نصوص أدبية

نصوص أدبية

صَخُوبًا يُطلُّ عليَّ رداؤُكِ

من شُرُفاتِ الهشاشةِ والشّجنِ.

ووجهُكِ يهطِلُ آهًا وأسئلةً.

يُطالعُني بِلَظَى الْبرتقالِ

وفيْضِ مَدامعهِ.

ولِلْبُرْتقالِ إذا ما شكا

صَخَبٌ ومُنَاحَاتُ مِجْمَرَةٍ.

وما في الرّمالِ خِضابٌ ومِدْفَأَةٌ،

وما في السماء جناحٌ ومائدة.

تَقَصَّدَ - مِنْ شوْقِهِ - الْبرتقالُ

وما طَبَّبَتْهُ يَدُ الشَّوْقِ لَمَّا اشْتَكَى.

وها قدْ تَشَرَّبْتِ منه الْوَجِيفَ

وعِطْرَ مَدَاخِنِهِ.

*

صَخُوبًا يُطِلُّ عَلَيَّ رِدَاؤُكِ

مِنْ شُرُفاتِ الْهَشاشَةِ والشّجنِ.

ويَحْضُرُنِي نَقْلُ " كَلْحَبَةَ الْعُرَنِيّ

لِوَقْعِ النِّبالِ على الْبَلْدَةِ  (*)…

فَيَغّتالُ وَجْهَ  مَجَازي

هُطُولُ جِمَارِ الصَّرِيمِ

بِكُرَّاثِهِ الْنُزِّعَ…

ويرْتَشِفُ الْعَصْفُ كأسي

وأزهارَ أُغْنِيَتي.

وهذي الْمَرايا تُرَوِّعُني

بِضَبابٍ بِلا زَمَنٍ.

بِأَعْيُنِها، سُنْبُلاتٌ بِلا دَسَمٍ.

وفيها شُجَيْرَاتُ غارٍ بِلا وَرَقٍ…

*

يُحَدِّثُني الْغارُ

عنْ شَهَقَاتِ أكالِيلِهِ

ومَوَاجِعِهِ.

يقول: " تَهَيَّفَ وجهي

وزَمَّلَني الْهَيَفُ…

هنا كُنْتُ

مُذْ شَهِقَ الْقَمَرُ.

ولازلْتُ أَلْثِمُ وَجْهَ الرّمالِ

وقدْ ضَعُفَ النَّظَرُ.

هنا، لا أزالُ

أَهِيمُ بِبَلُّوطَةٍ

يَرْتَوِي بِمَدامِعِها جسَدِي.

ولا زلْتُ

أَضْفِرُ مِنْ شَجَنِي

وَرَقًا تَتَعَجّبُ مِنْ نُورِهِ الْمِحِنُ…

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي- تونس

....................

(*) اقتباس من "كلحبة العرني" في وصف أثر النبال في جسد فرسه إثر إغارة عليها… (المفضليات)

- البلدة: وسط الصدر من الفرس.

 

كنت واقفا أمام البحر ككل الآخرين

ممن احترقوا مثلي في حب الوطن

جسدي الصغير في مقابل وحشة البحر الكبرى

النوارس تخبئ الأسماك في صداع أصواتها

و أنا أودع شمسا تتعرى من ثوب النهار

لتدخل عروسا إلى خدرها في الغروب

أقف شامخ الجسد والروح جاثية على ركبتيها

يلطمها الموج كجزيرة يتيمة متعبة...

أرى في الغروب ما لا يراه الآخرون

أرى انطفاءة الروح الأولى

أرى وجه من غادروني بلا عودة

أرى طفولتي تركض باتجاه ألعابها المخدوشة بالفرح

أرى الماء والهواء

أرى السماء حمراء كنهدي حبيبتي بعد العناق

أرى البحر يلقي قصيدته موجة موجة ليغازل اليابسة

أرى قمراً ينفض النهار عن كتفيه يمشي الهوينى

أرى أمي وهي تعد فطيرتي من الشحم

أرى أبي وهو ينظف غليونه بدم رأتيه

أرى إخوتي وهم عائدون من المدرسة مثقلين بالحلم

أرى الله في القرآن يبعثر السماء ويعيد تكوينها

أرى مدينتي المصابة بالجدام

أرى حبيبتي الأولى

أرى حبيبتي السادسة

أرى حبيبتي العاشرة

أرى ضحكتي وهي تضيع مني في زحام العمر

أرى دمعتي تدنو من خدي نازلة

أرى كل شيء

أرى كل شيء ولكنني لا أراني

تشتت الأشياء من حولي

بلل المكان بالنسيم المعبأ بالجفاف العاطفي

تلف الأيام بحنجرتي

دونما معنى يوفي ذكرياتي ملوحتها

ذكرياتي بحر والذكريات مد وجزر

أتذكر قليلا وأنسى كثيراً

أنسى قليلا وأتذكر كثيراً

و في خضم هذا التواطئ بين التذكر والنسيان

أقول بكامل عذوبة هذا المدى:

لا غروب لقلب الشمس

ما دامت الشمس شروق في قلب الإنسان

فلنتقاسم إذن يا بوسيدون هذا التناقض بيننا

خذ مني كل ما تحجر في قلبي من ذكريات يابسة

و هات خنجرك لأذبح العاصفة

لعل البحر يسكر بدم أخاطيبه فيخبرني

من أنا؟

وماذا كنتُ قبل طلاق البحر واليابسة.

***

مراد الحسناوي

 

هي الليالي على رغمٍ بنا تَخِدُ

دنيا نعيشُ بها للموتِ ما نَلِدُ**

*

مِن عهدِ آدم أعيى كلّ مُضطلعٍ

لُغزُ المماتِ وفيه الناسُ قد جُهِدوا

*

لأنّ مَنْ أوجدَ الدنيا بحكمتهِ

قضى نعيشُ بها حِيْنًا له أمدُ**

*

ولو رجعنا الى الدنيا لنسألَها

قالتْ كفانا بها التفنيدُ والفَنَدُ**

*

إنّا طُبعنا على جهلٍ فما صَلُحتْ

منّا النفوسُ ولا نرضى بما نجدُ

*

واهٍ على عالَمٍ أفنى محاسنَهُ

حرصُ اللئامِ وهذا الجورُ والحسدُ

*

مَحّصْ قليلًا ترى آمالَنا حُلمًا

يمضي وأنّ مآلَ المُجتنى بَددُ**

*

بل كيف نبقى وقد بادتْ بها أُممٌ

مِن قبلنا واستوى في حُكمِها لُبَدُ**

*

ولم يزل ناطقًا دهري بموعظةٍ

للموتِ شَرعٌ ومَنْ للموتِ لا يردُ**

*

نوازلٌ لم تزلْ منّا على كثبٍ

تُغيرُ غارةَ ذي ثأرٍ به حَرَدُ**

*

منها المنايا إذا حلّتْ بنا فجعتْ

نفوسَنا ولها مِن حولنا رصدُ

*

وقد نزلنا على أحكامِها وبنا

داءُ الغرورِ وفي آنافنا العَبَدُ**

*

لو اتعظنا كفانا مِن مواعظها

ما قد نراهُ وللغاوي بها رشَدُ

*

هو الرحيل ولا يبقى سوى أثرٍ

ذكرى نعيشُ بها بالوجدِ تَنعقدُ

*

ولو يَكونُ الفِدى ما كانَ قدْ بخِلتْ

بعضُ النفوسُ لمَنْ أحبابَهم فَقَدوا

*

وجنّةُ الله مأوى النفسِ إنْ صَلُحتْ

فيها النعيمُ مقيمٌ دائمٌ أبدُ

*

قد خصّها اللهُ مَنْ دانوا لطاعتهِ

والصالحينَ جزاءً مثلما وُعِدوا

*

لكنْ نرى راحةً في دمعةٍ ذُرِفَتْ

على عزيزٍ إذا ما خاننا الجلَدُ

*

وسُنّةُ اللهِ في الاحياءِ نافذةٌ

وهو الرحيمُ بنا والغافرُ الصَمَدُ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

العراق / الكوت في 16 شباط 1971

..................................

** تخِدُ: تسير

**السُنة: النهج

**الامد: المُدّة الزمنيّةِ

** التفنيد: ردّ الرأي الخطأ

** الفند: ضعف الرأي وفساده

**مَحّص: أي افحص واختبر

**البدد: أي التشتت والتفرق

**لَبَد: أحد النسور لآحد الملوك العَرب في الجاهليةِ يُضرب بطول عُمُرهِ المَثل

**شَرَعَ الموت: أوجدَهُ وأظهرَهُ

**الحَرَد: الحقد والغضب

** العَبَد: هو التعالي والتكبر

 

لا أملك وقتا للحزن

لكني تعلمت،

أن أصغي للريح

حين تداعب قامات القصب

لإسامر همسات السحر..

وتعلمت أن أشم تراب الأرض

بعد هطول المطر..

ونثيثا أراني

أتنفس فيه الفرح

حين يخنقني القهر..!!

**

تقولين عد إلي ..

ولكني،

لم أغادر كي أعود

إلى مكان تكون فيه

الحياة كالقفص..!!

**

أعطني هواءا نقيا

حتى أعيش،

اعد في سمائنا النجوم

وهن نائيات غافيات..

اعطني نايا

تراتيله ناعسات

عابرات الزمان

اعطني وردة وبندقيه

لأمنع قتل العصافير على الشجر..

**

دعيني أشاغل لحن البراري

في فضاء تعطره فسحة من كلام

يملؤها الوجد

تحت ظلال الهيام..

دعيني ..

أسرج راحلتي

اطارد حلمي الشريد،

إلى مكان بعيد

لا تكون فيه الحياة

باهتة فاقعه كلركام ..

دعيني،

أشم نسيم الضفاف عند الغروب..

اتركيني أتنفس فيك هواء الليل

أتحسس دفْء الشمس

في فضاء كله من صقيع..!!

تلك راحلتي

خذيها وثيابي

وعصافيري

إحبسيها..

خذي أصصي،

إذا خاب ظنك من غيابي

إسحقيها ..

سأغلق بابي

إذا ساد صمتك من بعيد

وماتت دعابات سهدك

في وضوح النهار..

تقولين دعني أكون الفنار

على ساحل

صباحاته باسمات

وأمواجه حالمات

فلا أكترث من صفير الرياح

وصوت النباح

وهمس الغواني الملاح..!!

**

اقول لنفسي، ما أجمل الصمت

في دنيا الهوى طربا..

يقتات من وجع الدنيا وإن تعبا..

لكن ما اخشاه يجرحني

صمتا ونهشا

ولا من منقذ وثبا..!!

***

د. جودت صالح

22/12/2025

الذّاتُ الهاربةُ إلى الأمام…

أيَّ وجعٍ تحمل؟

*

تحملُ ثِقَلَ البداياتِ التي لم تُمنَحْ وقتَها،

وجعَ القراراتِ التي وُلِدَتْ قبل أن تنضجَ الشجاعة،

وصدى خطواتٍ عادتْ

من منتصفِ الحلم

خائبةً.

*

تحملُ ذاكرةً

تعضُّ من الداخل،

تفتحُ دفاترَها فجأةً

في أماكنَ لا تسمحُ بالبكاءِ،

وتُجيدُ اختيارَ أكثرِ اللحظاتِ ازدحامًا

لتسأل، متى نلتفتُ إلى أنفسِنا؟

*

الذّاتُ الهاربةُ إلى الأمام

تحملُ خوفًا متقنَ التخفّي،

يلبسُ قناعَ الاستعجال،

ويمشي واثقًا

كي لا يُفضَحَ ارتجافُه.

*

تحملُ قلبًا

أرهقتهُ محاولاتُ الفهم،

وأقنعَ نفسَه

أنّ الركضَ شكلٌ آخرُ

من أشكالِ الحكمة.

*

في صدرها

مرافئُ لم ترسُ،

ووعودٌ أُجِّلَتْ

حتى نسيتْ أسماءَها،

وأحلامٌ

تنامُ خفيفةً

كي لا تُوقظَ الخيبة.

*

تهربُ إلى الأمام

لأنّ الخلفَ

مكتظٌّ بمرآةٍ صادقة،

تسألُ بلا رحمة، من كنّا؟

ومتى خُنّا بطءَ قلوبِنا؟

*

أيَّ وجعٍ تحمل؟

تحملُ وجعَ من نجا

وجعَ من اختار الحركة

كي لا يتعلّم

كيف يُقيمُ في الألم.

***

مجيدة محمدي

لَكأَنّي في رَغَدِ الصَّمْتِ أَمْشِي،

سَماء تَطْفُو على مِساحَةٍ عَذْراءَ…

يَتَشَكَّلُ المَدَى، كَأَنِيسِ سَاحِرٍ في غُضُونِ الوَقْتِ الثَّقِيلِ.

وَإِن كُنْتُ أَمْلأُ جَوْفَ الْمَعْنَى،

وَأَقْسُو بِالسُّؤالِ المُرِيبِ،

نَقْرِهِ المُتَداعِي،

بَيْنَ انْقِضاءِ وَعْدٍ وَتَرْمِيمِ جِدارٍ…

ها إنّني لَسْتُ أَنَا، في كُلِّ اجْتِزاءٍ

فَإمّا أَكُونُ كُلِّي،

أَو أُعِيدُ احْتِذاءَ بَعْضِي…

فَأَمْضِي، إلى عَرَاءِ العَرَاءِ.

لَكأَنّي مُعَارَةٌ مِنْ ظِلِّ هُدًى…

لَكَأنّْي شَوْقًا، يَعِزُّ أَنْ تَجْلُوهُ الرِّزَايا،

أَو يَفِرُّ إلى مَسَاءٍ دَنِيٍّ…

تَلَبَّدَت حُتوفُهُ في عَتْمَةٍ غَضُوبٍ…

أيَكُونُ الصَّدَى خُلسَةً تَمْدَحُ الآنَ،

في آخِرِ انْشِقاقٍ…

دَمٌ يَتِيمٌ، يُوَهِمُنِي شَزَرًا،

إِعراضًا كَتُومًا،

في سَكَنِ الصَّدَى،

يَتَقَصَّدُنِي كُلَّمَا صَاغَ البُعْدُ شَرَارَتَهُ…

يُدَنِّي آهَةً، على سِجْرِ اللِّقَاءِ…

كَمَا يَأْتِي الشِّتاءُ شِتاءً،

وَيَأْتِي السَّمَامُ خَفِيفًا،

مِنْ رِيحِهِ الحارَّةِ،

يَفْتَرُّ في بُرْجِهِ الهَامِيَّ

كَأَنَّهُ صَمْتٌ في قَيْدِ العَرَاءِ…

لَكأَنّي مُعَادة إلى زَمَنِي،

وَلَيْسَ مِنّي عُمْرٌ دُونَ الجُنُونِ…

مِنْ شِعْرٍ مَا تَقَمَّصَ الرُّوحَ…

أَو تَعَذَّرَتْ في وَمَضاتِ البُعْدِ…

صَدًى هَذِهِ الحَيَاةِ،

تَجْثو على أَثَرِ الظِّلِّ، وَلَا تَنْسَى…

أَو هِيَ مَفَازَةٌ بلا ماءٍ،

قَدْ أَوْرَدَها عَطَشُ القَصِيدِ،

ثَرَاءُ البَياضِ السَّنِيِّ،

صَفَاءُ الصَّفَاءِ…

لَكأَنّي أُمْكُثُ في رَغَدِ الوَرْدِ…

الأَبْهَى في صَبَاحَاتِي الجَدِيدَةِ…

أُعِيدُ الحُلْمَ إلى وِسَادَتِي، في صَيْفِهَا الفَائِتِ…

كَجُبَّةٍ سَرْمَدِيَّةٍ، لَا تَغْفِلُ اشْتِيَاقًا، شَغُوفًا بِيَدَيَّ الطَّيِّبَتَيْنِ…

بِعِطْرِ الأُمُومَةِ الَّتِي تَتَمَلَّكُنِي،

وَلَيْسَ لِي غَيْرُ هذَا الحَشَا المَهْمُورِ،

كَدِينٍ وَفِيٍّ بِعَهْدِ الوَفَاءِ…

***

مالكة العلوي

 

درّةَ الأنقياءْ

أَ تبصرُنا ؟!

تحاصرُنا زمرُ اللؤماءِ ونحنُ النقاءْ

*

وهجَ الأذكياءْ

أَ تدركُنا ؟!

