عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

كاهن البحر صار

رفيقا بأحجاره

وتأمل في غيمةٍ قدِمتْ من

مدار الكنايات

نوبة صمت تكاد

تكون الأخيرة...

يا طائرالاحتمال الوثيق

دمي نجمة سطعتْ

بأديم البحيرات

جاري القريب يغني لياليه

نمتُ قليلا

وبرق السماوات أيقظني

لكأني به جاء منفردا

وخطاه غصون

قد اكتهلت

إنها ظامئةْ...

لي مَراثٍ هوائية الكنه

دونتها أمسِ في خوذة صدئةْ.​

***

مصطفى معروفي

قِفْ حيثُ انتَ، إذا الجَّهالةُ نازَعَتْ

فالجّهْلُ في نظر الجهالةِ مِقْوَدُ

*

إنْ كان في التزويقِ تَنْفِيسُ حَسْرَةٍ

فالضرُّ باقٍ، والتكلّفُ مسْنَدُ

*

لا َيلْتَوي مَن كان للنفس رادِعًا

والنفسُ ما تهواه، عُسْرُه مُبْعَدُ

*

وإذا الإرادَةُ فَعّلَتْ خُطواتها

حَصَلَ المَرامُ، ولِلإرادة مَوْقِدُ

*

يبقى التّحسسُ، للنَّباهَةِ مَوْرِداً

وعلائمٌ له، في الخُطى تَتَرددُ

*

ولنَكْهةِ الإبداع، سِربٌ مُشْرِقٌ

مِن النّجوم، ولِلبلاغةِ مَوْعِدُ

*

قفْ حيثُ يدعوك الوِدادُ بصِدقِه

وتأمل المَعنى، فَللْفَحوى يَدُ

*

مَسْعاكَ في شَدّ الأواصِر نعمَةٌ

والفضلُ يُذكَرُ، والمحاسِنُ تَرفدُ

*

شوْقي الى صِيَغ السّلام بلَهْجَةٍ

مع عِفَّةِ العَزْفِ الرّصين تُرَدِّدُ

*

ما أكثر الصنْف الذين سَمعتهم

بالقول، والأفعالُ تَغْفو وتَجْمَدُ

*

لحنُ القريضِ، على صَداه تراقصَتْ

أوزانُ شعرٍ، والتكلف يَشْردُ

*

سألوا النخيلَ عن الرفيف بسَعفه

قال: الحمامُ وصوتُ سعفي واحد

*

يا مُرسِلا عبر البريد تحية

أدب النقاء، بلا جَناحٍ يَصعَدُ

***

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

الفصل الثاني: من رواية قيد الانجاز

عادت ندى إلى دوامة عملها تحملُ في كفِها المنهكِ توصيةً طبيةً تشير بوضوحٍ الى معالمَ وهنها، وتستجدِي رفقًا بجسدٍ لم يعد يقوى على مجاراةِ نهمِ الآلات والتزامات حمل وتفريغ البضائع والأثقال.

استقبلها زملاؤها القدامى بدفءٍ إنسانيٍّ، كان ينسكبُ على روحها كبلسمِ شفاء. ذادوا عنها كلَّ مجهودٍ يفوقُ طاقتها، فارتسمت على محيّاها ابتسامةُ امتنانٍ كانت تظنُّها استهلالًا لفصلٍ من الطمأنينة.

بيدَ أنّ القدرَ كان يخبئُ لها في طياتِهِ انعطافة حادة... صدرَ قرارٌ جافٌّ بإغلاقِ فرعِ الشركةِ تقليصاً للنفقات، لتجدَ نفسَها منساقةً كطريدةٍ إلى فرعٍ آخر، يسبقه صيتُ القائمين عليه بتنمرٍ لا مثيل له، وبكراهيةٍ صِرفةٍ وعنصريةٍ تتغذى على إقصاء الآخر.

ما إنْ وطأت قدماها عتبةَ ذلك المكان الجديد، حتى شعرت بنظراتِهم التي تشبهُ نصالًا باردةً تخترقُ كيانها. كان مديرُ الفرعِ قد قرأ ملفَّها بعينٍ ملؤها الحقد. لم يرد ان يتغاضى عن شموخَها وعنفوانها حين انتزعت حقًا مستلبًا في شكوى سابقةٍ أمام النقابة. استقبلها بابتسامةٍ صفراء لا تعكسُ إلا رغبةً دفينةً في الانتقام، وبفجاجةٍ لا تعرفُ حسن الخطاب، ألقى في وجهها كلماتٍ كالسموم:

ــ يبدو لي أنّكِ لم تتلقّي تربيةً كافية، وهنا.. سأتولّى أنا تهذيبكِ.

صدمةُ الكلماتِ كانت أعنفَ من أن يتحملَها كبرياؤها ورقتها. انتفضت من تحتِ أنقاضِ الذهول، وقالت بصوتٍ حاولت جاهدةً أن تجعلهُ هادئًا وراسخًا:

ــ أهكذا إذن؟! لنرَ... ولتعلمْ أنّني هنا لأداءِ عملي وواجباتي المِهنيّة فقط، وليس لأيّ شيءٍ آخر، وليس لكَ أدنى حقٍّ في مخاطبتي بهذه الغلظة.

سخرَ من ثباتِها بضحكةٍ خاوية، ثمّ رمى نحوها بقائمةِ مهامٍ شاقَّةٍ كأنها حبلُ مِشنقةٍ يلتفُّ حول عُنُقِ يومها الأول، وقال بوعيدٍ وقح:

ـ سنرى مَن منَّا سيجرُّ أذيال الهزيمة.

مضت نحو واجباتها والدمُ يغلي في عروقها كالبركان، لكنَّها اعتصمت بهدوئها. وحين تقدمت زبونةٌ تطلبُ عونها بكياسة، أشرقَ وجهُ ندى بابتسامةٍ مهذّبة، وما كادتْ تمدُّ يدَ المساعدة حتى انقضَّت عليها صرخةُ إحدى العاملات كعواءِ ذئبٍ في سكونِ الفجر:

ــ هَيْ، أنتِ!

هذا ليس مكانكِ.. انصرفي إلى المخزن حيثُ مديركِ، وكفاكِ تسكعًا وتكاسلًا!

في تلك اللحظة، شعرت بالأرض تميدُ تحتها، فالإهانةُ أمام الغرباء كانت طعنةً في شغافِ خجلِها. انهمرت دموعُها رغمًا عنها، ففرَّت إلى الخارج تستنشقُ هواءً حُرَّاً يغسلُ رئةَ كرامتها المنتهكة، لكنَّ المديرَ لحِقَ بها بصراخهِ العالي، ليشهدَ القاصي والداني على فصولِ تَنَمُّرٍ لم تشهد لها مثيلًا في أقسى كوابيسها.

عادت للداخلِ وهي تُهمسُ لنفسها بكلماتٍ حازمة عن الصبرِ والتجاهل، لكنَّ مرارةَ اليومِ كانت قد سمَّمت بدنها تمامًا.

عادت ندى إلى البيت في ساعةٍ كانت المدينةُ فيها توشك أن تغرق في أولى سدول سكونها، كأنَّ الليلَ وحدهُ من يفهمُ ارتجافَ الأرواح المُنهكة. دفعت الباب بيدٍ مرتعشة، تتوكأ على ما تبقَّى من صبرها، فاستقبلها صمتٌ قارس يشبهُ وحشة المقابر. كان زوجها غارقًا أمام شاشة الحاسوب، يحدّدُ خطوطه في أوراق المقامرة والمضاربة الإلكترونية بعينين جافتين، كأنَّ العالمَ لا يضيقُ إلا بها، وأنَّ انهيارَها لن يحدثُ الا في غيابة مكانٍ سحيق لا يعنيه. لم يلتفت إلى زرقة غرزات العملية التي لا تزال توشم كتفها، ولا إلى وجهها الذي بدا كمدينةٍ اجتاحتها الحروب.

وقفت لحظةً تتأمله، بغضبٍ متلفع بذلك الفتورِ المُرِّ الذي يولدُ حين يموتُ العتاب. شعرت أنّ المسافة بينهما باتت تقاس بأعوامٍ من البرود والخذلان المتراكم. انسحبت إلى غرفتها بخطواتٍ خافتة، كأنها تخشى أن تسمع نفسها وهي تنهار. ما إن أغلقت الباب حتى انفجرت مدامعها دفعةً واحدة، دموعًا حارّةً كأنها تُذيب ما ران على روحها من قذارةِ العنصرية والخوف والقلق في العمل، والبرودة واللوم واللامبالاة في البيت. كانت ترثي كبريائها، فالإنسان حين يُطعن في كرامته يصبح البكاء آخرَ ما يثبت أنه ما زال انسانا.

وفي الصباح، أعلن جسدها تمرّده الكامل. استيقظت كمن يحملُ صخرةً فوق صدره، عاجزةً حتى عن رفع رأسها. قال الطبيب بعد صمتٍ طويل إنَّ الجرح لم يقتصر على الكتف فقط، فقد امتدَّ عميقاً داخل الروح، في تلك المنطقة المعتمة التي تُخزّن فيها الصدمات بصمت. منحها إجازةً مرضية لأسبوع، وأوصاها بعلاجٍ نفسيٍّ عاجل، بعدما رأى في عينيها ذلك الانطفاء الذي لا تُخفيه المسكنات.

باتَ الخيارُ الوحيدُ المتبقّي أمامَ ندى هو اللجوءُ إلى نقابةِ العمال، رافعةً مظلمتَها ضدَّ غطرسةِ مديرِها ومن يلوذُ به من أعوان. وحينَ هاتفتِ النقابةَ يحدوها خيطُ أملٍ واهن، ارتطمَ صوتُها برَدٍّ جافٍّ:

ــ عليكِ بالصبرِ أشهراً طويلةً حتى يُدرجَ اسمُكِ في جدولِ المظالم.. وحين يأتي الميعاد، ستواجهينَهُ وجهاً لوجه لتدلي بكلمتِكِ الأخيرة.

وسرعانَ ما انقطعَ الاتصال، لتجدَ ندى نفسَها تُنزلُ الهاتفَ بنفَسٍ مخنوق، مستشعرةً أنَّ العدالةَ ذاتَها قد استقالتْ من هيبتِها، لتجلسَ خلفَ مكتبها البيروقراطيٍّ المتهالك، تُكدّسُ أوجاعَ البشرِ وتؤجلُ مصائرَهم كما تُرجأُ المعاملاتُ المنسيةُ في غياهبِ الأدراج.

صار الانتظار امتحانًا يوميًا لصلابتها. تذهب إلى العمل بوجهٍ شاحب، تؤدي ما عليها بآليةٍ مُرهقة، ثم تعود محمَّلةً بضجيج الداخل، كأنَّ حياتها تحولت إلى ممرٍّ طويل بلا انوار او نوافذ.

توالت الأيام ثقيلةً كأحجارٍ تُلقى فوق صدرها. في العمل، كانت نظرات التنمّر وافواهه تلاحقها كالإبر، وفي البيت كانت الوحدة تنمو حولها مثل نباتٍ بريٍّ بين الجدران. شيئًا فشيئًا، بدأت تتداعى من الداخل. صارت جلسات العلاج النفسي بالنسبة لها النافذة الوحيدة التي يتسلل منها هواء أقل اختناقًا. هناك، كانت ترى نفسها امرأةً أرهقتها معارك النجاة الطويلة، واستنزفتها أعوام الركض الدائم هربًا من الانكسار، تحمل من الجراح ما يفوق مجرد توقها إلى الشفاء.

أما زواجها، ذلك البناء الذي ظلَّت سنواتٍ ترمّم شقوقه بالصبر، فقد كان ينهار بصمتٍ لا رجعة فيه. وحين واجهت زوجها بعد تردد بطلب الانفصال، استقبلها بوجهٍ خالٍ من الدهشة والحزن، تتسيّده لامبالاة قاسية تقتل أكثر مما تفعله الخيانة نفسها. ثم جاء اليوم الذي غادر فيه... وقف الأبناء إلى جانب أبيهم، مدفوعين بارتباكهم وخوفهم، وربما بعجزهم عن فهم أمٍّ تتداعى أمام أعينهم. عندها شعرت ندى بأن وحدتها قد اكتملت، وأنها أضحت محاصرة بأقرب الناس إليها.

ومع ذلك، لم تمت فيها الرغبة في النجاة... اقترح طبيبها والمعالجة النفسانية إرسالها إلى مصحَّةٍ لإعادة التأهيل، بناءً على تقاريرٍ تشرح تدهور حالتها. وافقت، لأنها كانت بحاجة إلى هدنةٍ قصيرة مع العالم، إلى مكانٍ لا تضطر فيه كل صباح إلى ارتداء قناع المجابهة.

شيئًا فشيئًا، بدأت تستعيد خيوط نفسها. عادت تتواصل مع زملائها القدامى، أولئك الذين ظلّوا أوفياء لصداقتها وإنسانيتها. كانت لقاءاتهم تمنحها شعورًا خافتًا بالأمان، فيما أكَّد كثيرون استعدادهم للشهادة معها أمام النقابة. عندها فقط استبشرت، بأنّ الشرّ، مهما علا صوته، لا يستطيع أن يُخرس الجميع.

وبذكاءٍ ولد من رحم الألم، بدأت تسجّل سرًا كل ما تتعرض له من تنمّر وإساءة في العمل. كانت تعرف أنّ المعتدين بارعون في الإنكار، وأن الذاكرة وحدها لا تكفي لإدانة القسوة. وهكذا، راحت تجمع أدلتها بصبرٍ يشبه صبرَ الناجين من الحروب، أولئك الذين يتعلمون، بعد كل خراب، كيف يلتقطون بأيديهم المرتجفة ما تبقَّى من حياتهم ليبدؤوا من جديد.

تابع

***

سعاد الراعي

 

كانت تلك الصناديق الخشبية التي عادت ذات يوم، تحمل على أكتافها أسماءً كانت يومًا حيّة، أسماءً لم يمحها الزمن؛ فقد دُفنت قلوبنا معهم، ولم يفارقونا يومًا، إنهم فقط بدّلوا مكان إقامتهم.

لكن الحكاية الأكثر قسوة لم تكن حكاية الراحلين، بل حكاية أولئك الذين حالفهم القدر بالنجاة من رصاصات الأعداء وشظاياهم.

خرجوا من أرض المعركة أحياءً، لكنهم عادوا بلا أسماء، بلا ذاكرة، وبملامح ممحوة لا تدل على شيء من بداية الحياة؛ كانوا أولئك الذين احتُجزوا هناك، في زنازين العدو المظلمة.

خلف تلك الجدران الرطبة، وفي الحُجَر الضيقة المعزولة عن ضوء الشمس، دُفنت هوياتهم .. انتُزعت أظافرهم..  واقتُلعت أسنانهم.. وعادوا بأصابع خشنة مشوهة..  حتى إن بعضهم فقد عقله تحت وطأة التنكيل، وصار الجنون مأواه الأخير للهروب من واقع لا يُحتمل.

في مطلع التسعينيات، فُتحت البوابات وعاد الأسرى، لكن العودة لم تكن شفاءً؛ كانت مواجهة صادمة مع زمن تحرّك سريعًا في الخارج، بينما تجمّدوا هم في العتمة.

في ساحة المدينة الأم، كان الجميع في الانتظار..  كلٌّ منهم يحمل في صدره ذاكرةً غضّةً حيّة لم يغيّرها الغياب، ويترقب ملامح قديمة تشبّث بها لسنوات.

وقفت الأم تبحث بين الوجوه عن الفتى الذي غاب عنها في مقتبل العمر، وحين التقيا، صدمها شيبٌ أبيض كثيف يغطي لحيته، وعينان ذابلتان انطفأ فيهما بريق الحياة ومن هول الصدمة أمام هذا الكهل الذي صار إليه ابنها، ذهل عقلها، ونسيت تمامًا أن تخبره بالخبر الذي ظلّ حبيس صدرها سنوات طويلة: أن والده قد توفي.

وبالقرب منها كانت تقف الابنة الكبرى؛ تلك التي غادرها والدها وهي طفلة واعدة كانت تنتظر هذه اللحظة لتخبره أنها أوفت بوعدها القديم، وأصبحت طبيبة، وأنها تزوجت، وأن له الآن أحفادًا..  لكن الكلمات تجمدت على شفتيها أمام نظراته الفارغة التي لم تدرك من تكون.

أما الزوجة..  تلك التي كانت في كل مساء تعطّر خصلات شعرها بعطر الياسمين الذي يحبه، تيمّنًا بليلة اللقاء، فقد وقفت كغريبة تفوح منها رائحة الذكريات، دون أن يوقظ العطر في روحه الساكنة أي أثر.

