عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

تحتَ الظِّلالِ الوارفاتِ مشيتُ

وعنِ المدينةِ والأُناسِ نأيْتُ

*

وسمِعْتُ أصواتاً تناديني ولَــ..

كِنْ غيرَ صوتِ الماءِ ما لبّيْتُ

*

تتهامَسُ الأشجارُ: من هذا الغريـ..

بُ فقلتُ: ضيفاً عندكم وافَيْتُ

*

يا مرحباً، فتحَتْ ليَ الأزهارُ مِنْ

تيجانِها الحمراءِ فاستسقَيْتُ

*

ودخلتُ مملكةً بها اليَعْسوبُ توّ..

جني أميرَ النحلِ فاستعلَيْتُ

*

لكأنّما الأشجارُ أقلامٌ دفا..

تِرُها الغيومُ تخطُّ ما أملَيْتُ

*

تتزاحَمُ الأغصانُ مثلَ تزاحُمِ الـ..

آياتِ في رأسي وقد صلّيْتُ

*

أنا مثلُ هذا النبعِ لا أحدٌ لهُ

فضلٌّ عليَّ وعنهُمُ استغنَيْتُ

*

منّي سيأخذُ كلُّ نهرٍ حكمةً

حتّى الضفافَ ثمارَها أعطيتُ

*

أنا مثلُ هذا الكهفِ صمتٌ ناطقٌ

بينَ الضياءِ وظلِّهِ ساويتُ

*

أنا متعَبٌ يا غابةَ الأحرارِ من

وطني فهل لي في رحابِكِ بَيْتُ

*

سأصادقُ الغِزلانَ والنَّسْرَ العجو..

زَ وأُطفئُ الخشبَ الذي أورَيْتُ

*

وسأحرُسُ الفِطْرَ الذي ما فيهِ سُــ..

مٌّ إنّما أفواهُنا وسقيتُ

*

ما النخلُ أمّنني عليهِ من العُذو..

قِ فلو تيبَّسَ عُودها لَبكيتُ

*

والغيثُ في الغاباتِ غيرُ الغيثِ في الـ..

مُدُنِ الكبيرةِ غيرُ ما سمَّيْتُ

*

هوَ ها هنا غيثانِ؛ غيثٌ في السَّما

والآخَرُ الغيثُ الذي أخفيتُ

*

للغابِ صمتٌ ليسَ يُوحِشُ إنّما

صوتُ ابنِ آدَمَ منهُ كم قاسَيْتُ

*

سيُروِّعُ الأطيارَ في وُكُناتِها

ويجفُّ جوزُ الهندِ فيهِ الزيتُ

***

عبد الله سرمد الجميل – العراق

عَلَى سُفُوحِ الْقَلْبِ

تَنْبُتُ، تَتَفَتَّحُ أَزْهَارُ الشَّوْقِ

عَلَى كَفِّ الْأَمَاكِنِ

تُغَازِلُ حُمْرَةُ تُرَابِكِ عَيْتَرُونَ

رَذَاذُ مَطَرٍ وَحُبٍّ

قُبَلٌ مِنَ الْحَنِينِ

«يَا حَادِيَ الْعِيسِ»

تَرَاتِيلُ صَدَاهَا يَتَرَدَّدُ

فَوْقَ هِضَابٍ

بَيْنَ أَوْدِيَةٍ

تَحْفَظُ وُجُوهَ نَاسِهَا وَحُرَّاسِهَا

وَهَمَسَاتِ الرِّيحِ

آذَانٌ تَسْتَرِقُ سَمْعًا

عُيُونٌ تُمْعِنُ النَّظَرَ

فِي ذٰلِكَ الْمَدَى

الْأَبِيِّ الصَّامِدِ كَصَخْرَةِ الْعُنْفُوَانِ

كَالتِّينِ

وَالزَّيْتُونِ

يَرْشَحُ مِنْهُ زَيْتُ الْعَطَاءِ

نُورُ السَّمَاءِ يَبْرُقُ

فُصُولٌ مِنَ الْحُبِّ

تَتَوَالَى..

تُعَانِقُ جِهَاتِ الْجَنُوبِ الْأَرْبَعَةَ

وَنَحْلَةٌ تَعُودُ لِلْقَفِيرِ

تَعْصِرُ الْأَرِيجَ بَلْسَمًا

لِجِرَاحِ الذِّكْرَيَاتِ

***

عباس علي مراد

​إلى تلكَ الديارِ أتيتُ صُبحاً

لعلّي لا أُلاقي فيكِ جُرحا

*

أتيتُ كأنّ قلبي عاد طفلاً

يُفتِّشُ في الأزقّةِ عنكَ لمْحا

*

​أسائلُ بابَ داركِ: هل رأتني

عيونُ الدارِ أمْ زادتني بَرْحا؟

*

أجابَ البابُ في صمتٍ حزينٍ:

كفاكَ فما أرى في العتبِ رِبحا

*

ألم ترحلْ لكي تنسى هوانا؟

فكيفَ رجعتَ تبغي اليومَ صُلْحا؟

*

فقلتُ له: وكيف النوم ذكرى

تراودُ خافقي ليلاً وصبحا؟

*

فَقُلْتُ لَهُ: وَكَيْفَ أَعِيشُ دُونِي؟

وَقَلْبِي لا يُطيقُ اليومَ جَمْحا

*

رأيتُ ملامحَ الماضي تنادي

وجوهاً غادرتْ ضيقاً وفُسْحا

*

فيا داراً سكنتِ الروحَ دهراً

ويا طيفاً أضاعَ العُمْرَ كَدحا

*

أتيتُ لكي أرمّمَ فيكِ صبري

فلم أرَ غيرَ دمعي فيكِ نَضْحا

*

​أنا المنفيً من شوقي، وجرحي

يئنُّ، فكيفَ أرجو منكِ صَفْحا؟

*

فيا دارَ الأحبّةِ طالَ ليلي

فهلْ يلقى غريبُ الدارِ نُصْحا؟

*

أحدّقُ في الزوايا.. أينَ أهلي؟

وهل نسيَ الزمانُ هناكَ بوحا؟

*

هنا كنا.. وكانَ الحبُّ غضّاً

نطيرُ بهِ كَمَا الأطيار مَرْحا

*

نخطُّ على جِدارِ الدارِ حُلماً

ونرسمُ في سوادِ الليلِ فَرْحا

*

​فأينَ الأمسُ؟ أينَ رنينُ ضحكٍ؟

أحالَ البُعدُ ذاكَ الشدوَ نَوْحا

*

عجبتُ لدارنا.. بالأمسِ رَوضٌ

فكيفَ غدتْ تزيدُ القلبَ قَدْحا؟

*

فلا الأبوابُ تذكرُ وجهَ خلٍّ

ولم تمنحْ جدارُ الدارِ شَرْحا

*

أتيتُ لكي أضمَّ الروحَ فيها

فلم أرَ غيرَ بَرْدِ الهجرِ سَفْحا

*

​أشدُّ رِحالَ خيباتِي وأمضي

فلا لومٌ يُفيدُ اليومَ نَصْحا

*

وداعاً يا دياراً جفَّ فيها

رحيقُ الوصلِ.. حتى صارَ شُحّا

*

فلم أسمعْ سوى ريحٍ تَهادى

تذرُّ على جراحِ القلبِ مِلْحا

*

وداعاً يا دياراً كنتِ أُنسي

فقد أضحى مزارُكِ فيَّ نَزْحا

*

سأحملُ طفليَ الباكي بصدري

وأتركُ عندَ بابِ الدارِ رَوحا

*

ساحمل طفلي الباكي بصدري

واترك عند باب الدار نفحا

***

جاسم الخالدي

يبيعُ على حافةٍ من طريق

بعضَ الهمومِ

ويشكو لرب ٍكثيرَ الألم

ويشرحُ للريحِ...

في مقلتيهِ

تفاصيلَ ما حاطهُ من الغموض

وما قد ألم...

ويتركُ للصمتِ قبحَ الرجاء!

سعيدًا إذا لامستهُ كفوفُ الكرم

كأن رسومَ البلادِ اختفت

ولم تأتِ يومًا إليه

ولم تدعهُ ساعةً

قبلَ حلولِ الهرم

شموسُ البلادِ تريدُ لها في جسمهِ

معلمًا

كبيرًا

مثيرًا

يؤريخُ تاريخهُ المزدحم

تقولُ له بملء فمٍ

لماذا انتهيتَ ولم تنتهِ

وظلتَ على جانبيكَ بقايا وشم؟!

***

عبد الهادي الشاوي

 

لم يزرني النوم بعد تلك الحادثة لعدة أيام خلت. ففي كل ليلة كنت أترقب بخوف وتوجس. ان دائرة الأمن، تبعث بطلبي لتحقق معي بسبب تهوري وما انطلق به لساني بتلك الكلمات التي جعلت الوساوس تجثم فوق أنفاسي كل ليلة. ومما زاد الطين بلة ان كل أفراد أسرتي قد وجهوا لي أشد اللوم والتقريع لما بدر مني في ذلك اليوم النحس رافقني الندم وجلد الذات خوفا ورعبا عليهم وعلى نفسي.

تأخرنا عن محفل فاتحة الشهيد، فجئنا والجمع قد انفض. لا أحد هنا. فالشهيد قد رحل الى خلوده الأبدي، ولم يترك خلفه الا صمتا مهيبا يروي حكاية لوعة امرأة ثكلى وأخت تجلس وحيدة قرب صورته.

ردتْ صديقتي التحية بصوت خليط بين حشرجة وأنين. جلستُ بجانبها بصحبة أمي دون ان نتكلم الا بكلمات التعزية على روح أخيها الشهيد (عماد) مع قراءة سورة الفاتحة ثم ساد صمت لمدة غير قليلة. كانت أمي تجيد الحديث بمثل هذه المواقف وصديقتي وأمها تتظاهران بالقوة والتماسك ولكن آثار الحزن بادية عليهما. الجو العام يوحي بكآبة حادة. لاذ الجميع بصمت طويل. فالمرء تخرس كلماته في محراب الفقد لشاب في مقتبل العمر. مع توجس واحساس بخطر من يتفوه ببعض الكلمات والحذر من مغبة ان تفهم بشكل مختلف.

انتقلت نظراتي الى جدران الغرفة المتهالكة وهي توحي ان الدار قديم جدا وقد بذلوا جهودا كبيرة لتبدو أفضل حالا. عمدوا لتغطية الجزء الأكبر منه بقطع النايلون السميك ليخفي عيوب التآكل فيه. هناك صورة لرجل يرتدي الزي العربي وربما هو والد صديقتي وصور أخرى لأطفال لا أعرفهم. الا ان الصورة التي لفتت انتباهي لكبر حجمها وكونها الوحيدة بين الصور كانت مزججة بعناية مختلفة وكانت لرئيس تلك المرحلة. وحيث حرب الثماني سنين ما زالت طاحنة بشراستها المعهودة. كان صاحب الصورة يبدو ضاحكا ملء ثغره وكأنه لا يدري بما تعانيه الأمهات الثكالى والعوائل الفقيرة بالذات. ولا يدري ان عماد هو الرجل الوحيد المعيل لهذه العائلة بعد وفاة والده. وان هذا البيت المتهالك لا تعود ملكيته لهم.

وانهم فيما بعد أجبروا أبنتهم (صديقتي) على ترك الدراسة لتعمل في أحد مصانع التصنيع العسكري. كنت أعتز بصداقتها فقد ضحت بمستقبلها من أجل اسرتها رغم ما كانت تتمناه سابقا.

شعرتُ بحزن شديد لاستشهاد عماد كونه أصغر مني سنا وكانت أخته تصحبه معها خلال السفرات المدرسية أو أيام الاحتفال بالمناسبات المدرسية أو الوطنية أيام المرحلة المتوسطة. كان طفلا جريئا حاضر البديهة، يرد على من يسأله بطريقة محببة. وحين فرقتنا ظروف الحياة واتجهت كل منا بطريقها لم نعد نلتقي الا مصادفة.

ولكن بعد سنين رأيته شابا يافعا مع صديقتي فكان يلقي تحيته بخجل وتواضع وحين ذكرته بمناكفاته التي كان يفتعلها كان يبتسم وتحمرّ وجنتاه دون ان يتكلم.

غاضني منظر الصورة المزججة وضحكة صاحبها العريضة. فسرح خيالي الى الأرض التي يرقد تحتها عماد وهي تحتضنه وتضغطه بحضنها البارد المخيف والضباع البرية تتصايح من حوله بكل شراستها. بينما يكون صاحب الصورة محتفلا بعيد ميلاده.

كان الحديث مع نفسي سرا. ولكن انفلتت من فمي كلمات مسموعة دون وعيي فقلت: أنظروا الى الصورة انه بالتأكيد يضحك على مآسينا ولا يهمه من أمرنا شيئ. ليس وحدكم متعبين بل كلنا نعيش حياة البؤس والخوف والرعب. تتجمد الدماء في عروقنا حين يطرق أحدهم بابنا وترعبنا حتى هذه الجدران الصامتة.

غمرتني صديقتي بنظرة حزينة وأشارت لي بالسكوت بإشارة منها. بينما رمقتني أمي بنظرة لوم وعتب. وهي تضغط بأسنانها على شفتها السفلى.

ولكن ما جعل جسدي يرتعد خوفا هو حركة غير متوقعة من أم صديقتي فقد نهضت بوثبة مفاجأة وهوت بكامل جسدها فوقي وغطت عباءتها رؤيتي وهي تصرخ بعصبية وامتعاض. أين المسجل. ؟؟؟ أخرجيه بسرعة ايتها الخائنة. !!! وما زالت تبعثر بعباءتي وتفتش بحقيبتي بيدين مرتجفتين وصراخ مستمر وكأنها ليست هي نفس المرأة التي استقبلتنا بهدوء تام.

أجبتها وصوتي يرتجف خوفا وقلبي يخفق خفقانا سريعا :ـ عن أي شيء تبحثين.؟؟ وماذا تقصدين بالمسجل. ؟؟ لا أدري ماذا تعنين. !!

قالت: تعرفين ماذا أعني بالضبط. يا لك من صديقة مدسوسة.