يطوّقُنا عسسُ الأغبياءِ ونحنُ الذكاءْ

*

صفوةَ الأصفياءْ

يريدونَ تكديرَ أمواهِنا بالسمومِ ونحنُ الصفاءْ

*

يقولون سوفَ تعودْ

تأخرتَ يا صاحبَ المعجزاتِ كثيراً، فأينَ الوعودْ؟

*

نحنُ أصحابُكَ الأنقياءُ، وأبناؤكَ الأذكياءُ، وخلّانُكَ الأصفياءْ

قليلونَ نحنُ، بلْ نادرون

وحيثُ مضينا فسوفَ ترانا على أرضِنا نزلاءْ

و مغتربين ..

أو غرباءْ

لأنّا نحاولُ دوماً بكلِّ قوانا

نكافحُ كي نرفعَ الأرضَ نحوَ السماء

ولا نتركُ الركبَ يرحلُ

حتى تكونَ بِهِ الناسُ مِن كلِّ صوبٍ ومِن كلِّ حدبٍ سواءْ..

***

شعر: كريم الأسدي

....................

* زمان ومكان كتابة هذه القصيدة: مساء 23 ـ 24 من كانون الأول 2025، في الناصرية ـ العراق.

الضفة الأخرى سهل طيني يغمره الماء وتظلله الازهار وينمو العشب سريعا فيه يأتيه المد في الصيف كمجيء الضيف فيسقي الجرف المخضر وما يحويه أني أجلس بعيدا عنه

لكني أشعر أني أحكيه هذا قدر من يعشق

والعشق يبدو في حرفي وطن لا يمكن لي أن أنفيه أحمله دوما اظهره حتما

لا أخفيه والحمل ثقيل

لكني لا أتركه أو أعطيه قد أروى بعض حكايات عنه يتناولها الماضون على جرفيه

قال الراوي كنا ننتظر من ينقلنا عبر النهر من هذا السهل الاخضر الي ضفة النخل وبيت الاهل،وذلك أمر نعنيه ونعانيه، وكنا نتعب أحيانا حين نناديه

واخيرا نحظى بالزورق ونعطي الأجرة بالحق وبما يرضيه، لكن أمرأة صعدت معنا، رفضت ان تعطي ما نعطيه،

فاشتاط الشيخ (صاحب الزورق) وخاطبها بصوت عال: اني سارجعك الى ذاك الصوب وتلاقين الذي تلاقيه!

قلنا ندفع عنها، رفضت وقالت ارجعني يا شيخا أبلاه الدهر ولم يعرف ماضيه، كانا

في َ منتصف النهر، ونحن على الجرف راينا الضحكة تشرق من فيها ومن فيه، فاستغربنا، فإذا هي أمراته جاءت عن عمد تختبره، ففتعلت ما لا يرضيه غيرت صوتها ووجها بخمار ظلت عنا تخفيه!!!!!

***

عبد الهادي الشاوي

 

هَـلْ تَعْــلَمُ أَنَّ الطُّـغْـيَانْ

رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الإِنْسَانْ

زُورًا يُبَـعِدُ عَــنْهُ التُّهْــمَةَ

وَبَـرَاءٌ مِـــنْهُ الشَّـــيْـطَانْ

**

فَالْإِنْـسَانُ كَـمَا قَــدْ كَـانْ

لَا يُـدْرِكُ مَعْـنَى الْإِنْــسَانْ

مُذْ كَانَ حَبِيسًا فِي نُطْفَةْ

حَــتَّى مَـــلَكَ الْأَرْضَ الْآنْ

**

مُـــذْ كَـــانَ بِـلَا عُــــنْوَانْ

يَبْـحَثُ عَـنْ ظِـلٍّ وَمَـكَانْ

يَأْوِيــهِ، وَيُبَـــدِّدُ خَـوْفَــــهُ

لِيَبْــعَثَ فِــيهِ الاطْمِـئْنَانْ

**

ثُـمَّ يُبِــيدُ الْأَمْــسَ بِـكَانْ

وَيُنَافِـسُ حَـتَّى الشَّيْـطَانْ

يَنْصِبُ كُرْسِيًّا لِلسُّلْـــطَةِ

لِيُشَـــتِّتَ كُـــلَّ الْأَزْمَــانْ

**

يَبْــنِي قَصْـــرًا لِلنِّسْـــيَانْ

يَمْـشِي مُخْــتَالًا سَــكْرَانْ

حَـتَّى يَـصْرُخَ فِــيهِ مُـــنَادٍ

فَكَمَا كُنْتَ تُــدِينُ تُــدَانْ

**

حِـينَ يَـحُلُّ الْمَـوْتُ وَآنْ

يَـــوْمٌ قَـــــدَّرَهُ الـــدَّيَّــانْ

يُـدْرِكُ مَـنْ غَـرَّتْـهُمْ دُنْـيَا

مَا عَـادَ لَـدَيْــهِمْ سُـلْطَانْ

***

جليل إبراهيم المندلاوي

امسكت بيدي هاتفة بي، تعال يا بني. إلى أين يا أمي. ألن أذهب اليوم إلى المدرسة؟. لا لن تذهب. أنت ما زلت في صفّ البستان، يقولون إن الأطفال في هذه السن يمكنهم أن يتغيّبوا، دون أن يتضرّروا. فركتُ يدي بفرح خفيّ، كي لا أشعر أمي بما شعرت به من فرح وسرور. إلى أين سنذهب ؟.. لم تردّ أمي.. وانطلقت باتجاه سوق البلدة القديمة. بسرعة الفهم عرفت إلى أين نحن متجهان. أمي: سنذهب الآن إلى قريبتنا كريمة مختار، لم تكن هذه من أقربائنا اللزم. وإنما كانت متزوّجة لاحد محظوظي عائلتنا. هذا المحظوظ آثر أن يبقى في الناصرة مُنعّمًا بأحضان محبته لبنت الحسب والنسب، مُنفصلًا عن جميع أبناء العائلة الذين ولووا باتجاه الأردن ليقيموا هناك في حين نقيم نحن وقريبنا الوحيد هذا في الناصرة.

خرجنا مِنَ الحيّ الشرقي صاعدين طلعة الديرا سانطة، في طريقنا الذهبي إلى جنة السوق، وكنّا كلّما اقتربنا منه زكمت أنفي رائحة قصب المصّ. ترى هل ستشتري أمي لي قضيب قصب المصّ من الجرينة القريبة، كما فعلت في السابق، قبل دخولي المدرسة؟.. مؤكد أنها ستفعل، فانا جائع يا امي.. جائع.. ما كان علينا أن نخرج من بيتنا قبل أن تطعميني، ولو لقيمات قليلات.

الطريق مِن بيتِنا إلى السوق كان طويلًا جدًّا، فقد كنت استعجل الدقائق واللحظات لأن تمرّ ولأن أصل إلى هناك حيث أسكت جوعي لدى قريبتنا الغنيّة المُرفهة.. كريمة مختار.. زوجة قريبنا السيد ضرار افندي. الطريق إلى هناك يطول، وانتظاري للوصول يطول، وها نحن نصعد درجات بيت قريبتنا. أو نسيبتنا.. سمّها ما شئت، فهي زوجة قريبنا، وقريب قريبك قريبك.

قرعت أمي الباب الخارجي للبيت.. المُطلة نوافذه على خيرات السوق وبركاتها. فأطلّ وجه قريبتنا الطيبة الكريمة، كريمة مختار، رحبّت بأمي داعيةً إياها للدخول، وناظرةً نحوي بقليل مِنَ الرضا. فهمت من ذلك أنها ترحّب بأمي، ولا ترحّب بي.. أنا الطفل الصغير. دخلت وراء أمي، أغلقت نسيبتنا الباب وسرنا وراءها باتجاه الداخل. استقبلنا هناك في الغرفة الصغيرة المفروشة بفرش عتيق لاستقبال الضيوف، قريبنا ضرار افندي، صاحب البيت. استقبلنا بابتسامة جافة جامدة.. ملأى بالحَيرة والكبرياء، ولم تنهها إلا نظرة من عينيّ زوجته. خرج قريبنا غير مودّع، وكأنما هو لا يعرف إلى أين يتوجّه بعد أن أشعرته زوجته بنت الاكابر المنعّمة، أنه صار الآن غير مرغوب بوجوده. تابعت بنظرات طفولتي المتوثّبة الراغبة في فهم كلّ ما يدور حولها.. تابعت خطوات قريبنا حتى وصل إلى الباب الخارجي للبيت. ليردّ الباب وراءه بقوة ما. أرسلت نظرةً متفحصة لأرى تأثير تلك الردة على زوجته المُكرّمة. فرأيتها تبرم بوزها مهددةً متوعدةً.

بينما أنا أتابع وقع قدميّ قريبنا المسكين على ادراج البيت المؤدية إلى السوق، بدا لي أنه يتوه في عالم من الفراغ والخواء، استغرقتني أفكار ملأى بالاخماس والاسداس، ولم أفق منها، إلا لأرى نسيبتنا الكريمة المختارة، تحمل بيدها غلاية القهوة، وتجلس إلى جانب أمي، متجاهلة وجودي، "لقد غليت أفضل فنجان قهوة.. سنشربه معًا"، قالت، وزادت:" أريدك أن تفتحي لي فنجاني.. أن ترَي إلى أين ستفضي بنا الأمور"، ابتسمت أمي. في حين طلبت مني صاحبة البيت أن أخرج للعب في باحته الضيقة الصغيرة. انصعت لطلبها هذا، غير أنني حافظت على أن استمع إلى كلّ كلمة تُقال هناك في الداخل. فأنا مجبول على حبّ الاستطلاع ولا أدع شاردة أو واردة تفوتني، أما والوضع كذلك يا كريمة مختار فإنني سأستمع إلى كلّ كلمة، بالضبط كما سأستمتع بما ستقدمينه من طعام ومأكل، بعد ان تفتح لك امي فنجان القهوة.

في الخارج. كنت أشعر بكلّ ما يدور في الغرفة هناك في الداخل، صاحبة البيت: أريدك أن تفتحي لي فنجاني، أنا مُتعبة قليلًا. أريد أن أرى ما يخبّئ لي القدر اللعين. أمي: اسم الله عليك. ابنة العزّ انت. سأقرأ لك طالعك. هاتي فنجانك هاتيه. أشعر أن صاحبة البيت تقدّم فنجانها المقلوب على صينية الضيافة لينشف. أمي تتناوله. لقد بتُّ عارفًا لما ستقوله أمي لها، فقد فهمتْ ما تريد أن تسمعه منها، أنا أعرف أمي كما أعرف نفسي، فقد فتحت فناجين كلّ نساء الحارة. وكنت أرقبها كيف تقرأ تلك الفناجين. منتظرة ردود الأفعال، لتبني عليها بالتالي ما ستقوله. تتمعّن أمي داخل فنجان مضيفتنا، تقول لها: فنجانك أبيض مثل قلبك. تعلّق نسيبتنا: قلبي أبيض. لكن حظيّ اسود. ما كان عليّ أن أعصى أوامر عائلة المختار. كنت استحق حظًّا أفضل وأوفر. بدا أن أمي فهمت الرسالة، فأردفت تقول لها: أنظري.. أنظري ماذا أرى.. هنا توجد أفعى.. تفتح فمها.. هذه الافعى الكارهة لك. تعلّق المضيفة: أعرفها هذه قريبة لي. كانت دائمة المنافسة لي.. ليتني ما دخلت معها في منافسة، ليتها انتصرت عليّ وتزوجت منه. تجاهلت أمي ما قالته صاحبةُ الفنجان وانصرفت إلى فكرة أخرى. ها أنذي أرى الفرج يأتي مِن أكثر مِن طريق.. انظري إلى الطُرق المفتوحة أمامك، إنها كثيرة. بعد إشارة .. إشارتين أو ثلاث.. لا أعرف بعد ثلاثة أيام أو ثلاثة أشهر.. ستجدين نفسكِ وقد ارتحت. شعرتُ بأمي تريد أن تنهي عملية فتح الفنجان بكلمة طيّبة.. ترضي المرأة الغاضبة المتوترة قُبالتها. قدّمت أمي لها الفنجان الفارغ، وطلبت منها أن تطبع إبهامها في قاعه كي ترى إلى نصيبها النهائي. فعلت صاحبةُ البيت ما طلبت منها أمي أن تفعله. أرسلت أمي نظرةً متمعّنة متعمقة إلى أقصى حدّ. وقطّبت ما بين حاجبيها، وتوجّهت إلى المرأة المترقّبة المنتظرة قُبالتها، قالت: تقولُ طبعةُ اصبعك، إنك ستتخلّصين مِن كلّ ما يضايقكِ ويؤلمك.. وإنك ستكونين دائمًا مِنَ الفائزين المنعّمين. "مَن فمك لباب السما"، قالت صاحبة البيت وتابعت تقول:" إذا تخلّصت منه وتحقّق ما في بالي.. سأحلي فمك بأفضل الحلويات"، همّت أمي بالوقوف تمهيدًا للخروج، فدعتها صاحبة البيت للجلوس، ريثما تُعدّ طعامَ الإفطار، غير أن أمي استأذنتها وخرجت نازلة درجات بيتها بسرعة مَن يريد أن يهرب من شرٍّ قريبٍ قادم. انطلقت أمي شقّ عُباب الفضاء العامر، ممسكة بيدي ومارّة مِن قبالة بسطات الخُضار الحافلة بكلّ ما تطلبه الشفة واللسان، وكان أن مددت يدي إلى قواضِب قصب المصّ المنتصبة هناك، فانتهرني صاحب البسطة متهمًا إياي بنية بالسرقة. وطالبًا منّا أن نبتعد عن بسطته. فرحنا نبتعد ونبتعد وكنّا، امي وأنا، كلّما ابتعدنا عن السوق ، بسطاته ودكاكينه العامرة.. نرى إلى ما يخبّئه من خراب ودمار .. عندما وصلنا إلى نزلة الديرا سانطة عاودني الشعور بالجوع.. القاتل.. وأنا أرسل النظر إلى جنّة الله على الأرض.

***

قصة: ناجي ظاهر

أ- [نَوافِلُ التَّأَمُّل]

لا أَطْلُبُ جَنَّتَها،

لا أَرْجُو نُورًا يَهْزُّ خَفَايا رُوحي،

فَقطِ اسْمَعْ هَمْسي لَمَّا

تُغْمِضُ عَيْنايَ أَبْوابَ اللَّيْلِ

*

كُلُّ حُرُوفي وُلِدتْ

بِاسْمِكَ، لوْ ظَهرتْ

خَلْفَ وُجوهِ النِّسْوانِ؛

فَالحُبُّ لَديْنا دَرْبٌ

يَعْبُرُنا نَحْوَ اللهِ

مِنْ جُرْحٍ يَتفتَّحُ صَلْدًا

*

أَمْشي في ظِلِّكَ حينًا،

يَأْكُلُ مِنْ طُولي خَوْفي

كُلَّما اقْتربَ الضَّوْءُ أَلَنْتُ،

فَأَعي أَنَّ الضَّوْءَ يُجَدِّدُني،

وأَنَّ الظِّلَّ مِرْآةُ نَفْسي

تَسْتَدْعيني لِأَلْقاكَ دَاخِلَها

*

ب- [سُؤَالُ الأَرْض]

لَا تَفْرِقُ أَرْضُ اللهِ

بَيْنَ وَلِيدٍ أَوْ جُثَّةِ غَائِبْ

تَفْتحُ أَبْوَابًا مِنْ صَدْرٍ

تَسْتقْبِلُ فِيها مَنْ يَسْقُطْ

*

قَبْلَ أَنْ تُغْلِقَ تَهْمِسُ:

"هَلْ عِشْتَ؟ هَلْ كَتَبَتْ

رُوحُكَ نَبْضًا يَشْهدُ لَكَ؟"

*

إِنْ قُلْتَ "نَعَمْ" رَحُبَتْ،

وَإِنِ اخْتَرْتَ الصَّمْتَ-

تَرْفُضُ أَنْ تَرْفَعَ ذِكْركَ

*

أَجْري فَوْقَ تُرابِ اللهِ،

أَكْتُبُ: "عِشْتُ... كَتَبْتُ... نَبَضْتُ"،

حَتَّى تَنْشَقَّ الأَتْرَابُ

وَتُقَبِّلَ جَبْهَتَها رُوحي

*

أَعْلَمُ أَنَّ الظِّلَّ الَّذي

أَنْتَمي فِيهِ لِضَوْئِكَ-

هُوَ نُورُكَ يَنْكَسِرُ الآنَ

عَلَى حَافَّاتِ قَبْري

*

ج- [ظِلٌّ يَكْتُبُني]

يَمُرُّ ظِلُّكَ في جُدْرَاني،

يَكْتُبُني... ثُمَّ يَمْحُوني

فَأَعِي أَنَّ وُجُودَ النَّفْسِ

لَحْنٌ يَنْبُتُ مَرَّةَ عُمْرٍ،

وَأَنَّ المَحْوَ هُوَ الإِبْدَاعُ

إِذَا جَدَّدَ أَرْوَاحًا

*

أَبْقَى في ظِلِّكَ أَحْذِفُ،

أَضِيفُ، وَأَرْسُمُ لَحْنًا،

حَتَّى أُمْسي ظِلًّا يَشْبَهُ

مَا يَمْتَدُّ مِنَ الْقَلْبِ إِليْكَ

*

د- [رِسَالَةٌ إِلَى الظِّلّ]

أَبْعَثُ في ظِلِّكَ رِسَالي،

أَكْتُبُها في ظِلِّ قَلَمٍ

فَوْقَ ظِلٍّ يَهْتِزُّ بِوَرَقٍ

*

تَهْتِفُ: "إِنْ أَحْرَقَكَ النُّورُ

يَوْمًا، فَلَا تَهْرُبْ مِنِّي-

فَقَدْ كُنْتُ أَنَا... كُنْتُ أَنَا".

