عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

رَفْعُ المَكانةِ، بالتَزْويقِ مَنْقَصَةٌ

وللحقيقةِ دَوْرٌ، في المَضامِينِ

*

وللاصالةِ رَفْضٌ، إنْ احاطَ بها

ما يوهِمُ السمْعَ، في عَزْفٍ وتلْوينِ

*

عَزْمُ الرجالِ بإيمانٍ، له مَدَدٌ

مِن جَنّة الإرثِ، بين الحِين والحِينِ

*

وفي التكلُفِ، يبدو الحِسُّ مُرتَبِكاً

والحِسُّ طَبْعٌ، بإيعازٍ وتَمْوينِ

*

ليس الدواءُ بِشافٍ، دون مَعرِفةٍ

ورُبَّ داءٍ مَضى، في حُسْنِ تَقْنينِ

*

ياسائرا بوِسام المَجْدِ، مؤتَلِقاً

نِلْتَ الخلودَ، بأسبابٍ وتمْكِينِ

*

عَزْفٌ يرافِقُ إنشادا، له أثَرٌ

في جوْهر القلبِ، مِن عِزٍّ وتَزْيينِ

*

يزهو القرِيضُ بأوصافٍ بكَ اقتَرَنَتْ

وللنُصوصِ افْتِخارٌ، بالأفانِينِ

*

ليس الثناءُ، كُليماتٍ مُنَمَّقَة ً

إنْ لم يكن في رحاب الحقِّ والدينِ

*

سُمْرُ القَنا، إنْ رأتْ في الكفِّ مَسْكَتَها

بالعَزْمِ تزْدادُ خَرْقاً، في العَناوينِ

*

مهِمَّةُ البُعدِ، للأشواقِ كَشْفُ صَدىً

كم مُقْلةٍ دمْعُها في البعدِ يَرويني

إن عَفَّ في الوصل حُبٌّ، دام مَغْرسُه

وعِفَّةُ الجِّيلِ، نَهْجٌ في الأساطِينِ

***

(من البسيط)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

تقولُ: أما آنَ وقتُ التلاقي

حبيبي، حبيبي، كفاني اشتياقي

*

فقلتُ: أما آنَ أن تقدمي

لقد طالَ ليلي، وطالَ احتراقي

*

أُنادِيكِ والليلُ يرخي ستاراً

وأُخفي حنيني وراءَ المآقي

*

فإن جئتِ عادَ الربيعُ لقلبي

وعادَ إلى الروحِ بعضُ انبثاقي

*

وإن غبتِ ظلَّتْ على بابِ نفسي

بقايا خطاكِ، وطيبُ عناقي

*

أيا من سكنتِ عميقَ الحنايا

أما تعلمينَ شَجَا ما أُلاقي؟

*

أطوفُ دروبَ المنى كلَّ ليلٍ

وأرجعُ وحدي بغيرِ اتفاقِ

*

فهل من صباحٍ يضمُّ خطانا

ويُرجعُ للروحِ عهدَ الوفاقِ؟

*

تسابقَ شوقي إلى مُلتقانا

ونمضي إلى الوصلِ دونَ افتراقِ

*

على ضفّةِ النهرِ مرّتْ خطانا

فأيقظَ شوقي هديرُ السواقي

*

تعالي، فقد طالَ هذا التجافي

وأضنى فؤادي طويلُ الفراقِ

*

تعالي نُرمِّمُ ما قد تشظّى

ونبعثُ في الحلمِ معنى انعتاقي

*

أحنُّ إليكِ حنينًا تسامى

إذا لاحَ في الأفقِ برقُ العراقِ

*

سقيتُ اللياليَ من كأسِ شوقي

فصارَ الحنينُ لذيذَ المذاقِ

*

فعودي، فما عادَ لي من سلوٍّ

وما لي سوى موعدٍ بالتلاقي

*

وما الحبُّ إلا بقاءُ اشتياقٍ

إذا ظلَّ في القلبِ رغمَ الفراقِ

*

تَعَالَيْ، فَإِنِّي سَئِمْتُ التنائي

وَأَضْنَانِيَ الشَّوْقُ بَعْدَ افتراقي

*

سَأَبْقَى عَلَى العَهْدِ حَتَّى التَّلَاقِي

وَأَسْقِي حَنِينِي بِدَمْعِ المَآقِي

***

جاسم الخالدي

ولي قلبٌ به أحوي البرايا

وأجمع من غدوا منهم سبايا

*

وأمشي فيهمُ ليلاً .. نهاراً

ولن أعيا إذا أرقى الرّبايا

*

وأعبر محنة الصّحراء فيهمْ

ولن أخشى الحوادث والمنايا

*

صبوراً .. صابراً أسري لوحدي

على صبر الأباعر والمطايا

*

فما كلّت بإصراري صفاتي

وما انهدت بداخليَ الخبايا

*

أسير العمرَ في الدّنيا وئيداً

وأسرع كلّما هاموا ورايا

*

وأشهر سيفيَ الصّمصامَ حرباً

على من لم يستجلِ القضايا

*

وأطلق شفرةَ التجريح شعراً

على من شجَّ في الأفق المرايا

*

وأمطر غيمة التّظليل جمراً

على سرب الأفاعي والعضايا

*

سأجعل كوخيَ المسكين قصراً

منيفاً شاهقاً قصداً وغايا

*

لكي تحيا الجموع على وجودي

وبعد الموت تحييني الوصايا

*

لأنّي لن أموت كمن أميتوا

ولن أثوى كما تثوى المطايا

*

أعيش الدَّهْرَ ؛ إسماً دونَ رسمٍ

وأتركُ ما أخطِّطُ للبرايا

*

وأُتبِعُ رحلةَ السّبعين عمراً

إلى الألفين .. ما خابت نوايا

*

وأُسمِعُ جوقةَ الحادين لحناً

يُمَوْسَقُ في المدى ناياً فنايا

*

يغنّي كلُّ من يمشي ورائي

ويطربُ من سرى يقفو خطايا

*

سأحمل في الصّقيع بما أستطعتُ

طوال الدّهر للنّاس الهدايا

*

لأنّي لم أمت إلّا انولدتُ

كما العنقاء من بين الشّظايا

*

أفتّش في الظّليمة عن عيوني

وعن رأسي بمعترك المنايا

*

وأبقى هكذا صَلْباً عتيداً

وذي أقصى الأماني في مُنايا

*

فلم أَخضع بأعوامي لباغٍ

ولم أَخدع بسافلة البغايا

*

عراقيَّ الشّمائلِ.. من نخيلي

ورثتُ الكِبْرَ محمودَ السّجايا!

***

رعد الدخيلي

لا تمت

في هذا اليوم القاسي.

أصابعي متعبة

لن تستطيع أبدًا

أن تمسح الدموع المتجمّدة

المتعلّقة بأهداب

شواطئ الرؤية.

لم تعد تُميَّز الألوان

عن بعضها.

الأفكار ترفرف

بالأبيض والأسود.

كل شيء هشّ،

يمرّ بك

كريحٍ بلا رأس.

أحيانًا،

تغطي يدٌ وجهك

كي لا تتحرك شفاهك

مرةً أخرى.

بعد كل هذه المشاهد المملّة،

لم تعد تتعرّف

إلى وجوه العابرين.

شخصان،

على مدّ البصر،

يمشيان ببطء،

كأنهما يطآن

على قشور بيض

الحياة.

صياح ديك،

وسكين جزار،

يمتزجان بأصواتهما،

كأنها محادثة

تجري تحت الأمواج—

ألحان بلا معنى.

وهل للكلام

دومًا وجه؟

أحدهما يتمنى

أن يكون هو

النائمَ المستيقظ،

بينما الآخر

ينطق بكلمات لم تفهمها.

ألم ترَ

الی الطائر

الذي طار

من قفص صدره؟

خطوتان إلى الوراء.

والآن، انظر.

لقد استقرّ الخريف

على الأغصان.

لا تدع

أوراق قميصك

تسقط.

وإذا ضللت الطريق،

فاختفِ

أقل من الضياع.

بينما حركة المرور

لن تتوقف

من أجل تابوت

يتأرجح تحت

تلك الشمس النادمة،

الشمس التي سقطت

في حفرة الأفق.

غدًا

ستشرق مبكرًا،

بعينٍ واحدة ناعسة،

كأنها لم تتذوّق قط

مرارة الرحيل،

فتجعل ظلال

شواهد القبور

أكثر قتامةً من الأمس.

تكفي نظرة واحدة.

وسرعان ما تجد نفسك

مثقلًا بالنعاس،

مستندًا إلى

ذراع شقّ.

الوجهة بعيدة.

فلا تجادل نفسك.

لم يعد أمامك شيء

إلا أن تهبط من السطح

على سلّم الزمن،

إلى الأسفل،

حيث تجد مهدًا

تستلقي فيه روح—

غريبةً عنها

الأحلام المتضخمة.

ما أسعد حظك!

لم تُسلب

علی خطوط منفاك

خلف جدران المعرفة.

ولم يبتلعك همسٌ

بجوار بقايا

حاجزٍ مظلم.

في إحدى الليالي،

سقطتَ

من بين فكي

ذئبة عجوز،

وهبطتَ

على رصيف

شارعٍ خالٍ.

أسرعتَ في طريقك

بمحاذاة الرايات الملوّنة.

لم تتوقف

الصرخات.

وكانت الأحلام

تفرك عيونها.

كان هناك

ملجأ وحيد.

ومهدٌ

ينتظر في الأسفل.

وروحٌ

لا تزال مستلقية

على ظهرها،

تنتظر—

تنتظر

عودتك.

***

سوران محمد 

....................

....................

Phase

Do not die

on this harsh day.

Tired fingers

will never be able

to wipe away

the frozen tears

clinging to the eyelashes

of the shores of vision.

Colors can no longer

be told apart.

Thoughts flutter

in black and white.

Everything is fragile,

passing you by

like a headless wind.

Sometimes,

a hand covers your face

so that your lips

will not move again.

After so many tedious sights,

you no longer recognize

the faces of those passing by.

Two figures,

as far as the eye can see,

walk slowly,

as though they were stepping

upon the eggshells

of life.

The crowing of a rooster

and the butcher's knife

mingle with their voices,

like a conversation

taking place beneath the waves—

melodies without meaning.

And does speech

always have a face?

One of them wishes

to be the one

who sleeps while awake,

while the other

utters extraordinary words.

Did you not see

the bird

that flew from the cage

of its chest?

Take two steps back.

Now look.

Autumn has settled

upon the branches.

Do not let

the leaves of your shirt

fall.

And if you lose your way,

disappear.

It is less

than being lost.

Traffic will not stop

for a coffin

swaying beneath

that remorseful sun,

the sun that fell

into the hole

of the horizon.

Tomorrow

it will rise early,

one sleepy eye opening,

as though it had never tasted

the bitterness of departure,

casting the shadows

of gravestones

darker than yesterday.

A single glance

is enough.

Soon you will find yourself

overcome by sleep,

leaning upon

the arm of a notch.

The destination is far.

So do not argue

with yourself.

You have nothing left to do

but descend from the roof

upon the ladder of time,

down to the bottom,

where you will find a cradle

in which a soul lies—

a stranger

to immense dreams.

How fortunate you are.

You were not robbed

during your exile

behind the walls of knowledge.

No whisper swallowed you

beside the remains

of a dark barrier.

One night,

you fell

from the jaws

of an old she-wolf

and landed

upon the pavement

of an empty street.

You hurried on

beside the colored banners.

The screams

did not cease.

The dreams

rubbed their eyes.

There was a lonely refuge.

A cradle

waiting below.

A soul

still lying on its back,

waiting—

waiting

for your return.

***

دون تحية المساء، جلست لورديس إلى جانبي.

قالت:

- أشعر بنقص.. بنقص كبير بين نزيلات المصحّة، خصوصًا من ينمن تحت سقف غرفتي.

يرفضن الحديث معي. أشعر بالإقصاء التام من الجميع، خصوصًا في قاعة الأكل.

هل لأنني دميمة، عبدول؟

كنتُ..

كنتُ أقرأ رواية «الشيخ والبحر» في نسخة إسبانية.

وضعت ريشة الحمام بين الصفحتين 90 و91.

بالضبط.. في صراع العجوز سنتياغو مع السمكة الكبيرة، وهو يحاول الاحتفاظ بتوازن ما تبقى من قامته، مجددًا شبابه الذي رحل مع عراك الحياة ودورة الفصول، في سهو وخلسة.

سنتياغو:

عن أي عالم تفتش؟

اللغة مقام بديل؟

أين يعلن الموت حضوره، أفي الأصل أم البديل؟

كيف تراوغه؟

هل تزعجك الشيخوخة؟

ما الذي يقلق سنتياغو؟

البهجة عشتَها، والألم حملته معك. عشت ويلات الحرب، سافرت كثيرًا، أحببت ألف امرأة، شربت النبيذ في كل حانات مدن وقرى أوروبا، كتبت وعرفت الشهرة. وماذا بعد؟

وأنت الذي علمتني أبجدية المقاومة.

وقلت لي:

- الإنسان لم يُخلق لليأس، قد يتعثر، الكرامة تطالبه بأن ينهض حيث سقط، وقد استوعب الدرس وأدرك الخطأ، ويواصل المشي.

أبله..

أبله من لا يتلفع بمعطف الأمل في وقت تقلبات الجو وسخط القر والحر والعواصف.

حتى أنت، سيدي سنتياغو، خنتني. بتلك الرصاصة من بندقية صيد كانت هدية من أبيك، والتي رافقتك طوال حياتك، فيها تشم رائحة الوداع الغامض.

وحطمك أخيرًا اليأس، أيها الملاكم القديم.

وأنت الذي علمتني أبجدية المقاومة.

فيجيبه غاضبٌ آخر؛ فينسنت فان غوخ،بنبرة حسرة وتعب:

- كلما تقدم العمر بنا، غدونا أكثر تعلقًا بها.. لأجل ذلك أغادرها في أوج اشتعالي.

ولكن لماذا؟!

إنه الإخفاق مرة أخرى.

لن ينتهي البؤس أبدًا.

وهي تكفكف دموعها، قالت:

- هل لأنني دميمة، عبدول.. يرفضني الجميع؟

لم أكن أنظر إلى وجهها. كنتُ أنظر خلفه. أنا، في الحقيقة، أحتفل بالباطن. وأعرف جيدًا أن أهل الباطن لا يعمرون طويلًا.

أهله يموتون في محطات غريبة وبطرق بشعة؛ وإن كان أحدهم محظوظًا، تنتهي حياته تحت سقف مارستان.