وفي خطوة متثاقلة تقدم الأب الذي فقد بصره من طول البكاء..  لم يكن بحاجة إلى عينيه ليعرف ابنه؛ امتدت يداه المرتعشتان لتتحسسا وجهه، وتحركت أصابعه فوق وجنتيه، لتصطدم بتجاعيد خشنة وعميقة حُفرت تحت العينين؛ تجاعيد غريبة على عمره، لكنها تختزل كل العذاب الذي مرّ به.

ولم تكن بعيدة عنهم ابنة الجيران، التي أضناها انتظار السنين على عهد الطفولة. غطّى الشيب رأسها، وحاصر السواد عينيها من طول السهر والترقب، لتجد أن من انتظرته لم يعد يذكر حتى اسمها.

كان الجميع ينتظر بلهفة؛ لأنهم يتذكرون، لأنهم يحملون تفاصيل الماضي، ويظنون أن العائدين يشاطرونهم تلك الذاكرة..  لكن في لحظة اللقاء الحاسمة، خاب الأمل، وتلاشى الحلم.

لقد اكتشف الجميع أنهم لم يستعيدوا أحباءهم الذين يعرفونهم، بل استعادوا أمواتًا أُجّل موتهم ليس إلا؛ عادوا بذاكرة خاوية، لا تحمل سوى ندوب كثيرة في الجسد تأبى أن تُمحى، وخدوش غائرة في الروح لا يستطيع أي علاج أن يخفف من وقعها.

حينها..  كان صاحب العيون السومرية قد غادر الحياة، وتوقفت الحكايات، ولم يعد لذلك الدار أملٌ في عودته.

تجمدت الأبواب، ولم يعد يطرقها سوى الريح، تلامس أنفاس الفراتية البيضاء، وهي تراقب مشهد المدينة من نافذتها المطلة على تلك الساحة الأم؛ الساحة الكبيرة التي شهدت دموع الجميع منذ بداية الحرب، واستقبلت الصناديق والأسرى.

لكن الساحة مثل قلوبنا، لا تحتفظ بكل ما مرّ بها..  تمرّ عليها الذكريات كما تمرّ الريح على وجه الماء؛ تترك أثرًا للحظة، ثم تمضي.

ففي المكان ذاته الذي انكسرت فيه أصوات الأمهات، وانتظرت فيه العيون وجوه العائدين، كان أولاد المدينة يركضون كل يوم، يتقاذفون كرة القدم، وتتردد ضحكاتهم وخلافاتهم الصاخبة، ويقف الحكم المنحاز لابن المختار ليقسم بأن فريقه هو من سجل الهدف، رغم أن عيون الجميع رأت التسلل الواضح.

وهكذا بقيت الساحة شاهدةً على كل شيء؛ على من رحلوا، وعلى من عادوا ولم يعودوا كما كانوا، وعلى قلوبٍ تعلّمت أن تواصل الحياة فوق طبقاتٍ من الذاكرة المنسية.

***

د. نسرين ابراهيم الشمري

عَــيْــنَاكِ أَسْــئِلَةٌ تُــرِيدُ جَــوَابَا

فَــعَلَامَ تُــغْلِقُ لِــلْهَوَى الأَبْوَابَا؟

*

أَخْــفَتْ بِــمَكْرٍ لَــوْعَةً وَصَبَابَةً

فَفُضِحْنَ حِينَ الدَّمْعُ مِنْهَا انْسَابَا

*

ظَــنَّتْ بِــأَنَّ الــكِبْرِيَاءَ يَصُونُهَا

وَبِــأَنَّــنَا لَا نَــعْــرِفُ الأَسْــبَابَا

*

مَــــا لِــلْــجُفُونِ الــنَّــاعِسَاتِ

كَــأَنَّهَا كَــتَبَتْ بِأَيَّامِ البِعَادِ كِتَابَا

*

يَــرْوِي فُصُولاً مِنْ حَنِينٍ مُوجِعٍ

وَيَــصُبُّ فِي كَأْسِ الحَبيبِ عِتابَا

*

كُــنَّا كَــرِيشٍ حَــرَّكَتْهُ زَوَابِــعٌ

هَــلْ يَــسْتَقِيمُ بِأَنْ نَعِيشَ سَرَابَا؟

*

يَا مَنْ حَجَبْتِ النُّورَ عَنْ مِحْرَابِنَا

هَــيَّا نَــعُودُ وَنَــدْخُلُ الــمِحْرَابَا

*

قَــلْبِي يَــدُقُّ عَــلَى جِدَارِكِ لَهْفَةً

فَــتَــلَطَّفِي، لَا تَــتْرُكِيهِ مُــصَابَا

*

فَــالحُبُّ سُــلْطَانٌ إِذَا نَادَى النِّدَا

جَــعَلَ الــقُلُوبَ العَاصِيَاتِ تُرَابَا

*

فَــافْتَحْ لِأَنْــسَامِ الــوِصَالِ نَوَافِذًا

وَاجْــعَلْ حَدِيثَ العَاشِقِينَ شَرَابَا

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

أحيانًا

حين أعدُّ ما تبقّى من صبري

كما تُعدّ امرأةٌ نقودها الأخيرة

قبل آخر السوق

أفكّر:

ماذا لو…

لو أنّني بدل أن أدخلَ مؤسسةً فاشلة اسمها “زواج”

(كانت تحمل لافتةً براقة

وتبيع الوهم بالتقسيط)

اشتريتُ بقرتين…

وعجلًا صغيرًا

بعيونٍ جميلة أصدق من كلّ الوعود؟

في تلك الحياة البديلة،

كنتُ سأستيقظُ باكرًا

لا على خلافٍ مؤجّل

او على دموع تبلل الوسادة

بل على خوارٍ واضحٍ وصريح: يقول

“أنا جائع”

لا يحتاجُ إلى تأويل

ولا جلسةِ مصارحة

كنتُ سأعرفُ

أن الحليبَ

لا يكذب

وأنّ العشبَ

حين يُعطى

يعودُ لحمًا

لا كلماتٍ مُهدورة

كنتُ سأسمّنُ العجول

بدل أن أُسمّنَ الخيبات

وأحلبُ

دلاءً من يقين

بدل أن أعصرَ قلبي

قطرةً… قطرة

وفي المساء،

أجلسُ على باب الزريبة

أعدُّ أرباحي

لا خساراتي

أقول لنفسي:

“ما شاء الله…

هذه البقرةُ

لم تخنّي اليوم”

ثم أنظرُ إلى رأسي

شَعرٌ أبيضُ

لكنّهُ أبيضُ من بردِ الفجر

لا من احتراقِ الأعصاب

أبتسم:

“لم أصلْ بعدُ إلى الخمسين

لكنّي وصلتُ

إلى حسابٍ بنكيٍّ

يفهمني أكثر من البشر”

لكن…

في هذه الحياة،

أنا هنا

مع ولدٍ

يأخذُ منّي ملامحي

ولا يأخذُ راحتي

وبنتٍ

تسرقُ قلبي

ثم تعيدهُ لي

مليئا بالحبّ

ومع ليالٍ

لا تُحلب

بل تُعاش

سهرًا

وتعبًا

ومصاريفَ لا تُدوَّن في دفاتر

أضحك أحيانًا

ضحكةً فيها شيءٌ من السخرية

وشيءٌ من الاستسلام

وأقول:

“يا ليت…”

ثم أتذكّر

أنّ “يا ليت”

لم تُعمِّر يومًا زريبة

ولا ربّت عجلًا

ولا أعادت وقتًا

فأغلقُ الدفتر

وأفتحُ قلبي

على ما كان

وما هو كائن

وأتمتم:

“خسرتُ مشروعًا مربحًا…”

لكن ربحتُ فوضى لا تُباع

وحياةً لا تُحلب لكنّها…

تنبض..

***

وفاء كريم الفرشيشي

كلما أعدت ترتيب مكتبتي اختفى كتاب وظهر سؤال

لم يسرقه أحد

الأسئلة وحدها تعرف كيف تبدل أماكن الأشياء

ذات فجر

وجدت المرآة تنظر إلي باستغراب

كأنها تتذكر وجهاً تركته فيها منذ أعوام ولم أعد لإستعادته

في ذلك الصباح

فهمت أن الأعمار لا تمضي على الأجساد

إنها تمر على ما كنا نظنه يقيناً

أول من اكتشف النار

لم يكن يبحث عن الدفء

كان يفتش عن معنى يبدد عتمته

ومنذ تلك اللحظة

صار الإنسان يرث الرماد أكثر مما يرث اللهب

قرأت كثيراً عن المدن التي سقطت

ولم أجد مدينة هزمها الغزاة قبل أن يهزمها الوهم الذي سكن أسوارها

بابل لم تكن حجارة

كانت فكرة

وحين صدقت أنها بلغت السماء

بدأت تتشقق من الداخل

لهذا أخاف من الامتلاء

الأواني الممتلئة لا تسمع صوت المطر

والأشجار التي تظن أنها بلغت أقصى العلو

تنسى أن الريح تبدأ امتحانها من القمم

كل الذين عبروا حياتي

تركوا أسماءهم عند الباب

أما ظلالهم

فبقيت تتجول في الغرف

تبدل أماكن الكراسي

وتفتح النوافذ في الليالي التي لا تهب فيها الريح

لم أتعلم شيئاً من الوقت

الوقت يبدل التقاويم فقط

أما الذي علمني

فكان غياباً عرف كيف يكتب على جدران الروح

دون أن يستعير طباشير أحد

لهذا

كلما سألني أحد عن عمري

تذكرت أول فكرة ماتت في رأسي

وأدركت أن الإنسان لا يكبر بعدد السنوات

إنما بعدد الأوهام التي يدفنها بيديه

***

مرشدة جاويش

 

العُكَّازُ...

لَمْ يَعُدْ يَذْكُرُ الغَابَةَ.

السُّوسُ

يَكْتُبُ سِيرَتَهُ

دَاخِلَ الخَشَبِ...

وَالزَّمَنُ

يَكْتُبُ سِيرَتَهُ

دَاخِلَ العَظْمِ.

كِلَاهُمَا

يَتَفَتَّتُ

بِالإِيقَاعِ نَفْسِهِ.

خُطْوَةٌ...

وَيَتَنَاثَرُ مِنْهُ

غُبَارُ سَنَوَاتٍ.

خُطْوَةٌ أُخْرَى...

فَيَسْقُطُ عُمْرٌ كَامِلٌ

دُونَ ضَجِيجٍ.

يَنْظُرُ إِلَى يَدِهِ.

لَا يَعْرِفُ...

أَهِيَ الَّتِي تُمْسِكُ العُكَّازَ،

أَمِ العُكَّازُ

هُوَ الَّذِي يُسند آخِرَ مَا تَبَقَّى مِنْهُ؟

***

مجيدة محمدي

الهزيمةُ الأولى... وامرأةٌ تُعيدُ القلبَ إلى الحياة

كانتْ هزيمتي الأولى حينَ أحببتُكِ، حينَ وضعتُ قلبي على مائدةِ الضوءِ وتركتُ للريحِ حقَّ أن تعرفَ كم كان هشًّا هذا الكنزُ الصغير.

*

لم أكنْ أعلمُ أنَّ القلبَ حينَ يفتحُ أبوابَهُ على مصراعيها لا يستقبلُ الربيعَ فقط، بل يسمحُ للعواصفِ أيضًا أن تحفظَ أسماءَها على جدرانه.

*

كانتْ الضربةُ الأولى موجعةً، كأنَّ السماءَ أسقطتْ نجمةً من أجلِ أن تُعلِّمَ الليلَ معنى الظلام، وكأنَّ البحرَ فقدَ موجتَهُ الأولى فعرفَ بعد ذلك كيفَ يحملُ السفن.

*

لكنني بعدكِ... تعلّمتُ أنَّ الجرحَ ليسَ دائمًا عدوًّا، فبعضُ الجروحِ نوافذُ سرّيةٌ تدخلُ منها الروحُ إلى ذاتها.

*

اعتدتُ على غيابِ الأشياء، لكنني لم أعتدْ على غيابكِ، فبعضُ النساءِ لا يرحلنَ حينَ يبتعدن، يبقينَ مثلَ عطرٍ عالقٍ في قميصِ الذاكرة.

*

يا أنتِ... يا امرأةً جاءتْ من جهةِ الحلمِ لتضعَ يدَها على قلبٍ متعب، لم تكوني انتصارًا على الهزيمة، بل كنتِ المعنى الذي جعلَ الهزيمةَ ضرورية.

**

فالهزيمةُ الأولى كانتْ الأكثرَ ألمًا، لأنني يومها فقدتُ وهمَ الخلود، لكنني بعدها تعلّمتُ أنَّ القلبَ الذي يسقطُ مرةً يستطيعُ أن يُنبتَ جناحين.

وأنَّ الحبَّ الحقيقيَّ ليسَ وعدًا بألّا ننكسر، بل يدٌ تمسكُ بنا حينَ نعودُ من حروبِنا الداخلية محمّلينَ بالغبارِ والندوب.

*

تعالي... لنكتبْ معًا على جبهةِ الزمنِ قصيدةً لا تعرفُ الهزيمة، فأنا لم أعدْ ذلك القلبَ الذي خسرَ معركته الأولى، أنا القلبُ الذي عرفَ بعدكِ أنَّ أعظمَ الانتصاراتِ أن يجدَ الإنسانُ إنسانًا يستحقُّ أن يُهزمَ من أجلهِ... ثم يولدَ من جديد.

***

بقلم: كريم عبد الله

بغداد - العراق

 

على ضَفَّةِ النَّهْرِ

يَرْتَقِبُ الْحَجَلُ السُّفُنَ الْقَادِمَهْ،

و صَحَارَى بصدري

تَنُوءُ بها رِئَتَايَ وتَشْقَى.

و في الْقلْبِ

مِجْمَرَةٌ ونُهُورٌ مِنَ الْحَسَراتِ.

و فيه عواصِفُ تَرْغُو وتَقْسُو،

فتَسْرِي بعيْنِي

عناقيد ليْلٍ

و يَنْبُتُ في مُقْلَتَيَّ السَّرَابُ ويَلْظَى.

و فيها تَئنُّ قُطُوفُ السَّمَاءِ وتَخْبُو.

أَعُدُّ جُسُورَ الرِّمالِ

على مَرْفَإِ الْعُمُرِ الْمُتَرامي،

وفيها تَضِجُّ الْخُيولُ

بِرَاياتِ هَمْسٍ تَأَسَّى.

وأَرْتُقُ عشبَ الْحنينِ بِسُهدي وأَصْبُو …

فَتَصْحُو بِوَجْهِي

شظايا الْمَرَايا،

و تَصْهَلُ في قَدَحِي

رَجْفَةُ الْجُوعِ والْكَدَمَاتِ.

فأَنْسِجُ مِنْ عَطَشِي

صَبْرَ خَيْلي ودمعي

ولا قَوْسَ منكمْ

عليه أَشُدُّ وأسْرِي

ولاجِسْرَ منكم

إليه أَفِرُّ فَأَرْضَى.

*

و يَهْمِي رَمَادُ الْعُرُوبَةِ ، يا عَرَبًا،

وَجَعًا وأَنِينًا.

و يَسْأَلُني عن شُجُونِ الْمَرَايا

و يَحْرِقُنِي.

*

تَفِرُّونَ مِنْ قَدَحِي

و تَهِيمُونَ بالْبُعْدِ عنْ خيْمَتِي.

تَفِيئُونَ - أَنْتُمْ - على الشَّوْكِ

بالْوُدِّ والْقَهَواتِ،

و كأسي يُوَشِّي دُجَاها مَناضِدَكُم

بسُهادي.

يُها الْقَوْمُ طابَتْ دَفَاتِرُكُمْ

و تَشَظَّتْ يَديَّ.

تَشَظَّتْ يَديَّ،

و لكنْ، رَمادِي هَوَاهُ الْمَدَى .

أنا للقَدَاسَةِ عُنْوانُها وعبير مَنَابِعها.

أنا ظمَأُ الْبَحْرِ

تُلْهِبُهُ دَمْعَةُ الْارْتِياعِ.

أنا كَمَدُ الْحِبْرِ

يَنْهَشُهُ التَّوَهَانُ.

عِطَافُ النَّخِيلِ، أنا،

و الْجَريدُ أُدَثِّرُهُ.

أنا هاهنا السِّنْدَيانُ

و لستُ أَهابُ اللَّظى،

مِثْلَ يَقْطِينَةٍ

فَيْؤُها لِمَواجِعِكُمْ بَلْسَمٌ.

أنا يادثاري رُضابُ السَّماءِ

على صَفَحَاتِ الضَّنَى،

صَرَخاتُ الْمنافي، أنا، وخُدوشُ الْعُرَى،

هَمَساتُ الضِّياءِ، أنا،

و الظِّلالُ لِسِرْبِ الْيَمام.

و إنّي كَزَنْبَقَةٍ يَمَّمَتْ مَسْبَحًا لِلطُّيُورِ

لِتَخْبِزَ نُورًا لِسُنْبُلَةٍ في كُهُوفِ الرَّدَى .

