عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

نصوص أدبية

وما بينَ صعبٍ وصعبٍ

صعابٌ تجرُّ صعابْ

وهذا المدى، عقيمٌ بطبعِهِ،

يبوحُ بسترهِ

فيُغري الخرابْ

يضيقُ على الحُلمِ حتى يذوبْ،

وإنْ طالَ اسمُ اتّساعِ البلادْ،

هناك جنوبٌ جديدٌ

يُعرّي الحدودْ،

يقلّبُ في مقلتيَّ غروبْ

ولا يستريحُ من النظرِ

إلى الموتِ المُشتهى

أو يتوبْ

تعانَقَ فينا ضجيجُ الحروبْ،

فصارَ لنا نسبٌ

من رمادِ الغيابْ،

وألقابُ حزنٍ تُدوَّنُ

فوقَ الجباهِ:

تتالتْ علينا الندوبْ،

وبتنا نُرتّلُ أسماءَنا

في سجلاتِ فَجْعِ الزمانِ النَّهوبْ

كأنَّ الانكساراتِ طبعٌ،

وصرنا نُهذّبُ أوجاعَنا

بالصمودِ الذبيحْ،

ونصنعُ من دمعِنا خبزَ يومٍ،

ونأكلُ من صبرِنا

في الدروبْ

لكثرةِ نزفِ الدماءِ،

تصاغرَ فينا السؤالُ الكبيرْ:

أهذا الذي نحنُ فيهِ حياةٌ؟

أم الموتُ ثوبٌ

نسيرُ بهِ للهروبْ؟

تلطّفْ بنا يا إلهي،

لقد صرنا ثكلى يتامى الذنوبْ.

على عتباتِ الرجاءِ المؤجَّلْ،

نُلوّحُ للغيبِ:

هل من جوابْ؟

ويمسحُ شمسَ البلادِ الغروبْ،

كأنَّ النهارَ اعتذارٌ قصيرٌ

عن الليلِ

ثمّ يعودُ

ليَكتمَ فينا الشروقْ

وحتى الطفولةُ باتتْ

يباسًا،

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

كانت مكتبة «خورشيد» كشكًا صغيرًا في أحد أركان العالم، وكأنها قطعةٌ من الزمن عُزلت عن كل شيء. كانت رائحةُ الورق المعتّق تعبق في الهواء،مثل صندوقٍ من الخشب العتيق تملأ المكان برائحة الأجداد وسيرتهم المعلّقة بين طيّات الكتب والصور المصفَرّة. على الجدران التي عرفت خيباتِ آمالِ الأجيال الماضية، صورٌ لمشاهير من زمنٍ مضى تنبض بصدى ذاكرةٍ لا تنقطع.

بين صورةٍ لزعيم وأخرى لموسيقي أو كاتبٍ معروف، جلس خورشيد في ركنٍ منها، وقد تحوّل هو نفسه إلى ورقٍ وحبر، أو هكذا شعر آنذاك، محاطًا بجدرانٍ مرصوصةٍ بالكتب التي تحتوي في صفحاتها أرواحًا مجففة، وكأنها أطيافٌ خفية تتجوّل في باحة الوقت والمكان. منذ مدة، وذهنُ خورشيد جثةٌ في بحرٍ من الذكريات، تطفو كأطيافٍ شبحية تحت ضوءٍ خافت. تذكّر الأصدقاء الذين غابوا أو غُيِّبوا، ومن غيابهم الأصدقاء الذين ذابت آثارهم كأوراق شجرٍ ضائعة في عاصفة ريح، تاركين خلفهم ضحكاتٍ صارت صدى لماضٍ بعيد.

المدينة الهرِمة التي كان يراقبها من خلال نافذة المكتبة بدت وكأنها تلبس ثوب الخريف، حيث تتساقط أوراق الأشجار كرسائل من ورقٍ أصفر ملوّن، تحمل توقيعات العشاق في رواياتٍ رومانسية. انتشر اللون الذهبي في الأفق كغبار الشمس في لحظات الغسق، وأحاطت الغيوم بالسماء كأنها تعزف لحنًا خفيفًا من ذكرياتٍ قديمة وألمٍ غامض، وكان الهواء البارد يدفع بمشاعرَ منسية إلى الدوران في طاحونة الذاكرة.بلمساتٍ خفية مرّر بخاطره شريطًا من الفرص الضائعة والأحلام المتلاشية التي تراكمت على الرفوف. «ماذا لو؟» كان هذا السؤال يطارده في أزقّة ذاكرته كظلٍ يتراقص مع الريح. تذكّر اختياراته الخاطئة، تلك اللحظات التي انزلقت من بين يديه كعناصر حلمٍ يتلاشى عند الاستيقاظ. ومع كل ذلك، كانت هناك طمأنينةٌ دافئة تحتضن قلبه، كأنها موقدٌ مشتعل في غابةٍ يلفّها الظلام. تلك الطمأنينة التي تجعله يرى المستقبل كلوحةٍ بيضاء فارغة تنتظر ضربات فرشاته لتأخذ شكل الأحلام الجديدة، وتبعث فيه الأمل بأن الغد سيكشف عن أبوابٍ إلى عوالم غير مرئية، وأن الأمنيات التي في سبات الآن ستعود وتتدفّق بدمٍ حار مع بزوغ الفجر.

وقف خورشيد هذه المرة بهدوءٍ وبطء، وأغلق الكتاب برفق، كمن يودّع صديقًا قديمًا بأسرارٍ لا تُفصح. مُدركًا أن الحياة ليست سوى صفحاتٍ تتحوّل، وكل صفحة تحمل في طيّاتها ألوانًا جديدة ومشاعر تتجسّد كأشباحٍ في مرآة الوعي. رغم أن بعض الأحلام قد تفتّتت كجزيئات ضوءٍ في تدفّق الزمن، وأن الفرص قد تلاشت في أفقٍ يبتعد كل ثانية، وجد نفسه أحجيةً سحرية تتلألأ في أعماقه كنجومٍ تنتحر.

عندها خرج خورشيد من أعماق حيٍّ قديم بدا وكأنه معلّق بين الزمان والمكان، ووجد نفسه في أحشاء مدينةٍ غريبة، مدينة بلا مشيمة أو حبل سري بالماضي، لكنها تعده بغدٍ يمزج بين الواقع والحلم.

***

ياسين غالب

روىْ المجدُ حكايتَهُ فلمّا

روينا احْمرَّ من خجلٍ وقالا:

جُعلتُ فداكمُ لكنّ شكًّا

تخلّلَ مهجتي وأبى العدولا

تعقّبَ خطوَه في الجسمِ همٌّ

تسنّمَ هامتي وأبى النّزولا

وأين يحطّ شكٌّ حطّ همٌّ

ترقّبُهُ لعمرِكَ لنْ يطولا

وإن كثُرتْ دواعي الهمِّ فينا

فوُلْدُ الشكِّ أغلظهُ نزيلا

فقلتُ إذا رويتُ روَوْا وعند الـ

ـحقيقةِ يؤثرُ الشكُّ الرّحيلا

فيحذو حذوَهُ همٌّ عرفتُ الـ

ـهمومَ فما عرفتُ لهُ مثيلا

وما شكّي سوىْ اسْمٍ لي غدا مذْ

سمِعتُ بكمْ على نفسيْ ثقيلا

وهمّي أنّه إن صحّ ظنّي

غدا عيشيْ مع اسمِي مُستحيلا

لأنتم عينُهُ ولقدْ أبنتُمْ

لِمن كان اسمُهُ المجدَ الدَّليلا

ولو عرفَ الّذي كنّانيَ المجـ

ـدَ ما المجدُ لأعطىْ اسْمًا بَديلا

ولو عرفَتْ بخلقِكمُ الرَّواسيُّ

ما انتظرَتْ دُهورا كيْ تقولا:

فلو كنّا علىْ الغيْبِ اطّلعنا

لقُلنا ربَّنا اجْعَلنا سُهولا

ولو عرفَتْ بكمْ أممٌ أُذِّلَتْ

لظلَّ دعاؤُها حتّى تَزولا:

فلو لحِقَتْ بنا أيّامُهم أوْ

قضَى فيها لنا الرّحمنُ جِيلا

بِكُم فُجِئتْ منىً أمست تظنُّ

الّذي حظِيتْ بهِ قبلًا قليلا

وهذيْ قدسكُمْ حظِيتْ بما قدْ

تُدانيهِ السَّما عرضًا وطولا

خيالٌ كمْ تزيَّنتِ المُنى كيْ

تروقَ لهُ فيأتيَها ذَلولا

فخُيِّبَ سعيُها فالحُسنُ إنْ لمْ

يكُنْ قُدسًا فلن يُرضيْ الفُحولا

وإذْ منَّ الكريمُ على شبابِ

الزّمان برُسْلِهِ منّا جَميلا

وآثرهُ بكم شيخًا ليُمسيْ

لسابقِهِ بذا المنِّ عَديلا

فما الثّقلانِ إلا هُمْ وأنتُمْ

ورأيُ الغيْرِ لنْ يلقىْ قَبولا

نصرتُمْ سيِّد الثّقلين حُبّا

وما هِبتُمْ عدوًّا أو خَذولا

تسابقتمْ لنُصرتِهِ كُماةً

وهُم أُممٌ بكمْ أمستْ فُلولا

ألا أكرِمْ بِمن نصَروهُ حيًّا

ومن نصروهُ شمسًا لنْ تمِيلا

ومُنكِركُم وقد أعْرضْتُ عنهُ

الّذي من قبلِكم نكرَ الرّسُولا

وغابِطُكم رأى خيرَ المنايا

منيّتكمْ وأقومَها سَبيلا

حباكمْ ربُّكمْ شرفًا رفيعًا

ولم يُؤثرْ بهِ إلّا قلِيلا

حملتُمْ همَّ أمّةٍ استُذلَّتْ

وصارَ فتيُّها رهِلًا علِيلا

وأعذبُ مائِها مِلْحًا أُجاجا

وأكرمُ تُربِها قحْلًا بَخيلا

وأشجعُ أُسْدِها ضبًّا خَدوعا

وأسطعُ نجمِها قزمًا أَفُولا

وأبلغُ وصفِها نقلًا وزورًا

وأشعرُ شعرِها شطَطًا هَزيلا

وأعلىْ صوتِها صمْتًا مُريبًا

وأقصىْ فعلِها صوْتًا عَويلا

وأكثرُ وقتِها لعِبًا ولهوًا

ومَبلغُ علمِها قالا وقيلا

بسيفكمُ يُتِمُّ اللهُ وعدًا

لهُ عشتُمْ وما حِدْتُم فتيلا

إذا من غمدِه استُلَّ التقيتمْ

ببابكمُ أخا الدّمِ والدّخيلا

لتقبيلِ الأياديْ، والخوافِ

إذا سمِعوا لهُ صوتًا صَليلا

ومن يخشَ الدّماءَ يعِشْ عميّا

ومن يهبِ النِّزالَ يمُتْ ذليلا

فلمّا صارَ ملمُوسًا تفكَّرْ

تُ في نفسيْ وفي كُتبِي خَجولا

حلفتُ بربِّكمْ ما عزّ فيها

سوى رجلٍ لهُ بتُّم قبيلا

وميّتكمْ شهيدٌ عند ربٍّ

كريمٍ ماتَ سُقْمًا أم قتيلا

وحيّكمُ اصْطفاهُ البيتُ خلًّا

ومنكمْ تصطفيْ القُدسُ الحَليلا

وأيّ اسمٍ تسمّيتُمْ بهِ صا

رَ بعد أنِ اسْتُهلَّ بكُم أثيلا

وأيّ اسمٍ تخيّرتُمْ كرامًا

لصاحِبكُم أقامَ لهُ احْتِفالا

***

أسامة محمد صالح زامل

 

كُنْ معَ الحقِّ، فالحقُ واضحْ..

لا تصوِّرْ سرابَكْ

عينَ ماءٍ

فكلُّ عليمٍ يرى في سرابِكَ محضَ سرابْ

لا تصادقْ ضبابَكْ

مقلُ العارفينَ ستبصرُ رغمَ الضبابْ

أنتَ ابنُ العراقْ

فكُنْ مِن اناءِ العراقْ

والاناءُ بِما فيهِ ناضحْ

***

شعر: كريم الأسدي

هَلْ يُوجَدُ أَسْوَأْ؟

مِمَّا وَصَلَ اَلْحَالُ إِلَيْهِ وَأَرْدَأْ؟

هَلْ يُوجَدُ أَقْسَى

مِمَّا حَلَّ بِنَا اَلْيَوْمَ وَأَمْسَا؟

أَسْئِلَةٌ تَعَبَى

تَنْهَالُ عَلَيْنَا ظَامِئَةً

غَضْبَى

هَلْ يُجْدِي أَنْ نَتَأَسَّى؟

هَلْ يُجْدِي أَنْ نَبْقَى نَسْأَلْ؟

كَيْفَ سَيَأْتِينَا اَلْمُسْتَقْبَلْ؟

هَلْ يَكْفِي أَنْ نَبْكِيَ، وَنَقُولْ

اَلْمُسْتَقْبَلُ مَجْهُولْ؟

أَمْ نَبْقَى نَتَأَمَّلْ

أُفُقًا مُهْمَلْ

وَالْأَيَّامَ تُفَارِقُنَا وَتَزُولْ

وَالْأَنْهَارُ بِلَا مَرْسى

تَمْضِي قُدُمًا، لَا تَتَحَوَّلْ؟

لَمْ أُكْمِلْ أَسْئِلَتِي

هَلْ تُكْمِلُهَا؟

أَجْيَالٌ تَأْتِي مِنْ بَعْدِي

لَا تَعْرَفُ عَنِّيَ شَيْئًا

وَأَنَا لَا أَعْرِفُهَا

هَلْ يَحْصُلُ هَذَا؟

أْمْ مَاذَا؟

***

شعر: خالد الحلّي

لم يأتِه الصباحُ هذه المرّة على هيئة خيطٍ من نورٍ يتسرّب إلى جفنيه، بل باغته بثقلٍ غامضٍ رابضٍ على صدره، كأنَّ صخرةً هبطت ليلًا واستقرّت فوق أضلعه دون أن توقظه. فتح عينيه على عتمةٍ كثيفة، فلم يرَ سوى سقفٍ متشقّقٍ تتوزّع عليه خطوطٌ متعرّجة، تشبه خريطةَ عمرٍ طويلٍ أنهكه الانتظار. اعتاد أن يُحصي تلك الشقوق حين يتأخّر عنه النوم، يعدّها واحدًا واحدًا، ثم يعيد العدّ كأنّ في تكرارها طمأنينةً ما، غير أنّها بدت هذه المرّة أعمق؛ كأوديةٍ تتّسع في داخله لا في الجدار.

صابر؛ الاسم الذي أطلقه عليه أبٌ كان يؤمن أنّ للأسماء ظلالًا تحرس أصحابها. لم يمهله القدر طويلًا ليختبر صدق ذلك الإيمان؛ رحل فجأةً، تاركًا الاسم معلقًا في عنق الابن كوصيّةٍ ثقيلة: اصبر. لكنّ الصبر، كما اكتشف صابر لاحقًا، ليس فضيلةً صافيةً كما تُروى في الحكايات، بل قدرةٌ على احتمال ما لا يُحتمل، وقد يتحوّل، إذا طال، إلى قيدٍ خفيٍّ يلتفّ حول الروح.

نهض عن فراشه الذي يئنّ كلّما تغيرت عليه حركة جسد أو تبدّلت جهةُ حلم.

إلى جانبه، تمدّد إخوتُه الصغارُ في نومٍ عميق، أنفاسهم تتصاعد وتهبط بإيقاعٍ مطمئن، كأنّ العالم لا يزال وفيًّا لهم.

في الزاوية البعيدة، كانت أمّه قد غلبها التعب، ونامت على طرف فراشها بثيابٍ لم تغيّرها منذ عودتها من تنور الجيران. كانت تقف هناك ساعاتٍ طويلة، تعجن الدقيق بيديها وتخبز أرغفةً ليست لهم، مقابل دنانير قليلة تكاد تتبخّر قبل أن تصل إلى كفّها.

انسحب من تحت الغطاء بخفةٍ تعلّمها من العيش في بيتٍ تضيق جدرانه لأدنى حركة. كان يعرف أنّ أيّ صوتٍ زائدٍ قد يُوقظ تعبًا بالكاد هدأ.

 في ركن المطبخ الصغير، تناول قطعةَ جبن مع خبزٍ بائتٍ، قضمهما على مهل، كأنّه يروّض قساوتهما بأسنانه. جرع بقايا شايٍ باردٍ، فمرّ الطعم في حلقه خشنًا، يوقظه أكثر مما يفعل الضوء.

ارتدى قميصه الذي لم يعد يذكر لونه الأول؛ كان أبيض يومًا ما، يوم كانت الحياة أقلّ تعقيدًا، قبل أن تتكاثر الغيابات في البيت. الآن صار باهتًا، مائلاً إلى لون لا اسم له، كأنّه تخلّى عن هويته ليلتحم بجلده. لم يعد يفصل بينهما حدٌّ واضح؛ كلاهما يحمل رائحةَ عرقٍ وغبار، وكلاهما يشهد على أيّامٍ لا تُنسى.

لم يكن يتخيّل أن يتحوّل في شهورٍ قليلة من فتىً يخطّط لمستقبلٍ واضح المعالم، يمسك الكتاب كما لو أنّه يمسك مفاتيح أبوابٍ كثيرة، إلى شابٍّ يتلمّس طريقه في متاهةٍ من الواجبات. يومَ رحل الأب، تصدّع في أعماقه شيءٌ خفيّ، كجرحٍ صامتٍ لم يعرف طريقه إلى الالتئام.

وحين مضى الأخُ الأكبر نحو المجهول تحت اسم الهجرة، أحسّ كأنّ ركناً من أركان روحه قد انزاح. كان الأخ يتقدّم الصفّ كلّما ضاقت الدروب، ويقف بينهم وبين العاصفة حين تشتدّ الرياح. وبغيابه، لم يعد التقدّم خطوةً يختارها متى شاء، بل صار عبئًا ونداءً لا مهرب منه.

خرج قبل أن تستيقظ الشمس تمامًا. كان الفجر يتسلّل بخجلٍ بين الأبنية، يمدّ أصابع واهنة نحو الأزقّة الضيّقة.

 في الطريق، كان صابر يعرف بأنّ خطواته  اليوم لا تقوده إلى مكانٍ محدّد، بل إلى حالةٍ تتكرّر كلّ يوم، اسمها المسطَر.

المسطَر؛ كلمةٌ لا تعترف بها المعاجم، لكنها محفورة في ذاكرة الشوارع.

 ليس عنوانًا على خارطة، بل رصيفًا يتجمّع عليه الرجال مع أول الضوء، ينتظرون من يختارهم لعملِ يومٍ أو أيّام.

 هناك، تتراكم الأجساد كما تتراكم الحجارة قبل أن تُبنى بها جدران.

حين وصل، كان الرصيف قد امتلأ. رجالٌ من أعمارٍ شتّى، يجلسون أو يقفون، يتبادلون نظراتٍ مقتضبة، أو يحدّقون في الفراغ. رأى رجلًا في الخمسين، يضمّ يده المرتجفة إلى صدره كأنّه يخفي سرًّا قديمًا. علم من همساتٍ قريبة أنّ حادثًا في ورشةٍ سابقةٍ ترك في جسده أثرًا لم يُداوَ. وعلى بعد خطوات، كان شابٌّ يرتدي قميصًا جامعيًا باهتًا، يضع نظّارةً سميكةً على عينيه. كان يمسك هاتفه كمن يتفقّد بقايا حلمٍ أكاديميٍّ لم يجد له موضعًا في هذا الصباح.

هنا، لا تسأل الشهادات عن أصحابها؛ يجلس الأميّ إلى جوار المتعلم، ويتساوى من قضى عمره في البناء بمن لم يجرّب سوى مقاعد الدراسة. الجميع ينتظر فرصةً واحدة: أن يُختار، أن يعود في المساء بشيءٍ يُقدَّم إلى من ينتظرونه في البيت دون انكسار.

