عند شمس الضّحى أقبلت في حَذرْ

لا رقـيــبٌ رأى. فـسريــعًـا تــمُــرْ

رَفرفت خَطْوَها. كالشّـذى قد عَـبـرْ

وردةٌ أيْــنـعَــت. والرّبــيعُ ازدهــرْ

حُـسنُــها فـائــقٌ. بَـهـجـةٌ لـلــنّـظـرْ

بِـــقَـــوام بَــــدا. مائــسًـا كالـزَّهَـــرْ

مِـن سَـنـا وجهِـها. الـبَـهاءُ اِنـتثـرْ

فسَبحـنـا الصفا. وسَلونا الــكـدَرْ

وارتقـيْنا السَّما. فـوق دُنـيـا البـشـرْ

فمشيْنا النّـجـومْ. وعَـدوْنـا الـقـمـرَ

في جِـنان الهـوَى. كم قَطفنا الـثَّمَرْ!

***

سُوف عبيد - تونس

 

في صباحٍ رمضانيٍّ بدا ساكنًا أكثر مما ينبغي، كأن الزمن قد خفّف وطأته ليمرّ متخفيا بين عموم الناس، كان الرجل جالسًا إلى طاولةٍ خشبيةٍ قديمة، يقلب بين أوراقٍ صفراء لم يعد يتذكّر متى بدأ يجمعها. كانت كل ورقة تحمل آثار محوٍ متكرر، كأنها نجت من قرارات لم تُنفّذ أو أُلغيت في اللحظة الأخيرة.

منذ زمن، تعلّم أن يختصر العالم في جملتين.

حين طُرق الباب مرتين، فقط مرتين، رفع رأسه ببطء. لم يكن الطارق مفاجئًا، بل بدا كأنه متأخر. نهض، وفي داخله إحساس ثقيل بأن هذا الطَّرْق قد حدث من قبل، أو كان ينبغي أن يحدث منذ زمن ولم يحدث أو حدث بشكل آخر.

فتح الباب. امتدّ أمامه الحقل الأخضر، لكن لونه كان باهتًا، كأن الحياة فيه مؤجّلة. في الأعلى، كانت الغيوم متراكمة على نحوٍ غير طبيعي، لا توحي بمطرٍ، بل بشيءٍ يشبه الامتناع عن المطر. وكأن السماء، مثل الأوراق التي على طاولته، اتخذت قرارًا ثم تراجعت عنه.

سلّمه ساعي البريد ظرفًا دون كلمة، ومضى.

ظلّ الرجل واقفًا عند العتبة، ينظر إلى الختم. ذلك الشمع لم يكن غريبًا عليه. مرّر إصبعه عليه ببطء، كما لو كان يتحسّس أثرًا قديمًا.. أو مسؤوليةً لم تُدفن جيدًا. فتح الظرف. ورقة واحدة. خطّ كوفيّ متماسك، لا يرتجف، لا يتردد، كما لو أن كاتبه لا يعرف الشك.

قرأ: .. توقّف. ابتسم ابتسامةً واهنة، لا فرح فيها ولا سخرية. فقط اعترافٌ متأخر بشيءٍ كان يعرف أنه سيعود. أعاد قراءة الجملتين، هذه المرة بعينٍ مختلفة، لا تبحث عن المعنى، بل تتحقق من التطابق.

"لم يغيّروا شيئًا.." تمتم، بالكاد.

عاد إلى الطاولة. نظر إلى أوراقه القديمة. بعضها كان يحمل بدايات قرارات، وبعضها الآخر نهاياتٍ مبتورة. وفي الهامش، بخطٍ يشبه الخط في الرسالة، كانت تتكرر صياغات مختلفة.. لنفس العبارتين.

عندها فقط، بدأ الصوت. لم يأتِ من الخارج. لم يكن هتافًا جماعيًا كما تخيّل أول مرة. بل كان أشبه بتذكّرٍ قاسٍ، كأن الذاكرة نفسها قررت أن تتكلم دفعة واحدة.

"يا عمي.. أين اختفيت؟"

"نحن في أمسّ الحاجة إليك.."

أغمض عينيه. هذه المرة، لم يشعر بالخوف. بل بشيءٍ أقرب إلى الإرهاق.

نهض ببطء، واتجه نحو النافذة. كانت الغيوم قد اقتربت أكثر، حتى خُيّل إليه أنها تلامس السطح. للحظة، راوده يقين غامض أن ما في الخارج ليس سوى انعكاسٍ لما لم يُحسم بعد في الداخل.

التفت إلى الطاولة. الورقة الجديدة اختفت. لكن إحدى الأوراق القديمة كانت مفتوحة، وقد أُضيفت إليها جملتان.. بخطّه.

تقدّم نحوها، قرأهما، ثم سحب الكرسي وجلس. أمسك القلم. تردّد قليلًا. ثم شطب إحدى الجملتين.

رفع رأسه نحو النافذة. في الخارج، لمع البرق.. دون أن يتبعه صوت.

***

قصة قصيرة

الحسين بوخرطة

شُكراً لِكُلِّ قَصيـدَةٍ قَد قُلتُها

كانَت لِقَلبي بَلسَماً وَشِفاءا

*

إِن لَم تَكُن تَبْري جِراحاً غائراً

لا تَدَّعِي مَجْداً وَلا أَضْواءَا

*

فَالشِّعْرُ نَبْضٌ لِلْجِرَاحِ طَبِيبُهَا

يُهدي لِروحي الصَّبرَ وَالآلاءَا

*

يا حُسْنُ ذِكرُكَ في الحَنايا لَم يَزَل

بِدُعائِنا نَسْتَمْطِرُ العَلْياءَا

*

وَنِدَاءُ (يَا حَسَنُ) الَّذِي أَلِفَتْ بِهِ

مِنِّي الحُروفُ مَرارَةً وَبُكاءَا

*

وَدَفَنْتُ بَعضِي في تُرابِكَ حِينَما

وارَيْتُ حُلماً طاهِراً وَنَقاءَا

*

يا قِطْعَةً مِنِّي رَحَلْتَ بِمُهْجَتي

وَتَرَكْتَ لِي بَعْدَ الرَّحيلِ عَناءَا

*

يا (حُسْنُ) كَيفَ نَموتُ بَعدَكَ مَرَّةً؟

مُذ غِبتَ صَارَ العَيشُ فيكَ بَلاءَا

*

قَد كُنتَ عُمري، كَيفَ يَرحَلُ عُمرُنا؟

وَيَظَلُّ جِسمِيَ مَيِّتاً أَحياءَا!

*

أَمشِي وَظِلِّي لا يُفارِقُ حُفرَةً

ضَمَّتْ رَبيعاً طاهِراً وَنَقاءَا

*

ما حِيلَةُ المُشتاقِ عِندَ رَحيلِهِ؟

أَنْ يَسكُبَ الدَّمْعَ المَريرَ رِداءَا

*

وَغَدا نَهاري بَعدَ فَقدِكَ مُوحِشاً

كَاللَّيلِ يَملأُ مُهجَتي ظَلماءَا

*

يا (حُسْنُ) خُذ مِني بَقِيَّةَ مُهجَتي

ما عادَ عيشي بَعدَكُم إِغواءَا

*

أَبكي ربيعاً غابَ قَبلَ أَوانِهِ

وَأَظَلُّ أَسأَلُ رَبِّيَ اللُّقياءَا

*

مَرَّتْ سِنِينُ الخَمْسِ وَهِيَ سَرِيعَةٌ

فَكَانَ جُرْحِي لَوْعَةً خَرْسَاءَا

*

ما غَابَ طيفك عَنْ خَيالِيَ لَحْظَةً

بَلْ زَادَ فِي صَدْرِي الشُّجُونَ مَضَاءَا

*

خَمْسٌ مَضَتْ وَالقَلْبُ يَنْزِفُ فَقْدَهُ

وَيَرَى اشْتِيَاقِي لِلِّقَاءِ دَوَاءَا

***

د. جاسم الخالدي

الخميس ١٩ /٣/ ٢٠٢٦م - ٢٩/ رمضان

ليستْ كما نشْتهي الدُّنيا فيا قلبُ

هيّا بنا لدنىً يَقضيْ بها الحبُّ

*

شِبنا معًا أنتَ تُهدي قُبلةً وأنا

أُهديكَ عُمرًا فأشقتْ حبّنا الحَربُ

*

ذُبنا مغا أنت تُعطي دفقةً وأنا

أُلقيكَ شِعرًا فأخفىْ صوتَنا الضّربُ

*

ضِعنا معًا أنت تَخطو خطوةً وأنا

أُعطيكَ حُلْمًا فأدمىْ خطوَنا الدّربُ

*

يا قلبُ لنْ يعرِفوا معنىً لنا وهمُ

يرونَ أنّ لنا ربًّا وهُمْ عُرْبُ

*

يا قلبُ لنْ يسمَعوا بيتًا لنا فلَقدْ

تيقّنوا أنّنا طهرٌ وهُمْ ذنبُ

*

يا قلبُ لنْ يفهَموا شكوًا بنا ولهُمْ

أرضٌ وليسَ لنا في أرضِنا شعبُ

*

أما تعبتَ من الدّنيا وأكؤسِها

قد باعها الشّرقُ كي يُسقي بها الغرْبُ

*

ما الغربُ؟ باللهِ قلْ لي ما هوَ الغربُ؟

إن قلتَ ليْ "بشرٌ" فالشّرقُ ذا ربُّ

*

أينزلُ الربُّ للعبدانِ عن وطنٍ؟

لا يقبلُ العقلُ ما يلْقى ولا القلْبُ

*

يا قلبُ عجّل سئِمتُ السّيرَ فوقَ ثرىً

قدْ غارَ مع أمسِه سَلسالُهُ العذْبُ

*

أينَ المياهُ الّتي أروتْ هوابِرَنا ؟

أينَ الظّلالُ التي آوىْ لها الشبُّ

*

لا ظِلَّ ظَلَّ يردُّ النّارَ عن أمَلٍ

والماءُ لا غطْسةٌ تُبري ولا شُربُ

*

أيرجعُ المحضرُ الشرقيّ من صوري؟

أيرجعُ الأهل والجيرانُ والصّحبُ؟

*

أيرجعُ الملعبُ الليليّ من قصصي؟

أيرجعُ اللّهو والسّاحاتُ واللّعْبُ؟

*

إلى دنىً غير ذي الأحبابُ قد رحلوا

وعندَ غيرهِمُ لنْ يُوجدَ الحبُّ

***

أسامة محمد صالح زامل

 

كلُّ عامٍ وأنتَ أنتَ العراقُ

رغمَ شعبٍ قد دبَّ فيهِ الشِّقاقُ

*

أنتَ أرضٌ عظيمةُ الخيرِ لكنْ

بيدِ الشعبِ للهلاكِ تُساقُ

*

أنتَ أرضُ الصراعِ في كلِّ حربٍ

منكَ يُهدى القربانُ والأرزاقُ

*

أنتَ نهرانِ من دمٍ ونخيلٌ

من ترابٍ حصادُهُ الأعناقُ

*

أنتَ وادٍ منَ الجماجمِ تحكي

قصةَ الغدرِ حينَ خانَ العناقُ

*

أنتَ منفىً وصرتَ تُدعى بلاداً

وحبيبٌ وعنهُ حانَ الفِراقُ

*

أنتَ لفظٌ يعادُ فينا سنيناً

دونَ معنىً تبكي لهُ الأحداقُ

*

مثلَ لغزٍ مُستصعَبٍ قد أطلنا

نظراً فيهِ نالنا الإرهاقُ

*

فتركناهُ بل نسيناهُ حتّى

جاءَ يومٌ وبانَتِ الأوراقُ

*

راحلٌ عنكَ كي أراني فمثلي

تُسرِجُ الغيمَ تحتَه الآفاقُ

*

لستُ أرضى مُقامَ دارِ هَوانٍ

بلْ رياضٌ وجدولٌ رقراقُ

*

كلُّ أرضٍ وطِئتُها تتباهى

بقدومي ينالُها الإشراقُ

*

راحلٌ عنكَ لو لآخِرِ يومٍ

بحياتي وما إليكَ اشتياقُ

***

د. عبد الله سرمد الجميل

 

الألوان:

كائنات أنثوية خرجت للتو من

مطر السحاب، وكلما دنت

منها السماء تزداد ارتفاعاً وشموخاً

الألوان:

لا تهاجر هي الطيور

أينما سافرت لها الفضاء مرتعاً

متوحدةٍ فيه الى أبدية لا تنتهي

من الروعة.

الألوان:

لا تومئ إلى زمن ذابل ولا شجن

قادم

ولا هي معنى للجمال أو للقبح

هي عرض أزياء احتفالي

لاشتقاق ما هو مباح من الطبيعة

فيها يهيج الحنين إلى

الوصف والدهشة

الألوان:

استيقاظ الحواس وراء شرفة زجاجية

واسعة المدى ترشد العين

ما ينتظر القلب من سكينة ورحمة.

الألوان:

إنبِلاج الصباح على خدود الأزهار

و الأحراش البرية الوحيدة في عزلتها

الشوكية.

الألوان:

نداء عروق الرخام في واجهات البيوت

وانتقاء الكلمات للفرح والحزن

وللقصيدة أجنحة..

الألوان:

كامرأة تتعرى على

مهلها في خيال عاشق

معنى من معاني

الغيوم، وتغير مزاج الحياة

المتقلبة.

***

عارف عبد الرحمن

 

(دخان)

لم تقلْ كلمة بعد

ليست لكَ خطوة

لا غيمة تظلّلُك

لا يتبعُك غزال، لاحظْ

كلّ الأسماء التي تعرفها

تلمع وتختفي

تظلّ وحدكَ في الليل

تراقب أسماء تهوي

إلى غبارِها الكوني

*

لاحظْ

كلّ عمرك سيجارة

أدقّ مِنْ إبرة، يحرقها عابر.

**

(مدنٌ)

سأعبّئ في عينَيّ مدناً

تنهضُ مِنْ حرائقِها وتصهل

*

سأصافح الذين هزمتُهم

والذين هزموني والذين سيضحكون

*

مِنْ كلّ حانة سأقطف صخباً

ضحكةً، وردةً، كأساً صغيرة

*

وغيركِ

سأعانق في الليل

مرتعِشاً لاكتشافات المرتحل

في المدنِ الحقيقيّة.

**

(مجنون)

الغريبُ

يمسّد شعرَ الوحدة

يظنّ أنّ الله قريب

فيقصّ القصص

*

يظنّه العابرون مجنوناً

فيصمت

**

(صراخ)

أفضّل لو تصرخ

لكنّكَ حتى في جحيمِك

مهذّب جدّاً.

**

(غرباء)

مشوا إلى المدينة

مِنَ الجبالِ البعيدة

حفاةً خلف جنازة صامتين

كانت أقدامُهم تبعثرُها الرياح

وحقولُهم تختفي خلفَ عيونٍ ماطرة.

**

(زاوية)

لستُ أنا

لأجمعَ الغيم في يدي

وأنثرَه فوق بلادٍ حزينة

لأصنعَ الفجرَ مِنْ دمي

مِنْ هديرِ البحرِ تائقاً إلى خلاصه

لستُ أنا ليطرحني العشقُ

على بساطِ المدى

فتحْتُ للنهرِ بابَ حياتِه

أرويتُ الطيرَ، أرعيتُ الغزالَ

أشممتُ الريحَ عبقَ الزهور

فتحتُ المدينةَ للحفاة

وتلفُّني الزاوية.