*

أَلَسْتُ أنا الشَّهْقةَ الْبِكْرَ لِلْفجْرِ

في أَرْضِكُمْ؟؟؟

أَلَسْتُ أنا شَفَةَ الشَّمْسِ

تَرْوِي سنابِلَكُمْ؟؟؟

فَتَبًّا لِقَوْمٍ هَوَاهُمْ رِكابٌ ونَرْجِيلَةٌ،

و خِدْري أراه مَرَاتِعَ ريحٍ سَمُومٍ ومِقْصَلَةٍ.

***

بقلمي: هادية السالمي - دجبي / تونس

رماد الغابة وقلاع الجسد المتهالك

الفصل الأول: من رواية قيد الانجاز

***

انكشفت الغابةُ أمام ناظري ندى كأنها كيانٌ هلاميٌّ وُلد من رَحِم العدم، متراميةً في امتدادٍ موحشٍ يلفظُ أنفاسَهُ الباردة تحت سماءٍ شتويةٍ رصاصية.

بدت تلك الأشجار العجفاء، التي عرّاها الصقيعُ من خُضرتها، كأطرافِ وحوشٍ كاسرةٍ تجمَّدَت في وضعيةِ الهجوم، تتحيّنُ لحظةَ انقضاضٍ على طريدةٍ ضلّت طريقها في ممرّات الحياة. بالنسبة لندى، كانت تلك البقعةُ الجغرافية، لا مكانًا سرمديًا، كأنها فجوةً زمنيةً سقطت فيها الطبيعةُ فاستحالتْ لوحةً من الرمادِ والموتِ الصامت.

كانت ندى تمشي في هذا الفراغِ الكونيّ، تقتفي أثرَ عزلتها التي أصبحت رداءها الوحيد منذ أن وطأت قدماها عتبةَ المصحّة. في كل صباح، بعد أن يفرغَ جسدُها من روتينِ الفحوصاتِ الصارم، وتتجرّع رتابة الإفطارِ الجماعي المغموسِ ببرودِ الوجوه، كانت تفرُّ من الحشود، إذ لم تكن تملكُ ترفَ الانتماءِ لنشاطاتهم، فجسدُها الواهنُ لم يعدْ يطاوعُها، وروحُها التي أنهكها التوجّسُ صارت ترى في الوجوه الجامدة عبئًا لا يُحتمل. لذا، آثرت الانكفاءَ خلفَ جدارِ صمتها، وجعلت من هذا الطوافِ اليوميّ في الغابة طقسًا للتطهّر، وملاذًا أخيرًا تحتمي فيه من سطوةِ الرقابةِ التي لا تنام.

ولكي تروّض وحوشَ القلقِ الكامنة في صدرها، وتكسر حدّةَ الصمتِ الذي ينهشُ أطرافَ وعيها، كانت تلجأُ إلى مناجاةِ ذاتها. كان صوتُها الخافت في برودةِ الغابة هو الجسرَ الوحيد الذي يربطها بهويتها المهددة بالذوبان. في تلك اللحظات كانت تعيشُ صراعًا إنسانيًا مريرًا، شاعرةً بأنها مراقبةٌ حتى في أقاصي أحلامها، فعيونُ الرقباء المتمثلة في مئاتِ الكاميراتِ المبثوثة في كلِّ زاوية من زوايا المصحّة، وأعين الموظفين التي تشبهُ في جمودها زجاجَ النوافذ، كانت تلاحقُ أدقّ نبضاتِ قلبها.

كانت المصحةُ تتعاملُ مع كيانها كمجردِ رقمٍ مدوّنٍ في إضبارة، أو كعائدٍ استثماريٍّ يضمنُ تدفقَ الأموال في الخزائن، لتُحقنَ يوميًا بجرعاتٍ من السكونِ الكيميائيّ القسري. تلك الأقراص الملونة التي كانت تُقدَّم لها بعد كل وجبة، كقربانٍ يُذبح فيه وعيها، كانت تمثل لها العدوَّ الحقيقي. كان الممرضون يمررونها كقضاءٍ مبرم، بلا نقاشٍ أو رحمة، آمرين إياها بابتلاع "النسيان" في هيئةِ حبوبٍ علاجية.

لكنَّ ندى، بذكاءِ الطريدةِ التي ترفضُ الاستسلام، دأبت على ممارسةِ أحدِ أغرب أنواعِ المقاومةِ الصامتة، كانت تتحايلُ على العيونِ المتربصة، وتخفي تلك السمومَ الملونة في تجاويفِ كفّها أو تحت لسانها بمهارةِ حاوٍ محترف، وتصطحبها معها في نزهتها الصباحية نحو جوف الغابة. هناك، بعيدًا عن حيزِ السيطرة، تفتحُ يدها وتنفضُ عنها تلك القيودَ الكيميائية، تاركةً للترابِ أن يبتلعَ ما أُريدَ لوعيها أن يبتلعَه. كان التخلص من تلك الحبوبِ في نظرها فعلً مقاومة، واستعادةً لمساحةٍ من الحريةِ المنهوبة، وكأنها بكلِّ قرصٍ ترميه، تغرسُ بذرةً من يقظتها الخاصة في طينِ الغابةِ البارد، ثم تعودُ أدراجها نحو المصحّة متلفعةً بهدوءٍ ظاهر، تحملُ خلفَ عينيها سرَّها الصغير الذي لم يكتشفه أحد، سرَّ الإنسانِ الذي يأبى أن ينامَ منقادًا، حتى وإن كان العالمُ كلهُ يتآمرُ لإغماضِ جفنيه.

جُبلت ندى منذ نعومة أظفارها على التماس السكينة ملاذًا وادعًا، مائلةً بطبعها إلى الصمت، متفاديةً لغط الحياة ومزالق الخصومة وصخبها. ملامحها السّمراء التي تفوح بهدوءٍ صوفيّ، وعيناها اللوزيتان اللتان تكتنزان بريقًا غامضًا، وشعرها الفحميِّ الجعد المحيط بوجهها كإطارٍ من أبنوس مصقول. كانت تبدو كطيفٍ يأنس بالظل، طيفٍ يخطو الهوينى فوق حواف الوجود، متسلحًا بالحذر كدرعٍ يقيها عثرات الزمن ومجاهل الغيب التي لطالما استشعرت ريبتها.

حين أزهر الحب في حناياها، وزُفت إلى جار صباها احمد لترتحل معه إلى مدينته البعيدة، استبشرت خيرًا وظنت أنها أرست ركائز حصنها المنيع. بيد أن الأقدار خبأت لها خلف جدران ذلك البيت ضيقًا لم تحسب له حسابًا. تجرعت مرارة الجفاء وفظاظة عبارات أهله ونفورهم منها، لا لجرمٍ جنته، وإنما، فقط، لكونها تنتمي في عُرفهم إلى فئةٍ وطائفةٍ وُضعت في خانة الآخر الغريب. وفي عتمة تلك الغربة، قوبلت وداعتها بإعراض صارم، فانتصبت كشجيرة ياسمين برية تطاول الأنواء وتجابه الريح العاتية بثباتٍ صامت، متمسكةً بوهج روحها وحبها، لتبقيه حيًا ومشتعلًا وسط أتون الضغائن المتراكمة.

ومع تباشير عقد الثمانينيات، ارتدى العراقُ عباءةً من الذعر والهلع، إذ أخذت السلطةُ الحاكمة آنذاك تبسطُ ظلالَها الثقيلة على البلاد، ملاحِقةً كلَّ صوتٍ ينشدُ التمايز، ومتعقبة كل مَن نأى بنفسه عن الانضواء تحت راية الحزب الأوحد الذي دانت له المقاليد. وفي تلك الأيام القلقة، انفتحت بواباتُ الحرب الضارية مع الجارة إيران، لتلتهم على مدار ثماني سنواتٍ عِجاف زهرةَ شباب الوطن في خنادق الجبهات، تاركةً خلفها جراحًا غائرة في كل بيت.

ومع تطاول أمد القتال وتعاظم الفقد، اختار الكثير من الجنود النجاة بأرواحهم بعيدًا عن جبهات المحرقة، وكان زوجها أحمد في طليعة أولئك الذين آثروا الحياة على الموت المجاني، ليمسي بين ليلة وضحاها مطاردًا تتربص به عقوبة الإعدام. وتحت وطأة هذا المصير الراعف، وعوضًا عن الاستسلام لليأس، انبعثت في روحيهما قوةٌ خفية وجسارة استثنائية، ففي ليلةٍ سديمية غاب قمرها، حزمت ندى حقائب الأمل وتسللت معه عبر المسالك الوعرة، متجاوزين بأعجوبة شِباك الملاحقة، يدفعهما عنادٌ فطريّ وتوقٌ جارف نحو فضاءٍ أرحب يضمن لهما كرامة العيش وبناء الغد من جديد.

كانت رحلةً مضنية، شقّا فيها عباب المخاطر وتوسّدا القلق الساكن في الضمائر، حتى بلغا أخيرًا ملاذًا آمنًا في أقاصي أوروبا. هناك، تحت سماء القارة الباردة وفي فيئها الرحب، تنشقت ندى عبير الاستقلال لأول مرة، وانفتحت أمام ناظريها بوابات الطموح التي ظلت موصدة لردح من الزمن؛ فأقبلت على مناهل العلم والتحصيل بشغفِ مَن يستردُّ إرثا مسلوبًا، مواصلةً دراستها بعزمٍ وثاب، كأنها تعيد صياغة كينونتها وتبني صرح ذاتها من جديد، متطلعةً بيقينٍ وعينين تترقبان فجرًا أكثر إشراقًا.

غير أن رياحَ الواقع كانت تملكُ مخططاتٍ أخرى. وجَدت نفسَها أمام استحقاقاتِ الأمومةِ ورعايةِ الأطفال ومسؤوليات البيت، فآثرت، بتضحيتها المعهودة، أن تُرجئ أحلامها الأكاديمية لتنخرط في سوق العملِ: عاملة في أحد المتاجر، محولةً كفاحها من منصاتِ العلم إلى كدّ الحياة اليومي، دون أن تفقد تلك المسحةَ من النبلِ والهدوء التي رافقتها منذ الصبا، كيقينٍ لا تزعزعه الغربةُ ولا تنالُ منه السنون.

على النقيض من انكفائها الاضطراري عن أحلامها، اختار زوجُها أن يمتطي صهوةَ طموحه، ممعنًا في تسلّق درجاتِ الدراسات العليا، يحدوه أملٌ مَرَضيٌّ في بلوغ سُدّةِ الوجاهةِ والمقامِ المرموق. وبدلًا من أن تثنيها أنانيتُه، انبرت تشدُّ على يديه بوفاءٍ باذخ، جاعلةً من عملها الضوء الذي ينير له دربه نحو غاياته، فاستحالت حياتُها دوامةً لاهثةً لا تهدأ، تعملُ في اليوم اثنتي عشرة ساعةً أو أكثر، منذ انبلاجِ الفجرِ الواثق وحتى مغيبِ الشمسِ المنهكة، تلملمُ بأصابعها المتعبة تكاليفَ العيش وتذللُ له العقباتِ.

بيد أن هذا الفيضَ من التضحية لم يُقابَل بعرفانٍ يبلُّ صدى روحها، بل اصطدم بجدارٍ صلدٍ من التعالي، إذ راح الأكاديميُّ المرموق ينسجُ من خيالاتِ غوايتِهِ الفكرية سياجًا يفصله عنها، وباتَ يرتجفُ خجلًا من مهنتها كبائعةٍ بسيطة، متناسيًا أنَّ لقمةَ فخرهِ ومِدادَ أبحاثه لم تكن إلا من عرقَ جبينها وتيبُّسَ أطرافها في عمل المتجرِ.

لقد حمل الزوجُ في حقائبِ رحيله كلَّ عللِ البيئةِ التي نشأ فيها، وكان أقساها تلك الغيرة وذلك الشكُّ القاتل الذي لم يكفَّ عن اتهامها به، حتى مع أقرب الناس صلةً إليه او إليها، فجاءت نرجسيّتُه خليطًا مشوَّهًا من ثقافةِ التسلّطِ القديمة وزيفِ الحداثةِ الأكاديمية. لم يخلعْ عنه يومًا معطفَ الريبةِ العمياء، ولا تخلّى عن شهوةِ اللومِ التي كانت تقتاتُ على أدقِّ التفاصيل وأتفهها. باتَ يرميها في كلِّ سانحةٍ بسهامِ التقصير، متهمًا إياها بإهمالِ مملكتها الصغيرة، مدعيًا أنه الراعِي الوحيدُ للأبناء، بينما هي ليست سوى جسدٍ ناضبِ الطاقة، دائمِ الشكوى والأنين.

ولعلَّ أنكى جراحهِ كان استكثارهُ عليها أنفاسَ الحريةِ الضئيلة. كان يرى في رغبتها في التأنقِ، أو تطلعها لسهرةٍ عابرةٍ في عطلةِ نهايةِ الأسبوع مع زميلاتِ العمل، تمردًا جامحًا وانفلاتًا يُحاكُ على حسابِ سمعته، ووقارهِ وحقوقِ أطفاله.

وهكذا، تسللت السنونُ كالرمل من بينِ أصابعها. كبرَ الأولادُ في ظلِّ هذا الصراعِ الصامت، فيما راحت وشائجُ العلاقةِ تذوي وتشحبُ كأنها نبتةٌ حُرمت الضوءَ والماء. تحولَ ذلك الدفءُ الذي كان يومًا ملاذَ ندى وعزاءها الوحيد في صقيعِ الغربة إلى صقيعٍ داخلي أشدَّ قسوة، وبرودٍ قاتلٍ جمدَ الضحكاتِ على الشفاه، واستبدلَ لغةَ الأرواحِ بضجيجِ اللوم أو صمتِ الجدران.

ومع تراكمِ الخيباتِ وانحناءِ الظهرِ تحتَ أثقالِ المسؤولياتِ المزدوجة، بدأت قلاعُ جسدها ونفسها بالتهاوي؛ فاضطرابُ الروحِ لم يجدْ بدًّا من أن ينضحَ على الجسدِ المنهك، وتفاقمت أوجاعُها حتى غدت ندى محضَ خريطةٍ من الآلامِ المستعصية. لم يحتملْ كيانُها المتهالكُ مزيدًا من الصبر، فانفجرَ الوهنُ في مفاصلها، وجرّها الألمُ مرغمةً إلى مشرطِ الجراح، لتخضعَ لعمليةٍ دقيقةٍ في عظمةِ الكتفِ التي أصابها الارتخاءُ والكلال والاثقال، كأنما أرادَ جسدُها أن يعلنَ صرختهُ الأخيرة: إنَّ الكتفَ التي حملتْ أحلامَ الآخرين طويلًا، لم تعدْ تقوى حتى على تحملِ القليل من الوجع.

تابع

***

سعاد الراعي

أهلي

بيتي

مرّ الكل خفافا

بين خرائب تحت رداء الليل

تماهت بالصمت

دمٌ

وعواءٌ للذئب يؤثثه

نسَق الحالات

وأرغفة لا تتناسل قطّ

إذا نزحتْ

ما يبدو للعين هو الملجأ

لا قمرَ يبلله الآن

ولا بعدَ الآن

لقد أخذ الطين يكونُ

والمشهد يكتمل:

غراب وامرأة...

هي منحنيات شتى والمقصود

وليدٌ بين الأنقاض

يفيض بأغصان الزيتون

لينبلج البستان

لذا فالحفلة فد بدأت أمسِ

ولم ننته بعد لحد الآن.​

***

مصطفى معروفي

أشحَذُ عَيْني

وأبحَث بيْنَكَ

فلا أَجِدني

كانَ مايُؤرِق غرابَتَنا

صوْتك وَهو بِصَداه

يُمْسِك ألوَان قِيامَتي

ويَرشِقها

كانَ على الجِدارِ المُقابِل لحَنيني

نَجمٌ يَتَسَربَل بِفَوضى العاشِقين

ويُومِئ بِأطرافِ قَصائده

على جَسَدي

كُنتُ مُرتَبِكة وَالأَوراق

البعيْدة

لطَيرٍ غائِب

تَتقَلب بَين جَوارِحي

لمْ أنسَ

بِأَنكَ أطلَقتَ النارَ على

تلك الأَوراقِ

وَأَشْعَلت كَوْكَباً

سَقَطَ للتَّو عَلى

مخَيلَتي

فيْ تِلكَ الهُنَيهة

عَصافيركَ

التي خَلَقناها مَعاً

لَمْ تَعُد مِن وَحشَتها

بل حاصَرَت

ما بَينَنا بِصَهيْل

يُشبِه العُذوبة وَالعَذاب

هَل نُدمِن الفُراق

وَنَبتَكِر لهُ أَعياداً

أَم نُشعِل ألفَ شَمعَة

لِعَودة النَوارِس

أُراهِن بِأَنّ زَمَناً

لللازَورد سَيَرتَكِب

ما غَابَ مِنْ اللُغة عَنّا

وسَنتَقَلَّد قَناديل

لم يَرَها أَحَد

تُضِئ مَشاوِير الزُرقة

وَتُبحِر في اللامَكان

أيُّها الواقِف

على حفِيفِ ما يُسَمى

الهاوِية

سَأنساكَ بَعيْداً

وأَصعَد شَأني

***

مرشدة جاويش

.......................

