عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

كان يمشي على الرصيف، والطقس مشمس تتخلله رياح خفيفة تتناوب بين السكون والعبور السريع. الأغصان المتدلية كعناقيد العنب كانت تتمايل مع الرياح، فيما ضوء الشمس يتسلل عبر شقوقها ليهطل على الأرض. بدت الخطوط الضوئية المتكسرة على أرضية الرصيف كأنها مياه متحركة، وكلما تحركت الأغصان تراقص الضوء مكوّنًا أمواجًا وهمية تتلاشى وتعود، كأنها موسيقى صامتة تعزفها الطبيعة وحدها.

تسابقت قدماه بخطوات متناسقة فوق تلك الأمواج الوهمية، التي رسمتها أشعة الشمس خلف الشجيرات الكثيفة الممتدة كسياجٍ على طول الرصيف. ومع اشتداد الرياح، ارتفع حفيف الأوراق، فتعاظمت حركة الأمواج دون أن يصدر عنها همس.

وبينما كان يمضي في مسارب الدنيا بحثًا عن خطاه، التف الشارع في غلالة بيضاء من ضوء النهار، كأن نقاوة الحياة تجلت في صفاء الوجدان. شعر أن العالم على أعتاب التغيير، لكنه لم يكن له نصيب، فهو يحيا ليومه الذي صار أفقًا غامضًا يخفي خلفه آماله المؤجلة.

لكن خلف هذا الضوء، كانت الحياة تحمل وجهًا آخر. في أولى لياليه في الشارع، كان البرد ينهش أطرافه والجوع يقرص معدته. تذكر فجأة خط الرسم الذي تعلمه في دار الأيتام، فأخرج ورقة مهترئة وقلمًا صغيرًا كان يحتفظ به.

جلس على الرصيف، وبدأ يرسم وجه امرأة مرّت أمامه. توقفت المرأة، نظرت إلى الرسم بدهشة، ثم وضعت في يده قطعة نقدية صغيرة.

شعر أن الحياة، رغم قسوتها، منحت له نافذة صغيرة للبقاء. بعد أيام، بدأ يعزف على آلة قديمة حصل عليها من أحد المارة، وصار صوته يملأ الشوارع المزدحمة، يجذب السياح والناس، ويمنحه ما يكفي ليواصل يومًا جديدًا.

***

كفاح الزهاوي

 

كانت ميمونة أعجوبةً تناقضت فيها بدائع الجمال وفواجع المأساة، لها شلالٌ من الشعر الذهبي الخالص ينساب على كتفيها كخيوط شمسٍ مغزولة بالنور، يتموج مع كلّ حركة ليخطف الأبصار بنقائه النادر.

لكنّ هذا الألق الساحر كان ينتهي فجأة عند حدود وجهها الذي استقرت فيه ندوب حرقٍ بليغ ومشوه، حوّل نصفه إلى تضاريس قاسية من الجلد المنكمش والداكن، ماحيا ملامح الأنوثة الرقيقة ليحلّ محلها قناعٌ من الألم والرماد.

أصبح هذا التباين الصادم يجعلها تبدو كلوحة عالمية فريدة، نصفها العلويّ يفيض بفتنة الآلهة، ونصفها الآخر يحترق بنيران الفانية، تاركةً الناظر إليها معلقاً بين روعة الذهاب وعمق الفجيعة.

أمّا ابنها صابر، فبدا وجهه ملوّحًا بسحنة صفراء باهتة كقشرة ليمونة منسية، حفر عليها القلق المزمن تجاعيد مبكرة، جمعت حاجبيه المعقودين في دهشة خائبة مستمرة.

وتوسطت وجهه عينان زائغتان متسعتان بالطمع العاجز، تحتهما هالات سوداء من أثر السهر في عدّ قروش غير موجودة، تلتقيان عند شفتين ذابلتين لا تكفان عن التمتمة بالشكوى والندب.

اعتادت ميمونة أنْ تجلس في دكان التوابل، وتطيل النظر بتبسّمٍ غامضٍ إلى مرآة نحاسية مصقولة تعكس وجه ابنها "صابر" وهو يفتش بين أكياس الكمون والكزبرة عن قرش ضائع.

لكنّ ميمونة كانت قد عبرت جسر الزهد منذ زمن، وتنظر إلى الدنيا على أنّها مسرحية هزيلة، بطلها الإنسان الذي يركض خلف لقمة، واللقمة تركض خلف الموت.

دار في باطن ميمونة حوار صوفيّ ساخر: "يا نفس، يبكون على قلة الرزق، ولو عرفوا حقيقة الأمر لبكوا على قلة العقل.

إلهي، صقلتُ مرآة قلبي حتى لم أعد أرى فيها سواك، فاجعل رزقي عصياً على أهل الطمع، واجعل حياتي عبرة ضاحكة، وموتي نكتة مبكية".

كانت دعوة ميمونة صامتة، تكتفي بالنظر إلى المرآة وهزّ رأسها كلما اشتكى صابر من فقر دمّر وسامته المفترضة.

أيقن صابر أنّ حياته لن تستقيم أبداً، وأنّ النحس لن يفكّ أسره إلا إذا وضع يده على سرير أمه، حيث تخبئ صندوق قروشها السري.

وفي ليلة يائسة تسلّل وسرق الصندوق، ثمّ اشترى قماشاً لبيعه، فأكلته الفئران في نفس الليلة، واشترى طحيناً، فمُطر عليه في سوق مسقوف بطريقة إعجازية مضحكة حتى صار عجيناً فاسداً!

اندفع مرة أخرى إلى السوق ليشتري هذه المرة "حماراً" ينقل عليه البضائع، ظانّاً أنّ هذا الحمار سيكون بداية إمبراطوريته التجارية.

وهنا انكشف المستور، وخاب أمل صابر، فالحمار الذي اشتراه بمالها كان حماراً صوفياً بامتياز، إذْ لم يكن يتحرك، ولم يكن يأكل، فكان يقضي اليوم واجماً ينظر إلى السماء بكآبة.

وكلما حاول صابر تشغيله ماتت البضاعة فوق ظهره، فإنْ اشترى حبات البندورة تعفنت في دقائق، وإنْ اشترى زجاجاً تكسّر دون سبب.

لقد أبت إرادة الله أنْ يستقيم رزق ميمونة لأحد.

عاد صابر يجرّ الحمار باهتاً ودخل الدكان، ليرى المفاجأة المدهشة.

نظر في المرآة النحاسية، فلم يجد انعكاس وجهه، فقد رأى الحمار ينعكس في المرآة وهو يبتسم له بأسنان بشرية، وقد كُتب تحت صورته بخط ذهبي: "الرزق مكتوب، فما دخلُ الحمار؟".

وفجأة، انفجرت المرآة ضاحكة بصوت يشبه قهقهة ميمونة، لتسقط الصخرة التي خلفها وتكشف عن سرداب مليء بسبائك الذهب، وبجانبها ورقة كُتب فيها: "أوقفتُ هذا الذهب لعلف حمير المدينة".

التفت صابر وهو يبكي فرحاً ورعباً نحو زاوية الدكان، فوجد أمّه ساجدة وقد فارقت الحياة، وفي يدها حبة تمر واحدة لم تأكلها، وعلى فمها ابتسامة ساخرة تركته غارقاً في دموعه.

هو الآن أثرى رجل في المدينة، لكنه قانونيّا لا يملك سوى ثمن شراء البرسيم للحمار الذي يجلس بجانبه، ويبكي معه بنحيب بشريّ مرعب.

***

غدير حميدان الزبون

فلسطين

في هذا الصباح الخريفي المتقلب، وفي منتصف تشرين الآتي من ذاكرة الورق يطل رأس قلمي من تحت الأنقاض الحياتية أو هكذا خيل إلي أم إنه يخرج من رحم الأحلام الورقية ...

 ما عادت الأحلام وردية كما كنت أتخيلها للحياة ألوان مختلفة الكثير منها لا أعرفها ....

 هل تعلم أنني الآن أزحف بحبري كجريح مصاب في ساحة قتال يحاول أن يجد مكاناً ليختبئ فيه؟!

 كنت أتصور حين أرى تعاقب الفصول بتلك العروض المدهشة التي تغير فيها مواقعها وأثوابها وحتى ملامحها كنت أتصور أنها تبعث الحياة ليس في واقع حياتنا وإنما على ضفاف كتاباتنا، وسطور مخيلتنا .....

 إنما الأمر شيء مختلف تماماً إن ما يجعلنا نجدف بأقلامنا في محيطات الورق الأبيض هي في الحقيقة تلاطم حياتنا اليومية.....

 هل تذكر حين حدثتك عن سوداوية الحياة في سطور كافكا، ورمادية السماء في سقف كتابات ألبير كامو؟!

 يومها سألتك هل للحزن وقار يجعل من الأبجدية حضوراً بهي الدهشة ؟، وهل نحن نخترع حياة وهمية على مقاس الورق ونجعل من المفردات حقول تنبت فيها لنخرج إبداع الكتابة من هذا الفراغ الوهمي؟! أجبتني حينها إن للحبر أفئدة ليس لها صوت فقط أحرف تتوشح الحداد كأنها تعقد قرانها على فصل الشتاء البارد ....

***

مريم الشكيلية - سلطنة عمان

عن قريبٍ سيَهدرُ نهرٌ ويسطعُ نجمٌ ويلمعُ بدرٌ ويسمقُ نخلٌ، قريباً يعودُ الى الماءِ روحٌ وتصفو سماءٌ لتحضنَ في الأفقِ زرقاءَ ماءً مديداً رهيفاً وأزرقَ في لحظةٍ عمرُها أزلُ الكونِ حتى ذرى الأبديهْ.

*

عن قريبٍ سينطقُ حقٌّ بأبهى الحروفِ ويصدحُ طيرٌ جميلٌ يعودُ الى وطنِ الطفلِ بَعدَ اغترابٍ كئيبٍ تطاولَ يسرقُ حتى غناءِ الطيورِ ويكسفُ نورَ المُحبّاتِ في أحرفِ الأبجديهْ

*

عن قريبٍ سيُكمِلُ عالمُنا جولةَ الحقِّ حتى يحقَّ فيُفتحُ ماءُ الروابي ويُقفلُ صوتُ المرابي لأنَّ الحفيفَ يعودُ فؤاداً يغني وانَّ الجداولَ تهدرُ بالحُبِّ والطيرَ يرقى الى مهجةٍ في سماءِ المواويلِ باهرةِ الأشتياقِ تدونُ ذاكرةً سرمديهْ

*

عن قريبٍ سينطقُ بالحقِّ حقٌّ بأبهى الحروف..

***

شعر: كريم الأسدي - العراق

...................

ملاحظة: هذه القصيدة من نمط الشعر المدوّر الذي اجترح طريقة كتابته وأبدع نمطه الشاعر حسب الشيخ جعفر لتكون القصيدة قطعة واحدة.. شخصياً اعتمدت هنا نظام المقاطع حيث تأتي القافية في نهاية كل مقطع، وحيث يمكن اعتبار كل مقطع قصيدة.. زمان ومكان كتابة هذه القصيدة: في الثاني عشر من تشرين الأول 2023، في العراق.

"يا ليل، لكم طال الدّربُ.

تعب الركبُ،

وعراقي شطَّ، وسمَّاري

ناموا."

بدر شاكر السياب

سفر أيوب (٧)

ديوان منزل الأقنان

***

لا تَحْزَني...

ضُوعي غدًا...

سنلتقي

على رصيفٍ من ضياءٍ لا ينامْ

هناكَ حيثُ يخلعْ الموجُ الزَّبدْ

كي يستعيدَ من رُكامِ الماءِ وجهًا

قد فَقَدْ

*

لا تَجْزَعي يا لارُ،

إنْ طالتْ ليالي العائدينْ

فالليلُ بابٌ من مُسوحٍ، والنهارْ

يرتدُّ جذرًا في فتوقٍ لا تُرى،

حتّى يصيرَ البابُ غُصنًا في يديكْ.

*

في مُقلتيكِ الفجرُ يجري في دمي،

من أورَ، من طينِ العُبَيدْ،

وكلُّ جرحٍ فيَّ شُبّاكٌ على بحرٍ

يُدجِّنُ في حُطامي نورسًا.

*

لا تَسْأَمي...

تلك المسافاتُ التي

مدَّتْ على أجسادِنا أسلاكَها

لم تَدْرِ أنَّ الماءَ دَبَّ في الحديدْ.

في كلِّ قفلٍ قطرةٌ تمحو الحدودْ،

شُبْعادُ تُصغي من وراءِ صمتِنا

للعَذْبِ في أوتارِنا.

*

لكنّنا نستمطِرُ الوعدَ الشحيحْ،

والريحُ تعبثُ بالخُطى،

والعمرُ مصلوبٌ على صِيْرِ الرجاءْ.

*

خَطوي وَهَى،

والليلُ يسْحنُ صبرَنا،

لكنّني سأضلُّ في عَتَمِ المدى

عينًا تُحدِّقُ في الأثرْ

وأُعيدُ للطينِ القديمِ ملامحي.

*

إنّي هُنا...

رهنُ الترقُّبِ لم أزلْ.

*

كودا

ضُوعي غدًا...

سنلتقي

في كفِّنا يصحو رصيفْ،

والبحرُ طفلٌ،

كلَّما مدَّ اليدينِ،

تنسَّلتْ منهُ الضِّفافْ.

***

د. سعد محمد مهدي غلام

....................

هامش

"لار": رمز يستخدمه الشاعر منذ عقد السبعينيات من القرن المنفرط ، تتداخل فيه المعشوقة الغائبة، والحلم المفقود، والغاية المصادَرة، والمدينة المنسيّة، والوطن المنتهَب.

"أور": مدينة أثرية في جنوب العراق من مدن مهد الحضارة .

"العُبَيد "تل العبيد يقع على بعد ستة كيلومترات من غرب أور الواقعة على مقربة من مدينة الناصرية،و هي إحدى أقدم الحضارات في بلاد ما بين النهرين فقد ظهرت حوالي 5300 ق. م و4000 ق .م وتنتمي لحقبة العصر الحجري النحاسي.تميزت بتطور الزراعة، وبناء أوائل المجتمعات المدنية والمعابد، وصناعة الفخار المميز المصبوغ باللون الأسود.

"شُبْعاد": اسم متداول قديمًا لـ "بوابي"،- المرتبطة بالمقبرة الملكية في أور - يستدعيها النص استدعاءً تخييليًّا يتّصل بذاكرة الموسيقى والمكان، لا بوصفها واقعةً تاريخية.

"المُسوح": جمع "مِسْح"، وهو كساء من الشَّعر يُلبس للتقشّف، ويرتبط أيضًا بالحداد. ويستدعي "بابٌ من مُسوح" حاجزًا نسيجيًّا خشنًا تتّصل به "الفتوق"، وتكتسب عبره صورة الليل إيحاءً بالحزن والتقشّف. أمّا "يرتدُّ جذرًا" فتصوّر عودة النهار إلى أصلٍ خفيّ يستأنف منه النمو، تمهيدًا لتحوّل الباب إلى غصن.

لهذا أنا أختم خطايَ بالنظر إلى ما حولي،

دون السؤال

إلى أين؟

عينٌ على الجالسين عند بداية السلم،

وعيني الأخرى على المُقعَدين في النهاية

وفكرةٌ أو ربما حيرة لا يكاد يخلو العقل منها.

ماذا جرى؟!

ماذا أرى؟!

*

إلى فكرتي الأولى،

أعيدوني

إلى أساس ركضي اللامنتهي

إلى عقلي المفرط في الذهول

حين رأيتُ صعوداً إلى الهاوية

***

رجاء الغانمي - العراق

 

لم يكن الطفلُ يصعدُ سُلَّمًا إلى السماء،

بل إلى الحياة.

*

درجةً درجة،

يدسُّ خوفَه الصغيرَ في خطوته،

ويمدُّ قدمًا لا تعرفُ من العالم

إلّا يدًا تتلقّاها إن مالتْ.

*

يدٌ من خلفه،

تدفعُه برفق،

ويدٌ من أمامه،

تسبقُ سقوطَه إلى الهواءْ.

*

بين اليدينْ،

يعبرُ العمرُ حافيًا،

ويكبرُ الحلمُ في ظلِّ حبٍّ

لا يتركُ اسمَه على جدارْ.

*

لكنّ السُّلَّمَ مكسورْ ...

فأيُّ حبٍّ هذا

الذي يحرسُ الطفلَ من السقوطْ

ويتركُ تحت خطوه هاويهْ؟

*

وأيُّ يدٍ تكفي

إذا ظلّت الدرجاتُ أفخاخًا

والنجاةُ درسَه الأوّلْ؟

*

أيّها الطفل،

اصعدْ...

*

لا تثقْ بقرب السماءْ،

ولا بكلِّ يدٍ تمتدُّ إليكْ.

*

اصعدْ،

ففي الأعالي متّسعٌ لجناحيكْ،

وفي كفَّيْك غدٌ

لم تُملِهِ يدٌ بعدْ.

*

أمّا نحن،

فليس أعظمَ ما نمنحكْ

أن نمنعك من السقوطْ،

بل أن نترك لك أرضًا

لا تضطرُّ فيها إلى السقوطْ

كي تعرفَ معنى النجاةْ.