اقترب صابر وجلس على حافة الرصيف. كانت الخرسانة باردةً، تسحب من جسده دفئًا خفيفًا. شمّ في الهواء خليطًا من عرقٍ قديمٍ ودخان سجائر رخيصة وغبارٍ يلتصق بالحلق. لم تكن ذلك مجرّد روائح؛ كان تاريخًا يوميًا يُعاد كتابته كل صباح.

سأل صابر الرجل الجالس إلى جانبه، وهو في الثلاثين تقريبًا، بعينين غائرتين كأنهما حفرتان في وجهٍ شاحب:

ـ منذ متى وأنت تواظب على المجيء إلى هنا؟

ابتسم الآخر ابتسامةً قصيرةً لا تصل إلى عينيه:

ـ يبدو أنّك جديد. أنا هنا منذ أسبوع أو أكثر. أعود كل مساءٍ كما جئت: بلا شيء. أصعب ما في الأمر ليس الجوع، بل نظرات أطفالي حين أسند ظهري إلى الجدار.

تسلّل إلى صدر صابر شعورٌ بارد، كأنّ الكلمات وضعت يدها على كتفه وقالت له: هذا طريقٌ قد يطول. نظر إلى يديه؛ كانتا، قبل شهور، تمسكان القلم بثقة، اليوم تنتظران أن تُمنحا معولًا أو قفّة إسمنت.

قطع الصمت هديرُ محرّكٍ خشن. ظهرت سيارة بيك آب قديمة، تتقدّم ببطءٍ وسط سحابةٍ من غبار. ما إن اقتربت حتى تغيّر الهواء؛ نهض الرجال دفعةً واحدة، كأنّ إشارةً خفيّةً انطلقت في أجسادهم. ارتفعت الأصوات، واشتدّ التدافع، وتحوّل الرصيف إلى موجةٍ بشريةٍ تبحث عن يدٍ تمتدّ إليها.

تجمّد صابر لحظةً، يراقب المشهد. رأى ظهورًا محنيّةً تنافس أكتافًا فتية، ووجوهًا حفرتها السنوات تزاحم أخرى لم يكتمل شبابها بعد. لم يكن الأمر سباقًا على عملٍ فحسب، بل صراعًا صامتًا على استعادة معنى الوجود.

ترجّل المتعهد، رجلٌ عريض الكتفين، قاسي الملامح، وقف أمامهم كمن يقف على مسرحٍ يختار أدوار ممثليه. صاح بصوتٍ جهوريّ:

ـ أريد خمسة للبناء.. الأقوياء فقط!

في تلك اللحظة، أحسّ صابر بأنّ صورًا كثيرةً تدفّقت داخله: أمّه أمام التنور، إخوتُه الصغار، القميص الباهت، البيت الذي يحتاج إلى صوتٍ يملأ فراغه.

اندفع، شعر بمناكب تصطدم بصدره، وبأذرع تحاول إبعاده، لم يكن جسده الأكبر بينهم، لكنه كان أكثرهم توقًا للفوز بالاختيار. وجد نفسه في الصفّ الأول، رفع يده، وحدّق في وجه المتعهد بثباتٍ لم يعرفه في نفسه من قبل:

ـ أنا.. أنا لها. فقط جرّبني.

توقّفت السبّابة عنده لحظة، كأنّها تقيس وزنه الخفيّ، ثم أشار الرجل:

ـ أنت.. اركب.

لم يكن شعور النصر صافياً. صعد إلى حوض السيارة وهو يسمع أنفاسًا مثقلةً خلفه، ويرى عيونًا تعود إلى الرصيف بخيبةٍ صامتة. جلس على معدن الحوض البارد، وأمسك الحافة بقوة، كأنّه يمسك خيطًا رفيعًا يصل بينه وبين البيت.

 في موقع البناء، بدا كلّ شيءٍ مغطّى بطبقةٍ واحدة من غبارٍ ناعم؛ الحجارة، الوجوه، السماء نفسها، كأنّها تشترك في لونٍ واحد.

تسلّم قفّة الإسمنت، رفعها إلى كتفه، وشعر بثقلها يتسلل إلى عظامه.

صعد السلّم الخشبيّ بحذرٍ، درجةً بعد درجة، والعرق يتجمّع على جبينه.

كان يعمل دون أن يسمح لأفكاره بالتوسّع؛ كلّما حاول سؤالٌ أن يطلّ برأسه، كان يدفعه جانبًا. الجسد يعرف مهمّته: أن يتحمّل.

 عند الظهيرة، حين اشتدّت الشمس وصار الهواء كثيفًا، داهمه دوارٌ خاطف. للحظةٍ، شعر أنّ الأرض تميل. شدّ على أسنانه وأكمل؛ التوقّف ليس خيارًا لمن ينتظرون أجر عملهم.

انسابت الأيام من بين أصابع "صابر" كحبات رملٍ خشنة، لا هي تتركه للسكينة والاستسلام، ولا هي تمنحه ترف الالتفات وراءه.

غدا التعب رفيقًا وفيًّا، لا يغادر ظله ولا يفارق أنفاسه، حتى استحال جسده خريطةً من الندوب الخفية التي رسمها الشقاء ببراعة حِرفيٍّ قاسي. لم يعد الألم عدوًا، بل صار لغةً يفهمها العصب، فتعلّم صابر كيمياء البقاء؛ كيف يوزّع شهيقه وزفيره على إيقاع الدرجات اللامتناهية، وكيف يراوغ ثقل الأحمال بتبديل موضعها على كتفه، في رقصة عنادٍ مع القدر، ليوهم جسده المنهك أن الحمل قد خفّ، وما هو إلا الوجع يعيد تموضع مملكته.

في تلك الهنيهات المسروقة من فم الزمن، حين يلقي العمال بأجسادهم فوق أرصفة القهر في استراحةٍ قصيرة، كان صابر يتحول من مجرد "عامل" إلى قلبٍ نابضٍ لهموم الجماعة.

 هناك، يقتسمون خبزًا شاحبًا كوجوههم، مشوبًا بغبار الطريق وعرق الكدح، لكنه كان أشهى من مآدب السلاطين لأنه ممهورٌ بقداسة التعب وسماحة الكسب.

تدور الأحاديث بينهم، لا كخطاباتٍ رنانة، بل كزفراتٍ مكتومة؛ يتحدثون عن غلاءٍ ينهش الأحلام قبل البطون، وعن بيوتٍ آيلةٍ للسقوط يسكنها "الانتظار" المرّ، وعن زوجاتٍ يغزلن الصبر ثيابًا للأطفال الذين يكبرون في غياب الآباء لطلب الرزق.

كان صابر يقرأ في عيون رفاقه ما لا تقوله الألسن؛ يرى في ارتعاشة يد "عم إبراهيم" قلقًا على دواء مفقود، ولمحة الانكسار في عين "شابٍ" غضٍّ يبيع ربيع عمره مقابل دريهماتٍ لسد رمق إخوته. لم يكن صابر مجرد عاملٍ بينهم، بل كان المرآة التي تعكس تلاحم هذه الشريحة المسحوقة، حيث تتلاشى الفوارق الفردية لتصهرهم "اللقمة" في بوتقةٍ واحدة. هم ليسوا مجرد أرقام في إحصائيات الفقر، بل هم حكاياتٌ من اللحم والدم، كان يستمع إلى قصصهم وشكواهم بتأمل مثابرٍ، أرواحٌ تجد في الألم طريقًا للعيش، وفي التكاتف حصنًا ضد التهميش.

بين كل درجةٍ صعدها وكل حملٍ نقله، كان صابر يفهم في صمتٍ معنى جديدًا للكرامة الإنسانية والخبز الحلال. كان يدرك بعمقٍ أن هذا الانكسار الظاهري يخفي وراءه صلابةً لا تُقهر، وأن هذه العيون المطفأة من فرط السهر والجهد، تخبئ بريقًا من الأمل لا يدركه إلا من عجن طينه بملح الأرض. هكذا سار صابر، يحمل الدنيا على عاتقه، ويحمل في قلبه أوجاع رفاقه، مؤمنًا بأن الفجر، مهما تأخر، لا بد أن ينبثق من شقوق هذه الجدران الباردة التي يرفعونها بأيديهم المتعبة لبنة لبنة.

ذات صباحٍ، وهو يصعد بالقفّة، انكسرت درجةٌ تحت قدمه. لم يسمع صوت الكسر بوضوح، لكنّه أحسّ بفراغٍ مفاجئٍ يبتلع قدمه. لحظةٌ امتدّت طويلًا، ثم اصطدامٌ حادّ.. بعدها، صمت.

حين فتح عينيه، كانت السماء فوقه واسعةً على نحوٍ جارح. حاول أن يتحرّك، فلم يستجب جسده كما اعتاد.

في المستشفى، كانت الكلمات قصيرةً، باردةً: رضوض، احتمال إصابة في العمود الفقري. لم يفهم تمامًا، إلا حين حاول تحريك ساقيه فلم يجد منهما استجابة.

 لم يكن الألم أشدّ ما واجهه، بل ذلك الفراغ الذي نشأ فجأةً بينه وبين جسده، كأنّ جزءًا منه انسحب إلى مسافةٍ بعيدة.

عاد إلى البيت محمولًا، ورأى في عيني أمّه خوفًا حاول أن يطفئه بابتسامةٍ واهنة. وضع أجر الأيام الماضية في يدها، كما لو أنّ الأمر لم يتغيّر.

مرّت الأيام ثقيلة. كان يستلقي طويلًا، يحدّق في السقف ذاته الذي كان يعدّ شقوقه، غير أنّ شيئًا ما بدأ يتحرّك في داخله. لم يكن قبولًا سهلاً، ولا استسلامًا؛ كان بحثًا عن منفذٍ آخر للوقوف. في إحدى الليالي، حين هدأ البيت، أشعل مصباحًا صغيرًا ووضع أمامه أوراقًا بيضاء. أمسك القلم بيدٍ ارتجفت قليلًا. لم يكن البياض ما يخيفه، بل مواجهة ما عاشه. كتب عن المسطَر، عما حدث له، عن الرجال الذين ينتظرون دورهم في الحياة قبل العمل، عن العيون التي لا تنطفئ رغم التعب، عن الأكتاف التي تبني بيوتًا لغيرها ولا تجد سقفًا آمنًا لها.