* من مجموعتي: هواجس الحنايا، حلب / دار نون/

قبل أن أولد، كان الحب قد سبقني إلى العائلة.

لا أعرف إن كانت العائلات تورّث الحب كما تورّث لون العينين، لكنني وُلدت في بيتٍ كان الحب فيه يُعامل كقدر، لا كاختيار.

كان جدي يعشق جدتي. كان يصعد الجبال ليقطف لها الزهور البرية ويعود بها إليها، كأن الطريق كله لم يكن سوى ذريعة لوردة.

وجدتي، التي كانت تعمل في فرنسا، وتعيش حياةً أكثر رفاهية، تركت هناك الملابس الجميلة والعطور والعمل، وعادت إلى قريتها لتتزوج رجلًا فقيرًا، لأنها ببساطة... أحبته.

حتى اسمي لم يسلم من ذلك العشق.

حين ولدت سمّتني أمي "وفاء"، لكن جدي كان يناديني "صفوة". كان اسم جدتي صفية، ويبدو أنه أراد أن يعيش معها مرتين؛ مرةً في زوجته، ومرةً في حفيدته، ليصبح في البيت صفية... وصفوة.

وأذكر أن جدتي كانت، كلما خرج جدي من المنزل، تدس في يدي قطعة حلوى، وتطلب مني أن أمشي خلفه خطوات قليلة، لأرى أي طريق سلك. لم أكن أفهم شيئًا. كنت أظنها لعبة، ولم أعرف إلا بعد سنوات أنها كانت تغار من امرأة في القرية قيل إنها جميلة ويقصدها الرجال. كانت تريد أن تطمئن فقط أن رجلها لم يكن في طريقه إليها.

كبرت...

واكتشفت أن الحب عندنا لا يمر بأحد مرورًا عاديًا.

خالة أمي أحبّت زوجها حبًا جعلها ترى العالم كله فيه. وحين طلّقها لأنها لم تنجب، لم تفقد زوجًا فقط؛ فقدت عقلها أيضًا. صارت تطوف الشوارع طوال النهار، وتبيت أحيانًا في أروقة مستشفى الأمراض العقلية، كأنها ما زالت تبحث عن شيء تركته معه ورحل.

وخالتي الأخرى أحبت ابن خالتها حتى قررا الزواج. لكن، في اللحظة الأخيرة، أخبرتهما أمه أنهما قد رضعا من امرأة واحدة، وأنهما أخوان من الرضاعة. في لحظة واحدة، تحوّل الحلم إلى محرّم. لم تتزوج خالتي بعد ذلك أبدًا. غادرت إلى إيطاليا، وكأنها لم تكن تهاجر من بلد... بل من حياة كاملة.

ثم جئت أنا...

الوريثة الأخيرة لهذه السلالة.

لم أرث بيتًا، ولا أرضًا، ولا مالًا.

ورثت رجلًا يحمل الزهور من الجبال، وامرأةً تخبئ غيرتها في قطعة حلوى، وامرأةً فقدت عقلها لأنها فقدت حبها، وأخرى حملت قلبها إلى المنفى لأنها لم تستطع أن تدفن حبها في المكان الذي وُلد فيه.

ورثت كل هذا...

حتى صرت أخاف من نفسي.

أحيانًا أسأل: هل انا فقط من يحب؟

أم أن كل هؤلاء يحبّون داخلي؟

هل سأمشي يومًا في الشوارع كما مشت خالتي، أبحث عن رجل أخذ معه عقلي؟

أم سأغادر البلاد كلها، لأن مدينة واحدة أصبحت تضيق باسم شخص؟

أم أنني سأجد نهاية أخرى، لم يجرّبها أحد قبلي؟

لا أعرف.

كل ما أعرفه...

أنني لم أولد معتدلة.

ولدت في عائلة كانت تؤمن أن الحب لا يُعاش نصفه.

ولذلك...

كلما أحببت، أشعر أنني لا أدخل علاقة وحدي.

تدخل معي عائلة كاملة... بزهورها، وغيرتها، وجنونها، ومنافيها.

وأخاف...

أن أكون الوريثة الشرعية التي ستُكمل الحكاية.

***

وفاء كريم الفرشيشي

ذكرياتٌ جامعية

عن الحِزب واللّحم الطريِّ

***

لم أعد أحقدُ عليها

فالبُقعُ السودُ التي خلّفتْها على سطح الذاكرة

ليست آثارُ ما جرَّرَتْ وراءَها من الأخطاء

بل هي آثارُ من أسكروها بالحبر

لقد ألقتها العواصفُ بعيداً

وذَرّتْ بُذارَها في أرضٍ

لا تربطها بها علاقة قُربى

تُرى هل أطلعَ البُذارُ هناكَ لحماً طريّاً،

أم أشواكاً وسكاكين؟

تُرى من بين الظلال المتشابكة في عِراك

أينَ يتوارى ظِلّها الآن؟

لم يكن ظلّها أيامَ الجامعةِ كظِلالِنا المُنبطحةِ تحتَ الأقدام

كان صُلباً ومنتصباً كعمودٍ من الكونكريت

إذ زوَّدَها أخواها القياديَين في الحزب بسلاحٍ سِرّيٍّ

يجعلُ من البقّة طائرةً حربية

وكان لحذائيها على إسفلتِ مهابَتِنا نَقرٌ كالنُباح

فكنا نظنّ أنها ترتدي بقدميها كَلبَين

وتحاشياً للإصابة بالكَلَبْ

كنا نمرّ بها رافعين أيادينا إلى الأعلى

كي لا نضعَ كُرتَيها الخلفيتين في الهدف

**

وتحاشياً لكِلاب أخوَيها القيادييَن في الحِزب

لم نَجرُأ على تقمُّصِ أدوارِ القراصنة

للبحثِ تحتَ تنورتِها القصيرةِ عن الكَنز

لقد حَرمَنا الخوفُ من نِعَمٍ كثيرة

لكنّ صلابتها الثورية

كانت تحثّها على رفع تَنّورتِها إلى أعلى

ليتنفّسَ اللحمُ الطريُّ الهواءَ الطلق

ولتنفثّ رئاتُنا المحترقة الحَسرات

وتحتَ دُخانِ الحَسَراتِ كنا نتساءَلُ:

إذا كان الحزبُ يدعو إلى الشَفّافية

فما الحاجة إذنْ للملابس؟

**

لقد طَبَخَ الحزبُ اخويها على نار المبادئ

حتى إذا ما نضجا وأصبحا قيادييَن

عادَ ليأكُلَهُما

من دون أن يُلقي عظامَهُما إلى أهلهم

ليزرعوها

علّها تُنبتُ قيادِيَين حِزبييَن جديدين

وبتهشّمِ الظلالِ الكونكريتيةِ للأخوين

لم تعدْ تمتطي أنفَها الجَموح

وتختالُ عليه في أروقة الجامعة

بل تركتهُ يَبرُكُ

ليمتطيه الفرسانُ المبتدِئون

**

لقد أكَلَ الحِزبيون بعضُهُم بعضاً

بل أكلوا كلَّ من يطرقُ بابَهم

متوهِماً أنهُ بيتُ صديق

لستُ أدري

وأنا أقفُ اليومَ على تلٍّ من عظام المأكولين

ما مصيرُ التنورةِ القصيرة؟

إنْ كانتْ قد رُفعتْ علماً لدولةٍ ما

فذلك ما تستحقّهُ

أما إن كانتِ العثّةُ قد أكلتها

فربما يكونُ الحِزبُ قد كَسَبَ العثّةَ في التنظيم

***

شعر: ليث الصندوق

سيرة ذاتيّة لمعدن نفيس يدعى الذهب

على الرغم من أنّه لا يؤمن بتناسخ الأرواح لكنه وجد نفسه، هذه المرة، في حالة تجبره على أن يعتنق كلّ فكرة تجعله يعيش في تجليات مختلفة، وإن كانت غير متصالحة مع بعضها أغلب الأحيان.

اقتنع تماما وإلا سيضطر إلى الانتحار أو الجنون.

لا يؤمن بالأطباء النفسيين ولا يشعر أنّه ذو ثقافة واحدة.

مرة يصبح أمّيا عاجزا عن القراءة والكتابة..

وفي حالة أخرى متعلما أكمل الابتدائيّة يقرأ قراءة سطحيّة..

وتجتاحه لحظة غريبة فيرى نفسه ذا ثقافة عالية يعرف عدة لغات.

هو التناسخ.

والتقمص

وشيء مشابه لهما.

فهل يحتاج إلى طبيب.

لا يظنّ.

كما لا يرى بأسا في أن يخفي اسمه. لأنه وجد نفسه ذات يوم في أكثر من موضع وفي أزمنة متباعدة. وقد واجه قبل الذهب بل معدنا آخر سخّره لخدمته.

هو والحديد

في ذلك الزمان البعيد اعتنق المسيحية. كان ذكرا هو He تقول الخرافة إنّه قبل أن يحوّل الحديد إلى قفل سمع عن فارس أسود اللون في بلاد العرب التي سيذهب إليها محاربا. وقتها كان حاقدا على العرب والمسلمين ولم يصل من تاريخهم إليه سوى ملحمة عن فارس أسود البشرة كبّلوه بالحديد وعندما سمع صراخ حبيبته قطع السلسة، وانطلق لينتقم.

انفعل

ثار

اشتعل بالنخوة كالنار فذاب منه الحديد

طاوعه

الفارس الأسطورةُ

الخرافةُ

الحقيقةُ

مات منذ زمن.. قيل إنَّه اختلى بموضع فيه الأمان فجلس يبول، ومن سوء حظّ فارس الحديد الأسود أنّه لم يكن يعلم برجل ضرير اختبأ في حفرة. كان يطلبه بثأر، وحالما كشف صاحبنا الفارس الأسود عن عورته وأخذ بول. تحركت يد الموتور الأعمى.

لقوة الفارس الأسود كان يسمع خرير بوله.

ولقوة سمع الأعمى تحقق الثأر:

كانت يده تمسك بحجر قذفه بكلّ حقده وعزمه وقوته نحو خصيتي الفارس الأسود الذي سقط صريعا من غير حراك.

إنّها العورة.

العورة المكشوفة التي لم يسترها الحديد مثلما يستر صدر الفارس في الحرب.

الخوذة

الدرع

السيف.

في سالف الأيام كان الذهب يخصّ النساء وحدن.

المرأة

She

يزين النحور والصدور، والأصابع، وإذا تجاوز حدوده مع الرجال، فإنّه يمكن أن يتسلل إلى الفم. يدلف في سنّ منخور أو يزين فما قبيحا.

ولم يدخل سباقا مع الحديد. نعم دخل عند ال هو في سباق مع الفضة في أحد قصور الملوك بعد أن أخفق في أن يحمي عورة الفارس الاسود.

الملك هذه المرة أكل بملاعق من فضة وذهب.

فإلى هنا وقف الذهب عند حدّه وتخلى للحديد الذي سيرافق صاحبنا ال هو في رحلته الجديدة.

العودة الأولى

كان عليه أن يستفيد من خرافة الفارس الأسود الذي كسر الحديد فكشف عورته.. يستخلص عبرة تنفعه في كلّ تقمص يرتقيه فكّر في أن الأمر لا يحتمل التأجيل لاسيما حين كشفته روح لاحقة ورافقه حماس مفرط.. فكان أكثر جرأة وتصميما.. يعرف رموز الكيمياء ومعادلاتها ويتحلّى بفهم واسع يدفعه لأن يتعالى على الآخرين. سأل نفسه أيهما يحميك الذهب أم الحديد وأيهما يصون عرضك؟ لا عليك مما يقال.. خاطب نفسه لاعليك.. فقد رآى بعينيه كيف اختبأ الشيخ الأعمى الموتور في مكان ما قد يكون أجمة.. حفرة.. تلّا.. شجره وحالما كشف الفارس الأسود عن عورته واهتزت البولة من فرط قوته رماه بحجر..

عليه أن يفكّر الآن بثلاثة عناصر: الحجر، والحديد والذهب:

المعادلة الأولى:

الفارس الأسود قطع الحديد على وفق الخرافة ثمّ احتمى به.. فكان درعه ورمحه وسيفه.

المعادلة الثانية:

الفارس الأسود ذهب في مغامرة بعيدة يقال في بلاد الرافدين: جلب ذهبا كثيرا هدية من ملك العراق

أسورة

قلائد

خواتم..

أقراطا..

تزيّنت به حبيبته البيضاء ناصعة البياض.. جعلت مغانمه من ملك العراق على صدرها.. وفي يديها.. وحول عنقها.. وحين افتض الفارس بكارتها لم يترك أثرا آخر، فعلى هامش المعادلة لا تظهر أية شوائب تتعلق بأعضاء أخرى غير اليدين والصدر والأذنين والعنق. وهناك على الوجه الآخر للورقة التي كُتِبتْ عليها المعادلة، عبارة تقول يمكن للأم أن تبتاع من الصائغ لوليدها الذكر قطعة ذهب صغيرة تزيّن بها عضوه التناسلي، أما إذا كان المولود أنثى ففي هذه الحالة ننصحها أن تشتري لؤلؤا تعلقه في كتفها وترقصها وهي تغنّي:

ليلو ودندش له

بالعين أفرش له

هيله على النسوان جابن حسن مثله

التقمّص لا يشمل الذهب

الهو مازال فيه.. He قد يكون هو نفسه الفارس الأسود.. وربّما هو نفسه شخص آخر، فالتحولات شاهد عليه في أيّ زمان.. كان وقتها إلى حدٍّ ما ساذجا يلوذ بالحديد.. والآن عليه أن يغيّر الذهب.. مثلما تتقمص الأرواح أجسادا ليست لها فيعيش الإنسان في كلِّ عصر يمكن أن يتحول المعدن الخسيس إلى ذهب. سيقيم تجاربه على أخس المعادن..

هذا الملك الخليفة الشرير الذي يأكل بملعقة من ذهب لا غبار على نفاسته.. سوف يجعله يأكل بملعقة من ذهب أصلها نجاسة. يقدمها له هدية. ينقش عليها صورته.

سيدي جئتك بهذا المعدن البراق.. هدية لجلالتك.. ياصاحب الجلالة.. صاحب الجلالة هو من صنع يدي.. تحديت به أمهر الصاغة من صابئة مندائيين، ويهود محترفين، فلم يفلحوا في صنع مثله.

تحفة

لو اجتمعوا كلهم لعجزوا

أيها الناس، ياسادة.. كسرت احتكار هؤلاء.. أضحى على يدي الخسيس نفيسا فلن يتحكّم بعدئذ بالسوق أيّ تاجر.. ولا مرابٍ، فإذا مانجحت في تجاربي فلاتقدر أيّة دولة أن تحاصر أيّة دولة.. سوف سصبح لكلّ شئ قدر عال فلادنئ ولا وضيع، انتهى عصر الحجر مع مصرع الفارس الأسود.. وانتهى عصر الحديد مع تجربتي الآتية سألتقيكم في عصر آخر يسود فيه الحديد ولا ينفع إلا في حفظ العورات.

كان.. يلتقط كل ما يعثر عليه في طريقه ليجرب ما ذهب إليه ذهنه من حلم بعيد. أحضر مختبره.. وبدأ تجربته بالنحاس.. يحاكمه قبل أن يمسخه إلى معدن نفيس.. لست عدوك .. سأحاكمك فإذا مانطقت بالصدق حولتك إلى معدن آخر.. مادمت تصدأ فقد اقترفت جرما كبيرا.. الجنود الرومان الذين تناولوا طعامهم وشرابهم في أوعيتك سرى سمّ صدئك في أجسامهم.. قتلتهم وهم لا يدرون أنّك الفاعل.. والسيدات.. سيدات المجتمع.. النسوة الفقيرات.. النسوة المستورات. اقتحمت مطابخن بصدئك.. كنت تبدو أليفا رقيقا.. رشيقا.. لكنك قاتل محترف.. مجرم عتيد.. تأتي خلسة.. وقد جرى القضاء بحقك.. لن نعاقبك بمثل فعلك.. سوف نرفعك حسب التناسخ إلى معدن.. آخر.