***

بقلم: سليمان بن تملّيست - تونس

جربة في 2026/10/19

يسرُّ صحيفة "المثقف" أن تُعلن لقرّائها وأسرتها الأدبية الكريمة عن إعادة فتح أبواب (باب نص وحوار)، استئنافاً لمسارٍ أدبيٍّ حيويّ كان مهمًا جدًا لأنه يُعيد للكلمة نضارتها وللنص بهجته الحقيقية.

تأتي هذه الخطوة إيمانًا منا بضرورة التوقف المتأني عند النصوص الاستثنائية، لاستنطاق مكامنها، والإصغاء العميق لِما تحويه من رؤى ودلالات خبيئة، عبر حواراتٍ نقديةٍ حيةٍ تضيء جوانب النص وتفتح آفاقه أمام القراء.

تعتمد هذه المبادرة التحريرية على الانتقاء الحصيف لنصٍّ أدبيٍّ من نتاجات مبدعي "المثقف"، وتسليط الضوء على ملامحه الفنية والجمالية والفكرية، ثم محاورة مبدعه بأسئلةٍ جادة تنبثق من روح النص وتعود اليه.

كما سيكون هذا الحوار منفتحًا على زملائنا الكُتّاب والقرّاء الكرام للإسهام بآرائهم ومداخلاتهم النقدية، في تفاعلٍ إنسانيٍّ وخلاق ليمنح النص المختار حياةً متجددة ولإثراء ذائقة المتابعين.

(سوف تُوجّه الأسئلة بريديًا إلى كاتب النص للتعقيب والرد).

***

المشرفة: سعاد الراعي/ المثقف

 

كثُرَ الأنينُ

وماتَ في فمهِ الجوابُ

وتفتحتْ زُمرُ المشانق ِ

فوقَ وردِ النهرِ

والأمواجُ بابُ

وتسلقتْ في كلِّ رأسٍ غابةٌ

فيها العذابُ

وتلوثَت تلكَ الكرامةُ

فالسماءُ لها كتابُ

لا ماءَ كي يحيا

ولا يمشي سُحابُ

صحراءُ تركضُ

والقلوبُ لها مآبُ

هذا هو النومُ الرمادُ

مطرزٌ فيهِ احتلابُ

موتى هناكَ.. بلى.. هنا

في كلِّ نافذةٍ سرابُ

ركضوا عُراةً للعويلِ

ومضوا وذابوا

ذابوا وما ذابَ الصدى

فالعارُ نابُ

عارٌ يلوكُ الثوبَ

انْ حضروا وغابوا..!

هذا صباحُ الحزنِ

يركلُهُ انقلابُ

***

حسن رحيم الخرساني

 

1ـ نغمة الأمس

كان الزمن قد انزلق بعيداً، مثل ورقة خفيفة تطيح بها الريح فوق رصيف فارغ. في صباح شاحب من صباحات تموز، جلس وحده في غرفته الصغيرة، يتأمل صورة قديمة، ذات أطراف باهتة، تشي بعمرها الطويل. إنها صورة جماعية، التُقطت قبل خمسين عاماً في رحلة مدرسية إلى غابات المدينة. كان الأطفال في الصورة يرتدون زي الكشافة، وجوههم مشرقة، بريئة، تطل على العدسة كما لو أنها نافذة تطل على المستقبل.

تكررت جملة في ذهنه "أمس كان كل شيء جميلاً" بنغمة خافتة، لكنها ثابتة. عادت إليه في لحظات السكون، مثل لحن قديم لا يستطيع نسيانه، يهمس له من أعماق ماضٍ لم يعد له مكان سوى في الصور والتساؤلات.

"كنت هناك"، يقول الصوت الذي ينبثق من داخله، صوت رجل لم يعد ذاك الطفل، لكنه لم يغادره تماماً.

"أنا ذلك الفتى الجالس في الصف الأول، تقريباً في المنتصف، يشير إليّ سهم أبيض صغير كأنه تذكار أخير من حياة كاملة. نعم، هذا أنا . أذكر يوم التقاط الصورة كأنني أراه الآن. كنا نركض بين الأشجار، نغني، نضحك، نظن أن الحياة ستبقى دائماً على هذا النحو."

معظم الوجوه في الصورة لم يعد يذكر أسماءها. لكن شيئاً في ملامحهم، في نظراتهم، في وضعية الوقوف أو طريقة التبسم، ظل عالقاً في ذاكرته. هناك من كان ذكياً، ومن كان شغوفاً، ومن بدا عليه الكسل حتى في لحظة التقاط الصورة. وهناك، في الطرف الأيسر، يقف أستاذ الرياضة ــ كان لطيفاً، هادئاً، رجلاً لا يعلو صوته أبداً، لكنه كان يترك أثراً لا يُمحى.

ثم تساءل  ــ أو لعلها ذاكرتُه هي التي تساءلت نيابة عنه، وقد غدا السؤال حملاً لايزول:

"أين هم الآن؟ من بقي حيّاً؟ من فارق الحياة بهدوء؟ من منهم فقد زوجاً أو زوجة في حربٍ لم تنتهِ حقاً؟ من يعيش في وطنه، ومن تناثر في المنافي؟ وهل ما زالت تلك الفتاة ذات الجديلتين ــ التي أحبها في صمت ــ جميلة كما كانت؟ أم أصبحت جدة؟ هل تزوجت؟ هل بقيت عزباء؟ هل تتذكر هي أيضاً ذلك اليوم؟"

كان الزمن قد قام بما يقوم به دائماً ــ تفريقنا، تغييبنا، محونا تدريجياً من ذاكرة بعضنا البعض .لكن شيئاً في داخله ظل عالقاً هناك، في تلك اللحظة.

"ربما لا يتذكرني أحد. وربما لا يتذكرون الصورة. لكني أتساءل، هل يراودهم، هم أيضاً، ذلك الإحساس العابر بأن الأمس كان كل شيء فيه جميلاً؟"

لم ينتظر جواباً. فقط جلس هناك، يحدّق في الوجوه التي لم تعد له، يحاول أن يسمع من خلالها أصواتاً لم تعد موجودة. وبين نغمة الذكرى ونغمة النسيان، بقيت الجملة تتردد في رأسه، كأنها لازمة من حياة لا تزال مستمرة في بعدٍ آخر:

"أمس... كان كل شيء جميلاً."

في مساء آخر، وبينما كانت الصورة لا تزال مستندة إلى الجدار خلف المكتب الخشبي، أخذ  يتأملها من جديد. هذه المرة لم تكن الوجوه ساكنة كما في المرات السابقة. حدث شيء، بسيط، ربما خدعة من الضوء أو وهماً من ذاكرته المتعبة، لكنه رأى أحد الأطفال يبتسم، ثم الآخر يلتفت نحوه. وسمع صوتاً. كان صوت سمير، أكثر الأولاد ذكاءً في الصف، ذلك الذي كان يعرف الأجوبة دائماً، حتى قبل أن يُطرح السؤال.

- "تأخرتَ يا صديقي. انتظرناك طويلاً."

فرك  عينيه، لم يكن نائماً، ومع ذلك لم يكن مستيقظاً تماماً. عالم الصورة بدأ يتحرك، ووجوه الرفاق تصطف أمامه كأنهم حضروا لموعد لم يحدده هو. كانت هناك سعاد، تجلس القرفصاء في مقدمة الصورة، بنفس الضفيرتين، تقول:

- "هل تتذكر تلك النزهة؟ كنت تضحك طوال الطريق، ثم أضعت قبعتك، وعاتبك المعلم."

ابتسم ، كأنه عاد إلى ذلك اليوم.

- "وأنتِ، ألم تكوني أنت من دفنها تحت التراب لتختبئ مني؟"

ضحكت سعاد، وقالت:

- "ربما. كنا نظن أن الزمن لعبة، وأننا سنبقى صغاراً إلى الأبد."

ثم تكلم شاكر، الذي لم يكن محبوباً كثيراً، لأنه كان كثير الشكوى، لكن الآن بدا أكثر هدوءاً، كأن السنين صفّت شيئاً من طباعه:

- "لقد حاولت أن أعيش كما كنا نحلم، لكن الحروب سبقتنا جميعاً. هل تتذكر كيف كنا نرسم المستقبل على أوراق الكراس؟"

همس:

- "رسمت مدينة كاملة. بيوتاً تطير في السماء، ومكتبة تحت الأرض..."

- "وأنا رسمت نفسي طياراً"، قال شاكر. "لكنني أصبحت ميكانيكياً في مدينة لاتطير فيها حتى الأحلام."

ظهر أخيراً أستاذ الرياضة، ليس كهذاك الشاب الهادئ في الذاكرة، بل كرجل مسنّ، يمشي ببطء لكنه يحمل نفس النظرة التي لا تُخطئها الروح. اقترب وقال له:

- "لقد أحببتكم جميعاً. لم أكن فقط أُدرّبكم على الركض والقفز، كنت أحاول أن أُبقي البراءة فيكم، لأطول وقت ممكن."

- "هل نجحت؟" سأله .

- "لا أدري"، أجابه المدرّس، "لكن ها أنت ذا، ما زلت تعود إلى الصورة، كأنها المخرج الأخير من النسيان."

قالت فتاة أخرى، جميلة، بشعر منسدل وعينين واسعتين ــ لم يكن متأكداً من اسمها، لكنها ربما كانت نجلاء أو مها أو شخصاً لم يكن له اسم أصلاً:

- "هل تعرف أنني بقيت عزباء؟ ليس لأن أحداً لم يطلبني، بل لأن أحداً لم يشبه ذلك الفتى الذي كنتَ عليه."

هنا، بدا الزمن كأنه توقف. لم يكن يعرف ما إذا كان يحلم، أم أنه ببساطة تَركَ الواقع خلفه.

قال لهم جميعاً، بصوت مرتجف لكنه صادق:

- "أردت فقط أن أعرف إن كنتم تتذكرون. إن كنتم، مثلي، تؤمنون بأن الأمس كان جميلاً."

هزّوا رؤوسهم، لم يقولوا شيئاً.  ثم، شيئاً فشيئاً، بدأت الصورة تعود إلى سكونها الأول. الوجوه تجمدت، الحركات تلاشت، والأصوات غابت. بقي وحده، كما بدأ، لكن قلبه لم يكن كما كان.على الطاولة، الصورة ما تزال هناك، صامتة، لكن في داخلها، عالم كامل يتحرك كلما أغلق عينيه.

***

2 ـ  صدى الأسماء

في الليلة التالية، لم يكن  يحلم. كان مستيقظاً تماماً، رغم أن كل ما حوله بدا وكأنه جزء من حلم طويل. جلس إلى طاولته، قرب النافذة، حيث الضوء الشاحب القادم من عمود الكهرباء يراقص ظل الصورة المعلقة أمامه. هناك، على يسار المنتصف قليلاً، يجلس ذلك الطفل، بقبعته المائلة وساقيه المتصالبتين... هو نفسه، لكنه ليس هو. كتب في دفترٍ مفتوح أمامه:

"إذا كانت الصور تحتفظ بأرواح من فيها، فهل يمكن استرجاعهم إن ناديتهم بأسمائهم؟"

لم يكن هذا مجرد تساؤل. لقد قرر أن يبحث. أن يبدأ من جديد.

في اليوم التالي، حمل الصورة إلى محل تصوير قديم في سوق المدينة. المكان بالكاد تغيّر. الرجل الذي استقبله كان كهلاً، أصلع الرأس، يضع نظارات سميكة، ومع ذلك، حين نظر إلى الصورة، أطلق صفيراً خفيفاً وقال:

- "يا للعجب... هذه من ستينات القرن الماضي، أليس كذلك؟ كشافة العروبة؟"

هزّ رأسه.

- "أعرف أنك لا تذكرني، لكنني كنت واحداً منهم. أبحث عن أي خيط، أي اسم يمكن أن يقودني إليهم."

رفع المصوّر الصورة نحو الضوء، تأملها جيداً، ثم قال بصوت خافت:

- "أعتقد أن هذه الفتاة..." وأشار إلى واحدة من الواقفات في الصف الخلفي، "كانت تدعى نادية. كان والدها طبيباً في المستشفى التركي. سافرت العائلة إلى بغداد في السبعينات."

خرج  من المحل والصورة في يده. كانت أول خيوط الزمن قد تحركت. اسم واحد، فقط، لكنه بدا ككسر صغير في جدار النسيان.

وفي الليل، بينما كان يقلب دفتره، دوّن الاسم:

"نادية."

ثم سمع الصوت من جديد. لم تكن الصورة تتحرك هذه المرة، بل بدا وكأن أحداً يتحدث من داخله مباشرة.

- "لم تزل تبحث؟"

كان صوت سعاد، ضفيرتاها تتمايلان في الظلام، كما لو أنه رآها تخرج من خلف الستارة.

- "لماذا الآن؟ بعد خمسين عاماً؟"

- "لأن شيئاً في داخلي لم يغادر الغابة أبداً. لا الصورة، ولا ذلك النهار. أريد أن أعرف... لا أن أعود. بل فقط... أن أعرف."

- "ماذا لو كان ما تبحث عنه لم يعد هنا؟ ماذا لو كانوا جميعاً مجرد أصوات؟"

- "لا بأس. حتى الأصوات أحياناً تكفي."

في الأسبوع التالي، اتجه إلى المدينة القديمة. مشى في الأزقة التي كانت ذات يوم ملعباً لطفولته. توقف أمام باب مدرسة العروبة، التي أُغلقت منذ عقود. المبنى متهالك، الشبابيك مكسورة، لكن حين لمس الجدار الخارجي، أحسّ أن النبض القديم ما زال يسري فيه. جلس على العتبة، أخرج الصورة، ووضعها على ركبتيه. فجأة، هبّت نسمة باردة، كأنها قادمة من غابة بعيدة. لوهلة، سمع ضحكات، أصوات خطوات تركض، صفّارة أستاذ الرياضة. ثم جاءه وجه آخر من الماضي، هذه المرة شاحب، لكنه واضح: سمير. كان وجهه أنحف، بشارب خفيف، بدا كمن قضى نصف عمره في المدن الباردة. قال سمير بصوت يشبه الريح:

- " مصطفى ..... أنا لم أنسَ. لكني لم أعد قادراً على التذكّر أيضاً. ماذا تريد أن تعرف؟"

- "أريد أن أعرف من بقي."

- "كلّنا بقينا، في داخلك، في الصورة، في الأسئلة التي لم تُطرح. لكن إن أردت الحقيقة... فستؤلمك."

ابتلع مصطفى الصمت كحبّة دواء.

قال:

- "ليست كل الحقائق من أجل الطمأنينة. بعضها من أجل أن لا نضيع تماماً."

***

3 ـ نادية

لم يكن العثور عليها سهلاً. مرّت أسابيع، وأمضى ليالٍ طويلة يقلب دفاتر الهاتف القديمة، ويتصل بأشخاص لا يعرفهم، يكتب رسائل طويلة إلى صفحات قديمة على الإنترنت، يبحث في أرشيف الصحف عن أي خبر، أي إعلان نعي، أو حتى تبرّع باسمٍ يشبه اسمها. ثم، ذات مساء، تلقى اتصالًا من رقم غريب.

- "أنت تبحث عن نادية ابنة الطبيب؟"

لم يتكلّم في البداية. الصوت كان هادئًا، مؤنثًا، يشوبه شيء من الحذر.

- "نعم... مصطفى عبد الرزاق . كنا في الصورة ذاتها. رحلة الكشافة، غابات المدينة، قبل خمسين سنة."

سكتت. بدا له وكأنها تزن ما قاله، كما لو كانت تقرأ داخل قلبه من نبرة صوته. ثم قالت:

- "أنا نادية."

في اليوم التالي، استقل القطار إلى بغداد. كانت تسكن في حي الكرادة، في بناية قديمة تطل على دجلة، بحديقة صغيرة نبتت فيها أشجار النارنج. فتح له الباب رجل مسنّ، قالت له نادية إنه شقيقها الأصغر. أما هي، فقد انتظرته في الحديقة، جالسة على كرسي خشبي، ترتدي قميصًا أبيض ناصعًا، وعيناها تحملان ظل السنوات، لكنها حين ابتسمت، ظهرت الطفلة التي كانت تقف في منتصف الصورة، بنفس الشريط الأبيض على شعرها.

- "لم أظنّ أنك ستأتي."

- "ولا أنا. لكنني أتيت. لم أعد أحتمل أن تبقى الصورة صامتة."

ناولها الصورة. تأملتها ببطء، بعناية، كما لو أنها تقرأ كتابًا مقدسًا.

- "شاكر توفي في الغربة. أصابه السرطان بعد أن غادر إلى السويد. تلقّيت منه بطاقة في التسعينات، ثم انقطعت أخباره. أما سعاد... فقد فقدت زوجها في الحرب، ولم تتزوج بعده."

- "وأنتِ؟" سألها مصطفى.

ابتسمت، لكن حزنًا ما تسلل إلى زوايا فمها.

- "تزوجت. مرتين. الأولى انتهت بالخذلان، والثانية انتهت بالموت. لدي ابنة، تعيش في كندا. لا تراسلني كثيرًا."

قال بصوت خافت:

- "هل تذكرينني؟"

نظرت إليه طويلًا.

- "كنت في الصف الأول، أليس كذلك؟ قبعتك تميل دائماً نحو اليسار، وكنت تغني بصوت خافت طوال الطريق إلى الغابة."