يقال إن قارئ كف وُضعت أمامه صورة لكف إنسان. تأمل طويلًا في خطوطها وتعرجاتها، وقال العرّاف:

- هذه كف رجل قذر ولص خطير.

وبصوت اليقين.. أضاف:

- وقاتل.

ذهب قارئ الكف المشعوذ ضحية الإيمان بالظاهر.

الكف كانت لفيكتور هوغو.

أعدت سنتياغو إلى قبره، على رف بين شلال من الكتب، كلٌّ ورقمه تمامًا كالسجناء والأموات، بل إن مفتاح مكتبة المصحّة تحت إدارته، وهي تعرف لمن تسلّمه. الجدد، في نظرهم، هم الكتب، وينبغي أن يساعدوا المعالجين النفسيين على قراءة صفحات حياتهم. سيسمح لهم بالفوز بالمفتاح عندما تنكشف لهم طريق النجاة من جحيم المخدرات بكل أنواعها.

نعم، أنا هنا لأنني مدمن كحول، وقلت في نفسي:

- فاقد الشيء لا يعطيه.. وقد يعطيه.. ولا أحد وجدها كما يشتهي.

وأضافت السيدة لورديس:

- لماذا خلقني الله دميمة؟ ألم يقل كتابكم المقدس:

 «وقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم»؟

أنظر.. أنظر جيدًا.. كيف تسخر المرآة من تقويمه؟!

نعم، زوجي الملعون، ليذكرني بحقيقتي في عيد ميلادي، أهداني مرآة. صدقني، عبدول، حطمت رأسه بزجاجة نبيذ.

(تهتز من شدة قهقهة مديدة).

وتتابع كلامها:

- نقلوه إلى المستشفى، وأنا إلى المخفر. أُطلق سراحي في المحكمة بعد أن تفهّم القاضي أحوالي النفسية.

سألتها:

- وأين زوجك الآن؟

- في السجن.

- السجن؟

- نعم. اغتصب شرف ابنتي، ابنته، وخنقها بسلك كهرباء.

وساد صمت بيننا.

قلت:

- لورديس.

- نعم؟

- حاولي معهن مرة أخرى.

- لا جدوى، عبدول.. لا جدوى.

- هل تحدثتِ مع الإدارة؟

- هم أيضًا يكرهونني ويتمنون رحيلي.. يكرهونني، عبدول.

هل أنا مزعجة إلى هذا الحد؟

- وأنا؟

- أنت مثلي. نتقاسم الإحساس نفسه، أقصد الإقصاء.

- وهل أنا دميم أيضًا؟

- لا.

- إذن؟

وصمتت وهي تفكر، وأضافت:

- أرجوك، لا تغضب مني، عبدول.

بهدوء:

- تكلمي، لورديس.

- إنك «مورو».

(تُطلق لفظة «مورو» على كل عربي يملك بشرة سمراء، وعموماً على سكان شمال إفريقيا، وقد تكون شتيمة حسب طريقة النطق بها: قذر، متخلف، محتال، لص..)

قلت والضحك يسابق الحروف:

- إذن أنا خطأ تاريخي فادح، ووجودي بينكم يترجم قبحي الشاسع؟

ضحكت لورديس، فبرزت أسنانها الأمامية السوداء والمشققة.

 وقالت:

- نعم.

قلت:

- في الحقيقة، أنا لا أشعر برفض من أحد، بالعكس.

- أنت تتوهم بهذا القبول.

- إنه إحساسي، وأنا حر فيه.

- أنت مريض مثلي ومعقد.

- هذا حكمك الخاص، وأنا لا يهمني.

- إنها الحقيقة.

- أرجوك، لورديس، إذا كانت طبيعة حوارك بهذا الشكل، فأكيد سيرفضك الجميع.

سأتركك الآن، موعد الدواء قد حان. لا تهتمي، سنواصل الحديث وقتما شئت. أوكي؟

- أوكي، عبدول.

..

..

في قاعة الأكل، جلست إلى مائدة لوحدها، تقضم الخبز وتكلم نفسها.

ومن قانون المصحّة: الأكل مع الجماعة. كلٌّ وطبقه، وعلى الطبق منديلٌ لُفَّ داخل خاتم في قبضة يد من الخشب، نُقش عليه اسم كل نزيل.

حملت طبقي وجلست أمامها.

أعرف جيدًا أن الإدارة ستعاقبني.

أعرف..

والعقاب أنواع، وأشدها قسوة أن تقف أمام مرآة وتمسح زجاجها طوال اليوم.

صغيرة، تعكس فقط الوجه وتعكس مرور بعض النزلاء .

ويضعون إلى جانبك مذكرة بأوراق عذراء وقلمًا، ويطلبون منك أن تكتب كل ما تراه في المرآة من أفكار وأحداث.

وإذا عدت بالمذكرة دون حرف، أو ملأت البياض بأسماء بعض النزلاء الذين مروا خلفك، وأخذت تحدثهم عن هفوات الآخرين بدل أن تنظر إلى نفسك، يكررون العقاب في الغد.

وإذا لم تطاوعك المرآة، لك عقاب آخر:

طيلة أسبوع، لا يكلمك في المصحّة نزلاؤها ولا من يعمل تحت سقفها.

صمت..

صمت مطلق، وينبغي التفكير فقط في الخط الذي رسمته لك الإدارة.

مثلًا: لماذا حملتُ الطبق وجلستُ إلى جانب لورديس؟

يسمون حالة لورديس «الضحية». والتمادي يضاعف عزلة الفرد.. والعزلة تقود إلى الكأس ومشتقاته.

أو إلى أمراض نفسية حادة، والقيام بتصرفات غريبة وصبيانية.

وأحيانًا إلى وضع نهاية لهذا التعب بحبل أو رصاصة.

هل كان سنتياغو سجين هذا الإحساس؟

قالت لي بصوت حاد، وبحركة هستيرية:

- خذ طبقك وعد إلى مكانك.

- أنا فقط..

قاطعتني:

- أنا لا أريد شفقة من أحد، وبالخصوص من «مورو» مثلك.

طوحت بطبقها في الهواء. وتركت قاعة الأكل باكية.

بعد الأكل، طُلب مني عبر مكبّر الصوت الحضور إلى الإدارة.

أمام مديرة المصحّة جلستُ.

- هذا ما كانت لورديس تبحث عنه. لقد حققت رغبتها.

- أنا فقط..

- طوال حياتك تلعب دور المنقذ. وأنت الغارق في جحيم ورطتك.

وأضافت:

- عقابك..

قاطعتها:

- المرآة.

***

عبد الحق طوع

إسبانيا

 

رأيتُ ثورًا قويًّا يحرث،

سقطَ الثورُ ميتًا.

لا بدَّ أنني أصبتُهُ بالعين،

ربما الثورُ قد رأى نهايتَهُ في حلمٍ عابر.

فكما يقولُ المثلُ الكرمانجي:

"حتى ثورُ الحراثةِ يحلم"..

يا ترى،

ماذا رأى الثورُ قبل أن يموت؟

بماذا كان يحلم الثور؟

***

مراد سليمان علو

زَعَموا بأنّي كالمياهِ الرّاكِده!!

كلُّ الوجوهِ تَشابَهَتْ وتَشابَكَتْ

ألوانُها ... أنهارُها

ماءٌ

بخارٌ

تُربَةٌ

وَحصىً تُسابِقُ في الهَوى

والماءِ نجْمَ أنوثَتي ...

وضجيجُ أمطاري

وتاريخي،

تُلَوِّنُهُ القَوافي

والحروبُ كأنَّها،

بِرَفاهِها وَبَنينِها،

أحجارُ قلبي،

في الوِلادةِ

والشَّهادةِ

والحَنينِ تُعانِقُ

الحَجَرَ الكريمَ لِجَبْهَتي!..

**

زَعَموا بأنّي كالمياهِ الرّاكِدة!!

نبْعٌ هدوئي ...

من شموسٍ

من براكينٍ

بجَوفِ الأرضِ تغلي

كالزيوتِ الـ تَسْتَقيها

من حقولٍ واعِدة!! ...

**

زَعَموا بأنّي كالمياهِ الرّاكِدَه!!

صَمْتي تَعالى في الصَّدى،

فَتَحَ المَدى

كَشَفَتْ رؤاهُ كَواكِباً

سيّارةً للقلبِ، للأرواحِ

تَعْلوها سَماءٌ ساجِدَةْ!! ...

***

شِعر: إباء إسماعيل

بَـعْضُ الـمَشَاعِرِ تَخْتَفِي بِالحَبْسِ

إِلَّا الـهَوَى كَـالنَّقْشِ فَوْقَ الطِّرْسِ

*

عَـجِزَ الـزَّمَانُ عَـنِ اقْـتِلَاعِ جُـذُورِهِ

بِـالـمَسْحِ وَالـتَّظْلِيلِ أَوْ بِـالطَّمْسِ

*

وَحَـبِيبَتِي تَـنْفِي مَـلَامِحَ عِشْقِهَا

مِـثْلَ الَّـذِي يَنْفِي ضِيَاءَ الشَّمْسِ

*

وَهُــنَــاكَ أَلْــــفُ قَـرِيـنَـةٍ وَقَـرِيـنَـةٍ

تُـوحِـي لِـفَـهْمِ كَـلَامِـهَا بِـالعَكْسِ

*

قَرَأَتْ هِيَامِي فِي حُرُوفِ قَصَائِدِي

وَأَنَـــا قَـــرَأْتُ غَـرَامَـهَـا بِـالـحَدْسِ

*

وَإِذَا الْـتَـقَـيْنَا يَـسْـتَـبِيحُ سُـكُـونَنَا

طَــرْفٌ يُـحَـدِّثُ طَـرْفَـهَا بِـالـهَمْسِ

*

وَتَـفِـرُّ مِــنْ عَـيْـنَيَّ خَـوْفًا أَنْ أَرَى

عِـشْقًا عَـمِيقًا كَـامِنًا فِي النَّفْسِ

*

مَـا كَانَ يَخْدَعُنِي الجُحُودُ، فَخَانَهَا

بَـعْـضُ الـتَّصَنُّعِ فِـي لِـقَاءِ الأَمْـسِ

*

مَــــا ضَــرَّنَــا أَلَّا يَــقُــولَ لِـسَـانُـنَا

مَـــا دَامَ قَـلْـبَـانَا بِـنَـفْسِ الـحِـسِّ

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

لَقَد شَفَّ هَذا القَلبَ أَن لَيسَ بارِحًا

لَهُ شَجَنٌ ما يُستَطاعُ قَريبُ

فَلا النَفسُ تَخليها الأَعادي فَتَشتَقى

وَلا النَفسُ عَمّا لا تَنالُ تَطيبُ

"قيس بن الملوح"

***

هَمْتُ.. دُونَ هَمٍّ،

هامتْ وهممْتُ لها،

لمْ تهِمْ!

فيها نجوى: قِنديلُ صُبحٍ

يهمِسُ حينَ يهِلُّ الضَّوءُ

بوعدِ الثَّمالةِ

2

يا شَفَةَ الشُّروقِ..

خَمرُكِ يسكُنُ في نُطقي

ويبُثُّ في الدُّروبِ

أَقحُوانًا يهرُبُ من جَفنيكِ

لينهلَ من نبضي

3

من هُدْبِ عينيكِ دلَّاني

خيطٌ يعلُو وينهدِلُ

فتُعلِّقِيني في نَفَسٍ

يبقى مدًى لصُراحِ الشَّوقِ

4

(قُبلُ الزَّبرْجدِ..

تُلملِمُ عُمْرًا ،وتجُرُّ رعشتهُ

نحو سِلالِ شفتيكِ)

5

قِفْ يا ثرى..

هل تغفُلُ العُيونُ

عن ضوءِ قلبٍ

سطا على خدِّ حورٍ

وارتحلَ؟

6

سيرِي.. ورَواسي الشُّموخِ،

هيفاءُ تلوحُ في خُطاها

من نفحِ هُدوبِ الصَّبْرِ،

تهمِسُ: ها أَنا.. ها أَنتَ

7

(أَقْيامُكِ،

سرائِرُ مَدْرجٍ

شهِدتْ همْسَ الفجرِ

على قدِّكِ المياس)

8

أَجْملَ السَّيرَ في عينيكِ،

نورٌ يهوي..

نورٌ يرتقي،

ويُخلِّفُ في البوحِ رعشتَنا

9

(اِحْجُبوا النُّورَ

إِنْ توضَّأَ بالنَّهارِ،

فالرُّوحُ تلتهِمُ ما يساقطُ

من ندى أَهدابِ الرَّبَّةِ في الليل السحيق)

10

مضارِبُ ريحٍ تحمِلُني،

وتُهشِّمُ في جوفي نبْرًا

كادَ يبوحُ،

وكادَ يموتُ

***

الكودا

ها أَنا أَعودُ لحِبائِكِ،

وأُدندِنُ في ظِلِّكِ الوضيِّ

ما لم يقُلهُ جَمْري:

إِنّي همتُ،

وما زِلْتُ أَهيمُ

***

د. سعد محمد مهدي غلام

 