**

(نافذة على البحر)

النهرُ يغمرني

وأنا ثمرةُ الأرضِ العاشقة

تكتبُ الرياحُ على وجهي أنغامَها

والمدى تشيّعُه نظراتي

*

تدورُ الأرضُ ليدي

التي تمسك الفصولَ

مبتهجةً بالريحِ

والمطرِ والزهرِ والحقول

وبيدي أرفعُ النجومَ

أطلقُها في السماوات

لأحتفلَ بالمسافة

*

مرّةً كنتُ الغابة

مبتدئاً بالغصون

سيّداً في مملكةِ النبات

أحملُ رؤوسَ الشجرِ إلى أعلى

وأنامُ كالطير محروساً بالنسائم

*

مرّةً كنتُ المغاور والصخور والوديان

مسبوقاً بحذرِي في مملكةِ الحيوان

وبناري التي أشعلتُها بحجر

لأغيّر صوتي

*

ومرّةً كنتُ الحقولَ في سهولِ العالم

المتفتّحِ بأصابعي الرشيقةِ وظهري المستقيم

تجلدُني السياطُ وأطعِمُها خبزاً

لتسمنَ وأنحل وأنتقم

*

الآن أُكملُ دورةَ عمري

يصدِّعُني الحديدُ بعجلاتِه

يملؤني النفطُ لأتخثّرَ بالكربون

يجتاحُني الوحلُ

لينامَ في دمي الرصاص

ليشدَّني الحجر

*

أُكمِلُ دورةَ عمري

لأفتحَ نافذةً على البحرِ

وأسابقَ الريح.

**

(خلل)

إنّه الطقس

يمشي على عكّازين

يتنفّس بمنخارين

أوكسجين

وثنائي أوكسيد الكربون.

**

(بينكم)

حدّاد

يحدّد في رأسي

رسّام

يلوّن تحت عينَي

مجنون

يخرج منّي

ومجنون

يقرع ليدخل

فيا قضاة

لا تخاطبوني بـ "أنتَ"

أنا جماعة

ولا أعرفُ كلَّ جماعتي

بينهم مجرم

لكن حين تصدرون الحكمَ عليّ

يكون المجرم

بينكم.

**

(حيث الذئب)

أنا أيضاً

طيري لم يعد

من رحلته

بعد

أبحثُ بصمتٍ عن نجمةٍ

أضاءتْ مرّةً

واختفت

رأيتُ فراشاتٍ تُذبح

أحلاماً مرتجفةً، موحلةً

في أزقّةٍ غريبة

رأيتُ عرباتٍ يدفعها النمل

وعسساً يسرقونَ حمولتها

أرتقُ الثقوبَ بالجنون

الممسوسُ بعشقِ الشمس:

رفيقي

النمرُ الجائعُ، الأكتعُ:

رفيقي

المحقونون بالنسيان:

رفاقي

والصحراء لي

المطرُ الأخضرُ

الطالعُ في السفوح

حيث الذئب

منتظرٌ طيراً لم يعد

*

أخرجُ

من الغبار

وأجرُّ عمياني.

***

شوقي مسلماني

في المساء الذي بدا أطول من عمره، جلس عبد السلام أمام الطاولة الخشبية، يحدّق في ساعة رملية قديمة. لم تكن أداة فحسب؛ كانت شيئًا يشبه الاعتراف. اشتراها قبل سنوات من سوق عتيق في فاس، يوم كان يظن أن الزمن يُقاس… لا يُعاش.

قلبها ببطء.

انهمر الرمل من الأعلى، كما لو أن شيئًا داخله قد انكسر وبدأ يتسرّب.

لم يكن عبد السلام رجلاً عاديًا. كان مدرسًا أنهكته الحياة، لا من كثرة العمل، بل من ثقل الذكريات. منذ وفاة زوجته، صار الزمن عنده كتلة صامتة، لا تتحرك إلا في هذا الكائن الزجاجي الصغير.

في كل مساء، يجلس أمام الساعة الرملية، يراقب الحبيبات وهي تسقط. لم يكن يقيس الدقائق، بل كان يحاول أن يُبطئ شيئًا لا يُبطأ.

قال لنفسه ذات مرة:

"لو توقفت هذه الحبيبات، هل سيتوقف الألم؟"

لكن الرمل لا يسمع.

في تلك الليلة، حدث شيء غريب.

بينما كان يراقب تدفّق الرمل، لاحظ أن بعض الحبيبات توقفت عند العنق الضيق، كأنها ترددت. اقترب أكثر. وضع عينه بمحاذاة الزجاج.

رأى… وجهًا.

تراجع مذعورًا، ثم عاد ببطء، كمن يخشى أن يكون قد رأى الحقيقة. كان الوجه مألوفًا، متعبًا، لكنه حيّ.

إنها هي.

زوجته.

كانت تنظر إليه من داخل الساعة، كما لو أنها محبوسة بين حبيبات الزمن. شفاهها تتحرك، لكن لا صوت. فهم منها جملة واحدة فقط، كأنها كتبت داخل روحه:

"لم يمت شيء… أنت الذي توقفت."

ارتجفت يداه. أمسك الساعة بقوة، وكأنها قد تسقط.

صرخ: "كيف؟ كيف أخرجك؟"

لكن الرمل عاد يتدفق، أسرع من قبل، وكأن اللحظة ترفض أن تُحتجز.

الذروة

بدافع جنوني، قلب الساعة… ثم قلبها مرة أخرى… ثم ثالثة.

في كل مرة، كان يأمل أن تعود تلك اللحظة، أن يتوقف الرمل عند العنق، أن يظهر الوجه من جديد.

لكن شيئًا لم يحدث.

إلا أنه لاحظ شيئًا آخر.

الرمل في الأسفل… لم يعد كما كان. صار أكثر. أكثر مما يفترض أن تحتويه الساعة.

اقترب، ولمس الزجاج. أحس بثقل غريب. كأن كل لحظة عاشها، كل ذكرى دفنها، كل ألم تجاهله… قد تجمّع هناك.

وفجأة، سمع صوتًا خافتًا، ليس من الساعة، بل من داخله:

"أنت لا تفقد الزمن… أنت تتراكم فيه."

في الصباح، وجده الجيران ممددًا على الأرض، والساعة الرملية مكسورة بجانبه.

لكن الغريب… أنهم حين اقتربوا، لم يجدوا داخلها أي رمل.

كانت فارغة تمامًا.

أما وجه عبد السلام، فكان هادئًا بشكل لم يعرفوه من قبل. كأنه أخيرًا… توقّف عن العدّ.

وفي زاوية الغرفة، على الطاولة الخشبية، كانت هناك ورقة صغيرة، كتب عليها بخط مرتجف:

"حين حاولت أن أُمسك الزمن… اكتشفت أنه كان هو الذي يمسك بي."

***

حسن لمين

مساجلات شعرية* تونسية بين ثلاثة شعراء: الشاعر عادل الهمامي، الشاعر أبو البيرق عمر الشهباني، والشاعر سُوف عبيد

***

الشاعر عادل الهمامي ـ قصيدة يوميات شاعر فقير

أجــــــــوب الشــــوارع مثل الكلامِ

وفـي الجيــــب قفرٌ وبعض الحرامِ

*

أفكّرُ فـــــــــــــــي عصرةٍ من نبيذٍ

وفي النــــــاس والأغنيات الجِسـامِ

*

أدخّنُ تيهـــــــــــي، ومـــا قد تبقّى

من الحلم والشدو والانقســــــــــامِ

*

ولستُ أمــــــــــارس نفسا كنَفْسِي

ولا حبّ لـــــــي في فراشـي المُقامِ

*

فلا قهوتـــــــــــي قد أتتْ بالجديــدِ

ولا جلستـــــــــــــي قد أتتْ بالمُدامِ

*

وفَقْري علـــــى الفقرِ، زاد حريقي

وأمْوالُ حبـــري اعتراها اقتسـامي

*

لِما بين ديْنٍ ومـــــــــــا بين عيشٍ

وما بين فوضـى احتواها انهزامي

*

أنا من زمــــــــــــــــانٍ أكرّر حلمًا

وحلمي يغـــــــــادرُ مثل انسجــامِي

*

تعبتُ من الفقر والأمنيـــــــــــــات

تعبتُ من العشق مثل الغمــــــــــامِ

*

فكلّ الأحبّة غــــابـــــــــــوا كطيفٍ

سقاهُ الذّبـــــــــــولُ، فتاهَ احترامِي

*

أعيشُ، كمنْ لا يعيــــــــــشُ البلادَ

برغم الحروف النبيـــــــــذ الحُسامِ

*

وأُصغـــــــي، كمنْ لمْ تَعِشْهُ الحياةُ

وأمشــــي إلى الصبح دون احْتدامِ

*

أعيشُ من الشعر والأغنيـــــــــات

وبعض المقـــــــــــالات والابتســامِ

*

أؤثّث بعض الأمــــــــــاسي قصيدًا

وفي الصّبحِ أسعـــــــى لبيع كلامِي

*

وأتعبُ مثل نشيــــــــــدي وصوتي

وفي الظّلمـــــــــــات يطيـر حمامِي

*

فبالشعر تأتــــــــــي المراحل شتّى

ولكنْ، بصبر الجِمــــــــــــال القوامِ

*

فلستُ من المـــــــــــاكثيـــــن بظلٍّ

ولست من الراكديــــــــــــن النّيــامِ

*

ولكنْ عزيـــــــــــز أصيــــلٌ كذاتي

وأصلـــــــــــي شريـــف ككلّ هُمامِ

*

أنا لن أتـــــــوب عن الشعر، إنّي

زعيم القصيــــــــــــد، وهذا كلامِي

***

قصيد الشاعر أبو البيرق عمر الشهباني

إلى الشّاعرعادل الهمامي

تصعلك مع الفقر عند العــــــوامي

أيا شــــــــــــاعرا بالكلام العصامي

*

وفكّر بعصر النبيـــــذ المحلّــــــــى

وغنٍّ الأهــــــازيــــــج مثل الحمام

*

وجب في بقـــــــــاع الحوانيت ليلا

كمن لم تسعه الدّنَـــــــــــــى للقيام

*

فتلك الشّـــــــــــــوارع كم مرّ فيها

من الكبريـــــــــــــاء العزيز المُقامِ

*

وعــــــادت إلــى القصر بعد امتداد

كمن شد مهراتهـــــا باللّجـــــــــام

*

فلا الفقه فيـــــــها تمطّـــــى سعيدا

ولا الوعي يسمو علــى كل سامي

تسكّع فهذا الزّمــــــــــــان الحزين

قَد اشتَـــــاق لليـــــــــافعين العظام

*

ودخّن لُفَـــــــاف المرار العميـــــق

وغمّس فراغ الأنَــــــــــــــا بالإدام

*

وطف فالمـــــــــــدائن لا خير فيها

إذا لم يصن شعـــــــــــرها باحترام

*

وجـــاع القريض لنبل المعــــــاني

وضـــاع الشّوادي بوحل الزّحَـــــامِ

*

وصــــار الأديب نزيــــــــل المجاز

ويخشى علــــى النّفس نبس الكلام

*

فمــا عــــاد في القوم رأي سديـــد

وأخلــــى الحلال الفضــــــا للحرام

*

تصعلك فهذي البـــــــــلاد استعدت

لدفع المغـــــــــــــــازي هنا بالنّيام

*

وضع عشرنا فــــي خدود العذارى

وقم للــــــــــــــــوداع لهم بالسّلامِ

*

فإنّي أرى الشنفرى في الحجــــــاز

وكل الأصــــــــــــــول التي بالشّآمِ

*

ووادي 'الرّبـــــاط' انثنى عن مداه

ونيل الكنــــــــــــانة بالوحل طامي

*

أراهم جميـــــــــــعا بوادي الجفاف

قيانًا تغطّــــــي 'الأنا' بالغمَــــــــام

*

فلست الوحيــــــــــــد الذي ضيّعوه

ولست الأخيـــــر الذي في الضرام

فهذي المدائــــــــن تأتِـــــــي بنيها

على الخوف والجــوع في الالتهام

*

فصعّر خدودك فــــــــي الشّعر أنت

" زعيم القصيـــــد، وهذا كلامِي"

***

قصيد الشاعر سُوف عبيد

خَليليَّ عُوجَا على مُستهامِ

وبالشّعر أمسى عظيمَ الغرام

*

فخمسُون عامًا وعَشرٌ هواهُ

وشَابَ ومَا شابَ قلبُ اِضْطرامِ

*

فَسِيرَا على الدّربِ دربِ الحُروفِ

تُشِعُّ بنُورٍ لقَهر الظلامِ

*

وذا عصرُ ظُلمٍ وزيفٍ يسُودُ

وما الشّعرُ إلا مَلاذُ الكِرامِ

*

يُنادون خَيرًا لكُلّ الشّعوب

بحُريّةِ الفِكر دُونَ لِجام

*

وبالعَدلِ شَرْعًا سَتحلُو الحَياةُ

وكالطّير نشدُو لفَجرِ السّلامِ

***

.........................

* تُعتبر المساجلات بين الشعراء غرضا شعريا قديما  ويندرج ضمن فن المعارضات وقد نشر الشاعر عادل الهمامي قصيدة تنسج على منوالها الشاعر أبو البيرق عُمر الشهباني ثم واصل على نفس النسق الشاعر سُوف عبيد فالقصائد الثلاث لئن وردت على نفس البحر والقافية وحامت حول معاناة الشعر ومكابدة الشاعر إلا أن كل قصيدة منها تمتاز بخصائص ذاتية فكأنها جواهر مختلفة ضمن سلك عقد واحد

وما بينَ صعبٍ وصعبٍ

صعابٌ تجرُّ صعابْ

وهذا المدى، عقيمٌ بطبعِهِ،

يبوحُ بسترهِ

فيُغري الخرابْ

يضيقُ على الحُلمِ حتى يذوبْ،

وإنْ طالَ اسمُ اتّساعِ البلادْ،

هناك جنوبٌ جديدٌ

يُعرّي الحدودْ،

يقلّبُ في مقلتيَّ غروبْ

ولا يستريحُ من النظرِ

إلى الموتِ المُشتهى

أو يتوبْ

تعانَقَ فينا ضجيجُ الحروبْ،

فصارَ لنا نسبٌ

من رمادِ الغيابْ،

وألقابُ حزنٍ تُدوَّنُ

فوقَ الجباهِ:

تتالتْ علينا الندوبْ،

وبتنا نُرتّلُ أسماءَنا

في سجلاتِ فَجْعِ الزمانِ النَّهوبْ

كأنَّ الانكساراتِ طبعٌ،

وصرنا نُهذّبُ أوجاعَنا

بالصمودِ الذبيحْ،

ونصنعُ من دمعِنا خبزَ يومٍ،

ونأكلُ من صبرِنا

في الدروبْ

لكثرةِ نزفِ الدماءِ،

تصاغرَ فينا السؤالُ الكبيرْ:

أهذا الذي نحنُ فيهِ حياةٌ؟

أم الموتُ ثوبٌ

نسيرُ بهِ للهروبْ؟

تلطّفْ بنا يا إلهي،

لقد صرنا ثكلى يتامى الذنوبْ.

على عتباتِ الرجاءِ المؤجَّلْ،

نُلوّحُ للغيبِ:

هل من جوابْ؟

ويمسحُ شمسَ البلادِ الغروبْ،

كأنَّ النهارَ اعتذارٌ قصيرٌ

عن الليلِ

ثمّ يعودُ

ليَكتمَ فينا الشروقْ

وحتى الطفولةُ باتتْ

يباسًا،

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

كانت مكتبة «خورشيد» كشكًا صغيرًا في أحد أركان العالم، وكأنها قطعةٌ من الزمن عُزلت عن كل شيء. كانت رائحةُ الورق المعتّق تعبق في الهواء،مثل صندوقٍ من الخشب العتيق تملأ المكان برائحة الأجداد وسيرتهم المعلّقة بين طيّات الكتب والصور المصفَرّة. على الجدران التي عرفت خيباتِ آمالِ الأجيال الماضية، صورٌ لمشاهير من زمنٍ مضى تنبض بصدى ذاكرةٍ لا تنقطع.

بين صورةٍ لزعيم وأخرى لموسيقي أو كاتبٍ معروف، جلس خورشيد في ركنٍ منها، وقد تحوّل هو نفسه إلى ورقٍ وحبر، أو هكذا شعر آنذاك، محاطًا بجدرانٍ مرصوصةٍ بالكتب التي تحتوي في صفحاتها أرواحًا مجففة، وكأنها أطيافٌ خفية تتجوّل في باحة الوقت والمكان. منذ مدة، وذهنُ خورشيد جثةٌ في بحرٍ من الذكريات، تطفو كأطيافٍ شبحية تحت ضوءٍ خافت. تذكّر الأصدقاء الذين غابوا أو غُيِّبوا، ومن غيابهم الأصدقاء الذين ذابت آثارهم كأوراق شجرٍ ضائعة في عاصفة ريح، تاركين خلفهم ضحكاتٍ صارت صدى لماضٍ بعيد.