أمي لحد هذه اللحظة كانت محافظة على صمتها لكنها تراقب الأحداث ففهمت ماذا تعني المرأة بهذا التصرف. نهضتْ من مكانها وهي غاضبة ثم واجهت المرأة ومنذرة اياها بقولها : ـ كفي عن تصرفك الأهوج. لسنا من النوع الذي تقصدين. ثم رفعت عباءتها ونفضتها ونفضت ثوبها ثم سحبت عباءتي ورمتها على الأرض. ودلقت محتويات حقيبتي فوقها. ثم بطريقة الأمر قالت لها :ـ فتشي بما يحلو لك. فان وجدت شيئا فعليك ان تبصقي بوجهينا.جئنا من أجلكم لنقدم واجب العزاء.

ان الأنسان ليخجل عندما يتصرف بوقاحة في لحظة غضب. قالت أم صديقتي. وفعلا خجلها واضح باحمرار وجهها.

وأخيرا تربعت على الأرض وهي تضرب بكلتا يديها فوق ركبتيها وتقول: لقد فعلتها احداهن قبل عدة أيام وسجلت لنا كلاما من هذا القبيل. وهي من استدرجتني للحديث ثم أوصلته لهم. لذلك بعثت الينا دائرة الأمن انذارا. ان لا نفقد السيطرة بسبب استشهاد ولدنا ونتحدث بسوء على السلطة.

ثم تابعت كلامها: طلبوا مني ان أحضر الى هناك ووقعت بهذه اليد ورفعت يدها بعصبية. نعم وقعت على التعهد بعدم تكرارها.

ان خسارة ولدي بكفة واذلال امرأة بعمري بألف كفة.

***

قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو

"عيونِك شوكةٌ في القلبِ

توجعني... وأعبدُها

وأحميها من الريحِ

وأُغمدها وراء الليل والأوجاع... أُغمدها

فيشعل جُرحُها ضوءَ المصابيحِ"

محمود درويش

**

تَذوبُ بِعِرقي هَمَساتُ الأَسْرارْ

فما غيرُ نارِكِ يُفْني أُواري

وما من سِوى رَمادِكِ يَروي أَخباري

عن زمنٍ كانَ بِهِ القلبُ:

دارْ ،

وكانَ العُمْرْ:

جِدارْ

*

هأَنا ذا..

يُعانِقُ دُخّانُكِ الآنَ نَفْسي

وتَرسُمُ فوقَ زُجاجِ النَّوافِذِ

أَقواسَ نارٍ ،

وأَطيافَ ضَوْءٍ،

وبعضَ الضَّبابْ،

بلون الصَّبّارْ

*

أَتذكَّرُ:

لَمّا كانَتْ كفُّكِ تَمسحُ

غُبارَ التَّعبْ،

وتَزُرُّ بِتُربتيَ اليابِسةِ

أَزاهيرَ ياسَمِنٍ وجُلَّنارْ

كأَنَّ رَبيعَكِ من  "لارا " يَسيرْ

لِيَسكُنَ فيَّ،

ويُشعِلَ هذا المَدارْ

*

أَدركتُ أَنَّ الهَوى

ليسَ وميضًا يَخبو

ولكِنَّهُ

نَبْضُ عُمْرٍ

إِذا ضاقَ هذا الزَّمانُ أَنارْ

*

وها هُوَ شَتْوُكِ يَعْلو

ويُحكِمُ حِصْنَ المطرْ

ويحْصُرُ بحرَ المَحارْ

فأَرجِعُ نَحْوَكِ

من نَصَبِ العُمْرِ

من وحشةِ المُنْحدَرْ

أَسْتلْهِمُ الآنَ من وَهجِكْ

عُمراً حديدَ النّارْ،

وشكلَ القَرارْ

**

لا تجزعي من رَمادي

فإِنَّ الرَّمادَ ابْتِداءُ الطَّريقْ

وأَوَّلُ طيرٍ يُحلِّقُ في شَفقِ النارْ

ويحمِلُ في مِنقارِهِ

بقايا الحُلُمْ

وبقايا الشَّرارْ

كما كانَ طِفْلٌ بِ"غزَّةَ"

يحمِلُ في كفِّهِ

شَرارًا مِنَ الثّارْ

وجُرحًا يُنيرُ سماءَ الفَنارْ

*

فأَحْرِقيني

لِكيْ لا يبقى مِنِّي سِوى الأَثرْ

لكيْ يغْدوَ الجِسْمُ قِيثارةً

وتغدوَ رُوحي وَترْ

ولِترْتجِفْ في مدى الكونِ

أَسرارُ الأَقدارْ

فلا يَعرِفُ السِّرَّ

إِلّا الَّذي عانقَ النّارَ

حتّى انْصهرْ

ورأى "آشُورَ"

تنهضُ من رَمادِ المُنكسِرِينْ

*

آهِ...

لوْ تعلمينَ

كيفَ يتلظّى السُّكوتُ بِفمِّ الزَّمنْ

وكيفَ يَصيرُ الأَسى

لُغةً من عِنادٍ

ودمعًا يُقاسُ بِهِ الثَّمنْ

كأَنَّ "قاسيونَ"

يُخفي بِصَخرتِهِ

تعبَ الأَنْبِياءْ

**

ما أَنا غيْرُ وَقودٍ

لِحُلْمٍ بَعيدٍ مُحالْ

وما أَنْتِ إِلّا طَلاسِمُ سِرٍّ

يُطيلُ الرَّحيلْ

**

اُنْظُري

كيفَ يَروبُ الوُدُّ

بينَ الجسدْ

وبينَ الرُّوحْ

بينَ أَمسٍ يُوَدِّعُنا

وغدٍ يتشكَّلُ

من لَهْفةِ المُسْتحيلْ

*

لَمْ يَعُدْ ثَمَّ  أَنا

لا وَلا  أَنْتِ

في هذا المَقامْ

ثَمَّ ضوءٌ وحيدْ

وظلامٌ  أَكيدْ

وشيءٌ يُشبِّهُ حُلْمَ الانْسِجامْ

*

وتشهدُ  "قانا"

أَنَّ الدِّماءَ الَّتي تُزهِرُ الآنَ

تُصبِحُ يومًا

نَشيدَ السَّلامْ

*

يا نارُ

علِّميني

كيفَ أَموتُ ولا أَنْتهي

كيفَ أَصيرُ رَمادًا

وأَرْجِعُ مِنْهُ إِلى مُبْتدايْ

*

أَنا الشَّجرُ المُلتهِبْ

لِيُثمِرَ النُّورَ في عَتْمةِ المُنْحنى

أَنا البحرُ

حينَ يَضُجُّ بِأَعماقِهِ

فَيُصبِحُ ذِخارًا وماءْ

*

فلا تَرْحمي جسدي

من لَفيحِكِ يا حَمْراءْ

فالبرْدُ سُمٌّ

وصمتُ المدى سَجْنُ رُوحٍ

وصبرُ المُحِبِّينَ داءْ

*

أَحْرِقيني

لِكيْ لا يبقى مِنِّي سِوى الصَّدى

صدًى يتردَّدُ في الكونِ

كالتَّرْتيلِ

كالنَّايِ

كالفِدَا

*

ها أَنا ذا..

آخُذُ من نارِكِ اسْمِي الأَخيرْ

وأَدخُلُ في نَسقِ اللهبِ المُستحيلْ

**

كودا

لا شيءَ يبقى

سِوى الأَثرِ المُشتعِلْ

لا أَنا..

لا أَنتِ..

لا غيرُ هذا التَّوهُّجِ

يعبُرُ في دمِنا

نحوَ الأَبدْ.

***

د. سعد محمد مهدي غلام

 

ما بالُنا؟

نلوكُ الغيابَ

من قبلُ ومن بعدُ،

ولا أحدَ يصل.

أسى الانتظارِ—

أراجيحُ فارغةٌ في المحطّات،

لم يُخبرونا عن مداها…

هؤلاءِ العابرون.

مهلًا،

كي أقولَ لكم:

لا تفتحوا الأزرار.

بوّاباتُ قلوبِنا

ما زالت مغلقةً،

والمفاتيحُ

لا ندري أين هي.

هل ضاعت مع مواقيتنا؟

أم أنّها

لم تُصنع بعد؟

شذاها العابرُ -

ألوانٌ من ضوءٍ -

سوَّلتْ لنا

مسافاتِ يقينٍ

حين اقتربنا

ننأى بكلِّ أحمالِنا،

نقولُ للكفِّ:

لا تكشفْ عن رؤياكِ؛

فكلُّ الاحتمالاتِ واردةٌ.

نغفو على جوانبِنا،

ننسى تَلَفُّتَ القلبِ،

ونسهو قليلًا…

ما بالُنا؟

***

رجاء الغانمي

 

12. الارتطامُ بجدارِ الجليد

أولاً: حين يخذلُ النصُّ الروح

كان ذلك اليومُ المشهود غائماً برداءٍ كالح، كأن السماء قررت أن تنسج وشاحًا من الرماد قبل أن ينطق لسانُ القانون بالجور.

عاد أهل الحي إلى قاعة المحكمة بقلوبٍ توجس خيفة، لكن الهواء هذه المرة كان أكثر ثقلًا، والرخامُ تحت أقدامهم بدا أكثر قسوةً وبرودة، كأنه يرفض الانتماء إلى طين أجسادهم.

اعتدل القاضي في جلسته خلف منصته العالية، يعلوه وقارٌ مصطنع بدا للجميع في تلك اللحظة قناعًا خشبيًا صقيلًا، يخفي خلفه آليةً بيروقراطية صماء لا تشعر بنبض البيوت ولا بوجع ساكنيه.

ساد صمتٌ موحش؛ صمتٌ يشبه الفراغ الذي يعقب دويّ الكارثة، ثم بدأ القاضي يتلو منطوق الحكم بنبرةٍ رتيبة، خالية من أي مسحةٍ إنسانية، وكأنه يقرأ قائمة جردٍ لسلعٍ بائرة.

كانت الكلمات تسقط فوق رؤوسهم كأنها صخورٌ مدببة تهوي من شاهق:

"لعدم كفاية الأدلة المادية القاطعة.. ولإنكار الجهة المدعى عليها أي صلة سببية لها بالوقائع المذكورة.. وحيث إن إفادات الشهود قد اقتصرت على أقوال أطفالٍ قاصرين لا يعتدُّ بشهادتهم قانونًا لفقدانهم الأهلية القانونية.. حكمت المحكمة بـ ..."

في تلك اللحظة، شعر المدعون وكأن جدران القاعة تضيقُ عليها بضراوة حتى كادت تسمع طقطقة عظامهم تحت ضغط الظلم.

"عدم كفاية الأدلة!!!!؟"

هل كانت آلاف الخنافس التي استباحت قدسية غرف نومهم وهمًا بصريًا؟

هل كانت القروح التي نهشت أجساد الصغار مجرد خيالات؟

نظر الجميع إلى الطفلة ياسمين؛ كانت الصغيرة تقف بذهولٍ صامت يمزق نياط القلب، تمسك طرف ثوبها بأصابع مرتعشة، وعيناها اللتان شهدتا الحقيقة عيانًا، تنظران الآن بانكسار إلى رجلٍ يتدثر بالسواد ليخبرها أن ما رأته وعانته لم يكن إلا أضغاث أحلام.

كان ممثلو الشركة يجلسون في الجانب المقابل، يتبادلون ابتساماتٍ خفية يدارونها خلف وقارٍ زائف؛ فالقانون في شرعتهم لعبة مراوغة لا ميزان عدل. لقد غسلت المحكمة أيديهم بماء النصوص الباردة، وتركت لأهل المحلة الوجع المحض والبيوت المهددة بالابتلاع.

خرج الجميع من القاعة، ولم يكن الوجوم هو سيد الموقف فحسب، بل كان الذهول من برودة مؤسسة القانون والعدالة.

مشى اصحاب الحق في الممرات الطويلة، وأصواتُ أحذيتهم ترنُّ فوق الرخام كأنهم يشيعون قضيتهم ُ بموسيقى الخذلان.

العم أبو عواد لم ينبس ببنت شفة، لكن عصاه كانت تضرب الأرض بعنفٍ كأنها تعاتب التراب الذي سمح لهذا الظلم أن ينبت فوق أديمه.

توقفوا عند البوابة الخارجية، حيث كانت الريح العاتية تعبث باليافطات التي رُفعت قبل أيام بآمالٍ عريضة.

نظر بعضهم في وجوه بعض بنظرات الاصرار والتحدي؛ لم يَروا فيها الهزيمة او الانكسار، بل رأوا يقيناً متحفزًا لمواصلة الكفاح. مدركون أن المعركة مع القانون المكتوب بروحٍ ميتة قد خُسرت، لكن المعركة مع الحق الوجودي قد استعرت لتوها.

 أمسكت هدى يد ياسمين الصغيرة، كانت باردةً كقطعة ثلجٍ مهجورة، فهمست لها ولنفسها بيقينٍ غاضب:

"يا صغيرتي، إنهم لا يملكون عيونًا بريئة ليروا الحقيقة خلف الأوراق البليدة، لكن الأرض والجدران التي حفظت صدى افادتك لن تنسى اسمكِ أبدًا..

الحقُّ لا يموت بقرارٍ من حبر".

ثانياً: مرافعةُ الوجدان..

الصعودُ إلى مِحرابِ العدالةِ الأسمى

لم يكن انكسارُ دعواهم في ردهات المحكمة الابتدائية سوى الارتطام الصاعق الذي شقّ مآل الركود في أرواحهم، وأيقظ في الأعماق ذلك العناد الفطري الذي يورثه الحق لأهله. حين عادوا إلى "المحلة" بقلوبٍ كَسيرة، لم يهرعوا إلى عتمة الزوايا بانتظار نعي الجرافات، بل تداعت أجسادهم تحت جنح الليل إلى ساحة الملتقى؛ هناك حيث كانت الوجوهُ تستمدُّ ضياءها من وهجِ حقيقةٍ عصية على الطمس، حقيقة أنكرتها عدسات القضاة خلف نظاراتهم الباردة.