بِمثنى أو ثُلاثٍ أو رُباعِ

خُذِ الأنخابَ من دَنِّ السَماعي

**

أدِرْها أيّها العزّافُ ناراً

لِزيتٍ في قناديلِ القِلاعِ

**

بإيقاعِ المعازِفِ ثَمَّ غرقى

بِها غرقوا وما وَصلوا لقاعِ

**

وموسيقى سلالمُها شموسٌ

وهل يُحيي الزهورَ سوى الشُعاعِ ؟

**

سلالمُها صعوداً أو نزولاً

قوافٍ نادمتْ نسَغَ اليراعِ

**

صُعودُ الصولِ يتبَعُهُ نزولٌ

وتسمو الروحُ في نَغَمِ السَماعِ

**

صدى درجاتِها نَغَمٌ تمادى

فأوشَكَتِ الضفافُ على التداعي

**

على شبّاكِ منزِلِنا يَمامٌ

يُقطّعُ شَدْوَهُ هَذَرُ الرُعاعِ

**

وَثَمَّ عنادلٌ تركتْ صداها

كَدَقّاتٍ لِأفْئدَةٍ سِراعِ

**

مودّعةً صوامعَها جلالاً

وقابِضةً على جَمْرِ الوداعِ

**

سلاماً هدهدَ البشرى سلاماً

بَريدُكَ نغمةٌ من قلبِ ساعي

**

فقلبي ضامئٌ لِبروقِ بشرى

كفى ما ذاقَ من صوتِ النواعي

**

تَزَوّدَ من طبائعِ سُندبادٍ

وحازَ دليلُهُ ذاتَ الطِباعِ

**

وَ يَمّمَ ضوءَ كوكبةِ الثُريّا

وتاهَ سفينُهُ رغمَ الشِراعِ

**

وأبْحرَ دونَ بوصلةٍ جُزافاً

وقد تزهو القريحةُ بالضياعِ

**

إلى جُزُرٍ هُنالكَ في الأقاصي

وَفي الجنبينِ قارعةُ القِراعِ

**

على ريشِ التسامُحِ طارَ فجراً

وَلَمْ يحلُمْ بزادٍ أو مَتاعِ

**

فبينَ الفتنةِ الحُبلى بنارٍ

وإكسيرِ النجاةِ مقاسُ باعِ

**

وبينهُما عُرىً وُثْقى وَتأبى

شَرارةَ صرخةٍ: صاعاً بِصاعِ

**

أروّضُ بالقوافي طبعَ نفسٍ

كَناياتٍ لدى حاوي الأفاعي

**

لقد أوهى النزاعُ ديارَ سلمى

فحاذرْ سوسةً خلفَ النزاعِ

**

فواعجباً ذوي القُرْبى أعَدّوا

الى حَمّالَةٍ حَطَبَ الصراعِ

**

سُكارى بالعقائدِ والفتاوى

وكأسِ الناهبينَ مُنى الجِياعِ

**

رواياتُ القدامى قد أعارتْ

منابِرَنا لِأوْجِرَةِ الضباعِ

**

لَوَتْ عُنُقَ السياقِ أوانَ فارتْ

شَهيّتُها الى لَيِّ الذراعِ

**

يُصدّعُ شمْلَنا هَوَساً بِداءٍ

وقد ملَّ الورى داءَ الصُداعِ

**

يرى لعنَ الأوائلِ محضَ حقٍّ

كذا دأبُ الرعيّةِ دون راعي

**

فإنْ طاشتْ بلبِّكَ عَنْعناتٌ

فليسَ شيوعُها بالمُسْتطاعِ

**

فكم أودتْ حروبٌ في الخوالي

وقد قامت على خَبَرٍ مُشاعِ

**

سَيضحكُ شانِئٌ إذ لا يراكم

بأجمعِكمْ سوى بورٍ مَشاعِ

**

سيبقى البيتُ ملغوماً إذا ما

سَترْنا السوءَ في لُغَةِ الخِداعِ

**

بخافيةِ البواطنِ ألفُ جُبٍّ

وألفُ زُليخةٍ خلفَ القناعِ

***

د. مصطفى علي

صُعوداً..

أنا الارتباكُ الخَفِيُّ

رأيتُكِ في لُجَّةِ الإثمِ

تقترفينَ فنائي

صُعوداً..

أنا الماءُ

أغسلُ روحي

بزهرِ الإلهِ

و أُزجي إلى المستحيلِ

سمائي

​ــ 2 ــ

هيَ ذي

توقدُ في الحبِّ

خلايا العاصفةْ..

فيعودُ الشعرُ مكتوباً

بفوضى الأنزفةْ..

هو ذا..

بين يديها

في جنونِ الكافِ

أو نونِ السماءِ الراجفةْ..

​ــ 3 ــ

سأجتازُ بعضَ الغيومِ إليكَ

و ألقاكَ

مثلَ صباحٍ

رمى نفسَهُ..

من أعالي القصيدةِ

في نشوةِ الشرفاتِ

سألقاكَ..

مثلَ هُيولى

من اللازوردِ

و أُوغِلُ..

في لذةِ النارِ و الموتِ

أُوغلُ حتى انتهاءِ الفناءْ

​ــ 4 ــ

و أنا في الكينونةِ..

أدركتُ صدى الصورةِ فيكَ

فَيَمّمْتُ إليكَ..

قرأتُ قِصارَ السُّورِ..

و قلتُ لعلِّي بمِزاجِ النارِ..

و عاطفةِ الماءِ

أنا المأخوذةُ بمزيجِ العوسجِ

والضوءِ..

سأُدرِكُ قبلَ فواتِ

رسيسِ العنبرِ أُدرِكُ طَيْفي..

​ــ 5 ــ

هل ينحني

شجرُ الشروقِ لَهُم..

هل ينحني..

قمرُ الأصيلْ..؟

هو في هواءِ الخارجينَ

عن انتفاضاتِ النّدى..

يرمي الحواسَ..

بِما تَضَوَّرَ

من غناءٍ لم يَلِدْ..

و يغيبُ..

حيثُ تموتُ

تحتَ الظلِّ

أزهارُ الأبدْ

​ــ 6 ــ

عينانِ زائغتانِ

وقتٌ ضائعٌ

و قطيفةٌ كانت دمي

هي ساعةٌ..

صارتْ تُسمى المستحيلْ

هيَ ساعةٌ للغيمِ

يكتبُها الجحيمُ

حينَ اكتوى باللَّغوِ في

أرواحهِ

فرَّتْ بهِ..

فرَّتْ من الظُّهْرِ الرجيمِ..

و ساكَنَتْ بئرَ المساءِ

​ــ 7 ــ

هل أنتَ شكلُ الظِلِّ

أَمْ نصٌّ..

لِزَهْوِ الخيلِ

أَمْ شجرٌ..

لموسيقى النعاسِ

و شهوةِ الأنفاسِ..؟

مَطَري يُحدِّثُني..

بأنَّكَ لَوْثَةُ الناجينَ

من حَرْبِ القصيدةِ

حينَ يَفْجَؤُها

الرصاصُ..

يا طائرَ الكلماتِ

هل أبْصَرْتَ رائحتي

و هل أدركتَ نجمي

في هزيعٍ

لا يُحَدُّ من الغرابةِ

والندى..

هي رغبتي المحروقةُ

الإيقاعِ

توغلُ في متاهٍ

ساحرٍ

بين البياضِ بأَزْرَقَيْهِ

و بينَ شعوذةِ

المدى

***

مرشدة جاويش

يتضوع الينبوع فجرا بالندى

ليرش وجه الصبح بالأقداس

*

ويريك أن صقلت به مرآته

ما في فؤادك بلسما للناس

*

وتمثلت في الروح كل مليحة

وتراقص القداح بعد الياس

*

أبصرت فيها يا نديم فراشة

دارت على دنيا الأنام بكأسي

***

تأتي الغمامة باليقين وشأنها

في الخير أسقي من رُبى الأوراس

*

فكأنها بدر تبدى في الدجى

ما أجملت من حسنها الخلاس

*

وترعرعت والزهر أشهى صورة

متربعا في الحقل والاغراس

*

وترمضي طوع الانوثة والصبا

فالشوقُ أضرمَ في الحشا أنفاسي

***

وتخلدي فالشوق أبهى شعلة

ما أوكزت من سحرها الدهاس

*

أو تعلمين الحسن أهدى ضيعتي

ما أفتكت من نبلة في الماس

*

وتغنجي فالهجر أمضى في الحجى

يا ما دهى من هجرها وأياسي

*

ورسمتها خصرا لأحلى دمنة

كي يصطفي في النور من جلاسي

***

أو ينثني غنج وكحل للمها

عما شكى من فتنة النبراس

*

وترنمي فالسهد أعلى لحنه

قيد الصبا ما فك من أحباسي

*

أو تثملين وفي الورى من بسمة

طافت به من بحرك أنفاسي

*

ولقيته وجه الصبابة في الفلا

ولدارنا طافت سنى الأجراس

***

وصحبتها عراب جذو صبرها

لصبية ترمي شذا أقواسي

*

وسيبتري ما لا ترى أقذاؤه

فصل النهى عن فعله قرطاسي

*

أسميتها بدر السماء ونجمها

وحضنتها من دجنة الإشماس

*

ولأجلها أسرجت كل عظيمة

أشذاؤها يا بهجة الاعراس

***

ستطيلها أنياب كل مغامر

من فعله ضجت ندى الاغراس

*

ولمسته كف السياسة مارضا

يا موطني ما غص في الأدناس

*

ما أرتضي صادرت حقا معدما

ماذا ترى يا موطنا للناس

*

وليستبيك بشزرة من عينه

تعشو بها من جذوها أحساسي

***

ما لي أرى بيت الرجاء موصدا

ما أمره يمشي خطى الأرجاس

*

أشركت كفرا للطغاة مشاعلا

أكذوبة لاكت قذى الأضراس

*

آبارنا غاصت بجيب فاجر

جمر المنى تلهو رحى الغطاس

*

وكتمتها الأنفاس حتى خفتها

ما زار في ليل الونى وسواسي

***

أن ذقت من وصب المنا أكذوبة

ألهو بها من غدرة الخناس

*

وألفتها أدنو نديا عطرها

ما سرها تخطو ربى الاشراس

*

ولتكسري ظهر الطغاة شجاعة

ما أجرموا ما أعتموا أشماسي

*

وتفجري من كرى النوم ثورة

فأسسي يا لصحوتي لأساسي

***

أ لموطني قد ساد زيف حاقد

متنجس متجنس النخاسي

***

د علي جبار الاسدي

هو من لون نزيفي

ذاك البلد الطاعن في الحمرة

والمشرب بطراوة وشمي

أنا رجل أحمل بيديَّ

غيوم القاتل

ورياح المقتول

دأبت أخط على جبهة حجري

زمنا ليس يُثنى

يعرف أين الشمس تخبئ نزوتها

أين بدايات الأدغال

وأين خواتمها

جذورة ناري العذبة

ما زلت أوفّرها

لا إثمَ يقود خطايَ إلى

أدخنة العصر

فلست أنا الأول من عاين ناشئةً

تتسنم أهداب الليل

ولا عاين خيلا تحت سنابكها

تتأوه عاصفة النار...

على صدري تورق ليلكة

لكنْ بمداراتي الكثة

تلمع أسماء قبائلَ

وصوامعَ

وبيارق لينة الملمس

وإذن من يزعم أن الغابة لا تسترق السمع

لكل أيائلها؟

***

مصطفى معروفي

 

في الليلْ

حين ينامُ الكون

فوقَ فراش أصابعكَ

توقظُ تكتكةُ الساعةِ أحلامَكَ

المتعبةَ

من دورانِ نهارِ اليوم.

*

في الليلْ

حينَ تغرِّدُ أطيافُ الماضي

في رأسكَ

تُسلمُ عينيكَ للذةِ هذي الفكرةِ

أنْ تنظرَ في الظلمةِ حواليكَ

فترى الأشباحَ الحائمةَ

أنهاراً من ذاكرةِ الشارعِ

والناس

هناكَ ....

حيثُ الحلمُ بقايا جثةِ نادلِ مقهى

(حسن عجمي).

*

في الليلْ

حينَ تنامُ

محتضناً دقاتِ قلبِكَ

وأسوارَ نهارٍ مُرٍّ مَـرَّ

ترى وجهَ الجنديِّ العائدِ

من ساحاتِ الحربِ،

وغبارُ المعركةِ ينهشُ

بمساماتِ الجلدِ الأسمر

والعينان بلا أفقٍ

وشقوقُ يديهِ تتساءلُ

عن  Nivia cream

في صدر امرأةٍ عاريةٍ

تتمدَّدُ فوق فراش الرغبةِ

في الأحلامْ .....

*

عندَ مساءٍ مُظلِمْ

في البارٍ الغافي

في حضنِ شارع الرشيدْ

بمقابل سينما الزوراءْ

جلسَ بجواركَ عندَ المائدةِ

ذاكَ الجنديُّ،

وكؤوسُ البيرةِ (الدرافت) عامرةٌ

حتى آخر نبضٍ في الرأسْ،

أقراصُ الڤاليوم المستوردةُ

من شركاتِ بلادِ القاتلِ

ودهاليزِ تجار الحربْ

خارج صلاحيةِ النوم

بينَ أصابعهِ المرتعشة.

*

البيرةُ كانتْ باردةً،

الجو الخانقُ يقطعُ أنفاسَ محاربنا،

الروادُ زبائنُ خارجَ هذا العالم.

*

يعرقُ جليسُكَ....

يغنّي....

في هذيانٍ....

مثلَ هذيان المحمومِ

في مستشفى الأمراضِ الصدريةِ.

*

في الليلْ

حينَ ينامُ العالمُ ....

ذاكَ ....

فوق سرير الأمنِ

يسهرُ ذاتُ الجنديِّ

في جوفِ صريفتِهِ المبنيةِ

بمخالبِ الجوعِ

وهديرِ اللاأمن

يتساءلُ:

- هل أستبدلُ ثوبَ الحربِ الماضيةِ

بعمائمِهِم؟

***

عبد الستار نورعلي

الأثنين 31 آذار 2008

هتفَ الكونُ ابتهاجًا وحبورا

بعد ظلمٍ شملَ الدنيا دهورا

*

لوليدِ الحقّ في الارض التي

جذّرَ الظلمُ بأعتاها جذورا

*

أعصرٌ مَرّتْ ولمّا أطبقتْ

سُحُبُ الجورِ أضاءَ اللهُ نورا

*

بالرسول الحقّ والدين الذي

شاءهُ الله لنستجلي الأمورا

*

كِلْمَةُ التوحيدِ صارتْ ثورةً

بعثتْ في العالم الفاني نِشورا

*

أجمعَ الشِركُ ليُطفي نورَها

وأبى اللهُ لها الا ظهورا

*

أمّةُ البغي أبتْ أنْ ترعوي

لنداء الحقِّ فاندكتْ ثبورا

*

برز الدينُ ببدرٍ كلُّهُ

برجالٍ طلعوا فيها بدورا

*

أقرضوا اللهَ نفوسًا حُرّةً

وبلوح المجدِ قد خطوا سطورا

*

فقتيلُ الكفرِ نارًا يصطلي

وشهيدُ الحقّ قد لاقى سرورا

*

يا رسولَ اللهِ أشكو فتنةً

بيننا دارت وقد عَبّتْ شرورا

*

مِزقًا صارتْ بلادي وغدتْ

بيدِ الجزّارٍ وا أسفي جزورا

*

هذه القُدسُ رجالًا تنتخي

يا أُباةَ الضيمِ هلّا أنْ نثورا

*

أ تُرى للصبر فينا طاقة

وإلى مَ الحُرُّ قد يبقى صبورا

*

يا شبابَ العُرْبِ نحنُ أُمةٌ

طاولتْ في عِزها الشعرى العَبورا

*

برجالٍ دوّخوا الدنيا وهمْ

قد أحالوا الموتَ للمجدِ جُسورا

*

قهروا الرومَ على جبروتها

وأحالوا عِزَّهُمْ هُونًا وبُورا

*

وتهاوى صَرحُ كِسرى صاغرًا

لنداءِ الحقِّ بَلْ أمسى قُبورا

*

لم يُبالوا كيفما الامرُ أتى

أ إليهمْ أم عليهمْ أنْ يدورا

*

ما ونى العزمُ لهم أو أسلموا

كفَّ مَخذولٍ ولا ولَّووا الدُبورا

*

يا أُباةَ الضيمِ فخري أنّكمْ

مِن رجالٍ قلّدوا الدنيا شذورا

*

أنْ تُعيدوا وحدةَ العربِ التي

تردعُ العاديْ وللعُربِ نشورا

*

مُنيةُ الطامعِ نبقى مِزقًا

والى فُرقتنا يبني الجِسورا

*

زرعَ الفتنةَ في أوصالنا

ثُمَّ أعطانا وعُودًا وقُشورا

*

فُرقَةُ الامّةِ تَعني أنّها

ترتضي الذُلَّ ومَسراها حَدورا

*

وهو ما شاء لها أعداؤها

بئسَ مَنْ يرجو عدوًا أو خَتورا

*

خيبةً تبقى وعارًا لازبًا

مَنْ يُصافي ودَّهُ الخِبَّ الغَدورا

*

ليس في أرضي مكانٌ للعدى

إنْ تجاوزنا وبالحُبِّ الغُرورا

*

كيف نرضى الهُونَ في أوطاننا

لو صدقنا العزمَ حِلناهُمْ ثُبورا

*

إنّها الايامُ فيها سكرةٌ

ولها أنْ تجعلَ البؤسَ حُبورا

*

حسبنا في ما مضى مِن عِبْرةٍ

لو وعيناها لأحكمنا الامورا

*

في غدٍ يصحو وإنْ طابتْ له

زهرةُ العيشِ وقد عبَّ الخمورا

*

كيف نبقى هكذا والى متى

أ بُغاثُ الطيرِ قد صارتْ صُقورا

*

ثورةُ الحقِّ أزيزٌ في دمي

كلّما أبصرتُ ظلَامًا كفورا

*

وبنوا صهيونَ في أحلامِهمْ

نسجوا المِئزرَ تيّاهًا جَرورا

*

نشرُوا الموتَ ولم يُصغوا الى

وازعِ الحقِّ عُلوًّا ونُفورا

*

ولقد ظنوا بظنٍ خائبٍ

أنّ في إجرامهم حسموا الامورا

*

وأرى الايامَ حُبلى قاربتْ

والغدَ الاتي به نَشفي الصدورا

*

بئس نَصرٌ شَيّدتْ أركانَهُ

دولةُ الافكِ أتى ظلمًا وزورا

*

عبثًا ترجو بقاءً زمرةٌ

كتبَ الله عليها أن تَبورا

*

زمرةٌ لم تستقمْ في نهجها

أبدَ الدهرِ ولم ترعَ الزبورا

*

وبذا التأريخُ يشهدُ أنّها

لم تَسُغْ حقًّا ولم تعرفْ طَهورا

*

أُمّةَ العُرْبِ إذا لم تَجمعي

شملكِ اليومَ فلا كانَ الحضورا

*

فبجمعِ الشملِ تحيا أمّةٌ

وبهِ يغدو لنا عِزًّا وسُورا

*

واقتدي بالمصطفى خيرِ الورى

كم على وحدتها كان الغيورا

*

جاهدَ الكُفرَ على جَبروتِهِ

وبصوتِ الحقِّ قد كان الجهورا

*

نهجهُ يبقى سبيلًا واضحًا

لأُولي العزمِ فكُنْ فيها الجَسُورا

*

يا رسولَ اللهِ هذي نفحةٌ  

مِن رياضِ الفكرِ قد فاحتْ عطورا

*

مَنحَتْ أنفاسُها الطيبَ الرُبى

وحَبتْ مِن نَشرِها حتّى الزهورا

*

حملت بين حناياها الندى

وهي قد فاضتْ مع الشعرِ شعورا

*

أرتجي فيها قبولًا فبهِ

أجدُ الباريْ لمادِحكمْ شكورا

**

وبها أسعى ثوابي رحمةٌ

إنَّ ربّي كان رحمانًا غفورا

***

الحاج عطا يوسف منصور

 العراق / الكوت في 2 نيسان 1970

لم تكن ندى تجدُ في وجباتِ الغداءِ التي تُقدَّم في ردهات المصحّة ما يروقُ لحواسّها، أو يفتح شهيتها الذابلة للحياة، كانت الأطباقُ المعدّة غارقةً في تلك الصلصاتِ اللزجة الثقيلة التي نفرت منها وتملّكها السأمُ تجاهها منذ وطأت قدماها أرضَ هذا البلد. صلصاتٌ ذات روائحَ نفاذةٍ حادّة، تُفقد الأطعمةَ مذاقَها الأصلي الفطريّ، كأنها محاولةٌ بائسة لإخفاء معالم الحقيقة تحت طبقةٍ كثيفةٍ من الدهون.

وكلما رجت الطهاة ان تكون وجبتها خالية من تلك الصلصات، تتلقى منهم نظراتِ استهجانٍ مبطّنة، كأنما تطلبُ أمرًا شاذًّا يناقضُ ناموسَ الكون الحتمي. ثم ما يلبث أحدهم أن يسكب الصلصةَ فوق طبقها بصورةٍ آليةٍ فجة، بحركةٍ رتيبةٍ محفوظة لا مجال فيها للتفكير او التراجع، كما لو أن تلك المادةَ جزءٌ مقدّسٌ من طقوس المؤسسة اليومية لا يجوز لأحدٍ من النزلاء الاعتراضُ عليه.

وكان يدهشها ويُثير حيرتَها، كيف يستطيع البشرُ، مع تقادم الوقت وتعاقب العادة، أن يتحولوا ببساطةٍ إلى مجرد امتدادٍ ميكانيكيٍّ للنظام الصارم الذي يعيشون في جوفه، يكررون الحركاتِ الصَّماءَ ذاتَها، وينطقون الكلمات بالنبراتِ الجاهزةِ نفسِها، حتى تغدو العادةُ البليدةُ في سلوكهم أقوى من مَلَكة الانتباه، وأقسى من سطوة الرغبة الشخصية الحرة.

لقد كان احتجاجَ ندى الفطري على صلصة الطعام ومذاقها، احتجاجا على ذلك الإصرار المؤسساتي الخفي على قولبة الجميع، وتدجينهم داخل الذائقة الجمعية نفسها، والقبول القسري المذل.

أما وجبةُ الإفطار الصباحية، فكانت حكايةً أخرى تمامًا، وشأنًا يفيضُ بالتوق.

كانت ندى ترتقب مجيئها بشيءٍ يشبه الحنين الروحي الجارف، أكثر من شبهه بجوع الجسد، فهناك، في الصباحات القارسة النقيّة التي تتسلل خلالها خيوطُ الشمس الأولى باستحياء عبر النوافذ البلورية الفسيحة، كانت تلمس عزاءً صغيرًا وضِمادًا مؤقتًا في قطع الأجبان، والبيض، ورائحة القهوة الدافئة. لكنَّ أكثرَ ما كان يمسُّ نياطَ قلبها ويعتصر وجدانَها، هو ذلك الخبزُ الساخن، بشكله المحبب، وقشرتِه الذهبيةِ البراقة، ورائحتِه العبِقة التي كانت توقظ في أعمق نقطةٍ من كينونتها صورًا بعيدةً وظلالًا دافئة، ظنت واهمةً أن عواصفَ المغترب قد أهالت عليها الترابَ واندثرت إلى الأبد.

كانَ الخبزُ برائحته يبعثُ في مَساربِ رُوحِها ذاتَ الشَّذى الدافئِ لخبزِ أمّها. وما إن تقع نكهته الزكية في مجرى أنفها وتلامسَ حواسَّها، حتى كانت عَقاربُ السَّنواتِ تتراجعُ فجأةً إلى الوراء، كستارٍ مَخمليٍّ عتيق يُسحب ببطءٍ ليتجلى وراءه الفقد، فتعود طفلةً صغيرةً ريانة، تقرفص بسلامٍ في باحة الدار العتيقة قرب أمّها، تراقب بشغفٍ كفّيها المباركتين وهما تخرجان الأرغفةَ القانية من جوف التنور الملتهب، وتملآن أركانَ البيت بذلك الدفءِ الإنساني الفريد الذي لا تصنعه أعوادُ النار وحدها، بل تصنعه، في المقام الأول، طمأنينةُ القلوب وأمنُ النفوس.

وكانت إثر ذلك، تكتشف بدهشةٍ موجعةٍ تملأ الصدر، أن الذاكرةَ البشرية لا تسكنُ تلافيف العقل وخلاياه فقط، انما تختبئ وتلوذ أحيانًا في تفاصيل الرائحة، وفي نكهة الطعم، وفي ملامحَ بالغة الضآلة، لكنها قادرةٌ بقوةٍ وسحر على إعادة الإنسان المشتت إلى جوهر نفسه بعد غيابٍ ونفيٍ طويلين.

لكل ذلك، كانت ندى تأخذ من كسر الخبز والجبن ما يكفي لسدِّ رَمقِها، تخبئه بعنايةٍ فائقةٍ وحذر في منديل، كمن يدّخر ذخيرةً حية أو جزءًا ثمينًا من طفولته الغابرة، ثم تكتفي به بديلًا طاهرًا عن وجبة الغداء الثقيلة التي لم تستطع، برغم محاولاتها المستميتة، أن تألفَها أو تسيغَ طعمَها يومًا. كان الأمرُ برمته أشبه بمحاولةٍ غريزيةٍ للتشبث بكل ما هو مألوفٌ وإنساني، وسط عالمٍ موحشٍ تآكلت ملامحُه وبدا لها باردًا، مصنوعًا بالكامل من إجراءاتٍ بيروقراطيةٍ جامدة لا نبض فيها للحياة.

لكن حتى تلك العزلةُ الصغيرة والآمنة، لم يُكتب لها أن تُترك لندى بسلام.

ففي أحد الأيام المشحونة بالجفاف، اثناء عودتها من الافطار استوقفتها المشرفةُ بنبرةٍ فجّة، امتزجت فيها قسوةُ اللوم بصرامة اللوائح، وسألتها بفضولٍ بارد عن سبب غيابها وانقطاعها المتكرر عن ارتياد المطعم اثناء وجبة الغداء. حاولت ندى، بهدوءٍ متزن، أن تشرح لها بأنها لا تشتهي صنفَ الطعام المُعدّ، إلا أن المشرفةَ لم تبدُ معنيةً بأعذارها، بقدر عنايتها الفائقة بالتسجيل الرقمي اليومي.. قالت لها بلهجةٍ حاسمةٍ لا تقبل الجدال:

ـ إن لزامًا عليكِ الحضور المادي إلى قاعة الطعام، ومسح البطاقة الإلكترونية عبر الجهاز لإثبات وجودكِ الفعلي وامتلاء الخانة، حتى وإن لم تلمسي وجبتَكِ أو تأكلي شيئًا.

كم بدت تلك اللحظة القاسية واضحة في انكشاف الزيف الإنساني. كأن حضورَ الجسد وهيأتِه المادية أهمُّ بكثير لدى هذه المنظومة من حاجة الروح ونزفها، وأن النظامَ البيروقراطيَّ الصارم لا يكترث مطلقًا إن كان الإنسان في داخله جائعًا مقهورًا، أو مشبعًا مكرمًا، سعيدًا محلقًا، أو محطمًا تذروه الرياح، فكلُّ همّهم يكمن في أن يظهر الاسمُ ساطعًا في السجلات، وأن يكتمل الصفُ الرقمي الشهري بلا فراغاتٍ تشوه التقارير الرسمية.

ومنذ ذلك اليوم العاصف، بدأت ندى تلج عتبةَ المطعم كمن يؤدي واجبًا بيروقراطيًا مقيتًا أو عقوبةً مفروضة، لا أكثر ولا أقل.. تمرر بطاقتها الإلكترونية الباردة عبر كاشف المسح الآلي، تتقدم ببطءٍ بين الطاولات المنسقة، ثم تجلس دقائقَ معدوداتٍ صامتةً مطرقة، قبل أن تغادر القاعةَ العريضة سريعًا.

غير أنها، في إحدى المرات، انتبهت بلمحةٍ خاطفة إلى نزيلةٍ تقبع على مقربةٍ منها، تحدّق في طبقها الممتلئ بنظراتٍ غارقة في الذهول دون أن تلمسه. كانت تلك المرأة تمسك الشوكةَ بوهنٍ وتجمدٍ لثوانٍ، ثم تعيدها إلى مكانها برفق، تراقب بقية النزلاء بوجلٍ وهم يلتهمون طعامهم بنهم، وتنتظر بصبرٍ شاحبٍ حتى يفرغ الجميع من وجباتهم، قبل أن تحمل صحنها الممتلئ كما هو، وتعيده إلى نافذة المطبخ دون أن تتذوق منه لقمةً واحدة.

حينها فقط، شعرت ندى بشيءٍ يشبه العزاءَ الحزين الصامت يسري في أوصال روحها المتعبة.. ابتسمت في سريرة نفسها ابتسامةً باهتةً وادعة، وقالت مخاطبةً ظلها الواهن:

"إذن، لم أكن أنا وحدي النشاز الغريب في سيمفونية هذا النظام الممسوخ!"

يتبع

***

سعاد الراعي

...................

* الفصل الثاني عشر من رواية تحت الطبع

 

السعي المؤود

والحلم الموعود

***

يعتم دهرنا لون السواد

ويقتل عزمنا سيف الحداد

*

ويكبر حزننا في كل يوم

ونرجو اليسر من رب العباد

*

ونسعى في متاهات وتيه

فيجهض سعينا قبل الميلاد

*

ونروي كل قول قد سمعنا

ونقرأ ما يحبر بالمداد

*

وما قد دس مكرا في سطور

وما قد قيل غيا أو تمادي

*

فلن يحظى بصدق كل قول

يظل العقل عن نهج الرشاد

*

ويغوي الناس عن هدي أتاهم

من الرحمان يدعو للسداد

*

فلن يجدينا ما قد قيل نفعا

فقد أضحى يباع في المزاد

*

فلا تأسوا على مافات هيا

لنحيي المجد من بعد الرقاد

***

شعر: تواتيت نصرالدين

06/04/2026

شمسٌ تغيبُ وغَيْمٌ لُبَدٌ على سطح بيت عتيق، تفوح من شقوقه روائحُ بخور مُعَتَّقٍ: مزيجٌ

مِنْ كرْمٍ ونخيلٍ وبرتقال.