ضحك. كان شيئًا داخله يتكسر، بهدوء، كأنه خلية نوم تتحلل.

- "نعم... لم أكن أملك الجرأة لأغني بصوت عالٍ."

قالت:

- "كنا نظن أن الحياة بأكملها تبدأ وتنتهي في تلك الرحلات. لم نكن نعلم أن الأيام تبتلعنا سريعًا."

جلسا طويلاً، لم يتحدثا كثيراً، لكن الصمت بينهما كان جميلاً، مليئاً بما لا يحتاج إلى شرح.

قبل أن يغادر، أعطته نادية ورقة كتبت عليها أسماء أربعة أو خمسة من زملاء الصف، بعضهم ما زال في المدينة، بعضهم انتقل إلى مدن أخرى.

- "لا أحد منهم ينتظر اتصالًا منك. لكن ربما يحتاجه، كما احتجته أنا."

في القطار، وضع الصورة على المقعد المقابل له. نظر إليها من جديد. الآن، لم تكن مجرد ذكرى. أصبحت خريطة، حية، تتكلم. لم يعد فيها أطفال فقط، بل بشرٌ عاشوا، سقطوا، صمدوا، تغيروا... وبقي فيهم شيء من تلك اللحظة، لحظة النور، لحظة الوجود الكامل.

وهمس لنفسه:

"ربما، فقط ربما، لا نبحث عنهم لنجدهم... بل لنجد أنفسنا نحن."

***

4 ـ الاسم الذي لم يعد له وجه

في اليوم التالي، جلس  قرب النافذة في شقته . أمامه الورقة بخط نادية: خمسة أسماء، بعضها مألوف بالكاد، وآخر بدا كأنه لم يُكتب إلا ليوقظ شيئاً نائماً في مكانٍ خفيّ من روحه. عند الاسم الثالث، توقف:

"هيثم ن. عزّام."

لم يكن الاسم غريبًا، بل على العكس، كان مألوفًا جدًا. مألوفًا لدرجة أنه لم يصدّق أنه نسيه. هيثم كان أحد أقرب أصدقائه في المدرسة. كان يجلس خلفه دائمًا في الفصل، يهمس له بالإجابات، ويشاغب المعلمين، ويكتب شعرًا على الطاولات. وفي الصورة، كان يقف خلفه مباشرة، يضع يده على كتفه دون أن ينظر إلى الكاميرا.

- "لماذا لم أره في الصورة من قبل؟"

سأل نفسه بصوت مرتجف. كأن شيئًا في عقله كان يتعمد إقصاء هيثم. وكأن الذكرى أخفته، دفاعًا عن نفسه. في عصر ذلك اليوم، استقل سيارة أجرة إلى حيّ قديم في أطراف المدينة. كان العنوان الذي دوّنته نادية واضحًا:

"حي الزهور، شارع الفرات، منزل رقم 19."

البيت كان صامتًا، بأبواب خشبية قديمة ونوافذ مغلقة. طرق الباب مرتين، قبل أن تفتحه امرأة عجوز بعينين رماديتين وثوب بسيط.

- "بيت هيثم عزّام؟"

قالها بحذر، بصوته المتردد المعتاد حين يواجه الماضي. نظرت إليه المرأة طويلاً، ثم قالت:

- "أنت صديقه، أليس كذلك؟ مصطفى؟"

هزّ رأسه دون أن ينطق. أدخلته إلى غرفة صغيرة، حيث جلس على كرسي مغطى ببطانية شتوية رغم حرارة تموز.

- "هيثم مات منذ أكثر من ثلاثين عامًا. لم يخبرك أحد؟"

ساد صمت عميق. شعر وكأن الهواء في الغرفة انسحب دفعة واحدة.

- "لا... لم أكن أعلم. لم أسمع شيئًا."

قالت المرأة، وكانت خالته كما عرّفت نفسها:

- "مات في الحرب، لكن ليس في الجبهة. مات هنا. عاد في إجازة قصيرة، وبعد يومين، أطلق النار على نفسه في الفجر."

توقف الزمن. الصورة الآن لم تعد كما كانت. أخذ يراها بعين أخرى. يرى يد هيثم على كتفه، الآن كأنها تحذره. كأنها تقول له شيئًا لم ينتبه إليه في حينه.

قالت الخالة:

- "قبل أن يموت بيوم، ظلّ ينظر إلى صورة الكشافة تلك. قال لي إنها اليوم الوحيد الذي شعر فيه بأنه موجود."

خرج من المنزل وهو يحمل في يده صورة قديمة أعطته إياها الخالة. نسخة أخرى، لكنها ليست نفس الصورة الجماعية. كانت صورة صغيرة، لهيثم وحده، وهو يبتسم، نفس القميص الكشفي، نفس القبعة، لكن نظراته كانت غريبة — لا تنتمي لطفل.

في الليل، عاد إلى شقته. وضع صورة هيثم بجوار الصورة الكبيرة. جلس طويلاً أمامها. ثم كتب في دفتَره:

"ربما لا نعرف لماذا نحتفظ بالصور، لكننا نعلم، بطريقة غامضة، أن هناك وجوهاً ستحتاج لمن يعيد تذكّرها حين تختفي. وجه هيثم... لم يعد له أحد. ربما كنتُ أنا آخر من يتذكره."

أطفأ المصباح، وبقي الضوء الوحيد في الغرفة يأتي من الصورة، كما لو أنها تحاول أن تحكي ما تبقّى.

***

5 ـ وجه لم يكن في الصورة

كان المطر خفيفًا، ناعمًا، يشبه الغبار أكثر مما يشبه الماء. الصيف بدأ يفقد شيئًا من حدّته، كأن الوقت نفسه تعب من الحرارة. لم يكن يعرف لماذا قرر أن يذهب إلى المكتبة الوطنية. لم يكن ينوي قراءة شيء، ولا البحث عن أرشيفات إضافية. لكنه وجد نفسه هناك، يمشي بين رفوف الكتب القديمة، المجلدات المحنّطة بالتراب، والصمت العميق الذي يجعلك تشك أنك ما زلت في العالم. ثم، عند الطاولة الثالثة في القاعة الثانية، رآه. شاب في الأربعين ربما، يرتدي قميصًا رماديًا، ينحني فوق كتاب سميك، لكن ما أثار انتباهه ليس وجهه، بل الصورة الموضوعة إلى جوار الكتاب. الصورة... نفس الصورة. الصورة التي يحملها هو. تقدّم ببطء، كمن يقترب من شبح. قال دون مقدمات:

- "من أين لك هذه الصورة؟"

رفع الشاب رأسه، لم يفزع، لم يتفاجأ. نظر إليه بعينين هادئتين، وقال:

- "كنت أنتظرك."

ارتبك .

- "مَن أنت؟"

أغلق الشاب الكتاب، وأشار إلى الكرسي المقابل. جلس مصطفى، وعيناه لا تبتعدان عن الصورة.

- "اسمي نديم. أنا ابن سعاد."

انقبض قلبه.

- "سعاد؟..."

- "نعم. سعاد التي كانت تجلس في الصف الأمامي، يسار الصورة. ضفيرتان، وشريط أبيض. كانت أمي تحفظ أسماءكم جميعًا. كانت تقول لي: هذه الصورة هي الذاكرة، لا البيت، لا المدينة، ولا الوطن. فقط هذه الصورة."

أخرج مصطفى صورته من الحقيبة. وضعها بجوار صورة نديم. الصورتان متطابقتان. حتى التجاعيد الصغيرة في الزاوية العليا، نفس التمزق الخفيف في أسفل الحافة.

قال نديم:

- "كنت أنوي البحث عنك. أمي توفيت قبل عامين. وفي وصيتها، كتبت: ابحث عن مصطفى عبد الرزاق، إذا ما زال حيًا. أخبره أنني تذكرته كل يوم."

أغلق  عينيه. الصورة لم تعد تحمل فقط الماضي، بل تحوّلت إلى وعد لم يُنجز، رسالة ضاعت في بريد السنين.

- "هي... لم تتزوج، أليس كذلك؟"

أومأ نديم بصمت.

- "أنا ابنها بالتبني. كانت تقول لي إن الإنسان لا يُختار من ينتمي إليه، لكن يمكنه أن يختار من يمنحه اسمه، وقلبه."

أخرج من حقيبته دفترًا صغيرًا، أسود اللون، ناوله لمصطفى.

- "هذا دفترها. فيه كل شيء عنكم."

فتحه . كانت هناك أسماء... تواريخ... أوصاف... قصائد صغيرة... رسومات منسية. صفحة كاملة تحمل اسمه فقط، وأسفلها جملة واحدة:

"كان يغني في الطريق إلى الغابة، بصوت خافت، لكنه لم ينسَ."

قال نديم:

- "أمي لم تكن بحاجة لأن تعود إلى الصورة... كانت تعيش فيها."

نهض ، صافح نديم، ثم أمسك بالصورة من جديد. الآن، بدت مختلفة. كانت كما لو أنها نافذة، لا إلى الماضي، بل إلى الأشخاص الذين أبقوا العالم قائمًا، بالصمت، بالتذكّر، وبالوفاء. همس:

"حتى من لم يكونوا فيها... كانوا جزءًا منها."

ثم خرج من المكتبة، وتحت المطر الرمادي، شعر أخيرًا أنه لم يعد يبحث. لقد وجد ما لا يُبحث عنه، فقط يُصادف.

6 ـ الغابة من جديد

الطريق إلى الغابة كان أطول مما تذكّر. كأنّ السنوات أضافت إلى المسافة أميالًا من الصمت والتراب والنسيان. لم تعد حافلة المدرسة تأخذه وهو يغني، ولم يعد الرفاق يتدافعون حوله لقطف التوت أو تسلّق الأشجار. كان وحده هذه المرة، لكن وحدته لم تكن خواء. كانت صحبة.

وصل بعد الظهر، في ذلك الوقت الذي تنكسر فيه الشمس وتصبح الظلال أكثر وضوحًا من الأجسام. كانت الغابة كما هي، تقريبًا. الأشجار صارت أكثر طولا، أو ربما صار هو أقصر. الطريق الترابي ما زال موجودًا، وإن ابتلعه بعض العشب، وإن تغيرت رائحته.

وقف في المكان الذي التُقطت فيه الصورة. لم يحتج إلى خريطة، ولا إلى قياس الزوايا. جسده تذكّر قبل ذاكرته. عرف أين كان يجلس. وعرف أين كانت سعاد، أين وقف هيثم، وأين وضع المعلم يده على كتف سمير.

أخرج الصورة من جيبه. رفعها أمامه، وقارنها بالمشهد الحقيقي. كانت هناك مساحة فارغة، حيث يجب أن يكونوا. فجأة، لم تكن الغابة فقط هي الغابة. كانت خشبة مسرح. وكان هو المتفرج الوحيد. جلس على جذع شجرة. أخرج دفتر سعاد. قرأ من الصفحة التي كُتب فيها اسمه. همس الجملة مرة أخرى:

"كان يغني في الطريق إلى الغابة، بصوت خافت، لكنه لم ينسَ."

ثم، دون أن يشعر، بدأ يغني. بصوت خافت، كما كان. الأغنية نفسها التي لا يتذكر كلماتها الآن، لكن لحنها لا يزال حيًا. وبين الأشجار، كأنّ الأصوات بدأت تعود. خطوات خفيفة، ضحكات بعيدة، صدى صفّارة، وربما — مجرد ربما — يد خفيفة تُوضع على كتفه. لم يلتفت. لم يحاول التأكد. لأول مرة، لم يكن بحاجة إلى اليقين. في تلك اللحظة، أدرك أن الصورة لم تكن مجرد لحظة جُمدت إلى الأبد، بل كانت وعدًا، وعدًا بالرجوع، ليس للزمن، بل للمعنى.

حين غادر الغابة، ترك الصورة هناك، بين جذوع الشجر، مثبتة بحجر صغير. لم تعد له وحده. أصبحت ملكًا لكل من مرّ، ولم يُنسَ. كتب في دفتره جملة أخيرة:

"أمس لم يكن فقط جميلاً... بل كان حقيقياً."

***

مروان ياسين الدليمي

 

وجه

أرسم أشياء كثيرة

وردا

وحوشا

بحرا

جبالا

سماء بكامل زينتها

مظاهر لا تحصى

أرسم أيضا أخرين لا اعرفهم

حيوانات اليفة وأخرى متوحشة

مع ذلك حين أريد أن أرى وجهي أذهب إلى المرآة أستعيره منها

اليوم فقط انتبهت

كسرت جميع المرايا

ورسمت وجهي

كي اراه كلما اشتقت إليه

2

حلم

تمعنت في وجهي وقتا طويلا

مرة وأخرى

كانت الصورة دائما أمام عيني

هل أقول لم أجد فيه شيئا مميزا

كنت أرغب أن أرى كلّ ملامح الآخرين فيه

اقتنعت تماما أنّي إنسان عاديّ

لا تتمثل وجوه الدنيا بوجهي

لست قبيحا ولا جميلا

لذلك ظننت نفسي أشبه كلّ العالم

بعد لوحة وجهي التي رسمتها وبقيت أطل عليها كل يوم عرفت أنّه ليس هناك شبه بينها وبين الآخرين فكّرت أن أرسم لوحة مميزة.

لا يظنّن أحد أني مللت من شكلي

بالعكس تماما مما تفكرون

مازلت أزوره كل يوم مرة أو مرتين

أصبحنا أليفين

وقد خطر لي أني بعد إخفاقي في أن أرسمه وجها متكاملا أن أرسم ملامحا أخرى للعالم في ذهني

كم هو عدد نفوس العالم

ستة أو سبعة مليارات

شيء مذهل

وهناك حيوانات أيضا تريد أن تنعكس فيه

حمير أفيال.. أسود نور قطط وحشرات

خلطت ألوانا متباينة ودوائر أو مثلثات

واستعرضت مدارس الرسم من سريالية وواقعية أو..

حين غفوت

رأيت شيئا عجبا

وجهي الذي انتشلته من المرآة نطق أمامي

حذّرني جادا

هازئا ناطقا وصامتا

قال لي أين هو اللون الأسود لاتكن عنصريا

أجبت بدهشة

لم يخطر ببالي

قال منزعجا:

لأنك أبيض

هل أنكر لوني!

لكن هناك سوادا في العالم أشخاص سود وفي قلبك بعض السواد جعلك تنسى.

كان وجهي الذي رسمته معلقا في الهواء ينظر الي بشزر كأنّه يقرف مني مع أني رأيته وسيما

سألت بسذاجة

سأضيف بعض السو اد للشعر والحاجبين

مقرف!

قال ذلك فتساءلت مع نفسي: مثل ابن ضال يتمرد على أبيه عارضني وجهي. لم أرد أن أشوهه وحالما تذكرت أنّه في رأسي وأني لا أقدر، رجوته:

مادمتُ على ضلال فبم تشير علي

رد وقد تلاشى غضبه واختفى الشزر من عينيه:

هناك طريقة واحدة تذهب إلى المتحف ستجد لوحة تبتسم لك من جانب وتحزن من الجانب الآخر لا تسرقها بل ارسمها.

3

المتحف

حان وقت ذهابي إلى المتحف

أبحث عن ضالتي التي تجمع التناقض

إن صحّ حلمي فهي التي تجسد العالم بين الفرح والحزن.

لا أريد أن أتجاهل نفسي.

في الحلم رأسي حذّرني من السرقة.

الحقّ إني كنت أفكّر مثلما يفكّر اللصوص بسرقة المتحف، كنت فكرت، ولو حدث ذلك لاكتفيت بلوحة أو اثنتين أبيعهما. لم أتصل بعصابة من اللصوص ومحترفي سرقات المتاحف بل انتظرت أن تسفر التظاهرات الكبيرة التي ازدادت يوما بعد يوم عن فوضى تتجلى في النهب والسلب للممتلكات العامة ومنشآت الدولة وقد خاب ظنّي تماما حين هدأ الوضع واستتب الأمن.

حلم الميونير تلاشى.

انتهى.

ربما طاردتني تلك الخارطة المتوحشة حين كنت أرى وجهي عبر المرآة. أما الآن فقد انجلى بعض الغموض حيث أجد نفسي أمام وجهي من دون داع لأيّة أداة تحول بيني وبينه.

مع ذلك فهو لا يمثل جميع العالم.

كنت مغرورا إذن.

مهما يكن لا أريد أن أستبق الأحداث. حملت ألواني وقصدت المتحف.

سألني بائع التذاكر:

للمشاهدة أم الرسم؟

أرغب في الرسم لكني أفضّل أن استعرض اللوحات فاختار واحدة أرسمها.

حسنا حين تخرج أخبرني.

ودخلت

كان سعر تذكرة الرسم ضعف تذكرة المشاهدة، وما عليّ إلا أن أحدّد ما الذي أريده. معي الألوان وبضع فُرش وكل ما يجعل مهمتي ناجحة.

دخلت أستعرض

ليس المتحف جديدا عليّ فقد كنت رأيت لوحاته من قبل، بعضها لرسامين عالميين، ولم أفكّر يوما ما أن أهديه أيّ لوحة من رسمي، بل فكرت بالسرقة..

وقفت أمام أكثر من رسم:

حيوات متباينة:

رجل صارم الملامح

نساء

شجر.. طيور.. مبان شاهقة

لوحات طبيعية.

كلاسيكية.. رومانسية.. موجات الغموض..