وفي غمرة ذلك الشجن الجماعي، انشقّ ليل الساحة عن قامة الجار "أبو أحمد" وعائلته، وهم يتقدمون نحو الجمع بخطىً مثقلة بالندم، لكنها واثقة، كعائدٍ إلى مِحرابه. استقبلتهم القلوبُ قبل الأيدي بترحابٍ يملأه الترقب. تقدم أبو أحمد، والصمتُ يغلف المكان إلا من أنفاس الحاضرين، وقال بصوتٍ يقطر صدقَا:

"لقد طالعتُ في جريدة الصباح ما آل إليه عرقكم وصبركم، وجئتكم اليوم أحملُ أسفي واعتذاري ثقيلين فوق كاهلي. لقد خذلتكم حين ظننتُ أن الاستسلام ممرٌّ آمن، وحين توهمتُ أن الرحيل نجاة، في الوقت الذي كنتم فيه تشهرون صدوركم دفاعَا عن وحدة هذه الأرض ونبض أهلها. ها أنا أعود إليكم، نابذًا خلف ظهري عقود البيع التي عرضوها، ومغرياتهم التي لم تكن سوى أثمنةٍ بخسة لوأد الضمير."

صمت لبرهة، وكأن الكلمات تستجمع قواها، ثم تابع بيقينٍ هزّ الوجدان:

"أدركتُ، ويا لمرارة الإدراك، أنهم لم يطمعوا في جدران بيتي فحسب، بل أرادوا شراء روحي؛ أرادوا مسخي جسرًا للوشاية، وجاسوسًا ينخر في عضد أهلي، ومحرضًا يغوي الجيران بالشتات مقابل فتاتِ وظائفهم وضماناتهم الزائفة.

لكن طين هذه المحلة الذي جبلت منه عظامي أبى ان يتحول إلى خسة.

رفضتُ أن أكون الأداة التي تطعنكم في الظهر.

أنا اليوم معكم، بلا شروطٍ وبلا تراجع، فاقبلوني ابنًا عاد إلى حضن حقيقته."

انجلت الغُمّة عن الوجوه، واستحالت ملامح الوجوم بشرى غامرة، وهم يحيطون بأبي أحمد وعائلته في عِناقٍ أعاد صياغة ميثاق الجوار. ومع عودة هذا الشتات إلى النسيج الواحد، استجمعوا عزمهم للمضيّ نحو المحكمة العليا، لا بحثًا عن ثغرةٍ قانونية، بل صعودًا نحو سدرة المنتهى في العدالة الأرضية.

هنا، وقفت هدى في قلب الدائرة، وبدا صوتها المتهدجُ بمرارة الكبرياء كأنه رنين نقيّ في عتمة الليل، وقالت بيقينٍ يلامس آفاق السماء:

"إن كانوا قد كبّلوا العدالة بنصوصٍ جامدة مفرغة من المعنى، فسنمضي بها إلى حيثُ لا تنفعهم مراوغاتُ المحامين ولا برودةُ الحيل القانونية.

سيرفع محامونا استئنافنا إلى (المحكمة العليا)؛ هناك حيثُ يُفترض أن تُحاكم (النوايا) قبل (الأوراق)، وتُوزن الأرواح قبل العقود".

كان قرارًا يشبه الصعود الحافي نحو جبلٍ بركاني، لكنه كان خيارهم الوحيد لئلا تموت الحكاية.

في اليوم التالي جمعوا شتات أنفسهم، واستحضروا المحامون الذين آمنوا بقضيتهم، ومضوا نحو ذلك المبنى المهيب الذي يتربعُ فوق قمةِ المدينة. في قاعة المحكمة العليا، كان للصمت هيبةُ المعابد العتيقة، وبدا القضاةُ هناك كأنهم حراسُ الضمير الإنساني الأخير. وقف محاميهم، واستهلَّ مرافعته بهديرٍ من البلاغة الجزلة:

"يا سادةَ المنصة، إننا لا نقف اليوم لنشكو ضياع أمتارٍ من تراب او احجار من طين، بل جئنا نحملُ براءةً مغدورة. إن الحكم المستأنف قد اغتالَ الحقيقة تحت ذريعة عدم الأهلية، وكأن الطفل الذي يرى النار تلتهمُ أطراف ثوبه لا يُصدَّق إلا إذا أتى بختمٍ رسمي على جلده!

إن الشركة التي تتنصل اليوم من صلتها بالخنافس، هي ذاتها التي تبتسمُ جشعًا، منتظرةً لحظة انقضاض الجرافات لتُقيم فوق ذكريات اهل المحلة صروحًا من زجاجٍ بارد لا روح فيه".

ثم كانت اللحظة التي لم يتوقعها أحد؛ حين أخرج المحامي الكيس الورقي والمنشور اللذين احتفظ بهما الجيران كوثيقةٍ مقدسة، ووضعهما فوق المنصة أمام أنظار القضاة.

لم يكن الكيس صامتًا، بل كانت حوافّه تحملُ أثر ذلك المسحوق المريب ورائحة الغدر. أضاف المحامي بصوتٍ خفيضٍ يهزُّ الوجدان:

"هذا الكيس ليس مجرد دليلٍ مادي، بل هو توقيعٌ إجرامي لا يخطئه قلبٌ يبصر الحقيقة. إن استبعاد شهادة الأطفال هو وأدٌ متعمد للعدالة".

نظرت الحضور نحو القضاة بعزيمة وأمل..

كانت ملامحهم تعكس صراعًا بين نصٍ جاف وضميرٍ مستيقظ.

لم يعد الأمر قضية إخلاء، بل تحول إلى محاكمةٍ للقيم الإنسانية.

 شعر الجميع أن ياسمين ورفاقها، بجلوسهم الصامت البريء، كانوا هم القضاة الحقيقيين.

كانت الأنفاس معلقةً برفةِ جفن، وبحركةِ قلمِ رئيس المحكمة الذي أطال النظر في الكيس الملقى أمامه.

 لكنهم أدركوا أن صرختهم التي ولدت من فوق سطح دارهم، قد وصلت أخيرًا إلى سقف العالم، لتسأل بمرارة:

هل للإنسان قيمة تفوق ثمن الأرض، أم أن الحجر في شرعة الغاب أثمن من البشر؟

**

13. قيامةُ الحق.. حين تستيقظُ كفةُ الميزان

حبست المدينةُ أنفاسها في ذلك اليوم الذي لم يكن يشبهُ سابقه؛ فقد بدت قاعة المحكمة العليا بأسقفها الشاهقة وجدرانها المكسوة بالخشب الداكن كأنها محرابٌ أخير للضمير الإنساني المنهك.

ساد صمتٌ مهيب، لم يكن يقطعه سوى حفيف الأوراق المرتبكة ووقع أقدام القضاة وهم يعتلون المنصة بوقارٍ يلفّه ثقلُ الأمانة التاريخية.

تسمّرت الأنظارُ نحو رئيس المحكمة؛ رجلٍ وقور خطَّ الزمنُ على وجهه تجاعيد الحكمة، وهو يفتح الملف الذي يحمل بين طياته مصير محلةٍ كاملة، بل مصير فكرة العدل ذاتها.

لم يبدأ بالنطق المباشر، بل استهلَّ كلمته ببيانٍ أدبيٍّ وقانونيٍّ بليغ، أعاد فيه الاعتبار للإنسان قبل النص.

قال رئيس المحكمة بصوتٍ رخيمٍ يتردد صداه في أرجاء القاعة الصامتة:

"إن العدالة التي لا تبصرُ دموع الصغار هي عدالةٌ عرجاء، والقانون الذي يتجاهلُ بديهياتِ الواقع بحجةِ نقصِ البينات المادية هو قانونٌ يحمي الجاني ببرودةِ نصوصه.

لقد فحصت هذه المحكمة عريضة المستأنفين، وتأملت في روح الحقيقة الكامنة خلف كيس الخنافس وحكاية الأطفال، ووجدت أن إغفال شهاداتهم بحجة نقص الأهلية هو تفريغٌ للقضاء من جوهره الأخلاقي".

توقف لحظةً، فبدت القاعةُ وكأنها خاليةٌ من الأكسجين، ثم تابع بمنطقٍ الواثق والمنصف: ...

" وحيث إن الشركة المدعى عليها قد استغلت نفوذها لتمويه الحقائق، وحيث إن تلازم ظهور الوباء مع عروض الشراء القسرية يشكل قرينةً قوية لا يمكن تجاهلها..

 فقد قررت المحكمة العليا نقض الحكم السابق جملةً وتفصيلًا، وإعادة القضية إلى التحقيق الجنائي الموسع مع إيقاف كافة إجراءات الإخلاء فورًا، وإلزام الشركة بتعويضٍ ماديٍّ مؤقت للسكان جراء الأضرار الصحية والبيئية، ريثما يتم التحقيق النهائي والكشف عن المتورطين "

وقعُ الكلمات كان كالمطرِ الهاطل على أرضٍ شققها الظمأ.

لم تضج القاعةُ بالتصفيق، بل بـزفرةٍ جماعية طويلة، امتزج فيها نحيبُ المقهورين بارتياح المنتصرين. شُوهد العم أبو عواد وهو يغمض عينيه ويسند جبهته إلى عصاه، وكأنه يفرغُ وقرًا ثقيلًا من فوق كاهله المتعب.

أما ياسمين، فقد نظرت إلى امها ببراءةٍ، لم تعد مذعورة، بل أصبحت مُبصرة..

لقد أدركت الصغيرةُ أن كلماتها لم تذهب سدىً، وأن العالم، رغم قسوته، ما زال يتسعُ للحق.

خرج الجميعُ إلى الضوء، ولم يكن انتصارهم مطلقًا بالمعنى المادي المحض.. فالبيوتُ ما تزال شاخصةً بقِدَمها، والخنافسُ تركت أثرًا في النفوس لا يمحوه قرارٌ ورقي، والشركاتُ النافذة ستظل تحاولُ الالتفاف من وراء حجاب.

لكنهم انتصروا اخيرًا.

لقد انتزعوا اعترافًا رسميًا بحقهم، وبأن جدرانهم ليست للبيع، وأن الطفولة ليست حيزاً للتجارب المخبرية.

عادوا جميعاً إلى المحلة، وكأن التراب نفسه قد استعاد لونه الأصيل، واختفت تلك السيارات السوداء المريبة، وانزوت الوجوه المقنعة خلف عتمة فشلها، لتبقى هدى وأهلُ حيّها حراساً ليقينٍ لا يغلبه الباطل.

**

14. سديمُ الصمت.. وارتيابُ اليقظة

قرر الجيران أن يطووا صفحة تلك الأيام العجاف لا بالصمت، بل بفعلٍ يليق بما انتزعوه من العتمة.. عيدًا يصوغونه بأيديهم، ويودعونه في ذاكرة المحلّة علامةً على أن الفرح، حين يُنتزع انتزاعًا، يكون أصدق وأبقى.

عادت ساحةُ لعب الصغار لتتنفس من جديد؛ تلك البقعة التي شهدت يومًا أولى تعثراتهم وهم يتهجون حروف التمرد ويتعلمون كيف تُصاغ كلمة لا في وجه العاصفة.

لم تعد الساحة مجرد حيزٍ من تراب وأراجيح صامتة يأكلها الصدأ، بل استحالت فضاءً رحبًا لبهجةٍ مصفّاة من الأسى، كأنما بُعثت من العدم لتمتص هذا الفيض الساطع من الضوء الذي غمر المحلة.

اصطفت الطاولات الخشبية في انتظامٍ حميم، كأنها أكتافٌ تشابكت لتصدّ عن الذاكرة رياح النسيان العاتية، وافترشتها أغطيةٌ ناصعة لم يستمد البياضُ سطوته فيها من غزل القماش، بل من طهر السرائر وما انقشع عن الصدور من لوعة ووجل. كان المشهدُ تجلياً لكرامةٍ استُردت؛ فخرج كل بيتٍ يحمل نصيبه من الجود، لتجتمع تحت السماء قدورٌ تفور بحكاياتٍ طريفة، وأرغفةٌ جدعة المخبوزة بملح الصبر، دافئة كأنها أكفٌّ تمتد للمصافحة بعد هجرٍ طويل.

كان الضحك في ذلك النهار كائنًا غريبًا ومدهشًا، انبعث بين الجموع فجأة، فراحوا يتأملونه بذهول الكفيف الذي استعاد بصره؛ كأنهم عبر رنين الأصوات يتعرفون إلى ملامح وجوههم للمرة الأولى، ويمسحون عنها غبار زمنٍ ظنوا أنه لن ينقضي.

توالدت التفاصيل الصغيرة في عفويةٍ آسرة لتغزل ثوب الإلفة الكبير:

أطفال يمرحون، صبي يركض خلف حلمه كأن الأرض ملكٌ يمينه، وصبيةٌ تمشّط خصلة شعرٍ لصديقةٍ غيّبها الارتيابُ طويلًا، ورجلٌ وقور يرفع يديه نحو السماء بصمتٍ ممتنّ، كأنما يوقع عهداً أبديًا مع الطمأنينة.

تدفقت الأحاديث بين الجيران سَلِسةً كالماء، بلا رتوش أو كلفة، تنسج نسيجًا من الألفة الضاربة في الوجدان، حتى خُيّل للناظر أن الأشجار المشرئبة على حواف الساحة قد مالت بأغصانها نحوهم، تنصت بخشوع لنبض المكان الذي استعاد هويته. ومع كل ابتسامةٍ كانت تُسترد قطعةٌ من عمرٍ مسروق، ومع كل تشابك أيدٍ كان يُرمم صدعٌ خفيٌّ.

لم يكن فرحهم ضجيجًا عابرًا، بل كان عارمًا وعميقًا، ضاربًا جذوره في طين الأرض؛ فرحًا وقورًا يعرف جيدًا حجم الأهوال التي تكبدها ليعلن ميلاده، ويشرق بثقةٍ لا تعرف المبالغة.

في تلك اللحظة الفارقة، شعر الجميع بيقينٍ غامض أن الساحة لم تعد تتسع لأجسادهم فحسب، بل غدت محرابًا يضم كل ما عبر بهم من انكسار وخوف، ليصهر الوجع القديم ويحيله إلى مادةٍ خام للفرح الخالص. لقد انتصر أهل الارض لا بقرارٍ مكتوب فحسب، بل ببعثٍ جديد للروح، حيث غدت الساحةُ شاهدةً على أن الحق حين يُنتزع، يترك خلفه نسيجًا من النور لا يقبل الإنطفاء.