المدينة الهرِمة التي كان يراقبها من خلال نافذة المكتبة بدت وكأنها تلبس ثوب الخريف، حيث تتساقط أوراق الأشجار كرسائل من ورقٍ أصفر ملوّن، تحمل توقيعات العشاق في رواياتٍ رومانسية. انتشر اللون الذهبي في الأفق كغبار الشمس في لحظات الغسق، وأحاطت الغيوم بالسماء كأنها تعزف لحنًا خفيفًا من ذكرياتٍ قديمة وألمٍ غامض، وكان الهواء البارد يدفع بمشاعرَ منسية إلى الدوران في طاحونة الذاكرة.بلمساتٍ خفية مرّر بخاطره شريطًا من الفرص الضائعة والأحلام المتلاشية التي تراكمت على الرفوف. «ماذا لو؟» كان هذا السؤال يطارده في أزقّة ذاكرته كظلٍ يتراقص مع الريح. تذكّر اختياراته الخاطئة، تلك اللحظات التي انزلقت من بين يديه كعناصر حلمٍ يتلاشى عند الاستيقاظ. ومع كل ذلك، كانت هناك طمأنينةٌ دافئة تحتضن قلبه، كأنها موقدٌ مشتعل في غابةٍ يلفّها الظلام. تلك الطمأنينة التي تجعله يرى المستقبل كلوحةٍ بيضاء فارغة تنتظر ضربات فرشاته لتأخذ شكل الأحلام الجديدة، وتبعث فيه الأمل بأن الغد سيكشف عن أبوابٍ إلى عوالم غير مرئية، وأن الأمنيات التي في سبات الآن ستعود وتتدفّق بدمٍ حار مع بزوغ الفجر.

وقف خورشيد هذه المرة بهدوءٍ وبطء، وأغلق الكتاب برفق، كمن يودّع صديقًا قديمًا بأسرارٍ لا تُفصح. مُدركًا أن الحياة ليست سوى صفحاتٍ تتحوّل، وكل صفحة تحمل في طيّاتها ألوانًا جديدة ومشاعر تتجسّد كأشباحٍ في مرآة الوعي. رغم أن بعض الأحلام قد تفتّتت كجزيئات ضوءٍ في تدفّق الزمن، وأن الفرص قد تلاشت في أفقٍ يبتعد كل ثانية، وجد نفسه أحجيةً سحرية تتلألأ في أعماقه كنجومٍ تنتحر.

عندها خرج خورشيد من أعماق حيٍّ قديم بدا وكأنه معلّق بين الزمان والمكان، ووجد نفسه في أحشاء مدينةٍ غريبة، مدينة بلا مشيمة أو حبل سري بالماضي، لكنها تعده بغدٍ يمزج بين الواقع والحلم.

***

ياسين غالب

روىْ المجدُ حكايتَهُ فلمّا

روينا احْمرَّ من خجلٍ وقالا:

جُعلتُ فداكمُ لكنّ شكًّا

تخلّلَ مهجتي وأبى العدولا

تعقّبَ خطوَه في الجسمِ همٌّ

تسنّمَ هامتي وأبى النّزولا

وأين يحطّ شكٌّ حطّ همٌّ

ترقّبُهُ لعمرِكَ لنْ يطولا

وإن كثُرتْ دواعي الهمِّ فينا

فوُلْدُ الشكِّ أغلظهُ نزيلا

فقلتُ إذا رويتُ روَوْا وعند الـ

ـحقيقةِ يؤثرُ الشكُّ الرّحيلا

فيحذو حذوَهُ همٌّ عرفتُ الـ

ـهمومَ فما عرفتُ لهُ مثيلا

وما شكّي سوىْ اسْمٍ لي غدا مذْ

سمِعتُ بكمْ على نفسيْ ثقيلا

وهمّي أنّه إن صحّ ظنّي

غدا عيشيْ مع اسمِي مُستحيلا

لأنتم عينُهُ ولقدْ أبنتُمْ

لِمن كان اسمُهُ المجدَ الدَّليلا

ولو عرفَ الّذي كنّانيَ المجـ

ـدَ ما المجدُ لأعطىْ اسْمًا بَديلا

ولو عرفَتْ بخلقِكمُ الرَّواسيُّ

ما انتظرَتْ دُهورا كيْ تقولا:

فلو كنّا علىْ الغيْبِ اطّلعنا

لقُلنا ربَّنا اجْعَلنا سُهولا

ولو عرفَتْ بكمْ أممٌ أُذِّلَتْ

لظلَّ دعاؤُها حتّى تَزولا:

فلو لحِقَتْ بنا أيّامُهم أوْ

قضَى فيها لنا الرّحمنُ جِيلا

بِكُم فُجِئتْ منىً أمست تظنُّ

الّذي حظِيتْ بهِ قبلًا قليلا

وهذيْ قدسكُمْ حظِيتْ بما قدْ

تُدانيهِ السَّما عرضًا وطولا

خيالٌ كمْ تزيَّنتِ المُنى كيْ

تروقَ لهُ فيأتيَها ذَلولا

فخُيِّبَ سعيُها فالحُسنُ إنْ لمْ

يكُنْ قُدسًا فلن يُرضيْ الفُحولا

وإذْ منَّ الكريمُ على شبابِ

الزّمان برُسْلِهِ منّا جَميلا

وآثرهُ بكم شيخًا ليُمسيْ

لسابقِهِ بذا المنِّ عَديلا

فما الثّقلانِ إلا هُمْ وأنتُمْ

ورأيُ الغيْرِ لنْ يلقىْ قَبولا

نصرتُمْ سيِّد الثّقلين حُبّا

وما هِبتُمْ عدوًّا أو خَذولا

تسابقتمْ لنُصرتِهِ كُماةً

وهُم أُممٌ بكمْ أمستْ فُلولا

ألا أكرِمْ بِمن نصَروهُ حيًّا

ومن نصروهُ شمسًا لنْ تمِيلا

ومُنكِركُم وقد أعْرضْتُ عنهُ

الّذي من قبلِكم نكرَ الرّسُولا

وغابِطُكم رأى خيرَ المنايا

منيّتكمْ وأقومَها سَبيلا

حباكمْ ربُّكمْ شرفًا رفيعًا

ولم يُؤثرْ بهِ إلّا قلِيلا

حملتُمْ همَّ أمّةٍ استُذلَّتْ

وصارَ فتيُّها رهِلًا علِيلا

وأعذبُ مائِها مِلْحًا أُجاجا

وأكرمُ تُربِها قحْلًا بَخيلا

وأشجعُ أُسْدِها ضبًّا خَدوعا

وأسطعُ نجمِها قزمًا أَفُولا

وأبلغُ وصفِها نقلًا وزورًا

وأشعرُ شعرِها شطَطًا هَزيلا

وأعلىْ صوتِها صمْتًا مُريبًا

وأقصىْ فعلِها صوْتًا عَويلا

وأكثرُ وقتِها لعِبًا ولهوًا

ومَبلغُ علمِها قالا وقيلا

بسيفكمُ يُتِمُّ اللهُ وعدًا

لهُ عشتُمْ وما حِدْتُم فتيلا

إذا من غمدِه استُلَّ التقيتمْ

ببابكمُ أخا الدّمِ والدّخيلا

لتقبيلِ الأياديْ، والخوافِ

إذا سمِعوا لهُ صوتًا صَليلا

ومن يخشَ الدّماءَ يعِشْ عميّا

ومن يهبِ النِّزالَ يمُتْ ذليلا

فلمّا صارَ ملمُوسًا تفكَّرْ

تُ في نفسيْ وفي كُتبِي خَجولا

حلفتُ بربِّكمْ ما عزّ فيها

سوى رجلٍ لهُ بتُّم قبيلا

وميّتكمْ شهيدٌ عند ربٍّ

كريمٍ ماتَ سُقْمًا أم قتيلا

وحيّكمُ اصْطفاهُ البيتُ خلًّا

ومنكمْ تصطفيْ القُدسُ الحَليلا

وأيّ اسمٍ تسمّيتُمْ بهِ صا

رَ بعد أنِ اسْتُهلَّ بكُم أثيلا

وأيّ اسمٍ تخيّرتُمْ كرامًا

لصاحِبكُم أقامَ لهُ احْتِفالا

***

أسامة محمد صالح زامل

 

كُنْ معَ الحقِّ، فالحقُ واضحْ..

لا تصوِّرْ سرابَكْ

عينَ ماءٍ

فكلُّ عليمٍ يرى في سرابِكَ محضَ سرابْ

لا تصادقْ ضبابَكْ

مقلُ العارفينَ ستبصرُ رغمَ الضبابْ

أنتَ ابنُ العراقْ

فكُنْ مِن اناءِ العراقْ

والاناءُ بِما فيهِ ناضحْ

***

شعر: كريم الأسدي

هَلْ يُوجَدُ أَسْوَأْ؟

مِمَّا وَصَلَ اَلْحَالُ إِلَيْهِ وَأَرْدَأْ؟

هَلْ يُوجَدُ أَقْسَى

مِمَّا حَلَّ بِنَا اَلْيَوْمَ وَأَمْسَا؟

أَسْئِلَةٌ تَعَبَى

تَنْهَالُ عَلَيْنَا ظَامِئَةً

غَضْبَى

هَلْ يُجْدِي أَنْ نَتَأَسَّى؟

هَلْ يُجْدِي أَنْ نَبْقَى نَسْأَلْ؟

كَيْفَ سَيَأْتِينَا اَلْمُسْتَقْبَلْ؟

هَلْ يَكْفِي أَنْ نَبْكِيَ، وَنَقُولْ

اَلْمُسْتَقْبَلُ مَجْهُولْ؟

أَمْ نَبْقَى نَتَأَمَّلْ

أُفُقًا مُهْمَلْ

وَالْأَيَّامَ تُفَارِقُنَا وَتَزُولْ

وَالْأَنْهَارُ بِلَا مَرْسى

تَمْضِي قُدُمًا، لَا تَتَحَوَّلْ؟

لَمْ أُكْمِلْ أَسْئِلَتِي

هَلْ تُكْمِلُهَا؟

أَجْيَالٌ تَأْتِي مِنْ بَعْدِي

لَا تَعْرَفُ عَنِّيَ شَيْئًا

وَأَنَا لَا أَعْرِفُهَا

هَلْ يَحْصُلُ هَذَا؟

أْمْ مَاذَا؟

***

شعر: خالد الحلّي

لم يأتِه الصباحُ هذه المرّة على هيئة خيطٍ من نورٍ يتسرّب إلى جفنيه، بل باغته بثقلٍ غامضٍ رابضٍ على صدره، كأنَّ صخرةً هبطت ليلًا واستقرّت فوق أضلعه دون أن توقظه. فتح عينيه على عتمةٍ كثيفة، فلم يرَ سوى سقفٍ متشقّقٍ تتوزّع عليه خطوطٌ متعرّجة، تشبه خريطةَ عمرٍ طويلٍ أنهكه الانتظار. اعتاد أن يُحصي تلك الشقوق حين يتأخّر عنه النوم، يعدّها واحدًا واحدًا، ثم يعيد العدّ كأنّ في تكرارها طمأنينةً ما، غير أنّها بدت هذه المرّة أعمق؛ كأوديةٍ تتّسع في داخله لا في الجدار.

صابر؛ الاسم الذي أطلقه عليه أبٌ كان يؤمن أنّ للأسماء ظلالًا تحرس أصحابها. لم يمهله القدر طويلًا ليختبر صدق ذلك الإيمان؛ رحل فجأةً، تاركًا الاسم معلقًا في عنق الابن كوصيّةٍ ثقيلة: اصبر. لكنّ الصبر، كما اكتشف صابر لاحقًا، ليس فضيلةً صافيةً كما تُروى في الحكايات، بل قدرةٌ على احتمال ما لا يُحتمل، وقد يتحوّل، إذا طال، إلى قيدٍ خفيٍّ يلتفّ حول الروح.

نهض عن فراشه الذي يئنّ كلّما تغيرت عليه حركة جسد أو تبدّلت جهةُ حلم.

إلى جانبه، تمدّد إخوتُه الصغارُ في نومٍ عميق، أنفاسهم تتصاعد وتهبط بإيقاعٍ مطمئن، كأنّ العالم لا يزال وفيًّا لهم.

في الزاوية البعيدة، كانت أمّه قد غلبها التعب، ونامت على طرف فراشها بثيابٍ لم تغيّرها منذ عودتها من تنور الجيران. كانت تقف هناك ساعاتٍ طويلة، تعجن الدقيق بيديها وتخبز أرغفةً ليست لهم، مقابل دنانير قليلة تكاد تتبخّر قبل أن تصل إلى كفّها.

انسحب من تحت الغطاء بخفةٍ تعلّمها من العيش في بيتٍ تضيق جدرانه لأدنى حركة. كان يعرف أنّ أيّ صوتٍ زائدٍ قد يُوقظ تعبًا بالكاد هدأ.

 في ركن المطبخ الصغير، تناول قطعةَ جبن مع خبزٍ بائتٍ، قضمهما على مهل، كأنّه يروّض قساوتهما بأسنانه. جرع بقايا شايٍ باردٍ، فمرّ الطعم في حلقه خشنًا، يوقظه أكثر مما يفعل الضوء.

ارتدى قميصه الذي لم يعد يذكر لونه الأول؛ كان أبيض يومًا ما، يوم كانت الحياة أقلّ تعقيدًا، قبل أن تتكاثر الغيابات في البيت. الآن صار باهتًا، مائلاً إلى لون لا اسم له، كأنّه تخلّى عن هويته ليلتحم بجلده. لم يعد يفصل بينهما حدٌّ واضح؛ كلاهما يحمل رائحةَ عرقٍ وغبار، وكلاهما يشهد على أيّامٍ لا تُنسى.

لم يكن يتخيّل أن يتحوّل في شهورٍ قليلة من فتىً يخطّط لمستقبلٍ واضح المعالم، يمسك الكتاب كما لو أنّه يمسك مفاتيح أبوابٍ كثيرة، إلى شابٍّ يتلمّس طريقه في متاهةٍ من الواجبات. يومَ رحل الأب، تصدّع في أعماقه شيءٌ خفيّ، كجرحٍ صامتٍ لم يعرف طريقه إلى الالتئام.

وحين مضى الأخُ الأكبر نحو المجهول تحت اسم الهجرة، أحسّ كأنّ ركناً من أركان روحه قد انزاح. كان الأخ يتقدّم الصفّ كلّما ضاقت الدروب، ويقف بينهم وبين العاصفة حين تشتدّ الرياح. وبغيابه، لم يعد التقدّم خطوةً يختارها متى شاء، بل صار عبئًا ونداءً لا مهرب منه.

خرج قبل أن تستيقظ الشمس تمامًا. كان الفجر يتسلّل بخجلٍ بين الأبنية، يمدّ أصابع واهنة نحو الأزقّة الضيّقة.

 في الطريق، كان صابر يعرف بأنّ خطواته  اليوم لا تقوده إلى مكانٍ محدّد، بل إلى حالةٍ تتكرّر كلّ يوم، اسمها المسطَر.

المسطَر؛ كلمةٌ لا تعترف بها المعاجم، لكنها محفورة في ذاكرة الشوارع.

 ليس عنوانًا على خارطة، بل رصيفًا يتجمّع عليه الرجال مع أول الضوء، ينتظرون من يختارهم لعملِ يومٍ أو أيّام.

 هناك، تتراكم الأجساد كما تتراكم الحجارة قبل أن تُبنى بها جدران.