*

أَعْلَمُ أَنَّ الظِّلَّ اليَوْمَ

لَا يَمْلِكُ إِلَّا أَنْ يَفْنَى

إِنْ أَطْفَأَتِ الشَّمْسُ دَرْبًا؛

وَالشَّمْسُ لَا تَنْطَفِئُ إِلَّا

في عَيْنٍ نَامَتْ فَوْقَ النُّور

*

هـ - [النُّورُ الأَخِير]

أَسْتَقيمُ لِضَوْئِكَ حِينًا،

أَمُدُّ يَدِي لِسَرَائِرِهِ،

فَأَرَى في كَفِّي ظِلًّا

كَأَنَّهُ بُقْيا عَيْنَيْكَ

*

أَضَعُ الظِّلَّ عَلَى صَدْري،

أُغْمِضُ عَيْني وَأُدْرِكُ

أَنِّي مَا عِشْتُ لِأَجْلِ الشَّمْسِ،

بَلْ كُنْتُ أُحِبُّ ظِلَالَها-

ثُمَّ صِرْتُ أَنَا ظِلَّها

*

و- كُودَا

[مَسَافَاتُ الظِّلِّ الَّذي يَكْتُبُني]

هُنَاكَ-في بَيْتِ الظِّلِّ-

تَصِيرُ أَسْمَائي لَحْنًا،

وَيَصيرُ ظِلِّي نُقْطَةَ ضَوْءٍ

تَصْعَدُ في جَبينِ اللَّيْلِ

*

كُلَّمَا اِنْكَسرْتُ نَهَضْتُ،

وَكُلَّما اِنْطَفَأْتُ أَضَاءَتْ

فِيكَ نُقْطَةٌ كَانَتْ تُرِيدُ

أَنْ تَرْسُمَني مِنْ جَدِيدٍ

*

وفي آخِرِ الضَّوْءِ-

أَرَى ظِلِّي يَمْتدُّ نَحْوكَ،

كَأَنَّهُ أَنا…

وَكَأَنَّهُ أَنْتَ

***

د. سعد غلام

 

مرّتِ الأعوامُ تترى

بعضها يأكل بعضاً مثلَ نار تستعرْ

وأنا فوق جراح الشفقِ النازفِ

ما زلتُ على عهديَ

ألّا أسلِمَ النولَ لغيري

وسأبقى أنتظرْ

حتى وإن ذابت نجومُ الليل في صحنيَ

أبقى أنتظر

**

مرّتِ الأعوامُ

والأشجارُ ألقتْ حملها

كي تبدأ الإنجابَ والإرضاعَ في الفصل الجديد

ثمّ عاد الميتونَ

مرّةً أخرى إلى المشهد من دون شروط

مودِعينَ الحقدَ والثاراتِ

في عُهدةِ ديدان الحُفَرْ

وأنا ما زلتُ أصغي لصدىً في داخلي

يُمسكُني بالشفق النازفِ

لكن لستُ أدري

من تُرى في وسط النيران وحدي أنتظر؟

فصديقُ العمر كودو لم يعد

وأخوهُ الأصغرُ الآخرُ

واراهُ مع الأمواتِ جرّارُ الحروب

والذي صاحبَ في الأنفاقِ كودو

لم يعد مذ جرفتهُ موجةُ السيل

وما زال كثيرون هنا

ينتظرون السيلَ يوماً ينحسرْ

**

ربما نحن خُدعنا

فالذي قصّ فصدّقناهُ كذّابٌ أشِرْ

وأنا

والعالمُ الغافلُ مثلي

كلنا نُدركُ أنّا قد خُدعنا

بيد أنّا كتماثيلَ من الأحجار

ما زلنا جميعاً ننتظرْ

لستُ أدري مَن تُرانا ننتظر؟

لم يدر يوماً بخَلدي

كيفَ أني قد تحمّلتُ ثقالَ الصبر أعواماً؟

وما زلتُ صبوراً

وعلى سندان أحزانيَ عمري ينكسرْ

***

شعر / ليث الصندوق

تحت خيوط الفجر المرتعشة، حين كان الضوء الوليد يتسلل بحذر بين غبار القصف ورائحة البارود، كانت زينب تمشي ببطء في باحة كنيسة العائلة المقدسة. لم تكن خطواتها تقيس المسافة بقدر ما كانت تحاول مهادنة الألم الذي أخذ يتفتح في جسدها كجرحٍ حيّ؛ مخاض مبكر يعلن نفسه في شهرها السابع، كأن الحياة استعجلت موعدها وأصرت أن تخرج من قلب العاصفة.

بدت الكنيسة، بجدارها المنهار جزئيًا وسقفها المثخن بندوب الشظايا، ككائنٍ جريحٍ لا يزال واقفًا. كانت آخر ما تبقى من يقين في مدينة أُفرغت من البيوت ومن أصوات الضحك.

 لجأت زينب إليها مع أمها بعد أن شظى القصف منزلهم، وبعد أن خرج الأب والزوج والإخوة بحثًا عن كيس طحين، فاعترضتهم رصاصات القناصة، وتبددوا في الطرقات، ولم يعد منهم سوى ثقل الأسماء حين تُستعاد. بقيت زينب وحدها، تحمل في رحمها حياة معلّقة بين السماء والأرض، وبجوارها أم أنهكها الفقد حتى صار جسدها هشًا كغصن يابس، بلا سند سوى هذا المكان الذي جمع تحت ظله المكسورين من كل الجهات.

في باحة الكنيسة، امتزجت الأنفاس بالدعاء. وجوهٌ أثقلها الخوف، لكنها ما زالت قادرة على التطلع. نساء يضممن أطفالًا أنهكهم الهلع وليالٍ بلا نوم، شيوخ يتكئون على صبرٍ أطول من أعمارهم، وشباب شاخت ملامحهم قبل أوانها.

هنا، تلاشت الأسماء والفروق.. لم يعد المسلم ولا المسيحي سوى كيان إنساني يحاول أن يبقى. كانوا يتقاسمون الماء والخبز القليل كما يتقاسمون الرجاء، دون كلامٍ كثير.

حين دقّت الأجراس استعدادًا للمساء، لم يكن رنينها احتفالًا بقدر ما كان إعلان تحدٍّ. صوتها شقّ ضجيج القصف كصرخة حياة في وجه موتٍ معتاد، معلنًا اقتراب عيد الميلاد. عيد بلا زينة كاملة، لكنه مشبع بمعنى البقاء.

 شجرة صغيرة نُصبت في ركن القاعة، زُيّنت بما تيسّر من بقايا الألوان، بدت كابتسامة خجولة في وجه العتمة.

 الشموع وُزعت بعناية الخبو، تجنبا للقصف.. كل شمعة كانت وعدًا صامتًا بأن الضوء، مهما كان ضئيلاً، قادر على أن يقاوم.

واصلت زينب مشيها، تضع يدها على بطنها، وتهمس لجنينها بكلماتٍ لا يسمعها سواهما.

كانت تحدثه عن الصباحات التي ستأتي، عن بحرٍ لم تره منذ شهور، عن عالمٍ أقل قسوة مما عرفته.

 في تلك اللحظة، بين انقباضةٍ وأخرى، أدركت أن الكنيسة لم تكن ملاذًا من القصف فحسب، بل رحمًا آخر يحتضن حياة تصرّ على أن تولد.

تكاثفت الساعات من بعدها، ثقيلة، بطيئة، كغيومٍ محمّلة بالانفجار. الألم كان يسبق الزمن ويتسلل إلى روحها قبل جسدها، لكنها كانت تجد في صوت أمها ملاذًا خفيًا. كانت الأم تجلس في باحة الكنيسة، تصلي الظهر، تتلو آياتٍ من القرآن، وتستعيد دعاء زكريا في مطلع سورة مريم، تهمس به كمن يتشبث بحبلٍ غير مرئي. في تلك اللحظة، تشابكت السماء بالأرض، وتلاقت الأدعية بلا حدود، ولم يكن للألم سوى وجهٍ واحد.

ومن بين موجات الوجع، كانت زينب تلتقط أصوات الترانيم الإنجيلية، رخيمة وشفافة، تتردد في جدران الكنيسة العتيقة. رأت الكاهن يوحنا يعمّد طفلًا وليدًا، صوته يرتفع بالدعاء في طقسٍ مهيب. بدا المشهد لها علامة خفية، رسالة طمأنينة جاءت في وقتها، كأن الحياة تعلن عن نفسها بعناد، وكأن مولودها القادم يتلقى بركته الأولى قبل أن يرى النور.

لم تكن زينب وحدها في معركتها الصامتة.

 الرهبان والراهبات والنازحون أحاطوها بنظراتٍ مؤازرة وقلوبٍ مفتوحة.

 كلماتهم كانت قليلة، لكنها دافئة بما يكفي لتعيد ترتيب أنفاسها.

 اقتربت منها الأم ماجدة، بوجهٍ حنون خطّت التجارب تفاصيله، وقالت بهدوءٍ ثابت إنها تعرف هذا الألم، وإنها شهدت ولاداتٍ أصعب. حدثتها عن حفيدٍ لها وُلد في شهره السابع، صار اليوم طبيبًا مناوبًا في مستشفى غزة. ثم وضعت يدها على كتف زينب، ووعدتها أن تكون معها حتى النهاية. عندها، أحست زينب أن الخوف يتراجع خطوة، ومسحت دموعها، وقبّلت يدها بامتنانٍ صامت.

حين أرخى المساء ستاره على غزة الجريحة، امتلأت القاعة بالناس. وجوه متعبة، لكن العيون كانت مشدودة إلى الداخل. في الخارج، كان القصف يرسم ليلًا مضطربًا، وفي الداخل ارتفعت الصلوات كدرعٍ غير مرئي. تقدّم الكاهن يوحنا إلى المذبح. وقف شامخًا، رغم أن الحرب سرقت منه عائلته. صوته لم يكن مكسورًا، بل مشبعًا بصلابة من عرف الفقد ولم يتراجع. قرأ قرار الكنيسة بالبقاء في غزة، بصوتٍ واضح، وقال وكأن الكلمات كانت تخرج من قلب المكان نفسه: "واجهنا كل شيء معًا.. العنف، القصف المتواصل، الخوف والجوع، البرد والفيضانات، والموت وفقدان الأحبة. لذلك علينا أن نعتني ببعضنا، بكل أبناء شعبنا، بتراثنا، وبأرضنا. التهجير حكم إعدامٍ مذل، ربّنا واحد، وسنقاوم جميعًا باسم الله وكلمته".

وقف الجميع، وتوحّد الصوت في لحظة نادرة: آمين

في ذروة ذلك التماسك والخشوع، شقّ الصمت صراخٌ حاد، أعقبه بكاء طفل. كان صوتًا صغيرًا، لكنه أربك الموت للحظة. ساد صمتٌ مهيب، ثم دخلت الأم ماجدة تحمل لفافة بيضاء، كأنها قطعة ضوء انتُزعت من العتمة. أعلنت أن زينب بخير، وأن الطفل بخير، وأن اسمه زكريا. عندها، بدا الاسم وعدًا صامتًا، لا لطفلٍ فقط، بل لمكانٍ بأكمله، بأن الميلاد ما زال ممكنًا، حتى هنا، في قلب الألم.

**

سعاد الراعي

2025.12.24

يَطلُّ طيفُكِ...

في مرايا الغياب

يلمَحُكِ الليلُ...

في صمتِ نجومه

كأنكِ أخذتِ معكِ

كلَّ الحلمِ ووَهجَ الرُّوحِ

صهرتِ شموعي

في صمتٍ مصلوب

فيبردُ قلبي…

كنسيمٍ بلا أثر…

*

قطرةُ ندىً تتسلَّلُ

تلمسُ وجهي المُرهَق

بنسمةِ عِطركِ العابر

تهزُّ أوتارَ

قلبي الخافت

برعشةٍ خفيَّةٍ

على جفوني

تتغلغلُ روحُكِ…

فتسيلُ دموعٌ صامتة

كما يسيلُ الماءُ

من نبعٍ…

*

سُبْحةُ أيّامي تَفكَّكَتْ

مثلَ خيطِ

ماءِ الغروب

قلبي دامِعٌ

من أثرِ اللَّحظة

بينَ الانكسارِ والضياع…

طيفُ اليقين...

روحُ عصفورةٍ من ندى

تُمشِّطُ زوايا اليأس

تمدُّ جناحيها…

بينَ الشجرِ والحزن

تتأرجحُ في الفضاء

تبحثُ عن الضَّوء

تزرعُ وميضَ النور…

على أغصانِ اليأس

تتركُ أثرَها

في كلِّ غُصن…

*

كل شيء بلا طعمٍ...

بلا لونٍ... بلا نبضٍ…

وأصواتُ الفجر

لم تعد تصدح…

والوردُ لم يبتهج

لنسيمِ البدايات…

كل شيء صامت

كأن العالم أوقف قلبه

والدنيا بلا ملامح

تتجاوزنا بلا رحمة

والوحشة تكبر

مع كل لحظةٍ تمرّ

تثقل السماء...

وتملأ الفراغ

بصدى الصمت…

*

كوني هنا…

أجيبي...

عن صمتِ أيّامي

وازرعي...

في القلبِ حياةً

وامسحي ثِقَلَ الأيّامِ

ببساطٍ فضّيٍّ للسماء

حتى يصبحَ الليلُ…

كأسًا من الضّوءِ والحنين

واحْمِلي لي...

كلَّ ما فَقَدْتُ...

في السنينِ الطّوال…

*

أَينَ أَنتِ…؟

الفراغُ يلتهمني

أرواحُنا تنعكسُ

في مرايا الصمتِ

والسماءُ تصرخُ لنا

بألوانِ الحنينِ...

والدهرُ توقف

عن التنفسِ

كأنَّ الزمنَ تجمَّدَ

في لحظةِ انتظارٍ

وأنصهرتِ الساعاتُ

في لهيبِ الفراغِ…

والأيامُ تتكدسُ

فوق بعضها

والشمسُ تشرق

بلا وهجٍ

والقمرُ يبتسم

بلا روحٍ…

*

وميضٌ واحدٌ

منك يكفي

لتعرفَ الوحشةَ...

أن طريقها

لم يدم طويلًا

وتعودَ الحياةُ...

إلى القلبِ المعلّقِ

بينَ الانتظارِ والذكرياتِ

وتفتحُ الحدائقُ زهرَها

ويصبحُ النهرُ قصيدةً

تروي صبرَ العاشقينَ

والشجرُ يهمسُ باسمكِ

والطيورُ تعيدُ

ألوانَ المساء…

*

ازرعي الندى…

أضيئي

زوايا الليلِ الباردِ

واملئي الصمتَ

بما يشبهكِ

وعلّمي الأيامَ...

أن الحبَّ حاضرٌ...

والانتظارَ

لم يذهبْ هباءً

وأنَّ النورَ

لم ينسَ الطريقَ…

*

كوني هنا...

برقٌ رقيقٌ...