لكن السماء التي استردوا صفاءها، بدت فجأة ثقيلة ورمادية، كأن سقفًا من الرصاص أخذ يهبط ببطءٍ فوق صدورهم.

ارتجف الهواء فوق رؤوسهم، وانشقّ الأفق عن صوتٍ معدنيّ خشن، عويلٌ حادّ يشقّ الفضاء كحدِّ سكينٍ في صمتٍ طري.

رفعوا رؤوسهم في آنٍ واحد، فرأوا طائرةً تدور على علوٍ منخفض، تلتفّ ببطءٍ مريب، كعينٍ جارحة تمسح المكان بنظرةٍ متحفّزة.

لم ينطفئ الفرح، لكنه انقبض على نفسه كضوءٍ يقيه حدسٌ غامض.

خفَتت الضحكات، وتباطأت الأحاديث، وتلاقت النظرات في ومضاتٍ خاطفة، كأنهم يقيسون في صمتٍ المسافة بين ما انتزعوه للتوّ وما قد تمتد إليه يدُ الفقد.

ومع هذا التماسك الحذر، تسلّل الاضطراب إلى الأطراف أولًا، ثم سرى كرجفةٍ خفية بين الجموع...

ارتبكت الخطى، وتعالت النداءات، حتى غدت الساحة دوّامةً بشرية قلقة.

وقفت هدى في قلب ذلك الارتباك، وهي تشعر بشيءٍ داخلي يتصدّع ببطء.

أطلقت صرخةً بلغت أقصاها، صرخةً لم تخرج من الحنجرة وحدها، بل من ذاكرةٍ مثقلةٍ بأسئلةٍ الرفض المؤجلة، حملت حيرة أجيالٍ أنهكها السؤال ذاته:

كيف ينقلب البيت، في غفلةٍ قاسية، من ملاذٍ آمن إلى موضع خوف؟

لكن الصرخة لم تكتمل..

فجأة، انكسر الصوت كما تنكسر مرآة على صخرة.

تلاشى هدير الطائرة

اختفى صراخ النساء

غابت الساحة بمن فيها

غرق كل شيء في صمتٍ مطبق.

شعرت هدى بيدين صغيرتين تهزان كتفها برفق، وصوتٍ مألوفٍ ينساب إلى أذنها كخيط نور:

"ماما.. ماما.. ما بكِ؟

استيقظي، استيقظي ارجوكِ!".

فتحت هدى عينيها ببطءٍ شديد، كأنها تعود من غيبوبة مسافات.

 لم تكن هناك ساحة

لا جيران.

كان الضوء الخافت يتسلل من نافذة الغرفة، والصمت يغلف البيت بهدوءٍ.

رأت وجه طفلتها "ياسمين" قريباً منها، وعيناها الواسعتان ممتلئتان بالخوف. جلست هدى ببطء، والتقطت أنفاسها، ومدت ذراعيها لتضم ابنتها بقوة، وقالت بصوتٍ مبحوح:

"آسفة يا حبيبتي.. لا شيء، أنا هنا.. كان مجرد كابوس مزعج".

بقيت هدى تسمع نبض قلب صغيرتها، لكنها لم تشعر بأن الكابوس قد انتهى فعلًا. أصغت إلى صمت البيت.. كان صمتًا مثاليًا، هادئًا أكثر مما ينبغي، كأنه ستارٌ سميك يخفي وراءه ضجيجًا قادمًا.

أدركت حينها أن ذلك الكابوس كان مرآةً مشوشة لحقيقةٍ أكبر، حكاية تشبه أوطانًا تسللت إليها الخيانات ببطء يشبه زحف الخنافس؛ أوطانًا استيقظ أهلها ليكتشفوا أن الأرض التي ظنوها صلبة كانت تُقرضُ من تحت أقدامهم.

بقي السؤال معلقًا في داخلها، ثقيلًا كحجرٍ في قاع العتمة:

هل كان انتصارهم على الجشع حلمًا ام واقعًا رأوه وهم نيام؟

أم أن الحلم الحقيقي والأكثر رعبًا هو أن يظنوا انهم يعيشون مطمئنين، ومعتقدون أن كل شيءٍ بخير، بينما الخنافس تبني إمبراطوريتها المروعة تحت أقدامهم في صمت؟

أشرعت النافذة على مصراعيها. كان الفجر ينساب ساطعًا وشفيفًا، حين تجلّت لها الحقيقة يقينًا ثقيلًا

أن الكوابيس الحقيقية ليست تلك التي تزور النائم فتفزعه ثم تنقضي، بل تلك التي يُراد للناس أن يعتادوا حضورها ورسوخ ديمومتها، أن يفتحوا أعينهم كل صباح ليروا ما يروعهم..

واقعهم يتلاشى.. وواقعًا اخرًا صمم لمراوغتهم، كسرابٍ لا يُمسك.

***

سعاد الراعي    

في المدينة التي كانت تنام قديمًا على أصوات الباعة وتستيقظ على رائحة الخبز، صار الليل أكثر سطوعًا من النهار. الشاشات في كل مكان. على الجدران، داخل الحافلات، فوق واجهات الأبناك، حتى في المصاعد الضيقة التي لم يعد الناس يرفعون فيها رؤوسهم نحو بعضهم البعض.

كان عبد المالك يعتقد، في البداية، أن الأمر مجرد تطور طبيعي. العالم يتغيّر، هكذا قال لنفسه دائمًا. لكن شيئًا ما بدأ يتآكل ببطء، دون صوت.

في المدرسة التي يدرّس فيها مادة الفلسفة، لاحظ أن التلاميذ لم يعودوا يكرهون التفكير كما كان يحدث سابقًا؛ بل صاروا عاجزين عنه أصلًا. كل إجابة تحتاج أكثر من عشر ثوانٍ كانت تُربكهم. كل فكرة طويلة تبدو لهم كأنها طريق بلا نهاية.

وحين كان يسأل: "لماذا حدثت الحروب الكبرى؟"

كانوا يحدقون فيه بنظرات زجاجية، ثم يعودون تلقائيًا إلى هواتفهم.

أما الإدارة، فكانت سعيدة. وصلت أجهزة تعليم ذكية جديدة. ألواح إلكترونية. منصات تقييم فورية. برامج ترصد انتباه التلاميذ عبر الكاميرات الصغيرة المثبتة فوق السبورات.

قال المدير ذات صباح، بفخر: "لقد دخلنا عصر التعليم المتقدم."

لكن عبد المالك لم يشعر بالتقدم. كان يشعر أن شيئًا غير مرئي يغادر المكان. حتى الضحك تغيّر.

في المقاهي، صار الناس يضحكون بعد نصف ثانية فقط من ظهور أي مقطع على الشاشة، ثم يصمتون فجأة، كأن الضحكة نفسها لم تعد تخرج من الداخل بل من رد فعل آلي محفوظ داخل الجسد.

وفي البيت، بدأت ابنته سلمى تفقد قدرتها على النوم دون الضوضاء البيضاء القادمة من الهاتف. أما ابنه ياسين، ذو الأحد عشر عامًا، فصار يسأل أسئلة غريبة: "أبي… هل صحيح أن الذكاء الاصطناعي سيختار الوظائف المناسبة لنا قبل أن نكبر؟"

- "ربما."

- "وهل سيعرف أيضًا من يجب أن يتزوج؟"

ضحك عبد المالك، لكنه شعر بانقباض خفيف.

في تلك الليلة، انقطعت الكهرباء عن الحي كله. للمرة الأولى منذ سنوات، عمّ الظلام الحقيقي. خرج السكان إلى الشرفات مرتبكين، كأن المدينة فقدت الهواء فجأة. لا إنترنت. لا موسيقى. لا إشعارات.  فقط صمت ثقيل.

عندها سمع عبد المالك شيئًا لم يسمعه منذ زمن بعيد: صوت الريح. وقف طويلًا قرب النافذة. في العمارة المقابلة، ظهرت وجوه الجيران مضاءة بالشموع. بعضهم بدأ يتحدث مع بعضه لأول مرة منذ سنوات. طفلان كانا يركضان في الممر ويضحكان بلا شاشة بين أيديهما.

شعر عبد المالك براحة غريبة. لكن الراحة لم تدم طويلًا. بعد أقل من ساعة، عادت الكهرباء دفعة واحدة. فعادت الوجوه إلى زرقتها القديمة. اختفى الناس داخل الشقق بسرعة، كأن أحدًا استدعاهم إلى مكان أكثر أهمية من العالم الحقيقي.

وفي اليوم التالي، أعلنت الحكومة عن إطلاق مشروع وطني جديد: "المدينة الذكية المتكاملة". كاميرات أكثر. أنظمة توقّع سلوكي. مساعدات تعليمية رقمية إلزامية للأطفال. خوارزميات لتوجيه الرأي العام والحد من "الفوضى الفكرية".

كان المذيع يبتسم بثقة وهو يقول: "نحن ندخل المستقبل."

لكن عبد المالك لم يستطع النوم تلك الليلة. فتح هاتفه. الأخبار تتدفق بسرعة مرعبة: حرائق في الجنوب. شحّ مياه. أعمال شغب في مدينة ساحلية. إفلاس صحف جديدة. اختفاء أحزاب قديمة. ارتفاع قياسي في معدلات القلق بين الشباب.

ثم ظهر إشعار صغير أعلى الشاشة: "تم تحديث ملفك النفسي بنجاح."

تجمّد. حدّق طويلًا في الجملة. لم يتذكر أنه وافق على شيء. ضغط على الإشعار، فاختفى فورًا.

في صباح اليوم التالي، ذهب إلى المدرسة مبكرًا. وجد العمال يفككون السبورة القديمة من قسمه. سألهم: "ماذا تفعلون؟"

أجاب أحدهم دون اهتمام: "وصل النظام الجديد."

بعد دقائق، دخل المدير مبتسمًا: "لم نعد بحاجة إلى الدروس التقليدية كثيرًا. المنصة الجديدة قادرة على تكييف المعرفة حسب كل تلميذ."

- "وماذا سيبقى للمعلم إذن؟"

تردد المدير قليلًا، ثم قال: "التوجيه… ربما."

في آخر الحصة، نظر عبد المالك إلى التلاميذ. ثلاثون وجهًا مضاءً بضوء أزرق خافت. لا أحد ينظر إلى الآخر. لا أحد يكتب. لا أحد يسأل.

فجأة شعر بخوف حقيقي. ليس خوفًا من التكنولوجيا. بل من الإنسان حين يفقد بالتدريج قدرته على الانتباه، وعلى الشك، وعلى الوحدة الداخلية التي تصنع المعنى.

اقترب ياسين منه مساءً وسأله: "أبي… هل صحيح أن الناس قديمًا كانوا يحفظون أرقام الهواتف في ذاكرتهم؟"

ابتسم عبد المالك بحزن: "نعم."

فكر الطفل قليلًا، ثم قال بدهشة صادقة: "ولماذا كانوا يتعبون أدمغتهم هكذا؟"

لم يجب.

رفع رأسه نحو النافذة. في الخارج، كانت المدينة تتوهج أكثر من أي وقت مضى. لكن شيئًا في ذلك الضوء بدا له شبيهًا بالاحتراق البطيء. وفي البعيد، كانت صفارات الإنذار ترتفع للمرة الثالثة ذلك الأسبوع. أما الهاتف، فظل يهتز فوق الطاولة.. كأنه يعرف شيئًا لم يعرفه البشر بعد.

***

الحسين بوخرطة

فلتحمد اللهَ أنّ النّاسَ قد بخلوا

عليك بالنّارِ عُقبى حينما اقتَسموا

*

لم يعرفوا أنّك النّاجي بجعْلهِمُ

حظّكَ من هذهِ الأدنى إذِ اخْتَصموا

*

بل ظنّهم أنّهم في القسمةِ انتصروا

وما سقِمتَ لشيءٍ أجلَه سقموا

*

إذ بعتهُ ودناهم أجلَ آخرةٍ

خسرانُها ما عنى الخسرانُ لو عَلِموا

*

أقبِح بها من جُهالاتٍ بها وثقوا

حتّى الشياطينُ تُنبي أنّهم هُزموا

*

لكنّها النّارُ من جرّاءِ ظلمهمُ

في الصّدرِ باقيةٌ تخبو وتحْتدمُ

*

الضّيقُ يشعلها والذّكر يسكنها

والناس أدنى لها هيْجًا وإن كتموا

*

وبثّك الحالَ للسلطانِ مانعُهُ

أنّ الولاةَ لهمُ والأصلُ فيه همُ

*

فالصّبرُ يا صاحِ ذاكَ الظّلمُ آخرُه

خسفُ الظّلومِ ومن للظلمِ قد حكَموا

*

والسّيف حلٌّ ولكنْ أن يُسلٌّ لهم

ظلمٌ له ولقد أبغضْتَ من ظلموا

*

إنصافه بربوبٍ نعلُ أصغرِها

يسوسهُمْ فلتذقْ منه ربوبُهُمُ

*

وأنت من تركَ الدّنيا لرائمها

فانصِفْهُ والسيفُ مسلولًا له قِيَمُ

*

وساعة الفصلِ بين الخلق آتيةٌ

وربّك العدلُ والإحسانُ والكرمُ

***

أسامة محمد صالح زامل

 

قصص قصيرة جدا

عودة غير ميمونة

عاد بخُفي حنين يطلب وِدّها، تذكرته

بالكاد، أدرك أنه اِستنفد زمنه.

**

رتق وفتق

دخل بها فوجدها مهرة لم تركب، ودرة لم تثقب.

اِكتشف لاحقا أنها كانت فتقا فَرُتقت.

**

ثنائية غير بريئة

إني رأيتهما معا

الزمن يتحرش بالمكان، الأول حربائي منساب، والثاني فاقد للذاكرة منصاع، أدركت أن ثبوت الهوية قد ضاع.

**

فكرة

كانت الفكرة صلدة، شجّت رأسه، فسالت تفاصيل أحلامه.