حين وصل، كان الرصيف قد امتلأ. رجالٌ من أعمارٍ شتّى، يجلسون أو يقفون، يتبادلون نظراتٍ مقتضبة، أو يحدّقون في الفراغ. رأى رجلًا في الخمسين، يضمّ يده المرتجفة إلى صدره كأنّه يخفي سرًّا قديمًا. علم من همساتٍ قريبة أنّ حادثًا في ورشةٍ سابقةٍ ترك في جسده أثرًا لم يُداوَ. وعلى بعد خطوات، كان شابٌّ يرتدي قميصًا جامعيًا باهتًا، يضع نظّارةً سميكةً على عينيه. كان يمسك هاتفه كمن يتفقّد بقايا حلمٍ أكاديميٍّ لم يجد له موضعًا في هذا الصباح.

هنا، لا تسأل الشهادات عن أصحابها؛ يجلس الأميّ إلى جوار المتعلم، ويتساوى من قضى عمره في البناء بمن لم يجرّب سوى مقاعد الدراسة. الجميع ينتظر فرصةً واحدة: أن يُختار، أن يعود في المساء بشيءٍ يُقدَّم إلى من ينتظرونه في البيت دون انكسار.

اقترب صابر وجلس على حافة الرصيف. كانت الخرسانة باردةً، تسحب من جسده دفئًا خفيفًا. شمّ في الهواء خليطًا من عرقٍ قديمٍ ودخان سجائر رخيصة وغبارٍ يلتصق بالحلق. لم تكن ذلك مجرّد روائح؛ كان تاريخًا يوميًا يُعاد كتابته كل صباح.

سأل صابر الرجل الجالس إلى جانبه، وهو في الثلاثين تقريبًا، بعينين غائرتين كأنهما حفرتان في وجهٍ شاحب:

ـ منذ متى وأنت تواظب على المجيء إلى هنا؟

ابتسم الآخر ابتسامةً قصيرةً لا تصل إلى عينيه:

ـ يبدو أنّك جديد. أنا هنا منذ أسبوع أو أكثر. أعود كل مساءٍ كما جئت: بلا شيء. أصعب ما في الأمر ليس الجوع، بل نظرات أطفالي حين أسند ظهري إلى الجدار.

تسلّل إلى صدر صابر شعورٌ بارد، كأنّ الكلمات وضعت يدها على كتفه وقالت له: هذا طريقٌ قد يطول. نظر إلى يديه؛ كانتا، قبل شهور، تمسكان القلم بثقة، اليوم تنتظران أن تُمنحا معولًا أو قفّة إسمنت.

قطع الصمت هديرُ محرّكٍ خشن. ظهرت سيارة بيك آب قديمة، تتقدّم ببطءٍ وسط سحابةٍ من غبار. ما إن اقتربت حتى تغيّر الهواء؛ نهض الرجال دفعةً واحدة، كأنّ إشارةً خفيّةً انطلقت في أجسادهم. ارتفعت الأصوات، واشتدّ التدافع، وتحوّل الرصيف إلى موجةٍ بشريةٍ تبحث عن يدٍ تمتدّ إليها.

تجمّد صابر لحظةً، يراقب المشهد. رأى ظهورًا محنيّةً تنافس أكتافًا فتية، ووجوهًا حفرتها السنوات تزاحم أخرى لم يكتمل شبابها بعد. لم يكن الأمر سباقًا على عملٍ فحسب، بل صراعًا صامتًا على استعادة معنى الوجود.

ترجّل المتعهد، رجلٌ عريض الكتفين، قاسي الملامح، وقف أمامهم كمن يقف على مسرحٍ يختار أدوار ممثليه. صاح بصوتٍ جهوريّ:

ـ أريد خمسة للبناء.. الأقوياء فقط!

في تلك اللحظة، أحسّ صابر بأنّ صورًا كثيرةً تدفّقت داخله: أمّه أمام التنور، إخوتُه الصغار، القميص الباهت، البيت الذي يحتاج إلى صوتٍ يملأ فراغه.

اندفع، شعر بمناكب تصطدم بصدره، وبأذرع تحاول إبعاده، لم يكن جسده الأكبر بينهم، لكنه كان أكثرهم توقًا للفوز بالاختيار. وجد نفسه في الصفّ الأول، رفع يده، وحدّق في وجه المتعهد بثباتٍ لم يعرفه في نفسه من قبل:

ـ أنا.. أنا لها. فقط جرّبني.

توقّفت السبّابة عنده لحظة، كأنّها تقيس وزنه الخفيّ، ثم أشار الرجل:

ـ أنت.. اركب.

لم يكن شعور النصر صافياً. صعد إلى حوض السيارة وهو يسمع أنفاسًا مثقلةً خلفه، ويرى عيونًا تعود إلى الرصيف بخيبةٍ صامتة. جلس على معدن الحوض البارد، وأمسك الحافة بقوة، كأنّه يمسك خيطًا رفيعًا يصل بينه وبين البيت.

 في موقع البناء، بدا كلّ شيءٍ مغطّى بطبقةٍ واحدة من غبارٍ ناعم؛ الحجارة، الوجوه، السماء نفسها، كأنّها تشترك في لونٍ واحد.

تسلّم قفّة الإسمنت، رفعها إلى كتفه، وشعر بثقلها يتسلل إلى عظامه.

صعد السلّم الخشبيّ بحذرٍ، درجةً بعد درجة، والعرق يتجمّع على جبينه.

كان يعمل دون أن يسمح لأفكاره بالتوسّع؛ كلّما حاول سؤالٌ أن يطلّ برأسه، كان يدفعه جانبًا. الجسد يعرف مهمّته: أن يتحمّل.

 عند الظهيرة، حين اشتدّت الشمس وصار الهواء كثيفًا، داهمه دوارٌ خاطف. للحظةٍ، شعر أنّ الأرض تميل. شدّ على أسنانه وأكمل؛ التوقّف ليس خيارًا لمن ينتظرون أجر عملهم.

انسابت الأيام من بين أصابع "صابر" كحبات رملٍ خشنة، لا هي تتركه للسكينة والاستسلام، ولا هي تمنحه ترف الالتفات وراءه.

غدا التعب رفيقًا وفيًّا، لا يغادر ظله ولا يفارق أنفاسه، حتى استحال جسده خريطةً من الندوب الخفية التي رسمها الشقاء ببراعة حِرفيٍّ قاسي. لم يعد الألم عدوًا، بل صار لغةً يفهمها العصب، فتعلّم صابر كيمياء البقاء؛ كيف يوزّع شهيقه وزفيره على إيقاع الدرجات اللامتناهية، وكيف يراوغ ثقل الأحمال بتبديل موضعها على كتفه، في رقصة عنادٍ مع القدر، ليوهم جسده المنهك أن الحمل قد خفّ، وما هو إلا الوجع يعيد تموضع مملكته.

في تلك الهنيهات المسروقة من فم الزمن، حين يلقي العمال بأجسادهم فوق أرصفة القهر في استراحةٍ قصيرة، كان صابر يتحول من مجرد "عامل" إلى قلبٍ نابضٍ لهموم الجماعة.

 هناك، يقتسمون خبزًا شاحبًا كوجوههم، مشوبًا بغبار الطريق وعرق الكدح، لكنه كان أشهى من مآدب السلاطين لأنه ممهورٌ بقداسة التعب وسماحة الكسب.

تدور الأحاديث بينهم، لا كخطاباتٍ رنانة، بل كزفراتٍ مكتومة؛ يتحدثون عن غلاءٍ ينهش الأحلام قبل البطون، وعن بيوتٍ آيلةٍ للسقوط يسكنها "الانتظار" المرّ، وعن زوجاتٍ يغزلن الصبر ثيابًا للأطفال الذين يكبرون في غياب الآباء لطلب الرزق.

كان صابر يقرأ في عيون رفاقه ما لا تقوله الألسن؛ يرى في ارتعاشة يد "عم إبراهيم" قلقًا على دواء مفقود، ولمحة الانكسار في عين "شابٍ" غضٍّ يبيع ربيع عمره مقابل دريهماتٍ لسد رمق إخوته. لم يكن صابر مجرد عاملٍ بينهم، بل كان المرآة التي تعكس تلاحم هذه الشريحة المسحوقة، حيث تتلاشى الفوارق الفردية لتصهرهم "اللقمة" في بوتقةٍ واحدة. هم ليسوا مجرد أرقام في إحصائيات الفقر، بل هم حكاياتٌ من اللحم والدم، كان يستمع إلى قصصهم وشكواهم بتأمل مثابرٍ، أرواحٌ تجد في الألم طريقًا للعيش، وفي التكاتف حصنًا ضد التهميش.

بين كل درجةٍ صعدها وكل حملٍ نقله، كان صابر يفهم في صمتٍ معنى جديدًا للكرامة الإنسانية والخبز الحلال. كان يدرك بعمقٍ أن هذا الانكسار الظاهري يخفي وراءه صلابةً لا تُقهر، وأن هذه العيون المطفأة من فرط السهر والجهد، تخبئ بريقًا من الأمل لا يدركه إلا من عجن طينه بملح الأرض. هكذا سار صابر، يحمل الدنيا على عاتقه، ويحمل في قلبه أوجاع رفاقه، مؤمنًا بأن الفجر، مهما تأخر، لا بد أن ينبثق من شقوق هذه الجدران الباردة التي يرفعونها بأيديهم المتعبة لبنة لبنة.

ذات صباحٍ، وهو يصعد بالقفّة، انكسرت درجةٌ تحت قدمه. لم يسمع صوت الكسر بوضوح، لكنّه أحسّ بفراغٍ مفاجئٍ يبتلع قدمه. لحظةٌ امتدّت طويلًا، ثم اصطدامٌ حادّ.. بعدها، صمت.

حين فتح عينيه، كانت السماء فوقه واسعةً على نحوٍ جارح. حاول أن يتحرّك، فلم يستجب جسده كما اعتاد.

في المستشفى، كانت الكلمات قصيرةً، باردةً: رضوض، احتمال إصابة في العمود الفقري. لم يفهم تمامًا، إلا حين حاول تحريك ساقيه فلم يجد منهما استجابة.

 لم يكن الألم أشدّ ما واجهه، بل ذلك الفراغ الذي نشأ فجأةً بينه وبين جسده، كأنّ جزءًا منه انسحب إلى مسافةٍ بعيدة.

عاد إلى البيت محمولًا، ورأى في عيني أمّه خوفًا حاول أن يطفئه بابتسامةٍ واهنة. وضع أجر الأيام الماضية في يدها، كما لو أنّ الأمر لم يتغيّر.

مرّت الأيام ثقيلة. كان يستلقي طويلًا، يحدّق في السقف ذاته الذي كان يعدّ شقوقه، غير أنّ شيئًا ما بدأ يتحرّك في داخله. لم يكن قبولًا سهلاً، ولا استسلامًا؛ كان بحثًا عن منفذٍ آخر للوقوف. في إحدى الليالي، حين هدأ البيت، أشعل مصباحًا صغيرًا ووضع أمامه أوراقًا بيضاء. أمسك القلم بيدٍ ارتجفت قليلًا. لم يكن البياض ما يخيفه، بل مواجهة ما عاشه. كتب عن المسطَر، عما حدث له، عن الرجال الذين ينتظرون دورهم في الحياة قبل العمل، عن العيون التي لا تنطفئ رغم التعب، عن الأكتاف التي تبني بيوتًا لغيرها ولا تجد سقفًا آمنًا لها.

كلّ سطرٍ كان درجةً جديدةً في سلّمٍ مختلف، لا ينكسر بسهولة ولكنه جدير بالتأني والتأمل. لم يعد يحمل الإسمنت، لكنه حمل الكلمات كما يحمل المرء شيئًا ثمينًا يخشى عليه الضياع.

اكتشف أنّ الصمت الذي ظنّه قوةً لم يكن كافيًا، وأنّ للحكاية طاقةً تعيد ترتيب الفوضى في الداخل.

تبدّل إحساسه بنفسه؛ صحيح أنّ ساقيه لم تعودا كما كانتا، وأنّ الطريق إلى التعافي ربما يطول، لكنّه شعر بأنّ في داخله شيئاً ما ينهض ببطء. لم يعد يرى سقوطه نهايةً، بل نقطةَ انعطافٍ كشفت له هشاشته وقوّته معًا.

وحين أنهى حكايته الأولى، ظلّ يتأمّل الأوراق طويلاً. لم تكن لغته متقنة، لكنّها كانت صادقة. شعر بأنّ الثقل الذي استيقظ معه ذات فجرٍ بعيدٍ قد خفّ.

 أطفأ المصباح، واستلقى في عتمةٍ أقلّ قسوة.

 في صدره الآن أكثر من حكاية؛ المسطَر لم يعد رصيفًا فحسب، بل ذاكرةً حيّةً تنبض بأسماءٍ ووجوه. أدرك أنّ ما كتبه ليس سوى بداية، وأنّ السلم الذي انكسر تحت قدميه قاده إلى دربٍ آخر، دربٍ تُقاس فيه الخطوات بمدى الأثر لا بعدد الأمتار.

في الظلام، ابتسم صابر. لم تتحرّك ساقاه إلا قليلاً، لكنّ روحه كانت تمشي بثبات. ومن بين شقوق السقف التي طالما عدّها، لاح له خيطُ معنى جديد: أن يكتب، لا ليهرب، بل ليبني.. لا عمارةً من إسمنت، بل بيتًا من كلمات، يسع المسطَر كلّه، ويمنح الذين ينتظرون صباحًا آخر وجوهًا لا يبتلعها الغبار.

كانت تلك الليلة بداية مشروعٍ أكبر مما تخيّل؛ مشروع حكايات مستمدة من الرصيف، من السقوط، من الأيادي التي امتدّت ولم تُختَر، ومن الأعين التي ظلّت مفتوحةً على أملٍ لا يُرى بسهولة. هناك، عند تقاطع الألم والوعي، بدأ صابر يخطّ الطريق الذي سيحمله، لا على قدميه هذه المرّة، بل على جناحي اللغة..

**

سعاد الراعي

 

طوبى لغريب

أشعت أغبر

يسافر قلبه في الأفق

كنورس فتنته زرقة البحر

فشردت مجازه

وخياله

ومركبه

طوبى لغريب

من فرط شوقه

يمضي كجدول بين الحقول

مفتونا برائحة النعناع

وطيف الفراش وألوانه

لعل الشمس تضيء ليله

ودربه وغربته

لعل سحر القول يفيض كالماء

على شغاف قلبه ورؤاه

طوبى لغريب

عند باب القصيدة كمريد

يقف ببياضه حافي القدمين

علها تعشق ما تقوله عيناه

فتمضي خلفه لا تفارقه

كأنها ظله ونبضه

وطفولته..

وخطاه..

ومداه..

غريبا يقف قلبه تحت شرفتها

كفنار البحارة يهزه الموج

علها تميل بقلبها الوارف

كغصن مثقل بثمار الود

فتعانق وده ووديانه

فتنسيه جراحه وغربته

علها تطل من عليائها كقمر يقول

فيراها فيحاء كما تشتهي روحه

وجوارحه وصبابته

طوبى لنسيم شوقه

وهو يمر على جنان قلبها

فتفيض على ضفافها أنهاره

ووديانه وأشعاره

***

عبد الرزاق اسطيطو

 

مداي أتسع،

الى ما وراء المدى..

وعلى الطريق الطويل

تراءى وضوح الصدى..

ولاحت رؤوسٌ

تجلدَ الوقتُ فيها

حتى غدى

واهناً كالندى..                                                                                  **

وحين تطوى المسافات

يمسك الوهم عنق الدروب

وحين يشرع الفراغ ابوابه

بوجه الزمان،

يشعل المعنى في ظلمة المنفى

عود ثقاب، كي يسود الرجاء،

ولكن الهراء يسيح

على جانبي الطريق الكسيح

يغازل وجهه مسخ يغني،

غناء الرقيع

ودون حياء..

**

هل ترون الرجاء

بين مغترب وغريمه..؟

يتهامسان على الوعود

وشنارهما سحتٌ

وشعارهما جريمه ..

ودخان تلك السافرات

من المنافي

يراقص لحنه الموتور

في عرس الغنيمه..

والعازفون عن النهار

يجتاحهم خوف

وترعبهم هزيمه..!

***

د. جودت صالح - إسطنبول

7- شباط - 2026

نَاسٌ وَقُرى تَغْرَقُ..

وَدُرُوبٌ..