قلبٌ ينتظرُ نوركِ…

وكلُّ شيءٍ

في الليلِ

يختبئُ بظلِّ الفراغ…

ويترقبُ وميضَ اليقينِ

كشعاعٍ يلوحُ

في الأفقِ…

وتعيدين النفسَ

التي ضاعتْ...

في الصمتِ الطويل…

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

كالخُزامى دَنا يَرُشُّ عَبيرا

وَتَنائى كما الهلالُ مُنيرا

*

في مَرايا ضميرِهِ قد تَجَلّى

فَتَسامى سَريرَةً وَضَميرا

*

النَوادي تَنوّرتْ بِرُؤاهُ

والمُنادى أصغى لَهُ مُسْتَنيرا

*

كُوزُ ماءٍ في كوخِهِ وَدَواةٌ

حيثُ خوصُ النخيلِ قُدَّ حَصيرا

*

مَوْقِدُ الكوخِ مُوقِدٌ كَلِماتٍ

ذوَّبتْ ثلجاً في القلوبِ وَفيرا

*

خَشَبُ الخيزرانِ شَبَّ جِماراً

يَتَهجّى أسرارَهُنَّ كَثيرا

*

والشبابيكُ سَوْسَنٌ وسُنونو

حَسِبَتْ كوزَ الحالِمينَ غَديرا

*

ناسِجاً سُنْدُسَ القوافي غِطاءً

شَفَّ، واسْتبْرَقاً يَشِفُّ سَريرا

*

سَوْسَنيُّ مَياسِماً ، فوْضَويٌّ

خضّبَ الكَشْفُ ريشَهُ لِيَطيرا

*

رَوّضَ السْيْرُ والسلوكُ فُؤاداً

طالما غاصَ بالجِدالِ أسيرا

*

فَتَرَقّى على الطَريقِ مَقاماً

فَمَقاماً ، وكادَ يَزْهو أميرا

*

دونَ تاجٍ وَدونَما صَوْلَجانٍ

فَأميرُ الطريقِ ظَلَّ فَقيرا

*

طَيْلَسانُ أميرِنا زيْزَفونٌ

وَأكاليلُ لا تُبيحُ حَريرا

*

راوَدتْهُ شَقائقٌ في حِماها

فَتَناسى خَوَرْنَقاً وسَديرا

*

عُرْوَةُ الوَرْدِ كانَ أوفى نَديمٍ

لم ينادمْ فَرَزْدَقاً وَجَريرا

*

كلّما دارَ حَوْلَ سورِ سُليْمى

وَتَقَرّى خُطى الغواةِ ضريرا

*

وَأطَلّتْ هُنيْهَةً ثمّ غابتْ

نادَمَ الليلَ عاشقاً وحَسيرا

*

بِنْتُ ماءِ السماءِ حينَ أهلّتْ

شمّ نِعْناعَها فَعادَ بَصيرا

*

زنجبيلٌ مَزاجُها كوثَريٌّ

فاسْقِنيها سُلافَةً وَنَميرا

*

رَبِّ رُحماكَ بالحَيارى فَمهْما

قيلَ تاهوا لمْ يَبْرَحوكَ سَميرا

*

لو أُعِدّتْ جَهنّمٌ للحيارى

أصبحتْ نارُها غَداً زَمْهريرا

*

حَيْرَةُ النفسِ بينَ مَعنىً ومعنى

مَحْضُ تَقوى تَسُحُّ دمعاً غزيرا

*

لا يُبالي بِجَنّةٍ مُنْذُ لاحتْ

في شِفاهِ المُطَفّفينَ سَعيرا

*

لا يَهابُ الجَحيمَ إنَّ لَظاها

قدْ تَراءى للعارفينَ يَسيرا

*

يا ندامى ويا أُسارى القوافي

لا تخافوا يوماً بها قَمْطَريرا

*

لا تَهابوا غرامَها إن تَلَظّى

رُبَّما يَستحيلُ غيماً مَطيرا

*

فَإذا ما مَسَّ العَذابَ مَجازٌ

راحَ يزهو عُذوبَةً وخريرا

*

فَسُكارى وما هُمو بِسُكارى

إنّما مُنْكرٌ يُساقي نَكيرا

*

أسُكارى وَلمْ يَذوقوا نَبيذاً

بينما أنهُرٌ تّدُرُّ وفيرا

*

نادلي نادِلي تَرَنّمْ مَقاماً

لِمَقاماتِ السالكينَ نظيرا

*

حَبّذا لو كَمَنجةٌ تتهادى

وَتَراً هامساً صدىً وَهَديرا

*

قابَ قوسينِ رُبّما بل وأدنى

قد تَدَلّى فَنامَ نامَ قَريرا

*

فَرُويداً إذا أغاني فُؤادي

دغدغتْ خافِقَ السرابِ هجيرا

***

د. مصطفى علي

 

مِنْ أيِّ طَريقٍ جِئْتَ؟

وَلِماذا أَتيتَ؟

الوَجْهُ قِنَاعٌ،

وَالوجهةُ تِيَهٌ وَضِياعٌ.

هجرتَ الغابَةَ وَالخُضرَةَ وَاليَنبُوعَ،

واليومَ ها أَنتَ وَحيدٌ،

تَتسكَّعُ فَوقَ رَصِيفِ خَريفِ،

مُدنِ المَنفَى،

لِتموتَ فِي الزَّمَنِ القادِمِ

بِالرُّعبِ القاتِلِ وَالجوعِ.

مِنْ أيِّ الأبوابِ المشرعَةِ

تُراكَ دَخلتَ؟

كَيْفَ وَجَدتَ خُطاكَ؟

كَيْفَ تَسلَّلتَ ما بَينَ الطُّرُقِ وَالأَشواكِ؟

شَوارِعٌ،

عَرباتٌ،

بَناياتٌ شاهِقَةٌ،

شُرفاتٌ،

فَوانيسُ شاحِبَةٌ،

مَحلاّتُ نَزواتٍ.

هذِهِ مُدنٌ لَم تَرَها أَبَداً فِي الحُلمِ،

فِيهَا ما لا عَينٌ رَأت،

وَلا أُذُنٌ سَمِعَت،

وَلا خَطرَ عَلَى قَلبِ كِيَان.

فِيهَا حِيطانٌ وَدُخان،

أَشلاءٌ فِيهَا، وَأََشجَان.

فَلِماذا خَلَعتَ لِباسَ الأَرضِ؟

وَرَضِيتَ بِالإسفلتِ البَارِد؟

ماذا دَهاكَ؟

ماذا سَتَحصُدُ مِن مَسعَاكَ؟

كُنتَ طَليقاً،

تَرتَعُ مِثلَ خُيولِ الأَرض،

تُؤنِسُكَ الشُّهبُ اللَّيلِيَّة،

تَغْمُركَ الأَحلام.

واليومَ ها أَنتَ شَريدٌ،

فِي مُدنِ الغُربة،

تَصفَعُكَ الرِّيحُ،

يَكنِسُكَ التِّيهُ،

تَسكُنُكَ سُدَفُ الأَوهام.

تَنكَّرتَ لِلأَرضِ الخَصبةِ،

لِصفاءِ المَاء،

لُذتَ بِالمُدُنِ الجَدبَة.

سَيَنالُكَ فِيهَا الإِِعيَاء،

لا ظِلَّ لِظِلِّكَ،

لا وَجهَ لِضَمِّكَ،

كُلُّ المُهجِ المَطلِيَّةِ رَمادٌ،

حَصادُكَ بِيدٌ وَسَراب.

الطِفلُ الَّذي كُنتَ بِالأَمس،

ما عادَ يُداعِبُ لُعبَتَهُ بِاللَمس،

صارَ فِي حُكمِ النِّسيان،

وَلِوَجهِكَ صارَ وَجهانِ،

وَجهٌ لِلمِرآة،

وآخَرُ لِقِناعٍ تَنهَشُهُ الأَحزان.

هَل تُبصِرُ مِثلي

هَذا الدَّربُ يُشتِّتُنا؟

هذِهِ الخُطوات،

مَلامِحُنا ما عادَت تَعكِسُ صُورتَنا،

تاهَت فِي حُمّى الشُّبُهات.

فَاخلَعْ نَعلَيكَ،

جَدِّفْ نَحوَ طَريقِ العَودَة.

مِشوارُكَ فِي الغُربةِ صَعبٌ،

وَحَياتُكَ فِي الوَاحَةِ عَذبَة.

***

سُلَيْمان بن تملّيست

جربة – 1996/02/26

الجمهوريّة التونسيّة

 

هوّن عليك، فما تضنَّ بعُشْرهِ

الأيّامُ تهدِكَ جُلَّهُ الأحلامُ

*

ألحلْمُ حُلمُكَ إنّما الأيامُ

في شَغْلِها يتنافسُ الآنامُ

*

فاسموْ بحُلْمِكَ مَنْكِبًا مُتلَألأً

في لبّهِ تتَناسلُ الأنجامُ

*

حتّى تطيعَ الأرضُ فيكَ سماءَها

بمدىً تكذّبُ حدَّه الأوهامُ

*

فإذا أطاعتْ تلكَ صارَ لحُلْمكَ

المنظورِ فوْقَ تُرابِها أقدامُ

*

فإذا مَشىْ ونما فغِثْ بأخٍ فبالـ

أخِ  تُخرسُ الأعيانُ و الأفْمامُ

*

واللهُ مُغْنٍ عن حسودٍ مُبغضٍ

يرتاحُ لو فَتَكَتْ بكَ الآلامُ

*

واللهُ مُغْنٍ عن أيادٍ تستويْ

بأَكُفِّها الخيْراتُ و الآثامُ

*

واللهُ مُكرِمُ من أُعِزَّ بحُلْمه

الفقراءُ والأيتامُ والأرحامُ

*

واللهُ مُكرِمُ من يَقَرُّ بحُلْمهِ

إصلاحُ ما قدْ أفسدَ الظُلّامُ

*

فامضيْ وعُدْ واحلَمْ وطِرْ فرِحًا بما

أنّجَزْتَهُ تركعْ لكَ الأيّامُ

*

لترىْ قوادِمَها إليكَ سخِيّةً

بالأمنياتِ وحولَها الخُدّامُ

*

خدّامُها الآهالُ والأموالُ والـ

أعيانُ والسّاداتُ والأعْلامُ

*

والعِلمُ والعُلَماءُ والآدابُ والـ

أوتارُ والصّفَحاتُ والأقلامُ

*

فاخترْ لنفسِكَ أهلَها ممّن دعَوا

لله حتّى تعْمُرَ الأحلامُ

***

أسامة محمد صالح زامل

 

البحرُ يَقْرَعُ بكفَّيْهِ صدري

واللّيلُ يتخَطَّفُني.

تسري بَراغِيهِ في خاصِرَتي،

ويتسَلَّقُنِي.

يلْتَفُّ في كفّي… يسامِرُهُ…

على رصيفِهِ،

أُرصِّفُ مجازاتِ العَبَاءاتِ

وحِلْيَتَها.

أزرعُ فيه الأبجَدِيّاتِ

وماءَها،

لِأُعْرُجَ إلى ظِلِّكَ والْحُجُبِ،

يا أَبَتِي.

وأَتَشَرَّبُ وَمِيضَ الظّلُماتِ،

عَلَّنِي أُخْمِدُ جوعا

يَتَكَتَّلُ على جدران أَقْمِصَتِي.

وهذه الغيْماتُ الثِّقالُ

نيرانٌ تعتكفُ في جسَدِي.

تَسُحُّ في وجهي

سعيرَ نَفَثَاتِها

وتجْلِدُني.

ومنْ حناجرِ الحُروفِ،

تَتَفَلَّتُ الْأَقَاحي

وتُحَرِّقُنِي.

أَتُوهُ في مِحْرابِها،

وأَتَطَوَّفُ بلا وَتَدٍ.

**

إلى الطُّفُولاتِ الْبعيدَةِ،

يُطَوِّحُ بِأَنْفاسي الْغيابُ،

وإلى العنبِ.

فلا الْمَجَازَاتُ تُعَرِّشُ

على تِلالِ أَوْجاعي،

ولا الْحِلْيَةُ تُسْعِفُنِي.

ولا نُتُوءاتُ الرَّصِيفِ

بالْمجازِ تَتَجَمَّلُ،

وتَعّتِقُنِي…

طَيْفُ الْمَدَافِنِ

صَخُوبًا يَتَمَدَّدُ

على كَفِّ الْخَرَائِطِ

وأسْقُفِها.

" بْرُومِيثِيُوسُ "

تَتَهَدَّمُ مَعَابِدُ لَهُ

على ضِفافِ الْمُدُنِ الرَّخْوَةِ

في كَبِدِي.

ووَجْهُكَ النَّدِيُّ،

قدْ يَمَّمْتُهُ، يا أَبَتِي،

كَيْما يَبْعَثَنِي.

فهلْ لِوَجْهِي، في كَفِّكَ،

رذاذٌ يَتَرَقَّبُهُ!؟

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي، تونس

نحنُ الذينَ إذا الزمانُ جفانا

سرتِ القصيدةُ في خطاهُ بيانا.

*

نأتي من التعب القديم وحزننا

كنبوءةٍ لم تعرف الكتمانا

*

نحنُ الذينَ إذا انثنى تاريخُهمْ،

ساروا عليهِ، وما انثنَى عصيانا

*

جاؤوا من التعبِ العتيقِ كأنّهم،

أثرُ البلادِ إذا تنكَّرَ آنَا.

*

نطوي البلادَ إذا تخفَّفَ أهلُها،

وجعًا، ونمشي فوقَها إيمانا

*

ما راعنا الجوعُ القديمُ لأنّنا،

عمرا قضينا نكتم الأحزانا

*

لم نرتضِ الطرقَ الكفيلة بالرضا،

بلْ جرّبَ الشكُّ الجميلُ خُطانا.

*

ما بايعَ الصوتُ السلاطينَ التي،

لبسَتْ من التاريخِ ثوبَ هوانَا.

*

لم يُغْرِهِمْ بابُ السلاطينِ الذي،

فُتِحَتْ مفاتحُهُ لهمْ مجّانَا.

*

غنّيتَ فارتدَّ الخرابُ محطَّمًا،

وتكسّرَ الصمتُ الثقيلُ وهانَا.

*

ولقد كتبنا لا لمجدٍ عابرٍ،

بلْ كي نعيدَ إلى الحروف كيانَا.

*

إنْ قيلَ: هذا العصرُ أغلقَ بابَهُ،

قلنا: سنفتحُ بالقصيدِ مكانَا.

*

كم مرَّ سيفٌ فوقَ أعناقِ المدى،

ثم انحنى، وبقى الكلامُ سنَانَا.

*

نحنُ الذينَ إذا أُريقَ دمٌ هنا،

صانوهُ حرفًا، وارتقوا قربانَا.

*

لا السيفُ أقنعَنا، ولا أوهامُهمْ،

لمّا تزيَّنَ بالوعودِ دُخانَا.

*

لسنا نُجيدُ الوقف فوق طلولها،

كانتْ تُجيدُ لغيرِنا نسيانَا.

*

والريحُ إنْ عصفتْ بنا لم ننحنِ،

أنَّ الثباتَ لم تفت بنيانا

*

سلكوا دروبَ العزِّ دونَ تراجعٍ،

وسقَوا الترابَ دماً ليُزهرَ شَانَا.

*

كتبوا ليبقَى في الحناجرِ نبضُهم،

إنْ خانَ صوتُ الأرضِ معنىً كانَا.

*

نحنُ البقيةُ حينَ يُحصي عدُّهمْ،

أسماءَهُمْ، ونفيضُ نحنُ بيانَا.

*

إنْ أُغلِقَتْ أبوابُ صوتِ قصيدِنا،

لم يُطفَأِ الأثرُ الذي أعطانَا.

*

نحنُ احتمالُ الأرضِ حينَ تضيقُها،

لغةٌ، وحينَ تُضَعضِعُ الميزانا

*

لا الليلُ يملكُ آخرَ الأسرارِ في،

أصواتِنا، إذ ينجلي إعلانا.

*

سنظلُّ نكتبُ: هذه أرضٌ إذا،

نطقتْ، تُعيدُ الخلقَ والإنسانَا.

***

د. جاسم الخالدي

في هذا النص، لا تُروى الحكاية من فم راوٍ، بل من فم الجدران، من صمت الأشياء، من ذاكرةٍ لم تُشفَ. زنزانة الذاكرة ليست مكانًا، بل حالة وعي، حيث يتداخل الماضي بالحاضر، ويُصبح الألم هو اللغة الوحيدة التي لا تنسى.