أتأمّل كلّ لوحة حتّى كاد الضجر يقتلني. استهلكتني اللوحات بألوانها وسكونها. كل منها يعكس شيئا يسيرا من العالم..

ليس هناك من شيء جديد. لوحات الأفراح والفراش والطيور ولوحات البؤس والشقاء. الطواعين والأمراض والسيول. الفرح والحزن يبعثان على الضجر وقد قادني بصري إلى لوحة جديدة. لوحة بلون واحد بين الأخضر والبنّيّ كأنّي لم أرها من قبل.

واع وأرى ما يراه النائم:

مثلثات ودوائر، مستقيمات ومنحنيات.. شجر.. حمرة.. غبار.. بدلة عرس. حين وقفت أمام اللوحة أذهلني شكل امرأة تنحني على أسد صغير أصغر من أظفر إصبعها، فحولت موقفي إلى يمين اللوحة.. فجأة راودني شعور بالفرح.. الزهو.. الانبهار والانحسار في الوقت نفسه. اصبحت طوفانا يرجع إلى قطرة وإذ اتجهت إلى اليسار بدا لي جو انقبض له صدري.. طفل يبكي.. ضبع يفترس غزال.. أو.. مأتم.. رجل يهدد.. خطوط تتلاقى وتتقاطع تشكّل أناسا وحيوانات. وألوانا متباينة، دنيا من الفرح والألم والبؤس والأمل لا نهاية لها.

هتفت أعماقي: هي هي إنّها لوحتي التي أبحث عنها..

رجعت إلى قاطع التذاكر:

سيدي.. تذكرة رسم.

دفعت ثمن التذكرة:

هل يمكنني أن أعرف شيئا عن اللوحة؟

هزّ رأسه، وأشار إلى غرفة المفتش، فحملت أدوات الرسم، ودخلت على الرجل الذي بدا في الستين من عمره، أريته البطاقة، فابتسم عن فم اختفت بعض أسنانه:

إذن أنت ترغب في أن ترسم تلك اللوحة التي لاتحمل أيّ عنوان.

ماذا؟

لاتستغرب هكذا جاءت إلينا.

ولا أي فكرة أو جهة معينة أرسلتها؟

أبدا.

ماذا عن الرسّام.

اللوحة وصلت عارية !

لا أدري إنّها توحي إليّ بشيء ما.

قال وهو يحكّ رأسه:

انتبه! أظنّ الوقت سيسرقك، فقد تحتاج إلى ساعات.

ياسيدي لن أخشى الوقت!

فابتسم بخبث وقال:

وقد يستغرق الرسم سنوات.

لم أعر سخريته اهتماما:

ليكن ما يكون.

نصبت أدواتي، وهيّأت كلّ شيء،

وقفت أتمعن فيها من اليمين إلى اليسار والشمال فالجنوب، كان على مسافات منّي رسّامون هواة ومحترفون منهمكون برسم لوحات استطلعتها من قبل. لم أشعر بالوقت، أرى بعضهم يغادر وآخرون يقدمون، وزوارا يدخلون المتحف ويخرجون، ومن حسن حظّي لم يقف عند لوحتي المجهولة أحد يزعجني سوى صبيّ ينضح براءة.. توقّف يتمعن في لوحة الجدار وهو يصالب يديه، يهزّ رأسه، ثمّ انتقل إلى لوحتي التي باشرت بهاوتساءل:

ما الذي تنسخه من صورة الجدار؟

ليس الآن تفهم وعندما تكبر تعرف أنّ العالم مفكك في لوحة الجدار أحاول جمعه من جديد.

هزّ رأسه علامة التعجّب والرضا وقال:

أنا أحب الرسوم الأخرى غير الوجوه مثل هذه اللوحة..

ألا ترغب أن أرسمك؟

قد أفكر يوما ما.. أرجو لك حظّا سعيدا.

وتلاشى بين زوار المتحف الذين لايبالون بي.

بدأت أرسم من جانب الحزن.

جانب الفرح.

أغري الحيوانات بفرشاتي.

انتظم في ذهني أنّ الرسام مثل صياد ماهر

يستدرج الوحوش

والطير

والأسماك يغري السماء لتزل إلى الأرض

والأرض أن تصعد للسماء.

أتوقف

ألتقط أنفاسي، وأواصل تمرير الفرشاة

عيني على العالم أمامي لئلا يفلت منّي.

لا أريد أن أخسر شيئا من الناس والحيوانات والطير

ولا أقطع الأشجار..

راح العرق يتصبب منّي، والتعب يأخذ من قدرتي على التركيز، ولا أريد أن أخرج قبل أن أكمل اللوحة، أسابق الوقت قبل أن ينتهي اليوم.. أخيرا

تحقق ما أردت..

لوحتي التي استدرجت إليها العالم اكتملت وجدتها لا تختلف قيد أنملة عن اللوحة على الجدار.

نفضت يديّ من عمل أرهقني طول نهار كامل.

فجمعت أدواتي ، وألواني.

وقبل أن أخرج قصدت غرفة مفتش المتحف الذي لم أتبين وجهه حالما دخلت. كان منكبا على نموذج قديم والقُبَّعة تغطي جبهته:

ياسيدي انتهيت من العمل أشكرك جدّا على خدمتك.

أزاح النموذج الفنّي جانبا ورفع إليّ رأسه:

أهلا بك من تقصد.

مفاجأة

رجل آخر بوجه نحيف، وقُبَّعة مدورة تحجب جبينه افترضته مساعد المفتش أو شخصا آخر حلّ محلّه

من تقصد؟

السيد الذي منحني رخصة رسم اللوحة العارية هكذا سماها.

فابستم ابتسامة غريبة:

لقد مات منذ سنوات.

لزمت الصمت ونظرت إليه نظرة غريبة بادلني مثلها، ورفعت إليه اللوحة:

هذه هي أتراها تختلف عن الأصل.

ألم ينصحك أن تحاول رسم لوحة أخرى فهذه اللوحة تستغرق أياما أو بضع سنين.

لا أستطيع أن أجد علة لما أسمعه وأراه في هذه اللحظة:

فانحنيت انحناءة احترام أخصّ بها السيد المفتّش غريب الأطوار، فخرجت من المتحف أتأبّط لوحتي الجديدة التي قضيت نهارا كاملا في رسمها.

3

الكهل

حالما خرجت من المتحف لفح وجهي نسيم عليل أخرجني من ذهولي. مهما يكن فأجواء المتحف-أيّ متحف-وإن كان يضمّ لوحات لمعاصرين فإنّها توحي بالقدم والليل وضيق النَّفَس غير أنّ الأجواء في الخارج تغيّرت تماما. كنت قد دخلت المتحف وقت الصباح ولا أجدني عملت بضع دقائق أو ساعات. انهمكت في العمل طويلا طويلا ولم أترك شاردة أو واردة لم التقطها، وهاهو الوقت يشير إلى الفجر. وقت مبكر. الشارع خال وبعض العمال يغادرون مبكرين إلى أعمالهم.

زحمة العمل والتعب جعلتني أهلوس.

فلا أظنّه الفجر

ليس أكثر.

وصلت البيت منهكا في غاية الإرهاق، لم أفكر سوى بالنوم، وقد وجدت كلّ شيء يثير الفضول. بيتي الصغير سليم لم يتعرّض للسطو سوى أن التراب يغطيّه.. غبار على فراشي والكراسي وأدوات المطبخ حيث بدا مثل موقع أثري مخفيّ عن الأعين يحتاج إلى من ينبشه ليستخرج مافيه.

رائحة التراب

تشل تفكيري.. ولا أجد لها تفسيرا، فالنعاس يرهقني.

أُؤجل أيّ تفسير إلى وقت صحوي.

ارتميت على فراشي فانتفضت حولي حزمة من الغبار، دافعتها بيدي، وضعت عضدي على أنفي حتّى تستقر.. وفي عمق نومي المريح شخص أمامي وجهي الذي رسمته.

هي المرة الثانية التي يزورني في النوم، وفي خضمّ تعبي نسيت أن أبحث عنه في التراب، لأقول له إنّه ليس بآخر لوحة أرسمها أو أراني فيه كما أجدني في المرآة من قبل.

هذه المرة وجدته متفائلا. لا غضب في وجهه ولاقتام:

إنّك عملت الصحيح.

ثمّ اختفى فجأة فصحوت، بجسد خفيف نشط. رفعت رأسي إلى السقف، فوجدت التراب مازال عالقا بكلّ شيء حولي كما رأيته حين دخلت البيت مرهقا، والتفتُ إلى اللوحة التي رسمتها، فوجدتها حقيقة.. ذلك يعني أنّي ذهبت إلى المتحف ورسمت واللوحة أمامي حقيقة رائعة لا تعقيد فيها، ولم يكن هناك من حلم سوى وجهي الذي رسمته لأستغني عن المرآة، في الوقت نفسه، وأنا أقنع نفسي، سمعت صرير الباب، وأصغيت إلى وقع أقدم تجتاز الدهليز، ويد تدفع باب الغرفة فاعتدلت على السرير، وإذا برجل في الثلاثين من عمره يقف أمامي وجها لوجه.

خالطني بعض الخف غير أن ابتسامته طردت القلق عنّي:

كيف دخلت؟

من الباب لست شريرا لأدخل من غير الأبواب.

لكنك لم تلجأ إلى الجرس؟

وجدت الباب مفتوحا أنت نفسك نسيته يوم أمس بعد أن قدمت من المتحف. عندئذٍ اغتنمت الفرصة فدخلت إذ ليس لدي وقت لأضيعه في الانتظار.

أنت تراقبني.

قال وهو يهزّ كتفيه:

من حقّي!

فساورني احتقان:

باختصار قل لي من أنت؟

هل تذكر الصبي الذي تأمّل لوحتك في المتحف؟

صفنت قليلا:

هل تعرفه؟!

فأجاب بابتسامة، وحنو:

أنا هو.. لا تستغرب حين وقفت أمام اللوحة التي ترسمها رأيتك تجمع أجزاءها هي العالم كله بكلّ تناقضاته كان متناثرا وكنت أنا فيها حينذاك لم أفهمها جميعها وقد قمتَ بترتيبها وتجميعها.. هذا شيء عظيم أن تلملم العالم في جسد واحد تجعله وجها واحدا لكلّ المعاني..

لزمت الصمت كأنّما لا أقدر على الكلام وواصل:

انتبه لقد نسيت نفسك مرت سنوات عليك وأنت ترسم ولم تحسّ بالدنيا من حولك تجري.. جئت أرجوك وأقول لك لوحتك هي اللوحة الأصلية أما التي في المتحف فهي المزيفة.. أرجوك لا تضع هذه اللوحة في أي متحف ولا تبعها، فإذا فعلت عاد الجميع للتفكك والزيف.

تيقنت أنّه صادق في كلّ كلمة يقولها لا يخطب.. ولا ينفعل، وحين أنهى كلامه تحاشى أن يستدير لينصرف تراجع إلى الوراء كأني إله لايريد أن يقابلني بظهره، كنت أجلس على حافة السرير أراه يرجع ويرجع حتى أدار مقبض الباب، وآخر ما سمعته كانت خطواته في الدهليز في حين كنت أشبه بتمثال استفزته نسمة هواء فلم يشعر برغبة في أن يتحرّك من مكانه.

***

قصة

قصي الشيخ عسكر

منذ زمن، وأنا أرمّم شقوق الآخرين بما تبقّى من أطلال روحي،

أخبّئ زجاجي المكسور تحت ثيابٍ براقة، وأمضي...

*

كلّما أويتُ إلى جهة، تنصّلت منّي الجهات،

وكلّما مددتُ يدي إلى غريق،

عدتُ إلى اليابسة وفي رئتيَّ ماءٌ لزج.

*

هذه المرآة صارت تُطيل النظر إليَّ،

كأنّها تنتظر أن أتعرّف إلى الغريبة التي تركتُها منذ أعوام هناك...

*

أريد أن أخلع عن كتفيَّ ما علق بهما من ربتاتٍ زائفة،

وأجلس قبالة النافذة، أراقب شجرةً عاريةً تفاوض الريح على آخر أوراقها.

*

لم أعد أطلب من الحياة أكثر من نافذةٍ لا يطلّ منها أحد،

وليلةٍ لا أستدعي فيها أسماء الذين غادروا،

ولا أُحصي الخسارات المتتالية...

*

أريد أن أنام، أن أترك قلبي خارج هذا العالم قليلًا،

لعلّه يعود أقلَّ فزعًا من وقع الخطوات.

***

|مجيدة محمدي

​كلما استجمعتُني ابتعادا

عن شباكك المنصوبة في كل اتجاه

عبدتَ دروب السراب نحوي..

ليجتاح الشتات اجزائي

تضيع مني البوصلة..

و يصير فؤادي غرفة عارية..

تتجاذبها الأبواب.

*

​كنتَ وهما.. احكمتَ غزل خيوطه

ارتديته بحسن ظن..

ظننته يستر عُريي.. فأبقيته علي..

رغم تعاقب الفصول..

عصف الرياح.. وقسوة المحن.

*

كشفت لك جرحي.. فامعنت فيه طعنا..

فيما كانت روحي تلم نزفك عن حواف الانكسار.

ليس أقسى.. من أن يأتي الوجع من جهة الأمان..

وأن يستعير الخذلان يدا..

كان القلب يتوسدها اطمئنانا..

*

ما مر بخاطرك طيف

لا اشتعلت في نبضك لحظة..

ولا رن في سكون ليلك صدى..

تماديتَ في الوخز تشفيا من فؤاد..

طالما كان لك الملاذ والمأوى..

حين خانتك الطرقات..

*

في تجاويف الروح كنت اخبيء ارتعاشك..

وهبتك من صلب صدقي.. لتستوي وقوفا

فإذ بك تستقوي علي..

حتى إذا أنهكني النزف..

تركتني للريح تعبرني من كل الجهات

للظنون تقتات على بقايا انتظاري..

للخذلان يبعثر ما تبقى مني.

*

حين انحنى الليل على آخر نبضة..

وجدتُني في العراء تائهة

لم أعد أبحث عنك في ازدحام الذاكرة..

لا أفتش عن خطاك في أماكن عبرناها معا..

ما عاد الطريق يعرف اسمي..

ولا النوافذ تحفظ ظلك.. حين يمر المساء.

رميتُ مفتاحا اصدأه الانتظار.

غلقتُ الجهات المؤدية إليك..

كيما يعيد الخفقان ترتيب الطريق إليك.

*

مضيتُ.. أجر ظلي..

تحت الجلد جمرة تكوي الدواخل.

لم يكن رحيلي انتصارا.. ولا هزيمة..

كان آخر ما استطعتُ ان أفعله بنفسي

قبل أن يبتلعني عراء التيه..

وقبل أن ينهار كلي تحت حوافر الغياب.

*

لم يعد في القلب متسع للوهمٍ..

ولا في الفؤاد غرفة شاغرة لإقامة الغائبين.

ما عدتُ أرجو اعترافا.. ولا أنتظر اعتذارا..

الاعتذار.. لن يعيد للجرح ملمسه الأول..

ولن يمحو من الذاكرة وشم الطعنة.

يكفيني أني خرجت من المتاهة..

اعرف طريق النور إلي.

بكفيني أني حين هويت

لم أمد يدي مستجدية..

التقطتُ قلبي من بين الركام..

من بقايا روحي.. نفختُ فيه..

ومشيتُ..

*

​مشيتُ..

على ظهري عمر كامل من الخيبات..

لكن.. في صدري.. نافذة كبيرة

مطلة على براح الله..

*

فما كل خيبة نهاية المطاف..

بل أحيانا.. يد خفية تبعدنا عن شاطئ..

حسبناه دهرا.. بر أمان..