كان يخرج من معادلة إلى أخرى بخيبة أمل ونتائج تستهلك زمانه.. يناقش المحترفين من علماء الكيمياء والحساب.. يلتقط المعادن.. ويعود إلى مختبره.. فتجمعت لديه عشرات المعادلات حتى كادت تلتف حول عنقه

تخنقه

خلط معدنين

وجمع ثلاثة

أذاب أكثر من معدن

الحديد= ذهبا

النحاس = زئبقا

والزئبق= ذهبا

إذن النحاس = ذهبا(نرفعه من قاتل خفيّ إلى جوهر أسمى)

وأخيرا مادامت تساوت خلطها جميعا.. حسبما ما أراده هو غير أنّ الجميع امتنعوا عليه.

وعندما يئس من أن يرفعها إلى الذهب.. حطم مختبره، ونظر إلى قطعة ذهب صغيرة صنعها صائغ ماهر لتزين عضو مولود جديد، وقال: زمانك بل في قرن آخر.. قرن ليس الآتي.. فالقرن الآتي يجعلني أعود إلى الحديد من جديد رغما عن أنفي.

الخيانة

وها هو يدخل بعد تجربته في تحويل المعادن الخسيسة أإلى نفيسة في عصر آخر. وجد نفسه الهو He في مأزق حرج. حين عاد إلى الماضي، بشخصه الأول وحين لم يطاوعه المعدن في التناسخ فيصبح مثله ومثل سائر المخلوقات، رآى بسمعه أنّ امرأة ما قد تخصّه أو لا تخصّه انطلق معها في عهد العبيد إلى سيِّدٍ وافر النعمة فصنع لها بخبرة الحدّاد الماهر قفلا من حديد أغلق به فرجها وترك فتحة ضيقة يسري منها البول، ومثلما أبصر عورة الفارس الأسود وحصاة اقتنصتها عن بعد شاهد بعينيه وأذنيه داهية من دهاة العرب يذيب الشَّحم فيأتي الجارية السوداء. فتساءل وهو يبصر الحكاية كلها:

-هل يكون السود ضحيّة إلى الأبد.

الرجل الداهية عدوه الذي رام أن ينتهك عِرضه في أحد العصور الغابرة، أذاب الشحم. من لِيَّةِ خروف سمين وشيئا فشيئا سكبه على اللباس الحديد ذي القفل.

يُقال:

شيئا فشيئا أخذ الحديد يلين تحت نعومة الشحم..

تراخى بالسمنة الساخنة..

تراخى أكثر وأكثر

فخلعه عنها

وأخذ يضاجعها

وحين انتهى وهو مطمئن ألبسها القفل.

ولأنّه He يعيش في كلّ عصر ويتداخل في العوالم المتباينة فلم يقدر أن يفعل شيئا إذحين تعيش في عصر غير عصرك عليك ألا تتدخل.. لاتنصر المظلوم ولا تعاقب المجرم أو تنقذ أحدا فإذا ما فعلت تحولت وقائع وأحداث تراها وتلمسها إلى حلم.. شرطُ التناسخِ الذي قَبِلَهُ بحالتيه مرغما وعن طيب خاطر.. عجز عن أن يمنع العربيّ الداهية وخارت قواه إذ أراد أن يقتله.. حدّث نفسه أن ليس له الحقّ في أن يخرق القوانين لئلا يعيش حلما لا يأسف عليه حالما يستفيق وظلّت قناعته بالحديد راسخة إل عصره هو قبل أن يطغى معدن الذهب وتظهر قارات جديدة نسيها عبر العصور القديمة، وقبل أن يهبط هو أوغيره على سطح القمر.

بعد سلسلة من السنين عادت إليه الثقة بنفسه. رجع في عصر آخر ومكان ثان. هذه المرة سكن مدينة من مدن الشمال، وراودته نفسه أن يقتنص الذهب من الشرق.

يكره هؤلاء الشرقيين.

فليغزهم مع من يغزون

وليسرق الذهب من هناك

وتلامس يداه المقدَّس..

عادت إليه ثقته بالحديد. مرة الفارس الأسود ترك عورته في الهواء الطلق، ومرة لم يحسب من صنع القفل للخيانة والغدر.. مادامت الرحلة إلى الشرق بلد الخير والحديد والمقدّس تستغرق أشهر.. وأكثر من عام فليعمل بكلّ احتراف قفلا من رفيقه القديم الحديد وليذهب إلى البلد المقدّس يطهّر يديه ويعود بالذهب.

انتهى من صنع القفل، وابتسم بوجه الفاتنة الشقراء، وقال:

-ربما تطول رحلتي سنة وأكثر سأقفله عليك وآخذ القفل معي لأعود إليك بالذهب أزيّن به معصميك وصدرك وأذنيك.

ففهمت قصده، وقالت:

-سواء قفللت عليه أم لم تقفل فلتكن مطمئنا لن أخونك.

فقال وهو يهزّ رأسه وإن كان غير مقتنع بكلامها:

الحديد عليّ وعليك شاهد.

وخرج حالماً بالذهب والمقدّس لكن عام ولم يعد.

ومرّ عام آخر

وأكثر

حتى تلاشى ولم يعرف مصيره أحد.

الفرهود

هؤلاء الذين بدوا في هذه الأيام بائسين خائفين، على الرغم من تفننه في الأوقات السالفة وحكايات العصور، يدرك أنّه التقاهم ولا فرق عنده في مادام الزمن مثله يعيد نفسه. العام 500 هونفسه 300 وهو ذاته 900 أو هو عام 1941 لقد ترك شمال الأرض يوم أقفل على فرج صاحبته الشقراء بقفل حديد وثق به، فوضع المفتاح في جيبه واتجه نحو الشرق لكنه لم يعد.

هل ضاع أم قُتل؟ لا يدري.

الآن هو في الجنوب. أقرب إلى الإله تموز. يشارك في الفرهود.. فتصبره إلهة تدعى عشتار تضع تاجا من ذهب مرصّع بالألماس على رأسها.. تراه.. وترى الناس يركضون في شوارع البصرة ينهبون بيوت اليهود.. لاتهمّه النقود.. ولا يهمه الأثاث..

هرج ومرج

صخب وانتقام

هذا يحمل كرسيا

وآخر مذياعا

وثالث حزمة ملابس

ليس متدينا لينتقم.. مسيحي في وقت وزمن الفرعون وثني حدّ النخاع، وفي قصور ملك الصين بوذي بحت سوى أنّه يفهم الفوضى بشكل دقيق.. حكومة بغداد سقطت، والناس الطيبون الهادئون في المدينة الجميلة الهادئة المطلة على الخليج اهتاجوا مثل ثور طعنه تروبادور بسهم في متنه، فاهتاجت المخلوقات اللطيفة الوادعة. تحوّلت إلى وحوش، ذئاب.. ضباع.. وقف أحدهم أمام محل ذهب لصائغ يهوديّ وأطلق رصاصة على القفل.

مرة أخرى يخون الحديد أمانته

فإلى أيَّة ثقة تلجأ المخلوقات؟

كان مع الذين اقتحموا المحلات.. ونسي البيوت لا يعنيه أمرها.. هناك يجد أثاثا ونقودا وغنائم كبيرة من الخشب والنحاس لا يطيق حملها.. مناوي باشا سقطت أمام سيل الفوضى

التحسينية

السيمر

سوق البصرة القديم

والصبخة

وقف متأملا العابثين محملا بالذهب

قلائد

تمثال

نخله تلمع

أقراط

حجول..

لو كان الامر بيده لجعل عقرب الساعة لا يدور.. يقف الزمن عند هذا الحد من أجل الذهب سقطت بين يديه محلات وشوارع، وقامت ناطحة سحاب شاهقة تبتزّ الغيوم في أمريكا، هناك حيث يرقد ذهب العالم كلّه.. ميزان يعادل الأرض كلها لا تحيا أمّة إلا أن تعلن أنّها ترغب في أن تدلف في تلك البناية.. ياسيدي تحكمت بك.. ايتها الكرة الأرضة أنا قدرك.. بالذهب هؤلاء الذين يبدون يثيرون الشفقة.. اضطهدوا في محارق أوروبا وبأيديهم الذهب.. دعني آخذ بعضا منه.. شيئا ما لا يصل إلى ناطحة السحاب.. منذ عهد قارون والملوك ديدنهم المعدن النفيس الأرقى.. أما أنت فقد أخفقت حين حاولت في تجليك الأول أن ترفع المعان الوضيعة إليه حتى عرفنا العالم الجديد فتخلى ملاعبو الذهب عن طرقهم القديمة ووضعوا الذهب في بناية شاهقة عالية.. لا نقدر أن نعيش إلا أن يمرّ طعامنا وشرابنا منها..

فيا للسخرية..

وفي نفسه رغبة أن هذا لا يكفي، فها هو ينتظر تجليه التالي.

الشرطيّ

حدث هذا معه في عامٍ غير مبهم حين استدعاه ضابط مركز شرطة البصرة وقال له بكلّ حزم:

-أيها المفوّض خذ معك ثلاثة شرطة بسيارة المركز سترى بعد دقائق في الساحة التي قرب بيت المشنوق اليهودي عدس ستُرفع جثته أمام الناس مهمتك حفظ النظام عمل روتيني فالجيش هو المسؤول. راقب من بعيد..

-نعم سيدي

هو He لم يتعامل قط مع الجثث من عهد قارون، ومن قبل سومر، والخليفة الذي باع وعاءً من الذهب واكتشاف الأمريكيتين حيث تابع سيرة الذهب فحفظها عن ظهر قلب. عمل جنديا في جيش الرومان وأدرك أن النحاس خائن خبيث، وأصبح نبيا زمن الفرعون فسال الذهب بين يديه، وحارب مقاتلا يكره الإسلام في الحروب الصليبية، وكيمياويا جرّب أن يحول المعدن الخسيس إلى معدن نفيس فيكسر سوق اليهود والمندائيين.

كان يحاول يائسا تارة وواثقا من نفسه تارة أخرى أن يهدم، قبل اكتشاف العالم الجديد، صرح مانهاتن فيطلق سراح الذهب الحبيس هناك.

أما الآن فالأمر أكبر من قدراته وإن كانت نتائجه من مصلحته فيما بعد، كم يملك المشنوق من ذهب تبتلعه حكومة بغداد؟

إذن عليه أن يراقب ويفخر بنفسه وبدلة الشرطة وينتظر. لقد نسي كلّ شئ أمام رهبة الموت. الرجل الذي لم يتبين ملامحه.. من حسن حظّه أنّ الجيش تولى قضية الموت وقد وقف هو والشرطة بين المشنقة والجنود المحيطين بالجثّة، والناس. الحق استطلع في وجوههم شماتة ما.. كرها.. حقدا.. ثورة عجيبة. كانوا قبل عقد ينهبون.. وكان معهم يتابع محلات الذهب.. إيه إنه لزمن متداخل لاتتذكر منه إلا الأحداث التي تجرفك معها أما بقية الأيام فتبدو كأنّها بنسق واحد:

تولد

تترعرع

تدرس أو لا تدرس

تعمل

تجتاحك السنين حتى تنتظر حدثا ينتشلك من رتابة الأيام والسنين فتعيشه وحده إلى أن يبقى وحده في ذاكرتك.

سوى أنّه هذه المرة لم ينتظر طويلا.. فمشهد الشنق قضى على نفسه بنفسه إذ كان كان خاليا من الذهب. يختلف عن مشهد الفرهود. ، وعن تجارب تحول المعادن، وعن عورة عنترة الكمشوفه، مايذكره أنّه اشترى من الخليفة وعاء من ذهب وملاعق، ولمس في قصر الفرعون مع النبي يوسف أواني من ذهب راعه أن يسرق بعضها لئلا يُصلب بأمر من الفرعون، ولعله مثلما توقّع فبعد فترة جاءه ووجد نفسه تارة في البصرة وأخرى في بغداد، ولعله مثلما توقّع فبعد فترة استدعاه الضّابط من جديد:

-أيّها المفوّض سوف يغادر 120 ألف يهودي البلاد ستذهب إلى بيوتهم لاتدعهم يأخذون معهم أمولا إلا رزم الطعام والماء!

-نعم سيدى

-تذكّر أنّك سترافقهم إلى الطائرة. الدولة وضعت ثقتها فيك يجب ألا يخرجوا بشيء.

-نعم سيدي

وحالما أدّى التحية واستدار لمعت في ذهنه خاطرة ماكرة.

أفعى

ثعبان

نظرة ساحرة

راح يدخل البيوت يترك مرافقيه الشرطة عند الأبواب.. يبلّغ عن موعد الرحيل.. يفتش.. ويغمز بعينيه، ويساوم.. إذا أردت ألا تفقد مالك فاعطني نصف.. نصف الذهب.. الدينار والذهب.. سأصعد معك إلى الطائرة أهينك وأعاملك بقسوة.. لاتحزن.. تمثيل..

ومن داء التمثيل ربح ربحا وفيرا. عشرات الرزم صعدت مع المطرودين.. كان الذهب يهرب خائفا وقد ترك نصفه في بلد وسيستقر نصفه الآخر في بلد ثان..

وقد عاد وجيبه ملآن.. و أقسم ألا يجري تجربة على أي معدن ليجعله في مقام الذّهب، مادامت المعادن استعصت فلتبق وضيعة أبد الدهر، وقد استقال من مهنة الشرطة، وفتح مكتب مقاولات في الجنوب بنى عمارة واقترن بفتاة بيضاء تشبه حبيبة الفارس الأسود أو شقراء كامرأته أيّام حرب الشمال والجنوب، وكان ذلك تقمّصه ماقبل الأخير.

الخضرة والذهب

رائحة غريبة استافها

لكن خسارته الحقيقيّة تحققت بعدئذ.

هذا المغامر الكبير الذي غامر منذ عهد عنترة، وجرب الكيمياء من أجل الذهب، وعاش الحروب الصليبية كان طوال تلك المآسي يهادن الحديد ويثق به من أجل الذهب، يصبح غبيا في عصر، وذكيا في عصر تال، مثقفا وأميّا، حكم التطوّر والتناسخ، لايخرج قيد أنملة عن الدرب الممتدّ بين قدميه، فبعد كلّ ذلك التوازن، استاف لونا آخر..

رائحة غريبة

الحديد لم يخن الذهب، فهو السيد الأوّل الذي حمى الصدور والرؤوس والعورات، فكانت منه الدروع والسيوف والرماح والخوذ وأقفال الفروج.. لقد انحسر كئيبا أمام خيانة النحاس، فانطوى، ليوازي المعدن النفيس.

هاهو البترول ذو الرائحة المثيرة للغثيان

العدو الجديد يتجلّى أمامه فيشكّ فيه ثمّ يتحوّل الشكّ إلى يقين.

إذ بعد صراع ٍ طويلٍ مريرٍ استدعاه السيد الرئيس..

دولة الرئيس

هذه المرّة

فخامته

قال له بكلّ:

-أيها الملازم النظيف خذ مجموعة من الدبابات واقتحم البقعة الخضراء. ليكن معك مصورون ووسائل ميديا.. إقتحم بيوت سارقات الذهب وعد إلينا بما تجده هناك.

-أمرك مطاع ياسيدي.

وتساقطت معه حقائق جديدة.. المرأة والذهب.. في كلّ العصور أل هو يعني He الذكور جميعهم.. تعامل مع المعدن النفيس باحتراف عال وحاول أن يرفع من شأن الوضاعة إلى مستوى النفاسة. اشترى.. تعامل.. جرّب.. أفلس واستغنى حتى برزت القارة الجديدة، ووضعت جميع ذهب العالم في إحدى بناياتها، فاضطر أن يسرق.. ينهب.. يفرهد.. يأخذ نصف المعدن الجميل البراق ويترك النصف الآخر يتسرب إلى حيث يشاء:

الحجر الذي قتل الفارس

النحاس الذي سمم الأمم

الحديد الذي رافق طفولته

الذهب الذي أدمنه حين تجلت له القارة المجهولة

لم يجد أحدا من رفاقه الأصلاء يدافع معه، البتروك وحده يسيّر حياته، ولا يعرف ماذا يأتي في المستقبل، ولكي لا يسرقه الزمن تحرّك بمدرّعاته إلى البقعة الخضراء.

سخر من نفسه كثيرا.. في الفرهود الثاني يوم هُجِّرَ اليهود وقدر على أن يدخل البيوت.. يساوم أهلها على النصف فتخفى الذهب بلفائف طعام كما ادعى.. والآن رائحة البترول التي تعبق من مدرعاته والميديا ومن معه من صحفيين ومصورين يحولون بينه وبين الدخول منفردا في البيوت.

ثمّ إنّهن نساء:

كان ال هو Heيساوم رجالا مثله..

تحت الذلّة والخوف وبين الأمل في النّجاة والطموح يرضخون لشروطه: النصف!

أمّا الآن -مع خيانة المعدن ذي الرائحة الكريهة الذي جعل العالم عبدا له-فإنّه يقابل عنصرا آخر أل هي She، إلهات قديمات جديدات.. اللات والعزّى ومناة.. سوف يجد أطنانا من النقود لاتهمه قط.. مهما تكن فهي ورق يمكن أن يحترق بشرارة ضعيفة، وتقع عيناه بلا شك على صاحبه الذهب الذي بقي سجينا في مصرف بالعالم الجديد..