تَتْبَعُهَا رَادِفَةٌ.

الأَضْوَاءُ تُغْرِقُ السَّمَاءَ البَعيدَةَ،

تَرْقُصُ طَرَبًا

تتَوَقَّفُ... زَهْوًا

وَتَرْسُمُ خَرِيطَةَ القِيَامَةِ عَلَى الجُدْرَانِ.

ثُمَّ تَرْتَطِمُ بِدَمِ الخِلَّانِ.

كَيْ تُكْمِلَ وَلِيمَتَهَا فَوْقَ دُخَانٍ مُبِينٍ.

وَأَنْتُمْ مَنْ سَعَى فِي خَرَابِهَا،

وَحَرَّمَ عَلَى أَرِيحَا سُقْيَاهَا وَمَرْعَاهَا،

وَعَزَفْتُمْ لَهَا أَلْحَانَ النِّسْيَانِ،

وَنَفَخْتُمْ فِي ذَاكِرَةِ الظَّمْآنِ.

تَنَاسَيْتُمْ أَنَّ الْيَوْمَ عِيدٌ.. وَأَيُّ عِيدٍ كَانَ؟

كَانَ.. مَا كَانَ عِيدًا،

خُصْلَةُ شَعْرٍ كَانَتْ، مُبَعْثَرَةً عَلَى الطَّرِيقِ

كَانَتْ حُرُوفَ نَعْيٍ

فَوْقَ تِجَانٍ مَهْجُورَةٍ

أَتَرَانِي الآنَ

كَمَا لَمْ تَرَانِي مِنْ قَبْلُ

أَتَرَانِي أَرَى قَمَرًا وَأَنْجُما؟

أَمْ أَشْرَبُ نَبِيذًا كَانَ مِزَاجُهُ كَافُورا؟

أَتَرَانِي أَزُفُّ عُرْسًا لِعَاشِقَيْنِ

لَمْ يَمُوتَا عَلَى وَقْعِ الرَّصَاصِ،

وَلَمْ يَكْتُبْ أَحَدٌ نَعْيَهُمَا؟

أَتُرَاهُ عُرْسًا أَزُفُّهُ لِلدُّرُوبِ النَّازِفَةِ؟

أَمْ تَرَاهُ مَأْتَمًا

يَنْتَظِرُ طَيْرًا؟

لَا أَرَى

أَرَى مَا وَرَاءَ الغُبارِ أَسْرَابٌ تَحُطُّ

وحَجَلٌ لا يَطيرُ

أَرَى طِفْلًا لَمْ يُسَجَّل اسْمُهُ

لَمْ يُسْمَعْ نَحِيبُهُ

مَضَى قُدُمًا

فَمَنْ ذَا يَرْثِيهِ

وَيَحْمِلُ اسْمَهُ

وَمَنْ ذَا يُنْجِبُ لَهُ أُخْتًا وَطَائِرَاتٍ مِنْ وَرَقٍ

لَا أَرَى؟

أَتُرَانِي أَرَى؟

أَرَى عَاشِقَيْنِ يَرْفَعَانِ لِلسَّمَاءِ ثَوْبًا بِالْأَبْيَضِ

يَقْطَعُ اللَّيْلَ كَنَبْعِ ضَوْءٍ يُصَلِّي فَجْرا

كَيْ يُضِيءَ سَفَرًا

صَارَ لِلذِّئَابِ وَكْرَا

وَيَمُرُّ العِيدُ كَمَا العِيدُ كُلَّ عَامٍ

نَنْتَظِرُهُ هُنَاكَ أَوْ هُنَا

لَا فَرْقَ

فَكُلُّ عَامٍ وَالقِلاعُ قِفَارٌ

غَدًا يَأْتي مُصْعَبٌ بِأخْبارِ الأَبْراجِ

والْيَقِينُ مَا سَطَّرَتْ جَنِينُ

وَرَتَّلَتْهُ تَرْتِيلَا

سَأَزُفُّ مَرَّةً أُخْرَى

وَأُخْرَى

خَبَر حَلَبٍ وَبِلَادِ النَّهْرَيْنِ

وَإِنْ أَفَلَتْ بُلدانٌ وَبُطُونٌ..... سَأَحْتَفِلُ بِالذِّكْرَى

لَعَلَّهَا تُثْمِرُ أَحْجَارا

وَتَتَفَجَّرُ أَنْهَارًا وَفَطَائِرَ

سَأَحْتَفِلُ

وَأَرْسُمُ بِالطَبْشُورِ سَرِيرًا لِعَاشِقَيْنِ

كَانَا فَوْقَ الْجِسْرِ

يُرَاقِبَانِ مَا وَرَاءَ الْخَرَابِ

سَأَزُفُّ مَرَّةً أُخْرَى

وَأُخْرَى

زَبَدٌ هو العِيد، وَرَمادٌ.

سَأَحْتَفِلُ بِالذِّكْرَى

فَالحَرْبُ أَشْبَه بِدُرُوجٍ تُثْمِرُ أَوْرَاقًا.

وَحِيطَانًا تَبْكِي كَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ

وَتُسَمِّي سَعِيدًا هَذَا العِيدَ

إِنْ كَانَ اليَوْمَ أَوْ غَدًا.

لَا فَرْقَ.

***

عبد القادر بوطالب

يا أمُّ والعيدُ الحزينُ مُكبَّلُ

بالصمتِ والدربُ الطويلُ مُعطَّلُ

*

جئناك لا بابٌ يُجيبُ نداءَنا

إلّا الصدى والحزنُ فينا مقبلُ

*

كانت يداكِ لنا الأمانَ وها هنا

خوفُ الطفولةِ في الضلوعِ يُقتّلُ

*

أينَ الدعاءُ إذا تعثّرَ خُطونا؟

كانَ الطريقُ بصوتِ قلبك يكملُ

*

كم مرّةٍ مسحتْ يداك كلومَنا

فشفتها إنّ البرءَ منك مؤمّلُ

*

واليومَ لا كفٌّ ولا الدفءُ الذي

كنّا إليهِ من الجراحِ نُرحَّلُ

*

يا أمُّ عيدُ الناسِ فرحٌ عابرٌ

أمّا بنفثك فالمنى لا تأفُلُ

*

ما عادَ في الأعيادِ غيرُ مرارةٍ

والقلبُ من طولِ الأسى يتآكلُ

*

إنْ جئتِ طيفاً تستفيقُ قلوبِنا

فالروحُ دونَ حضورِكِ تتزلزلُ

*

عودي ولو حلماً يُضيءُ دروبنا

فالحلمُ في زمنِ الفراقِ مُؤمَّلُ

*

يا أمُّ يومي في بعادك مثقلُ

والقلبُ من وجعِ الغياب يُرتّلُ

*

والبيتُ يصمتُ في بعادك ركنُه

عن ذكرِ أمّ الخير دومًا يسألُ

*

يا أمُّ صوتُك يستعيد طفولتي

صارَ صداه الآن روحِي يخذلُ

*

يا أمُّ في عينيكِ بحرٌ واسعٌ

للحبِّ حتّى غار منه المنزلُ

*

يا أمُّ يأتي العيدُ والدربُ الذي

كنّا نعودُ إليهِ الآن مُقَفَّلُ

*

والبيتُ بعدكِ موحشٌ في صمتهِ

حتى الربيعُ من الأسى يتأجّلُ

*

أينَ اليدانِ؟ وكان فيهما دفؤُنا

والحضنُ حين يضيقُ فينا المأمَلُ

*

يا أمُّ، ما للوردِ يذبلُ فجأةً

قد بات من فقدِ الرّجا يتعلّلُ

*

والشمسُ لا تأتي بهيبة حرّها

إلا خجولاً نورُها يتململُ

*

كم كنتِ للحزن الأليم شفاءنا

فننامُ والحضنُ الجميلُ يُظلّلُ

*

واليومَ نبكي لا وسادةَ رحمةٍ

إلا الدموعُ بها الفؤادُ يُؤمّلُ

*

يا أمُّ عيدُكِ في القلوبِ جراحُنا

والشوقُ في صدرِ الحنينِ مُبلّلُ

*

لا شيء يُشبهُ غَيبَك المتكرّر َ

حتى الكلامُ من الفراقِ مُؤجّلُ

*

يا أمُّ هذا العيدُ دونكِ موحشٌ

كالطفلِ لمّا غاب عنهُ المَنْهَلُ

*

نأتي لنزرعَ بسمةً في دربِنا

فتعودُ من وجعِ الغيابِ وتُقتلُ

*

ما عادَ للفرحِ القديمِ حكايةٌ

كلُّ الحكايا في الفؤادِ تُرحَّلُ

*

عودي ولو حلماً يمرُّ بخافقي

فالقلبُ من فقدِ الحنانِ مُكبّلُ

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

على كَتِفَيَّ تَحُطُّ وجوهٌ وأشرِطَةٌ.

تَضِجُّ الْوجوهُ ظَلامًا.

أُعَبِّئها عِنبا وخُزامَى،

وأَرْتَقِبُ الْخَفَقَانَ.

فلا الطَّيْرُ يَنْبُضُ فيها،

ولا الطَّلُّ بالْأُقْحُوانِ يُوَشِّحُها.

وُجوهٌ كَلَوْحٍ خَلاَ

مِنْ فَوَاصِلَ أوْ نُقْطَةٍ.

ولا شيْءَ فيها

يُضَمِّدُ هَسْهَسَةَ الرّيحِ في جسدي.

**

تُجَرْجِرُني الرّيحُ بين مسالِكِها

دون ظِلٍّ يُرافِقُني.

أُفتِّشُ بين الْمَسالِكِ

عن سَرْوَلٍ،

فَيُطالِعُني

دَفْتَرٌ ظَمَّأَتْهُ الْمسافاتُ والصَّبَوَاتُ .

وبعضُ شَتائِلَ مِنْ صَنْدَلٍ

جَفَّ باطِنُهُ،

وظَلِيمٌ يَفِرُّ حَسِيرًا،

ولا ريشَ أو بَيْضَ أَغْنَاهْ.

أَضِيقُ بِثَرْثَرَةِ الْعابِرينَ،

أُصافِحُ بَوْحَ الْوُجُوهِ،

فَتَصْخَبُ أَلْسِنَةُ الْمِلْحِ في شَفَتَيَّ.

تُجَرِّحُ أَلْسِنَةُ الْمِلْحِ وجهي،

ولا غافِقَ الْيوْمَ

يَرْفَعُني عن رَحَاهُ.

ولا دَمْعَةُ الْمَجْدَلِيَّةِ

تُغْرِقُ أَفْئدَةَ الرِّيحِ

كَيْما تُزِيحَ ذُهُولي.

**

تُسَيِّرُني الرّيحُ

بين قلاعِ الْحُمُوضَةِ

دون غَبُوقٍ به أَرْتَوِي ،

أو " بُراقٍ " يَضُمُّ يَدي.

على وَجْهِ " بِنْتِ لَكِيزٍ " (*)

ذَرَى اللَّيْلُ أَحْلامَهُ يا " بُراقُ "

ووَشَّحَها باللُّهاثِ.

وكُنْتُ نَدَهْتُكَ مُذْ أَمَدٍ يا " بُراقُ "

لِأَجْلِ السُّرَى،

فَاحْتَجَبْتَ ونَجْمِي خَبا.

فَهَلاَّ طَوَيْتَ الْمَدَى يا " بُراقُ"

لِأَجْلِ يَدِي،

أَمْ تُراكَ كَفاكَ الْجَوَى

عن حُضُوني؟؟؟

***

بقلمي: هادية السّالمي دجبي- تونس

...........................

(*) بنت لكيز: هي ليلى بنت لكيز وابنة عمّ البراق بن روحان وحبيبته.  أَسَرَها أمير فارسيّ رغبة في أن يتزوّجها فرفضت واستنجدت بالبراق  وكان خارج القبيلة فهبّ لنجدتها  وتزوّجها.

مُذْ غَرَبَتْ شمسُكَ

وصارَ البيتُ أوسعَ من صمتي،

وأطولَ من لياليه،

لم يبقَ في النافذةِ

إلّا وجهُ صديقي.

كانَ يجيءُ

وفي يدِهِ كلامٌ قليل،

لكنّه يكفي

كي لا تسقطَ الجدرانُ على قلبي.

يجلسُ بقربي

كما لو أنّه يعرفُ

أنَّ الحزنَ

لا يحتاجُ موعظةً

بل كتفًا صامتة.

يا صديقي،

يا واحدًا

من نوافذِ الحياةِ التي لم تُغلق،

لو تعلمُ

كم أنقذتَ قلبي

من العتمة.

حين انطفأ في البيت

ذلك الضوءُ الذي كان يملأه،

وشعرتُ أنَّ العالمَ

يميلُ قليلًا

إلى جهة الغياب،

كنتَ أنتَ

تُبقي في القلب

فسحةً للنهار.

والآن

كلما ضاقَ الليلُ

أفتحُ نافذتي،

فأرى وجهكَ هناك

على أن الحياة

لم تُغلقْ بابها كلَّه.

***

د. جاسم الخالدي

السبت ١٤ /٣/ ٢٠٢٦م

 

دائمًا

يأتي من هناك

يصرخ:

أنا الأقوى!

لكن الحقيقة، حذراً،

تمشي

على أطراف أصابعها الصغيرة…

تبحث عن هروبٍ آمن…

ثم

رويدًا… رويدًا…

تختفي

في الظل.

*

كلما صار الغرور خوذةً،

صار الرصاص الحيّ

نشيدًا…

يحفظه الصغار

في المدارس.

*

يتعلمون الموت

حرفًا

وحرفةً.

*

يتأقلمون

مع الصواريخ الذكية…

تخترق رؤوسهم

قبل المنام،

*

وهناك…

في عرشٍ سماويٍّ مصغَّر،

يجلس ربُّ المال

بين ملائكةٍ

من الشاشات،

والأصوات،

ويكتب:

الحربُ صفقةٌ ناجحة.

ثم يختفي

بين ستائر

من سديم…

أو ضباب.

لكن الجنود

عالقون هناك،

في الفلوات،

بخيامهم المتموِّجة في الريح،

والقلق الخفيف…

*

أو يمتطون البحر،

النار المخزَّنة،

والحديد…

لكنهم

لا يفهمون حديث وول ستريت…

ولا الصفقات…

والأمهات كذلك،

وربما الزوجات…

لا يرغبن

بمالٍ…

أو ميدالية الشرف،

بديل الفقد.

*

أيها العالم،

كم يحتاج ساستك

إلى مرآةٍ صغيرة… لنظرة،

أو قضمةٍ

من خبز الحقيقة،

بدل

الصواريخ الأنيقة…

*

في القاعة،

يرفع بعضهم أيديهم

بالتصفيق…

*

ويرفع آخرون

حواجبهم

بالدهشة…

*

ويتظاهرون

بالتصديق…

لكن الأطفال

في المدن البعيدة

يرفعون شيئًا آخر:

الغبار.

*

الغبار فقط…

ملوَّثًا بالدم.

*

في القاعة  أو في القاع..

تكتمل الحكاية بلا نهاية

خوفاً من عقاب أو مجاعة

صفقنا لساعات وساعات للمهرج على المنصة، ينتصب كراية منصورة

في الريح وهي

تفلي شعره الذهبيَّ المجعَّد،

بحثًا عن خفايا

تختبئ سرًّا…

هناك…

*

بسلام، يعد الرئيس .

سلام..

يأتي

بعد حربٍ موضعية،

كعمليةٍ صغرى…

لا يهم

أن تودي بالنتيجة

إلى الوفاة…

ثم حربٍ أخرى…

أكثر دقة…

وهكذا…

*

يقول:

لا تقلقوا…

والقيامة

بلمسةٍ من صغرى أنامله الطرية

*

تقترب

من نوافذنا…

كل مساء.

قال الرئيس وعرفة الذهبي يرف في السماء: حين تمرّ سيرتي

بمقبرة الضجيج،

ضعوا

إكليل غار…

صفقنا له في حينها ولكن..

سيضحك التاريخ في سره ..

ثم يترك بكل برود القطب.

قبلةً أخرى…

على مؤخرة الرئيس.