كلّ سطرٍ كان درجةً جديدةً في سلّمٍ مختلف، لا ينكسر بسهولة ولكنه جدير بالتأني والتأمل. لم يعد يحمل الإسمنت، لكنه حمل الكلمات كما يحمل المرء شيئًا ثمينًا يخشى عليه الضياع.

اكتشف أنّ الصمت الذي ظنّه قوةً لم يكن كافيًا، وأنّ للحكاية طاقةً تعيد ترتيب الفوضى في الداخل.

تبدّل إحساسه بنفسه؛ صحيح أنّ ساقيه لم تعودا كما كانتا، وأنّ الطريق إلى التعافي ربما يطول، لكنّه شعر بأنّ في داخله شيئاً ما ينهض ببطء. لم يعد يرى سقوطه نهايةً، بل نقطةَ انعطافٍ كشفت له هشاشته وقوّته معًا.

وحين أنهى حكايته الأولى، ظلّ يتأمّل الأوراق طويلاً. لم تكن لغته متقنة، لكنّها كانت صادقة. شعر بأنّ الثقل الذي استيقظ معه ذات فجرٍ بعيدٍ قد خفّ.

 أطفأ المصباح، واستلقى في عتمةٍ أقلّ قسوة.

 في صدره الآن أكثر من حكاية؛ المسطَر لم يعد رصيفًا فحسب، بل ذاكرةً حيّةً تنبض بأسماءٍ ووجوه. أدرك أنّ ما كتبه ليس سوى بداية، وأنّ السلم الذي انكسر تحت قدميه قاده إلى دربٍ آخر، دربٍ تُقاس فيه الخطوات بمدى الأثر لا بعدد الأمتار.

في الظلام، ابتسم صابر. لم تتحرّك ساقاه إلا قليلاً، لكنّ روحه كانت تمشي بثبات. ومن بين شقوق السقف التي طالما عدّها، لاح له خيطُ معنى جديد: أن يكتب، لا ليهرب، بل ليبني.. لا عمارةً من إسمنت، بل بيتًا من كلمات، يسع المسطَر كلّه، ويمنح الذين ينتظرون صباحًا آخر وجوهًا لا يبتلعها الغبار.

كانت تلك الليلة بداية مشروعٍ أكبر مما تخيّل؛ مشروع حكايات مستمدة من الرصيف، من السقوط، من الأيادي التي امتدّت ولم تُختَر، ومن الأعين التي ظلّت مفتوحةً على أملٍ لا يُرى بسهولة. هناك، عند تقاطع الألم والوعي، بدأ صابر يخطّ الطريق الذي سيحمله، لا على قدميه هذه المرّة، بل على جناحي اللغة..

**

سعاد الراعي

 

طوبى لغريب

أشعت أغبر

يسافر قلبه في الأفق

كنورس فتنته زرقة البحر

فشردت مجازه

وخياله

ومركبه

طوبى لغريب

من فرط شوقه

يمضي كجدول بين الحقول

مفتونا برائحة النعناع

وطيف الفراش وألوانه

لعل الشمس تضيء ليله

ودربه وغربته

لعل سحر القول يفيض كالماء

على شغاف قلبه ورؤاه

طوبى لغريب

عند باب القصيدة كمريد

يقف ببياضه حافي القدمين

علها تعشق ما تقوله عيناه

فتمضي خلفه لا تفارقه

كأنها ظله ونبضه

وطفولته..

وخطاه..

ومداه..

غريبا يقف قلبه تحت شرفتها

كفنار البحارة يهزه الموج

علها تميل بقلبها الوارف

كغصن مثقل بثمار الود

فتعانق وده ووديانه

فتنسيه جراحه وغربته

علها تطل من عليائها كقمر يقول

فيراها فيحاء كما تشتهي روحه

وجوارحه وصبابته

طوبى لنسيم شوقه

وهو يمر على جنان قلبها

فتفيض على ضفافها أنهاره

ووديانه وأشعاره

***

عبد الرزاق اسطيطو

 

مداي أتسع،

الى ما وراء المدى..

وعلى الطريق الطويل

تراءى وضوح الصدى..

ولاحت رؤوسٌ

تجلدَ الوقتُ فيها

حتى غدى

واهناً كالندى..                                                                                  **

وحين تطوى المسافات

يمسك الوهم عنق الدروب

وحين يشرع الفراغ ابوابه

بوجه الزمان،

يشعل المعنى في ظلمة المنفى

عود ثقاب، كي يسود الرجاء،

ولكن الهراء يسيح

على جانبي الطريق الكسيح

يغازل وجهه مسخ يغني،

غناء الرقيع

ودون حياء..

**

هل ترون الرجاء

بين مغترب وغريمه..؟

يتهامسان على الوعود

وشنارهما سحتٌ

وشعارهما جريمه ..

ودخان تلك السافرات

من المنافي

يراقص لحنه الموتور

في عرس الغنيمه..

والعازفون عن النهار

يجتاحهم خوف

وترعبهم هزيمه..!

***

د. جودت صالح - إسطنبول

7- شباط - 2026

نَاسٌ وَقُرى تَغْرَقُ..

وَدُرُوبٌ..

تَتْبَعُهَا رَادِفَةٌ.

الأَضْوَاءُ تُغْرِقُ السَّمَاءَ البَعيدَةَ،

تَرْقُصُ طَرَبًا

تتَوَقَّفُ... زَهْوًا

وَتَرْسُمُ خَرِيطَةَ القِيَامَةِ عَلَى الجُدْرَانِ.

ثُمَّ تَرْتَطِمُ بِدَمِ الخِلَّانِ.

كَيْ تُكْمِلَ وَلِيمَتَهَا فَوْقَ دُخَانٍ مُبِينٍ.

وَأَنْتُمْ مَنْ سَعَى فِي خَرَابِهَا،

وَحَرَّمَ عَلَى أَرِيحَا سُقْيَاهَا وَمَرْعَاهَا،

وَعَزَفْتُمْ لَهَا أَلْحَانَ النِّسْيَانِ،

وَنَفَخْتُمْ فِي ذَاكِرَةِ الظَّمْآنِ.

تَنَاسَيْتُمْ أَنَّ الْيَوْمَ عِيدٌ.. وَأَيُّ عِيدٍ كَانَ؟

كَانَ.. مَا كَانَ عِيدًا،

خُصْلَةُ شَعْرٍ كَانَتْ، مُبَعْثَرَةً عَلَى الطَّرِيقِ

كَانَتْ حُرُوفَ نَعْيٍ

فَوْقَ تِجَانٍ مَهْجُورَةٍ

أَتَرَانِي الآنَ

كَمَا لَمْ تَرَانِي مِنْ قَبْلُ

أَتَرَانِي أَرَى قَمَرًا وَأَنْجُما؟

أَمْ أَشْرَبُ نَبِيذًا كَانَ مِزَاجُهُ كَافُورا؟

أَتَرَانِي أَزُفُّ عُرْسًا لِعَاشِقَيْنِ

لَمْ يَمُوتَا عَلَى وَقْعِ الرَّصَاصِ،

وَلَمْ يَكْتُبْ أَحَدٌ نَعْيَهُمَا؟

أَتُرَاهُ عُرْسًا أَزُفُّهُ لِلدُّرُوبِ النَّازِفَةِ؟

أَمْ تَرَاهُ مَأْتَمًا

يَنْتَظِرُ طَيْرًا؟

لَا أَرَى

أَرَى مَا وَرَاءَ الغُبارِ أَسْرَابٌ تَحُطُّ

وحَجَلٌ لا يَطيرُ

أَرَى طِفْلًا لَمْ يُسَجَّل اسْمُهُ

لَمْ يُسْمَعْ نَحِيبُهُ

مَضَى قُدُمًا

فَمَنْ ذَا يَرْثِيهِ

وَيَحْمِلُ اسْمَهُ

وَمَنْ ذَا يُنْجِبُ لَهُ أُخْتًا وَطَائِرَاتٍ مِنْ وَرَقٍ

لَا أَرَى؟

أَتُرَانِي أَرَى؟

أَرَى عَاشِقَيْنِ يَرْفَعَانِ لِلسَّمَاءِ ثَوْبًا بِالْأَبْيَضِ

يَقْطَعُ اللَّيْلَ كَنَبْعِ ضَوْءٍ يُصَلِّي فَجْرا

كَيْ يُضِيءَ سَفَرًا

صَارَ لِلذِّئَابِ وَكْرَا

وَيَمُرُّ العِيدُ كَمَا العِيدُ كُلَّ عَامٍ

نَنْتَظِرُهُ هُنَاكَ أَوْ هُنَا

لَا فَرْقَ

فَكُلُّ عَامٍ وَالقِلاعُ قِفَارٌ

غَدًا يَأْتي مُصْعَبٌ بِأخْبارِ الأَبْراجِ

والْيَقِينُ مَا سَطَّرَتْ جَنِينُ

وَرَتَّلَتْهُ تَرْتِيلَا

سَأَزُفُّ مَرَّةً أُخْرَى

وَأُخْرَى

خَبَر حَلَبٍ وَبِلَادِ النَّهْرَيْنِ

وَإِنْ أَفَلَتْ بُلدانٌ وَبُطُونٌ..... سَأَحْتَفِلُ بِالذِّكْرَى

لَعَلَّهَا تُثْمِرُ أَحْجَارا

وَتَتَفَجَّرُ أَنْهَارًا وَفَطَائِرَ

سَأَحْتَفِلُ

وَأَرْسُمُ بِالطَبْشُورِ سَرِيرًا لِعَاشِقَيْنِ

كَانَا فَوْقَ الْجِسْرِ

يُرَاقِبَانِ مَا وَرَاءَ الْخَرَابِ

سَأَزُفُّ مَرَّةً أُخْرَى

وَأُخْرَى

زَبَدٌ هو العِيد، وَرَمادٌ.

سَأَحْتَفِلُ بِالذِّكْرَى

فَالحَرْبُ أَشْبَه بِدُرُوجٍ تُثْمِرُ أَوْرَاقًا.

وَحِيطَانًا تَبْكِي كَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ

وَتُسَمِّي سَعِيدًا هَذَا العِيدَ

إِنْ كَانَ اليَوْمَ أَوْ غَدًا.

لَا فَرْقَ.