***

محمد محضار المغرب

 

أتألم مثل نورسٍ فقد بوصلة الرجوع لدجلة،

أرتجف مثل كومة شقائق تنتظر من يقطفها،

حزين مثل جمرات موقدٍ تركها السهارى في أول الليل،

أتلعثم مثل حكاية منسية في خرج الحكواتي،

أبكي مثل قلمٍ متروكٍ يحمل في داخله مئات القصص.

ألمي مثل رملٍ يزحف على قريتي،

ربيعٌ ضائعٌ بين المواسم العائدة،

حباتُ مطرٍ تلوذ بالتنانير المشتعلة.

أنا مهاجرٌ خذلته بدلة النجاة،

خذلته القصيدة،

حزين مثل طنبورٍ مقطوع الأوتار،

مثل نايٍ انتحرت ثقوبه.

حزين أنا...

مثل هذه القصيدة.

***

مراد سليمان علو

كنتُ أُخفي يديَّ في جيوبِ الوقتِ كي لا تفضحَهما الرعشةُ وأُخفي قلبي خلفَ ضحكةٍ صغيرة لأنني لو نظرتُ إليكِ ثانيةً لانسكبَ العمرُ كلُّه من عينيّ.

*

كان ينبغي أن أعانقكِ بعنفِ الذين تأخّروا كثيراً عن نجاةِ أرواحهم، عناقاً طويلاً يكفي لكلِّ هذا الخرابِ الذي صنعتهُ المسافات، لكلِّ الليالي التي نمتُ فيها كغريبٍ يجرُّ وحدتهُ من وسادةٍ إلى أخرى.

*

كنتُ أريدُ أن أضمّكِ كما تضمُّ الأرضُ آخرَ مطرٍ قبل الجفاف، كما تحتفظُ القصيدةُ بآخرِ كلمةِ حبٍّ قبل أن يحاصرها الصمت.

*

لكنني وقفتُ أمامكِ مرتبكاً كنافذةٍ نسيتْ كيف تفتحُ الضوء، أراقبُ تفاصيلكِ الصغيرة وأشعرُ أن العالمَ كلَّه يتقاطرُ من أصابعكِ: دفئاً… وأغاني بعيدة… ورائحةَ بيتٍ ظللتُ أبحثُ عنهُ في النساءِ جميعاً ولم أجده.

*

منذُ ذلك اللقاء وأنا أمشي محاطاً بكِ كأنكِ الهواءُ الذي لا يُرى لكنّ الرئتين تموتان بدونه.

*

أشتاقكِ بطريقةٍ موجعةٍ حدَّ أنني كلما مرّتْ امرأةٌ تشبهُ ظلكِ أشعرُ أن قلبي ينهضُ مذعوراً كطفلٍ أضاع أمَّهُ في زحامِ العالم.

*

آهِ يا امرأةً كلما حاولتُ نسيانها تذكّرتني الأشياءُ بها: فنجانُ القهوة، المطرُ، الأغنياتُ القديمة، حتى الليلُ صار يرتدي ملامحَ عينيكِ ويجلسُ إلى جواري كأرملةِ حبٍّ لا تنام.

*

في آخرِ لقاء كان ينبغي أن أعانقكِ أكثر… أكثر بكثير، عناقاً يليقُ بكلِّ هذا الشوقِ المتراكمِ في عظامِ الروح، عناقاً يجعلُ الأيامَ الخاليةَ منكِ تختنقُ أخيراً وتسقطُ ميتةً خلفنا.

***

كريم عبدالله - بغداد / العراق

إلى لؤلؤة العاصي الشهيدة

(حَماة)

***

وَمَدينةٍ

أرْختْ ضفائرَها

على الضَفَتيْنِ من نَهرِ البسالةِ والسلامْ

*

إيهٍ شهيدةَ عصرِنا

أرثيكِ كي أُبقيكِ شاهدةً على

معنى الشهادةِ للبواسلِ والكِرامْ

*

لَيَكُفَّ عُشّاقُ الطُغاةِ عن الكلامْ

وَعَنِ التغزّلِ في طواغيتِ المجازرِ والحِمامْ

*

فالْكيْلُ لو تدري بمكْيالينِ في الدنيا

وفي الأخرى فُجورٌ بل حَرامْ

*

ولطالما وردت ندىً بكلامِ قدوتنا الإمامْ

فَدَعِ العقائدَ جانباً واخْترْ طريقَ السالكينَ

خُطى الإمامِ إلى الأمامْ

*

وينوحُ في العاصي الحَمامْ

هَوَ نهرُها

لم يعصِ ربّاً إنما كان العصيَّ على اللئامْ

*

وعصيّةً ظلّت مدينتُهُ على شرِّ الكواسجِ والأنامْ

هو نهرُها

ويذوب عشقاً في نواعير المدينةِ

كلّما صهلتْ زغاريداً لثائرها الهُمامْ

*

كَفُؤاد صَبٍّ دونَ مَعْصيَةٍ سِوى

عِشْقِ البطولةِ في النهارِ سَجيّةً

لا في دهاليز الظلام

*

وَتَؤمُّهُ عندَ المساءِ عقاربٌ

وَلَهُ مَواعيدٌ على شَفَةِ الصباحِ بَهيّةٌ

كبياضِ ريشاتِ الحَمامْ

*

هُوَ نهرُها

وأبى الخنوعَ لجائرٍ

شاءت قبيلتهُ التغوّلَ في أرضِ الشآمْ

*

فَمِنَ الجَنوبِ إلى الشِمالِ مُعاصِياً

بِمَسيرِهِ

لِرذيلةِ الطغيانِ محفوظَ الذِمامْ

*

هو نهرُها

عاصٍ على طاغوتها وَلَشَدّما

عَشِقَ الكرامةَ فِطْرةً والكبرياءْ

*

لكنّ طاغيةَ القبيلةِ قلبهُ جرثومةٌ

تسطو كما العدوى وجائحةُ الوباءْ

*

فَيُباعدُ الأنهارَ عن نبعِ البراءةِ والضياءْ

ويشوّه الألوانَ في قلبِ الطفولةِ والسماءْ

*

هو نهرُها

عاصٍ على ضبعٍ تسلّقَ غَفْلةً في ليلةٍ ظلماءَ حُبْلى بالضغينةِ  والرياءْ

*

رَكِبَ العروبةَ سُلّماً ومطيّةً للسلطَةِ

العمياءِ فاسْتَعَرَ البلاءْ

*

كالسيْلِ من جَبَلِ المطامِعِ هابطاً

جَرَفَ السهولَ منازلاً ومدائناً

حَدَّ الفَناءْ

*

كم دكَّ قلعَتها وساقيةَ (الدهيشةِ)

رامياً تركيعَها

هيهاتَ ما بلغَ المرامْ

*

قد كان قلبي شاهداً

يُصغي لصرخاتِ الصبايا يَوْمَ داهَمَها الضباعْ

*

لِوحوشِ أقبيةِ الكهوفِ عقيدةٌ

سِرّيّةٌ صيغتْ سَرايا للرذائلِ لا الدفاعْ

*

والله يعلمُ من وراء الغيبِ ما يُخْفي القِناعْ

وَيَقودُهمْ ضبعٌ خَسيسٌ إنّما

زوراً وَبُهتاناً يُسمّى

في قواميسِ التفاهةِ (قَسْورَهْ)

*

ما أقذرهْ !

رَفَعوه إسْما إنما لا (رِفْعَةٌ) في

روحِهِ أو جوهرة

*

مُتَبَرّأً منه إلى يومِ القيامةِ (حيْدَرهْ)

مسعورةً راحتْ تحرّضُ شِبْلها

أَبِدِ المدينةَ عِبْرةً لعبيدِنا

وَلَدي المُفَدّى (عَنْتَرهْ)!!

*

لَبّى نداءَ شقيقِهِ

وَلِأمّهِ هدمَ المساجدَ كلّها والأدْيِرهْ

*

أوّاهُ من وجعِ المظالمِ في الحياةْ

كم يصبحُ المعنى غباراً كلّما فَلَتَ الجُناةْ

من قبضةِ الموتورِ أو حُكمِ القضاةْ

*

لا شيءَ أسوأ من طواغيتِ الزمانِ نذالةً

واسألْ قواميسَ اللغاتْ

***

د. مصطفى علي

لوثة الألم،

تُخرِج ُ نبض الفرح

من قلب العاشق ...

إنها صخرة من جنونٍ

تلتفُّ في صدره

كأسطوانة دائمة الدوران! ...

**

إشرب همساتي

التي لا تسمعها

تعرف لماذا أنا ما أنا!

**

غَرابة ابتسامات الخوف

أنها لا تفتح أفواهَها،

إلا للنفوس المناسبة!

*  *  *

تَعلَّمْ كيف تُصادِق الوردة

وكيف تمنحها نداوة روحك

حينها لن تتهم َ رجولتك

بالصحراويّة،

لو قطفتها! ...

**

إنْ كنتَ لا تدرك

ما يدور في فلك ِ مشاعري

فالكلمات عندك

أرضٌ بلا فضاءْ!

**

ثوب الجنون جميل جداً

فقط لأولئك الذين

يُدركونَ بأنهم

مَجانين بأناقه!

**

لا تسألني لماذا

لن أسألَكَ كيف ...

كلُّ ما في تراثِنا،

أنَّ فسيفساءَه ُ

تكسَّرَ مِن مياهنا الآسنة!

**

إنْ لم تكن ترى وطنك

وأنت تسكن عيونه الدافئة

كيف ستراه

فيما وراء الثلوج؟!

**

قُم بعلاقةٍ طيّبةٍ،

بين جَحيم الحب واللاحب

لتصنعَ جنَّةً صغيرة

قد تُغيّرُ مجرى مشاعرِك!

**

التغريد المستمر

في آفاق لا تسمع

قد تصنع آذاناً لها!

**

يرتفع ثمن يد المحبة

في أعراس الحروب

أكثر فأكثر!

**

بورصة المشاعر

خالية من أي إحساس

لأن جهاز التحكم بها

غير إنساني عادةً!

**

عندما يتحجر الإنسان

في كل شيء

وفي أكثر الأماكن تحضّراً

سيعاملهُ الآخرون،

كحجَرِ لا أكثرْ ...

**

إنها صخرة الخَيبة،

تلك التي تجعل الآخرين

الأقرب إلى مياهك،

هم الأبعد

عن مدارات روحك!

**

لا تَخَفْ مِن الإحتراق ...

إقترب من شمس الطفولة

دون أن تنسى بأنك

لستَ في الواقع طفلاً

إن نسيتْ،

ستحترق فعلاً.

**

تأمُّلاتك غير المنظورة

لا يمكن أن تتفتح

دون أن تمشي

على أشواك تلك

التي تراها بوضوح!

**

مِحْنة القلم،

في عينيهِ التي تضيءُ،

وفي صَوته الذي يُصِمُّ

وفي جَريان دمه نهراً

في شرايين تربة الكلمات

التي تنتظر

لحظات الإخصاب

عبر تواصلها المتنافر والمُدهش

مع بعضها وبعضنا!

**

كُلُّ الطرقات

الأكثر توهُّجاً

في حياتنا،

هي التي تضيئنا الآن

رغم أنها

كانت مظلمة جداً!

**

هل يبعث صمتي

غضبَك

حيرتَك

جنونَك

وتمزُّقَ أحلامك؟!

فَكِّر إذن في خطورة الكلمات

تلك التي وقَّعْتُها

في رسالة الصمت هذه!

**

صباحاتُكَ،

فنجانٌ من القهوة،

جريدة،

وبعض أخبارٍ

تراها وتسمعها

كي تثيرَ ثورات

غضبكَ عليّ! ...

**

الموتُ حالةٌ من كلِّ الأشياء

التي كنا نعتقد بأنها

اندثرت إلى حين،

لكنها مازالت عالقةً

في عوالمنا الأخرى

تلك التي

لم نكتشفها بعد!

**

قُلت َ بأنَّكَ لا تراني

إلا في الضَّباب،

أقولُ إنّكَ

تخاف وضوحيَ الصارخ!

**

إسمَعْ ما لا يُرى

إقرأ ما لا يُكتَبْ

شاهِد ماأنتَ عاجز

عن الإمساك بجرائمه ِ الصغيرة

ولتكنْ هنّاتُك النادرة هذه،

عاقبةٌ مُنعشةٌ

لروحك التي لا ...

يُتوقَّع لها أن تتلاشى

في اللاشيء!

**

فَلْسِفْ ولكن

لاتتفلسَف ْ ..

شتَّان ما بين التَّجديد

والتعقيد !

**

قِماشُ الذات

هشٌ جداً

وقابِلٌ للتمزق

إذا نحن

تمسَّكْنا بِخيوطه فقط!

**

غَرابة الأشياء،

ليس في جمال شكلها

الذي لا تتوقعه،

بل في عدم استكانتها

لوجودها الذي نادراً

ما يلبسُ ذاتَه

مرّة واحدة فقط!

**

مِن أين يأتي العفن؟

كل الطعام نظيف

كل الملابس نظيفة

كل الأسِرَّة مرتبة

إنها أنفاسُ المنزل،

تدخلُ بوابةَ الموت!

**

تَمهَّل كثيراَ

فما ستكتشفه ُ قريباَ

هو روعة الصُّورة الفطرية

التي وجدْتَها

في مرآة ذاتك القادمة!

**

سماؤك ملّبدةٌ بالحب

تَعلَّمْ كيف تُصادِق الغيوم

ليصبح ماؤك أكثر شفافيةً

وسماؤك أكثرَ إشراقاً.

**

الخارطة التي رسمتها

لشبابِك َ

بطريق الخطأ،

ستوصلك حتماً

إلى شيخوخة ٍ خاطئة! ...

***

إباء إسـماعيل

 

عند تمام الساعة السابعه

يمضي النهار بخطى طيّعه

*

بعد قليل ويحلّ الدجى

ويترك الضيا له موضعه

*

هذا البريق ان بدا ساطعا

كصحوة الموت فما أسرعه

*

فلا يغرّتك الشباب وقد

زادت على خمسينه أربعه

*

وان بدا الشيب فلا تحفه

أتاك ما صحا لكي تسمعه

*

وان أتى جيل جديد فقل

يوم جديد جاء.. ما أروعه

***

الدكتور محمد تقي جون

وأجمعْ تلكَ الفُرَصَ المخطوطةَ بالفصحى،

وحاورْ صمتَكَ الآن؛

صوتُكَ الجَهوريُّ

يعلو في سُباتِكَ الحُرِّ.