فراش متآكل نهشته نَوَاجذُ الصّقيع، تنسلّ منه راويةُ.

تحاول راوية الْوقوفَ، تلملمُ أشلاء ثوبها الْمُرقّعِ، تستند إلى الْجدار الّذي يريد أن ينقضَّ، ترتكز على عكّازها الْمُقوَّسِ، تنظر في مرآتها الْمشقّقَةِ الْمعلّقة على الْجدار الْمقابل، يتجهَّمُ وجهها، وتفرّ من عينيها

دمعتان…

لقد أثقلتْ جسدَها الْمنهوكَ وجوهٌ مرصَّفةٌ

على كتفيها. كانت الْوجوهُ تَضِجُّ ظلاما.

تُعبّئها راويةُ عنبا وخزامى.

و تظَلُّ ترتقب حينا من الدّهر، لعلّ خَفَقَانًا فيها يسري أو يَخِفُّ الْحملُ على كتفيها.

يمضي الزّمنُ ثقيلا ولا الطّيْرُ على كتفيْ راويةَ نبضَ ولا الطّلُّ بالْأقحوان وشّحَهُما.

تمدُّ راوية بصرها إلى مرآتها الْمُشقّقَةِ مرّة

ثانية، وتقفزُ إلى حلْقِها

صرخةٌ مُحَزَّزَةُ الْجناحيْنِ.

هي وحدها تُدْركُ طعمَ صرختها، لأنّها تدركُ معنى أنْ تخلُوَ الْوجوهُ الرّابضةُ على كتفيها منْ فاصلة أو نقطة.

تلقي راويةُ بصرها إلى السّماء، تتساءلُ:

" من تراه يُضمِّدُ هسهسةَ هذه الرّيحِ الشّرسة

في جسدي؟؟؟ "

تتحامل على ساقيها الْمرتجفتين، تمسك بيدها الْوهنة عكّازها الْمقوّسَ الْهشَّ، ويبتلعُها الطّريقُ…

تُجرجرُها الرّيحُ الْعاتيةُ بين مسالكها الشّائكةِ

دون ظلّ يرافقها…

تتعثَّرُ… تترنَّحُ…

تمسحُ راويةُ الْغَشاوةَ عن عينيها الْمتعبتين، ولا تنفكُّ تُحَدِّقُ في الاتّجاهاتِ…

هي تُفَتِّشُ عن سَرْوَلٍ يُخفّفُ عنها وقْعَ سياطِ الرّيح فما يُطالعُها في الطَّريقِ سوى دفترٍ ظمِئٍ، ظمَّأتْهُ الْمسافاتُ والصَّبواتُ.

و تسترعي نظرها على قارعة الطّريقِ شتائلُ مِنْ صَنْدَلٍ جَفَّ باطنُهُ وخمَدَ أريجُهُ. 

على مرمى الْبصرِ، تلمحُ راويةُ ظَليما يفرُّ حسيرا وقدْ تناثرَ ريشُهُ وتهشّمَ بيضُه

و ما أجداهُ…

تضيقُ راويةُ بثرثرة الْعابرينَ، تصافحُ بوْحَ وُجُوههمْ، فتَصْخَبُ ألسِنَةُ الْملحِ على شفتيها.

تُجَرِّحُ ألسنةُ الْملحِ وجهَها الشّاحبَ،

و لا غافِقَ اللّيلَةَ يَرفعُها عن فَكَّيْ رحَى الْملحِ، ولا دمعةُ الْمَجْدَلِيَّةِ تُغْرِقُ أفئدَةَ الرّيحِ كيْما عنها يزولَ الذُّهُولُ وتتفتَّحَ

روحها الْمُرهَقَةُ على أكمامِ الْأقحوانِ…

صريرُ الرّيح في أذُنَيْ راويَةَ لا يَفْتُرُ، قدماها تَتَوَرَّمانِ من حَصَبِ الطّريقِ، نَوَاجذُ الصَّقيعِ

لا تنفكُّ تَنهَشُ خاصِرَتَها الرّخْوَةَ، والرّيحُ

لا تزال تُسَيِّرُها بين قلاعِ الْحُموضَةِ

دون غَبُوقٍ به ترتوي.

يرتطِمُ جسدُها النّحيلُ بشجرةِ سَيْسَبانٍ تمدُّ سِيقَانَها في الْمسالِكِ كُلِّها…

تَكْتُمُ راوِيَةُ صَرخَتَها، تُغْمِضُ عيْنَيْها، تحضُنُ

عكّازها… لا وقتَ للبكاءِ - تقول -

ولا للنّحيبِ والنّشيجِ…

هي هكذا تقاوم غبش اللّيل وحَصَبَ الطّريق،

و وَخَزَ السَّيْسَبانِ…

هي ما فرَّطتْ في جدائلها لغُزاة اللّيل،

و ما خلعت أبدا أساورَها مِن كمدٍ…

ما نسيت راوية أكاليل الْغار الّتي أَلِفَتْ بَوْحَها دهرًا في جنائنها.

هي تتذكّر في كلّ حين حدائقَ طَرِبَتْ لِخُطاها،

و تتذكّرُ ترابا طالما ابتهج بلمستها.

هي تتذكّر كَمْ تدانت لها الْجِنانُ وكم عزف الْڨيتار نغماتِ الضّوْءِ كلّما هفهف عطرها،

فلم يكن للظّلام عليها سلطانٌ…

تُغمضُ راوية عينيها وتُدندنُ:

" على وجه بنتِ لَكِيزٍ (*)

ذَرَى اللّيلُ أحلامَهُ يا " بُراقُ "

و وَشَّحَها باللُّهاثِ.

و كنتُ نَدَهْتُكَ مُذْ أَمَدٍ يا " بُراقُ "

لِأجْلِ السُّرى،

فَاحْتَجَبْتَ ونَجْمي خَبا.

فَهَلاّ طَوَيْتَ الْمَدَى يا " بُراقُ "

لِأجْلِ يَدي؟

أمْ تُراكَ كَفَاكَ الْجَوَى

عنْ حُضُوني ؟ "

إضاءة: بنت لكيز هي ليلى بنت لكيز وابنة عمّ الْبراق وحبيبته. أسرها أمير فارسيّ رغبة في أنْ يتزوّجها، فرفضت واستنجدت

بالْبراق وكان خارج الْقبيلة فهبّ لنجدتها

و تزوّجها.

***

(قصّة قصيرة)

بقلمي: هادية السّالمي دجبّي - تونس

الى الوحيدينَ يهفو القلبُ والروحُ

الى القتيلِ الذي واساهُ مجروحُ

*

الى الذي صاغَ مِن صوتِ الضميرِ هُدىً

يكفيهِ مِن لغةِ الأنوارِ تلميحُ

*

أَسرى وكانتْ دُنى الأكوانِ واجمةً

والالتواءاتُ انذارٌ وتلويحُ

*

لكنَّهُ سارَ لا يلوي على أحدٍ

وما حماهُ مِن الحرّاسِ تصريحُ

*

انَّ الصحيحَ هتافٌ في الفؤادِ علا

ما صحَحَ الحقَّ باسمِ الحقِّ تصحيحُ

*

المبصرونَ رأوا والعتمُ مجتمعٌ

بَحراً محيطاً، ولكنْ أبصرتْ روحُ

*

لا تعذلوهُمْ اذا قلّوا لقلّتِهمْ

فالفرقدانِ بليلِ الكونِ توضيحُ

*

لولاهُما ـ وهُما الاثنانِ ـ ما انكتبتْ

أشعارُ حُبٍّ، وما أفضى بها بوحُ

***

شعر: كريم الأسدي - العراق

12/8/2024

حَذَراً مِنْكَ أَرَى مِعْصَمَكا

حَوْلَهُ كَيْفَ يَلِفُّ الفَلَكا

*

أَنْتَ تَيَّمْتَ فُؤَادِي وَأَنا

لَمْ أُتَيِّمْكَ، الدُّجَى تَيَّمَكا

*

فَتَقُولُ: اللَّيْلُ بَحْرٌ سَاحِرٌ

وَأَنَا فِيهِ أَصِيدُ السَّمَكا

*

يَمْلِكُ اللَّيْلُ صَبَاباتِ الهَوى

وَهُوَ يُفَدِّيكَ بِمَا قَدْ مَلَكا

***

إِنَّنِي ذَاكِرَةُ الأَمْسِ، عَلى

طِبْقِها العَالَمُ عِنْدِي يَتَشَكَّلْ

*

أَنا لا أَحْسِمُ إِدْباراً وَلا

أَيَّ إِقْبَالٍ، فَمَنْ أَدْبَرَ أَقْبَلْ

*

حِينَما غَيَّرَها المَرْءُ إِلى

نَهَرٍ يَعْزِفُ بِالنّايِ تَبَدَّلْ

*

إِنَّ لَيْلَ الشِّعْرِ لَا فَجْرَ لَهُ

هُوَ لَيْلٌ سَرْمَدِيٌّ فَتَأَمَّلْ

***

فِي طريقي هَلْ أَنا مُنْحَدِرٌ

أَمْ أَنا مَحْضُ طَرِيقٍ لِلطَّرِيقِ

*

هَلْ أَنَا النَّارُ الَّتِي تحْرِقُنِي

فَلِمَ الشَّكْوى إِذا شَبَّ حَرِيقِي

*

مَنْ هُوَ النُّورُ إِذا البَدْرُ أَنا

وَمَنِ المُعْجَبُ غَيْرِي بِبَرِيقِي

*

أَطَلِيقٌ فِي قُيُودٍ جَمَّةٍ

مَا الَّذِي يَعْنِي إِذَنْ غَيْرُ الطَّلِيقِ

***

إِنَّ قَلْبِي هُوَ بَيْتٌ فِي العَرا

حَيْثُ لَا عُشْبَ وَلَا مَاءٌ جَرى

*

غَيْرَ أَنِّي أَغْرِسُ الحبَّ بِهِ

يَا لَحبِّي حِينَ أَمْسَى شَجَرا

*

شَجَراً يُثْمِرُ أَقْمَاراً، يَدِي

حِينَما تَمْتَدُّ تَجْنِي قَمَرا

*

كُلَّما أَغْوَى نِسَاءً بِالسَّنا

شَاءَ أَنْ يُغْوِي نِسَاءً أُخَرا

***

حِينَ يَأْتِي اللَّيْلُ فَالأَفْكارُ فِي

سَاحَةِ الأَشْواقِ أَرْتَالُ خُيُولِ

*

فَإِذا مَا أَقْبَلَ الصُّبْحُ فَلِي

طَعْنَةٌ تَفْتِكُ بِالحُبِّ الهَزِيلِ

*

كُلُّ هَذا وَأَنا مُسْتَمْسِكٌ

بِقوامٍ هُوَ كَالسَّيْفِ الصَّقِيلِ

*

كُلُّ قَتْلٍ هُوَ قُطْبٌ خَاشِعٌ

حِينَما نُقْتَلُ بِالقَدِّ الجَمِيلِ

***

رَبِّ إِنَّ المَوْتَ لَا يُرْعِبُنِي

طَالَما مَوْتِيَ جِسْرٌ لِلعُبُورِ

*

كُلُّ مَا أَطْلُبُهُ مِنْكَ إِذا

جاءَنِي المَوْتُ مُنَاجَاةُ ضَمِيري

*

هَذَّبَتْهُ امْرَأَةٌ صُوفِيَّةٌ

مِنْ خَيالٍ وُجِدَتْ بَيْنَ سُطُورِي

*

حِينَما المَرْأَةُ تَغْدُو وَاقِعاً

تَفْقِدُ الدَّهْشَةَ مِنْ فَرْطِ الحُضُور

***

لَسْتُ كَالنّاسِ فَقَدْ أَحْيا بِلا

نَصَبٍ مِثْلَ طُيُورٍ فِي السَّمَاءِ

*

لَسْتُ أَحْتَاجُ جَنَاحَيْنِ أَنا

كَائِناً أَصْبَحْتُ مِنْ سِنْخِ الهَواءِ

*

جَرِّدِي الرُّوحَ مِنَ الجِسْمِ لِكَيْ

تَعْرِفِي السِّرَّ بِصَمْتِ العُرَفاءِ

*

فَحَدِيثُ القَوْمِ لِلنَّفْسِ بِلا

طَرَفٍ آخَرَ سَيَّالٌ كَماءِ

***

كَهْفُ أَفْلاطُونَ لا يُعْجِبُنِي

بَلْ أَنا خَارِجَهُ دُونَ الأَنَامِ

*

إِنَّ أَوْهَامِي هِيَ الواقِعُ فِي

عَالَمٍ آخَرَ فِي كَأْسِ مُدَامِي

*

قَدْ أُصَلِّي عَنْ جُلُوسٍ وَأَنا

فِي أحاسيسي أُصَلِّي عَنْ قِيام

*

وَأَقُولُ: الحُبُّ أَضْحَى زَمْزَماً

وَأَنَا أَقْصِدُ أَنَّ القَلْبَ ظامِ

***

عُمَرُ الخَيَّامُ ضَيْفِي فَأَنا

أَشْعُرُ الآنَ بِوَخْزٍ في ضميري

*

يَطْلُبُ الكَأْسَ وَإنِّي وَرِعٌ

خَائِفٌ مِنْ سَقَرٍ يَوْمَ النُّشُورِ

*

قَالَ: إِنِّي وَرِعٌ أَيْضاً فَلا

تَبْتَئِسْ وَاعْصِرْ مُداماً مِنْ شُعُورِي

*

قُلْتُ: هَذا الحَلُّ حَقًّاً رائِعٌ

قَالَ: لَنْ تَعْدمَ حَلًّاً فِي حُضُورِي

***

أَتُرِيدُ الحَلَّ مِنِّي بَيْنَما

أَنَا فِي الواقِعِ نَفْسُ المُشْكِلَةْ

*

حِينَ يَأْتِي الحَلُّ حَلّاً ناقِصاً

فَعَسِيرٌ بَعْدَ ذا أَنْ نُكْمِلَهْ

*

مَثَلاً نَعْشَقُ لَكِنْ دُونَ أَنْ

يُصْبِحَ العِشْقُ كَبِيرَ القَتَلَةْ

*

لَا أَرى التَّفْصِيلَ فِي الأَمْرِ لِذا

خُذْ عِبَاراتِي وَدَعْهَا مُجْمَلَهْ

***

أَنا عَقْلِي نَفْسُ قَلْبِي فَإِذا

أَنا فَكَّرْتُ أَحَاطَتْنِي نِسَاءُ

*

كُلُّهُنَّ العَقْلُ وَالقَلْبُ مَعاً

فِيكُنَّ الأَرْضَ، وَالأَرْضُ السَّماء

*

قُلْنَ: إِنَّ القَتْلَ طَقْسٌ رَائِعٌ

قُلْتُ: لَا شَكَّ، وَلَكِنْ ما العَزَاء

*

قُلْنَ: لَثْمٌ وَعِنَاقٌ دَائِمٌ

قُلْتُ: حَسْبِي، انْكَشَفَ الآنَ الغِطاءُ

***

باسم الحسانوي

تعالَ... خذْ من نبضي نوافذَ، وافتحْها على روحي، ومن حنيني قاربًا صغيرًا لا يخافُ عواصفَ البحار... تعالَ، لنعلّقْ على أكتافِ الليلِ قناديلَ من نجوم، ونمضي إلى بلادٍ لا تعرفُ الفراق، نبني فيها من خشبِ أرواحنا بيتًا ينامُ على كتفِ الغيم، وتحتَ سقفهِ نخبّئُ ما تبقّى لنا من عمرٍ أضاعتهُ الجهات...