***

عبد القادر بوطالب

يا أمُّ والعيدُ الحزينُ مُكبَّلُ

بالصمتِ والدربُ الطويلُ مُعطَّلُ

*

جئناك لا بابٌ يُجيبُ نداءَنا

إلّا الصدى والحزنُ فينا مقبلُ

*

كانت يداكِ لنا الأمانَ وها هنا

خوفُ الطفولةِ في الضلوعِ يُقتّلُ

*

أينَ الدعاءُ إذا تعثّرَ خُطونا؟

كانَ الطريقُ بصوتِ قلبك يكملُ

*

كم مرّةٍ مسحتْ يداك كلومَنا

فشفتها إنّ البرءَ منك مؤمّلُ

*

واليومَ لا كفٌّ ولا الدفءُ الذي

كنّا إليهِ من الجراحِ نُرحَّلُ

*

يا أمُّ عيدُ الناسِ فرحٌ عابرٌ

أمّا بنفثك فالمنى لا تأفُلُ

*

ما عادَ في الأعيادِ غيرُ مرارةٍ

والقلبُ من طولِ الأسى يتآكلُ

*

إنْ جئتِ طيفاً تستفيقُ قلوبِنا

فالروحُ دونَ حضورِكِ تتزلزلُ

*

عودي ولو حلماً يُضيءُ دروبنا

فالحلمُ في زمنِ الفراقِ مُؤمَّلُ

*

يا أمُّ يومي في بعادك مثقلُ

والقلبُ من وجعِ الغياب يُرتّلُ

*

والبيتُ يصمتُ في بعادك ركنُه

عن ذكرِ أمّ الخير دومًا يسألُ

*

يا أمُّ صوتُك يستعيد طفولتي

صارَ صداه الآن روحِي يخذلُ

*

يا أمُّ في عينيكِ بحرٌ واسعٌ

للحبِّ حتّى غار منه المنزلُ

*

يا أمُّ يأتي العيدُ والدربُ الذي

كنّا نعودُ إليهِ الآن مُقَفَّلُ

*

والبيتُ بعدكِ موحشٌ في صمتهِ

حتى الربيعُ من الأسى يتأجّلُ

*

أينَ اليدانِ؟ وكان فيهما دفؤُنا

والحضنُ حين يضيقُ فينا المأمَلُ

*

يا أمُّ، ما للوردِ يذبلُ فجأةً

قد بات من فقدِ الرّجا يتعلّلُ

*

والشمسُ لا تأتي بهيبة حرّها

إلا خجولاً نورُها يتململُ

*

كم كنتِ للحزن الأليم شفاءنا

فننامُ والحضنُ الجميلُ يُظلّلُ

*

واليومَ نبكي لا وسادةَ رحمةٍ

إلا الدموعُ بها الفؤادُ يُؤمّلُ

*

يا أمُّ عيدُكِ في القلوبِ جراحُنا

والشوقُ في صدرِ الحنينِ مُبلّلُ

*

لا شيء يُشبهُ غَيبَك المتكرّر َ

حتى الكلامُ من الفراقِ مُؤجّلُ

*

يا أمُّ هذا العيدُ دونكِ موحشٌ

كالطفلِ لمّا غاب عنهُ المَنْهَلُ

*

نأتي لنزرعَ بسمةً في دربِنا

فتعودُ من وجعِ الغيابِ وتُقتلُ

*

ما عادَ للفرحِ القديمِ حكايةٌ

كلُّ الحكايا في الفؤادِ تُرحَّلُ

*

عودي ولو حلماً يمرُّ بخافقي

فالقلبُ من فقدِ الحنانِ مُكبّلُ

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

على كَتِفَيَّ تَحُطُّ وجوهٌ وأشرِطَةٌ.

تَضِجُّ الْوجوهُ ظَلامًا.

أُعَبِّئها عِنبا وخُزامَى،

وأَرْتَقِبُ الْخَفَقَانَ.

فلا الطَّيْرُ يَنْبُضُ فيها،

ولا الطَّلُّ بالْأُقْحُوانِ يُوَشِّحُها.

وُجوهٌ كَلَوْحٍ خَلاَ

مِنْ فَوَاصِلَ أوْ نُقْطَةٍ.

ولا شيْءَ فيها

يُضَمِّدُ هَسْهَسَةَ الرّيحِ في جسدي.

**

تُجَرْجِرُني الرّيحُ بين مسالِكِها

دون ظِلٍّ يُرافِقُني.

أُفتِّشُ بين الْمَسالِكِ

عن سَرْوَلٍ،

فَيُطالِعُني

دَفْتَرٌ ظَمَّأَتْهُ الْمسافاتُ والصَّبَوَاتُ .

وبعضُ شَتائِلَ مِنْ صَنْدَلٍ

جَفَّ باطِنُهُ،

وظَلِيمٌ يَفِرُّ حَسِيرًا،

ولا ريشَ أو بَيْضَ أَغْنَاهْ.

أَضِيقُ بِثَرْثَرَةِ الْعابِرينَ،

أُصافِحُ بَوْحَ الْوُجُوهِ،

فَتَصْخَبُ أَلْسِنَةُ الْمِلْحِ في شَفَتَيَّ.

تُجَرِّحُ أَلْسِنَةُ الْمِلْحِ وجهي،

ولا غافِقَ الْيوْمَ

يَرْفَعُني عن رَحَاهُ.

ولا دَمْعَةُ الْمَجْدَلِيَّةِ

تُغْرِقُ أَفْئدَةَ الرِّيحِ

كَيْما تُزِيحَ ذُهُولي.

**

تُسَيِّرُني الرّيحُ

بين قلاعِ الْحُمُوضَةِ

دون غَبُوقٍ به أَرْتَوِي ،

أو " بُراقٍ " يَضُمُّ يَدي.

على وَجْهِ " بِنْتِ لَكِيزٍ " (*)

ذَرَى اللَّيْلُ أَحْلامَهُ يا " بُراقُ "

ووَشَّحَها باللُّهاثِ.

وكُنْتُ نَدَهْتُكَ مُذْ أَمَدٍ يا " بُراقُ "

لِأَجْلِ السُّرَى،

فَاحْتَجَبْتَ ونَجْمِي خَبا.

فَهَلاَّ طَوَيْتَ الْمَدَى يا " بُراقُ"

لِأَجْلِ يَدِي،

أَمْ تُراكَ كَفاكَ الْجَوَى

عن حُضُوني؟؟؟

***

بقلمي: هادية السّالمي دجبي- تونس

...........................

(*) بنت لكيز: هي ليلى بنت لكيز وابنة عمّ البراق بن روحان وحبيبته.  أَسَرَها أمير فارسيّ رغبة في أن يتزوّجها فرفضت واستنجدت بالبراق  وكان خارج القبيلة فهبّ لنجدتها  وتزوّجها.

مُذْ غَرَبَتْ شمسُكَ

وصارَ البيتُ أوسعَ من صمتي،

وأطولَ من لياليه،

لم يبقَ في النافذةِ

إلّا وجهُ صديقي.

كانَ يجيءُ

وفي يدِهِ كلامٌ قليل،

لكنّه يكفي

كي لا تسقطَ الجدرانُ على قلبي.

يجلسُ بقربي

كما لو أنّه يعرفُ

أنَّ الحزنَ

لا يحتاجُ موعظةً

بل كتفًا صامتة.

يا صديقي،

يا واحدًا

من نوافذِ الحياةِ التي لم تُغلق،

لو تعلمُ

كم أنقذتَ قلبي

من العتمة.

حين انطفأ في البيت

ذلك الضوءُ الذي كان يملأه،

وشعرتُ أنَّ العالمَ

يميلُ قليلًا

إلى جهة الغياب،

كنتَ أنتَ

تُبقي في القلب

فسحةً للنهار.

والآن

كلما ضاقَ الليلُ

أفتحُ نافذتي،

فأرى وجهكَ هناك

على أن الحياة

لم تُغلقْ بابها كلَّه.

***

د. جاسم الخالدي

السبت ١٤ /٣/ ٢٠٢٦م

 

دائمًا

يأتي من هناك

يصرخ:

أنا الأقوى!

لكن الحقيقة، حذراً،

تمشي

على أطراف أصابعها الصغيرة…

تبحث عن هروبٍ آمن…

ثم

رويدًا… رويدًا…

تختفي

في الظل.

*

كلما صار الغرور خوذةً،

صار الرصاص الحيّ

نشيدًا…

يحفظه الصغار

في المدارس.

*

يتعلمون الموت

حرفًا

وحرفةً.

*

يتأقلمون

مع الصواريخ الذكية…

تخترق رؤوسهم

قبل المنام،

*

وهناك…

في عرشٍ سماويٍّ مصغَّر،

يجلس ربُّ المال

بين ملائكةٍ

من الشاشات،

والأصوات،

ويكتب:

الحربُ صفقةٌ ناجحة.

ثم يختفي

بين ستائر

من سديم…

أو ضباب.

لكن الجنود

عالقون هناك،

في الفلوات،

بخيامهم المتموِّجة في الريح،

والقلق الخفيف…

*

أو يمتطون البحر،

النار المخزَّنة،

والحديد…

لكنهم

لا يفهمون حديث وول ستريت…

ولا الصفقات…

والأمهات كذلك،

وربما الزوجات…

لا يرغبن

بمالٍ…

أو ميدالية الشرف،

بديل الفقد.

*

أيها العالم،

كم يحتاج ساستك

إلى مرآةٍ صغيرة… لنظرة،

أو قضمةٍ

من خبز الحقيقة،

بدل

الصواريخ الأنيقة…

*

في القاعة،

يرفع بعضهم أيديهم

بالتصفيق…

*

ويرفع آخرون

حواجبهم

بالدهشة…

*

ويتظاهرون

بالتصديق…

لكن الأطفال

في المدن البعيدة

يرفعون شيئًا آخر:

الغبار.

*

الغبار فقط…

ملوَّثًا بالدم.

*

في القاعة  أو في القاع..

تكتمل الحكاية بلا نهاية

خوفاً من عقاب أو مجاعة

صفقنا لساعات وساعات للمهرج على المنصة، ينتصب كراية منصورة

في الريح وهي

تفلي شعره الذهبيَّ المجعَّد،

بحثًا عن خفايا

تختبئ سرًّا…

هناك…

*

بسلام، يعد الرئيس .

سلام..