الميديا التي ترافقه تدعي في كلّ أدواتها بمنسبة ومن دونها أنّ هناك أطنانا من الذهب في بيوت هؤلاء الإلهات لكن حلمه يتجلى في أشكال تثير البهجة في نفسه والحلم:

سبائك

أقراط

أساور

قلائد

بعض التماثيل

تحف

ربما تفاجؤه أشكال جديدة وأنماط يمكن أن يتصوّرها

كلّ مايجده يذهب بعيدا عنه.. سيندم.. يغلي داخله فليس هناك من منفذ.. ثقب يدلف منه وحده.. ويعترف بعجزه أنّه لا يقدر أن يساوم الذين معه من صحفيين وجنود ومصورين وكتاب تقارير.

لكنه

مع خيبة أمله وصل إلى المكان بوقت قصير..

دخل يتقدم الحشد، وواجهن بكل حزم وصرامة

إلهات منكسرات كأنهن قطع غيوم سوداء في عزّ النهار لاتبين منهن إلا وجوه ارتسم عليها غضب مكتوم وقتام.

فتساقطت تحت قدميه رزم من جبال الدولارات

وتُحَفٌ من مخلفات البرّ والبحر

آلات التصوير والتسجيل التقطت المشهد الغريب:

محطة التلفاز الوطنية

محطات العالم

المراسلون

أطنان الدورات

الجنيهات الاسترلينية

يورو

ثمّ مثلما توقع بدت له أشكال الذهب تتجلى بشكل خجول في البدء!

والسيدة النائبة الإلهة أخذت تصرخ.. السيدات يصرخن مع كل ومضة تصوير وتسجيل.. وعلا صراخن حين لم يكتف بما أبصره من مال وذهب تحت قدميه.

ياترى لو لم كان وحده.. يظنّ أنّه سيبقى على النصف سيأخذ نصف مايراه من ذهب ولايترك الورق غير أنّه الحظ يعاكسه. لم يطق صبرا على مارآه فاشار بشراسة وغضب إلى جنوده:

-ادخلوا غرف النوم

تبعهم بكل هو

لابدّ أن يظهر منتصرا وإن لحقته هزيمة لم يتوقعها.. كسروا خزائن الملابس وقلبوا أسرّة النوم.. فانكشف أمام عينيه المستور الظاهر.. القفل القديم والحديد والصدأ..

ماتركه حين خاض الحروب الصليبية يخدع عينيه. إنّه لا يصدأ أبدا

بريق على مرّ الزمان..

ملابس داخلية من ذهب

حمالات صدور..

مفاجأة

غرابة

سوريالية القرن الحادي والعشري

صرخ في الميديا: صوّروا.. صوّروا

لقد انقلبت تجربته السابقة رأسا على عقب.. ذات يوم أغراه العلم وحفّزه التحدي أن يتطاول على خازني الذهب فجرب أن يحوّل المعادن الخسيسة إلى معدن نفيس، والآن يُفاجأ بنتائج تناقضه هو.. تستهدفه.. إنّهنّ السيدات الآلهات.. أل She قضين على حلمه.. وضعه في موضع مقرف حين تآمرن يسندهن المعدن ذو الرائحة الكريهة فأعدن التجربة بالمقلوب.

جعلن المعدن النفيس يصبح معدنا خسيسا

ونجحن

ينام مع البول

ويسكر بالحيض

ويستنشق النجاسة

الخراء..

جثّة الذهب ملقاة أمامه.. قبل أن يُقتل برائحة البترول أصبح قوادا.. في هذه اللحظة الحرجة المقيتة المميتة يبصر مرافقوه الجنود والأعلاميون ألبسة الذهب النسويّة البرّاقة فتتشكل في أذهانهم المكبوتة الحبيسة اللباس الداخليّ لكلّ واحدة من هؤلاء الإلهات. الذهب نفسه دلّهم ودلّه أيضا عليه.

اللات مالون لبسها. لونها المفضل. القماش الذي يلامس عانتها؟

العزى؟أخضر أم بنفسجي؟هل هناك شعرات بيضاء ظهرت في عانتها ؟

مناة.. ؟إلهة الموت؟أصفر

لقد جعلن من الذهب قوادا قبل أن يقتلنه..

عندئذ لم يستطع المساومة والا الهرب..

لا عصر يقبله

ولا مصر

لقد قبل التحدّي قرونا طويلة ولم يفقد نفسه، فمن حيث لا يدري زار أرواح الكبيرات اللائي تعاملن مع الذهب.. راودهن في المقابر، وحضّر أرواحهنّ، جثا أمام ملكة سبأ بتاجها الذهبي، وأرسلته الملكة حتشبسوت أعظم ملكات مصر إلى بلاد بولت كي يجلب الذهب والأبنوس، وعندما ماتت الملكة تي وضع في قبرها عند رأسها حليها الذهبيّة، ورافق سيدته كيلوباترا التي كانت تحب التباهي بالذهب أمام ساادة العالم، وخدم في جيش الملكة بو آبي فلم يرها تخلع تاج الذهب عن رأسها، ألم تقدم ملكة سبأ أمامه ذهبا إلى الملك سليمان، وربما توارثه عنه بعضا ممن سرقهم في الفرهود.

هو وحده يرى كل شئ من عهد سومر إلى هذه اللحظة ولا يرى شيئا.. لا يرى أيّ شيء سوى غيمة سوداء تسقط من السماء على عينيه، فتصغر وتصغر، وفي لحظة جديدة يجد نفسه أمام الفارس الأسود مباشرة:

كان عاريا مجردا من أيّ سلاح

يرقص فيتمايل عضوه التناسلي وخصيتاه يمينا وشمالا وهو يرتجز ويقول بكلّ سذاجة ورقة مثل المخنثين:

قد يعشق المرء من لا مال في يده ويكره القلب من في كفه الذهب

تلفت يمنة ويسرة يبحث عن قطعة ذهب صغيرة صاغها محترف لتعلق بعضو مولود جديد، فلم يقع بصره إلا على الملابس الداخلية المنسوجة من الذهب. كان الجنود يدخلون الغرف يفتشون يقلبون كلّ شيء، فتتكدّس أمامه جبال الدولارات، واشكال الذهب.

كاميرات الميديا التي تلعق الملابس الداخلية البراقة المثيرة، ودهاليز البيوت، وتتوقف عند وجوه ظهرت للعيان بتجاعيدها من غير مكياج!

ومازال الفارس الأسود يلقي بين يديه الشعر.. لكنه بدا مشلولا.. لا تمتد يداه إلى أيّ شيء.. الدولات والذهب.. أمامه تتحداه، وسعر الدولار يتركه ليتمرغ بالنفط.

في تلك اللحظة المثيرة أحس بالإحباط والغيرة والكره، فصرخ في الجنود

فتشوا جيدا شدّوا أيديهن وخذوهنّ إلى المدرعات

وخ اطب الوفد الإعلامي :

صوروا وسجلوا لاتتركوا أية صغيرة أو كبيرة

وواصل زعيقه من دون أن يقصد أيّ أحد:

سيهبط سعر الذهب ويرتفع الدولار.. النفط قبيح.. رائحته تفتك بنا..

ثمّ وجه بندقيته باتجاه الفارس الأسود، وأخذ يطلق النار ويزعق:

لتسقط نيوروك.. ليسقط البنك المركزي.. كم أنت قذرة يا مانهاتن!

***

قصة طويلة: قصي الشيخ عسكر

........................

* انتهيت من تصحيح هذه القصة الطويلة في 7/7/2026

كنتُ ضمن حركة الأنصار في أيام الكفاح المسلح في جبال كردستان ضد دكتاتورية صدام، حيث كان الموت يتساقط من السماء على شكل غازات كيميائية تخنق القرى والناس. كنتُ أعرف أن النجاة تكمن في الماء، فأغسل جسدي سريعًا لأطرد السموم، وأواصل السير بين الخراب. وبعد سنوات من المنفى في إيران وسوريا، درستُ في أوكرانيا، وهناك تعرفت إلى فتاة أوكرانية، لكن زواجنا لم يتم إلا في السويد، حين جاءت لزيارتي ثم التحقت بي بعد عام. أنجبنا طفلين في السويد، وعشنا سنوات طويلة قبل أن ينتهي الزواج بالانفصال.

في السويد، حيث قضيت اثنين وثلاثين عامًا، بدأت أكره العنف وأتأقلم مع حياة جديدة، تتمتع بالحرية والسلام. تعلمت لغات، واكتسبت خبرة واقعية من ثقافة أوروبية، عانت هي الأخرى من الحروب قبل أن تنهض؛ لتبني مجتمعًا خاليًا من العنف والتعصب. هناك أيضًا تزوجت مرة أخرى من فتاة تايلندية، عاشت معي ستة عشر عامًا في السويد، قبل أن ننتقل معًا إلى تايلند بعد تقاعدي.

في تايلند، صار الألم، أيًّا كان مصدره، يجرحني بعمق لا يُحتمل. وحين مرضت قطتي ساندي وفقدت شهيتها، بدا البيت مثقلًا بالقلق. وفي نهار ماطر، اختفت فجأة. بحثنا عنها طويلًا بين الحشائش العالية والأزقة الغارقة بمياه المطر، فيما كان قلبي ينهار مع كل دقيقة تمر، متخيلًا إياها وحيدة في العراء، ضعيفة أمام قسوة الطقس.

وأخيرًا، وجدناها نائمة تحت الأريكة، بين القاعدة والشبكة المعدنية، كأنها تبحث عن مأوى صغير يحميها من العالم. حين رأيتها، انهمرت دموعي بحرقة. لم يكن ذلك مجرد خوف على حيوان أليف، بل كان استحضارًا لكل صور الفقدان التي عشتها. في ضعفها رأيت انعكاسًا لكل الأرواح التي أُزهقت، وشعرت أن قلبي لم يعد يحتمل رؤية أي كائن يتألم.

هكذا، بين ماضٍ غارق في الدم وحاضرٍ يفيض بالرحمة، وجدت نفسي شاهدًا على التحول الذي تصنعه التجارب القاسية: من مقاتلٍ في الجبال إلى إنسانٍ ينهار أمام دمعةِ قطةٍ مريضة، كأن الرحمة هي آخر ما تبقى لي من كل تلك الحروب.

***

كفاح الزهاوي

الرجلُ الذي مَشطَ أطرافَ جَديلتي

كانَ فلاحاً ماهراً في جَنيِ الثمار

يَعرفُ مَواقيتَ الزرعِ

وكم بَيدراً يَكفي لِسدِّ جُوعِ الشتاء

أهداني رَغيفاً دافئاً لِيشتريَ صَمتي

وحينَ قُلتُ له: إنّ بي مَجاعةً لكلامٍ لمْ يقُلهُ أحد

أشارَ إلى مَخازنهِ المَملوءةِ بالقَمح

​إذا رَأى غَيمةً تَعبُرُ فوقَ سَقفِنا

حَسبَ حِصّتهُ من الماءِ ونَصيبَ حَديقتهِ من الخِصب

دون أن يَدريَ أنّ الغيمةَ وجهُ أُمي الراحلة

جاءتْ لِتتفقدَ مَنفضةَ رمادي

​عِندما نَظَرتُ إلى الأُفقِ وقُلتُ: الخَديعةُ تَبدأُ من الخَطِّ الفاصلِ بَينَ السَّماءِ والأرض

أَحضَرَ سِياجاً بَاسِقاً

وتَدثَّرَ بِيَقينِ الطينِ الذي يَملكُه

كانَ يَحسبُ أَنَّ الأَرضَ هي هَذهِ التي يَطأُها بحِذائهِ الثَّقيل

وأنَّ السَّماءَ سَقفٌ مَرفوعٌ لِحمايةِ بَيتِه

​حينَ جَلستُ في رُكنِ الغُرفةِ كَمخطوطةٍ عتيقة هَجرتها الحُروف

جاءَ بِمِصباحِ زيتٍ

مَسح الغُبارَ عن وجهي

وقَرأَ في عَينيَّ تاريخَ الصَّلاحيةِ وعُمرَ الشَّباب

​كان يُريدُ امرأةً يَحدُّها الجِدار

وتَكفيها الحكايةُ التي يقُصُّها عند المساء

بينما كُنتُ تيهاً كاملاً يَسيرُ على قَدمين

​طَوَّقَ مِعصمي بقيدٍ من الذَّهبِ الخالص

أَقْفلَ الأبوابَ جيّداً

اطمأَنَّ إلى تمامِ الرِّبح

ونامَ ملءَ جُفونهِ

يظُنُّ أنَّ الَّتي تَرقدُ جِوارهُ.. جَسدٌ يُمكنُ حِيازتُه!!

***

مرشدة جاويش

 

ثَمَّ علاقات إخاءٍ بين الريح

وبين الطغيان

نحن كذلك نأنس بالريح

ونرمي الطغيان إلى الصحف الصفراء

لماذا هذا الجري اللاهث

خلف الحجر الللاصف؟

هل بسبب ذاك بنا الركب تمايلَ

في أوج الهاجرة

ونحن نريد مقارعة الغيب

بدون تلكؤْ...

فاجأت الغيمة أسراب بقاياها

في القمقم كان الخادم يركب

متن العالم

كان لطيفا

لا يسمح للنوء بإطفاء الشعلةِ في

عين العاصفة...

أيا قلب الماء المتوثب

أتحفنا بيعاليلك

وارْم شواظ العاطفة

إلى قاع الهامشِ،

إن الواقع إن هو أصبح مختنقا

يتحول لامرأة دون ضفاف

يابسةِ اليدِ

والأهدافِ المنتظرةْ.