"صدى لا يموت"

ــ أنت تعرف لماذا أنت هنا؟

لم يكن الصوت صادرًا من الخارج، بل من داخل الجدران، من رطوبةٍ قديمةٍ لم تجف.

انزوى في الزاوية المعتمة من الغرفة، حيث الستائر الداكنة لا تسمح إلا بشقّ ضوءٍ خجول، كأنه يُستأذن قبل الدخول.

جلس كما كان يجلس هناك، في زنزانةٍ قديمة، يحدّق في الطاولة البالية أمامه. خشبها مشروخ، كأنها تحمل آثار ضرباتٍ قديمة، تشبه تلك التي جلس خلفها المحقق ذات مساء جنوبي، يلوّح بملفٍ ثقيل، ويكرّر السؤال ذاته، بنبرةٍ لا تنتظر إجابة.

كل شيء في الغرفة الآن يتآمر على ذاكرته. الكوب الزجاجي، الحليب الفاسد، الأوراق المبعثرة… كلها ليست أشياء، بل شهود. حتى القلم الرصاص، الذي يحتضر بصمت، يشبهه حين خرج من السجن: نصفه مكسور، ونصفه لا يزال يكتب.

كيف له أن ينسى غرفة الاستجواب؟ وجه الضابط البشع وهو ينهال عليه بوابلٍ من الشتائم، يبصق لعابًا مهينًا غمر وجهه، كأنما يُغرقه في مستنقع من القذارة. رفع يده ليمسح ما علق به من إذلال، فما إن تحرّكت حتى انقضّت عصا سوداء، انزلقت على معصمه كنيزكٍ أعمى، فحطّمت عظامه.

عندها فقط، تراجعت الإهانة إلى الظل، كأن الألم الأشدّ قد انتزع منها حقّ الصدارة، وفرض سطوته على الذاكرة. لم تكن الإهانة لتُنسى، بل دُفنت حيّة تحت أنقاض الألم، تصرخ بصمتٍ لا يُسمع.

وكانت تلك الأشياء، التي تراقبه بصمت، كأنها تنتظر لحظة الانفجار… لحظة الصرخة.

صرخةٌ مدوّية، ويدٌ ثقيلة ترتطم برقبته الواهية، كجدارٍ هشٍّ متروك، دمرته ضربات الأعاصير وزخّات المطر. لم يعد قادرًا على تحمّل الصدمات، وتلقائيًا امتدت يداه ليضمّ مداخل أذنيه، جاعلًا منهما عازلًا يصدّ ذبذبات الألم.

شعورٌ داخليٌّ هائم على بحرٍ من تراكماتٍ قديمة، وجراحاتٍ ثخينة، امتدّت في دروبٍ ضيقة، تتصاعد بإيقاعاتٍ متذبذبة، وتصدّعاتِ الزمنِ المعطّل؛ قد ساهمت في إحداثِ انفجارٍ بركاني، يفتح أخاديدَ جديدة، ويُزيل ماكينةَ الذكرياتِ الجميلة… فيما الشعورُ يبقى راكدًا، في جحيمِ الزمنِ المعطّل.

شعاع صارخ من أضواء السيارة يخترق شقوق الستائر، لينسكب في عينه كطعنة من زمن آخر، يوقظ لحظات الاستجواب العنيفة. تلك اللحظات المرعبة في دهاليز غير مرئية تختفي فيها الروح. لم يعرف سبيلًا إلى هذا، ولم يجد شفيعًا ينقذه من زنزانة ذاكرة لا فكاك منها.

يدفن وجهه بين راحتيه، كأنما يهرب من رؤية معاناةٍ باتت كسرابٍ يتشكّل أمامه، ببشاعة الوحش الجائع. ثم، من عمق الصمت، عاد الصوت ذاته، لا من الجدران هذه المرة، بل من داخله تمامًا:

ــ أنت تعرف لماذا أنت هنا؟

لم يجب.

لم يكن هناك من يجيب.

فقط زنزانة، بلا قضبان، بلا أبواب،

لكنها محكمة الإغلاق… في الذاكرة.

***

كفاح الزهاوي

 

القصيدة تصور لقاء عفويا مع فنانة مكسيكية

في مطعم أثناء تواجدي في جمهورية الدومينيكان

***

في الليل كان َ لقاؤنا في مطعمٍ

صَدَحتْ من المكسيكِ فيهِ قياثرُ

*

قد أسكرتني بغتة ً نظراتُها

فلخمرةِ النظراتِ طعْمٌ آخرُ

*

في وجهها القمحيّ عرْسُ سنابلٍ

نضجتْ فباركها الربيعُ الزاهرُ

*

ويطلُّ مِنْ أعماقِ عينيها الضحى

ورموشُها السوداءُ سِحْرٌ آسِرُ

*

تتألقُ البسماتُ فوقَ شفاهِها

وكأنّها روضُ بديعٌ عاطرُ

*

من أنتَ؟ تسألني وتُبدي دهشة ً

أمنجمٌ أمْ ساحرٌ أم شاعرُ

*

فصمتُّ ثمّ أجبتُها مُتبسّما ً

سأقولُ ما قالوا ولا أتفاخرُ

*

عُذرا ً فلستُ منجّما ً أو ساحرا ً

لكنّ شعري قِيلَ عنهُ ساحرُ

*

أنا لستُ من هذي البلادِ وإنّما

أنا مُبحرٌ كالموجِ بلْ أنا طائرُ

*

ضاقتْ بيَ الدنيا وضقتُ بها لذا

أنا هكذا طولَ الحياةِ مُسافرُ

*

ما عادَ لِيْ ماضٍ ولا مُستقبلٌ

زمني الذي أحياهُ .. هذا الحاضرُ

*

فارقتُ ذاكرتي وعشتُ بدونها

مَنْ يصحبِ النسيانَ فهوَ الظافرُ

*

قدْ كانَ لي وطنٌ جميلٌ آمنٌ

غدرتْ بهِ الأحقادُ فهْوَ مقابرُ

*

فيهِ رضعتُ الحبّ منذ طفولتي

لولاهُ مُتّ وماتَ فيّ الشاعرُ

*

ما مِنْ عزاءٍ غيرِهِ أو سلوة ٍ

هوَ زاديَ المخبوءُ حينَ أحاصرُ

*

فلتصغي يا حسناءُ لي فأنا هنا

اليوم َ لكنّي غدا ً سأغادرُ

*

القوّةُ الرعناءُ في جبروتها ً

لنْ تقهر َ الحبّ الذي هوَ قاهرُ

*

الظافرونَ بحقدهم وبمكرهم

هُمْ خاسرونَ وكلّ شئ ٍ عابرُ

*

بالحبّ تنبعث الحياةُ وترتقي

مهما أشاع َ الموت َ وحشٌ كاسرُ

*

أنا رابحٌ في الحبّ رغْم َ خسائري

فمشاعري دُهشتْ لقولي خاسرُ

***

جميل حسين الساعدي

 

أَتَظُنُّ مَنْ حَمَلَ الأَسَى أَعْوَامًا؟

وَتَحَمَّلَ الطُّغْيَانَ وَالإِجْرَامَا

*

نَسِيَ الْمَآسِيَ كُلَّهَا فِي لَحْظَة

وَغَفَا عَلَى حَدِّ الْجِرَاحِ وَنَامَا

*

فَلَقَدْ سَقَطْتَ مِنَ الْعُيُونِ بِلَحْظَةٍ

مَا عُدْتَ حَقًّا فِي الصِّفَاتِ هُمَامًا

*

فِي أَحْسَنِ الأَحْوَالِ كُنْتَ مُهَرِّجًا

فَحَمَلْتَ إِصْرًا، وَارْتَكَبْتَ حَرَامَا

*

هَلْ جِئْتَ تَغْرِسُ فِي الرَّمَادِ حَدِيقَةً

كَيْ تَحْصُدَ الْخَشْخَاشَ وَالأَوْهَامَا

*

أَمْ جِئْتَ تَلْبَسُ وَجْهَ فَجْرٍ كَاذِبٍ

لِتُزِيحَ عَنْ وَجْهِ الْبِلَادِ غَتَامًا

*

هَلْ جِئْتَ حَقًّا كَيْ تُعَالِجَ أَزْمَةً

قَدْ أَجْحَفَتْ بِأَرَامِلٍ وَيَتَامَى

*

تَبْنِي بُيُوتًا لِلَّذِينَ تَشَرَّدُوا

وَتُزِيلُ مِنْ أَرْضِ النُّزُوحِ خِيَامَا

*

أَمْ جِئْتَ تَرْفُلُ فِي عَبَاءَةِ طَامِعٍ

يَسْتَجْدِيَ الأُمَرَاءَ وَالْحُكَّامَا

*

فَالشَّعْبُ ضَحَّى كَيْ يَعِيشَ بِعِزَّةٍ

وَاسْتَحْمَلَ التَّعْذِيبَ وَالإِعْدَامَا

*

فَهُنَاكَ آلَافُ الضَّحَايَا غُيِّبُوا

وَتَحَوَّلَتْ أَسْمَاؤُهُمْ أَرْقَامَا

*

كَيْ يُصْبِحَ الإِنْسَانُ حُرًّا مِثْلَمَا

بَاقِي الشُّعُوبِ يُحَقِّقُ الأَحلَامَا

*

لَا كَيْ يَرَى مُتَسَلِّقًا مُتَمَلِّفًا

فِي سَقْطَةِ التَّارِيخِ صَارَ إِمَامَا

*

أَوْ أَنْ يُصَفِّقَ لِلَّذِينَ تَمَتْرَسُوا

خَلْفَ النِّظَامِ وَخَلَّفُوا الآلَامَا

*

بَلْ أَنْ تُجَّارَ الْحَشِيشِ تَكَرَّمُوا

وَتَقَلَّدُوا بَدَلَ الْحِسَابِ وِسَامَا

*

يَا قَائِدَ الزَّحْفِ الْعَظِيمِ أَلَا تَرَى

قَطْعَ الذُّيُولِ عَلَيْكَ بَاتَ لِزَامَا

*

أَنَسِيتَ شَعْبًا ثَائِرًا مُتَمَرِّدًا

مِنْ قَبْلِ عَامٍ حَطَّمَ الأَصْنَامَا؟

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

عائدٌ..

والنوى مؤلِمٌ

والمدى غائمٌ

ورمال الحروبِ

بوجهِ الرجوعِ تُثيرُ القلقْ!

*

عائدٌ ..

والعبورُ يُقَيِّدهُ بـ(اشتِباهٍ)

ويسأل رجليهِ أين الدروبْ؟

ومن أي ثوبٍ أتاهُ

بحجمِ قياس الوطنْ؟!

وهل قد نوى

أن يُخَبِّئ في جيبِهِ للشمالِ جنوبْ؟!

وأي الجهاتِ دَعَتْهُ ..

إلى مَن نَطَقْ؟!

*

عائدٌ ..

لا يَرى في البلادِ ألقْ

سوى حُلُمٍ

يتراءى لهُ

في سَرابِ الحَدَقْ!

*

عائدٌ .. عائدٌ

والنوى مؤلمٌ

والمدى غائمٌ

ورمال الحروبِ

بوجه الرجوعِ

تثير القلقْ!

***

محمد ثابت السُّمَيْعي

 

كانت عائدة الى بيتها تحمل بين يديها رغيفا وتضمه الى صدرها، كأنها تحضن طفلا صغيرا، وتغطيه بالشال الذي كانت تلف به رأسها. وتضغط عليه بقوة، خوفا عليه من الضياع. فقد انتظرت في طابور طويل، حتى استطاعت أن تحصل عليه. منذ ارتفعت الأسعار وانتشر لهيبها كما تنتشر النار في الهشيم، لم تعد "فاطمة" قادرة على تلبية حاجياتها ولا حاجيات زوجها المقعد. الذي كان يشتغل بإحدى مصانع الاسمنت. وأفنى عمره دون المطالبة بتحسين وضعه المادي. كان يخاف كثيرا من بطش مدير المصنع، الذي كان يهدد كل من ارتفع صوته احتجاجا على الساعات الإضافية أو على قلة اليد العاملة. كان انسانا مسالما، لا يسمع له صوت.  في يوم، تأخر في العودة الى بيته، حل الليل وصمت الشارع الا من نباح الكلاب. ظلت "فاطمة"، جالسة تراقب الباب. "لم يتأخر يوما. أتمنى أن يكون خيرا" همست لروحها الخائفة. نامت على الكرسي، حتى استيقظت في الصباح الباكر على دقات عنيفة. سمعت صوت زوجها، انتفضت كجريح يتلوى من الألم. فتحت الباب، كان هناك، غارقا في دمائه ويحمله اثنان من زملائه. لم يتكلما كأن لهما تعليمات. كان هناك صمت مريب. تاهت فاطمة بين دماء زوجها وأنينه وصمت الرجلين. فهمت فيما بعد، أنه وقع له حادث في المصنع، على إثره سقط أرضا على ظهره ولم يعد يستطيع الحركة. وانفتحت رجله أثناء سقوطه وسال منه دم كثير. بدأ يصف لها الحادث، وظلت مذهولة، غير قادرة على استيعاب اللحظة. استيقظت برهة من سباتها المؤقت وسألته: "هل أخذوك الى المستشفى؟"  صمت زوجها كأنه ارتكب جريمة. وحكى لها أن السيد المدير، اقترح عليه العلاج في مستوصف المصنع، وأنه سيحصل فيما بعد على تعويض كبير.

منذ حادثة المصنع وزوجها لا يستطيع الحركة، ولم يحصل الا على مبلغ زهيد مقابل خدمته الطويلة ولم يتحمل المصنع أية مصاريف أخرى لعلاجه. واكتوت "فاطمة" بسذاجة زوجها الذي سامح في حقه وبجبروت مدير المصنع واستغلاله لطيبته وجهله بحقوقه.

ومن يومها وهي تحاول أن توفر من مصروف البيت الزهيد كلما استطاعت. فهي تشتغل عاملة نظافة في احدى المؤسسات البنكية، عند عودتها الى البيت، تقوم بإخراجه للنزهة وأحيانا، تتركه مع بعض أصدقائه القدامى حتى يحين وقت العودة. ظلت "فاطمة" على هذا المنوال لسنوات، تحاول أن تخلق البسمة والفرحة في بيتها. تحمل طاقة من النشاط رغم الأزمات التي تعترض طريقها.

لكن هذا الغلاء الفاحش الذي أتى على الأخضر واليابس، انتزع تلك البسمة الصغيرة وتركها تائهة بين طلبات زوجها المقعد وطلبات البيت. فما تحصل عليه لم يعد يكفي.

خرجت في ذلك اليوم الذي لم يكن عاديا، لتشتري رغيفا. قالت لزوجها:

- أتمنى ألا يرتفع سعر الرغيف هو أيضا.

ابتسم زوجها والحزن يكاد ينط من عينيه:

-ستكون هذه هي الضربة القاضية. المسكين لم يبق له سوى الرغيف والشاي.