يأتي

بعد حربٍ موضعية،

كعمليةٍ صغرى…

لا يهم

أن تودي بالنتيجة

إلى الوفاة…

ثم حربٍ أخرى…

أكثر دقة…

وهكذا…

*

يقول:

لا تقلقوا…

والقيامة

بلمسةٍ من صغرى أنامله الطرية

*

تقترب

من نوافذنا…

كل مساء.

قال الرئيس وعرفة الذهبي يرف في السماء: حين تمرّ سيرتي

بمقبرة الضجيج،

ضعوا

إكليل غار…

صفقنا له في حينها ولكن..

سيضحك التاريخ في سره ..

ثم يترك بكل برود القطب.

قبلةً أخرى…

على مؤخرة الرئيس.

***

ياسين غالب

قبل أن يتذكّر الضوءُ اسمه، كانت هي قد سبقت الفجر بخطوة. تمشي… لا تترك أثرًا، كأن الأرض تعرفها فلا تحتاج إلى دليل. ترفع شفتيها قليلًا، فيولد من الصمت خيطٌ رفيع، يتّسع… يتّسع… حتى يصير طريقًا.

هناك، حيث لا أوامر ولا عصيّ، تتحرّك الكثرة كأنها فكرة واحدة.

لم يكن ما يجمعها بهم حبلًا مرئيًا. كان شيئًا أشبه بنداءٍ قديم، أقدم من الخوف… وأصدق من الجوع.

تمدّ يدها، فيقتربون. تتوقّف، فيسكنون. كأنهم تعلّموا الإصغاء لما لا يُقال.

كانت تُطعِمهم من خبزها، لكنهم لم يكونوا يأكلون فقط.

كانوا يقتاتون معنى.

وفي كل لقمة،

كان شيءٌ خفيّ يتشكّل:

تماسكٌ لا يحتاج إلى سياج.

من علٍ،

عينٌ لم تتعوّد أن ترى ما لا يُقاس.

توقّف الفارس،

وشعر، لأول مرة، أنه أمام ما يشبه المعجزة.

لا عصا… لا صراخ… لا فوضى.

ومع ذلك،

كان كل شيء في مكانه.

همس، كمن يلمس حدّ الفهم:

"كيف تُقاد الكثرة بلا قيود؟"

سؤال لم يرتطم بشيء.

في قاعةٍ تتثاقل فيها الكلمات،

انحنى الصوت الشاب أمام سلطةٍ اعتادت أن تستجيب.

لم يطلب…

بل تعلّق.

لم يشرح…

بل ارتجف.

كان يدافع عن صورةٍ لم تستطع الجدران أن تراها:

امرأةٌ لا تحكم…

ومع ذلك، تُطاع.

طال الصمت…

حتى بدا كأنه رفض.

ثم انكسر، دون اقتناع.

مرّت الأعوام.

لم يبقَ من الجبل إلا صدى.

عاد الابن، لا ليبحث عنها،

بل ليبحث عمّا تركته فيه.

وقف حيث كانت تقف،

وأصغى.

لا صفير…

لكن شيئًا في داخله كان يُنصت.

في المدينة،

تتبدّل القوانين كما تتبدّل الظلال.

الأوراق تقول شيئًا،

والهمس يقول شيئًا آخر.

يُطلب منه أن ينحني قليلًا، فقط قليلًا،

كي تسير الأمور.

ينظر إلى النصّ أمامه،

ثم إلى الفراغ خلفه.

يتذكّر… دون أن يرى.

في ليلةٍ بلا قرار،

جلس أمام صديقٍ لا يملك جوابًا.

قال، كمن يعترف بخسارةٍ غير مرئية:

"حين يصبح الاعوجاج طريقًا،

تبدو الاستقامة شذوذا."

توقّف.

ثم أضاف، بصوتٍ أخفّ:

"لكنني لا أعرف طريقًا آخر."

بدأ الاسم ينتشر…

لا كحكاية، بل كعدوى.

في الأزقة، في الساحات،

في العيون التي تعبت من التكرار.

لم يعد أحد يتحدّث عن راعية،

بل عن إمكان.

عن قطيعٍ… لم يعد قطيعًا.

حين وقف بينهم،

لم يكن في حاجة ليرفع صوته.

كان يكفي أن يصمتوا.

قال:

"ليست الكثرة ما يُخيف…

بل ما اعتادته الكثرة بدون تفكير."

نظر إليهم، كأنه يراهم للمرة الأولى:

"حين تُصغي… تفكّر.

وحين تفكّر… تختار."

في مكانٍ ما،

حيث يلتقي الحجر بالريح،

لا يزال أثرٌ لا يُرى.

ليس طريقًا…

بل احتمال.

ومن يمرّ هناك،

قد يسمع، إن أصغى جيدًا،

صوتًا خفيفًا،

لا يأمر…

بل يوقظ.

***

قصة قصيرة: الحسين بوخرطة

في زمنِ هجرةِ الينابيعِ

أُطاردُ صوتي في مرايا الفقدِ

ويحصرُ قلبي جليدُ الكربْ

أسائلُ ليلي: أيُّ سماءٍ تُضيءُ؟

وأيُّ نجومٍ تُشيرُ إلى البدءِ؟

كيفَ العبورُ بضيقِ المسيرِ؟

ليلٌ يُمازجُ حلمًا بجرحْ

في كأسِ بدءٍ.. مريرٍ ثقيلْ

2

سأمشي على جمرِ هذا الطريقِ

حافيًا أقتفي الأثرْ

من يقرأُ الآنَ لوحَ الغيابِ؟

كأنَّ الغيابَ كتابُ القَدَرْ

ومن طينِ بدءِ التكوينِ صوتٌ

يهمسُ: لا

لن أكتبَ اسمي لوهمٍ يمرْ

ولا أتبعُ الريحَ إن ذرَّتِ

بذورَ الطميِّ بلا مطرْ

3

لي في الفجرِ وجعٌ يتجدّدْ

وفي النبضِ تسكنُ كلُّ الحكايا

أوجاعيَ المعلّقاتُ تلوحُ

كطيفٍ على رمادِ الطللْ

وفي ومضِ الصبحِ أبصرُ

نفسًا تفيضُ من الماءِ حيًّا

تحملُ جمرًا خفيًّا بصدرْ

يخبو طويلًا بليلٍ بعيدْ

وراءَ السكونِ صوتٌ يشقُّ الصمتْ

غالبًا..

يسائلُ دمعي ظلَّهُ:

أجئتُ من الماءِ؟

أم ضيّعتُ بابَ الرُّجى؟

4

من يمسكُ الطيفَ إن يتبخّرْ؟

من يوقدُ الدربَ إن ينطفئْ؟

إذا أطفأ الحزنُ مصباحَهُ

وضاعَ الزمانُ بين السطورْ

تقولُ النخيلُ: لن أهبَ الظلَّ

لوجهٍ غريبٍ لا يعرفُ الماءْ

ولا أسقي العطاشى سحابًا

يفرُّ قبيلَ اكتمالِ المطرْ

5

أدورُ بدهليزِ نفسي كثيرًا

ويطاردُ صوتي خطايَ البعيدةْ

ليلُ الأسئلةِ المستطيلْ

يثقلُ صدري.. يطولُ المدى

فأينَ سيولدُ فجرُ اليقينْ؟

وأيُّ اتجاهٍ يعيدُ البدءَ؟

كيفَ الخروجُ من الاختناقْ؟

كونٌ يختنقُ في زفيرٍ

بصدرٍ وحيدٍ.. بلا انتظارْ

6

من يمشي مع الريحِ دونَ انكسارْ؟

من يقرأُ الليلَ حتى السَّحَرْ؟

ويصبرُ لا ينثني للعدمْ؟

تقولُ الأرضُ: لن أُعطيَ الماءْ

لظمأٍ أعمى لا يرى النهرَ

ولا أمدُّ يديَّ لقمرْ

شحيحٍ.. يذوبُ قبيلَ الفجرْ

7

لي في الفجيعةِ نبضٌ خفيّ

وفي العينِ حكايةُ صمتٍ طويلْ

ذكرياتي المعلّقاتُ تمضي

بفضاءِ طميٍّ قديمٍ ثقيلْ

وفي شرارةِ الضوءِ أحيا

وأنهضُ من لهبِ الشكِّ حيًّا

أمدُّ كفّي إلى الغيمِ

وأُبصرُ طيرًا من الضوءِ يعلو

غالبًا..

يسائلُ دربي خطايَ:

إلى أيِّ أصلٍ أمضي؟

8

لي في الجراحِ حروفٌ خفيّةْ

وفي العينِ دمعُ التشكّي

جراحي تطيرُ كطيرٍ شريدْ

وفي خيطِ صبحٍ أرى

نافذةَ النورِ قد فُتحتْ

فأكتبُ فوقَ الضلوعِ: ربما..

يسائلُ مائي مجراهُ:

إلى أينَ يمضي

إذا غابَ عنهُ البحرُ؟

كودا: (نقشُ الماء)

أمشي.. وفي كفّي نقشُ الماءْ

أرسمُ دربًا لظلٍّ إذا ضلَّ

وأقولُ للأرضِ: يا ناسِيَةَ الاسمِ

ما زالَ للطينِ صوتٌ يُنادي

وما زالَ للماءِ بابٌ خفيّ

يفتحُ في الصدرِ

أوّلَ نبضْ

***

د. سعد غلام

 

الراسخونَ وفُلْكُهمْ مُتحركُ

والمدركونَ اذا تلكأَ مُدركُ

*

والهابطونَ على الأديمِ نيازكاً

هلّا عرفتمْ ما يقولُ النيزكُ؟!

*

والصاعدونَ الى السماءِ كواكباً

دريَّةً فيها الاباةُ تبرَّكوا

*

والراسمونَ على الطريقِ خرائطاً

مِن وهجِها جيشُ المظالمِ يَهلكُ

*

هُمْ أهلُ مفتاحِ الغيوبِ وغيبُهمْ

أصلُ الحضورِ، وسرُّهم لا يُسفَكُ

*

حتى واِنْ سُفكتْ دماءُ رقابِهمْ

فعدوُهمْ مِنْ هولِ رعبٍ مُربَكُ

*

حيرانُ يستجدي الهدوءَ فلا يرى

سبلاً تكونُ الى الهناءةِ مَسلكُ

*

هُمْ راحلونَ الى السماءِ وصوتُهم

لغزٌ بِهِ كيدُ اللئامِ يُفكَّكُ

***

شعر: كريم الأسدي – العراق

الصورة التي ظهرت أمامي على صفحة "الفيس بوك" لم تكن سوى صدفةٍ رقمية، تلك الأنواع من الصدف التي تحدث في منتصف الليل وتغير مزاجك بالكامل، دون أن تعرف السبب. كنت أتنقل بلا هدف بين منشوراتٍ مجهولة، أخبارٍ عابرة، وجوهٍ لم أعد أميزها، حين توقفت فجأة أمام وجهٍ أعرفه أكثر مما أريد أن أعترف. صديقي عبد الرزاق ابراهيم  .