***

مصطفى معروفي

نيرانُ دنيايَ أشكالٌ وألوانُ

نارٌ من الجوِّ والأحشاء نيرانُ

والأرضُ تحتيْ لظىً والجوفُ بركانُ

وفوقيَ الحِقدُ أطنانٌ وأطنانُ

وفي الحشَا الجوعُ أنيابٌ وأسنانُ

وحوْليَ الجوعُ أطفالٌ وأكْفانُ

والحَرُّ من مائهِ يشكو ولهثانُ

والماءُ من ملحِهِ يشكو وظمآنُ

والجسمُ ملتهبٌ والقلبُ ملآنُ

والراسُ مُشتعلٌ والفكرُ طوفانُ

والكربُ متّصلٌ والدّارُ أحزانُ

والنَّصرُ للغيْظِ والمغلوبُ نسيانُ

والسّلمُ مُفتضحٌ والثّارُ مُنقلِبٌ

للصّبرِ مُعتقِلٌ والحِلْمُ غضبانُ

والصّوتُ مُنفجرٌ للنّجمِ مُقتلِعٌ

والصّمتُ تنمو لهُ لسْنٌ وآذانُ

ونحويَ الكونُ آمالٌ يُقصِّرها

أطولُ ما بيْ وكمْ بي طالَ حِرمانُ

والشكُّ كم قلتُ فيهِ الشكُّ شيطانُ

وأُوقنُ اليومَ أنّ الشكَّ إنسانُ

والغدُ مختبيءٌ واليومُ منشغلٌ

بهِ وما توعِدُ الآماسُ بهتانُ

واليأسُ محترفٌ للنّصحِ مُنتحلٌ

والثأرُ حارقُهُ والآتِ بُرهانُ

ونارُ آخرةٍ ما لي بها شانُ

فهُيَ لمن باعني للقهْرِ عنوانُ

***

أسامة محمد صالح زامل

أبـحرتُ مُـغـتـربًـا في بـحـركِ الـلـجـبِ

فـهـل سـأرســو وأُنـهـي رحـلـةَ الـتـعـبِ

كأنـني عـنـد ما أبـحـرتُ سـاعـتَـها

عـشـقـتُ مـا فـيـهِ مِـن هـولٍ ومِـن نَـصَـبِ

نَـعَـمْ ركـبـتُ ولـن أخـشى غـوائـلَـهُ

وهـلْ يـكونُ فـتىً مَـنْ عـاشَ في رهَـبِ*

ركـبـتُـهُ وغـمـوضٌ فــيـهِ يـدفـعـني

مُـذْ رفـرفـتْ نـشـوةُ الاحـلامِ في هُـدُبي

عــرفـتُـهُ راهِــبًـا في حـال هــدأتِـهِ

ومـاردًا مُـنـذرًا بـالـويـلِ في الـغـضبِ

مـضى زمـانٌ وهـذا الـبـحـرُ مـنـطـلـقي

وراكـبُ الـبحـرِ في عُـجـبٍ وفي عَـجـبِ**

وكـنـتُ أنـظـرُ مـن حــولي فـأذهـلـني

حـديـثُ أمـواجـهِ شـكـوى مع الـعَــتَـبِ

فـسـاءلـتـني بـنـاتُ الـنـفـسِ في حـذرٍ***

مـتى الرسـوّ عـلى شـاطي الـهـوى الـذهـبي

فـقـلـتُ يـومًــا بــه الايــامُ تُـوصـلـنـي

الى مُـنـايَ وألـقـى الـسَـعـدَ في أربـي

وأنْ أحـــوزَ رضـى قـلـبٍ لـغـانـيـةٍ

في طـبـعـهـا غـنـجٌ مَـيّـالُ لـلـصـخـبِ

فــقُــلـنَ لـي هـــذه يـا غِــرّ أمـنـيـةٌ

طـارتْ بـهـا الـريـحُ في وادٍ مِـن الـلـهـبِ

كَـمْ أنـتَ أسـرفـتَ بـل خـاطـرتَ في عُـمُـرٍ

والـنـفـسُ تـجـرعُ صـبـرًا دِيـفَ بـالـوصَـبِ****

فـإنْ تـكُـنْ عـاشـقًـا أفـصـحْ فـأيـنَ تُـرى

هـذي الـتي نـحـوهـا تـسـعى فـــداكَ أبـي

فـقـلـتُ حـسـبي الـتي تـدري مَـكانـتَهـا

بـالـصـبـرِ يـأتي ولـلـغـايـاتِ مِـن ســبـبِ

فـقُـلـنَ حـسـبُـكَ جُـهـدٌ صِـرتَ تُـنـفِـقُـهُ

ولا تُـبـالي بـهـدرِ الـعُــمْـرِ في الـطــلَـبِ

هـا أنـتَ تَـبـذِلُ مـجـهـودًا عـلى أمـلٍ

والـنـفـسُ بـيـنَ عـنـاءِ الـصـبـرِ والـلـغـبِ

مـتى تُـريـحُ أجــابَ الـمـوجُ في دعـةٍ

كـمْ مِـنْ مـحـبٍّ غـدا نَهـبًـا لِـمُـنـتَهِـبِ

دعـيـهِ يــغـرقُ كــم درسًـا تَـلـقَــنـهُ

عـسى يـثـوبُ بـمـا قـد نـال مـن كُـرَبِ

يـا صامـدًا وريـاحُ الـبـؤسِ عـاصفـةٌ

مـتى تُـريـحُ ســؤالُ الـنـفـسِ لـلـهَــربِ

كـفـاكَ نـزفًـا فـقـد أعـذرتَ في الطـلـبِ

واللّهُ حـسـبُـكَ في الـجُــلّى وفي الـنُـوَبِ

***

الحاج عطا يوسف منصور

العراق/ بغداد

في 4 تموز 1988

..........................

* في رهـب: في خـوف

** في عَـجـب: الـتعـجّـب والانـدهـاش والـعُـجـب الـتـكـبـر والـغـرور

*** بـنـات الـنـفـس: الـوسـاوس

**** دِيـفَ: خُـلِـط ومُـزجَ. والـوصـب: شِـدّة الـتـعـب

إنه يوم ماطر، يشبه اليوم الذي غادرتُ فيه بلدي في الأول من شهر أبريل، ففي هذا اليوم يكون الربيع والطقس جميلًا، إلا أن في أي لحظة يمكن أن ينهمر المطر ويقول: أنا أيضًا مثل الحياة، مليء بالأكاذيب، أدعي أنني جميلة، وأن هناك آمالًا ستتحقق، فيتكاثر الناس وينجبون، ثم أفاجئهم بالحرب أو الصراعات الطائفية، أو مثلًا بحرمانهم من الحرية الفكرية، فأحولهم إلى أصنام خائفة... هه، أليست هذه الحياة في بلادك؟ هكذا قلت لنفسي.

لكني أحب شهر أبريل جدًا، فالأول من أبريل هو عيد أكيتو، هذا العيد البابلي الذي يعود أصله إلى عيد سومري اسمه زكموك، يُحتفل به بمناسبة عودة تموز من العالم السفلي، لكن في الحضارة البابلية الكلدانية احتُفل به بمناسبة انتصار الإله مردوخ على الإلهة تيامات، فأصبح عيدًا بابليًا، لكنه كان يمر بآشور، وكان الآشوريون يشاركون البابليين في الاحتفال، فصار عيدًا للجميع، عيدًا يجمع ولا يفرق.

استرجعتُ ذكرياتي في يومها، حينما كنت أرتب حقيبتي. قررت أن لا آخذ معي الكثير، فأخذتُ معي أمورًا تذكرني بالصفات التي يجب أن أتوارثها من بلدي، فأخذتُ معي قلادة الشمس التي تذكرني بالإله شمش، رمز العدالة والحق، وسوارًا عليه زهرة البابونج، هذا الرمز الرافديني الأصيل الذي أسموه هبة الأرض، فكان رمزًا لجمال عشتار، وعلاجًا للأمراض، ودلالة على الربيع، وزينة، ورمزًا يزين الجدران. أخذتُ معي أيضًا شالًا أزرق يذكرني ببوابة عشتار الجميلة، وكيف كان البابليون يهتمون بالعمران والجمال، أي أن يجعلوا بلادهم مثالًا على التطور والأناقة والزهو، فقد قال الإسكندر المقدوني عنها: من لم يرَ بابل لم يرَ الجمال. أخذتُ معي تمثالًا صغيرًا للثور المجنح لكي يلهمني القوة، وقلمًا منحوتًا عليه اسم نابو، إله الكتابة والحكمة، كي أتذكر أن أكتب وأبحث عن الحكمة، وعطرًا يذكرني بأن أول صانعة عطور كانت أنثى سومرية اسمها تابوتي.

وضعتُ بعض الثياب الضرورية أيضًا في الحقيبة وأغلقتها، كما قررت أن أغلق مواجعي من بلد حرمني من التعبير عن أفكاري وممارسة السلام والوحدة بعيدًا عن طائفية دخيلة علينا وحروب قسرية تمنعنا من رؤية الحمامات البيضاء تزين بلادنا. ولم تكن هذه الحكاية فقط، بل إن هذا البلد سلبنا حقوقنا البشرية، فأصبحنا نرضى بأقل الأشياء لأننا لم نعرف الحق كاملًا كيف يكون. قررتُ غلق هذه المواجع من خلال الهجرة إلى بلاد تحترم الإنسان وتحترم فكره، وتعلّمه أننا سواسية، وأن الحق لا بد أن ينتصر بشرط أن نتعاون معه.

الآن، أنا هنا في بلد هو بلدي وملجئي؛ إنها أستراليا التي احتضنتني بحنو كأنها الأم. أنا التي خسرت أمي وحنانها في عام 2014، أمي التي كانت حينها تبلغ الاربعينات من العمر، ماتت لأن المستشفيات في شمال العراق كانت سيئة، ولم تستطع إنقاذ امرأة في الأربعين وهي تعاني من جلطة، فنقلوها إلى مستشفى أخرى، وأثناء النقل ماتت، لأنهم يرون البشر مجرد عدد، وهي لم تكن ابنة مسؤول أو وزير حتى يهتموا بإنقاذها وتوفير الخدمة والمساحة.

في أستراليا حاولت، ولمدة سنوات، أن أتأقلم وأستقر فيها وأن أنشئ حياة جديدة هنا معي عائلتي التي عانت هي أيضًا في بلدنا. فوالدي، ذلك المثقف والكاتب، خاف علينا من داعش، قرر أن نهاجر فورًا قبل وصولهم إلى قريتنا. فضلاً عن التأخير في دفع الرواتب التي كانت تُعطى كل ثلاثة أشهر، والمصيبة أنهم كانوا يحسبون الراتب نصفه، فساء الوضع الاقتصادي في أقليم كوردستان حينها. آه، من تلك الذكريات وذلك الخوف من المجهول، لا بل حتى المعلوم كان مخيفًا، فالشرع دائما يذكرنا: لا حرية دينية ولا قومية ولا فكرية، وأن تكوني فتاة، يا ويلاه، يا ويلاه، فكل مصيبة تحدث ستكونين أنتِ الملامة، حتى لو كنتِ الضحية.

لكن بعد هذه السنوات من التأقلم في أستراليا أصبحت أنتمي بقوة إليها، وأحقق أهدافي، وأعرف إلى أين أذهب واسأل عن حقوقي. عملتُ ودرستُ وتخرجتُ، وكان إيجاد وظيفة في تخصصي صعبًا، فاشتغلت في أعمال أخرى، ومارست الكتابة ومارست الرياضة وكونت الصداقات وأصدرت كتابًا... كانت أبواب أستراليا مفتوحة أمامي.

 أحب بلدي، لكني أحب صورًا منه لا البلد ككل، أحب تاريخه حيث اختراع الكتابة والاكتشافات، أحب الفئة المثقفة المفكرة التي لا تنتمي للأفكار الإرهابية والطائفية، وأحب أدباءه وكرم وطيبة شعبه، وأحب آثاره وتراثه والسنوات التي كان سالمًا منعمًا. أما الحروب والصراع ونظام الغابة، فلا أطيقها، وأود محوها من ذاكرتي، فأنا إنسان مسالم، ديانتي هي الإنسانية والمحبة فقط، وهذا ما لا يتم ممارسته هناك.

أنظر إلى ساعتي، إنها الثانية ظهرًا، وأنا بعد ساعة لدي لقاء ثقافي مع الشباب المتحدثين باللغة العربية. ابتسمت حينما تذكرت أني أسست هذه المجموعة، حيث بحثت وجمعت الشباب المهتمين بالنقاشات الثقافية، الفلسفية، الاجتماعية والقراءة للناطقين بالعربية والسريانية، فأسست منتدى ثقافيًا للنقاش والقراءة لكيلا نشعر أننا في غربة ومعزولون، لأننا في عالم قل فيه الاهتمام بالفكر والقراءة. نلتقي في المنتزه أو في المقهى ونتشارك أفكارنا بكل ثقة دون خوف من بلاغ أو تهديد حياة.

جهزت نفسي وذهبت. كان نقاشنا عن السعادة والمعنى، وبين الفلسفة العدمية والوجودية والعبثية، وكيف نجعل حياتنا أكثر قابلية للتحمل. سألني أحدهم: هل تظنين أن هناك سعادة مطلقة في أستراليا؟ فكان جوابي أن السعادة المطلقة وهم، لن تجده في مكان، وأن أستراليا ليست تلك الجنة المثالية التي يؤلفها الخيال الخصب هروبًا من عبث الحياة، لأن الفلسفة هي فلسفة نظرتك للحياة. سبب نشوئها أو غاية الوجود هي أفكار ومشاعر وتساؤلات وجودية، لكن أستراليا تقدم لك أسبابًا عديدة تجعلك تحتمل الحياة وتستمر؛ تعطيك القوة والدعم والعون. سؤالك ذكرني برد كلكامش حينما قالت سيدوري له:

إلى أين تسعى يا كلكامش؟

إن الحياة التي تبغي لن تجدها

فليكن كرشك مليئًا دائمًا

وكن فرحًا مبتهجًا نهارًا مساءً

وأقم الأفراح وارقص والعب

واجعل ثيابك نظيفة زاهية

دلّل صغيرك وأفرح زوجتك

فهذا هو نصيب البشرية

فالآلهة عندما خلقوا البشر

كتبوا عليهم الموت واحتفظوا بالخلود لهم

انتهت الجلسة. وصلتُ إلى البيت، أتصفح الفيسبوك، فظهر أمامي منشور لفتاة مسكينة ماتت بسبب العنف الأسري في العراق، فتذكرت قصة كتبتها بمناسبة اليوم العالمي للقضاء على العنف الأسري في أستراليا. شرعت أقرأ القصة التي كتبتها قبل بضع سنوات:

متأملة في مرآتي التي لم تُخفِ عليّ يومًا حقيقتي، لم تكذب ولم تضع لي جناحين وهميين، فوجدتُ ذاتي ضعيفة كخيط رقيق بين صخرتين، أو بين عالمين: بين خيالي وواقعي.

أغمضتُ عينَيَّ التي تفتقد إلى بصيرة الحياة والتجارب في العالم الخارجي، في عالم غير عالم البيت المحطم الذي حطم جناحي فتاة في السابعة عشرة من عمرها.

أغمضتُ عيني ورقصت رقصتي المرتجلة كطير يتراقص رقصة الهروب، كأنه الباليه، أو ربما رسم تعبيري بواسطة لغة الجسد. ألتف حول نفسي... أتمثل بجسد سليم لم يصفعه يومًا أمله الوحيد، ولم ترفضه يومًا مدفأته الوحيدة أيام الشتاء القارص. أتمثل بحب كبير يملأني، وكأنني وجدته في كل مرة سكنتني رغبة في احتوائه، أو ما يشعرني بأنني كائن لطيف يستحق اللطف. أكمل رقصتي التي تتناغم مع موسيقى بيتهوفنية هادئة كالحياة التي أرغب فيها. أبتسم وأتذكر شهر ديسمبر وبابا نويل الكريم بهداياه، فأطلب في سري فقدان الذاكرة والهروب من كتابي، الهروب من رواية لأخرى، لكني أنا من سأختارها. أستمر في التبسم، فعالمي الآن هو الأجمل، إلى أن طُرق باب غرفتي بوحشية ودون إذن، يخترق عالمي الوهمي ومساحتي الوحيدة للهرب من قسرية وحشية تحيطني كل يوم. فبدأت أبصر جسدي الذي بدأت أنسى حقيقة لونه، حيث الاحمرار والازرقاق لم يتركا بقعةً تذكرني بلون جسدي حينما ولدت. لم أعد أستطيع سماع نغمات بيتهوفن، فذاكرتي أعادتني لنغمات الصياح والبكاء والجلد بالصفعات في كل يوم عشته على هذه الأرض.

رقصة الهروب التعبيرية توقفت، فحبال السجن قسرًا أحاطتني ومنعتني من الهرب لأتقمص رواية أخرى تنافي روايتي، لتحذفها من الواقع ومن ذاكرتي.

باب الموت فتح، وبدأ يقترب ليعيدني إلى تراجيدية هذا البيت المحطم الذي لا يكف عن التحطم. اقترب، وشرارة نار حارقة تخرج من عينيه قبل كلمات الشفاه الجارحة... لكن، ولأول مرة، حينما نظرت إلى المرآة التي خلفه، رأيت ذاتي، لكن ليست تلك الذات التي كنت أراها سابقًا. رأيت قوة أكبر من قوة فتاة يافعة، ورأيت جناحين قويين أكبر من أحلامي ومن وحشية هذا الرجل الذي أمامي... وبكل قوة وجرأة قلت: كفى... لا بل صرخت وقلت: كفى... وبقوة الـ"كفى" هددت بالشكوى، وبقوة استهزائه فعلتها واتصلت... اتصلت وانتصرت على هذا الوحش، لأنني الآن في بلد لا يقبل الوحوش، بل يصطادها لينقذ الملائكة اليافعة الخائفة مثلي ... لكن اليوم! هذه اليافعة غلبت الخوف، وتوشحت برداء شخصية تحميها من وحوش الأرض.

عندما أنهيت قراءة هذه القصة، حزنت كثيرا وأنا اعيد قراءة خبر وفاة تلك الفتاة المسكينة، ففي بلادنا الشكوى ليست حلا مضمونا، لأن البقاء والانتصار للأقوى.

ما أعجب الحياة، بعضنا يلد في عائلة تحبه وتحميه، وبعضنا يلد في عائلة تقتله وهو حي وتقتلع كل امل يحاول أن ينمو فيه.

***

مريم نزار الديراني

 

خلف جدار الليل

وخلف الأسوار الملقاة على

جسد الذاكرة

سترحل أشجان طازجة اللون

وتولد أخرى

قبل ذهاب اليوم ليحضر

أفراح النهر

حفرتُ أخاديدَ لصاهلة الخيل الكلمى

أعلنتُ تكلس أزهارٍ دخلت توا

في معمعة الأقفاص المغزولة من

وبَر الطين

وهذا الطين بدا فيما بعدُ

كما نحن ظننا أدردَ...

ثَمَّ خرائطُ بدأت تسرع في السير

وكان وصول الترحال

خرائط ضالعة في المكر

كآيات الورم النائم

تردادُ سراديب الأرض

أنا حين شببت عن الطوق

أخذتُ ألاحظ أن الجبلَ الواقف

في أهداب القرية

يحيا الغربةَ

يوثِر مرأى الأحداق على

مرأى جثث الموتى...

جئت إلى السفن المربوطة

في خاصرة البحر

تأملت مخايلها

ثُم وضعت خطوط الطول مع العرض معا

في تجربة سافرة جدا.

***

مصطفى معروفي

قصص قصيرة جداً

- الجمال وحده لا يكفي..