في طريقها الى البيت، كانت تحضن الرغيف بشدة وتمشي بخطوات صارمة. وتد ك الأرض برجليها دكا، كأنها ترغب في الانعتاق من الوضع الذي تعيش فيه. لا أثر للفرح على ملامحها. مرت من أمام محل لبيع الحلويات. توقفت قليلا، حاولت أن تذكر آخر مرة اشترت فيها قطعة حلوى. لم تستطع. ظلت تتأملها من وراء الزجاج. دفعت يدها في جيب جلبابها وأخرجت منه بعض الدراهم. كانت قليلة، لا تكفي لشراء حلوتين. لكنها تشجعت وقررت أن تلج المحل لاقتناء واحدة فقط. همست لنفسها "لا اظن أن ثمن الحلويات سيرتفع أيضا. " اشترت قطعة الحلوى، وبدت لها صغيرة جدا ربما لا تكفي لشخص واحد. ترددت وكانت تعيش تحت تأثير اللحظة قررت في لحظة سريعة، ودون تفكير أن تطلب قطعة أخرى دون أن تدفع ثمنها. حيث كان المحل غارقا بالزبائن واستغلت الفرصة وخرجت بسرعة شديدة، ودفعت جسمها خارجا وأسرعت دون الالتفات الى الوراء.  تحمل الرغيف في يد والحلوتين في اليد الأخرى وتحاول أن تداري عليهما من نظرات المارة. لم تسرق يوما. كان أجر زوجها يكفيهما رغم ضآلته. يوم أصيب زوجها وحرم من عمله، لم ترغب أن تمد يدها لاحد، قررت ساعتها البحث عن عمل. العيش بكرامة أفضل من التسول. "أفضل النوم جائعة ولا أمد يدي". هكذا كانت دائما تقول لزوجها. لكن أن تسرق، سلوك لم تتوقعه أبدا. كانت نبضات قلبها ترتفع وتتزاحم داخل صدرها من شدة الخوف. ارتباك في حركات يديها وعرق ينط من جبهتها. مشت طويلا حتى تأكدت أنها ابتعدت عن المحل وجلست تسترجع أنفاسها الهاربة. ظلت جالسة والرغيف في يد والحلوتين في اليد الأخرى. كأنها تعيد شريط ما حصل وظهرت علامات الخوف والندم على ملامح استوطنها التعب والصبر. قالت تخاطب نفسها" ما قمت به سرقة. وسأذهب الى السجن وسيظل زوجي وحيدا وسيموت وحيدا بالبيت".  ثم تابعت:" سيعذبني الله وسأصاب بمرض خبيث، وسأموت وأترك زوجي وحيدا " وأحدثت هذه الأفكار ثورة بداخلها وقامت بشكل آلي وغيرت وجهتها واتجهت عائدة الى المحل، مصممة على ارجاع الحلوى. في طريقها الذي بدا لها طويلا، تابعت حوارها الداخلي. ما ان اقتربت من المحل، حتى استولت عليها أفكار أخرى وقالت بصوت عال، كأنها تخاطب أحدا: "من حقي هذه الحلوى. ان الغلاء هو السبب. أنا لم أسرق." ورجعت دون تردد، وعزمت على ألا تفكر في الأمر وتعتبره منتهيا. كان زوجها ينتظرها كالعادة، سألها عن ثمن الرغيف. ابتسمت بسخرية وقالت له:

-لم يتغير، كانت المخبزة غاصة بالناس. بصعوبة شديدة حصلت عليه.

تنهد زوجها وقال لها:

- هذا الوضع أصبح صعبا جدا.

ثم قامت وابتسمت كطفل حصل على هدية وقالت له:

- لقد أحضرت لك مفاجأة.

وضحكت بكل حواسها. ضحك واستغرب، منذ زمن لم يرها فرحة ومبتسمة بهذا الشكل. فقذ أصبحت الشكوى والآهات تستولي على كل جلساتهما.

ابتسم بدوره وقال لها:

- ما هي هذه المفاجأة التي أعادت اليك البسمة؟

أحضرت الحلوتين ووضعتهما أمامه على المائدة الصغيرة والوحيدة بالبيت.

ساد صمت بينهما وكانت تنتظر ردة فعله. نظر اليها مليا وقال لها:

-من أين لك بالمال لشراء الحلوى؟

أجابت بشكل حاد، كأنها ترفض أن تشوش عليها تلك الأفكار التي جعلتها تروح وتجيء عند المحل:

- ثمنها رخيص، واستطعت الحصول على حلوتين. وتابعت:

-منذ متى لم ندق طعم الحلويات؟ هل تتذكر؟ أنا لا أتذكر..

وتاهت بنظرات متسائلة وغاضبة كأنها تبحث عن إجابة.

ذهل زوجها من اجابتها الغريبة، وأعاد السؤال لأنه لم يصدقها:

-كيف حصلت على الحلوى يا فاطمة؟

- اشتريتها. ترددت قليلا. ثم تابعت بصوت حزين:

-لقد اشتريت واحدة وأخذت الثانية ولم أدفع ثمنها.

رفع صوته وكاد أن ينط من كرسيه وقال لها:

-السرقة يا فاطمة؟ حاول ضبط نفسه. اقترب منها وقال لها:

-منذ متى تحولت الى سارقة؟

وضعت الحلوتين بكل هدوء في طبق ونظرت اليه بنفس صرامة اجابتها:

- لقد سرقوا عمرك في المصنع ورموك، لقد سرقوا حقي في العيش الكريم بسبب هذا الغلاء، أنا لم أسرق، أنا استرجعت الشيء القليل مما سرقوه.

-لا يمكن يا فاطمة أن نحل المشاكل بسرقة الآخرين.

لم تستسلم لكلامه. جلست بكل هدوء وأجابته:

-قلت لك أنا لم أسرق أحدا.

رفع صوته بحدة، حتى يعيد اليها صوابها وقال لها:

-لقد أصبحت مثل مدير المصنع، تسرقين ولا تبالين. ما الفرق بينكما الآن؟

نظرت اليه مليا وتأملته كأنها تراه لأول مرة ونامت في محراب الصمت.

***

أمينة شرادي

 

لي عادةٌ تشبهُ صلاةً سرّيةً

أؤدّيها حين يثقلُ الليلُ على نوافذِ الروح.

أجمعُ بقايا الشموع،

التي بكتْ حتى القاع،

أصابعَها المبتورة،

أعمارَها القصيرةَ التي انطفأتْ

قبل أن تُكملَ معنى الضوء

*

أضعُها في إناءٍ زجاجي  ساخن،

أتركُها تذوبُ

كما تذوبُ القناعاتُ القديمة

حين نكفّ عن الدفاعِ عنها.

*

أصبُّ الشمعَ المنصهرَ

في قالبٍ جديد،

كمن يسكبُ قلبَه

في هيئةٍ أخرى

أكثرَ احتمالًا للحياة.

*

حين تتصلّبُ الشمعةُ

أدركُ أنني

نجوتُ مرّةً أخرى

من تعريفٍ جاهزٍ لليأس.

*

شمعةٌ جديدة

تنهضُ من رمادِ أخواتِها،

متعدّدةُ الألوان

كمدينةٍ نجتْ من الحصار،

لا تسألُ عن ماضيها،

ولا تعتذرُ عن اشتعالها.

*

أشعلُها

فتتراجعُ الجدرانُ خطوةً،

ويستعيدُ الهواءُ ذاكرته،

وتصيرُ الظلمةُ مجرّدَ

سوءِ تفاهمٍ عابر.

*

أصوّبُ نظري في قلبِ السواد،

أثقبه بإبرةِ المعنى،

وأتركُ للضوءِ أن يتعلّم

كيف يولدُ من حطامه.

***

مجيدة محمدي

باردةً.. بعيدةً.. كقريةٍ أُطفِئَت مصابيحُها

لا أحد يعبرُ بي

لا طريقَ يقودني إلى أحد

أُنصِتُ بسكينةٍ لحنينِ الأجنحة

وهمسِ المزاريب

وأتركُ للريح أن تمرَّ بكلِّ بابٍ وتُطفِئَ صريرَه

*

تكفيني هذه الرائحة،

التي غمرتِ الأمكنةَ بشذاها…

ككَفَّي أمي

*

يكفيني

غصنٌ أعلِّقُ عليه طيرًا لا يطير

آخرَ تذكرةٍ

من محطتنا الأخيرة

*

يكفيني

كوبٌ قهوةٍ قد يكشفُ لي

أيَّ حوتٍ

سيبتلع هذا القمرَ الذي يسبح على وجهِ الماء

*

وحيدةً…

انتحرتْ مع الألحان،

العصافيرُ السجينةُ خلف زجاجِ الوقت

*

وحدَها الصورُ

أَلِفتِ العتمةَ

وخبَّأتْ لنا ضحكاتٍ لا تشيخ

*

تبدّل كلُّ شيءٍ حولي، وبقي الصمتُ واقفًا عند بابي

*

دعوني في هذا الخواء

أُطلقُ عواءي

فالطرقاتُ بلا ظلّ

وآخرُ ما لَسَعَها

كان وجهي.

***

أنجيلا درويش

 

وفي ختام رحلتي الموحِشَةِ المُثيرةْ

تظل يا فاتنتي أسئلةٌ صغيرةْ

تَسكُنُني

تثير في ذاكرتي

عواصفًا من دهشةٍ وحيرةْ

عن العباد والبلادِ، دِيرةً فَدِيرةْ

عن الرحيل والعويلِ

والقلوب مذ غدت حسيرةً كسيرةْ

وأين حطَّت رحلها شراذمُ العشيرة

*

أسئلتي يا حلوتي كثيرةٌ كثيرةْ

لكنها نازفة مؤلمةٌ مريرةْ

أسئلةٌ عصيةٌ، وليس من أجوبةٍ

إلا التي تصيبُ صاحبَ السؤالِ بالدُوارْ

تقذفه في لُجَّةِ التيّار

ترمي به في مُقلة الإعصارْ

تزيده بلبلةً وعجبًا وحيرةْ

*

أسئلتي الصغيرةْ

تُرنِّم النشيدْ

كأنه منبثقٌ من حَمأة الوريدْ

تعيد ما يُشجي من الغناء والقصيدْ

في شَدوِها المُرخَّمِ الترديدْ

لكنها تعيدُ ما تعيدْ

في زمنٍ بليدْ

تضيع مثل صرخةٍ هائمةٍ في البيدْ

*

أسئلتي الصغيرة

تظل يا أميرتي حبيسةً أسيرةْ

ما نَبَسَتْ بها الشِفاهُ

إنما تدافعتْ من عينيَ البصيرةْ

على مَدارجِ المدى

هاتفةً مُثيرةْ

فما أثارتْ نخوةً يومًا

ولا حَزَّتْ لها أبيّةٌ ضفيرةْ

وخذلتها يديَ القصيرةْ

فبقيت صغيرةً صغيرة

***

شعر: فيصل سليم التلاوي

غيوم وطيف ربيع يسربله وجع

وأجنحة ورؤى في المطاحن تضطجع

وأرجوحة تخبز الريح ضيما وأرغفة

ووجهٌ لهند يطالعني في مقاهي الدجى

فيوقظ فيّ شجون الغياب وشوق الندى

ويتـّقد الموج في قدحي وفتيل الضنى

فما بقي في الديار بيوت ولا شجر

وما بقيت في الديار سوى دهشة القمر

وما بقيت غير آنية وسط الحجر

تنادي طويلا : أ ما من سنابل يا عمر؟؟؟

وكلّ الّذي في الديار هسيس ونرجيلة

وأرصفة تغزل الجوع ظلاّ وأوسمة

وفيها وجيف وبعض سلال وأقنعة

**

ويغمسني في الأسى صوت هند ويغرسني

ويبرق فيّ بروقا ورعدا وزمجرة

أزيز عيونك يرهقني _ قلتُ _ يا جزعي

كأنّ حبال السماء تفرّ وتتركني

كأنّ الجدار الّذي أرتدي، ما به أحتمي

فهل من مسار إلى سهم هند فينجدني؟

وهل من سراج يعرّي الصريم ويجمعني؟

ترى أين "معتصم"؟ - تصرخ الأمّ والولد-

تحرّق ضلعي - يقول الخواء - وما لي يد

ولستُ أُدانُ على ما أرى وأنا الوهن ...

**

ويرتجّ في قدحي منبت السَّرْوِ والقصب ...

يحدّثني السَّرْوُ عن أقحوان ويقطينة...

وعن وجه "هامان" يغرق في الطين والعوسج

فلا بيديه استكفّ السماء وابتهج

ولا ملّكته يد "الجثّة" الرمل والسكن!

زهرة الجثّة: من أكبر الزهور في العالم ورائحتها تشبه رائحة اللحم المتعفن.

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي - تونس

 

سَامِحِينِي.. إِنَّ هٰذَا الْقَلْب لَنْ يَصْبِرَ أَكْثَرْ

كيف يصبرْ، وهو يشكو من حبيبٍ قد تجبَّرْ

باسمِ هذا الحبِّ يلهو، يتسلّى، ليس أكثرْ

كلما ذاقَ رحيقَ العشقِ كأسًا

يمزجُ الأحلامَ أوهامًا ويأسًا.. ثم ينفرْ

**

عَجَبًا إِذْ تَشْتَكِي مِنْ سُوءِ حَظٍّ مُتَعَثِّرْ

كُلَّمَا حَثَّتْ خُطَاهَا نَحْوَ ذنْبٍ.. كُنْتُ أَصْبِرْ

وَأُسَامِحُ ثُمَّ أَغْفِرُ.. رُبَّمَا قَدْ تَتَغَيَّرْ

فَاضَ صَبْرِي ثُمَّ وَلَّيْتُ فِرَارًا..

وَكَأَنِّي مِنْ هَوَى عَيْنَيْكِ أَنْجُو.. أَتَحَرَّرْ

***

أَتَظُنِّينَ بِأَنَّ العِشْقَ قَيْدٌ فِيهِ نُقْهَرْ

أَمْ تَظُنِّينَ بِأَنَّ الغَدْرَ ذَنْبٌ سَوْفَ يُغْفَرْ

كَيْفَ يُغْفَرُ.. وَهُوَ أَقْسَى أَلَمًا مِنْ طَعْنِ خِنْجَرْ

حَيْثُ إِنَّ الغَدْرَ فِيهِ الرُّوحُ تَبْلَى

كَيْفَ أَعْفُو عَنْكِ يَا سَيِّدَتِي، بَلْ.. كَيْفَ أَصْبِرْ

***

سَامِحِينِي.. إِنَّ هٰذَا الْقَلْبَ لَنْ يَصْبِرَ أَكْثَرْ

حَيْثُ كَانَ الْحُبُّ أَعْمَى وَتَعَافَى حِينَ أَبْصَرْ

بَيْدَ أَنِّي قُلْتُ مَهْلًا إِنَّ قَلْبِي لَيْسَ مَعْبَرْ

فَمَتَى مَا شِئْتُ أَنْ أَرْحَلَ يَوْمًا

وَمَتَى مَا شِئْتُ أَنْ أَهْجُرَ يَوْمًا.. سَوْفَ أَهْجُرْ

***

جليل إبراهيم المندلاوي

"في داخلي شُرْفَةٌ

لا يَمُرُّ بها أَحَدٌ للتَّحيَّة"

" محمود درويش"

***

[1] [أَنْفاسُ ما بَعْدَ المطرِ]

الأَرْضُ تَفْتحُ كَفَّيْها، لا تَسْأَلُ: مِمَّنْ جِئْتَ؟

تَحْمِلُ خُطانا كالوَهْجِ... حتَّى مَنْ حَملُوا تُرابَ غُروبٍ

تَهْمِسُ: امْضُوا... فَالْأَسْماءُ يوْمًا سَتنْبُتُ في ظِلِّ الرِّيحِ

أَمُدُّ صَوْتي: هلْ تَأْتينَ؟ هَلْ يَقْرَعُ النُّورُ أَعْماقي؟

فَيرُدُّ صَمْتٌ يَمْتدُّ وَراءَ المَطرِ كَحدِسٍ يَبْحثُ عَنْ يَدٍ

[2] [شَمْعةُ القَلْبِ]

شَمْعتي لا تَحْترِقُ مِنْ أَعْلَى، بَلْ مِنْ قَلْبٍ يَتعبَّدُ في سِرِّهِ

كُلَّما دَعوْتُ بِاسْمِكِ... هَدأَ النُّورُ، وَصارَ أَقْربَ لِصوْتِكِ

فَإِذَا انْطَفأَتْ، بَقِيَتِ الكَلِمةُ تُشْعِلُ في العَتْمَةِ وَهْجًا،

كَأَنَّ نَجْمًا أُطْفئَ قَديمًا... يَتذكَّرُ لَحْظةَ مِيلادِ الضَّوْءِ

[3] [بَابٌ لِنِصْفِ ظِلّ]

لَمْ يَبْقَ في الدَّارِ سِوى رَائِحةِ الغِيابِ،

وَبَابٌ لا يُفْتحُ إِلَّا لِنِصْفِ ظِلٍّ مُتْعبٍ

أَكْتُبُ اسْمَكِ عَلَى الزُّجَاجِ، فَتغْسِلُهُ الحَيْرَةُ،

كَأَنَّ حُبِّنَا بَهَارٌ تَناثرَ في قَهْوةٍ بَارِدةٍ

وفي الحَديقةِ وَرْدَةٌ مَاتَتْ مِنْ وَحْدتِها،

لَمْ يَبْلُغْها خَبرُ أَنَّ العالمَ أَجَّلَ الإِزْهارَ،

فَنادتْ: هلْ مِنْ زَائِرٍ؟ فَلَمْ يُجِبْها إِلَّا المَطرُ

[4] [الحَرْفُ يُولَدُ مِنْ عَدمِهِ]

يَسْقُطُ الحَرْفُ قَبْلَ وِلادَتِهِ،

وتَنْظُرُ الوَرقَةُ البَيْضاءُ إِليَّ كَشاهِدٍ عَالِقٍ بَيْنَ جُرْحٍ وَلُغةٍ

أَبْحثُ عَنْ كَلِمةٍ تُوقِظُ مَنْ رَحلُوا...