كان أحد تلامذته قد نشر صورته في ذكرى رحيله عام 2011، بعد صراعٍ طويل مع المرض. الصورة لم تكن جديدة، لكنها لم تكن قديمة بما يكفي لتصير ذكرى مطمئنة. فيها كان عبد الرزاق يبتسم نصف ابتسامة، كما لو أنه يعرف أكثر مما يقوله. ملامحه تبدو في مكانٍ آخر، كأنها تسمع ما لا نسمعه، أو تتابع حوارًا غير مرئي بينه وبين الحياة التي أفلتت من بين يديه. 

تجمّدت الصورة أمامي لثوانٍ طويلة. الغريب أنني لم أرها على الشاشة، بل رأيتها داخلي، كما لو أن الضوء الذي يشع من هاتفٍ باردٍ قد اخترق فجأة ذاكرةً ظننتها مطفأة منذ زمن. لم تعد الصورة مجرد وجه، بل مفتاح. ومع انفتاحه، انفتح الباب على تلك الليلة البعيدة التي ظلت راكدة في أعماقي مثل بركة ماءٍ في زمنٍ بلا مطر. 

تلك الليلة… نعم، لا أعرف لماذا عادت الآن، بهذه الحدة، بهذا الضوء المائل إلى الحنين. إنها الليلة نفسها التي لم أعرف بعدها صفاءً يشبهها ولا فرحًا يوازيها. كل ما تلاها كان أشبه بظلٍ باهتٍ لما كان يمكن أن يكون. ربما لهذا السبب بدت صورة عبد الرزاق وكأنها لا تتحدث عن الموت بقدر ما تعيد إحياء لحظةٍ قديمة من حياةٍ أخرى، حياةٍ لم نعرف وقتها أنها ستغدو ماضينا الوحيد. 

أذكرها الآن كما لو كانت تكتب نفسها من جديد. كانت تمطر في الخارج، وكان الليل يهبط ببطءٍ على المدينة التي لم تكن تعرفنا بعد. كنتُ مع عبد الرزاق، زميلي في كلية الفنون الجميلة، ندرس المسرح ونؤمن – بسذاجةٍ جميلة – أن الفن يمكنه إنقاذ العالم. كان في صوته حين يتحدث عن المسرح شيء من الحلم وشيء من الحزن، كأنّه يعيش دائمًا بين المشهد والبروفة، بين ما يجب أن يحدث وما يحدث فعلًا. 

ذلك الزمن، حين أستحضره الآن، لا يبدو وكأنه ماضٍ تمامًا، بل كأنّه ما زال يتنفس في مكانٍ ما خارج الزمن، حيث لا أحد يكبر، ولا شيء ينتهي. في ذاكرةٍ كهذه، لا تعود التفاصيل تمضي بخط مستقيم، بل تتشابك، تلتفّ، تندمج، كما لو أن الأمس واليوم يتبادلان الأدوار دون أن يخبرانا. 

هكذا حدث مع الصورة أيضًا. لم تكن مجرد استذكارٍ لشخصٍ رحل، بل عودة غير متوقعة إلى الذات التي كنتها معه. ربما لهذا شعرت وأنا أحدّق فيها بأن المطر بدأ يهطل في مكانٍ ما خلفي، ليس في الخارج بل في الذاكرة نفسها، حيث كل شيءٍ يعود ليُختبر من جديد. وكأنّ الصورة، بنظرتها الساكنة تلك، كانت تقول لي إننا لا نغادر أصدقاءنا حقًا، بل نواصل الحياة داخل الصور التي تذكّرنا بأننا كنا يومًا أحياء. 

 كنتُ وصديقي عبد الرزاق، الذي كان حينها مجرد مخرج في خياله، نعيش مرحلةً غريبة حيث يلتبس الواقع بالحلم، وتصبح الحدود بين الحياة اليومية والمسرح غير محسوسة. كنا طلبة في كلية الفنون الجميلة، نحمل طموحًا كبيرًا، لكنّه لم يكن طموحًا للنجاح أو للشهرة، بل طموحًا للعثور على مساحة يمكننا فيها أن نكون صادقين مع أنفسنا، ولو للحظات قصيرة. كان المسرح بالنسبة إلينا وطنًا مؤقتًا، ملاذًا نصنعه بين الجدران، حيث نرى أنفسنا على حقيقتنا كما نودّ أن نكون، لا كما يفرض الواقع أن نصبح. 

أذكر كيف كنا نغادر قاعة التدريب أو خشبة المسرح بعد نهاية اليوم، نحمل في صدورنا شيئًا لا يُرى ولا يُقاس، شعلة خفية من الإيمان بأن الفن، هذا الكائن الهش والنبيل معًا، قادر على ترتيب العالم بطريقة مختلفة، وفق إيقاع أكثر انسجامًا مع الأحلام. لم نكن نعرف بعد معنى العالم، لم نكن نعلم كيف يمكن تغييره، لكننا كنا نؤمن، ربما بلا وعي، أن الخلاص موجود في الضوء الذي يسلط على الخشبة، في الكلمة التي تُقال في اللحظة المناسبة، وفي الصمت الذي يملأ المسرح ويصبح كالصلاة. 

عبد الرزاق كان يملك تلك النظرة التي تجمع بين الطفولة والوعي المبكر، بين الدهشة والجدية، كأنّه دائمًا يتلمس العالم من زاويةٍ مختلفة عن الآخرين. كانت أحاديثه عن المسرح مليئة بالتصورات المجازية، لكنها لم تكن مجرد كلمات؛ كانت خرائط صغيرة تقودنا عبر المتاهة الغريبة للفن، وتعلمنا كيف نرى ونشعر قبل أن نتصرف أو نتحدث. 

في أيام التدريب، كنت ألاحظ كيف تتحرك أفكاره بلا توقف، كيف ينسج الأحداث في رأسه قبل أن تُعرض على الخشبة، وكيف يتعامل مع كل مشهد كما لو أنه يعيش أكثر من حياة واحدة في الوقت ذاته. وكان شيءٌ آخر يثيرني فيه: قدرته على المزج بين الواقع والخيال دون أن ندرك متى ينتهي أحدهما ويبدأ الآخر. كانت حياتنا اليومية تبدو كامتداد مباشر لما نختبره على المسرح، وكأننا نعيش النصوص قبل أن نكتبها، ونمثلها قبل أن تصير حقيقية. 

في تلك المرحلة، كان كل يوم يحمل إمكانات غير محدودة. كانت الفصول الدراسية والممرات الضيقة في الكلية والأزقة التي نمشيها بعد التدريب كلها جزءًا من عالمنا المسرحي الداخلي، جزءًا من تلك الشبكة المعقدة من الانفعالات والأحلام واللحظات العابرة التي تعلمنا فيها معنى الصدق مع الذات. كل ضحكة، كل إيماءة، كل صمت كان يترك أثرًا فينا، أثرًا يشبه اللوحة غير المكتملة، التي نعرف أنها ستكتمل فقط حين نعيد النظر إليها بعد سنوات، أو حين يظهر شخص ما – كما حدث مع صورة عبد الرزاق – ليعيد فتح باب الذاكرة على مصراعيه. 

وهكذا، كانت علاقتنا بالمسرح تجربة مستمرة للوجود، حيث نختبر الحياة بحواسٍ مكثفة، ونكتشف العالم من خلال لعبةٍ دقيقة بين الضوء والظل، بين الصمت والكلمة، بين ما نريد وما يحدث. كل لحظة كانت تبدو بسيطة، لكنها كانت في الواقع مفعمة بالمعاني الخفية، كما لو أن كل شيء، حتى أكثر التفاصيل تفاهة، كان جزءًا من النص الكبير الذي كنا نعيشه دون أن نكتبه. 

وفي هذا التداخل بين الحياة والفن، بين الحلم والواقع، بين الذات والزمن، اكتشفنا شيئًا أساسيًا: أن المسرح ليس مجرد مكان نصنع فيه مشاهد، بل هو المكان الذي نختبر فيه حقيقة وجودنا، ونصغي فيه إلى أصواتٍ ربما لن نسمعها أبدًا في أي سياق آخر، أصواتٍ تجعلنا نفهم – ولو للحظة قصيرة – أننا لسنا منفصلين عن العالم، وأن الفن الحقيقي هو الذي يجعلنا نعيش في اللحظة ونشعر بها بصدقٍ كامل.  

كان عبد الرزاق يملك تلك النظرة التي تجمع بين الجد والدهشة، بين الطفولة والحكمة المبكرة، نظرةٌ تجعل كل كلمة يقولها تتردّد داخلك كصدى بعيد لا تعرف مصدره، وكأنها تحرك شيئًا قديمًا نائمًا في داخلك. كان يؤمن، بشكل لم أستطع تفسيره حينها، بأن المسرح ليس مجرد تمثيل، بل حياة مضاعفة، وأن الممثل لا يتقمص دورًا، بل يكتشف في كل شخصية وجهاً آخر من ذاته، كما لو أن كل نصّ مسرحي هو خريطة غير مرسومة للعالم الداخلي.

كنت أستمع إليه بإعجاب وريبة، كما يستمع الإنسان إلى لغةٍ لا يعرف قواعدها بعد، لكنها توقظه، تلمس شيئًا غامضًا في أعماقه، شيئًا يشبه الحلم القديم الذي ينتظر من يوقظه بعد سنوات طويلة. 

كانت أيامنا تمضي ببطء جميل، كفصل طويل من رواية لم ندرك أننا نكتبها بأجسادنا وأصواتنا وحركاتنا الصغيرة.