التفت الى الخلف وهو في المقهى.. ثم حدق في اللآشيء وعاد الى فنجانه يرتشف منه رشفة أغمض بعدها عينيه، وحين فتحها ألتقت بعينين سوداويتين واسعتين وأهداب سوداء طويلة وحاجبان أسودان مقوسان حادان كالسيف وأنف صغير وفم ارجواني شهي في وجه أبيض مستدير ينساب على وجنتين شعر كستنائي على رقبة بيضاء طويلة وقامتها تبدو هيفاء سامقة باسقة..

ظل يحدق فيها كلوحة جمال الاهيه، حتى التقت العينان، فأدركت خجلا وتوارت خلف فنجان قهوتها، إلا ان التحديقة الثاقبة هذه ظلت محفورة في ذاكرتها تطاردها في كل رمشة عين، رغم انها حاولت نزعها ولكن دون جدوى..

أدرك ان الجمال شيء والأخلاق شئ آخر.. كما ادرك انه من الصعب إفتراض أن الجمال هو الاخلاق التي هي مصدر القيم بما فيها الجمال ذاته.

 **

قال:

اصطدمت صدفة بامرأة سمراء قبيحة بشكل لا يطاق وسقطت كتبي على الارض.. فبادرت هي مسرعة الى جمعها وتقديمها إلي مع ابتسامة بريئة فارقة رغم قبح وجهها وبشاعته.. وجه أسود يميل الى الإخضرار وانف افطس ومنخران عميقان وعينان غائرتان تحيطهما هالتان سوداوتان يلاحظ من خلالها لون ابيض بارق عند الإلتفاتة وشعر كثيف أشعث والجمال مفقود تماما ولكنها أبدت روحا غاية في الجمال والإندهاش والبهجة.. وحين ذهبت، اختفى الشكل وظل جمال الروح ماثلا في اعماق الذاكرة..

***

د. جودت صالح

12/ 6 /2026  

تميمةُ مَكْنُونِي

وَشْمٌ تمدَّدَ في فَيْءِ ذاتي

وأُرْجُوحةٌ من سَرابِ التجلّي

تُقايِضُ غُصناً بآهْ

أيُّها الوجومُ الّذي شجَّرَ الكونَ

في رِئةِ المُستحيلْ

تُرابُكَ يبتكرُ الآنَ جذراً

يُصادِرُني في ارتِعاشِ التّضاريسِ

يُسكنُني زَبَدَ الوقتِ

ينقشُ في غُضونِ الغناءِ

شَهْقةَ طينٍ صَقيلْ

أُصَلّي (لِپالاسْ) في شُهْبِ ظِلِّي

لِتَغزِلَ من لَحْني ضياءً

ومن جُرحي مَدى

انْبثَقَت من الملحِ

قامَتُها سورةٌ من رُمّانْ

وأنتَ

تُطاولُ ليلَ الكوارثِ

تُغري المنيّةَ بالصبرِ

تسرقُ من بُؤبُؤِ الخيلِ

كُحْلَ المكانْ

تُشاكسُ فوضايَ

تمنحُ كفَّ الحواسِّ تَرَفَ الغواية

تُرتِّبُ مَوجيَ فوقَ مقامِ الرِّهان

تُبحِرُ بالشمسِ نحوي

فتسقُطُ في مِعصَمي

فساتينُ هذا اللّقاءْ

هنا يتكسَّرُ ضوءُ اشتياقي

يُهشِّمُ في موشورِ الغُربةِ

وجهَ السّماءْ

كأنّكَ قُبلةُ أُرجُوانٍ تشظَّتْ

تُحرِّضُ فصلي على الكشفِ

تطرقُ فوقَ حِجابي

تُعرّي الوُلوعَ

وتكتبُ للسوسنِ المُختبئ

سيرةَ الأنبياءْ

يمامةَ وَجْدٍ أكونُ

أشدُّ اللُّحونَ من شَفَةِ السَّرْوِ

أرسمُ شمساً تَخِرُّ

لتنهضَ في البيلسانْ

ألوذُ ببُردةِ قلبينِ

فوقَ سريرِ الذّهولْ

حرائقُ تغفو

وتصحو على ظلِّها

في هُبوبِ الحنانْ

أتّكئُ على ريحٍ

كانت بالأمسِ سِياجاً

وأمْضِي

حيثُ لايَلزَمُني البَقاء

***

مرشدة جاويش

(سقوط الظل)

لم أكن أطيق السكن في البيت الطلابي المزدحم الخاضع للرقابة. كنت أحلم بغرفة صغيرة أستطيع أن أغلق بابها عليّ وأعيش فيها بهدوء، لكن العثور على غرفة للإيجار في موسكو لم يكن أمراً سهلاً. كانت أزمة السكن خانقة؛ فغالباً ما كانت عدة عائلات تتقاسم شقة واحدة، لكل عائلة غرفة، بينما يشتركون جميعاً في المطبخ والحمام. أما أن تنفرد عائلة بشقة كاملة، فذلك من ضروب الرفاهية النادرة.

كانت إعلانات التأجير قليلة، تضيع بين عشرات الإعلانات الخاصة بتبادل الشقق، المعلقة على الجدران وأعمدة الكهرباء واللوحات الزجاجية التي كانت تُعرض عليها صفحات جريدتي البرافدا» و«إزفيستيا» .»

وذات يوم، قرب محطة «ريجسكايا»، وقعت عيناي على إعلان صغير شدّ انتباهي:

«غرفة للإيجار لشخص واحد، ويفضل أن يكون طالباً أو طالبة.»

نزعت الورقة بسرعة ودسستها في جيبي كي لا يسبقني إليها أحد. فقد تهرأ حذائي من كثرة التجوال والبحث. وكم من مرة كنت أتفق مع أصحاب الشقق على استئجار غرفة، ثم ما إن يعلموا أنني أجنبي حتى يعتذروا بأدب قائلين إن القوانين لا تسمح لهم بإيواء الأجانب.

توجهت فوراً إلى العنوان المذكور. كانت الشقة تقع في الطابق الثالث من بناية حجرية قديمة ذات طراز روسي عتيق. صعدت الدرج الحجري، إذ لم يكن في البناية مصعد، ثم ضغطت على الجرس.

بعد لحظات سمعت وقع خطوات بطيئة. انفتح الباب قليلاً، وأطلت منه امرأة في أواخر العمر، دبّ الشيب إلى شعرها الكستنائي المشدود تحت منديل أزرق داكن.

تأملتني لحظة وقالت:

ـ لعلك جئت من أجل الغرفة؟

ـ نعم.

فتحت الباب على مصراعيه وقالت:

ـ تفضل يا بني.

قادتني إلى غرفة صغيرة تضم سريراً وطاولة ودولاباً متواضعاً ومصباحاً إلى جانب السرير.

قالت:

ـ الغرفة صغيرة، لكنها مريحة.

أجبت:

ـ تناسبني تماماً.

سألتها عن الأجرة، فهزت رأسها وقالت:

ـ الأجرة ليست أهم شيء. لدي شرطان فقط: لا سُكر ولا فتيات.

ابتسمت وقلت:

ـ أوافق.

ـ عشرون روبلاً في الشهر.

وافقت من فوري.

قالت:

ـ جيد. والآن تعال إلى غرفة المعيشة حتى أحضر الشاي.

جلست وحدي للحظات أفكر: هل أخبرها بأنني أجنبي؟ كنت أعلم أن الحقيقة قد تنهي الاتفاق كله. غير أن العيش متخفياً كان يثقل ضميري؛ ففي كل مرة أخفي فيها هويتي أشعر وكأنني أمارس نوعاً من الخداع.

عادت المرأة وهي تحمل صينية الشاي، وما إن وضعتها على الطاولة حتى قالت مبتسمة:

ـ في الحقيقة، كنت أشك منذ البداية أنك أجنبي. مظهرك مختلف عن شبابنا. لكنني سأغامر. لم يعد يهمني كثيراً ما قد يقوله رجال الأمن.

تنفست الصعداء وقلت:

ـ أنا من العراق.

ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:

ـ على أي حال، سأغامر وأؤجر لك الغرفة

عندئذ بدأت أتأمل الغرفة من حولي. كان الجدار المقابل للنافذة مغطى بالكتب من الأرض إلى السقف. لم أرَ من قبل هذا العدد الهائل من الكتب في شقة خاصة. أثارتني العناوين المتراصة على الرفوف، فبدا المكان أقرب إلى مكتبة منه إلى غرفة معيشة.

لاحظت اهتمامي فقالت:

ـ الكتب هي كل ما تبقى لي تقريباً.

ثم نهضت وأحضرت عدة مؤلفات من رف قريب. قرأت عناوينها: «شعرية كوبرين»، و«جماليات قصص كيريلينكو»، وكتاباً قديماً اصفرّت صفحاته بعنوان «لغة ميخائيل زوشينكو».

كان الاسم جديداً عليّ.

سألتها:

ـ من هو زوشينكو؟

حدقت بي بدهشة صادقة.

ـ كيف تدرس في موسكو ولا تعرف زوشينكو؟

قلت:

ـ لم أسمع باسمه في الجامعة، ولم أرَ كتاباً له في المكتبات.

تنهدت وقالت:

ـ لأن كتبه كانت محظورة سنوات طويلة. قبل فترة قصيرة فقط صدر مجلد صغير من مختاراته، واختفى من الأسواق فوراً.

ثم اتجهت إلى أحد الرفوف وعادت وهي تحمل مجموعة من الكتب.

ـ هذه مؤلفاته الكاملة. يمكنك أن تقرأها متى شئت.

تناولت أحد المجلدات. وعلى الصفحة الأولى إهداء بخط اليد:

«إلى أعز صديقة.»

فتحت كتاباً آخر:

«أنتِ ضوء حياتي الحزينة»

وفي ثالث:

«لولاكِ لما ظهر هذا الكتاب.»

رفعت رأسي نحوها وقلت:

ـ يبدو أنك كنت تعرفين زوشينكو معرفة وثيقة.

ساد الصمت.

اتجهت المرأة إلى النافذة وأخذت تنظر إلى أشجار البتولا التي اكتست بخضرة الربيع. وبعد لحظات قالت بصوت خافت:

ـ معرفة وثيقة؟ نعم... يمكن أن تقول ذلك.

ثم أشارت إلى الغرفة الصغيرة التي كنت سأقيم فيها.

ـ أما السرير الذي رأيته هناك... فكان ينام عليه عندما يأتي إلى موسكو.

التفتُ إليها مدهوشاً.

ـ زوشينكو نفسه؟

أومأت برأسها.

ورأيت الدموع تترقرق في عينيها.

سألتها برفق:

ـ وأين عائلتك الآن؟

أجابت بعد صمت قصير:

ـ زوجي لم يعد من المعتقل قط. وابنتي تزوجت وتعيش في حي آخر من المدينة.

ثم عادت بنظرها إلى الأشجار خلف الزجاج، كأنها ترى شيئاً لا أراه.

وعندما تكلمت مرة أخرى كان صوتها يرتجف:

ـ منذ رحيله لم تغب صورته عن مخيلتي يوماً واحداً. أحياناً أشعر أنه أقرب إليّ من جميع الأحياء الذين ألتقيهم. بل إنني أكاد أصدق أنه ما زال هنا، بين هذه الكتب، في هذه الغرف، في هذا الصمت...

ومسحت دمعة سالت على خدها وأضافت:

ـ لا أدري إن كانت ثمة حياة لي بعد ميشا.

***

قصة قصيرة - جودت هوشيار

................

* ميشا: اسم تدليل لميخائيل

أحيانًا

تدفعني اللحظةُ

للعيشِ كما الفكرةُ الطارئة؛

إن لم تُقتنَصْ، تُنسَ،

وتكون، على سبيل المثال،

ذِكرًا... أو لا ذِكر،

على الألسنةِ الخفيفة،

بعد قهوةٍ ساخنةٍ

وُزِّعتْ على العاطلين

في مقهًى

يُزاولُ الانفتاحَ على مصراعيه.

كلما نادى النادلُ:

تعالوا،

لنشربْ نخبَ الانتصارِ

فوق الطاولة،

في وقتٍ لا يتثاءبُ

قبلَ الفجر.....

2

كُنْ معي،

من صفاءِ العارفين،

مسبحةً بتسعٍ وتسعين خرزةً،

لئلّا يتوهَ العدُّ،

وأعودَ من هناك

إلى مواضعَ

يُقرأُ فيها الحدسُ

من زاويةٍ أخرى،

فيطيرُ من يدي،

أثناءَ السبق

عصفور.....

***

رجاء الغانمي - العراق

اهداء الى الحبيبة ميادة

أهوى الغناءَ وإنّي من محبيهِ

مستثنيا ً منهُ ما انحطتْ معانيهِ

*

ولعت ُ بالشعرِ والألحانِ مِن صغري

والفنّ أنفقتُ وقتي في نواديهِ

*

ميّادةٌ هي للأجيالِ مفخرةٌ

وكوكبٌ لا يُجارى في أعاليهِ

*

لها الصدارةُ والأسماعُ شاهدةٌ

إذ الغناءُ تبارى فيهِ شاديهِ

*

فنٌ أصيلٌ وإبداعٌ ممّيزةٌ

سماتُهُ غيرُ محتاجٍ لتشبيهٍ

*

لها أداءٌ جميلٌ لا نظيرَ لهُ

وصوتها لمْ أجدْ صوتا ً يضاهيهِ

*

لهُ على النفسِ سحْرٌ حينَ تخفضهُ

ويملأُ ُ القلبَ شوقا ً حينَ تُعليهِ

*

فاللحنُ يصبحُ أحلى حينَ تنشدهُ

والشعرُ أعذبَ وَقْعا ً إذْ تغنّيهِ

*

قد أسكرَ القلبَ من ميّادةٍ نغمٌ

أنساهُ عالمهُ القاسي وما فيهِ

*

فقلتُ لمّا انتشى الوجدانُ من طربٍ

هذا الغناءُ الذي يسمو بأهليهِ

*

هذا الجمالُ الذي قدْ كانَ يلهمني

وقدْ بدا الآن في سامي تجلّيهِ

*

فاصدحْ لمطربةِ الأجيالِ نجمتنا

ولْتتْركِ الشعرَ يُهديها قوافيهِ

*

ستسمعُ البلبلَ الشادي يكرّمها

والروضُ ينفحُها زاكي أقاحيهِ

*

والبحرُ سوفَ يناغيها بأغنيةٍ

حتّى تعودَ إلى سكرٍ شواطيهِ

***

جميل حسين الساعدي

حِينَما قُلتُ ارتَجَلتُ ما كتَبتُ

بَيْنَ بَرْقِ النَّرجِسِ المُخْتالِ

بِالأَسْماءِ

والظِّلِّ

وَطُغيانِ السِّنين

*

شَبَّهَتنِي لَحظَتي بِالسَّائِلين

فَحَضَنتُ

رِئَةَ الحَرْفِ

وآليتُ سَأَكتبُ

بِخُيوطٍ مِن صَليلِ

الذِّكرَياتِ2967 soad

جَفَلَ الحَرفُ ابْتِداءًا

ثُمّ

فاضَتْ

مُقلتاهُ

بِاللآلِئ

***

طارق الحلفي - المخيم الصيفي للأنصار

 صوف البحر/ هولندا

2026.06.29

.......................

* في أمسية انصارية جميلة، تحدثت سعاد الراعي عن تجربتها الإبداعية (قصة ورواية ونقدًا) بقراءة من هدوء الكلام

العينُ تؤنِسها الالفاظ ُ زاهية ً

قبل التحقق، مِن زيْف المضامينِ

*

ومُقْلة القلبِ، تحكي ما تراه اذا

جَدَّ المصيرُ، بلا لونٍ وتزيين

*

(يامن يعزُّ علينا انْ نفارقهم)

أسَرتم القلبَ، في كل الاحايين

*

يالائمي انت لا تدري بفَجوَتنا

عُذْرِيةُ الحب، حتى في الاساطين

*

(سعيا على الراس لاسعيا على القدم)

صَوْبَ القداسة – طبعا – دون تلْقينِ

*

إنْ تُرسلَ العُذْرَ مكتوبا، توثِّقُه

مراتبُ الوصل، بين الجيم والسينِ

*

وما اختبارُ وِدادِ المرء تسلية ً

بَل القرارُ، لتَثْبِيتٍ وتَعيينِ

*

وفي التجاهل، مهما النصُ في عَوَزٍ

حِرمانُ فحواه، مِن رأي وتَثْمِين

*

من رام تزويقَ إعلانٍ وفخْفَخةٍ

نهْجُ الحقيقةِ بيِن الكاف و النون

*

وَصْلُ التكلّفِ، يبْدو في تَشنُّجِهِ

وللنَباهة دَوْرٌ، في المَوازِين

*

الطّوْدُ، تُبْنى بحرف العِزّ اسطرُهُ

والحرفُ كالسيف، في دَحر الثعابين

*

سِرُّ المَحبَّةِ، شِريانٌ تُعزِّزُه

روافدُ الصِدقِ مِن حينٍ الى حِينِ

***

(من البسيط)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

في نصوص اليوم