***

ياسين غالب

قبل أن يتذكّر الضوءُ اسمه، كانت هي قد سبقت الفجر بخطوة. تمشي… لا تترك أثرًا، كأن الأرض تعرفها فلا تحتاج إلى دليل. ترفع شفتيها قليلًا، فيولد من الصمت خيطٌ رفيع، يتّسع… يتّسع… حتى يصير طريقًا.

هناك، حيث لا أوامر ولا عصيّ، تتحرّك الكثرة كأنها فكرة واحدة.

لم يكن ما يجمعها بهم حبلًا مرئيًا. كان شيئًا أشبه بنداءٍ قديم، أقدم من الخوف… وأصدق من الجوع.

تمدّ يدها، فيقتربون. تتوقّف، فيسكنون. كأنهم تعلّموا الإصغاء لما لا يُقال.

كانت تُطعِمهم من خبزها، لكنهم لم يكونوا يأكلون فقط.

كانوا يقتاتون معنى.

وفي كل لقمة،

كان شيءٌ خفيّ يتشكّل:

تماسكٌ لا يحتاج إلى سياج.

من علٍ،

عينٌ لم تتعوّد أن ترى ما لا يُقاس.

توقّف الفارس،

وشعر، لأول مرة، أنه أمام ما يشبه المعجزة.

لا عصا… لا صراخ… لا فوضى.

ومع ذلك،

كان كل شيء في مكانه.

همس، كمن يلمس حدّ الفهم:

"كيف تُقاد الكثرة بلا قيود؟"

سؤال لم يرتطم بشيء.

في قاعةٍ تتثاقل فيها الكلمات،

انحنى الصوت الشاب أمام سلطةٍ اعتادت أن تستجيب.

لم يطلب…

بل تعلّق.

لم يشرح…

بل ارتجف.

كان يدافع عن صورةٍ لم تستطع الجدران أن تراها:

امرأةٌ لا تحكم…

ومع ذلك، تُطاع.

طال الصمت…

حتى بدا كأنه رفض.

ثم انكسر، دون اقتناع.

مرّت الأعوام.

لم يبقَ من الجبل إلا صدى.

عاد الابن، لا ليبحث عنها،

بل ليبحث عمّا تركته فيه.

وقف حيث كانت تقف،

وأصغى.

لا صفير…

لكن شيئًا في داخله كان يُنصت.

في المدينة،

تتبدّل القوانين كما تتبدّل الظلال.

الأوراق تقول شيئًا،

والهمس يقول شيئًا آخر.

يُطلب منه أن ينحني قليلًا، فقط قليلًا،

كي تسير الأمور.

ينظر إلى النصّ أمامه،

ثم إلى الفراغ خلفه.

يتذكّر… دون أن يرى.

في ليلةٍ بلا قرار،

جلس أمام صديقٍ لا يملك جوابًا.

قال، كمن يعترف بخسارةٍ غير مرئية:

"حين يصبح الاعوجاج طريقًا،

تبدو الاستقامة شذوذا."

توقّف.

ثم أضاف، بصوتٍ أخفّ:

"لكنني لا أعرف طريقًا آخر."

بدأ الاسم ينتشر…

لا كحكاية، بل كعدوى.

في الأزقة، في الساحات،

في العيون التي تعبت من التكرار.

لم يعد أحد يتحدّث عن راعية،

بل عن إمكان.

عن قطيعٍ… لم يعد قطيعًا.

حين وقف بينهم،

لم يكن في حاجة ليرفع صوته.

كان يكفي أن يصمتوا.

قال:

"ليست الكثرة ما يُخيف…

بل ما اعتادته الكثرة بدون تفكير."

نظر إليهم، كأنه يراهم للمرة الأولى:

"حين تُصغي… تفكّر.

وحين تفكّر… تختار."

في مكانٍ ما،

حيث يلتقي الحجر بالريح،

لا يزال أثرٌ لا يُرى.

ليس طريقًا…

بل احتمال.

ومن يمرّ هناك،

قد يسمع، إن أصغى جيدًا،

صوتًا خفيفًا،

لا يأمر…

بل يوقظ.

***

قصة قصيرة: الحسين بوخرطة

في زمنِ هجرةِ الينابيعِ

أُطاردُ صوتي في مرايا الفقدِ

ويحصرُ قلبي جليدُ الكربْ

أسائلُ ليلي: أيُّ سماءٍ تُضيءُ؟

وأيُّ نجومٍ تُشيرُ إلى البدءِ؟

كيفَ العبورُ بضيقِ المسيرِ؟

ليلٌ يُمازجُ حلمًا بجرحْ

في كأسِ بدءٍ.. مريرٍ ثقيلْ

2

سأمشي على جمرِ هذا الطريقِ

حافيًا أقتفي الأثرْ

من يقرأُ الآنَ لوحَ الغيابِ؟

كأنَّ الغيابَ كتابُ القَدَرْ

ومن طينِ بدءِ التكوينِ صوتٌ

يهمسُ: لا

لن أكتبَ اسمي لوهمٍ يمرْ

ولا أتبعُ الريحَ إن ذرَّتِ

بذورَ الطميِّ بلا مطرْ

3

لي في الفجرِ وجعٌ يتجدّدْ

وفي النبضِ تسكنُ كلُّ الحكايا

أوجاعيَ المعلّقاتُ تلوحُ

كطيفٍ على رمادِ الطللْ

وفي ومضِ الصبحِ أبصرُ

نفسًا تفيضُ من الماءِ حيًّا

تحملُ جمرًا خفيًّا بصدرْ

يخبو طويلًا بليلٍ بعيدْ

وراءَ السكونِ صوتٌ يشقُّ الصمتْ

غالبًا..

يسائلُ دمعي ظلَّهُ:

أجئتُ من الماءِ؟

أم ضيّعتُ بابَ الرُّجى؟

4

من يمسكُ الطيفَ إن يتبخّرْ؟

من يوقدُ الدربَ إن ينطفئْ؟

إذا أطفأ الحزنُ مصباحَهُ

وضاعَ الزمانُ بين السطورْ

تقولُ النخيلُ: لن أهبَ الظلَّ

لوجهٍ غريبٍ لا يعرفُ الماءْ

ولا أسقي العطاشى سحابًا

يفرُّ قبيلَ اكتمالِ المطرْ

5

أدورُ بدهليزِ نفسي كثيرًا

ويطاردُ صوتي خطايَ البعيدةْ

ليلُ الأسئلةِ المستطيلْ

يثقلُ صدري.. يطولُ المدى

فأينَ سيولدُ فجرُ اليقينْ؟

وأيُّ اتجاهٍ يعيدُ البدءَ؟

كيفَ الخروجُ من الاختناقْ؟

كونٌ يختنقُ في زفيرٍ

بصدرٍ وحيدٍ.. بلا انتظارْ

6

من يمشي مع الريحِ دونَ انكسارْ؟

من يقرأُ الليلَ حتى السَّحَرْ؟

ويصبرُ لا ينثني للعدمْ؟

تقولُ الأرضُ: لن أُعطيَ الماءْ

لظمأٍ أعمى لا يرى النهرَ

ولا أمدُّ يديَّ لقمرْ

شحيحٍ.. يذوبُ قبيلَ الفجرْ

7

لي في الفجيعةِ نبضٌ خفيّ

وفي العينِ حكايةُ صمتٍ طويلْ

ذكرياتي المعلّقاتُ تمضي

بفضاءِ طميٍّ قديمٍ ثقيلْ

وفي شرارةِ الضوءِ أحيا

وأنهضُ من لهبِ الشكِّ حيًّا

أمدُّ كفّي إلى الغيمِ

وأُبصرُ طيرًا من الضوءِ يعلو

غالبًا..

يسائلُ دربي خطايَ:

إلى أيِّ أصلٍ أمضي؟

8

لي في الجراحِ حروفٌ خفيّةْ

وفي العينِ دمعُ التشكّي

جراحي تطيرُ كطيرٍ شريدْ

وفي خيطِ صبحٍ أرى

نافذةَ النورِ قد فُتحتْ

فأكتبُ فوقَ الضلوعِ: ربما..

يسائلُ مائي مجراهُ:

إلى أينَ يمضي

إذا غابَ عنهُ البحرُ؟

كودا: (نقشُ الماء)

أمشي.. وفي كفّي نقشُ الماءْ

أرسمُ دربًا لظلٍّ إذا ضلَّ

وأقولُ للأرضِ: يا ناسِيَةَ الاسمِ

ما زالَ للطينِ صوتٌ يُنادي

وما زالَ للماءِ بابٌ خفيّ

يفتحُ في الصدرِ

أوّلَ نبضْ

***

د. سعد غلام

 

الراسخونَ وفُلْكُهمْ مُتحركُ

والمدركونَ اذا تلكأَ مُدركُ

*

والهابطونَ على الأديمِ نيازكاً

هلّا عرفتمْ ما يقولُ النيزكُ؟!

*

والصاعدونَ الى السماءِ كواكباً

دريَّةً فيها الاباةُ تبرَّكوا

*

والراسمونَ على الطريقِ خرائطاً

مِن وهجِها جيشُ المظالمِ يَهلكُ

*

هُمْ أهلُ مفتاحِ الغيوبِ وغيبُهمْ

أصلُ الحضورِ، وسرُّهم لا يُسفَكُ

*

حتى واِنْ سُفكتْ دماءُ رقابِهمْ

فعدوُهمْ مِنْ هولِ رعبٍ مُربَكُ

*

حيرانُ يستجدي الهدوءَ فلا يرى

سبلاً تكونُ الى الهناءةِ مَسلكُ

*

هُمْ راحلونَ الى السماءِ وصوتُهم

لغزٌ بِهِ كيدُ اللئامِ يُفكَّكُ

***

شعر: كريم الأسدي – العراق

الصورة التي ظهرت أمامي على صفحة "الفيس بوك" لم تكن سوى صدفةٍ رقمية، تلك الأنواع من الصدف التي تحدث في منتصف الليل وتغير مزاجك بالكامل، دون أن تعرف السبب. كنت أتنقل بلا هدف بين منشوراتٍ مجهولة، أخبارٍ عابرة، وجوهٍ لم أعد أميزها، حين توقفت فجأة أمام وجهٍ أعرفه أكثر مما أريد أن أعترف. صديقي عبد الرزاق ابراهيم  .

كان أحد تلامذته قد نشر صورته في ذكرى رحيله عام 2011، بعد صراعٍ طويل مع المرض. الصورة لم تكن جديدة، لكنها لم تكن قديمة بما يكفي لتصير ذكرى مطمئنة. فيها كان عبد الرزاق يبتسم نصف ابتسامة، كما لو أنه يعرف أكثر مما يقوله. ملامحه تبدو في مكانٍ آخر، كأنها تسمع ما لا نسمعه، أو تتابع حوارًا غير مرئي بينه وبين الحياة التي أفلتت من بين يديه. 

تجمّدت الصورة أمامي لثوانٍ طويلة. الغريب أنني لم أرها على الشاشة، بل رأيتها داخلي، كما لو أن الضوء الذي يشع من هاتفٍ باردٍ قد اخترق فجأة ذاكرةً ظننتها مطفأة منذ زمن. لم تعد الصورة مجرد وجه، بل مفتاح. ومع انفتاحه، انفتح الباب على تلك الليلة البعيدة التي ظلت راكدة في أعماقي مثل بركة ماءٍ في زمنٍ بلا مطر. 

تلك الليلة… نعم، لا أعرف لماذا عادت الآن، بهذه الحدة، بهذا الضوء المائل إلى الحنين. إنها الليلة نفسها التي لم أعرف بعدها صفاءً يشبهها ولا فرحًا يوازيها. كل ما تلاها كان أشبه بظلٍ باهتٍ لما كان يمكن أن يكون. ربما لهذا السبب بدت صورة عبد الرزاق وكأنها لا تتحدث عن الموت بقدر ما تعيد إحياء لحظةٍ قديمة من حياةٍ أخرى، حياةٍ لم نعرف وقتها أنها ستغدو ماضينا الوحيد. 

أذكرها الآن كما لو كانت تكتب نفسها من جديد. كانت تمطر في الخارج، وكان الليل يهبط ببطءٍ على المدينة التي لم تكن تعرفنا بعد. كنتُ مع عبد الرزاق، زميلي في كلية الفنون الجميلة، ندرس المسرح ونؤمن – بسذاجةٍ جميلة – أن الفن يمكنه إنقاذ العالم. كان في صوته حين يتحدث عن المسرح شيء من الحلم وشيء من الحزن، كأنّه يعيش دائمًا بين المشهد والبروفة، بين ما يجب أن يحدث وما يحدث فعلًا. 

ذلك الزمن، حين أستحضره الآن، لا يبدو وكأنه ماضٍ تمامًا، بل كأنّه ما زال يتنفس في مكانٍ ما خارج الزمن، حيث لا أحد يكبر، ولا شيء ينتهي. في ذاكرةٍ كهذه، لا تعود التفاصيل تمضي بخط مستقيم، بل تتشابك، تلتفّ، تندمج، كما لو أن الأمس واليوم يتبادلان الأدوار دون أن يخبرانا. 

هكذا حدث مع الصورة أيضًا. لم تكن مجرد استذكارٍ لشخصٍ رحل، بل عودة غير متوقعة إلى الذات التي كنتها معه. ربما لهذا شعرت وأنا أحدّق فيها بأن المطر بدأ يهطل في مكانٍ ما خلفي، ليس في الخارج بل في الذاكرة نفسها، حيث كل شيءٍ يعود ليُختبر من جديد. وكأنّ الصورة، بنظرتها الساكنة تلك، كانت تقول لي إننا لا نغادر أصدقاءنا حقًا، بل نواصل الحياة داخل الصور التي تذكّرنا بأننا كنا يومًا أحياء. 

 كنتُ وصديقي عبد الرزاق، الذي كان حينها مجرد مخرج في خياله، نعيش مرحلةً غريبة حيث يلتبس الواقع بالحلم، وتصبح الحدود بين الحياة اليومية والمسرح غير محسوسة. كنا طلبة في كلية الفنون الجميلة، نحمل طموحًا كبيرًا، لكنّه لم يكن طموحًا للنجاح أو للشهرة، بل طموحًا للعثور على مساحة يمكننا فيها أن نكون صادقين مع أنفسنا، ولو للحظات قصيرة. كان المسرح بالنسبة إلينا وطنًا مؤقتًا، ملاذًا نصنعه بين الجدران، حيث نرى أنفسنا على حقيقتنا كما نودّ أن نكون، لا كما يفرض الواقع أن نصبح. 

أذكر كيف كنا نغادر قاعة التدريب أو خشبة المسرح بعد نهاية اليوم، نحمل في صدورنا شيئًا لا يُرى ولا يُقاس، شعلة خفية من الإيمان بأن الفن، هذا الكائن الهش والنبيل معًا، قادر على ترتيب العالم بطريقة مختلفة، وفق إيقاع أكثر انسجامًا مع الأحلام. لم نكن نعرف بعد معنى العالم، لم نكن نعلم كيف يمكن تغييره، لكننا كنا نؤمن، ربما بلا وعي، أن الخلاص موجود في الضوء الذي يسلط على الخشبة، في الكلمة التي تُقال في اللحظة المناسبة، وفي الصمت الذي يملأ المسرح ويصبح كالصلاة. 

عبد الرزاق كان يملك تلك النظرة التي تجمع بين الطفولة والوعي المبكر، بين الدهشة والجدية، كأنّه دائمًا يتلمس العالم من زاويةٍ مختلفة عن الآخرين. كانت أحاديثه عن المسرح مليئة بالتصورات المجازية، لكنها لم تكن مجرد كلمات؛ كانت خرائط صغيرة تقودنا عبر المتاهة الغريبة للفن، وتعلمنا كيف نرى ونشعر قبل أن نتصرف أو نتحدث. 