*

فأيُّ المَدَيَيْنِ أنتَ؟

أبحثُ عنكَ

على مَهَلٍ،

حينَ يكونُ الجريُ معَ الماءِ

خيارًا

لا يقبلُ الإنصافَ

ولا المغيبَ.

*

كانَ وعدًا لي:

إنْ أخطأكَ

السحابُ القريبُ منَ الأرض،

فلنْ يُخطئكَ

لونُ الغبار،

ولا هواؤكَ الجافُّ،

ولا بعضُ سَهَرِكَ

المبلولِ بالحُمّى.

*

لونٌ يُضاهي الثلجَ

كانَ اختيارَكَ

من بينِ آلافِ الدُّمى الرماديّة،

كأنَّكَ نجوتَ

من عرضٍ مسرحيٍّ

كانَ يبحثُ عن خيالِكَ.

***

رجاء الغانمي - العراق

 

أيا فرحاً تَجلَّى

من فمِ الصمتِ اسْتَعَادَ ظِلالَهُ

في رُبْعِ أنثى

لكَ ما وَهَبْتَ الكأس نِصْف بنانِها

أفْرَغْتَها ملأى

أصَابتْ منكَ حضْرَة ليلها:

ليلى

وهذي الكأس

والفرح الذي

أسرى بحُبِّكَ

وارتأى النجوى ثلاثتهمْ:

ليلى

وهذي الكأس

والفرح المُجَابْ!

*

لكَ.. ما اندلَقْتَ ببابِهِ حِبْراً

بياض موسيقا

موانئ لَوْزَة ٍ...

أفياء فاحشة الثناء ْ

أنهار من شَغَف ٍ

وأخرى من كتابْ!

***

محمد ثابت السُّمَيْعي

صباحُكم أحلى وأغلى، أحبّتي…

كيف حالُ قلوبكم بعد هذا الغياب؟

عدتُ إليكم وفي يدي حفنةُ ضوء،

وفي صدري كلامٌ طويل

كان ينتظر نافذةً تشبه أرواحكم.

*

عدتُ

كعصفورٍ أضاع الطريقَ إلى دفئه،

ثمّ وجد في أصواتِكم شجرةً

تليقُ بالقاء التعب.

*

ما زالتِ الدنيا

تُكثرُ من الضجيج،

وما زالتِ الأرواحُ النقيّة

تتجول بيننا

كشموعٍ صغيرةٍ في مهبِّ الريح،

لكنّها ـ رغم كلِّ شيء ـ

لا تنطفئ.

*

كيف حالُ أيّامكم؟

هل صافحتكم الطمأنينةُ أخيرًا؟

هل نامتِ الأحزانُ قليلًا

على كتفِ المساءِ

دون أن توقظَ فيكم ذلك التعبَ القديم؟

*

أعرفُ أنّ الغيابَ

ليس مسافةً دائمًا،

أحيانًا يكونُ زحمةَ حياة،

وأحيانًا يكونُ صمتًا

يحاولُ أن يُرمِّمَ ما تصدّعَ في الداخل.

*

كنتُم تأتون إلي،

في الخاطرِ،

كلّما مرّتْ أمامي كلمةٌ جميلة،

أو رأيتُ غيمةً تشبهُ الحنين،

أو سمعتُ قلبًا

يبحثُ عن قلب.

*

صباحُكم

يشبهُ الأغنياتِ التي لا تشيخ،

ويشبهُ الخبزَ الساخنَ في بيوتِ الأمهات،

ويشبهُ وردةً

نجتْ من قسوةِ الفصول.

*

كونوا بخير،

كما تتمنّى السماءُ للأرضِ بعد المطر،

وكما يتمنّى البحرُ

لسفنِه العائدة

ألّا تضيع.

***

مجيدة محمدي - تونس

١- طيفٌ رأى مِنْ بَني الزَّوْراءِ سَيِّدَها

تَمُدُّهُ مثلَ نَجْمٍ بازِغٍ يَدَها

*

يأتي بِدِجْلَةَ مِنْ شَرْقٍ لِيُطْعِمَها

كَنَخْلِ مَرْيَمِهِ لَم تَنْسَ مَوْعِدَها

*

جَلا وأَجْلى جَلِيًّا بَعْدَ ذي فَلَقٍ

وَقَبْلَ مَحْلِ الظَّما قد كانَ مَوْرِدَها

*

أَصالِحُ اِئْتِ رُباها غَيرَ مُبْتَئِسٍ

وَرَوِّ مِثلَ فُراتِ الوَعْدِ صَيْهَدَها

*

٥-   كناقةِ الصِّدقِ ذَرْها مِنْ مَباهِجِها

تَأْكُلْ تَجِدْ وارِفَ الأنْداءِ جَيِّدَها

*

مَدينةٌ لِلتَّجلِّي والسَّلامِ أَرا

كَ إنْ أضلَّ فَتَى الرَّوْحاءِ مُرْشِدَها

*

مَوسُوعَةٌ جِئْتَها مُوسى على قَدَرٍ

مِنْ جَيْبِ بَيْضاءَ تَسْتَرْضي تَهَجُّدَها

*

مَدائنُ الحَرْفِ تُرْوَى مِنْ كَرامَتِهِ

كَما رَوَتْ يَدُهُ البيضاءُ أَجْرَدَها

*

أَنَجْلَ صالِحَ خَفِّفْ وَطْءَ مِشْيَتِها

إلى حُروفِ حُسَيْنٍ كُنتَ مَرْفَدَها

*

١٠-  أَمِنْكَ نَفحُ يَدِ الرَّيْحانِ تُرْسِلُها

إلى بَني الحَرْفِ لَمْ تَسْتَبْقِ أَجْوَدَها

*

أَتَيْتَ مِنْ جَنَّةِ الزَّوْراءِ ذا وَزَرٍ

بِشْرًا فَهيِّءْ لَها في الخُلْدِ مَقْعَدَها

*

مَوسُوعَةٌ مِنْ يَدَيْ كَرباسَ أنتَ تَرى

أَعَزَّها يَعْتَلي العَلْيا وَأَمْجَدَها

*

هُوَ الحُسَيْنُ يُناديكَ اسْتَمِعْ شَغَفًا

إلَيْهِ وانقُلْ إلى بَغْدانَ مَشْهَدَها

*

هُمْ يَنْحِتونَ حُروفًا في جِبالِ إِبًا

وَأَنْتَ مَنْ كَنَشيدِ المَجْدِ رَدَّدها

*

١٥- كَأَحْرُفٍ أَبْرَأَتْ في الغَرْبِ فِتْيَتَها

وَفي حِمى الشَّرْقِ لَمْ تَسْتَثْنِ عُوَّدَها

*

حَمائِمُ الشَّوقِ فوقَ الغَيمِ قَدْ نَثَرَت

في مَشْرِقٍ مَغْرِبٍ كالضَّوْءِ عَسْجَدَها

*

لا تُبْقِ مِصْرادَ غُبْرٍ في سَفينَتِها

شِراعَها فَلْتَكُنْ كالمَوْجِ مَدَّدَها

*

وَعُدْ نَبِيًّا إلى رَوْحاءَ أَقْرَبَها

تُدْني بِما تُطرِبُ الزَّوْرا وَأَبْعَدَها

*

ما أَصلَحَ اليَدَ مِنْ مَمْشوقِ هِمَّتِهِ

تُهْدي إلى رَوْضِ رَيْحانٍ تَوَدُّدَها

*

٢٠-  مَوسُوعَةٌ أَطْرَبَتْ في فَنِّها وَرَبَتْ

وَأَزْهَرَتْ فَزَهَتْ والمَدْحُ عَدَّدَها

*

كُلُّ المَعاني جَليلاتٍ نُشِرْنَ بِها

الحَقُّ أيَّدَها والبَغْيُ أَجْهَدَها

*

لَعلَّ نَتْلو لآَيِ السِّرِّ سُورَتَهُ

الجَهْرُ أَظهَرَها واللهُ سَرْمَدَها

*

بِدِجْلَةَ اِنْفلَقَتْ كِبْرًا مَلاحِمُها

فَصارَ أَبْيَضُها كاللَّيْلِ أَسْوَدَها

*

أُوروكُ شِبْهُكَ مِنْ أَسْفارِ رِحْلَتِهِ

بَحْثا عنِ الخَيرِ في الشُّطآنِ جَسَّدَها

***

[البسيط الأول]

عبد العزيز شبِّين - لندن

١٠/ أيار/ ٢٠٢٦م

في دَوْرقي سحابةٌ ذاهلةٌ

و جلّنارٌ لا تُجيرُ خَدّهُ ذاكرةٌ.

كأسي يُفيضُها

غُرابٌ أَوْجَعَهُ فَرْطُ الْجَوى،

يُتْرِعُها فَضْفَضَةً

و بَسْطَةً في الْهَمَسَاتْ.

يُرهِقُني - قال- دِهَانٌ

يرتوي مِن وجهِ قابيلَ

و نبْضِ عطرِهِ.

يَزّرَقُّ حينا،

ثُمّ منه ينزعُ اللّيْلُ الضّياءْ.

أنا الّذي أَرْخَيْتُ أَجْنُحِي لقابيلَ

مَفاتيحَ لِأَقْفال السّماءْ،

تُرْبِكني الْتِفافَةُ الظِّلالِ

حول هامتي،

و رجْفَةُ الضّلوع

حول مقلتي.

مُذْ أَمَدٍ

رَتَقْتُ عشبَ كفِّهِ،

فما رأيْتُهُ على السُّقْيا استقامَ

فَاشْتفى.

و ما رأيْتُهُ

لِأَنْغامِ السَّماواتِ

يُلَقِّي سَمْعَهُ

و يَرْتَوي بِمَا هَمَى.

و إنّما في " خَزَمٍ "(*) أَلْمَحُهُ

يُعطِّر الْغَيْمَ بعنقود الْجفَاءْ…

**

قلتُ و بي حشرجةٌ:

هل مِنْ ضياءٍ يُوقِظُ السّحابَهْ؟

و هل لهذا الْجُلّنارِ الْخَذَلَتْهُ الذّاكِرَهْ

تَذْكِرَةٌ

إلى نسيمِ قمّةِ الْجُودِيِّ

أو ظُلَّتِها؟

عباءةٌ - ردَّ - بها يعرُجُ

نحو نَفْحَةٍ

تَرُدُّهُ مُذَّكِرا.

عباءةٌ تَجيئهُ مِنْ " خَضِرٍ "،

بها نُقوشاتُ قميصٍ

و حديثُ سُنْبُلَهْ…

تمتدُّ نحوه يدُ " الْخَضِرْ"

بِدَوْرَقٍ به شفاهُ شمسٍ

تحْمِلُ الْبَدْرَ صَدًى،

و تُلْهِمُ السّحابَةَ الْهَمْسَ

و دَفْقَةَ النَّدَى…

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي – تونس

......................

- الْخَزَمُ: شجر يسمّى أيضا "دم الْأخويْن".

(قصائر)

1

لعلّكَ لا تَدري

أيّامَكَ التي رتَقْتَ ثُقوبَها

بلا كلَل

كانت بإبرةٍ

بلا ثَقبْ

**

2

الأرضُ التي أنبَتَتكِ

أيتُها النَخلَة

تدَنسّتْ

احبسي التَمرَ.. عنها

والظِلّْ

**

3

بابُ سُليمان

مَشيمَةٌ لم تقْطَعْها أمّي

بَقِيَتْ تَشدّني

مُكبّلاً

الى مَوطنٍ..

ضَحِكَ بالأمس

**

4

شَمسُ الغُروب

ونِثارُ غُيومٍ قِرمِزية

رسّمَتْ على عَينيكِ

لوحةَ عُرس

تُشْبِهُ قلبي .. معك

في المَوعدِ الأوّل

**

5

يُسْلِمُ كلّ يَومٍ الى الآخر

سِرَّ تَشرّدي

وأنا..

أدخُلُ كلّما عَبَرْتُ

قِيامةَ الحَنين

**

6

أقتَرِفُ الحُبّ

كلّما سقطَ بَعضٌ من الشَيب

تاركاً ثلمةً

أحَسبُ التماعَها إغراءً

لغافِلةٍ مثلي ..

لا تأتي

**

7

خَمسُ حَواسٍ.. ألفْ

ملَلتُ العَدّ

فأنا في وطَنٍ

تولدُ في كلّ يومٍ واحِدة

صَليَبةً

على أعوادِ أخرى ..

تَندَثِر

**

8

هناك

في وطأةِ البَرْد

يخرُجْنَ منَ الحانِ

أنصافَ عُراة..

كالخَمرِ التي ابتَلَعنَها

أنشُرُ أشرعَتي بينَهم

تلكَ ذريعَتي لاقتِناصِ فَريسةٍ ..

لا تَعي

**

9

كيفَ لي ايُّها البَحر

أن أجِدَ المسارَ الى الشاطِئ

الهُ السماءِ فوقَك..

لا يرضىٰ اقتسامَ الماء

بلا عَواصِف

**

10

تلكَ الشَمسُ

تُداعِبُ أكتافَهنَّ العارية

ذاتُها هنا

تُصلي جَبهَتي

أتُرانا خيرَ أمّةٍ

بشَمسٍ أُخرىٰ ..

ناقِمة

**

11

أكادُ أكونُ كمَن يَنصَرِفْ

ثمّ يَعود

ببَعضِ كلامٍ يُقال

بلا مَعنىٰ ..

أحياناً

**

12

ليسَت تَجاعيدُ وجْهي ..

فحَسب

تغَضّنَ قلبي كذلك

يَعرِفُ ذلكَ أيضا..

قلَمي

**

13

بعضُ أيامكَ لا تمُرّ

تَختالُ بغِلظَتِها

حتى جَبَروت الشَمس

لا يُشعِلُ غيرَ قِشرَتِها..

الباردة

**

14

لا ..

حرفانِ لم يَعرِفاكِ قَط

أيُّ بابٍ فُتِحَتْ

بينَنا ..

ليَدخُلا

**

15

ليتَني أرىٰ ما رأَتْ عَيناكِ

فيَّ ..