تعالَ، لنجعلْ من شفاهنا صلاةً، ومن عناقنا وطنًا، ومن هذا الحبِّ الذي تأخرَ كثيرًا معجزةً لا تحتاجُ إلى نبوءة.

**

تعالَ... نركبْ موجةً من حريرِ الحنين، ونشقُّ بها زرقةَ بحرٍ لم تطأهُ سفنُ الفاتحين؛ نبحثُ عن جزيرةٍ لا تصلُ إليها خرائطُ العابرين، نتركُ على رملها خطوتينِ متجاورتين، ثم نمحو آثارنا كي لا يعرفَ العالمُ أين اختبأنا. هناك، حيثُ النوارسُ تحفظُ أسماءَ العاشقين، وحيثُ القمرُ يسكبُ فضتهُ على كتفيك، أضعُ رأسي على صدرك، وأصغي إلى قلبك وهو يحكي لي ما عجزتْ عن قولهِ كلُّ رسائلِ الغياب.

**

تعالَ... نرافقْ قوافلَ المساء في صحارى العمر، ونستعيرُ من البدوِ خيامًا لليلةٍ واحدة، نعلّقُ فوقها مصباحًا من يراعة، ونتركُ للريحِ مهمةَ قراءةِ أسرارنا. نبحثُ عن نايٍ سريٍّ ضلَّ طريقهُ بين كثبانِ السراب، فإذا وجدهُ قلبُك عزفَ لنا لحنًا من مقامٍ لا يعرفهُ سوى عاشقين؛ أنا وأنت، ونجمةٌ بعيدةٌ أضاعتْ تاجها في بئرٍ من عسلِ الليل.

**

تعالَ... نحلقْ كفراشتينِ أفلتتا من كتابِ الأساطير، إلى بستانٍ معلّقٍ بين الأرضِ والسماء، تتدلّى من أغصانهِ عناقيدُ العنبِ كأنها ثرياتُ قصرٍ شرقي، وتفوحُ من ممراتهِ رائحةُ الآسِ والريحانِ والنسرين. نتركُ أقدامنا حافيةً على عشبٍ لم يعرفْ خطوَ العابرين، ونشربُ من كأسِ الندى حتى تثملَ أرواحنا، ثم نغنّي للحبِّ كما لو أنَّ أم كلثومَ خبّأتْ في حنجرتها قصيدتنا، وكأنَّ فيروزَ تعرفُ منذُ زمنٍ طويلٍ أنَّ لنا صباحًا لم يولد بعد.

**

تعالَ... نختبئْ في بيتٍ صغيرٍ على سفحِ جبلٍ نسيتهُ القوافل، لا بابَ لهُ إلا ذراعان، ولا حارسَ على عتبتهِ إلا شجرةُ سروٍ عجوز... نجعلُ من الحطبِ نارًا، ومن المطرِ موسيقى، ومن الصمتِ ستارةً تُخفي عنا العالم. قنديلُنا نجمةٌ سقطتْ من كفِّ السماء، وزادُنا قصيدتانِ وجرعةُ ضحك، وماؤنا جدولٌ يمرُّ تحتَ نافذتنا كطفلٍ يسرُّ إلى أمهِ بسرٍّ لا ينبغي لأحدٍ أن يسمعه.

**

تعالَ... نسرقْ من جِرْبةَ ليلةً لا تنتهي، نركبُ قاربًا أسودَ في مياهها الحالمة، ونتركُ للموج أن يرسمَ حولنا دوائرَ تشبهُ خواتمَ العرس... تمرُّ القواربُ من بعيد، ويعزفُ عاشقٌ مجهولٌ على وترٍ وحيد، فتنعكسُ أنوارُ الجزيرةِ على وجهك، وأرى في ملامحك شيئًا من وجوهِ رافائيل، وشيئًا من الغموضِ الذي تركهُ ليوناردو في عيني الموناليزا، وشيئًا من رجلٍ لم ترسمهُ يدٌ بعد، لأنَّ بعضَ الوجوهِ لا يليقُ بها إلا قلبُ امرأة.

**

تعالَ... نقفْ عند أعمدةِ قرطاجَ حين يهبطُ المساء، ونصغي إلى الحجارةِ وهي تستعيدُ أصواتَ الذين مرّوا من هنا ثم غابوا... نرفعُ أيدينا إلى السماءِ لا صلاةً على موتى العاشقين، بل شكرًا لأننا، بعد كلِّ ما انكسر، ما زلنا قادرينَ على أن نحب. تحملُ الريحُ دعاءنا إلى أقصى الجهات، وتتركُهُ في حضنِ البحر، كرسالةٍ أخيرةٍ إلى الآلهةِ القديمة: لقد وجدنا بعضنا، فلا تعيدونا إلى التيهِ.

**

تعالَ... فقد تعبَ قطارُ العمرِ من انتظارنا على الرصيف، ولم يعدْ في المحطةِ متّسعٌ لأحلامٍ مؤجلة. دعنا نلحقُ بالعربةِ الأخيرة، لا نحملُ معنا إلا يدَي بعضنا، وذاكرةً نريدُ أن نغفرَ لها، وأيامًا قليلةً نريدُ أن نجعلها واسعةً كسماء. دعني أنسى معك ما أضاعتهُ الحماقات، وما سرقهُ الخوف، وما أطفأتهُ المسافات؛ دعني أتعلمُ في عينيك كيف يمكنُ لامرأةٍ أن تبدأَ حياتها في آخرِ العمر.

**

أعطني يدكَ...

لا تخفْ من ارتجافها؛ فهذه ليستْ يدَ امرأةٍ ضعيفة، بل يدُ امرأةٍ عبرتْ كثيرًا من العواصفِ وما زالت تريدُ أن تصل.

**

خذني معكَ إلى آخرِ بيتٍ في قصيدةِ عشق، إلى آخرِ نجمةٍ فوقَ بلادِ الشمس، إلى آخرِ الطريقِ حيثُ لا يبقى من العالمِ إلا نحن.

**

ومعكَ...

سأجرؤُ على أن أطلبَ من السماءِ مطرًا من موسيقى، ومن الليلِ قليلًا من خلود، ومن الزمنِ مهلةً واحدة.

**

فأنا لا أريدُ منك عمرًا جديدًا...

أريدُ فقط أن نعيشَ العمرَ الذي سرقهُ منا الغياب.

***

الشاعرة: ميلا العياري

 

حوضُ جبلِ شنكالَ

ذلكَ المكانُ المليءُ بالبهجةِ،

والسِّحرِ،

والهناءِ،

يغزو الذِّاكرةَ ببطء..

كما يذوب السكر في الماء

يشدو بلحنِه الحزين،

ويجهشُ معي..

بالبكاءِ.

***

مراد سليمان علو

يَا مَنبتَ الضَّوءِ

فِي أَقصَى التَّوجُّس

جالسٌ فَوقَ غَيبِ

الصَّمتِ

تفتحُ كُنهَ الرُّوحِ سِرّاً

​أَنَا في محرابِ عَودتِكَ

حِينَ تَرسِمُنِي صدى

لن يغفِر الصَّدرُ لِمن

جَعل النَّشِيدَ

مرثيَّةً

تُردِّدُها على أَرجُوحةِ

الشَّوقِ

أَجنحَةُ الرُّؤَى

​وَكَيفَ أُفلِتُ

مِن شِراكِ خيالِكَ

الْمَزرُوعِ فِي أَورِدَةِ

غَفلَتِي العَذبَةِ؟

​لَم تَلمَح فُؤَادِي الَّذِي

أَمَدَّ الوِدَادَ ظِلاَّ إِلَيكَ

وَكُنتَ تيه العَتمَةِ

فِي إِشرَاقِ الْمَداراتِ

نحوَ الصَّحوِ

​تَزعُمُ حَريق الوِصَال

بتوهُّجِ بُركانٍ مِن

أَطيافٍ

لَكِن لَا يَثُور

​نَايُ الْوِحدَةِ يَنسُبُ

نَبرَتَهُ

لِتَنهُّدِ عُودٍ

أَخفَتهُ الرِّيحُ عَن أَعيُنِ

الكلِّ

فِي واحةِ القَصبِ المُشتَهَى

​وَبَدأَ يَرمِينِي بِسَهمٍ مِن

حَنين

يَدعُو الشَّفقُ لِيَعتكفَ

الخُشوعُ

فِي عُمقِ الكَيانِ

فِي سُجُودٍ مِن لَوعَةٍ

​يَا أَنت

تَتَّسِعُ الكلماتُ

حِينَ تَمرُّ كالغمامَةِ

فِي لَمعَةِ الجَذرِ بِي

وَالزَّمَنُ وَهمٌ

وجرحُ الِاحتمالِ ينبُوعٌ

مِن زَغبِ العصافيرِ

​أَنتَ انطَفَأتَ

كَغَابة الفَرحِ البريءِ

المُشاغِبِ فِي

دَاخِلِي

سَأَنثُرُ بَعضَ رَمَادِكَ

الْمُعتَّقِ

فِي خَمرِ انتِظَارِي

كُحلاً لِجَفنِ المَدِّ

حَتَّى يَستَيقِظ

​يَبكي ثُقُوبَ الشَّاطئِ

المُمتدِّ

مِن رُوحِي

إِلَى زهرةِ النَّدى فِي

القَفْر

خَارجَ تَقَلُّبات الرِّيح

الَّتِي تُفسدُ شَهوَتِي

فِي صفاءِ الطُّقُوسِ

لِتقُومَ مِنْ رِتَابة

الرِّوايةِ

فِي مبادِئِ الصَّيفِ

إِلَى الصَّقيعِ

​فَأَنَا عَانَقتُ اللَّهبَ حينَ

أَنْ هَبَّت بِه

فَليَ التَّشَرّد فِي

عشقِكَ

ولك البقَاءُ

***

مرشدة جاويش

لم أعد أكتب على الورق

بل على جدران قلبي

حيث الحبر لا يجف

وحيث الكلمات تهاجر مثل طيور تضلّ الطريق

وتعود في الليل لتنام على نافذتي.

*

أسمع في الصباح

همس أقداح الشاي وهي تتبادل الحكايات عن أصابعي

وترى في ارتجافها خريطة رحلات لم تكتمل

خطوطها ملتوية

كأنها أنهار تبحث عن مصبّ في هواء متعب.

*

قصائدي

تتكدس في درج من خشب يشيخ معي

أوراقها تتنفس ببطء

تفتح عينيها على الغبار وتنتظر اسمي

كما تنتظر زهرة برية مطرًا وعدها الغيم ولم يأتِ.

*

وأنا

أجلس في المساء قبالة النافذة

أراقب الغروب وهو يطوي المدينة

وأفكر:

ربما البحر وحده يعرف

كم من القصائد غرقت قبل أن تعثر على شاطئ.

*

في الليل

أسمع القصائد تطرق باب غرفتي

تدخل على أطراف أصابعها

تجلس عند قدمي

وتضع رؤوسها على ركبتي كأطفال أضاعوا البيت.

*

كل قصيدة تحمل في فمها رائحة مكان لم أزره

وألوان نهار لم أره

وكأنها جاءت من زمن آخر

زمن لم أكن فيه

لكنه كان ينتظرني.

*

أعرف أن بعضها سينطفئ قبل أن أفتح له نافذة

كما تنطفئ شمعة في ممرّ طويل

أو كحلم يوقظه صوت جارٍ يغلق باب بيته بعنف.

*

أحياناً

أشعر أنني أنا القصيدة المؤجلة

أنا السطر الذي لم يجد مكانه بعد

أنا البياض بين الكلمات

الذي يخشى أن يمحوه المطر أو يهمله القارئ.

*

أفكر أحياناً

لو أنني رحلت قبل أن أضعها في الضوء

هل ستعرف القصائد طريقها وحدها؟

هل ستتسلل من الدرج

وتمشي في الشوارع مثل قطط جائعة تبحث عن بيت؟

*

أخشى أن تضيع

أن تتفتت في الريح

أو أن يلتقطها غريب في محطة قطار

ويقرأها بصوت بارد

كما يقرأ نشرة الطقس في صباح ملبّد.

*

لكنني أرجو

أن أراها تقف صفاً أمام المطبعة

تحمل كل قصيدة قلبها الصغير

وترتجف فرحاً وهي تخرج إلى العالم

كما يخرج طفل للمرة الأولى

ليشم رائحة المطر.

وحين يحدث ذلك

سأجلس في مقهى قديم

أراقب المارة

وأبتسم بصمت

كأنني سلّمت للعالم آخر أسراري

وغادرت.

2

القصائد التي لم تُنشر

تجلس في الزوايا مثل أرامل صامتات

تخيط بأصابعها الخفية

ستائر الليل كي لا ينكشف العراء.

*

كل قصيدة مؤجلة

هي نافذة مغلقة على البحر

عندما تُفتح يتناثر الملح في العيون

ويبتل الهواء بذاكرة قديمة.

*

أحيانًا أشعر أن هذه الأوراق

هي الأبناء الذين لم أولدهم

أبناء من حبر،

يحملون وجهي إلى الغد

كيلا يشيخ تمامًا في مرآة الآخرين.

*

أكتب

لأن الكتابة هي اليد الوحيدة

التي ما زالت تقدر أن تمسح العرق عن جبيني

ولأنني أعرف أن الموت

سيأتي يومًا ليجمع ما لم يُنشر

كما يجمع الحصادُ سنابل نُسيت

على حافة الحقل.