فَلا أَجِدُ إِلَّا صدًى في مَتاهةِ الصَّوْتِ

الزَّمانُ يَنْهمِرُ رَمادًا فَوْقَ الكِتابةِ،

والنَّجْمةُ الأَخيرَةُ تُطْفئُ نَفْسَها دُونَ ودَاعٍ

أَقُولُ: هَلْ تَأْتينَ؟ فَيُجِيبُني السُّكُونُ:

كُلُّ مَنْ كَانَ يُحِبُّكَ... ذَهبَ

فَأَبْتَسِمُ: إِذَنْ... أَنَا حُرٌّ

[5] [عَتْمَةُ ما بَعْدَ المَطرِ]

أَمْسحُ عَنِ الزُّجاجِ آخِرَ قَطْرةٍ،

فَتَنْهمِرُ في يَدِي كَوَداعٍ يَخْتبِرُ قَلْبي

أَرْفَعُ العَتْمَةَ مِنْ زَوايا الغِيابِ،

فَيَتصاعَدُ مِنْها عِطْرُكِ كَنَبْضٍ يَتَعَثَّرُ بِاسْمي

أُعِدُّ فِنْجانَ قَهْوَتي... أَضَعُ سُكَّرًا لَا يَذُوبُ،

كَأَنَّهُ كَلِمةٌ بَارِدةٌ لَا تَقْبلُ العَوْدةَ

أَشْرَبُها... أَشْرَبُ صَمْتًا... أَشْرَبُ وَجْعًا... أَشْربُكِ

وأَعْلمُ أَنَّ المَطرَ لَمْ يَنْتهِ،

بَلْ يَسْقُطُ في دَاخِلي قَطْرَةً... فَقَطْرَةً... فَقَطْرَةً

[6] [وَرْدَةٌ لَا تَنَامُ]

الوَرْدَةُ الَّتي غَرسْتُهَا في قَاعِ القَلْبِ لا تَنامُ،

تُنادي اللَّيْلَ: هَلْ مِنْ زَائِرٍ؟

فلا يُجِيبُ إِلَّا صدَى العَطشِ

أَرْوِيهَا بِالدُّمُوعِ، فَتَنْبُتُ شَوْكًا،

فَأَعْلَمُ أَنَّكِ أَنْتِ الوَرْدَةُ... وَأَنَّ الشَّوْكَ لَيْسَ عَدُوًّا،

بَلْ دِفَاعًا عَنْ عِطْرٍ ضَاعَ مِنْني، وَعادَ جَرِيحًا

وأَضُمُّها لصَدْرِي... فَأَنْزِفُ... فَأَنْزِفُ...

حَتَّى يَصِيرَ الشَّوْكُ دَمًا... وَيَصِيرَ الدَّمُ وَرْدَةً

[7] [كَلِمَةٌ تُولَدُ مِنْ رَمادٍ]

أُوقِدُ الرَّمادَ... أُنَفِّخُ فِيهِ،

فَيَنْبُثِقُ حَرْفٌ صَغيرٌ يَرْتجِفُ كَنَبْضٍ أَوَّلٍ

أَضَعُهُ عَلى الوَرقَةِ البَيْضاءِ، فَتَبْكي... ثُمَّ تَبْتَسِمُ...

وتَحْتَضِنُهُ كَأُمٍّ عَثرَتْ على مَوْلُودٍ بَعْدَ فَقْدٍ

أُحَاوِلُ أَنْ أَكْتُبَ اسْمَكِ...

فَأَجِدُ أَنَّ الِاسْمَ لَيْسَ اسْمًا... بَلْ نَبْضةً تَنْطِقُ

فَأَكْتُبُ النَّبْضَةَ... فَتَكْبُرُ...

فَتَصِيرُ قَصِيدةً... فَتَصيرُكِ

وأَعْلَمُ أَنَّ الكَلِمةَ لَمْ تَمُتْ،

بَلْ كَانتْ نَائِمةً تَنْتظِرُ مَنْ يُوقِظُها،

فَتَصْحُو وَتَهْمِسُ: أَنَا... هُنَا

[8] كُودَا

[نُقْطَةُ الضَّوْءِ الَّتي تَبْقَى]

في آخِرِ المَطرِ... يَرْتفِعُ الصَّمْتُ نُقْطةَ ضَوْءٍ،

تَكْتُبُني لحْنًا يَتجدَّدُ كُلَّما انْكَسرْتُ.

وكُلَّما سَقَطْتُ... نَهضَتْ في الدَّاخِلِ كَلِمةٌ

تَعْرِفُ طَرِيقَها نَحْوَ يَدِكِ

وحينَ أُغْمِضُ نَفْسي عَلَى اسْمِكِ،

أَرَى أَنَّ المَطرَ لَمْ يَغِبْ،

بَلْ تَخَفَّى في نَبْضٍ يَتَجَدَّدُ في صَدْرِي،

وَيَهْمِسُ آخِرَ الضَّوْءِ:

-مَا زِلْتِ هُنا...

***

د. سعد غلام

 

أبدأ سأَعلنها على الأشهادِ

إني أذوب صبابةً في الضادِ

*

مذ كانتِ الدنيا تشعّ بلاغةً

لغةَ الهوى والشعرِ والإنشادِ

*

لغةَ العذوبةِ حين يُسمَعُ جرسُها

تتماوجُ الألوانُ في إسعادِ

*

لغةَ القصيدةِ وهي تُظهرُ حسنَها

فكأنها بغدادُ في أعيادِ

*

هي للقلوبِ ملاذُ كلِّ مُتيَّمٍ

وسبيلُ أهلِ الفكرِ والإرشادِ

*

فيها الحضارةُ تستفيقُ بنورِها

ويطيبُ فيها العيشُ بعدَ سهادِ

*

قد سافرَ التاريخُ في أعماقِها

وتوضّأتْ بالعلمِ والأمجادِ

*

فيها الخلودُ لكلِّ حرفٍ صاغَهُ

قلمٌ رفيعُ الحرفِ والأبعادِ

*

أبقى أحبُّكِ ما حييتُ وإنني

أفنى بحبِّكِ صادقَ الميعادِ

*

لغتي أحبُّكِ كيفَ لا وأنا الذي

بِهواكِ قد أشرقتُ في الآمادِ

*

في كلِّ شبرٍ منكِ نبضٌ عاشقٌ

يحكي حديثَ المجدِ والأمجادِ

*

لغتي، إليكِ القلبُ يخفقُ هائمًا

يرنو إلى سِفرِ الضياءِ ينادِي

*

في ظلكِ الأحرارُ قد نطقوا بهِ

بلسانَ صدقٍ باهرِ الإيقادِ

*

فالضاد مجدٌ خالدٌ لا يُطفئُه

دهرٌ ولا كيدٌ من الحسّادِ

*

وتطوفُ في الآفاقِ ترفعُ رأسَها

لغتي وتمسكُ نبضَ كلِّ بلادِ

*

هي أمُّنا، في حضنِها نبضت لنا

روحٌ تفيضُ بنخوةِ الأجيادِ

*

وبها تسامى الشعرُ حتى صارَ في

ترتيلهِ كالضوءِ في الإسهادِ

*

تُزْهِو حروفُكِ في ربيعِ قصيدةٍ

فتُعيدُ خلقَ الدهرِ من أجدادِ

*

فلها أرتِّلُ نبضَ قلبي كوكبًا

يهوى على وترِ الضياءِ ينادِي

*

أنتِ المنارُ، وكلُّ أفقٍ مُقفِرٍ

يُفضي إليكِ بنبضِه المرتادِ

*

ما زلتِ - بعدَ اللهِ - صوتَ كرامةٍ

تسري كمسكٍ في مدى الآمادِ

*

أنتِ العروبةُ في سناءٍ خالدٍ

وهويةٌ لا تنثني لعوادِ

***

د. جاسم الخالدي

 

صَدى الرفيفِ، له مَـعـنىً تُـفسِّــرُه

في الأفـق أجنحةٌ، أضواؤها القمـرُ

*

يُخَلَّدُ الوصفُ، في أجواءَ يحرُسُها

صِــدْقٌ ونُـبْـلٌ، وإيمــانٌ بــه عِـبَـرُ

*

إذا النـوايا، نَقـاءُ الحَرفِ صِيغَـتُها

وماؤها الطُهْرُ، يزهو وَجهُه الثمَرُ

*

عينُ الضَميرِ، هُدوءٌ في وِسادَتِها

إنْ كان للحَـقِ صـوتٌ فيه يَـنتَـصِـرُ

*

الطِّـيبُ في عِطْـرِهِ أنفـاسُ خاطِـرَةٍ

قد اسْتَـقَتْ مِن نقاءٍ، نَـبْـعُه عَطِـرُ

*

المـجـدُ ليـس كلامـاً بيـن أحْـرُفِــهِ

تِلاوةٌ، عَـزْفُهـا التفـخيـمُ والكِـبَـرُ

*

سَرِيرَةُ المرءِ، لا تخفى على أحَدٍ

إنَّ التـجـارِبَ مِـفـتــاحٌ ومُـخْـتَـبــرُ

*

حُـبُّ الـظـهـور بـأثْــوابٍ وأُبَّـهَــةٍ

إذا تَـلَـعْـثَـمَ بـان الـنـقصُ والهـذَرُ

*

تـاجٌ بلا سَبَـبٍ، وَهْـمٌ وغطرَسةٌ

ومُقْلَةُ العين تخطو ما خطا الخَبَرُ

*

إنّ الـظـنـونَ إذا غابَـت دلائِـلُـهـا

فـكـــلُّ ظـنٍ بلا فَـهْــمٍ بــه خَــوَرُ

*

الحِـلْـمُ إنْ رافـقَ الأخْـلاقَ مرتبـةً

كالتِبْرِ في مَوْضعٍ، أهلٌ له، سُرَرُ

*

شَتّـانَ بين انْسيابِ اللفظِ في ألَقٍ

وبيـن لفـظٍ بِـرُوْحٍ فيــهِ تُحتَـضَـرُ

*

(ما كلُّ ما يَـتَـمنى المرءُ يـدركُهُ)

المجَدُ يُـدْرَكُ، إنْ جَـدَّتْ بـه الفِكَـرُ

*

فقـوّمِ النفـسَ بالأخـلاقِ، أنّ لهــا

طودا من العِز يَهْوى أفـــقَه النَظَرُ

*

(لا تحـمـدَنَّ امـرءً حتى تُـجَرِبَهُ)

وعـكـسُ ذلك إيـهــامٌ بـــه ضَــرَرُ

*

تغريدةُ الطيرِ فوق الغُـصْـنِ قافيـةٌ

كالعـزفِ يلـزمُـهُ الإنشـادُ والوَتَــرُ

*

في حـكمـةِ القـولِ تنـويـرٌ وتوعيةٌ

وفي التَبَـصُّـرِ أُنـسٌ ضوؤهُ البَصَـرُ

*

(يا مـن يعـزُ علينـا أنْ نفـارِقَـهُـم)

في ذِكرِكُم سلوةٌ، في شعركم سَهَرُ

*

طِـبُ الجُـســومِ دواءٌ فـي تنـوّعِــهِ

ولِلـنُـفـوسِ قـوافٍ طِبُـهـا السَـمَــرُ

*

(ما بيـن غفلةِ عينٍ وانتبـاهَتِـها)

ذكـرى الأحِـبَـةِ تجسيـدٌ لـه صُــورُ

*

جُنْحُ الظلامِ، قوافي الودِّ تُشْرِقُهُ

والضوءُ أقْسَمَ صَوْبَ الحُبِّ يَنْتَشِرُ

*

تبقى السواعِدُ رمزاً في تماسُكِها

مادام للعِــزِّ صَــرحٌ، تاجُــهُ دُرَرُ

*

صُورُ التحدي إذا كانت مُشَوَّشةً

فحكمةُ الصْمتِ في التأويلِ تسْتَتِرُ

*

مُذ  قيل: للشيبِ في نُزْرِ العطاءِ يَدٌ

هبَّ القريـضُ وصـاحَ القلبُ: أقـتَـدِرُ

*

(أنامُ ملءَ جـفوني عــن شوارِدهــا)

الحرف فيهــا، بــليغٌ واثــقٌ نَــضِرُ

***

(من البسيط)

شعر: عدنان عبد النبي البلداوي

كُلُّ اَللَّوَاتِي كُنَّ قَدْ أَتَيْنَ قَبْلَكِ

لِشَاطِئِ اَلْأَلْغَازِ، كُنَّ قَدْ رَأَيْنَكِ

حِينَ غَطَسْتِ فِي اَلْمِيَاهِ تَحْمِلِينْ

دَفْتَرَ عُمْرِكَ اَلَّذِي،

تَبْكِي عَلَى أَوْرَاقِهِ اَلسِّنِينْ

غَطَسْتِ مَرَّتَيْنْ

طَفَوْتِ تَحْمِلِينَ دَفْتَرَيْنْ

بِالشَّكِّ وَالْحَيْرَةِ مُثْقَلَيْنْ

وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا دَفْتَرُ عُمْرِكِ

اِلْتَفَفْنَ حَوْلَكِ

وَكُنَّ قَدْ غَطَسْنَ فِي اَلْمِيَاهِ مِثْلَكِ

لَكِنَّهُنَّ عَدَنُ خَاسِرَاتْ

يَسْأَلْنَ حَائِرَاتْ

هَلْ هَكَذَا تَمْشِي بِنَا اَلْحَيَاةْ

مَسْلُوبَةً بَاهِتَةَ اَلسِّمَاتْ

**

فِي شَاطِئِ اَلْأَلْغَازْ

يَشْتَبِكُ اَلْوَاقِعُ بِالْمَجَازْ

يُدَوِّخُ كُلُّ اَلنَّاسْ

وَيَهْرُبُ اَلْحُرَّاسْ

وَنَحْنُ نَبْقَى وَحْدنَا

يَغْمُرُنَا صُرَاخُنَا

مَتَى...؟ مَتَى...؟

نَجْمَعُ مَا تَشَتَّتا

مَتَى...؟ مَتَى...؟

تُنْصِفُنَا اَلْأَيَّامْ

وَيُسْعِفُ اَلزَّمَنْ

وَتَسْتَوِي حَيَاتُنَا

مِنْ دُونَمَا مِحَن؟

مَتَى...؟ مَتَى...؟

***

شعر: خالد الحلّي

في لحظةٍ مُتخمةٍ بالسكون، تبعثرت على جدران الغرفةِ تلكَ اللوحاتُ التي كانت تُراقبُ مُهندَ ذلكَ الفنان الذي تورطَ برأسِهِ المكتظ بألوانٍ لا يعرفُها من قبل، بل عشقت تربةَ الرأسِ وراحت تتنزهُ فيها كي تُحققَ لها وجودًا من خلال أصابع ذلكَ المرهفُ العنيد.

في هذه الليلةِ بالذات، وقبلَ أن يدخلَ السوادُ إلى عالمهِ انتفضت تلكَ اللوحاتُ من رمادِ ألونِها وراحت تُحدقُ بعيونٍ جامدةٍ إلى  الفنان الذي خلقَ لها وجودًا لن يدخلَ الهواءُ إلى أسرارهِ ليكونَ كما يكون.

اللوحاتُ مصرةً أن تُحدقَ إليهِ، والليلُ على أبوابِ الدخولِ ليتجلى بالسواد اليتيم.

جلسَ مهندُ على كرسيهِ الهرم، لقد أخذَ التعبُ من جسدهِ مسافةً جعلَهُ يغفو أمامَ ذلكَ المصباح المشبع بالغبار. الليلُ أطبقَ حاملًا حُلمًا دخلَ رأسَ مهند تساقطت بهِ الأُطرُ الخشبيةِ من تلك اللوحاتِ كما تتساقطُ المدن القديمة أمامَ عواصف غزاةٍ أشداء، وخرجت من تلكَ اللوحاتِ وجوهٌ غريبةٌ لها عيونُ الألوانِ الميتةِ.

رجالٌ مدججونَ بمعاطفَ صُنعت من جلود الدببة، تقودُهم رياحُ الشمال إلى أهدافٍ ربما تُحققَ لهم بقية الحياة والعيش في سلامٍ مُطمئن.