لمّا التقَينا

فما أخفَيتيهِ ..

حَجَبَتْهُ المِرآة ..

أيضا

**

16

دعنا لا نقتسِمُ الأخطاء

أيّها الزاني بالأقداس

لم أعُد آيةً ..

تُبرّرُ الآثام

***

د. عادل الحنظل

 

على تخومِ الحكايةِ،

قبلَ أنْ تُكسرَ المآذنُ بالنحيبْ،

وقبلَ أنْ ترتديَ القرى

أكفانَ الغيابِ والكآبةِ واللهيبْ،

كانَ جدّي الكنعانيُّ

يعودُ مع الغروبِ

وحقلُ القمحِ يمشي خلفَ خُطاهُ

على الخصبِ والعشبِ والطيبْ.

مات جدّي

ولا زالت الكوفيّةُ

على كتفِهِ

ترفرفُ فوقَ الريحِ

تباركُها السنابلُ

ودعواتُ الأمهاتِ

وأجراسُ المغيبْ.

وكانتْ جدّتي الكنعانيّة،

تمشي في ساحةِ الدار

بثوبِها المطرَّزِ

بأغاني البرتقالِ والزيتونْ،

فتنحني لها الجرارُ

ويصحو الطابونْ،

فيفوحُ الخبزُ من بينِ يديها

في ذاكرةِ السنينْ.

في خاصرة أيار،

وفي حضيرةِ البيتْ

نامَ حصادُ القمحِ

كنزًا من ذهبِ الحقولْ،

وامتلأتِ الجرارُ

بزيتِ الزيتون،

وكانتِ الأبوابُ الخشبيّةُ

تحفظُ ضحكاتِ المساءِ

وصهيلَ الخيولِ

ورائحةَ الزعترِ المبلّلِ بالندى

وأغاني الحصّادينْ.

ثمَّ جاءَ الليل

ليلٌ ثقيلٌ

تعثّرتْ فيهِ النجومُ

بأقدامِ الغزاةْ،

ليلٌ

كانتْ فيهِ القرى

تجمعُ أطفالَها،

وأشلاءَ الدعاءِ والنجاةْ.

نهض جدّي ليحملَ مفتاحَ المالحة،

وشدّتْ جدّتي

ثوبَها المطرَّزَ

على صدرِها المرتجفْ،

ومشيا بينَ القرى

والنارُ تلتهمُ أسماءَ البيوت،

وخلفَهما

ظلَّ حصادُ القمحِ

نائمًا في حضيرةِ النسيان،

ينتظرُ عودةَ أصحابِهِ

من دروبِ التيهِ والانكسارْ.

يا مالحةُ

يا خارجةً من سِفرِ الكنعانيينْ،

يا نارَ زيتونٍ

على كتفِ السنينْ،

فيكِ الملاحمُ تمشي

بثوبِ الخالدينْ،

وفي ترابِكِ ترتقي الصلواتِ

على جبينِ العارفينْ.

تقفُ الجدّاتُ

على أبوابِكِ العتيقةْ،

ينسجنَ من ضوءِ الحنّاءِ

تعاويذَ الطريقْ،

ويخبزنَ للشمسِ

أقمارًا من القمحِ العريقْ،

ثمَّ يرسمنَ فوقَ أكفِّ الصغارِ

مفاتيحَ البيوتِ

ليكبرَ فيهم

وعدُ العائدينْ.

أيُّها المفتاحُ

المعلَّقُ في رقبةِ المنافي،

يا آخرَ الأجراسِ

في زمنِ الخرابْ،

ثمانيةٌ وسبعونَ عامًا

والمالحةُ تشربُ مرارةَ الأحباب،

ثمانيةٌ وسبعونَ عامًا

والنوافذُ تنتظرُ الخُطى

مثلَ عيونِ الأمهاتِ

على عتباتِ السرابْ،

حتى غدا اليُتمُ

رايةَ قريةٍ،

وصلواتَ بيتٍ،

وأنينَ زيتونةٍ

في مواسمِ الغيابْ.

نهض الجدُّ الكنعانيُّ

فارتجفتْ تلالُ القمحِ،

وصعدَتِ السنابلُ

جيشًا من الضوءِ والنارْ،

وتقدّمتِ الكوفيّةُ

فوقَ أكتافِ الرجالْ،

مثلَ رايةِ “عنات”

التي تعودُ من الحروبِ

مكلّلةً بغبارِ الانتصارْ.

يا بحرَ غزّةْ،

خبِّئْ مراكبَ الفينيقيينَ

في زرقةِ الأسرارْ،

واحملْ غناءَ الصيّادينَ

إلى آخرِ الدنيا

وآخرِ البحارْ،

ويا قدسُ،

يا نسرًا كنعانيًّا

يحرسُ أبوابَ السماءْ،

قِفي على جرحِكِ العالي

أسطورةً

لا تنحني للغزاةْ،

ولا تموتُ مع انكسارِ النهارْ.

في اللدِّ

سارتِ القرى بثيابِ النارْ،

الأمُّ تحملُ خبزَها،

والجدُّ يحملُ مفتاحَهُ،

والطفلُ يحملُ دهشةَ الأعمارْ.

يركضُ الهواء لاهثًا خلفَ القوافلِ

حاملًا رائحةَ الزعترِ

وأغاني الحصّادينَ

وصهيلَ المواويلِ

في قلبِ الديارْ.

أقسمتِ الجدّاتُ

عندَ مواقدِ الخيامْ:

“سيعودُ الزيتونُ يومًا

إلى صدورِ التلالْ،

وسيعودُ القمحُ

ليلبسَ ذهبَ المواسمِ والحقولْ،

وسيعودُ المفتاحُ

ليوقظَ أبوابَ البيوتِ

بعدَ هذا الرحيلِ الطويلْ”،

ثمَّ نثرنَ الحنّاءَ

فوقَ جباهِ الصغارْ،

فكبروا

وفي عيونِهم

تركضُ خيولُ جلجامشْ،

وتشتعلُ نارُ بروميثيوسْ،

ويعلو نشيدُ فلسطينْ

فوقَ رؤوسِ الرجالْ.

أيُّها العابرونَ

فوقَ جراحِ البلادْ،

هل سمعتمْ صوتَ الكوفيّةِ

المرفرفة فوقَ البنادقِ والمآذنِ والسهولْ؟

إنّها تقرأُ تاريخَ فلسطينْ

بصوتِ الأنبياءِ

وصهيلِ الخيولْ.

وهل رأيتمْ زيتونةً

تقاتلُ الريحَ

ثمانيةً وسبعينَ عامًا

ثمَّ ترفعُ أغصانَها الخضراء

في وجهِ الأفولْ؟

ها همُ الشهداءُ

يصعدونَ من ترابِ البلاد

بعدَ الشتاءِ الطويلْ،

وجوهُهم قناديلُ،

وأصواتُهم طبولُ الملاحمِ

في ليلِ المستحيلْ،

وفي أيديهم

مفاتيحُ البيوتِ القديمةْ،

وفي خطوِهم

ترتجفُ أبوابُ التاريخِ

وترتفعُ راياتُ العودةِ

فوقَ الجليلْ.

ها هو الليل يفرغُ

آخرَ ما في جعبتِهِ من الخرابْ،

وتنكسرُ على أسوارِ القدسِ

أنيابُ القرونْ،

سيهبطُ الكنعانيُّ الأخيرُ

من أعلى الملاحمِ والأساطيرْ،

مكلّلًا بغبارِ المعاركِ

وبرائحةِ الزيتونِ والحنينْ

يرفعُ مفتاحَ المالحةِ عاليًا،

فتنشقُّ الأرضُ

عن القرى النائمةِ تحتَ الرمادْ،

وتنهضُ البيوتُ

كما تنهضُ العنقاءُ

من قلبِ النارِ واليقينْ.

فتشتعلُ الكوفيّةُ فوقَ الريحْ

رايةً بحجمِ السماءْ،

وتمشي السنابلُ

خلفَ العائدينْ،

وتخرجُ الجدّاتُ

من أبوابِ الزمنْ،

ينثرنَ الحنّاءَ

فوقَ جبينِ البلادْ،

فيخضرُّ الحجرُ،

ويعودُ البحرُ

لينطقَ الاسمَ المقدّسَ

في حضرةِ الخالدينْ:

فلسطينُ

يا ملحمةَ الأرضِ

من أوّلِ النارِ

حتى آخرِ العائدينْ.

***

غدير حميدان الزبون

المالحة / القدس / فلسطين

إلى ا. د. بشرى موسى صالح

***

إليها فقط

نصغي،

وثمّةَ وجوهٌ أخرى

تقفُ خارجَ التغطية،

تراقبُ الصوتَ

وتحسبُ الضجيجَ

غناءً

**

ترفعُ نبرتها

كمن يطرقُ باباً عتيقة،

تكدّسُ الكلماتِ

وتبعثرها في الهواء،

ثم تسألُ الصدى

لماذا لا يعود.

إليها

**

يتّسعُ الهواء،

ولها يعلو النشيد.

**

لا حاجةَ لدفعِ الصوت،

إذ يرتفعُ وحده

كنبعٍ

حين يفيض،

وكالضوء

حين يجدُ نافذته.

**

حين يمرُّ الكلامُ ممهورا

بختمها

تتراجعُ الأصواتُ الأخرى

بخطواتٍ مهزومة،

كأنّها

تدركُ

أنّ التفرّدٓ

ليس في الهذيان.

**

هناكَ من يظلُّ

يلاحقُ الأذنَ،

يرفعُ صوته

كي لا يغيب،

لكنَّ الصوتَ

يبقى عالقاً

على حوافِّ الهواء.

**

الغناءُ المرفوعُ إليها

يدخلُ القلبَ

مثلَ ماءٍ صافٍ

وجدَ مجراه.

**

إليها وحدها

يعلو الصوت،

وتمضي الأصواتُ الأخرى

خجولة

كظلٍّ

خاصمه الضوء.

***

د. جاسم الخالدي

طال الصمت،

وبدأ يشقّ عويل القرى،

أصبح صيّادًا مرعبًا،

يجوب المدن الأنيقة،

يدخل البساتين والحدائق،

يخرّب أعشاش العصافير،

يحرق الخيام،

يغلق الأسواق،

يهدم الجسور،

يوقظ النيام.

هذا الصمت يحمل الموت،

يغوي البيوت،

يقود العواصف،

يسرق شمس الصباح،

وينام في الخاصرة.

إلى متى الصمت؟

البلاد في ظلام تام،

والقلق يأكل أكبادنا.

من يدلنا على الفجر؟

بدأ ليل العراق،

توقف ماء دجلة والفرات،

قُطعت الأشجار والنخيل،

والرجال صامتون.

فراشات عمياء تطير من حنجرتي،

الطيور تسقط من سماء المدينة.

أي نهارٍ أسود يحتويك؟

الثقوب لا تُعدّ،

وكذلك الذئاب،

واللصوص،

والخونة.

أنت في عراق الجحيم،

فتعلم الصمت مثل الآخرين.

***

مراد سليمان علو

استيقظ في ذلك الصباح على وضوحٍ غير مألوف، وكأن الأشياء قرّرت أن تعلن عن نفسها بلا التباس.. مدّ يده إلى الجهة الأخرى من السرير، فلم يجد زوجته. لم يكن الغياب غيابًا عاديًا؛ الوسادة غائرة، والغطاء مطويٌّ بعنايةٍ كما تفعل كل صباح، والكوب على الطاولة لا يزال يحتفظ بأثر شفةٍ لم يجفّ تمامًا. نهض ببطء، ومشى نحو المرآة، فرأى الغرفة كاملةً منعكسةً بوضوحٍ قاسٍ: النافذة، الستارة، الكرسي، اللوحة الصغيرة المائلة. وقف مكانه ولوّح بيده، لكن المرآة لم تلوّح بشيء.

أقنع نفسه أن الضوء يخونه. غسل وجهه طويلًا، كما لو أن الماء قادرٌ على إعادة العالم إلى ترتيبه المألوف، ثم خرج إلى الشارع. كانت المدينة تعمل بكفاءةٍ مذهلة؛ السيارات تمرّ بانضباطٍ محسوب، الدراجات تنساب بخفة، الترام يشقّ مساره بصريرٍ منتظم، وإشارات المرور تتبدّل. ومع ذلك لم يكن هناك سائقون، ولا مشاة، ولا وجوه. الأبواب تُفتح وتُغلق، والمحالّ تعرض بضائعها، والجرائد تتساقط من الآلات المعدنية إلى الأرصفة… غير أن أحدًا لا ينحني لالتقاطها.

توقّف عند مفترقٍ واسع، وشعر لأول مرة أن الدقة الزائدة ليست طمأنينةً. كاميرات صغيرة مثبتة على أعمدة الإنارة، وعدساتٌ سوداء تتوزّع على واجهات المباني، وأجهزةٌ تحوم بعيدًا في السماء بحركةٍ دائريةٍ هادئة، كأنها تراجع المشهد من علٍ. لم ينتبه إليها من قبل؛ أو ربما لم تكن بهذا الوضوح. اقترب من حافلةٍ توقفت أمامه، فُتح بابها الأماميّ، وانتظر أن ينزل أحد. لم ينزل أحد. أُغلق الباب وانطلقت في موعدها الدقيق.

دخل مقهى اعتاد الجلوس فيه. رنّ الجرس المعلّق فوق الباب بنغمةٍ قصيرة، وكانت الطاولات مصطفّةً بعناية، والكراسي مسحوبة قليلًا كأن أشباحًا نهضت لتوّها، وآلة القهوة تنفث بخارًا حيًّا، وفنجان يتحرّك ببطءٍ فوق الصحن حتى حافة الطاولة ثم يتوقّف، كأن يدًا غير مرئيةٍ تمسكه في اللحظة الأخيرة. جلس، وقال بصوتٍ متردّد: «مرحبًا؟» فعاد إليه صدى صوته. مدّ يده إلى الفنجان، كان دافئًا؛ ارتشف، الطعم كامل، القهوة موجودة… إلا أن الذي أعدّها لم يكن موجودًا.