*

"لكنني، قبل أن أغادر

أرجو أن أفتح أبوابها

أن أترك قصائدي تعبر إلى الضوء

ولو لحظة واحدة

مثل طيورٍ ظلت حبيسة القفص

تتعلّم الطيران

من ارتجاف أجنحتها الأولى."

3

في آخر الليل

حين يغفو البيت وتبقى النوافذ نصف مفتوحة

أصغي إلى القصائد

وهي تتهامس فيما بينها

كأن الأطفال في داخلها لا يريدون النوم.

*

كل واحدة منها تحمل لي وجهًا آخر:

وجهًا يشبه طفولتي وهي تجرح ركبتها

على أرصفة الحي

ووجهًا يشبه يد أبي

حين ارتجفت للمرة الأولى

ولم يجد ما يسندها غيري.

*

أفكر:

هل ستبقى هذه القصائد أسيرة أدراجي؟

أم ستجد طريقها إلى هواء العالم

قبل أن ينطفئ قلبي مثل مصباح قديم؟

*

أحيانًا أكتب لأحتمي من الموت

وأحيانًا أكتب كي أودّعه بهدوء

فالموت لا يهاب الكلمات

لكنه يتوقف قليلًا

حين يراها تتناثر مثل خبز ساخن

على مائدة الصباح.

*

لهذا، أرجو فقط

أن أُسلّم هذه الأرغفة الصغيرة إلى أيدي الناس

قبل أن يحين وقت المغادرة

فلا أرحل

وأنا أرى صمتي يبتلعها.

***

مروان ياسين الدليمي

كي ارسم شغفي الواضح كقمرٍ صيفي،

كي أكتب اغاني الحياة،

وطيش الطائر في صدري،

سينقصني اللغة

وانا اكتب عن تدويرة خصرها،

عن صوتها الرقراق،

ضحكتها،

ونظراتها الخرساء،

سينقصني اللغة وانا اكتب عن غًبش احلامي،

كي اذرف الشٍعر مع الدمع،

على صدرها الشهي، او كواكب نهديها،

ان اكتب عن خريف مدينتي بدونها

عن قلق مدينتي،

التي تدفن راسها في نصف سحابة كقطار المساء،

واقول:

هذا الخريف هامشيٌ ايضاً بدونك كأوراق متساقطة تحت شجر التفاح.

***

كيفهات أسعد - السويد

 

دونَ أنْ تسمعَ الحكاياتِ

في المجالسِ المكتظّةِ بذكرِ العاشقين،

نحنُ نرى العالمَ

من زاويتِنا الخاصّة.

ولو أعدنا ترتيبَ الصور،

ماذا عسانا أن نكون؟

جذعَ نخلةٍ

يئنُّ صوبَ الحنين،

أم قاربًا

فارقَ الضفاف؟

هكذا، إذا أردنا،

من وراء قصدِنا المُدَجَّجِ بانفلاتِ الصواب،

كانت جميلةً

فكرتُنا الأولى

عن اختيارِ الصفات.

أشكالُها المختلفة

تأتينا فُرادى،

لا نولدُ بها....

***

رجاء الغانمي - العراق

 

تبدأ القصة من ساحة جامع الفنا، الوقت أصيل والشمس قد بدأت تتشح بلون الاصفرار فتصبغ السماء بلون ذهبي يتماهى مع سحر المكان. كان قد ركن سيارته بعيداً عن زحام الساحة، واختار المشي بتؤدة وتأنٍّ حتى وجد نفسه بين جموع متدفقة في اتجاهات متعددة، وأخرى مجتمعة في زمر حول حلقات مروضي الأفاعي، والبهلوانيين، والحكواتيين، والمغنين الشعبيين، في حين اختار آخرون الجلوس إلى طاولات المطاعم ومحلات العصائر، إما لتناول وجبات تقليدية أو شرب عصائر متنوعة. اختار هو في البدء شرب عصير "زعزع"، ثم انضم إلى لمة كانت ملتئمة حول حكواتي مراكشي معروف بسرده الذي يشد الانتباه ويحفز على التتبع. أدرك اللمة والحكواتي قد بدأ قصة "التاعس والناعس" مستعملاً كل وسائل التشويق التي خبّرَها، وتقنيات الحكي المتاحة لشد انتباه الحضور. اندمج في جو الحكاية، ولم يتأخر في نفح الحكواتي ببعض الدراهم كلما توقف ليطلب من المستمعين دعمه بما يستطيعون.

أنهى الحكواتي الحكاية الأولى، وبدأ حكاية ثانية، فانسحب بهدوء واختار التجوال في أحضان الساحة؛ الناس في حلّ وترحال، وهو منصهر بينهم يحاول أن يتبيّن محله من الإعراب في زمن ضاع فيه المبنى وغاب المعنى.

المد الزمني طوى أكثر من أربعين سنة، وخلايا دماغه الرمادية والبيضاء تبعث الحياة في ذكرياته على شكل تجليات ذهنية، تشرق بصور متناسقة ومتوالية. كان شاباً وسيماً عندما التحق بكلية العلوم بالسملالية، وكانت له تطلعات وأحلام، ولكن هذا لم يمنعه من البحث عن اكتشاف ذاته، وفي الوقت نفسه اكتشاف الزمن المراكشي وسياقات فضائه. كانت وسيلته في ذلك الإبان دراجة عادية، ينطلق بها من الوحدة الرابعة في حي الداوديات، قاطعاً شارع علال الفاسي حتى يصل إلى باب دكالة، ثم يعبر رياض العروس، حيث كان يجد متعة في اختراق الأزقة الضيقة والاستمتاع برائحة التوابل والجلد، وكذلك الاستماع لأصوات الحرفيين التقليديين وهم يشتغلون داخل محلاتهم، والتجار وهم يعرضون سلعهم على السياح الباحثين عن تحف وتذكارات ترافقهم في رحلة العودة إلى بلدانهم..

الزمن المراكشي غيّر الكثير من سلوكياته؛ إذ ذاق لأول مرة سحر الحب ومتعة

اكتشاف الجنس الآخر.

بدأ مغامراته بهدوء وسكينة، وكانت فتاته الأولى حسناء سمراء تعمل بنادي البحر الأبيض المتوسط، لا يزال إلى اليوم يذكر تجربته الأولى معها، والتي زرعت الثقة في نفسه وجعلته يحس بأنه دخل مرحلة جديدة من حياته. في ذلك اليوم، لم تستطع الدنيا أن تسعه وتسع أحلامه وتطلعاته؛ فقد أوصلته الحسناء السمراء إلى أقصى درجات الانتشاء والوجد، فقد استأجر "عربة كوتشي"" وطلب من الحوذي أن يجوب به شوارع مراكش تحت ضوء القمر المكتمل، لينعم بسحر المناظر، ويستمتع بإيقاع حوافر الخيل على الإسفلت كانت هذه البداية

والبقية تأتي...

توالت تجاربه العاطفية بشكل مطّرد؛ إذ عرف في مرحلة معينة شابة فرنسية تدعى "باسكال" قضت معه أكثر من شهرين، سافرا معاً وعاشا حياة بوهيمية في أحضان مدينة الصويرة الساحرة، واقترحت عليه الهجرة بصحبتها إلى فرنسا لكنه رفض؛ بسبب تعلقه الشديد بوالدته. ثم اقتحمت عالمه فجأة فتاة من جمهورية إفريقيا الوسطى تدعى "كوطو"، كانت ذات سمرة خارقة وتتمتع بجسد منحوت بإزميل فنان عبقري، وكأنها تمثال إغريقي ينبض بالحياة، فتعلق بها بجنون وانبهار، وأفسح لها المجال لتسيطر على كيانه، وتؤثث زمنه طيلة فترة تدريبها القصيرة بمدرسة الطيران.

لكن الفتاة التي أحبها بصدق، وعاش معها أياماً لا تُنسى، كانت هي "لطيفة بنور الصنهاجي"؛ كانت فتاة عذبة المعشر، رقيقة الإحساس، ذات جمال بريء ولطف آسر. ومن سوء حظه أنه عرفها خلال السنة الأخيرة من دراسته؛ لم تكن علاقته بها مجرد عاصفة عابرة، بل كانت ملاذاً آمناً لقلبه. تقاسما معاً تفاصيل الزمن المراكشي بوعي مغاير، ولأول مرة اكتشف الحب الشامل الذي يتجاوز رغبات الجسد إلى إشباع الروح وسمو النفس.

وعندما تقطعت بهما السبل، وشاء القدر أن يحكم عليهما بالتنائي والبعاد، قالت له: "أرجو أن تذكرني ولا تنساني "-

أُرسِلَ للعمل في الشمال الشرقي للمملكة لقضاء سنوات الخدمة المدنية، فاستهلكته الأيام في تفاصيل لا حدود لها، وانهمك في غمارها دون أن يهتم بالترتيبات التي تختزنها له الظروف.

نحن مسيّرون.. ولا نملك مصائرنا بين أيدينا، فقد تظهر على حين غرة نقطة تَحَوّلٍ تُغيّر المسار نحو اتجاه آخر.

ترجّل دون مقدمات من على صهوة الماضي، وانفتحت عيناه من جديد على أجواء الساحة وتجلياتها؛ فانتقل من حلقة الحكواتي إلى حلقة مُروض الأفاعي، الذي ما إن رآه يتوقف أمامه حتى أسرع يحيط عنقه بثعبان مُبرقش اللون، وهو يهتف به: "الله أكبر... الشرفاء المباركون سيماهم على وجوههم ظاهرة"

لَعنَ الرجلُ في سرّه وهو يستسلم لفزع شديد يسري في جسده، لكنه تحامل على نفسه وقال بصوت تشوبه نبرة خوف: "أرجو أن تزيح عني هذا الشريف.. وسأعطيك ما يرضيك". ابتسم المروض وقال: "لا تخف يا أستاذ، أنت شريف، ووجهك السمح يشهد أنك من أولياء الله، بإمكانك أن تزيح الثعبان عن عنقك بنفسك".

نفح الرجلُ المروضَ خمسين درهماً، ثم مدّ يديه مزيحاً عن عنقه الثعبان، ويبدو أنه صدّق – في تلك اللحظة – أنه وليّ من أولياء الله..

مرّت نسمة ريح طيبة حملت إليه روائح الأكلات التي تعرضها المطاعم المتراصة في الساحة، فشعر برغبة قوية في تناول وجبة تسكت عصافير بطنه المتوثبة. الزمن المراكشي يشهد أنه كان من عشاق أكلات الساحة إبان سنوات دراسته؛ فهو يتذكر وجبات مثل: "الكرعين" بالحمص، ورؤوس الخرفان المبخرة، و"التقلية" المتكونة من السقط واللفت المحفور، والشواء، و"الطنجية"...

قادته قدماه إلى مطعم يقدم الطنجية المراكشية، فأكل بنهم شديد؛ كان مذاق لحم الضأن لذيذاً ببهارات جعلت نكهته طيبة ومحببة، وكان في الوقت نفسه يرتشف من كأس الشاي بالنعناع وعلامات الرضا تبدو عليه.

سأل صاحب المطعم – وكان كهلاً تجاوز الستين – عن المعلم "مولاي أحمد باولو"، فابتسم صاحب المطعم وقال: "مولاي أحمد توفي إلى رحمة الله منذ مدة، إنك تذكرني بزمن عايشة ريال".

فعلاً، هو زمن "عايشة ريال"، تلك السيدة التي كانت تصر على صدقة بريال واحد لا غير، وزمن مولاي أحمد باولو الذي كان يبيع "النصيص" بدرهمين

"الرّْبَيّع" بدرهم واحد، وكان هو يشتري باستمرار "نصيصاً" مليئاً بلحم لم يكن يعرف مصدره؛ قيل إنه لحم قفا الجمل، لكن العلم عند الله، المهم أنه كان لذيذاً ويشبع نهمه. تجاوز الذكرى، وتابع الأكل وهو يرقب بنظراته المارّة يتدفقون في اتجاهات متباينة.

استقبلته نسمة هواء منعشة، وسرت في جسمه رعشة انتشاء: "جميل أن يوقظ فيك وهج الحاضر إشراقات الماضي المتواري، ويعيد الحياة لتجلياته لتصبح مصابيح تجلو عتمة تراكمات السنين "

الزمن المراكشي يشهد أيضاً أن تلك السنوات الأربع التي عاشها بين ظهراني المدينة وفي أحضان الحرم الجامعي، شهدت أحداثاً ووقائع أصبحت فيما بعد تاريخاً مؤرشَفاً:

سنة 1981م: - إضراب عام دعت إليه الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وأحداث خطيرة في كل مدن المغرب.

سنة 1982م: - استقبل الملك الحسن الثاني ملكة بريطانيا (إليزابيث الثانية) بمراكش، وأقام لها حفلاً بهيجاً بمنطقة "آيت أورير"".

سنة 1983م: - استقبل الملك الحسن الثاني رئيس فرنسا فرنسوا ميتران، وفي اليوم نفسه تعرض الجنرال أحمد الدليمي لحادث سير خطير في مراكش انتهى بمصرعه.

سنة 1984م: - إضراب عنيف بمراكش وبمدن مغربية أخرى بسبب الزيادة في ثمن الخبز (انتفاضة الخبز)

هذه الأحداث عاشها قلباً وقالباً، لكنها لم تكن مؤثرة على حياته الدراسية أو الاجتماعية؛ لأنه كان في أوج العنفوان، وكان مندفعاً ولديه رغبة عارمة لاكتشاف مباهج الحياة التي وُجدت لترضي غرور الشباب وتطفئ جذوة الشهوة البكر المشتعلة في جسده.

في تلك الآونة، جمعته صداقة مع شاب من مدينة وادي زم يكبره بعشرة أعوام، كان يقضي فترة الخدمة المدنية كمتصرف في العمالة.

كان هذا الصديق هو من فتح عينيه على فضاءات السهر وعوالم الليل الخفية، ومن الأماكن التي دأب على زيارتها بمعيته فندق النفيس، ومرقص "تياترو بكازينو السعدي"

الزمن المراكشي يأبى إلا أن يُذكره بالصدمة القوية التي عاشها، وهو الفتى الغر الذي يقتحم عالم الليل والسهر لأول مرة في حياته؛ إذ اكتشف أن العلبة الليلية لفندق النفيس عالم قائم بذاته، ينفصل تماماً عن وقار المدينة الخارجي؛ فالأضواء كانت خافتة تميل إلى الحمرة والزرقة الشاحبة، وتنعكس في خيالات متراقصة على جدران مبطنة بالمخمل الداكن.