***

مالكة حبرشيد - المغرب

إلى شاعر:

الشِّعرُ أنْ تقولَ شيئاً يُذكَرُ

وما تُحِبُّ، تَشعرُ، تُفكِّرُ

*

وما تعيشُ النَّاسُ فيهِ يومَها

تفرحُ حيناً، تحزنُ، وتُقهَرُ

*

وكيفَ فينا أنْ نرى طفولةً

تحبو على صوتِ الأمانِ تكبرُ

***

الرفيق:

رفيقُ الدَّربِ قلبٌ والْيراعُ

فصِنوانِ التَّرقُّقُ والْقِراعُ

*

إذا اشْتدَّ النِّداءُ سدَدْتُ حَرفي

وإنْ رقَّ الْحبيبُ صدىً يُطاعُ

*

وها عمرٌ تَقضَّى بينَ شَـدٍّ

وجَذبٍ والطَّ ريقُ هوَ الصِّراعُ

***

أسفي:

أمَمٌ تُساقُ كما القطيعِ وتفخرُ

بسلالةٍ بارَتْ وضرعٍ يُعصَرُ

*

النَّاسُ تُذبَحُ والنِّعاجُ همومُها

بطنٌ وفخذٌ للأسرَّةِ يُنذَرُ

*

أسفي عليها أمَّةً لا تنهضُ

باسمِ الكرامةِ والكرامةُ تُهدَرُ

***

يا غادة:

أحببْتُ فيكِ جمالَكِ الأخّاذا

فاسْتحوذتْني رموشُكِ اسْتحواذا

*

ياغادةً أنتِ الزُّهورُ تناسلَتْ

فرعاً ففرعاً عاطراً نفَّاذا

*

ورسمْتُ وجهَكِ لوحةً ضوئيَّةً

لألوذَ في ليليْ إليهِ مَلاذا

***

الحبيبة:

الحمدُ للهِ أنّي بعدُ في سَفَري

بينَ الحروفِ فما لي غيرُها قدرُ

*

ستٌّ مضين منَ الأحقابِ عاشقتي*

أقلامي الخُضرُ والأشعارُ والسَّهرُ

*

فلا حبيبَ كمثلِ الحرفِ يعشقُنا

ولا سميرَ سواهُ حينَ ننكدِرُ

* *

الممسوس:

سَقَتْني سُلافَ الْعِشقِ فانتابَني سُكْرُ

كأنِّي شربْتُ الْعشقَ فَيْضاً منَ الْخَمرِ

*

فغِبْتُ عنِ الدُّنيا بفِرْدَوْسِ لذَّةٍ

على شفتيها أرتوي الشَّهْدَ بالسِّحْر

*

مضيْتُ كمَمْسُوسٍ يُغنِّي معَ الْهوى

لِلَيْلاهُ ليْلاً غائِبَ النَّجمِ والْفَجْرِ

***

الثمانون:

هذي الثَّمانونَ وقد عِشْتُها

مِنْ رجسِ شيطانِ الهَوى صُنتُها

*

سبحانَهُ الخالقِ مَنْ خصَّني

فضيلةَ الحرفِ وما خنتُها

*

الفضلُ للقلبِ الذي صاغَني

حكايةً باطنُها وجهُها

***

الثور:

القبحُ يزحفُ والجمالُ نُضوبُ

حتامَ نلعقُ جُرحَنا ونذوبُ

*

بينا سيوفُ الصَّاهنينَ تجزُّنا

فنجزُّ بعضاً والذَّبيحُ قريبُ

*

اليومَ يؤكلُ ثورُهُمْ لا ترقصوا

وغداً سيؤكلُ ثورُكُمْ فتغيبوا

***

بغداد:

يدمى الفؤادُ وفي الأوطانِ نكباءُ

النَّخلُ مذبوحةٌ والأمنُ أشلاءُ

*

لُمّي جراحَكِ يا بغدادُ والْتحمي

في كلِّ زاويةٍ ذئبٌ، وحَرْباءُ

*

أعانَكِ اللهُ؛ في الضَّرَّاءِ صابرةٌ

ما كانَ يوماً لكِ في الدَّهرِ سرَّاءُ

***

العيد:

"عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدْتَ ياعيدُ"

فما لديكَ بهذا اليومِ تجديدُ!

*

فبيتُ آلِ بني كنعانَ مُحترِقٌ

أطفالُهُ مِزَقٌ، والقومُ تشريدُ

*

فكيفَ ترقصُ فرحاناً وذا طَلَلٌ

هدَّتْ مرابعَهُ رَهطٌ مناكيدُ!

(عيد الفطر 1455 هـ

الأربعاء 10 نيسان 2024)

***

البركان:

ربّاهُ، ذكرىً تُمطرُ الْقِدَّاحا

عِطراً يكِتُّ على الفؤادِ الرَّاحا

*

ليُهيجَ فيَّ الخافقَ الودَّعتُهُ

عند الشَّبابِ وها بهِ قد ناحا

*

حتامَ تحرقُ في الفؤادِ سكونَهُ

وتُبركنُ الأجسادَ والأرواحا*

***

عبد الستار نورعلي

................

* تُبركن: اشتقاق من البركان

تنشقّ عتمة الليل الخريفية الباردة عن خيط الفجر الأبيض، لتبدأ الحارة العتيقة فصلاً جديداً من فصول البقاء. جاء هذا الصباح مشحوناً برائحة الطابون الساخن وعبق زيت الزيتون البكر الذي يملأ المدى ممزوجاً بندى دافئ يتساقط فوق الحجارة الصوانية الدامعة.

تنحني الجدات والأمهات الجميلات على حافّة الزقاق فوق عتبات البيوت، يمسحن غبار الوجع عن وجه الأرض بكفوف متشققة تقطر بركة، ويغزلن من خيوط الضياء الأولى دثاراً لوطن يصارع البقاء وينزف عزةً وكبرياء.

يا لجمال هذا الصمود الصامت الذي يستمد من عيون المخيمات والقرى قصة ثبات لا تنتهي!

وفجأة يدوي صوت الأذان متلاحماً مع قرع أجراس الكنائس في الفضاء، مسبباً ارتعاشة قوية في أوصال الحارة المتعبة.

تساقطت حبات الندى دفعة واحدة عن غصون الزيتون العتيقة كأنها لآلئ من فضة، وانفتح باب دكان الوراقة القديم من تلقاء نفسه ليمتلئ المكان بضوء شمس باهر يخطف الأبصار.

خرج العابر الذي قضى ليلته يرقب الأوراق، ووقف مذهولاً أمام عتبة الدكان وهو يتنفس الصعداء.

تساءل بصوت متهدج: "كيف يشرق الضياء من قلب هذا النزف المستمر؟" فالتفتت إليه أمه الواقفة عند الطابون، وبثقة تهزّ الجبال قالت: "يا بني، إنّ الأرض التي روتها دماء الصابرين لا تموت، والزيتون الذي نمى في ليل الانتظار لا ينحني للأعاصير".

وعلى مقربة من القنطرة الأثرية كانت المرأة المتعبة تقف شامخة كالسنديان، تنظر إلى شجرة الزيتون الرومية التي تضرب جذورها في عمق الصخر وتمدّ فروعها نحو السماء.

التمعت عيناها ببريق التحدي والدهشة وهي ترى الأرض من تحتها تهتز بنبض جديد، وتسمع هاتفاً خفياً ينبعث من باطن التراب ليقول: "كفّوا عن البكاء، فاليوم قيامة الصمود، والفرج يأتي بغتة كالصاعقة ليهدم عروش القهر".

انظروا كيف يتحول الصبر المستمد من وجدان الأمهات والجدات إلى بيارق حرية ترفرف في الأفق!

لقد انقشعت سحابة الخوف، وقامت الحارة بأسرها على بشارة فرح مقيم، ليعلم الكون أجمع أنّ هذا الوطن رغم جراحه النازفة سيبقى صامداً مرابطاً يكتب تاريخ الكرامة بمداد الثبات واليقين.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

كان اقتياد نوري إلى غرفة التحقيق في ذلك الصباح غريباً عن كل صباحات مديرية امن السليمانية التي نهشت أشهراً من عمره. ما إن ابتعدوا به عن الممرّ المفضي إلى غرف التعذيب المعتادة حتى أطبقت على نوري ريبةٌ باردة، وأيقن أن أمراً يُحاك له في الخفاء.

معصماه طليقتان، وعيناه مكشوفتان لأول مرة على امتداد الطريق، وقد تخلى السجّان الذي يحرسه من الخلف عن فظاظته المعهودة حتى خُيّل إليه أن اليد الثقيلة القاسية التي اعتادت دفعه ولطمه نسيت موضع كتفه.

أما الحارس المتقدّم امامه فكان يخطو خطواتٍ محسوبة متأنية، كمن يمشي في بيتٍ فيه مريض.

وقع الخطى الوادعة هذه كانت أثقل على أعصابه من ركلة.

هو يعرف أن مديريات الأمن لا تبدّل عادتها مصادفة، وأن كل ليونة فيها يعني ان هناك شيء ما او مفاجئة للإيقاع بالمعتقل.

توقفوا أمام باب المحقق فخري، الرجل الذي يتهامس المعتقلون باسمه، ويعرفونه خبيراً في ملفات الشيوعيين. غير أن الباب هذه المرة ظل موصداً.

مالوا به إلى مبنىً مجاور داخل المؤسسة الأمنية، كان في أصله مدرسة، ثم استحال استراحةً لمنتسبي الأمن...

ادخلوه احدى قاعاتها فرآها وقد سُلبت براءتها وغيرت ملامحها.

الشُّعَب الدراسية صارت مكاتب وغدت غرف استجواب، وفي الهواء بقايا رائحة طبشور قديم يخالطها دخان وعرق وخوف.

كان قد لاحظ على أحد الجدران عبارة بالخط الأحمر العريض:

"إعدادية السلام للبنين".

تسمّر بصره عند الحروف، وانفتح في صدره باب أُغلق منذ أشهر.

تسائل مع نفسه:

"إذاً هنا وقعت الحادثة قبل اعتقالي بوقتٍ قصير..."

أربعون طالباً، أعمارهم بين السادسة عشرة والسابعة عشرة، لم ينجُ منهم أحد، وكان بينهم شقيقان من أبناء عمي.

سمّاها الأهالي "مجزرة السبورة"، فقد كتب أحدهم على سبورة إحدى الشُّعَب عبارة "يسقط الطاغية صدام".

عم المدرسة هرج ومرج وعجز الأمن عن معرفة كاتبها، أغلقت المدرسة بعد ان اعتقلوا طلاب الشعبة بأكملهم ولم يمضي أكثر من أسبوع حتى أعدموهم عن بكرة أبيهم. وحين سُلّمت الجثث إلى ذويهم أُجبر الاهل على دفع ثمن الرصاص الذي مزّق أبناءهم، ومُنعوا من إقامة الفاتحة ومن ارتداء الحداد او حتى النطق بأسماء الضحايا."

انتابه شعور، بأن غبار الطباشير العالق بحافة تلك السبورة ما زال يحتفظ ببصمات أصابعهم الفتية، وأن الجدران لازالت تحمل رائحة انفاسهم.

أجلسوه في قاعةٍ صامتة لا يشغلها غير طاولة خشبية وبضعة كراسٍ.

ناوله أحدهم قدحاً من الشاي يتصاعد منه البخار، ثم أشعل سيجارة ومدّها إليه بلطفٍ بدا له أقسى من الصعق بالكهرباء.

أخذوا يتبادلون النكات وتتطاير ضحكاتهم في المكان كأنهم في مقهى، حتى إذا خفتت قال أحدهم:

ـ المحقق فخري سيحضر بعد قليل... انتظر فقط.

راقبهم نوري بصمت.

أدرك أن خلف هذه الوداعة تهديداً أعظم من الضرب، وأن الجلاد حين يبتسم يكون أخطر منه حين يصرخ.

وبينما كان يرفع القدح إلى شفتيه، أخرج أحدهم مسدساً ووضعه على الطاولة أمامه... ثم مضى الى ركنٍ آخر دون التفاتة، كمن ترك على الرفّ شيئاً لا يستحق اليقظة والحذر.

وفي اللحظة التالية دوّى جرس إنذارٍ حاد مزّق سكون المبنى.

تدافعوا إلى الخارج بفزع وأكتافهم تصطدم بإطار الباب، وتركوه مفتوحاً على مصراعيه.

وما هي إلا ثوانٍ حتى خلا المكان، فلم يبقَ فيه غير نوري وسيجارته وقدح الشاي، وذلك المسدس المطروح على الطاولة في صمتٍ ثقيل.

تلاشى وقع أحذيتهم في الممرات، فصار السكون نفسه يُسمَع.

وقعت عيناه على المسدس... لم تمتد يده إليه.

حدّق فيه طويلاً...

كان يعرف السلاح معرفة من عاش بين أهله. فقد قضى سنوات إلى جانب أبيه الذي كان السلاح جزءاً من عمله اليومي. ارتطمت كفّه بالحديد البارد في أكثر من موقف، فتعلّم أن ينظر إلى قطعة السلاح قبل أن ينظر إلى ما توعد به.

لم يحتج إلى وقتٍ طويل ليدرك أن ما أمامه ليس سوى هيكل سلاحٍ لا أكثر..

مسدس خال من الرصاص، بطلاء متآكل، وحديد يعلوه الصدأ، وفي أجزائه آثار إهمالٍ طويل، كأنه أُخرج من مخزنِ خردة نُسي فيه لعقود طويلة.

أن سلاحاً بهذا الحال، مهما أفصح عطبه، لا يوضع بطريق الخطأ في غرفة كهذه وفي ظرفٍ كهذا.

عندئذٍ انكشفت له الخطة كلها.

أرادوه أن يصدّق أن الدروب انفتحت أمامه:

غرفة خالية، وباب مشرع، وسلاح في متناول كفّه، ولا أثر لحارس.

راهنوا على أن يقهر الخوف عقله فيخطف المسدس ويندفع نحو الباب...

عندها لا يحتاجون إلى محاكمة، ولا إلى اعتراف، ولا إلى ملفٍ جديد...

رصاصة واحدة في ظهره تطوي الحكاية، ثم يكتفون بسطرٍ واحد في المحضر الرسمي:

"قُتل أثناء محاولته الهرب".

ارتسمت في داخله سخرية مريرة:

"ما أفقر هذه عقلية هذه السلطة حين تحسب أن المحاصَر يفقد قدرته على التفكير، وأن الجوع والعذاب يطفئان عقله كما يطفئان جسده."

صحيح أن التعذيب هدّ بدنه وترك في عظامه أنيناً لا يهدأ، غير أن وعيه ظل يقظاً لكل حركة، عارفاً بكل فخ ينصب له، وبأن لحظة إهمالٍ واحدة تكلّفه حياته.

اتكأ إلى ظهر الكرسي بهدوء.. أغمض عينيه وسحب نفَساً عميقاً من سيجارته فامتلأ صدره بدخانٍ دافئ. ثم ارتشف جرعة صغيرة من الشاي الذي طالما حُرم من مثله، فانساب الدفء الحلو في حلقه، وتسللت الحلاوة إلى زاويةٍ من روحه ظنّها ماتت. فتح عينيه وتأمل السكون من حوله مفكرًا:

"يا للمفارقة! لقد منحتني مكيدتهم دقائق من السكينة لم اعرفها منذ أشهر."

خطر له أن يطيل احتساء الشاي ما استطاع، وأن يسرق من سجّانيه وقتاً إضافياً لا يقدرون على استرداده.

وحين طال انتظارهم عادوا أخيراً. توقفت خطواتهم عند العتبة..

ارتسم على وجوههم عجبٌ ممزوج بخيبة.. وكان سؤالاً واحداً يتردد في عيونهم:

"لماذا لم يتحرك؟ لماذا بقي في مكانه؟"

لم ينطق نوري بكلمة. أطفأ سيجارته بهدوء. وضع القدح على الطاولة بثبات، كضيفٍ أنهى استراحته وينتظر أن يُؤذن له بالانصراف.

اندفعوا نحوه بعصبية، وعصبوا عينيه، وكبّلوا يديه بعنف، ثم انهالت عليه الشتائم واللكمات وهم يجرّونه في الممرات إلى زنزانته. وتحت العصابة السوداء كانت شفتاه تخبئان ابتسامة لم يرها أحد.

كان الغضب في أصواتهم أعلى منه في قبضاتهم، فقد تحطمت الخطة التي نسجوها بعناية أمام قدح شاي وسيجارة وخردة حديد.

ولم تكن تلك المحاولة الأخيرة. أعادوا الكمين بأشكالٍ مختلفة، وغيّروا التفاصيل، وبدّلوا الوجوه، غير أنهم كانوا يصطدمون في كل مرة بالعقبة نفسها:

معتقل، صار يدرك أبجديات التعامل مع غرف التحقيق والكمائن الأمنية.

**

3ـ الجاسوس

تزامنت تلك الأشهر المثقلة بالوجع مع رجفةٍ سياسية تسللت أطيافها عبر ثقوب الزنازين وأروقة السجون، قبل أن تتلقفها ألسنة الشارع في الخارج.

فقد انعقد شريطُ اتفاقٍ للسلام والمهادنة بين "الاتحاد الوطني الكردستاني" الذي قضى سنين طوالاً وهو يُسام بالخيانة ويُطارد بوصفه من فصائل المعارضة المسلحة "البيشمركة" في الشمال وبين قبضة سلطة "البعث" الجاثمة.

كان الاتفاق يرتدي في ظاهره مسحة إنسانية كاذبة "، مساراً لتبادل الأسرى والمعتقلين السياسيين" بعد أن رفع الاتحاد قائمةً مدبجة بأسماء محكومين أُرهقوا بأقسى الأحكام بين مشانق الإعدام ومطامير السجن المؤبد مطالباً بفك أسرهم وانتشالهم من قعر المنون.

غير أن أجهزة الأمن، بدهاء عفاريتها، أبت إلا أن تجعل الخروج من قبور السجون، مشروطاً ببيع الروح، اشتراطٌ يتجاوز في قسوته حمل السلاح أو انهاء رفاق السلاح القدامى وحلفاء الأمس في وضح النهار... أرادتهم عيوناً خفية، وأشباحاً تتسلل بين المعتقلين برداء الضحية، تلتقط زفرات الصدور وهمسات العذاب لتصبها صباً في آذان المحققين.

راهنت اللعبة الشيطانية على انكسار الروح تحت حد المقصلة، مع تلويحٍ باستهداف أفراد العوائل والأحباء، فيورث الذعرُ على الأهل شناعةً تنأى عن الحسبان، ليقترف الخائفُ ما كان يراه من المستحيلات.

وحين دقت ساعة التنفيذ، بعثرت إدارة السجن أولئك المختارين على أرجاء الزنازين، مجهزةً أيديهم بخارطةٍ من التعليمات والأسماء المعنية بالاختراق تمهيدًا للتصفية.

في نهارٍ أربد، انخلع باب زنزانة نوري على صريرٍ مريب، ودُفع إلى قعرها رجلٌ آخر!