بدأ يبحث عن البشر كما يبحث المرء عن شيءٍ ضاع في غرفةٍ يعرفها جيدًا. اشترى صحيفة؛ الصفحات مليئة بالأخبار، بالعناوين العريضة، بصورٍ لمبانٍ رسمية، بمنصّاتٍ مزدانةٍ بالميكروفونات، بمدرّجاتٍ واسعة، لكن في الصورة الجماعية الكبيرة لم يكن هناك أحد: منصّةٌ بلا خطيب، مدرّجٌ بلا جمهور، شوارع بلا عابرين. مضى إلى دار السينما، دفع ثمن التذكرة من آلةٍ تقبل النقود دون أن يسلّمها أحد، دخل القاعة وجلس في الصف الأوسط. انطفأت الأنوار، وبدأ الفيلم: مدينة على الشاشة، شقة أنيقة، باب يُفتح بعنف، كأس يسقط ويتحطّم، مسدّس يُطلق رصاصةً، سيارة تنقلب… غير أن الممثلين غائبون. الحوار يُسمع بوضوح؛ امرأة تبكي، رجل يصرخ، خطوات تجري، أنفاس متقطّعة، بينما الأماكن فارغة. كان الصوت حاضرًا، والجسد محذوفًا، كأن العالم احتفظ بالأثر واستغنى عن الأصل.

خرج مسرعًا، وأحسّ أن العيون الزجاجية المثبتة في كل مكان تتبعه. رفع رأسه فرأى جهازًا صغيرًا يحوم عاليًا، يتحرّك في دائرةٍ ثابتة، لا يتدخّل ولا يقترب، يكتفي بالرصد. في تلك اللحظة شقّت رأسه فكرةٌ هادئةٌ وقاسية: ماذا لو لم يختفِ البشر، بل اختفى هو عنهم؟ ماذا لو أن الخلل ليس في المدينة، بل في موضعه منها؟

عاد إلى بيته بخطواتٍ متسارعة. وقف أمام المرآة مرةً أخرى؛ الغرفة موجودة، السرير موجود، الستارة موجودة، أما هو فكان فراغًا دقيقًا يشبه شكله. اقترب حتى كاد يلامس الزجاج، شعر بأنفاسه ترتدّ عليه، ووضع يده على صدره؛ القلب ينبض، والنبض يسمعه بوضوح. جلس على الأرض مستندًا إلى الحائط، وللمرة الأولى منذ استيقظ شعر بالخوف؛ لا خوف الوحدة، بل خوف أن يكون العالم قد أعاد ترتيبه بحيث لم يعد يحتاجه.

أغمض عينيه لحظةً، فرأى في العتمة وجهًا عابرًا، ضحكة طفلٍ بعيدة، يدًا تلوّح، ثم تلاشى كل شيء. فتح عينيه، فكانت المدينة خارج النافذة تؤدي وظائفها بانضباطٍ كامل، بلا خللٍ ظاهر. عندئذٍ سمع أزيزًا خافتًا، منتظمًا، يقترب تدريجيًّا. رفع رأسه فرأى طائرةً صغيرةً بلا طيّار تحوم أمام الزجاج، عدستها السوداء ثابتةٌ عليه بثباتٍ لا يحتمل الخطأ. لم يفاجأ؛ كأن المشهد كان مؤجّلًا منذ الصباح.

تقدّمت الطائرة ببطءٍ محسوب، ثم عبرت الزجاج كما لو أنه هواء، من دون تحطّمٍ أو شظايا. توقّفت على مسافةٍ قصيرة، وانبعث منها صوتٌ آليّ محايد: «تحرّك نحو الباب.» لم يناقش، لم يسأل، كان الأمر أشبه بإتمام معادلةٍ بدأت قبل ساعات. فتح الباب ومشى في الممرّ، ثم ركض فوق ممشى الحديقة الحجريّ، فيما جهازٌ آخر يحوم فوقه على ارتفاعٍ منخفض، يواكب خطاه بدقّة. عند بوابة الحديقة كانت مركبةٌ داكنة تنتظره، بابها الخلفيّ مفتوح. لم يرَ سائقًا، ولم يرَ أحدًا يراقب، سوى العدسات الثابتة التي لا ترمش.

توقّف لحظةً ونظر إلى البيت الذي كان قبل قليلٍ عالمه الوحيد، فلم يشعر نحوه بشيءٍ محدّد؛ كان مجرد عنصرٍ آخر في نظامٍ يعمل بلا انقطاع. صعد إلى المركبة، فأُغلق الباب بإحكامٍ لطيف، وانطلقت بهدوءٍ تام. من خلف الزجاج المعتم، كانت الشوارع تمتدّ نظيفةً ومنضبطة، والسيارات تسير في خطوطها الدقيقة، والإشارات تتبدّل في مواعيدها، وكل شيءٍ يؤدي دوره كما ينبغي.

لم يعرف إلى أين يُقتاد. وبينما كانت المباني تتراجع خلفه بانضباطٍ صارم، أدرك أن وضوح الصباح لم يكن نعمةً، بل إعلانًا مبكرًا عن خروجه من الحساب؛ ثم ابتلعته الطريق، واستمرّ كل شيءٍ في العمل كما لو أنه لم يكن.

***

بولص آدم

فِي الزَّوَايَا..

أَشْيَاءُ تُرَاقِبُنَا بِصَمْتٍ عَبْقَرِيّْ..

جَرِيدَتُهُ..

مَا زَالَتْ مُشْرَعَةً عَلَى خَبَرٍ قَدِيمْ،

تَمْتَصُّ حِبْرَ الذَّاكِرَةِ،

وَتَنَامُ فِي حِضْنِ المَسَاءْ.

عَلَى الكُرْسِيِّ..

جَوَارِبُهُ المُهْمَلَةُ تَبْحَثُ عَنْ خُطَاهْ،

تَحْرُسُ دِفْءًا رَاحِلاً،

وَتَقِفُ كَشَاهِدٍ عَدْلٍ عَلَى تَعَبِ المَمَاشِي.

وَعَلَى الطَّاوِلَةِ..

نَظَّارَاتٌ مَطْوِيَّةٌ..

تَخْتَزِنُ فِيهَا مَلَامِحَ الوُجُوهِ،

تُحَدِّقُ فِي الفَرَاغِ،

وَتَقْرَأُ مَا لَمْ تَقُلْهُ العُيُونْ.

كُلُّ هَذَا الرُّكَامِ الحَمِيمِ..

نَبْضٌ مُؤَجَّلْ،

أَثَرُ الحَيَاةِ عَلَى حَافَّةِ المَحْوِ،

وَرُوحٌ أُخْرَى..

تُعِيدُ تَرْتِيبَ المَكَانْ!

***

العامرية سعد الله

 

أَغْفِي عَلَى كَتِفِي كَيْ تُلْجِمِي الْوَجَعَا

مُذْ غَابَ وَجْهُكِ هَذَا الْقَلْبُ مَا هَجَعَا

*

أَغْفِي.. لَعَلَّ وَرَاءَ الْجَفْنِ مُنْتَبَذًا

يَأْوِي إِلَيْهِ شَتَاتٌ مِنْكِ قَدْ جُمِعَا

*

أَسْنَدْتِ رَأْسًا كَأَنَّ الْأُفْقَ مَحْمَلُهُ

لَوْ نَامَ فَوْقَ مَتِينِ الصَّخْرِ لَانْصَدَعَا

*

لَوْ يَرْتَدِي الْفَجْرُ مِنْ عِطْرِ اللِّقَاءِ رُؤىً

لَظَلَّ يَلْهَثُ خَلْفَ الرِّيحِ مَا رَجَعَا

*

إِنِّي أُهَنْدِسُ هَذَا الْوَقْتَ فِي لُغَتِي

جِسْرًا مِنَ الضَّوْءِ.. فَوْقَ الْغَيْمِ قَدْ وُضِعَا

*

فِي صَمْتِ عَيْنَيْكِ أَسْرَارٌ أُطَالِعُهَا

كَأَنَّهَا الْفَجْرُ فِي وِجْدَانِيَ انْطَبَعَا

*

مَا كَانَ صَمْتُكِ إِلَّا مَحْضَ مُعْجِزَةٍ

صَاغَتْ مِنَ اللُّغَةِ الْخَرْسَاءِ مَا نَصَعَا

*

مَا عَادَ لِلَّيْلِ أَنْيَابٌ تُؤَرِّقُنَا

وَلَا لِمُرِّ الْأَسَى فِي الرُّوحِ مُتَّسَعَا

*

هَيَّا لِنَمْضِي وَضَوْءُ الصُّبْحِ يَتْبَعُنَا

كَكَوْكَبٍ بَعْدَ دَاجِي اللَّيْلِ قَدْ سَطَعَا

*

وَنَزْرَعُ الْوُدَّ فِي بَاحَاتِنَا أَمَلًا

كَيْ نَطْوِيَ الْهَمَّ وَالْآلَامَ وَالْجَزَعَا

*

لَا تَسْأَلِي الدَّرْبَ عَنْ ذِكْرَى تُخَلِّدُنَا

فَالدَّرْبُ يَنْسَى خُطَى مَنْ لِلْهَوَى اتَّبَعَا

*

حَسْبُ الْقُلُوبِ بِأَنَّ اللهَ يَجْمَعُنَا

وَيَمْنَحُ الرُّوحَ وَصْلًا كَانَ مُمْتَنَعَا

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

 

على شُرفَةِ الانتِظارِ

حُلمٌ مُعَتَقٌ

على دروبِ المَطَر

أَملٌ يَلهَث

وعلى مَذبَحِ القَدَر

أشوَاقٌ تُصلَب

ماذا خَلفَ السِّتارِ؟

شَهَقاتٌ تُحتَضِر

في نَفَقِ الَلَّيلِ

تَوَسُّلات ٌعَلى رَصيفِ النِّسْيانِ

جَفَّ نَدَى اَلعَذارى

وَرَحَلَ اليَاسمينُ

أَفَلَتِ الشَّمسُ

وَحُجِبَتِ النُّجومُ

بوشاحِ النَّفاق ِ

فَتَدحرَجَت الحَقيقَةُ

إِلى قاعِ الوَهْمِ

ببَرقِ رَعْدٍ بِلا وَميضٍ

سَقَطَ اَللؤُلُؤ

من أَعنَاقِ حَواري الشَّرقِ

سَرابٌ مُرَقّعٌ

سُكونٌ بلا عِطرٍ

وبَسماتٌ خَريفِيَّةٌ

صَلاةٌ عَمياء

اِبتِهالاتٌ باردَةٌ

وأَجراسٌ بلا صَدى

التُّرابُ يَنزفُ

والأَرضُ سَكْرَى..

لُطفاً أيُّهَا الرَّبُّ بظِلالكَ

بَأرواحٍ تائِهَةٍ

عَلّها تُبصِرُ الطَريق

إِلى سُفوحِ الصَّحوَةِ

وبَسَاتينِ الخَلاص

فَتُزهِرُ الأُلوهِيَّةُ

عَناقيدَ مَحبَّةٍ

مُضَمّخَةً بِماءِ اَلنُّور

***

سلوى فرح - كندا

 

كانَ قلبي غربالَ نبيٍّ قديم… تساقطتْ منهُ النساءُ كما يتساقطُ المطرُ منْ ثقوبِ الغيم، امرأةً بعدَ امرأة، وعمرًا بعدَ عمر، حتى حسبتُ أنّ الحبَّ مجرّدُ ماءٍ لا يُقيمُ طويلًا في كفِّ الروح.

*

كلُّ اللواتي عبرنَني كنَّ يشبهنَ الفصولَ العابرة: تأتي الواحدةُ محمولةً على عطرِها، ثمّ تذوبُ كملحٍ في فمِ الريح. واحدةٌ تركتْ شالَها على كرسيِّ المساءِ، وأخرى علّقتْ ضحكتَها على نافذةِ القلبِ ثمّ رحلت، وثالثةٌ نامتْ قليلًا في سريرِ القصيدة واستيقظتْ في رجلٍ آخر.

*

أمّا أنتِ…

يا خطأَ اللهِ الجميل حينَ نحتَ امرأةً منْ دهشةِ الضوء، ثمّ أخفاها في جسدٍ منْ موسيقى…أنتِ لمْ تمُرّي. كنتِ الحجرَ الوحيد الذي علقَ في ثقوبِ الغربال، فارتبكَ قلبي لأوّلِ مرّة، وشعرَ أنّهُ ليسَ مثقوبًا كما ظنَّ طويلًا، بلْ كانَ ينتظرُ نجمتَهُ المستحيلة.

*

منْ أنتِ؟

كيفَ دخلتِ إلى هذا الخرابِ الموشّى بالنساء ولمْ تسقطي؟ كيفَ استطاعتْ أصابعُكِ أنْ تُرمّمَ التصدّعاتِ التي خلّفتها الحروبُ العاطفية في جدرانِ روحي؟

*

كنتِ كلّما اقتربتِ سمعتُ البحرَ يرتّبُ أمواجهُ كجوقةٍ سماوية، ورأيتُ الليلَ ينزعُ سوادَهُ ويجلسُ عندَ قدميكِ مثلَ ناسكٍ مفتون.

 *

أنتِ لستِ امرأة… أنتِ ارتباكُ العناصرِ الأولى قبلَ أنْ يستقيمَ الكون. في عينيكِ رأيتُ المجرّاتِ وهي تُبدّلُ مداراتِها، ورأيتُ الوقتَ يتعثّرُ بثوبِكِ فيقعُ على ركبتيهِ كعاشقٍ مذعور.

*

أعرفُ الآن لماذا مرّتْ كلُّ النساءِ منّي: لأنَّ قلبي كانَ يتدرّبُ عليكِ. كانَ يتعلّمُ كيفَ يحتملُ امرأةً لا تشبهُ النساء، امرأةً إذا ابتسمتْ تشقّقتْ في السماءِ نافذةٌ إضافيةٌ للملائكة.

*

أنتِ لمْ تعبري… أنتِ أقمتِ مثلَ صلاةٍ أبدية في أكثرِ الأماكنِ هشاشةً داخلي.

*

ومنذُ عرفتكِ لمْ أعُدْ غربالًا… صرتُ مجرّةً تدورُ كلُّ نجومِها حولَ اسمكِ.

***

كريم عبد الله - بغداد / العراق

في نصوص اليوم