في أيام التدريب، كنت ألاحظ كيف تتحرك أفكاره بلا توقف، كيف ينسج الأحداث في رأسه قبل أن تُعرض على الخشبة، وكيف يتعامل مع كل مشهد كما لو أنه يعيش أكثر من حياة واحدة في الوقت ذاته. وكان شيءٌ آخر يثيرني فيه: قدرته على المزج بين الواقع والخيال دون أن ندرك متى ينتهي أحدهما ويبدأ الآخر. كانت حياتنا اليومية تبدو كامتداد مباشر لما نختبره على المسرح، وكأننا نعيش النصوص قبل أن نكتبها، ونمثلها قبل أن تصير حقيقية. 

في تلك المرحلة، كان كل يوم يحمل إمكانات غير محدودة. كانت الفصول الدراسية والممرات الضيقة في الكلية والأزقة التي نمشيها بعد التدريب كلها جزءًا من عالمنا المسرحي الداخلي، جزءًا من تلك الشبكة المعقدة من الانفعالات والأحلام واللحظات العابرة التي تعلمنا فيها معنى الصدق مع الذات. كل ضحكة، كل إيماءة، كل صمت كان يترك أثرًا فينا، أثرًا يشبه اللوحة غير المكتملة، التي نعرف أنها ستكتمل فقط حين نعيد النظر إليها بعد سنوات، أو حين يظهر شخص ما – كما حدث مع صورة عبد الرزاق – ليعيد فتح باب الذاكرة على مصراعيه. 

وهكذا، كانت علاقتنا بالمسرح تجربة مستمرة للوجود، حيث نختبر الحياة بحواسٍ مكثفة، ونكتشف العالم من خلال لعبةٍ دقيقة بين الضوء والظل، بين الصمت والكلمة، بين ما نريد وما يحدث. كل لحظة كانت تبدو بسيطة، لكنها كانت في الواقع مفعمة بالمعاني الخفية، كما لو أن كل شيء، حتى أكثر التفاصيل تفاهة، كان جزءًا من النص الكبير الذي كنا نعيشه دون أن نكتبه. 

وفي هذا التداخل بين الحياة والفن، بين الحلم والواقع، بين الذات والزمن، اكتشفنا شيئًا أساسيًا: أن المسرح ليس مجرد مكان نصنع فيه مشاهد، بل هو المكان الذي نختبر فيه حقيقة وجودنا، ونصغي فيه إلى أصواتٍ ربما لن نسمعها أبدًا في أي سياق آخر، أصواتٍ تجعلنا نفهم – ولو للحظة قصيرة – أننا لسنا منفصلين عن العالم، وأن الفن الحقيقي هو الذي يجعلنا نعيش في اللحظة ونشعر بها بصدقٍ كامل.  

كان عبد الرزاق يملك تلك النظرة التي تجمع بين الجد والدهشة، بين الطفولة والحكمة المبكرة، نظرةٌ تجعل كل كلمة يقولها تتردّد داخلك كصدى بعيد لا تعرف مصدره، وكأنها تحرك شيئًا قديمًا نائمًا في داخلك. كان يؤمن، بشكل لم أستطع تفسيره حينها، بأن المسرح ليس مجرد تمثيل، بل حياة مضاعفة، وأن الممثل لا يتقمص دورًا، بل يكتشف في كل شخصية وجهاً آخر من ذاته، كما لو أن كل نصّ مسرحي هو خريطة غير مرسومة للعالم الداخلي.

كنت أستمع إليه بإعجاب وريبة، كما يستمع الإنسان إلى لغةٍ لا يعرف قواعدها بعد، لكنها توقظه، تلمس شيئًا غامضًا في أعماقه، شيئًا يشبه الحلم القديم الذي ينتظر من يوقظه بعد سنوات طويلة. 

كانت أيامنا تمضي ببطء جميل، كفصل طويل من رواية لم ندرك أننا نكتبها بأجسادنا وأصواتنا وحركاتنا الصغيرة.

كل صباح كان وعدًا جديدًا بالدهشة، كل مساء كان انطفاءً مؤقتًا لذلك الوعد، لا يلبث أن يعود في اليوم التالي. عشنا في زمن لم يكن الماضي فيه قد صار حنينًا بعد، ولم يكن المستقبل قد اتخذ شكله من الخوف والشكوك. عشنا ببساطة نادرة، وبفرح لا يعرف سببًا سوى أنه وُجد، كأنه شمس خافتة تتسلل من نافذة مهجورة لتضيء زاوية مهملة من الغرفة. 

عدنا في تلك الليلة من السينما، نحمل في أعماقنا شيئًا من الصمت الذي يتركه الفيلم بعد أن ينطفئ الضوء على الشاشة، صمت يبقى حيًا في الداخل، يتحرّك في طبقات خفية من الوعي، مثل فقاعات الهواء التي تسبح في زجاجة مغلقة لا تُفتح.

الحافلة كانت تمضي ببطء يشبه الحلم، تنزلق على الطرق المبللة، وأضواء الشوارع تذوب في زجاج النوافذ كدموع لا تنتهي، تاركة خطوطًا ضبابية على وجوهنا لم نستطع تفسيرها حينها. 

لم يكن المطر مجرد خلفية للمشهد، بل امتدادًا طبيعيًا للفيلم الذي خرجنا منه، فيلم بلا عنوان ولا نهاية، يكتبه الليل قطرة قطرة على وجه المدينة، يكتبنا نحن أيضًا في صمتنا، في حركاتنا، في أصوات ضحكنا المكتومة. كل قطرة كانت كأنها رسالة من السماء، رسالة تقول إن العالم أكثر رقة مما ندرك، وأننا لسنا مضطرين لتفسير كل شيء، بل لنكون موجودين، لنشعر، لنحتفل باللحظة العابرة التي لا تعود، ونسمح لأنفسنا بالانصهار في ما حولنا. 

في تلك الليلة، وبين المطر والضوء والصمت، شعرت لأول مرة أن الحياة والمسرح ليسا شيئًا منفصلًا عن بعضهما، بل شريط مستمر من اللحظات الصغيرة، التي إذا جمعناها معًا، تكوّن معنىً أكبر من أي نص مسرحي أو فيلم قد يُعرض. وكأن عبد الرزاق، بصمته وابتسامته، كان يعلم ذلك كله، بينما نحن كنا نكتشفه ببطء، قطرة بعد قطرة، كالمطر نفسه، بلا استعجال، بلا وعي كامل، لكن مع شعور نادر بالاكتمال. 

في تلك اللحظات، شعرنا أننا لا نعود إلى مكانٍ محدد، بل إلى أنفسنا، إلى ذلك الجزء العميق الذي لا تلمسه الأيام إلا حين تمطر.

الحافلة كانت تضج بأحاديث متقطعة، لكننا ظللنا صامتين، كلٌّ منا غارق في عوالمه الداخلية.

وجه عبد الرزاق كان مبللاً بالضوء الأصفر القادم من المصابيح، وعيناه تنعكسان كصفحتين من نهر صغير يتذكّر طفولته.

لم أكن أعرف إن كان يفكر في الفيلم الذي خرجنا منه أم في تفاصيل حياته، لكنني كنت متيقنًا أننا نعيش نوعًا من الامتداد بين ما رأيناه على الشاشة وما نشهده الآن خارجها؛ كأن الفن قد تسرب إلى الواقع، فصار المطر نفسه عملًا سينمائيًا، وكل شارعٍ مشهدًا من فيلم غير مكتوب بعد. 

حين توقفت الحافلة عند الحي السكني، كانت السماء قد فتحت أبوابها على مصراعيها، وانهمر المطر كأنه إعلان سماوي عن بداية جديدة. لم نحمل مظلات، ولم نفكر لحظة في الاحتماء. بل على العكس، بدا أن فكرة الاحتماء تُسيء إلى ذلك الطقس المقدس، إلى النعمة التي تهبط علينا من أعلى، كغسلٍ عذب يطهّر القلب من غبار الأيام الجامدة، من الطبقات الخفية للإرهاق والخيبة التي تراكمت فينا دون أن نشعر. 

خرجنا من الحافلة كما يخرج المرء من حلم طويل ليجد نفسه في حلم آخر. الهواء كان بارداً، لكنه لم يكن مؤذيًا؛ كهواء جديد يولد للتو، نديًّا، محمّلًا برائحة الأرض التي تستيقظ بعد طول غياب.

مشينا بخطوات بطيئة في الأزقة التي غمرتها المياه، كل خطوة كانت تُصدر موسيقى خفيفة، تشبه إيقاع المطر على زجاج النوافذ.

لم نكن نضحك ولا نتحدث، لكن بيننا كان حوارٌ صامت من نوعٍ نادر، حوار لا تُقال فيه الكلمات، بل يُستشعر كما تُستشعر حرارة اليد في الظلام، كأننا نتشارك نفس الحلم، نفس الامتداد الغامض للوجود. 

كل تفاصيل الأزقة، من انعكاسات الأضواء على الماء إلى أصوات أقدامنا المبللة، كانت تبدو وكأنها جزء من نص مسرحي مكتوب لنا وحدنا.

لم يكن هناك جمهور

لم يكن هناك توقعات

فقط نحن، المطر، والليل، في انسجامٍ كامل، حيث كل شيءٍ يصبح ممكنًا وكل شيءٍ مستمر بلا سبب منطقي.

شعرتُ حينها، لأول مرة بوضوح، بأن الحياة والمسرح ليسا شيئًا منفصلًا، وأن تلك اللحظة العابرة، بكل بساطتها وغموضها، كانت تحمل كل معنى الفن الذي نحاول أن نفهمه منذ بداية دراستنا. 

ومع كل خطوة، كل ضحكة مكتومة من الماضي، كل نبضة قلب خفية، كان المطر يكتب نصنا الخاص، نصٌّ لا يُرى إلا في أعماق الذاكرة، نصٌّ يتنفس معنا، يتقاطع مع كل لحظة من حياتنا القادمة، كأن عبد الرزاق، بصمته وهدوءه، كان يوقظ فينا إدراكًا لم نعرفه من قبل: أن الفن الحقيقي ليس ما نُقدمه على الخشبة، بل ما نعيشه بصدق حين يصبح الواقع مسرحًا بحد ذاته. 

مشينا في الأزقة دون عجل، كأننا نحاول تمديد اللحظة إلى ما لا نهاية، نسمع وقع أقدامنا على البرك الصغيرة، نشعر بنسيم المطر البارد يمر على وجوهنا، ونراقب انعكاسات أضواء الشوارع على الأسطح الرطبة. كل زاوية، كل جدار مبلل، كل ظل كان يتحول في عينيّ إلى جزء من نص مسرحي حي، نص لم يكتبه أحد، لكننا كنا نشعر أنه مكتوب لنا وحدنا. 

عبد الرزاق كان يسير بجانبي بصمت، وكأن صمته جزء من الحوار. كنت أعرف أنه يراقب كل شيء، ليس فقط المطر أو الأزقة، بل نحن أنفسنا، كيف نتفاعل مع كل نقطة ماء، كل انعكاس ضوء، كل همس للريح بين الأشجار.

في صمته كان درسٌ في الفن، في الحياة، في القدرة على التواجد الكامل في لحظة لا تتكرر. 

توقفنا تحت مزراب يصرخ بالماء المتدفق من سطح أحد البيوت، وتركنا المطر ينسكب فوق رؤوسنا، يبلل ملابسنا، كأننا نغتسل من كل شيء ثقيل في حياتنا اليومية:

من الضغوط الصغيرة

من القلق غير المعلن

من الإحباطات التي تراكمت بلا صوت.

لم نكن نخاف من البلل، بل بدا أن كل قطرة مطر هي دعوة للحرية، تذكير بأننا أحياء، وأن اللحظة الحالية تستحق كل انتباهنا. 

حين وصلنا أخيرًا إلى السكن، خرج بعض الطلبة ينظرون إلينا بدهشة، ونحن نضحك بلا اكتراث، بلا شعور بالخجل، بلا أي محاولة للتمويه.

كنا نعرف سرًا صغيرًا، شعورًا لم يفهمه أحد سوانا: أن السعادة الحقيقية لا تأتي من الترتيب أو السيطرة، بل من التسليم للشيء الذي يحدث الآن، من الانغماس في اللحظة بلا تحفظ. كانت ضحكتنا امتدادًا للمطر، جزءًا من نص لم يُكتب، لكنه حيّ في داخلنا كما لو أن الحياة نفسها كانت مسرحًا نعيشه بلا سيناريو مسبق. 

في تلك الليلة، اكتشفت أن الفن الحقيقي ليس مجرد كلمات أو مشاهد على خشبة مسرح، بل لحظات مثل هذه، حيث يصبح العالم كله مسرحًا، والمطر ممثلًا، والضوء ناقدًا، والصمت مشهدًا مكتملًا. تعلمت أن كل شيء صغير يمكن أن يحمل معنى كبيرًا، وأن المسرح والحياة ليسا شيئًا منفصلًا، بل خيطًا واحدًا يمتد من الماضي إلى الحاضر، من الداخل إلى الخارج، من الذات إلى العالم. 

وعندما أغلقنا الباب خلفنا، وجلسنا على المقاعد الرطبة في غرفتنا، شعرت بأن تلك الليلة، بكل ضحكها ومطرها، بكل صمتها وحركتها، ستبقى معنا إلى الأبد. كانت درسًا عن الحياة، عن الفن، عن الصداقة، عن الوقت الذي لا يعود، لكنها، في الوقت نفسه، كانت وعدًا: بأن كل لحظة يمكن أن تتحول إلى شيء خالد، إذا عرفنا فقط كيف نعيشها بالكامل، بلا خوف، بلا تردد، بلا حدود سوى حدود قلبنا وقدرتنا على الانتباه الكامل لما يحدث. 

ضحكنا كما لم نضحك من قبل، ضحك لم يكن صادرًا من الفم فقط، بل من أعماق لم نكن نعلم بوجودها فينا.

وجوهنا مرفوعة نحو السماء، والماء يتدفق فوق جباهنا وأعيننا المغلقة، كأننا نشارك في طقس غامض من التعميد، طقس يُعيدنا إلى حالٍ أولى، صافية، بلا مرآة أو مراقب. نناجي السماء لا بالكلمات، بل بالاستسلام لها، بالقبول لأن يُبللنا المطر ويغمرنا ويُمحو كل ما يثقل تفاصيلنا اليومية. في تلك اللحظة لم نكن طلابًا ولا فنانين ناشئين، بل كائنات خرجت للتوّ من طوفان كوني، تحاول اكتشاف لذة الخلق من جديد، وكأن العالم يُعيد تعريف نفسه معنا لحظة بلحظة. 

المزاريب كانت تصرخ بماء الأسطح، ووقفنا تحتها كما يقف العطاشى عند نبع مقدس، نترك الماء يهدر على رؤوسنا بقوةٍ جعلتنا نضحك أكثر، نضحك كمن يمارس طقسًا داخليًا للتطهير، ليس عبر الاعتراف بالكلمات، بل عبر الفيض المائي الذي يطهر الجسد والروح معًا.

كان الضحك يتدفق من داخلنا بلا حواجز، بلا خجل، بلا قيود، كأنه يتغلغل في كل خلية، ويعيد ترتيب كل شيء في الداخل. لم نكن ندرك حينها أن هذا الضحك سيصبح، بعد سنوات طويلة، من أكثر الأصوات التي يحن إليها القلب، حين يتبقى من الرفاق إلا ذكرى وصدى لحظاتهم العابرة. 

شعرت حينها أن الزمن قد توقف حقًا، وأن عقارب الساعات قد خجلت من عبثنا الطفولي فآثرت التراجع إلى الوراء.

الليل، الذي طالما بدا غامضًا ومغلقًا، صار شفافًا على نحوٍ غريب، كأن العين تستطيع الرؤية من خلاله ما وراء الأشياء، ما وراء الأحداث، ما وراء الذات نفسها. بدا العالم وكأنه لم يُخلق إلا لتلك المتعة العابرة، لتلك اللحظة التي اتحد فيها الجسد بالماء، والفرح بالجنون، والذاكرة بالحاضر. 