كانت تلك البقعة الضيقة مجرد تابوتٍ حجري يتلوى فيه جسدٌ واحد، فكيف له الآن أن يتسع لروحين وجسدين؟

استحالت الحركة مناورةً مستحيلة، فلا قيام يستوعبهما معاً، ولا جلوس يجمعهما في أوان.

أضحى أحدهما مشدوداً إلى الجدار كالشخص المغصوب، بينما ينكمش الآخر جالسا فوق الإسمنت البارد، ثم يتبادلان الموضع بعد كل بضع دقائق...

يتقاسمان الشبر الضيق كأنما يقتسمان النزع الأخير.

ساد بينهما صمتٌ ثقيل، محفوفٌ بنبضاتٍ متسارعة ورائحة ريبةٍ لا تُخطئها الأرواح، حتى شق الوافد الجديد ذلك الصمت بلهجةٍ واهية وهو يرمق الفراغ:

ـ أنا حَمَه...

وما إن انطلقت تلك النبرة، حتى ارتدت إليه عينا نوري بومضةٍ حادة كالشفرة، نُظرةٍ ينفذ شعاعها إلى أسرار الروح قبل ملامح الوجه، ثم أردف بسؤالٍ هادئ ينضح بيقينٍ غير متوقع:

ـ أفلانٌ والدك... وفلانٌ أخوك؟

تجمّدت الدماء في عروق حَمَه، واضطرب ثباته المصطنع، شَخَصت عيناه بذهولٍ مهول، وانفتحت حدقتاه على وسعهما كمن داهمه الفجر وهو يتسلل في العتمة!

ــ نعم... نعم، لكن... كيف تعرف أبي وأخي؟

ابتسم نوري ابتسامة خافتة، أضفت شيئًا من الدفء على جدران الزنزانة الحجرية ثم أردف:

ـ أعرفهما جيدًا... أخوك شوان من أعز أصدقائي، وأعرف أنكم يا أخي عائلة يسارية عريقة، وأن والدك من الشيوعيين المعروفين، وأن بين أفراد أسرتكم من الضباط الأحرار الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لمواقفهم الشريفة...

أطرق حمه رأسه. عيناه شاردتان في الأرض يداري خزيه. غارقًا في وجوه بعيدة. ثم سأل بصوت خافت:

ــ وماذا تعرف أيضًا؟

قال نوري، وقد عاد به الحديث إلى زمن بعيد:

ــ يا أخي حمه... أستغرب أنك لم تتعرف إليّ.

بيتكم كان بيتي. كم ليلة نمت تحت سقفه بأمان وراحة، وكم مرة جلست إلى مائدتكم.

أمك، الخالة شيلان خانم ... أطال الله عمرها... كانت تعاملني كما لو كنت واحدًا من أبنائها، وكنت أناديها: أمي.

ما زلت أذكر دفءَ صوتها، ورائحة الدولمة التي كانت تملأ الدار قبل أن نجتمع حول السفرة.

كانت امرأة بسيطة، كريمة، لا تعرف غير الصدق في تعاملها، طيبتها كانت كطعامها الطيب.

ـ وأعرف عنك أيضًا أنك يساري وطني، وأنك صاحب خلق وشهامة.

رفع نوري رأسه نحوه ثم قال بابتسامة حزينة، فيها حنين إلى ذلك الزمن:

ــ يا لها من مصادفة تجمعنا هنا.

لكن حمه لم يبادله الابتسام.

ظل صامتًا لحظات، ثم مال برأسه أكثر إلى الأسفل، عاجزًا عن قول ما يريد وهو واقف.  راحت دموعه تتجمع في عينيه دون مقاومة، قبل أن يهمس بصوت متهدج:

ــ بما أنك تعرف عائلتي إلى هذا الحد يا اخي... فأنت تستحق أن تعرف الحقيقة.

صمت لحظة، يجمع ما تبقى من شجاعته قبل أن يعترف ثم أردف:

ــ نعم... أنا يساري، كنت ضابط، ومن كوادر الاتحاد الوطني. وصدر بحقي حكم بالإعدام. وحين بدأت مفاوضات تبادل الأسرى، كان اسمي بين المطلوب إطلاق سراحهم مع سبعة آخرين.

ازدرد ريقه بصعوبة، ثم تابع همسه:

ــ لكنهم لم يتركوا لي خيارًا.

ساد صمت ثقيل، وكانت أنفاسهما وحدها تُسمع في ذلك الحيز الضيق.

ثم تابع قائلا:

ــ أحضروا زوجتي التي لم ارها منذ أشهر... وهي حاملاً.

أنزلوها من الجبل وأوقفوها أمامي.

لم يضربوها، ولم يصرخوا في وجهها. اكتفوا بالنظر إليها، ثم نظروا إليّ.

عرفت ما يريدون قبل أن يقولوه...

قالوا إن مصيرها ومصير الجنين بين يديّ. عندها شعرت أن حبل المشنقة صار أهون عليّ من تلك النظرة.

أخرج من جيبه ورقة مطوية بعناية، وبسطها بين يدي نوري.

ــ هذه ورقة الاختبار التي كلفوني بها. وهنا أسماء السبعة الآخرين الذين سيُوزَّعون على الزنزانات بالطريقة نفسها.

جميعنا مطالبون بالتجسس على السجناء السياسيين، ونقل كل ما نسمعه إلى ضباط الأمن.

أما أنا... فقد كانت مهمتي أن أقترب منك، وأن أكسب ثقتك، ثم أكتب عنك التقارير.

دفع الورقة إليه قائلا وهو يشيح بوجهه خجلًا:

ــ احفظ هذه الأسماء جيدًا، وكن حذرًا منهم.

أما أنا... فلا تخشَ مني شيئًا.

سأكتب عنك ما يحفظك ولا يضرك، أو لن أكتب شيئًا إن استطعت.

أنت بالنسبة إليّ أخ قبل أن تكون سجينًا.

ظل نوري ينظر إليه طويلًا، ومشاعره متضاربة، فلم يجد في نفسه غضبًا ولا رغبة في الحكم عليه، وإنما رأى رجلًا يذوب رويدًا رويدًا بين ولائه القديم وخوفه على أهله. وتساءل في داخله:

"من يملك ميزانًا عادلًا للحكم على رجل خُيّر بين حياة زوجته وجنينه وخيانة رفاقه؟ وكيف يُلام من صمّم له الجلادون خطيئته بأنفسهم؟"

لم يعرف نوري في السجن لحظة أقسى من هذه. رأى بعينيه وسمع بأذنيه كيف تصل يد السلطة إلى أعماق الإنسان، فتكسر روحه وتزج ضميره في معركة لا رابح فيها.

حمه، ابن هذه العائلة الوطنية الطيبة التي قدّمت تضحيات كثيرة، لم يبع شرفه عن رضا كما فعل شغب، بل كان يئن تحت عبء يتجاوز احتماله.

بقيت هذه الحادثة عالقةً في ذاكرة نوري، وشاهدةً على الثمن الذي يدفعه الإنسان حين يُساق أقرب الناس إليه رهينة لخياره.

يتبع

***

سعاد الراعي

* من رواية رأس لينين

قبل النطق بأمنيتي

أعطاني حارس عمري كراسا

مائيّ الوجه

لكي أتمكن من تذوويب مسافاتي

وهي الممتدة بين زبرجدةٍ ما

وزنبقة الليل الوافد...

يا خفقةَ حبٍّ تحت

ركام الأيام

أعيدي السالف من عهدي الموشوم

بأفراحي العذبة

قومي للضفة عامدةً

فالنهر بدت قدماه حافيتين

وما عندهما أي سؤال

ويداه وعْدانِ رديفان لحد الساعة

لم يلجا كالمتوقع

باب كواليس الواقع...

يا سنبلة الوادي

ألقِ أناشيدك فوق ثيابي

وضعي الطين الراجزَ

بسلالي الذهبية حينا ريْثاً

لكن حينا هرولةً.​

***

مصطفى معروفي

 

كُنْ قريبًا منّي...

لا كظلٍّ يتبعُ الجسدَ،

بل كنبضٍ يُعيدُ للقلبِ إيقاعَه.

لا كيدٍ تُلامسُ اليدَ،

بل كدفءٍ يُقنعُ الروحَ

أنّ العالمَ لم يَعُدْ غريبًا.

فكم من قريبٍ يسكنُ الطرفَ الآخرَ من العُزلة،

وكم من بعيدٍ

إذا مرَّ في الخاطرِ،

جلسَ في القلبِ

كأنّه لم يغبْ يومًا.

كُنْ قريبًا منّي...

فأنا لا أخشى المسافاتِ،

بل أخشى أن نلتقي

ولا يجدُ أحدُنا

في الآخرِ مكانًا له.

***

بقلم:️ سليمان بن تملّيست - تونس

جربة في 2026/10/16

خيلٌ من البحرِ

أمواجٌ صهيلُ بها

هذا الوجودُ لَهُ فينا مسافاتُ

ألوانُها من فصولٍ قيلَ تصهرُنا

وبينَ أصواتِها تمشي الحكاياتُ

ونحنُ من ورقٍ جنَّ الخريفُ بهِ

تذوي شوارعُنا والخوفُ مأساةُ

آهٍ إذا هربت منا أصابعُنا

لم يبقَ للنورِ  نورٌ فيهِ جناتُ

آهٍ إذا هُدمت فينا قواربُنا

وغابَ حلمٌ بهِ طفلٌ وراياتُ

آهٍ إذا استيقظت يومًا مقابرُنا

وكسرت سورَها فينا العباراتُ

لم يبقَ إلّا دمٌ يجري بلا وطنٍ

خيلٌ من البحرِ

أمواجٌ وآهاتُ

***

حسن رحيم الخرساني

على رَبَواتِ غَزّةَ وَالجَلِيلِ

تَلوحُ مَنارَةُ الصَّبْرِ الجَمِيلِ

*

تَسِيرُ وَفِي يَدَيْها نَبْضُ أَرْضٍ

تُقاوِمُ بِالْمَدامِعِ وَالعَوِيلِ

*

إِذا هَدَمُوا البُيُوتَ بَنَتْ قِلاعاً

مِنَ الإِصْرارِ وَالعَزْمِ الأَصِيلِ

*

تَزُفُّ شَهِيدَها بِالفَخْرِ أُمّاً

وَتَمْسَحُ دَمْعَها المُرَّ الطَّوِيلِ

*

فلا انْحَنَتِ الجِباهُ سِوى لِرَبٍّ

وَلا رَضِيَتْ بِأَثْوابِ الذَّلِيلِ

*

هِيَ الزَّيْتُونُ فِي أَعْماقِ أَرْضٍ

تَمُدُّ العِرْقَ فِي الوَطَنِ السَّلِيلِ

*

تُطَرِّزُ ثَوْبَها المَغْرُوسَ عِزّاً

بِأَلْوانِ الفِدا، رَغْمَ الرَّحِيلِ

*

سَيَبْقَى صَوْتُها فِي الكَوْنِ رَعْداً

يُبَشِّرُ بِالنَّجاحِ وَبِالمَقِيلِ

*

سنمضي يا ابْنَةَ الأقصى سَويّاً

مَعَ الأحرارِ من جيلٍ لِجيلِ

***

بقلم: نسمة مختار

لا ينبغي أن تكذب، فلا يمكن للشمس أن تدوس على ظلكَ. وإن تخطى النهر مسافة عنقك، فأنتَ أقرب لأن تكون طينا من ورقة.

أصبحتَ الآن حرا، وبطريقة ما، تكتب عما رافقك من نكسات وعِبَر. إن ما يمنحك سلطة التفوه بعبارات شاحبة وغير موزونة... هو ذلك الأبله: قلبك.

في هذا اليوم والذي يليه سنبتكر قصة، يقرأها البعض فيصدّق أحداثها، فيما الآخر يتربص للأخطاء التي تعمّد الراوي تركها لشخوصه المنحرفين.

لا يهم إن كنت في شارع أو مقهى أو تحت شجرتين يبست ظلالها، بيدك حزمة من أوراق لا حبر عظيم يغرقها..

لم تختر حتى اللحظة أين ستجلس.. وفي رأسك متسع من قلق، حيران كأنكَ غيمة بلا مطر في يوم قائظ.

بعض الأحايين، يمنحك فنجان قهوة التركيز والتعافي من نشوة مرّتْ بكَ سهوا، فتتنفس بكبرياء زائف وتواصل قلقك..

تحدثْ قليلا في هاتفك المحمول، لتفرغ من شوائب رأسك وما مررتَ به من عواصف وذكريات وتجارب بالية كي يبقى ما هو أثقل لتكتبه.

المرأة تكابر أيضا، رغم ضعفها الذي تخفيه وراء أنوثتها وصبرها.. تحب بقوة العاطفة والجسد، لكنها تكابد إحساسها  وتخشى ألا تفقده ... كانت تدعوه كل مرة أن يزورها، ويفعل، على أمل أن يصبحا شريكين متناظرين في كل شيء.

كانت تستقبله حين تفتح الباب فرحة، ترقص ابتسامتها على محياها كله، يُقبّل بعضهما البعض ويتعانقان بحميمية مفرطة، كأنهما افترقا منذ سنوات، تسحبه من يده ليجلس ويستريح.

هكذا كان يوصيه أبوه ويقول: "الخذلان غالبا ما يأتي من المحبين".

كان يأتيها بقلب سليم.. يزرع بذوره في أرضها العطشى، يسقيها فتنتصر، ويخضر هو  أمله في لقاء آخر، حتى كبر الحلم فانفجر.

"أنت كل شيء لي في هذه الدنيا"  كانت تقول.

وكانت تقول له أيضا: "أحبك، ولا شيء يهمني بعدك"

وكان يصدقها، لأن قلبه سليم.

تحبه، ولا تجادله بما ترى وتسمع، تقرأ في عينيه بشارة حياتها القادمة

من رغد وطمأنينة.

يأتي الحب أحيانا متأخرا، يحمل في ثكناته وثناياه ألغاما تصيبك بعض شظاياه، فتنهش منك عافية ما تبقى من سنين.

إن كنت قد جزعت من الحياة أو القصّ، فاذهب إلى أمك لتواسيك، فهي الرحيمة الوحيدة بك على هذي الأرض.. وإن كنت لا تبالي، فامشِ في سهوب حياتك ولا تلتفت إلى ما يقصده قلبك.

ما تُعانيه ليس لأنها هجرتك بلا سبب واضح، بل لأنك أشفقتَ على قلبك وتمرغتَ في أوصاله، فانهارتْ بذلك بوصلتك وفقدتَ منارتك.

اكتب "لا بأس" على جدران الأمل، فأنت حين كنت يافعاً انتظرتك الشمس وسقطتْ من ذاكرتك كل الطفولة.

***

زياد كامل السامرائي

بعد منتصف التمرّغ

في مستنقع الحب

عن بعدٍ ..

تغدو الحدقتان مرفأً

تغيب عنهما نوارس الحضور

وحزنُ المجاديف

يزيد المدى صمتاً

ومسعى الوصول مغلّلٌ

سيلقي الرصيف حتف الخطى قريباً

سيبزغ النهار بعد ليل دهريٍّ

سيرفع نسيم الفجر ستار البهجة

ذلك بعد نوبة عشقٍ طافحٍ وسُكْر

لقد وشمتُ أضلعي

بذكرٍ أبديّ الاخلاص

على وقع الاندهاش

غير العابر

سأهيّئ ساعة الجدار

في غرفة هادئة

سأهمس لك

كي أعطّل آلة سرقة الزمن

غير المتاح

إذ يهدر الأيام المضغوطة بالتمنّي

عبر المسافات القارّية

يا قبلة صلاة

أقيمها في ليل وفي صبح

لقد أتعبَ المدى

لمسُ الكلمات وهمسي

كأنه ألف عام

مضى على معرفتي

بفتنة الليل

كأنني منذ ألف عام

لم أشاهد مثل عينيك

نجمتين تتألقان في ذاكرتي

كأن حبك رضاعة

بدأت من فنجان نهديك

سأنبتِّ بذراً في حقل القطن

لأنعش في شغاف سحره رئتاي

سأحتوي نعومة ملمسه

بأنامل شبقة

سأتركُ أثراً كالجرح

لا تُطلى عليه مساحيق النسيان

سأُبقي شفيره مفتوحاً

كفم جائع

عند إثبات رجولة عاشق

فُرض عليه خَدَر الغياب

سأطهّر التاريخ الذي كتبني

لولا حرائق الوجد

ما ثار الحرف واتضح المعنى

سأشيّد من همهمات أنفاسك قصراً

لأجيال ترث عنّا الحنين

سأرتدي حضورك معطفاً

لمقاس جسدٍ تعرّى أمامك

كأنما ولدَ من جديد

وأخيراً سأفدي نفسي

بالتقصيد المريح للحب

ولا أريدُ كتابتك شعراً وحسب

مُناي التفوّه باسمك عُمراً

يا أول حرف في القصيدة

وآخر حُصن في قصور الذات

إن الحب أوّل الأرباب

وآخر الذنوب .

***

سفيان عرب شنگالي

لا أستطيع ابدال جلدتي، ولا محو هويتي !!.  فقدتُ دفء الأماكن ورائحة جدران بيتنا القديم، وحتى ملاذ عباءة أمي لا يكفيني.  ولا آهات أبي عند أنفاس سجائره.