انصهر صديقه المتصرف سريعاً في الأجواء، بينما وقف هو لثوانٍ يتأمل المشهد؛ الموسيقى الصاخبة تنبعث من مكبرات صوت ضخمة يتردد صداها في الصدور متناغمة مع قرع الطبول العنيف. وعلى منصة الرقص المضاءة، تمايلت الأجساد في غمرة من الانتشاء غير آبهة بالزمن، وكان دخان السجائر المتصاعد يشكل غلالة ضبابية تسبح تحت السقف الرمادي، لتُضفي على الوجوه ملامح غامضة شبه سريالية.

في تلك الليلة الباردة من ليالي شهر دجنبر، جلسا إلى طاولة خشبية دائرية في زاوية نصف مظلمة، وكان النادل بربطة عنقه السوداء يتحرك بخفة بين الطاولات المزدحمة. هناك، خلف كؤوس زجاجية تلمع تحت ومضات الضوء المتقطع، تلاشت الفوارق بين الموظف الغارق في رتابة يومه، ورجل الأعمال المنقب عن لحظة متعة عابرة، والطالب الجامعي الباحث عن ذاته؛ فقد كانت تلك العلبة ملاذاً يسرقون فيه برهات من الصخب الخالص، قبل أن تشرق شمس مراكش لتعيد كل شيء إلى حالة الانضباط.

تجوَّل طويلاً في رحاب الساحة، ثم انعطف نحو "سوق السمارين"؛ سرقت أنظاره واجهاتُ المحلات التجارية التي تعرض المنتوجات الجلدية، والألبسة التقليدية، والسجاد الفاخر، وتحف خشب العرعر. كانت خطواته متراصة، وفي الوقت نفسه ترسم له مساراً يضج بالذكريات؛ المكان تغير والزمن بدَّل جلده، لكن نفحات الماضي تشهد له بأنه جاور الفضاء وعاش بين أجوائه. سرقه ممر فرعي قاده إلى "درب ضباشي"، حيث لا تزال اللمسة الشعبية حاضرة، ومحلات بيع العصائر والمأكولات الخفيفة لم تتغير كثيراً.

تابع السير حتى وجد نفسه من جديد في الساحة، فداهمته فجأة فكرة التوجه نحو "قصر الباهية" و"دار سي سعيد". استقبل اتجاه "رياض الزيتون" ثم مشى بخطوات واثقة بين بازارات الشارع رغم شعوره بالتعب. فجأة، رنّ جرس هاتفه الذكي، نظر إلى الشاشة ثم رد على المكالمة:

- أهلاً.. هل تأخرتُ عليكِ؟

- كثيراً يا حبيبي! اتفقنا على أن تمرّ عليّ بعد ساعتين، وها قد مرت الآن أربع ساعات ولم تحضر.

- يبدو أنني نسيت نفسي وسرقني سحر الساحة وجماليتها، عشت ذكريات الماضي بكل حذافيرها.

- يبدو أن هوسك الدائم بالفضاءات يسيطر على تفكيرك، وشغفك الكبير بالماضي لا يتوقف عند حدود المعقول.

- نصف ساعة يا سيدتي وأكون عندكِ، بلّغي تحياتي لأختكِ

غادر الساحة على وجه السرعة في اتجاه سيارته، مستغرقاً رُبع ساعة من الهرولة قبل الوصول. امتطى السيارة، أدار المحرك، ثم ضغط على دواسة البنزين.

كان قد ترك زوجته في زيارة خاصة لشقيقتها بعد قطيعة طويلة بينهما بسبب مشاكل الإرث، وكان قد نجح هو وعديله في ردم الهوة التي كانت بينهما، وتقريب وجهات النظر، ودفعهما للصلح وإنهاء الخلاف.

قطع شارع مولاي إسماعيل في اتجاه شارع الموحدين، ومرّ بالقرب من صومعة الكتبية، ثم انعطف نحو شارع محمد الخامس، لينقلب يساراً نحو شارع مولاي رشيد، ثم واصل السير حتى شارع المنارة، وانعطف فيما بعد يميناً نحو شارع الإخاء" الذي قاده مباشرة نحو "حي الإنارة"."

توقف أمام فيلا صغيرة طُلي السور المحيط بها باللون الأحمر المائل إلى حمرة الغروب، وقد برزت عبر سطحه أفنان أشجار الرَّنْج "الزنبوع" المتدلية نحو الخارج. ضغط على منبه السيارة، فخرجت سيدة تجاوزت الخمسين من عمرها، وقد بدت في كامل أناقتها وزينتها، وكان محياها يبدو طلقاً وملامح وجهها تشي بجمال صارخ كانت تتمتع به في شبابها. نزل من السيارة وفتح لها الباب وقال:

- تفضلي يا لطيفة الشمائل

ابتسمت وقالت:

- أخاف كثيراً من تقريظك الزائد

هتف بصوت قوي:

- هل تصدقين أن زواجي بكِ كان حلماً وتحقق بعد عشر سنوات من الفراق؟ ولولا الصدفة السعيدة ما كنا لنلتقي... وأين؟! خارج الوطن وفي أرض الغربة.

ردت بصوت ساخر:

- هذا الحدث أصبح اليوم مجرد ذكرى، وزواجنا تجاوز اليوم الثلاثين سنة...

قاطعها بصوت جازم:

- ذكرى يصعب طيها يا "لطيفة بنور الصنهاجي

***

محمد محضار

بوزنيقة - 20غشت 2026

لا زماني ذا

ولا هذا مكاني

ضائعاً كنتُ، وما زلتُ أنا بينَهما

لا أنا أسطيعُ أنْ أمضي

ولا أرجِعَ شِبراً للوراء

ولقد تنخسِفُ الأرضُ إذا لازمتُها

وإذا جَرّرَتُ ظلي بحبالٍ فوقَها

تنزِفُ من وطأةِ ظلّي الأرضُ قيحاً ودماء

**

أتُرى أنّ هُرُوبي هو من نفسيَ؟

أم أنّ هروبي

هو مما ينفُخُ الوحشُ بهذي المُدُنِ الغضّةِ من أنفاسِهِ؟

ألمَصابيحُ التي ألبستُها نظارتي يوماً

لكي تُبصِرَ ما لستُ أراه

أصبحتْ ضدّي عيوناً للوشاة الرُقباءْ

وبلا قصدٍ

دخلتُ الحربَ في صَفّ عُداتي

مُطلقاً ناري على قبّعتي

لستُ أدري ما الذي حَلّ برأسي

أمرُهُ ما عادَ يُعنينيَ مُذ أسلمتُ أمري للضياعْ

بَيْدَ أني مُنذُ أنْ شاهدتُ ظلي لم يعُد يَتبعُني

قلتُ : مَن يتخذِ السندانَ بيتاً وَوِسَاداً

عبثاً تُجديهِ أقراصُ الصُداعْ

إنها مِطحَنةٌ

والناسُ في غفلتِهِم مثلُ الشعير

من تُرى أسقطني وَسْطَ الفراغ؟

لا أرى غيرَ عيونٍ

مُسختْ في زمن الفاقةِ أفواهاً

بها الأهدابُ أنيابُ ضِباعْ

**

ألملايينُ يدورونَ

ويَهوونَ بآبارٍ عميقة

صمتُهُم يُسمَعُ عن بُعدٍ

وفي تَصخابهم صمتُ القبور

ألملايينُ أطاحتْ بالطواغيتِ

وعادتْ تُسلِمُ الأمرَ لطاغوتٍ جديد

أغلقِ البابَ

وعِشْ في عُزلةِ الأمواتِ

أو فلتَفتَحِ الأبوابَ

ولتتركْ مواريثَكَ نَهباً ليتامى الغُرباء

لم يجيْ من خارجِ الكونِ، ولكنْ

هو من أنفاسِنا هذا الوباء

***

شعر: ليث الصندوق

كَيْ أنْقصَ منسوبَ الوجع المُتَنَشِّب في الأحناء

بعدك،

ما يلزم؟

لا أعرف يا أمّ الصّبر، ومن يعرف؟

يا أولادي

انتحبتْ أمّ الحبّ الصّامت مثل محاني الماء

ضاع العُشّ

وفات أبوكم

يا أولاد

فاختلطت فيّ الأبعاد

وفي الدّنيا

وأمامي قُوَّتي

مُرْتَعِبة

كانتْ رُكني

ورأى النّاس بها

إذ فات أبي

أركانا منتحبهْ

في كل صباحات الغيث الغامر

تسبقنا لتعدّ له ولنا الشّاي

ولها القهوة

تختار البُنّ لقهوتها وتُوزِّع كأسيها

كأسُ الأَصباح

لِحقْلٍ مْعَكَّاز

الأخرى لأَماسي النّول

تصفُّ سُدى الوقتِ ولحمتَه

وأبي قرب النّول يلاحظها منتظرا

وعلى الأسماع

قعقعة عراك ذي يزنٍ في المذياع

مرّ الوقت؟ ما الوقت؟

مِن أوهام الكائنِ والكائنُ أشباحٌ شتّى تسبح في التّيه

قولي لي أنّى رآك؟

في الغيب؟

أم إبّان الجري وراء فراشات الحقل؟

أيّان تكوني في الحاضر أمي!

أأبي الأوّل والأغلى عندك أم أبناؤك؟

كيف تسوّي يا مهبول!

مرّ الوقت؟ ما الوقت؟

ما الكائن حين يسيح في ما لا يُفرَز من ألغاز حين يُكَثَّف ثمّ يَرى ما لا يَفْرِز من أبعاد

حين يُرى شفّافا ويُرى أشتاتاً وأراني غيري أعْرِفُني وأراني لا أعْرِفُني

ما الموت؟

أيعود الشّخص أم الطّيف؟

تلك اللّيلة

من يدري كيف أتاك

من يدري ما كان

غير رشيدةِ قَلبِ الصّفو صديقتك الصّغرى وحفيدتك الفضلى

منذئذٍ صار الآتي منكشفا

الموتُ وشيكٌ ووصاتي أنْ أرتاح هنا جنبكِ فاطمتي

يأتي أبنائي

أُحْمَل للدّار داري

أنيموني فوق سريري أرتاح قليلا واحملوني لأبيكم لأحوك له وأعدّ له الشّاي

في اللّيلِ الآخِر قبل صباح الموت

كنّا بطريق الدّار

كنتِ بقربي نمشي كالعادة مبتسمين ومكتظّين بآلام شتّى تعرفنا منذ فوات أبي حبّك ذاك الأوّل والآخِر

وبقرب الزّيتون وجدناه

كالعادة مبتسما

عانقنا أمّي طويلا ثمّ أشار إليّ أنْ اِمض

سار وسرتِ

نحو الحقل الفاغر

حضنَ برودته

هو مَنْ كان

كالقطّة

إن يُشْغَل عنها يدك

تُلِحّ لِتَجْتَذِبَهْ

آه

موتك أمّي

أكان أبي أم كنت أنا سبَبَه؟

***

البشير النحلي

 

إلى عادل أسمر[1]

....كان رصيفاً مهملاً كانت جريده

تنخل اخبار الوطن

من اطلق الماء على صيف روحي

انا ما قاله العش بعد العاصفة

والهدهدُ الذي اضاعَ بريده

كانت (محلةُ اسمرَ) عشَّه الصغيرَ كانت وريده

هو من يحاصره الحنين الى موجةٍ الى غيمةٍ بعيده

عاد من أوّل القلبِ لبيتِ ابيه

لكنهُ عندما عادَ بكى وافترش الرحيل

صار عصفوراً او قصيدة

كان قبضةً من القمح ببال قطاة

هو ما لمّح َالبحر للبراري

هو فكرةٌ فرّت الى أجفان دواة

*

عادلَ اسمرَ مَن انت؟

أنا ما يُسمّى بعصافير الحقول

انا ما تقولهُ وردةٌ للريح

انا ما يضمرُه ُالغيم للغيمِ

وما تضمنتْهُ الفصول

*

عادلُ صديقُ الناي

ومعملُ طحنِ الحبوب

وطريقٌ موصلٌ بين اسطورتين

وعادلُ كان صلاة المسيح

وما تقوله جوليت لروميو

عودةُ الفَراشِ لكلام شكسبير

كان عادلُ خارجاً من حقول التبغِ ومن بداياتِ الاغاني

وعائداً الى تلكيف

مطراً على زقاق طويل

عادلُ هو الأدواتُ البسيطةُ

وشارعُ البيادر

والزمن الجميل

عادلُ علاقة الماء بالينبوع

*

لابدَّ من تلكيف لابدَّ من قطط الطريق يا صديقي

ولديك من المفردات ما يكفي لتعلّق قمرَ الرصافةِ فوق تلكيف وتمضي مع المسيح الى  (كنيسة الكلدان)[2]

صباحَ الخير يا عادل

أصيحُ في بريّتي مثلَ (ارميا )[3]لا تهجروني  واطعنوا بهذا الجمال انفسكم

يا ابنَ القمر الجميل

نمْ على ريحانةٍ بالقرب من  (قاشات)[4]

نَمْ يا ابن آذار نحلةً ترشدُ المعنى الى مجازات بعيدة

ونم على ذمةِ التلميح

واعطني حصتي من رذاذ قصيدة

صباحَ الخير يا عادل

صباح (ليليات شوبان)[5]

وضعَ الكلام على وردةٍ قلقة

تلكيفُ خيمتُنا الجديدة

تلكيفُ تلميحٌ لغموض الاستعارة

هل أوقف الحبُّ حشوده؟

تلكيف صاحبي الذي مضى الى ذكرياته

وقد وضع القمر البدائي في اعالي الاغنيات

وفوق قداسه الاخير

عادلُ اخرُ ما تبّقى من حصاد تلكيف

وعادلُ آخرُ اسطورة تمرّ في بال الرعاة

وعادلُ يرسم شكلَ الأناة

وعادل كان شقيق الفرات

*

كان رصيفاً مهملا ً كانت جريدة

تنخلُ أخبار الوطن

دموع نرجسةٍ تحاصرُهُ

وتلكيفُ التي نثرت وصاياها الاخيرة

ومشت الى ما ليس تبصر...كالعصافير الشريده

تلكيفُ خيمتُنا الوحيدة

ومملكةُ الحمام

تلكيفُ ذاكرة الفصول

فاتبع صعودَ الشوق كي تتبعَ صعودَه

***

أحمد شهاب

.....................

[1] -شخصية لطيفة من تلكيف الموصل، مازال متعلّقا بالوطن الام العراق

[2] - كنيسة في تلكيف الموصل

[3] - من انبياء العهد القديم

[4] - محلّة في تلكيف

[5] - موسيقى لشوبان

في نصوص اليوم