كانت تلك الليلة تجربة استثنائية، اختبرت حدودنا كبشر، حدود ضحكتنا، حدود إحساسنا بالحرية. كل قطرة مطر، كل هدير للمزاريب، وكل صمت بين الضحكات كان نصًا مسرحيًا حيًا، مكتوبًا من قبل لا أحد، لكنه مكتوب لنا وحدنا، نقرأه بلا وعي، نشعر به بلا تفسير. وفي تلك اللحظة، أدركت أن السعادة الحقيقية ليست في المستقبل ولا في الماضي، بل في الامتداد الكامل للحظة، في الاستسلام للمطر، في الانغماس في الحاضر حتى آخر قطرة منه، حتى آخر نفس من فرحةٍ خالصة لم تخضع لقوانين العالم بعد. 

ولعلّ ما جعل تلك الليلة حية في داخلي، رغم مرور الأعوام، هو أنها كانت تذكيرًا بأننا، في أعماقنا، ما زلنا أطفالًا، وأن المطر – مهما كبرنا – يملك القدرة على إعادتنا إلى أصلنا الأول، حيث لم نكن نعرف شيئًا عن الخوف أو التردد، وحيث تختصر الحياة بأكملها في لحظة واحدة: لحظة نضحك فيها تحت السماء المفتوحة، مبللين تمامًا، سعداء بلا سبب واضح، فقط لأننا كنا هناك، نعيش كما لم نعش من قبل. 

وعندما بلغنا السكن، وقد التصق الماء بأجسادنا كوشاح من الضوء، خرج بعض الطلبة إلى الممرات والنوافذ، كأنهم يشهدون مشهدًا من مسرحية غريبة لا يعرفون عنوانها. بدت وجوههم متسائلة، نصف مبتسمة ونصف مذهولة، تنظر إلينا ونحن نعبر البوابة الضيقة كمن يدخل من زمن آخر. لم يكن في نظراتهم استهجان بقدر ما كان فضولًا مشوبًا بعجز عن الفهم؛ كانوا يرون فينا شيئًا لا يمكن تسميته، شيئًا يذكّرهم ربما بما نسوه، دون أن يدركوا أنهم نسوه. 

أما نحن، فقد كنّا نضحك. نضحك لا لأن شيئًا مضحكًا قد حدث، بل لأن الضحك وحده كان قادرًا على احتواء الامتلاء المدهش الذي نشعر به. كان في ضحكنا نوع من النشوة الصامتة، نابعة من يقين غامض بأننا لمسنا جوهر الحياة دون قصد. بلل الثياب، قطرات الماء التي تتسلل إلى أعناقنا، البرد الذي بدأ يقرص أطرافنا — كل ذلك لم يكن إلا جزءًا من الطقس، من الطهارة التي تمنحها اللحظة لمن يجرؤ على عيشها حتى آخرها. 

تذكرت حينها كيف أن كل حركة، كل همسة، كل ضحكة، كانت كأنها حروف تُكتب على صفحة الزمن، صفحة لا يمكن لأي أحد قراءتها إلا بعد أن تصير ذكرى. وما زال ذلك الامتلاء الغامض يرافقني كلما تذكرت المطر، كلما رأيت وجهًا عزيزا يبتسم بلا سبب، أو شعرت بهبوب نسيم يمر على يدي كما لو كان يعيدني إلى تلك اللحظة، حيث كل شيء كان حقيقيًا، حيث كل شعور كان صادقًا، حيث كنا – ببساطة – أحياء على نحو كامل. 

في تلك الليلة، تعلمت شيئًا لن أنساه أبدًا: أن السعادة الحقيقية لا تُصنع، ولا تُبنى، بل تُستعاد، مثل المطر، بلا سابق إنذار، بلا سبب، ببساطة لأنها تأتي لتوقظ فينا الطفل الذي نسيه الزمن، وتعيد إلينا القدرة على رؤية العالم كما يُستحق أن يُرى، بتوهج، بصفاء، وبفرح كامل لا يُقاس. وكلما تذكرت تلك الضحكات، تلك الأمسية، أشعر بأن كل شيء في حياتي منذ ذلك الحين، مهما بدا عاديًا أو ضائعًا، يحمل في داخله نفس القدرة على الدهشة، نفس القدرة على أن يجعلني أعود إلى المطر، إلى طفوليتي، وحقيقة كوني موجودًا بلا أي قيد سوى اللحظة نفسها. 

رأيت على وجه عبد الرزاق ابتسامة لم أرها من قبل، ابتسامة هادئة لكنها ممتلئة بما يشبه الصفاء. كأن المطر قد غسل عنه ثقل الأفكار التي طالما رافقته، عناد الفنان الشاب الذي يريد أن يفهم العالم قبل أن يحبه. كانت ضحكته تلك تقول كل ما لم يُقل في الليلة، تقول إن الحرية ليست في اختيار الطريق، بل في التسليم لما يدهشك، لما لا يمكنك السيطرة عليه، لما يُذكّرك فجأة أنك كائن هشّ لكنه حيّ، وأن الوجود نفسه، بكل فوضاه وجماله، يستحق أن يُعاش بلا حذر. 

ولما تبادلنا النظرات ونحن نرتجف قليلاً من البرد، أحسست أن ما يربطنا في تلك اللحظة يتجاوز الصداقة أو الزمالة. كان المطر قد صهرنا في وحدةٍ غير مرئية، وحدة يعرفها فقط من اختبرها: أن تكون مع آخر في قلب العالم، بلا درع، بلا خوف، مستسلمًا تمامًا للدهشة. لم نكن نعلم أننا نعيش شيئًا سيبقى معنا إلى الأبد، كأن كل ضحكة في تلك الليلة تُسجَّل في ذاكرةٍ أخرى، ذاكرة لا تعرف النسيان، ذاكرة تختزن المطر والضوء والفرح والبراءة التي لم يعد بإمكاننا استعادتها إلا حين نُعيد خلقها في لحظات نادرة من الحياة. 

وحين دخلنا الممر المظلم المؤدي إلى الغرف، كانت خطواتنا تُحدث صدى رطبًا على الأرض، كأننا نترك أثرًا خفيًا لما حدث في الخارج، أثرًا يربط بين الماضي والحاضر، بين ما عشته وما سيبقى في داخلنا. ترددت أصوات الطلبة خلفنا، أسئلة ضاحكة، تعليقات مبهمة، لكننا لم نجب. لم يكن فينا رغبة في التفسير. كنا نعلم أن ما عشناه لا يُفسَّر، لأن التفسير يقتله. 

كل شيء كان حيًا في ذاكرتنا:

وقع المطر

موسيقى المزاريب

صفاء الليل

دفء اللحظة التي لم نكن نريدها أن تنتهي.

كنا ندرك، في صمتٍ كامل، أن السعادة الحقيقية تتشكل من تفاصيل صغيرة لا يمكن وصفها، وأن ما حدث لنا في تلك الأمسية ليس مجرد حادثة عابرة، بل تجربة حياتية متكاملة، تجربة تظل ترافقنا، تذكرنا بأن العالم، مهما بدا قاتمًا، يحمل لحظات يمكنها أن تُحيي أي روح، لحظات تختزل معنى الحياة في قطرة مطر، في ابتسامة صديق، في ضحكة لا تُنسى. 

جلست على سريري بعد أن بدّلت ملابسي، وما زلت أشعر بالماء في شعري، ببرودته اللذيذة وهو يلامس عنقي، وسمعت ضحكنا يتردّد في داخلي كصدى بعيد يرفض أن يختفي. عندها فقط أدركت أن الحرية الحقيقية ليست شعارًا يُرفع، ولا قرارًا يُتخذ، بل لحظة انكشاف كامل أمام الوجود، لحظة انصياع لما هو أكبر منك وأصدق منك. أن تترك نفسك لما يُبلّلك، لما يُخيفك قليلًا، لما يجعلك تدرك أنك ما زلت تتنفس، وأنك ما زلت – رغم كل شيء – قادرًا على الدهشة، على استقبال العالم كما هو بلا حواجز. 

في تلك الليلة، لم نضحك على المطر، بل ضحكنا معه، وكأننا شاركناه سره الأزلي: أن الحياة، حين تُعاش دون خوف، تتحول إلى ضحك خالص تحت سماء مفتوحة، ضحك يلمس القلب قبل أن يلمس الفم، ضحك يخلق عالمه الخاص، قصير العمر لكنه خالد في الذاكرة. لم أعرف بعد تلك الأمسية ليلة تضاهيها في صفائها وسعادتها، وربما لأن السعادة حين تبلغ كمالها لا تعود قابلة للتكرار، بل تتحول إلى معيارٍ خفي نقيس به كل ما يأتي بعدها، فنشعر بالنقص في كل ضوء، في كل ابتسامة، في كل لحظة لاحقة تحاول أن تقترب من الوضوح الذي عشناه حينها. 

كانت تلك الأمسية، بكل جنونها ومطرها وضحكها وارتجافها الجميل، لحظة تفتحت فيها روحي على إدراك لم أكن أسعى إليه ولم أكن أعلم أنه ممكن. لم تكن مجرد ذكرى مراهقة أو حنينًا إلى زمن ضاع، بل كانت حدثًا كاشفًا، أقرب إلى الوحي، لحظة يتجلى فيها الجمال لا كمشهد منظور من بعيد، بل كحالة تُعاش بكل الحواس، بكل ما في الكائن من هشاشة ودهشة وانفعال. 

كل شيء في تلك الليلة كان حيًا في داخلي: وقع المطر على الأرض، صدى ضحكتنا، انعكاسات الضوء على الأسطح المبللة، برودة الهواء التي أدركت بها جسدي، شعور الامتلاء الذي لم أجد له كلمة حينها. أدركت أن الفن، والصداقة، والحياة نفسها، تتقاطع في لحظات كهذه، لحظات صغيرة وحقيقية، تستدعي التوقف الكامل، اللحظة التي تجعل الزمن يبدو وكأنه يتسرب ببطء حتى يُصبح كل شيء منسجمًا، حاضرًا، واضحًا، ملموسًا. 

ومن تلك اللحظة، بقيت تلك الليلة معي، لا في شكل صورة أو حكاية، بل كحاسة خفية، كمعيار داخلي للصفاء، للحقيقة، للفرح، وللقدرة على أن نكون أحياء بلا قيود، بلا أحكام، بلا خوف، مستسلمين بالكامل لجمال اللحظة التي لم نكن نعرف أننا كنا نصنعها حينها، لكننا عشنا بكل ما أوتينا من حضور ودهشة وانفتاح. 

حين أفكر في تلك الليلة الآن، لا أرى المطر ولا الأزقة ولا وجوهنا الضاحكة فحسب، بل أشعر كأنني أستعيد جوهر التجربة الأولى في المسرح، في الفن، في الحياة ذاتها. فالمسرح – كما أدركت بعد ذلك – ليس مكانًا نراقب فيه الآخرين من بعيد، بل فضاء نُلقي فيه بأنفسنا تمامًا، كما ألقينا أجسادنا في المطر، بلا تحفظ، بلا حساب. الجمال، إذن، لا يُرى من بعيد، لأنه يذبل في المسافة، يفقد حرارته حين نضع بيننا وبينه مسافة الأمان. الجمال لا يُفهم، بل يُلمس، يُعاش، يُخترق كما يخترق البرد الجلد، وكما يخترق الصوت الصادق القلب. 

كانت الأمسية تلك درسًا مبكرًا في معنى الوجود داخل اللحظة، في أن نكون جزءًا من المشهد لا متفرجين عليه. ففي كل ما صنعناه – غناءنا، ضحكنا، اندفاعنا إلى تحت المزاريب – كنا نمارس نوعًا من التمثيل العفوي، لا على خشبةٍ من خشبٍ وإضاءةٍ مصطنعة، بل على خشبة العالم ذاته، في ضوء البرق وصوت المطر، في تفاعل كامل مع ما حولنا. كل حركة كانت إيماءة صادقة، وكل ضحكة حوارًا مع اللامرئي، وكل قطرة مطر تصفيقًا صامتًا من السماء، وكأن الكون كله يشاركنا في هذا المشهد، يعترف بوجودنا، ويمنحنا حقنا في أن نكون أحياء وممتلئين تمامًا. 

أدركت حينها، بطريقة لم تترك مجالًا للشك، أن الفن الحقيقي يبدأ حيث يتوقف الانفصال بين الداخل والخارج، بين الذات والعالم، بين الخشبة والحياة.

كل ما عشناه في تلك الليلة لم يكن مجرد تسلية أو خروج عن الروتين، بل ممارسة حقيقية للحرية، تجربة مباشرة للوجود، محاولة لفهم كيف يمكن للحياة أن تُعاش بلا حواجز، بلا قيود، بلا تزييف. 

وحتى الآن، حين أسترجع تلك اللحظة، أجد نفسي أعود إلى ذاك الشعور بالاندماج الكامل، بالتماهي مع المطر، بالاتصال غير المشروط مع صديقي عبد الرزاق، ومع كل ما كان حولنا.

كانت تلك الليلة بمثابة درس أولي، تجربة أولى، لحظة كشف أولى، أذكى من أي تفسير أو فكرة:

أن نعيش، ببساطة

وأن نترك للحياة أن تتدفق كما تتدفق المياه

كما تتدفق اللحظات

كما تتدفق الذكريات، بلا قيود، بلا خوف، بلا حاجة لأن نفهم كل شيء، بل فقط لنكون حاضرين تمامًا، هنا، الآن، مع كل قطرة، مع كل ضحكة، مع كل نفس يتنفسه القلب. 

وأدركت لاحقًا أن الفنّ الحقيقي، كالمطر، لا يمكن التحكّم به. يأتي حين يشاء، يهطل على من يشاء، ولا يترك بعده إلا أثرًا خفيًّا، بصمةً صغيرة تتغلغل في الداخل وتبقى، حتى لو تبدّد كل شيء آخر. تلك الليلة كانت أول درسٍ في التلقي، في الاستسلام لما هو أكبر من النية والإرادة، وأجمل من أي تفسير. لقد علّمتني أن الجمال ليس امتلاكًا، ولا رؤيةً، ولا حكمًا، بل انغماسًا كاملًا في المجهول، وثقةً صامتة بأن ما لا نُدركه بالعقل قد يكون أصدق مما نفهمه بالكلمات. 

ربما لهذا، كلما جلست بعد ذلك في مسرحٍ مظلم أتابع عرضًا، كنت أستعيد تلك الليلة تلقائيًا، كما لو أن المطر الذي سقط قبل أربعين عامًا ما زال يهطل على كل شيء.

كنت أسمع صدى المطر في صمت المتفرجين، وأرى في كل ممثلٍ ظلًا لذاتي القديمة، تلك التي كانت تضحك بلا سبب سوى أن المطر كان يسقط ويغسل كل ما كان ثقيلًا داخلها.

لم أعد أبحث عن الكمال في الفنّ، بل عن الصدق؛ عن اللحظة التي يفقد فيها الفنان وعيه بذاته، فيصبح هو ذاته المطر الذي يغمر الآخرين، بلا حواجز، بلا قيود، بلا تفسير. 

وهكذا ظلّت تلك الليلة بالنسبة إليّ درسًا مؤسسًا، درسًا في الجمال والحرية والطفولة، درسًا في أن الفنّ لا يُولد من الرغبة في الإبهار، بل من ذلك النوع النادر من التسليم، حين تنسى أنك تؤدي، وتصبح جزءًا من الكون وهو يضحك ويبلّل ويغني.

تحت المطر، عرفت أن المسرح ليس مجرد مكان، بل حالة وجود، وأن الجمال لا يُرى من بعيد، بل يُعاش بكل ما في العيش من بللٍ وضوءٍ واندهاشٍ لا ينتهي. 

أغلقت شاشة الهاتف، لكن وجه عبد الرزاق بقي أمامي، كما لو أن المطر لم يتوقف بعد، وكأن تلك الليلة التي جمعتنا لم تكن مجرد ذكرى، بل زمنًا ما يزال يسيل في داخلي، يذكّرني بأن بعض الصداقات لا تموت، بل تتحول إلى ضوء خفيف يسقط علينا كلما رأينا صورةً، أو سمعنا المطر، أو تذكّرنا أننا مرةً ما، تحت سماءٍ مفتوحة، عشنا أعمق معنى للحرية والفرح، حين لم يكن هناك شيء سوى المطر، وضحكتنا، وقلوبنا البكر التي لم تعرف الخوف بعد. 

***

مروان ياسين الدليمي