كان من الصعب عليه ان يصرح بأكثر من هذا، فقد كانت حوله الجدران مثقوبة، وهمسه مسموعا، والمقاهي لم تعد لضجيج الشباب ومرحهم، والطرقات فارغة الا من أعمدة الكهرباء وأعمدة أخرى من نوع خاص.  كان عليه ان يصمت.  لكنه تعوّد ان يصدح حين يقرأ قصائد النواب.  ويقرأ الجريدة السرية.

اختفى "سامر " في ظروف غامضة ولكن لا أحد يجرؤ بالسؤال عنه. حتى أبواه. !!

لم تنجب أمه سواه، لكنه صلب الارادة، ذو القامة الممشوقة والطول الفارع.  كان يحلم ويناضل من أجل ان تتحول بلده نحو الاشتراكية، ونحو الازدهار في غضون فترة وجيزة.

صدمته نظريتهم الجديدة ان الموت في انتظار من يخرج عن مسار القطيع.  تأبى روحه ان يعانق الموجة، أو يصطف في ذلك الطابور، يكره تلك العبثية والجدال فيها.

لكنه اختفى. !!

لم يستطع أبواه ان يمنحاه صفة " الميت " كانا يرفضان ان يقال عنه " راحل " فلو خرجت الكلمة من فمهما ستغلق آخر باب لأمل تشبثا به.  كانت أمه تخبر جاراتها، أنها رأت رجلا مباركا في منامها أخبرها ان ولدها حي يرزق،.

اما جارهم المعلم كان يتعاطف معهما، لكنه يخشى العيون المتربصة فلا يقترب منهما، فهو يعرف ولدهم.  فقد كان أحد طلابه في المدرسة قبل سنين.

تزورهم أم سامر وتشرح لزوجه عن اختفاء ولدها.  تبوح بوجدها لكل الأحبة سرا، لكن المعلم يلتزم الصمت ويخبئ مشاعره أمامها، كلماتها تغدو مثل سكين يقطع أحشائه.

أم سامر تعيش بين عدة احتمالات وكلها تنهش روحها. فأن سمعت طرقا على الباب أسرعت وقلبها يسبق خطواتها. واذا مرّ شاب أمامها كانت تحدق في وجهه وتبحث عن ملامح تشبه ملامح ولدها، احتفظت بملابسه كما تركها وبحذائه وحتى جوربيه وربطة عنقه.  وكأنها تهيء كل شيء لعودته.

كم تمنت بداخلها ان يكون غيابه مجرد حلم عابر.

يتذكر أبوه كلماته الأخيرة فقد أخبره ان هناك من يتتبع خطواته في الجامعة وفي الطرقات، وحتى في المكتبة

تحز بروحه هذه الكلمات وتطرد النوم من عينيه دائما.

تحدثه أمه في وحدتها وتخبره ان مرضتْ، وان خرجتْ ومن الذي زارها، ثم تسأله بحسرة، نفس السؤال الذي لم تجد له جوابا مقنعا " أين أنت يا ولدي"؟؟ وهل ما زلت تتذكر ان لك أم وأب في انتظارك؟؟ سأنتظرك حتى الرمق الأخير.

مرت السنوات ثقيلة على روحيهما، وتغيرت ملامح وجهيهما وشاب شعرهما لكن انتظارهما بقي كما هو.

لم يبكياه بل يبكيا غيابه الموجع بين الحياة والموت.

وفي خضم فوضى حرب الثمان سنين.  طفح بروحيهما أمل جديد.  فربما يكون ولدنا سجينا وسيطلق سراحه ضمن الاعفاء العام الذي أعلنته الدولة.  ثم سيذهب لجبهة القتال فهو يحب بلده.

ويشهد مرآب المدينة شهقات أبيه وسؤاله للعائدين من الجبهة.  عن ولده.  لكنه يعود خائبا.

كان جارهم المعلم تشغله أخبار الحرب، يسهر ليلا متنقلا بين المحطات الاذاعية، يلاحق تفاصيلها، ويمني روحه بانتهائها منتظرا دور الوساطة التي بادر بها كوفي عنان.

وبينما المعلم ينقل قرص المذياع من محطة الى أخرى سمع صوتا مألوفا لديه وكأنه يعرف صاحبه، وهنا توقف الزمن.  وعجزت أصابعه ان تحرك قرص المذياع. وشعر الرجل بالإرباك.  يا الهي !! ما هذا؟؟ الصوت يشبه صوت جارهم المفقود " سامر"، لا بل "هو" بكل نبراته القوية المألوفة، بثقله ورخامة صوته، انه يعرفه، فهو رفيقه وصديقه ايضا، رغم فارق العمر بينهما، بقي المعلم صامتا.  منتظرا انه سيذكر اسمه في نهاية النشرة.  فبقي صبره معلقا حتى نطق المذيع باسمه الثلاثي، فغر المعلم فاه دون ان ينطق بكلمة!!

نعم انه "سامر عبد المجيد ".  ثم قال هامسا: ربما السماء ارادت ان تبعث الامل لأبويه عبر الأثير.

ولكن ما موقف السلطة منه اذا أخبر والديه، وهل يجازف؟؟ ذلك أمر في غاية الخطورة!! فكيف يوفق بين ضميره وانسانيته وبين الهاوية التي تنتظره!! وقف المعلم حائرا بين نارين، نعم ان السلطة لا ترحم.  ثم أخذ يحدثه كأنه أمامه بكامل هيئته.

سنبقى يا سامر نقرأ قصائد النواب.  ولن يغرق زورقك

وها أنت تعانق النوارس في هجرتها، منفيا في متاهة الحياة.  لكنها تبقى أفضل من صفة الموت.

.  بقي المعلم يقام تمرد ذاته لصمته، ويحثها ان تبوح بثقل سرها، وعليه ان يمنح أبويه أملا جميلا ليعيشا بأمان ولتنتهي حسراتهما.  قلها فذلك أمر يجب ان يقال.

ولتكن النتائج كيفما تكن!!

فارسل بطلبهما لأمر هام، وحضورهما الى داره.

اندهش الأب ثم تردد يا ترى ما هو الأمر الهام؟

واستغربت الام وكأن قلبها عرف جزء من الحقيقة فيما يخص ولدها.  واستفاقت ذكراه برعدة أوصالها.

وبين القلق والدهشة، جلسا عنده، وبعد ان أغلق باب الغرفة، طلب منهما الصمت والسرية التامة مهما سمعا من الأخبار.  وأخذ يدير قرص المذياع على تلك الإذاعة الأجنبية الناطقة باللغة العربية والتي يتواجد فيها ولدهم.

مرت الدقائق ثقيلة عليهما. حتى دقت الساعة الثامنة مساء.

وفجأة تردد الصوت ذاته، انه صوت " سامر" وهو يقرأ نشرة الأخبار بصوت ثابت، وكأن الحياة لم تسرق منه شيئا.

تجمدت الأم وعيناها تلمعان واضعة يدها فوق فمها لكي لا تنطلق منها صيحة مباغتة، وحين نطق باسمه، صرخت دون وعيها " ولدي "، أسرع زوجها فوضع يده المرتجفة فوق فمها.  وهو يهمس بارتعاش نبرات صوته " أصمتي يا امرأة "

. تنفس أبوه الصعداء عند سماعه الخبر الذي طالما انتظره، أشرق وجهه كأن سنوات عمره قد عادت اليه، ابتسم ثم ارتجفت شفتاه، وانهمرت دموعه فرحا بصمت تام.

وما زالت أمه متجمدة بمكانها، لا تقوَى على البكاء ولا حتى على الابتسامة.

سكنت الوجوه، لكن القلوب كانت تضج بالحنين والفرح الغامر، وبخيوط أمل جديدة امتدت من المذياع الى أرواحهم.

وفي تلك الليلة كانت السماء زرقاء صافية، والريح تداعب سعف النخيل كأنها الأم الرؤوم التي شاركتهم أفراح هذه الليلة.  جلس المعلم على كرسيه الخشبي وبجانبه أولاده وزوجه رافعا يديه للسماء ان لا يصل الخبر لجهاز الأمن.

***

قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو

(في جدليَّة الحياة وتراجيديا الأحياء)

 ***

ـ لِسِوَاكِ لا يَبْكِيْ ولا يَتَنَهَّدُ

بَرِحَ الخَفَاءُ: كأَنَّهُ بِكِ يُوْلَدُ!

**

ـ أَتُرَاهُ مِمَّا يَمْتَرِي سُحُبَ الدُّمُوْ

ع، لِكُلِّ دَمْعٍ أَعْيَنٌ تَتَجَنَّدُ؟

عَيْنٌ: لِبَارِقَةِ الطُّفُوْلَةِ أُطْفِئَتْ،

عَيْنٌ: لِذاكِرَةِ المَوَاطِنِ تُوْقَدُ!

**

ـ مَنْ يَسْتَطِيْعُ، كأَنْ يَرَى ما لا نَرَى،

ويَظَلُّ أَعْمَى لا يَرَى ما نَشْهَدُ؟!

أَ وَيَستَطِيْعُ أَبٌ يُشَاهِدُ طِفْلَهُ

يَهْوِيْ، فَيُتْهِمُ في الهَوَى أو يُنْجِدُ؟!

أَمْ تَسْتَطِيْعُ طِبَاعُ أُمٍّ حُرَّةٍ

تَغْفُوْ وفِيْها أُمَّةٌ تَسْتَنْجِدُ؟!

**

ـ لَوْ كُنْتَ صَخْرَةَ كَوْكَبٍ لَمَّا يَكُنْ،

لَغَزَاكَ حَيْنُكَ غَاصِبًا يَتَهَدَّدُ

فابكِ أَوِ اضْحَكْ؛ لا احْتِمالَ بِأَنْ تَرَى

بِثَرَاهُما غُصْنَ المُنَى يَتَوَرَّدُ

سَجْلَانِ مِنْ مَاءٍ ونَارٍ، كُلَّما

أُصْلِيْتَ مِنْ سَجْلٍ، بِسَجْلٍ تُصْهَدُ!

**

ـ إنَّ الحَيَاةَ لَئِيْمَةٌ وكَرِيْمَةٌ،

ما بَيْنَ وَجْهَيْها المَرَايا تَشْهَدُ

والنَّاسُ مِنْ شَادٍ، ومِنْ شَاكٍ، ومِنْ

مُتَبَلِّدِ الشِّيْنَيْنِ، وهْوَ الأَسْعَدُ!

**

ـ لَكَ حُلَّةٌ سَيْرَاءُ، سَرَّتْ آدَمًا،

فالْبَسْ صَبَاحَ مُغَادِرٍ دَمُهُ الغَدُ

رَاضٍ بِما سَامَ الزَّمَانُ زَمَانَهُ؛

فَلَرُبَّ ما سَامَ الزَّمَانُ الأَرْغَدُ

ولَرُبَّ ما تَرْجُوْهُ يَرْجُوْ لَوْ تَرَى

تَحْتَ القِنَاعِ عَقَارِبًا تَتَرَصَّدُ!

**

ـ كَالعَنْكَبُوْتِ حَيَاتُنَا، تَبْنِيْ الكَما

ئِنَ لِلْعَنَاكِبِ، بَيْضَهَا تَتَصَيَّدُ

وكَنَحْلَةٍ، تَغْتَالُ قَلْبَ مُحِبِّهَا

حُبًّا، وفي شَهْدِ المَحَبَّةِ تَلْحَدُ!

**

وتَجَادَلَ البَازَانِ، هذا مُعْرِقٌ

يَمَنًا، وهذا تُبَّعٌ مُتَبَغْدِدُ

لا حُزْنَ يَعْتَوِرُ الفُؤَادَ، فتَنْقَضِي

قُبَلُ الجَحِيْمِ، وأَنْتَ لَا تَتَجَدَّدُ

إِنَّ الدُّمُوْعَ كَنَهْرِ (دِجْلَةَ)، نَبْعُهُ

يَفْرِيْ الشُّعُوْبَ بِضِفَّتَيْهِ ويَرْفُدُ

لَوْلَاهُ ما عَذُبَ (الفُرَاتُ)، ولَا ارْتَوَتْ

أَرْضُ السَّوَادِ، ولَا تَغَنَّى (المِرْبَدُ)!

***

شِعر: أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

‎ أمضى "غسّان" أربعين عامًا من عمره موثّقًا في دار الأرشيف؛ يكتب بدقّة متناهية تواريخ ميلاد وإنجازات، ووفيات الشّخصيات العامّة والمنسيين، مؤمنًا أنّ تخليد حياة الآخرين هو أسمى غاية، كأنّه يحرس بوّابات الخلود للنّاس.

في إحدى الأمسيات، وبينما كان ينهي كتابة نعوةٍ لكاتبٍ مغمور، داهمته فجأة أزمة قلبيّة حادّة، فسقط قلمه من يده وبدأ يعاني ليلتقط أنفاسه الأخيرة وسط صمتٍ مطبق.

نظر حوله إلى جدران غرفته المليئة بالمجلّدات الّتي وثّق فيها حياة الغرباء؛ تصفّح بعينيه الذّابلتين تلك الأسماء المرصوفة على الرّفوف، فما وجد بينها حسًّا يخصّه، ولا اسمًا يشبهه، ولا حتّى شخصًا قريبًا يعلم أنّه يختفي الآن في هذا السّكون.

قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، برقت في عينيه شعلةٌ غريبة، كفاحٌ أخيرٌ ضدّ النّسيان. امتدّت يده الباردة بثقلٍ نحو الجيب الدّاخليّ لمعطفه، واستلّت قائمة الغرباء الّتي قضى عمره يدوّن أسماءهم، وبما تبقّى في أصابعه من رمق، قلب الورقة إلى وجهها الأبيض النّاصع، ثمّ تناول القلم المرتجف، وخطّ على حاشيتها بخطٍّ متعرّج ومتقطّع:

وأمّا غسّان، فقد عاش حافظا لأثرهم، وها هو قد صار أثرًا.

‎ سقط القلم من يده المرتجفة، وتدحرج على الأرضية مستقرًّا بجوار كومةٍ من الصّحف القديمة، ثمّ انطفأ المصباح الخافت فوق مكتبه ببطء، ورحل دون أن يشعر به أحد.

لم يأتِ أحدٌ ليتفقّده؛ فالعالم الخارجيّ يمضي في صخبه، غير آبهٍ بأنّ الذّاكرة الّتي حفظت تواريخهم جميعا قد توقّفت عن النّبض.

ارتخى جسده وهدأت أنفاسه، وغرقت الغرفة في سكون أبديّ.

***

(قصّة قصيرة)

صباح بشير 

 

في أحد الأحياء الفقيرة على أطراف المدينة، كان هناك بيت صغير بابه من الخشب المتآكل، وسقفه لا يمنع المطر من التسلل إلى الداخل.  في ذلك البيت عاش سالم، رجل في الخامسة والأربعين من عمره، مع ابنته مريم، ذات الاثني عشر عامًا، ووالدته العجوز التي أنهكها المرض.

لم يكن سالم رجلًا كسولًا، ولا كان يمد يده لأحد طلبًا للمساعدة. كان يعمل حمّالًا في السوق منذ الفجر حتى المساء، يحمل الصناديق الثقيلة على ظهره، ويعود إلى منزله بمال بالكاد يكفي لشراء الخبز والدواء.

منذ أن توفيت زوجته قبل خمس سنوات، صار الأب والأم معًا لابنته.  كان يغسل لها ثيابها بيديه، ويجدل شعرها كل صباح، ويجلس بجوارها ليلًا يساعدها في واجباتها المدرسية، رغم أنه لم يكمل تعليمه الابتدائي.

وكان يقول لها دائمًا:

- يا مريم، قد أكون فقيرًا في المال، لكنني لا أريدك أن تكبري فقيرة في الأحلام.

فتبتسم مريم وتجيبه:

- عندما أكبر وأصبح طبيبة، سأشتري لك بيتًا كبيرًا، وسأجعلك ترتاح من العمل.

فيضحك سالم، ثم يخفي وجهه قليلًا حتى لا ترى ابنته الدموع التي تلمع في عينيه.

لكنه لم يكن يخبرها أن ظهره بدأ ينحني، وأن الألم في صدره يزداد يومًا بعد يوم، وأن صاحب السوق هدده بالطرد إذا غاب عن العمل مرة أخرى.

في مساء شتوي قاسٍ، عاد سالم إلى البيت وكانت صوت سعال أمه عالية.  كانت حرارتها مرتفعة، ووجهها شاحبًا كقطعة قماش قديمة.

أسرع إلى الصيدلية، لكن الصيدلي أخبره أن الدواء يحتاج إلى مبلغ لم يكن يملكه.

وقف سالم أمام الرفوف الزجاجية، يقلب النقود القليلة في جيبه. كان يستطيع شراء الدواء أو شراء الطعام لذلك اليوم، لكنه لم يكن يستطيع فعل الأمرين معًا.

عاد إلى البيت يحمل كيسًا صغيرًا من الخبز، وقد قرر أن يؤجل الدواء إلى الغد.

جلست مريم أمام جدتها، تمسح جبينها بقطعة قماش مبللة. وعندما دخل والدها، نظرت إلى الخبز ثم إلى وجهه.

سألته بصوت خافت:

- أبي، هل تناولت طعامك في السوق؟

ابتسم وقال:

-  نعم، أكلت مع أصدقائي.