نساءٌ يتوهجنَ بملامح الفجر حين ينهضُ من نومٍ هادئ.

أطفالٌ حُفاةٌ يحملونَ أحجارًا لها ألوانٌ تلهثُ في انعكاسها الشمسُ.

طيورٌ، حيواناتٌ، أشجارٌ، رياحٌ..

لم تمضِ لحظات حتى امتلأ المرسمُ بالضجيج.

هناكَ أصواتٌ في نبراتٍ مختلفةٍ تتشظى من بين أفواه فارغةٍ، جدالٌ ليس لَهُ من خيطٍ تستدلُ عليهِ، سبابٌ تمطرُ بهِ الأيدي قبل الألسن.

تطورُ إلى نزاعٍ تناطحت بهِ سيوفٌ وأسلحةٌ جميعُها منحوتات من حروفٍ تأريخيةٍ ولدت من عوالمٍ في بئرٍ سحيق.

تساقطت ألوانٌ قتيلةٌ، وأخرى جريحةٌ.

في منتصفِ تلكَ المجزرة وقفَ مهندُ ذلك الفنانُ المرهف، والصراخُ تتشققُ منهُ الجدرانُ، حاولَ أن يمدَ يديهِ ليوقفهم جميعًا، لكنّهُ عجزَ عن ذلك أمام قساوة المعركة.

دماءٌ في كل مكان، تداخلت الألوانُ فيما بينها ناسيةٌ ذلك الخالقُ الذي صنعَ منها جمالًا تتوهجُ بهِ أمامَ الآخرين.

ثم فجأة، هدأَ كلُ شيء، حتى تلكَ العيونُ المتحجرةُ اختفى صليلُها، ثم انسحبوا جميعًا، كلٌ إلى لوحتهِ تاركينَ خطوطًا بمساميرَ مدببة في قمةِ الرأس، تاركينَ خلفَهم رغباتٍ مُبهمة ليس لها صورةً غيرَ تلك الكارثة.

في الصباح استيقظَ مهندُ من هذا الحلمِ العقيم.

نهضَ ببطء ثم أقتربَ إلى أولِ لوحةٍ وراحَ ينظرُ إلى ملامحِها، فشعرَ بعيونٍ غريبةٍ تُمزقُ ما بقي لهُ من قوةٍ بعدَ ما حدثَ في ذلك الحلم.

وبلا تردد حمل مطرقةً وراحَ يُحطمُ تلك اللوحةَ ثم هرولَ إلى الأخرى وحطمَها، ثم إلى الأخرى، والأخرى حتى لم يبقَ على الجدارِ ما يفتخرُ بهِ جسدُهُ الأصم.

حينها أفترشَ الأرضَ وسطَ حطامٍ مُبعثر.

لم تكن النهاياتُ لها ضجيجٌ أو صراخٌ يلعبُ في المكان، بل كانت هناكَ صورة حلمٍ أعمقُ من المعنى سرقَ ذاكرةَ مهند تاركًا ظلًا ثقيلًا تربعَ بينَ عينهِ.

ظلٌ لهُ عباءةُ الليل وأنفاسُ صبحٍ كسير.

***

حسن رحيم الخرساني

Trelleborg 2025/8

ها نحنُ قد صِرنا كهولًا والذي

بالأمسِ أغفلْناهُ يُمسي واقِعا

*

ما عادَ خوفُ الرّوحِ من شيخوخةٍ

نَمشي إليها مُكرهينَ رواكِعا

*

قد لا نكابِدُها إذا اتَّخذَتْ من

الأسقامِ فينا للنّكوصِ ذرائِعا

*

وهيَ الّتي ما أبْغَضتْ شيئًا كما

قدْ أبغَضتْ عندَ الشيوخِ مواجِعا

*

ولربّما قتلَ القنوطُ بنا دوا

فِعَنا فلا نلقىْ لِنحْيا دافِعا

*

ولقد علِمنا أنّها ليستْ تجيـ

ــدُ سوى تذكّرِها الشبابَ الضائِعا

*

بل من ردىً لمّا نُعدَّ ليومِه

ولقدِ أعدَّ ولن نراهُ راجِعا

*

ولسانُ حالٍ ردُّهُ رهنٌ بما

ختمَ الفؤادُ به الحياةَ مُوادِعا

*

تربو الموانعُ بين ذي الدُّنيا وبيـ

ـنَ ميولِنا واليأسُ أضْحى شائِعا

*

وموانعٌ من وهمِنا في أوجهِ الـ

آجالِ منها لا نصادفُ مانِعا

*

هل بيننا والحالُ ذي من مبدعٍ

وهمًا أخيرًا للمنيّةِ رادِعا؟!

*

فبقيّةٌ منّا أوتْ أحلامَنا

ترجو المزيدَ لكيْ تصيرَ وقائِعا

*

فعسى إنِ استبطاهُ وهمٌ نحيِ أنـ

ـفُسًا اسْتحالتْ للذّنوبِ مصانِعا

***

أسامة محمد صالح زامل

 

لا تستهويني حكايات الجواري

في القصص القديمة...

وروائح الحبّ في القصور المغلقة.. تصيبني ..

بالغثيان...

خارج الاسوار..

تبدو الصّعلكة فكرة مدهشة في البِيد..

يمنحني الرّمل السّاخن بهجة .. الصّهيل المقدّس ..

ويكون السّراب في الصّحراء فكرة مبتذلة حين... ينكرني

الظّمأ ...

هنا .. حين نكون ..

اضعه التاج على قلبي...

(انا في قصيدتك الاخيرة)...

***

حياة بن تمنصورت - تونس

 

الصيادون المتعبون العائدون من ليلة صيد لا أعلم ما فيها غير اني رأيت زوارقهم وقد صفت وحمولاتها وقد وضبت ألوانها وتقاربت، ونظامها وقد تراصفت، تعلو أصواتهم، وتتوزع ارزاقهم، وتتسع ضحكاتهم، الصيد لهذا اليوم وفير، هذا ما ظنت، ولذلك سعيت نحوهم، لمحتهم من بعيد، يشربون الشاي وهم جلوس علي مساطب المقهى المتهالك، المطل المشرع الابواب على سطح الماء القريب المناسب، رأيتهم جلوسا، ومنهم من فضل الوقوف حتى يبدو من بين الصفوف، فيما كان صاحب المقهى صموت لا يستطيع  ان يقول أكثر مما قاله منذ الصباح،  فقد استنفذ مخزونه الكلامي والعاطفي مع بائعات الجبن والحليب، وكعادته يقدم لهم الشاي وربما ابتاع منهم صيدا  وقد يهبون له بعضا مما اصطادوا وذلك مقرون بمزاجهم الذي تعكره الرياح حين يقل صيدهم. غير أن ما يسعدهم أكثر ليس الجلوس على مساطب المقهى واحتساء الشاي، فتلك عادة مستهلكة، فهم ينتظرون قدوم الشاعر بقوامه المنحني من ثقل السنين وثيابه الرثة التي اعتاد ارتداءها، فلا جديد في حياته غير الصباحات وما بها وما لها، كانوا يتحلقون حوله، فيهدأ عندها ضجيجهم، وتفتح اسماعهم،، فتراهم  وقد علتهم السكينة  وغمرتهم الدهشة، فهل امتلك هذا الشاعر قدرة الادهاش، وفجر في أنفسهم الاحساس، كنت أشك في ذلك حتى وقفت في دائرتهم غير مبال برائحتم، فادركت عندها أن للشاعر المجيد سحرا!!

***

عبد الهادي الشاوي

 

"هل انتهيتَ من قهوتِكَ؟

أعطني فنجانَكَ…"

*

قالتها الغجريّةُ التي بزغتْ من العدم،

كأنّها طيفٌ هبطَ من صدى ليلٍ قديمِ السُّدُم...

*

عيونُها موشّاةٌ بكحلٍ أسودَ

كجناحِ غرابٍ إذا خفقَ في هواءِ الليل،

وعلى عنقِها حُليٌّ تُطنّ كالنواقيس،

وفي لسانِها مكرُ نساءِ الوبرِ ممزوجًا بالسمِّ ..

*

وفي قسماتِها طقوسُ غموضٍ

تُثيرُ رهبةً تشبهُ رجفةَ قلبٍ

لامستْه يدُ الظُّلَمِ...

*

رفعتْ اليه سبّابتَها قالت:

"هاتِ بعضَ الدنانير… وأقرَأْ لكَ الطالعَ."

*

"يا سيد القوم …

أرى السَّقَمَ يسري في جسدِك

سريانَ السهمِ إذا لامسَ العظم..

وأرى ظلمًا طوّقكَ حتى ضاقَ عليك الهواء

وقهرًا يوقدُ صدركَ

إيقادَ الجمرِ في هشيمِ الليل،

وآهةً تُخفيها عن قومِكَ

مخافةَ الشماتةِ واللَّوم."

*

فردّ عليها بصوتٍ يشبه صليلَ سيفٍ

طُعنَ في صميمِه:

"كُفّي يا امرأة…

هذا داؤكِ الذي تسقينهِ للناسِ سُقياً مُرًّا،

تروّعينَ القلوبَ بما تدّعينه.

لو علمتِ الغيبَ لملكْتِ خزائنَ الأرض،

أمّا الغيب

فلا يعلمُهُ إلا اللهُ وحده،

فتوبي لربّكِ قبل أن يُصيبَكِ سوطُ الندم."

***

بقلمي ياسمين عبد السلام هرموش

كما تنفُضُ الأشجارُ أوراقَها الصُّفْرا

نفَضْتُ سنيني ثُمَّ عُدتُ بلا ذِكرى

*

كبُرْعُمِ ضوءٍ سوفَ ألمِسُ عشبةً

وأنظرُ للأشياءِ نظرتيَ البِكْرا

*

وحيداً بهذي الأرضِ ما ثَمَّ مؤنسٌ

سوى صوتِ حوّاءَ الذي فجَّرَ النهرا

*

تَنازَعَني أمرانِ: زوجٌ، قصيدةٌ

وكلٌّ ترى أنّي بِرِفْقتِها أحرى

*

ويسألُني طفلي: أما لِيَ جَدَّةٌ ؟

فأُلهيهِ حتّى ما يُعيدَ لي الأمرا

*

وأزعُمُ أني ما سمِعتُ سؤالَهُ

كمن وَقِرَتْ أُذْناهُ من لُجَّةٍ وَقْرا

*

خُلِقتُ بلا أُمٍّ فتحنو ولا أبٍ

يُلاعبُني كالخيلِ لاعبَتِ المُهْرا

*

وما حيلةُ الغصنِ اليتيمِ إذا جرَتْ

عليهِ رياحٌ وهْوَ قد سُلِبَ الجذرا

*

سلامٌ على شمسِ الأصيلِ فإنّها

شجَتْني وخمرُ الحزنِ أنسَتْنِيَ الخَمرا

*

تَعِنُّ طُيُوفُ الأمسِ كالحَدَقِ التي

تُخاتِلُ عندَ الليلِ صيّادَها مَكْرا

*

سلامٌ على حوّاءَ في جنةٍ إذا

أردتُ لها وصفاً سأستغرِقُ العُمْرا

*

بها كلُّ نهْرٍ فَرْطَ صَفْوِ مياهِهِ

تكادُ بهِ العينانِ أن تُبصِرا القَعْرا

*

وزهرٌ بلا شوكٍ إذا ما لمَستُهُ

يَطيرُ فراشاتٍ تَنُثُّ ليَ العِطرا

*

تُوَيجاتُهُ مثلُ الدِّمَقْسِ وإبرةٌ

سترفو منَ الأنسامِ أثوابَهُ الحُمْرا

*

وما كانَ مغروساً بطينٍ وإنَّما

بحقلٍ من الأضواءِ قد شَعْشَعَتْ شَذْرا

*

ورَوحٌ ورَيحانٌ وعَينُ مُدامةٍ

ونخلٌ بلا هَزٍّ سيَستنزِلُ التَّمْرا

*

يُسبِّحُ باسمِ (اللهِ) طَودٌ ونملةٌ

ألَا إنِّ في الإنسانِ آيتَهُ الكبرى

*

نَدِمتُ وفي التفاحِ كانت خطيئتي

ورُوحي برغمِ الخَصْفِ لمّا تزلْ تَعرى

*

بكيتُكَ يا هابيلُ حتّى وَدِدْتُ أنْ

بقلبي ولا بالأرضِ قد حفروا القبرا

*

إلى الآنَ ما جفّتْ دِماكَ وقَطرةٌ

أُرِيقَتْ وفُجَّتْ ثُمَّ أضحتْ هنا بحرا

*

فقدتُ جِناناً ثُمَّ كنتُ مُصبَّراً

وفَقْدُكَ يا هابيلُ قد جاوزَ الصَّبرا

*

وما بينَ فُقدانَينِ أكملتُ رحلتي

ونِعْمَ رفيقُ الدربِ حوّاءُ في المَسرى

*

وأوصيتُ أبنائي: المحبّةُ دِينُكم

وفي أغصُنِ الزيتونِ تتَّضِحُ البُشرى

***

عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

هناكَ عند ضفةِ الغروبْ

في وسَطِ الميدان، عند نبع أنهر الدروبْ

وحيث قاصدُ الشمال يعطي ظهره لقاصدِ الجنوب

وحيث غصة النوى تقطّعُ القلوب

في رهبة المكان والزمانْ

وعند نقطةٍ تفرق الحبيب والحبيبْ

وتُرفع الأكف للوداع في توجعٍ رهيب

رأيته من حسرةٍ وألم يلوب

ووجهه ممتقعٌ لا لون فيهِ

لفَّعَتهُ غيمةٌ من الدوار والشحوب ْ

يجثو على قارعة الطريقْ

لقيته وقد خبا من عينه البريق

مسافرًا قد ضيع الأنيس والصديق

وغاب في ذهوله يغفو ولا يفيق

يا قسوةَ المسير دونما رفيق .

*

على رصيف شارع كئيبْ

يعج بالمشاة والحفاه

وربما العُراه

وتحت ظل غيمةٍ من التراب والذبابْ

أمام مقهىً موحش عجيبْ

مُجوفٍ كأنه مغارةٌ

قد نُسيت من ألف ِألفِ عامْ

تضجُّ بالصراخ والسباب والهوام

وأهلها ما عرفوا الكلام

والناس فوق بعضهم تحسبهم رُكام

في مقلة الإعصار والزحام

تثاءب الغريبْ

وأسند الظهر إلى زاوية الجدارْ

تأمل الوجوه في وجومها، يلفها انكسار

ضئيلةً، هزيلة، ناتئة عظامها

نافرةً عروقها كأنما دُقت على صليب

ومدّ ذيل كُمِّه يمسح عن جبينه ما خلَّف الغبارْ

وسرّح العينين تقتفي سحابة النهار

*

كم مُّر من نهار

ما عدًّها لكنها عمرٌ من احتضار

في هيئة انتظار

مذ أدمن الرحيل والتسيار

وصحبة الرياح إذ تئن في القفار

مذ ألِفَ الدُوار فوق زَبَدِ البحار

واستطاب شهقة القطار

كم مَرَّ في محطةٍ

أو لاذ صوب مرفأٍ

أو حَطّ في مطار

ما لوَّحت له يدٌ في صالة انتظار

أو شيَّعته دمعتان حين يَزفرُ الحديدُ والبخار

*

من كل مقهىً بائس في صدره تذكار

عن النّعيِّ والبغيِّ وانتكاسة الرفاق والبوار

في قلبه مواجعٌ وحرقةٌ ونار

وتحت إبطِه الهزيل يستكين دفتر الأشعار

وجَعبةً بها ربابة قد هربت من صدرها الأوتار

ينتظر الآتي ولا يجيءُ

منذ ألف ألف ليلةٍ

يَبيت مُهملاً على ناصية الطوار

ويرهف السمع لما يقذفه المذياع من أخبار

مؤملاً أن يصدر القرار

يحمل في طيّاته خاتمة الأسفار

منتظراً ما ملَّ الانتظار

يَنقضُ كل ليلةٍ ما غزلت يداه في النهار

ويدمن الشوق إلى البحار

منتظراً عودة "يوليسيز" من متاهة التيار

مُحملاً بالدُرِّ والأصداف والمحار

أو موجةً تهوي به إلى غيابة القرار

وبعدها يكف عن أنينه وعزفه قيثار

وينتهي بذلك المشوار

ويُسدل الستار

***

شعر: فيصل سليم التلاوي

في نصوص اليوم