كانت تعرف أنه يكذب. فقد رأته في الأيام الماضية يشرب الماء بدلًا من الغداء، لكنها لم تحرجه بالسؤال.

قسمت الرغيف إلى ثلاثة أجزاء، وأعطت جدتها الجزء الأكبر، ثم وضعت جزءًا أمام أبيها.

قال سالم:

- أنا شبعان يا ابنتي.

أجابت وهي تدفع قطعة الخبز نحوه:

- وأنا أيضًا.

ثم أدارت وجهها نحو النافذة، كي لا يرى دموعها.

في تلك الليلة، نام الثلاثة دون عشاء.

في اليوم التالي، ذهبت مريم إلى المدرسة وهي ترتدي حذاءً ممزقًا، وتحمل حقيبة خيطت جدتها أطرافها قبل أشهر.

كانت المدرسة تستعد لحفل تكريم الطلاب المتفوقين، وقد اختارت المعلمة مريم لإلقاء كلمة أمام أولياء الأمور.

لكن مريم لم تكن سعيدة. فقد طلبت المدرسة من الطلاب ارتداء ملابس مناسبة للحفل، ولم تكن تملك ثوبًا لائقًا.

لاحظت معلمتها، السيدة نادية، أنها تجلس وحدها في ساحة المدرسة.

اقتربت منها وسألتها:

- لماذا تبدين حزينة يا مريم؟ ألست سعيدة بتكريمك؟

هزت مريم رأسها.

- أنا سعيدة يا معلمتي، لكنني لن أحضر الحفل.

- ولماذا؟

صمتت الطفلة طويلًا، ثم قالت:

- لأنني لا أريد أن يضحك أحد على حذائي.

شعرت المعلمة بوخزة في قلبها. كانت تعرف أن مريم متفوقة ومجتهدة، لكنها لم تكن تعرف أن الفقر الذي يحيط بها وصل إلى هذا الحد.

في المساء، ذهبت نادية إلى منزل مريم. لم تحمل معها نقودًا، ولم ترغب في أن تشعر الأسرة بالشفقة. أحضرت ثوبًا أزرق كانت ابنتها قد كبرت عليه، وحذاءً نظيفًا، وبعض الكتب.

استقبلها سالم بحرج واضح.

- لم يكن عليك أن تتعبي نفسك يا أستاذة.

قالت نادية بهدوء:

- أنا لم آتِ لأساعدكم، بل جئت لأن ابنتك تستحق أن تقف أمام الجميع بفخر. وغدًا، عندما تصبح طبيبة، ستساعد هي الآخرين.

خفض سالم رأسه، ولم يجد ما يقوله.

أما مريم، فقد احتضنت معلمتها وبكت طويلًا.

جاء يوم الحفل.

وقفت مريم على المنصة بثوبها الأزرق، ويديها ترتجفان وهي تنظر إلى الوجوه الكثيرة أمامها. كان سالم يجلس في آخر القاعة، مرتديًا قميصه الوحيد النظيف. بدا عليه التعب، لكنه ابتسم لها بفخر.

بدأت مريم تقرأ كلمتها، ثم توقفت فجأة، وأغلقت الورقة.

قالت بصوت مرتعش:

- كتبت كلمة عن النجاح، لكنني أريد أن أتحدث عن شيء آخر.

ساد الصمت في القاعة.

- أريد أن أتحدث عن أبي. أبي رجل يحمل الصناديق طوال النهار، وعندما يعود إلى البيت، يحمل همومي أيضًا. لم يشترِ لنفسه حذاءً جديدًا منذ سنوات، لكنه كان يشتري لي الكتب. وعندما أجوع، يقول إنه شبعان. وعندما يبكي في الليل، يظن أنني لا أسمعه.

بدأت الدموع تنهمر على وجهها.

- كنت أعتقد أن الفقر يعني ألا نملك المال، لكنني تعلمت أن الإنسان قد يملك المال ولا يعرف كيف يحب، وقد لا يملك سوى رغيف خبز، لكنه يقسمه مع من يحب.

نظرت إلى والدها.

- يا أبي، لا أعدك بأنني سأصبح طبيبة فقط. أعدك أنني لن أنسى يومًا أنك كنت تعالج خوفي بابتسامتك، حتى عندما لم تكن تملك دواءً لألمك.

لم يستطع سالم أن يتمالك نفسه. غطى وجهه بيديه وبكى أمام الجميع.

وللمرة الأولى، لم يشعر بالخجل من دموعه.

بعد الحفل بأسبوعين، انهار سالم أثناء عمله في السوق. نقلَه أحد العمال إلى المستشفى، حيث أخبر الطبيب مريم أن والدها يحتاج إلى علاج وفترة طويلة من الراحة.

وقفت الطفلة في الممر، عاجزة عن الكلام. كانت تعرف أن توقف أبيها عن العمل يعني أن يتوقف كل شيء في البيت.

لكن هذه المرة، لم تكن الأسرة وحدها.

بدأت المعلمة نادية حملة لمساعدة سالم على العلاج، وتبرع بعض أصحاب المحال في السوق بجزء من أرباحهم. أما الطلاب، فقد نظموا حملة لجمع الكتب والملابس وبيع بعض الأعمال اليدوية لصالح الأسرة.

وكان أكثر ما أثر في سالم أن الرجل الذي كان يعمل لديه، والذي هدده بالطرد من العمل، جاء إلى المستشفى ووضع مبلغًا من المال على الطاولة.

قال بخجل:

- كنت أظن أنك عامل عندي فقط، ولم أفهم أنك إنسان يحمل فوق ظهره حياة أسرة كاملة. سامحني.

أمسك سالم بيده وقال:

-لا أريد منك اعتذارًا. أريد فقط ألا تعامل رجلًا آخر كما عاملتني.

هز الرجل رأسه، ولم يستطع الرد.

تعافى سالم ببطء، لكنه لم يعد قادرًا على حمل الأوزان الثقيلة. ساعدته المعلمة في العثور على عمل بسيط في مكتبة مدرسية، حيث كان يرتب الكتب ويساعد الأطفال في العثور على قصصهم المفضلة.

وكان يقول لمريم كل مساء:

- يبدو أن ظهري تعب من حمل الصناديق، لكنه ما زال قادرًا على حملك إلى أحلامك.

فتضحك وتضع رأسها على كتفه.

مرت السنوات.

كبرت مريم، وتخرجت في كلية الطب بتفوق. وفي يوم تخرجها، جلس سالم في الصف الأول، وقد غطى الشيب رأسه، وارتسمت التجاعيد حول عينيه.

عندما نادت الجامعة اسمها، صعدت إلى المنصة، تسلمت شهادتها، ثم نزلت وركضت نحو والدها.

احتضنته وقالت:

- لقد وعدتك ببيت كبير يا أبي، وسأشتريه لك قريبًا.

ابتسم سالم ومسح دمعة عن خده.

- لا أريد بيتًا كبيرًا يا ابنتي. أريد فقط أن يبقى هذا القلب قادرًا على رؤيتك سعيدة.

بعد أشهر، افتتحت مريم عيادة صغيرة في الحي الذي نشأت فيه. جعلت الكشف مجانيًا للفقراء الذين لا يستطيعون دفع تكاليف العلاج، ووضعت عند المدخل لافتة كتب عليها:

«لا يُردّ مريض بسبب فقره.»

وفي صباح يوم شتوي، دخل إلى العيادة طفل صغير يمسك بيد أمه. كان يرتدي حذاءً ممزقًا، ويخفي بطنه الفارغ تحت معطف واسع.

فحصته مريم، ثم سألت أمه إن كان قد تناول طعامه.

أطرقت المرأة رأسها وقالت:

- لم نأكل منذ الأمس.

نظرت مريم إلى الممرضة وطلبت منها إحضار الطعام، ثم جلست أمام الطفل وابتسمت.

وحين أحضرت الممرضة رغيفًا ساخنًا، أخذ الطفل يقسمه إلى نصفين، ومدّ أحدهما نحو أمه.

في تلك اللحظة، شعرت مريم أن الزمن عاد بها إلى ذلك البيت الصغير، وإلى أبيها الذي كان يخفي جوعه خلف ابتسامة.

دخل سالم العيادة بعد قليل، فوجد ابنته واقفة قرب النافذة، والدموع في عينيها.

سألها:

- ما بك يا طبيبتي؟

أشارت إلى الطفل وقالت:

- تذكرت رغيف الخبز الأخير يا أبي.

نظر سالم إلى الطفل، ثم إلى ابنته، وابتسم.

- إذن لم يضع ذلك الرغيف هباءً.

فبعض الأرغفة لا تُشبع الجوع وحده؛ بل تزرع في قلب إنسان بذرة رحمة قد تُطعم مدينة كاملة يومًا ما.

***

قصة قصيرة..

رمزي ميركاني

عبثاً هم يومضون

عبثاً بالرغم من كلّ المصابيح

التي قد بلعوها يومضون

كلما إبتلعوا عودَ ثِقابٍ

شَحَبَتْ أصواتُهم

فالدخانُ الأسودُ الراكدُ في أعماقِهم

يسرُبُ من أحداقِهم

مثلَ يعاسيبِ السعير

كذبوا فيما ادّعوا من كُتُبِ التنزيلِ

فالآياتُ لا تُخبَزُ في الفُرنِ كأجسادِ الضحايا

كذبوا حين ادّعوا:

أن التماسيحَ تغطّيها جُلودٌ من حرير

كذبوا هم،

مثلما قد كذبَ الحِبرُ

الذي صَبّوهُ في الدورقِ شاياً للفطور

**

لا كما هم كتبوا

يكتبُ الدهرُ غداً سيرتهم

كاشفاً للنور ما أخفوه في أفواههم

حافراً في أعظُمِ الأمواتِ

بحثاً عن صدى أغنيةٍ قد أُطفِئتْ

من قبل أن تُنجبَ طفلاً

وحدَهُ التاريخُ لا يُشرى بأموالٍ

ولا يُرهِبُهُ السُوطُ

ولا يُصغي إلى غير الضمير

**

منحوا ألقابَهم للنار

حتى لم تعدْ تنمازُ عن أبنائِهم

أعتقوا ذؤبانَها

تنهشُ أحشاءَ الذين انتخبوهم

ثمّ عادتْ تزدريهم

لم يعد بعد اندثارِ الأملِ الكاذبِ من مأوى لهم

فالبساتينُ التي قد ألبسوها مِعطفَ الجيش

لكي تقتادَ للأسر العراجينَ

وأشلاءَ التمور

نخلُها أصبحَ صُلباناً

وصارتْ لهمُ فيها سواقيها قبور

**

بعدهم جيلٌ طريدٌ سيعودُ

حاملاُ صُلبانَهُ كالأنبياء

حُلمُهُ أنْ يشربَ الحِبرَ الذي قد غشّهُ من سبقوه

علّهُ يسحبُ كالساحر من منخره

حبلاً طويلاً من سطور

بيدَ أنّ الخوفَ

أنْ يركبَ للثاراتِ أفراسَ الغرور

***

شعر: ليث الصندوق

طابَ مَجْدٌ، مع الإباءِ قَرِينُ

وادِّعاءُ العَلياءِ، نَقْصٌ مُبِينُ

*

رافِدُ الخُلدِ، في الاصالة طُهْرٌ

ولِمَن خُصَّ بالثناء مَكينُ

*

سُلَّمُ الارتقاء،عَزْمٌ وحَزْمٌ

فيه رسْمُ الاهدافِ، رأيٌ رَزِينُ

*

لا تُنازِلْ، إنْ كان كفُّكَ خالٍ

وجدالٌ، بِلا رصيدٍ يشينُ

*

واعتمد مَن تراه أكثَرَ وعيًا

رُبَّ بين الضلوع صوتٌ رصينُ

*

(مَن يَهُن يسهل الهوان عليه)

فاجعل النفسَ أسْيُفاً لا تَلين

*

رُبَّ صمْتٍ إنْ لم يكن عن خبيرٍ

هو عند الحُضور نومٌ دَفِينُ

*

كلُّ وعْدٍ لن يصدقَ القولُ فيه

يفقد ُالوَصلَ، والفراقُ مُبينُ

*

يارَهينَ القلوبِ، انصفْ بقلبٍ

لا تُسَلّيه غيرُ عينيكَ عَينُ

*

للرياح، الغِناءُ في الروض عَزْفٌ

وانيسُ الطيور، في الوِكْر غُصْنُ

*

ياعزيزا، مُذ يطْبَقُ الجفْنُ ليلا

كلُّ ما كان بيننا يَسْتبينُ

*

لوْحة الخُلْدِ، في سطورِه تدعو

كلَّ ذي عِفّةٍ، رداؤه دينُ

*

إنَّ مَن يخْلِصُ المودةَ يبقى

في نقاء وسيرَةٍ لا تشينُ

*

يا ربيبَ البيانِ عززّ نَشيداً

فيه للنور، بصْمةٌ وحنين

*

(عِشْ عزيزا او مُت وانت كريمُ)

من ارادَ العَلياءَ لا يَستكينُ

*

نركبُ البحرَ، والسّفينُ قوافٍ

و(الخفيف) اللطيفُ، فيه الرنينُ

*

(ياخفيفا خفّتْ به الحركاتُ)

بحرُ شِعرٍ، له الشِّفاه تَدينُ

*

(فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن)

طابَ لَحنُ الهَوى، وغابَ الانينُ

***

(على وزن بحر الخفيف)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

سبق لي أن كنتُ متميّزة

خُلِقتُ بأهدابٍ طويلة،

تصل إلى ما تحت قدميّ.

أجرّها ببطءٍ ورائي،

فتكنس الشارع أحياناً.

يقولون إنّها هبةُ الله،

وإنّني سأحلّق بها يوماً،

وأرى العالم من وجهةٍ أخرى.

هكذا يقولون.

حين فكّرت أمي ببيع أطرافها،

لتشتري لنا بيتاً،

وتنقذ أبي من عادة التسوّل.

في المدن القديمة،

يكثر الفقراء،

ونحن أوّلهم.

نكتب على الجدران المتهالكة:

عاش الرئيس !

عالياً،

ورأي جدتي هو الصواب ..

***

رجاء الغانمي

العراق..

(سباعيات مبعثرة 2)

***

كتبتُ أسماءَ الشهداء..

بالحبر الأبيض

خَشيتُ حينَ أعود

تقرأها أعينُ الغوغاء

فتُشنقُ الأسماء..

بلا أجساد..

مرّتين

**

2

لا ترى النخلةُ في أبي الخصيب

وجهَ القمَر..

أحاطَها بحُمقِهِ الدَخيل

ورصّ جذرَها الحَديد

يتيمةٌ تُسقطُ تمرَها أدمُعا

فلا استظلّها مُحبّ

كما تُحبّ

ولا بكاها اليَمام

**

3

آخِرُ الجُنودِ مات

نازفاً على صَخرةٍ بعيدة..

جميعُ أصحابِ النياشين

لمّا تعرّى الزَمن

ينبشونَ حولَه التُراب.. كالضِباع

يبحَثون تحتَ نَعلهِ

عن شرَف

**

4

تلك المنضَدةُ القاتِمة

عَشيقةُ زائري الليل

زَركَشَتْها خُدوشُ آهاتِ السُكارى

يتلوُنَ عليها ميّتَ الشِعر

والشَتائمَ الطاهرة

كأنّ بها روحاً

تستَنطِقُ الأسرار

**

5

لا ينشَقُّ صدرُ الليلِ فوقي

كأنّما تخدّرتْ.. مثلي

ساعةُ المَحطّة

حينَ مرّ الترامُ حِيالي.. بلا رُكّاب

يلهو بآلامِ القُضبان

نفَضتُ عني الثَلج.. مبهوتاً

كمُخطئِ الحِساب

**

6

سأكتُبُ اسمي مقلوباً

على وَرقِ الجُدار

وحينَ أعودُ بغيرٍ الذاكرَة

الى أمكنةٍ نَسيَتْني

سأعرِفُ كالخَفّاش

كنتُ هنا

متمّرِدا

**

7

أستَلقي مثل كتابٍ على رَفّ

لا أنفضُ الغُبار.. لا أقوى

في انتظارِ امرأةٍ تأتي

تبتَغي قصّةً بتراء

لتطرِدَ عنها الضِيق

تُقلّبُ صفحاتي.. فأُبعثُ..

كالعَنقاء

**

8

كانَ كالحِذاء

أبادَتْ رُشدَهُ الطُرُقات

شواهِدهُ الثُقوب

وبعضُ ما أبقاهُ في الخَفاء

حينَ انزَوى يلامِسُ النُدوب

أبكتْهُ.. بنكرانِها..

العَثَرات

**

9

عندما استفحَلَ النَهار

لبستُ ظِلّي

ظنَنتُني أضَعتُ قامَتي

يُهمهمُ السائرونَ حولي.. فلا أعي

سأعبرُ حينَ يسقطُ الظلُّ خَلفي

الى وطنٍ

بلا ظِلال

**

10

أيتُها الشَمس.. في بلد الحُريّات

تتعَرّى في طلّتكِ الشَقراوات

تتجَرّدُ في غيبَتكِ الأشجار

والصُيفُ.. بلا شفَقٍ

بلا غَسقٍ

وأنا أتلفتُّ من خَجَلي

كالمُبتَلّ

***

د. عادل الحنظل

 

في نصوص اليوم