كل صباح كان وعدًا جديدًا بالدهشة، كل مساء كان انطفاءً مؤقتًا لذلك الوعد، لا يلبث أن يعود في اليوم التالي. عشنا في زمن لم يكن الماضي فيه قد صار حنينًا بعد، ولم يكن المستقبل قد اتخذ شكله من الخوف والشكوك. عشنا ببساطة نادرة، وبفرح لا يعرف سببًا سوى أنه وُجد، كأنه شمس خافتة تتسلل من نافذة مهجورة لتضيء زاوية مهملة من الغرفة. 

عدنا في تلك الليلة من السينما، نحمل في أعماقنا شيئًا من الصمت الذي يتركه الفيلم بعد أن ينطفئ الضوء على الشاشة، صمت يبقى حيًا في الداخل، يتحرّك في طبقات خفية من الوعي، مثل فقاعات الهواء التي تسبح في زجاجة مغلقة لا تُفتح.

الحافلة كانت تمضي ببطء يشبه الحلم، تنزلق على الطرق المبللة، وأضواء الشوارع تذوب في زجاج النوافذ كدموع لا تنتهي، تاركة خطوطًا ضبابية على وجوهنا لم نستطع تفسيرها حينها. 

لم يكن المطر مجرد خلفية للمشهد، بل امتدادًا طبيعيًا للفيلم الذي خرجنا منه، فيلم بلا عنوان ولا نهاية، يكتبه الليل قطرة قطرة على وجه المدينة، يكتبنا نحن أيضًا في صمتنا، في حركاتنا، في أصوات ضحكنا المكتومة. كل قطرة كانت كأنها رسالة من السماء، رسالة تقول إن العالم أكثر رقة مما ندرك، وأننا لسنا مضطرين لتفسير كل شيء، بل لنكون موجودين، لنشعر، لنحتفل باللحظة العابرة التي لا تعود، ونسمح لأنفسنا بالانصهار في ما حولنا. 

في تلك الليلة، وبين المطر والضوء والصمت، شعرت لأول مرة أن الحياة والمسرح ليسا شيئًا منفصلًا عن بعضهما، بل شريط مستمر من اللحظات الصغيرة، التي إذا جمعناها معًا، تكوّن معنىً أكبر من أي نص مسرحي أو فيلم قد يُعرض. وكأن عبد الرزاق، بصمته وابتسامته، كان يعلم ذلك كله، بينما نحن كنا نكتشفه ببطء، قطرة بعد قطرة، كالمطر نفسه، بلا استعجال، بلا وعي كامل، لكن مع شعور نادر بالاكتمال. 

في تلك اللحظات، شعرنا أننا لا نعود إلى مكانٍ محدد، بل إلى أنفسنا، إلى ذلك الجزء العميق الذي لا تلمسه الأيام إلا حين تمطر.

الحافلة كانت تضج بأحاديث متقطعة، لكننا ظللنا صامتين، كلٌّ منا غارق في عوالمه الداخلية.

وجه عبد الرزاق كان مبللاً بالضوء الأصفر القادم من المصابيح، وعيناه تنعكسان كصفحتين من نهر صغير يتذكّر طفولته.

لم أكن أعرف إن كان يفكر في الفيلم الذي خرجنا منه أم في تفاصيل حياته، لكنني كنت متيقنًا أننا نعيش نوعًا من الامتداد بين ما رأيناه على الشاشة وما نشهده الآن خارجها؛ كأن الفن قد تسرب إلى الواقع، فصار المطر نفسه عملًا سينمائيًا، وكل شارعٍ مشهدًا من فيلم غير مكتوب بعد. 

حين توقفت الحافلة عند الحي السكني، كانت السماء قد فتحت أبوابها على مصراعيها، وانهمر المطر كأنه إعلان سماوي عن بداية جديدة. لم نحمل مظلات، ولم نفكر لحظة في الاحتماء. بل على العكس، بدا أن فكرة الاحتماء تُسيء إلى ذلك الطقس المقدس، إلى النعمة التي تهبط علينا من أعلى، كغسلٍ عذب يطهّر القلب من غبار الأيام الجامدة، من الطبقات الخفية للإرهاق والخيبة التي تراكمت فينا دون أن نشعر. 

خرجنا من الحافلة كما يخرج المرء من حلم طويل ليجد نفسه في حلم آخر. الهواء كان بارداً، لكنه لم يكن مؤذيًا؛ كهواء جديد يولد للتو، نديًّا، محمّلًا برائحة الأرض التي تستيقظ بعد طول غياب.

مشينا بخطوات بطيئة في الأزقة التي غمرتها المياه، كل خطوة كانت تُصدر موسيقى خفيفة، تشبه إيقاع المطر على زجاج النوافذ.

لم نكن نضحك ولا نتحدث، لكن بيننا كان حوارٌ صامت من نوعٍ نادر، حوار لا تُقال فيه الكلمات، بل يُستشعر كما تُستشعر حرارة اليد في الظلام، كأننا نتشارك نفس الحلم، نفس الامتداد الغامض للوجود. 

كل تفاصيل الأزقة، من انعكاسات الأضواء على الماء إلى أصوات أقدامنا المبللة، كانت تبدو وكأنها جزء من نص مسرحي مكتوب لنا وحدنا.

لم يكن هناك جمهور

لم يكن هناك توقعات

فقط نحن، المطر، والليل، في انسجامٍ كامل، حيث كل شيءٍ يصبح ممكنًا وكل شيءٍ مستمر بلا سبب منطقي.

شعرتُ حينها، لأول مرة بوضوح، بأن الحياة والمسرح ليسا شيئًا منفصلًا، وأن تلك اللحظة العابرة، بكل بساطتها وغموضها، كانت تحمل كل معنى الفن الذي نحاول أن نفهمه منذ بداية دراستنا. 

ومع كل خطوة، كل ضحكة مكتومة من الماضي، كل نبضة قلب خفية، كان المطر يكتب نصنا الخاص، نصٌّ لا يُرى إلا في أعماق الذاكرة، نصٌّ يتنفس معنا، يتقاطع مع كل لحظة من حياتنا القادمة، كأن عبد الرزاق، بصمته وهدوءه، كان يوقظ فينا إدراكًا لم نعرفه من قبل: أن الفن الحقيقي ليس ما نُقدمه على الخشبة، بل ما نعيشه بصدق حين يصبح الواقع مسرحًا بحد ذاته. 

مشينا في الأزقة دون عجل، كأننا نحاول تمديد اللحظة إلى ما لا نهاية، نسمع وقع أقدامنا على البرك الصغيرة، نشعر بنسيم المطر البارد يمر على وجوهنا، ونراقب انعكاسات أضواء الشوارع على الأسطح الرطبة. كل زاوية، كل جدار مبلل، كل ظل كان يتحول في عينيّ إلى جزء من نص مسرحي حي، نص لم يكتبه أحد، لكننا كنا نشعر أنه مكتوب لنا وحدنا. 

عبد الرزاق كان يسير بجانبي بصمت، وكأن صمته جزء من الحوار. كنت أعرف أنه يراقب كل شيء، ليس فقط المطر أو الأزقة، بل نحن أنفسنا، كيف نتفاعل مع كل نقطة ماء، كل انعكاس ضوء، كل همس للريح بين الأشجار.

في صمته كان درسٌ في الفن، في الحياة، في القدرة على التواجد الكامل في لحظة لا تتكرر. 

توقفنا تحت مزراب يصرخ بالماء المتدفق من سطح أحد البيوت، وتركنا المطر ينسكب فوق رؤوسنا، يبلل ملابسنا، كأننا نغتسل من كل شيء ثقيل في حياتنا اليومية:

من الضغوط الصغيرة

من القلق غير المعلن

من الإحباطات التي تراكمت بلا صوت.

لم نكن نخاف من البلل، بل بدا أن كل قطرة مطر هي دعوة للحرية، تذكير بأننا أحياء، وأن اللحظة الحالية تستحق كل انتباهنا. 

حين وصلنا أخيرًا إلى السكن، خرج بعض الطلبة ينظرون إلينا بدهشة، ونحن نضحك بلا اكتراث، بلا شعور بالخجل، بلا أي محاولة للتمويه.

كنا نعرف سرًا صغيرًا، شعورًا لم يفهمه أحد سوانا: أن السعادة الحقيقية لا تأتي من الترتيب أو السيطرة، بل من التسليم للشيء الذي يحدث الآن، من الانغماس في اللحظة بلا تحفظ. كانت ضحكتنا امتدادًا للمطر، جزءًا من نص لم يُكتب، لكنه حيّ في داخلنا كما لو أن الحياة نفسها كانت مسرحًا نعيشه بلا سيناريو مسبق. 

في تلك الليلة، اكتشفت أن الفن الحقيقي ليس مجرد كلمات أو مشاهد على خشبة مسرح، بل لحظات مثل هذه، حيث يصبح العالم كله مسرحًا، والمطر ممثلًا، والضوء ناقدًا، والصمت مشهدًا مكتملًا. تعلمت أن كل شيء صغير يمكن أن يحمل معنى كبيرًا، وأن المسرح والحياة ليسا شيئًا منفصلًا، بل خيطًا واحدًا يمتد من الماضي إلى الحاضر، من الداخل إلى الخارج، من الذات إلى العالم. 

وعندما أغلقنا الباب خلفنا، وجلسنا على المقاعد الرطبة في غرفتنا، شعرت بأن تلك الليلة، بكل ضحكها ومطرها، بكل صمتها وحركتها، ستبقى معنا إلى الأبد. كانت درسًا عن الحياة، عن الفن، عن الصداقة، عن الوقت الذي لا يعود، لكنها، في الوقت نفسه، كانت وعدًا: بأن كل لحظة يمكن أن تتحول إلى شيء خالد، إذا عرفنا فقط كيف نعيشها بالكامل، بلا خوف، بلا تردد، بلا حدود سوى حدود قلبنا وقدرتنا على الانتباه الكامل لما يحدث. 

ضحكنا كما لم نضحك من قبل، ضحك لم يكن صادرًا من الفم فقط، بل من أعماق لم نكن نعلم بوجودها فينا.

وجوهنا مرفوعة نحو السماء، والماء يتدفق فوق جباهنا وأعيننا المغلقة، كأننا نشارك في طقس غامض من التعميد، طقس يُعيدنا إلى حالٍ أولى، صافية، بلا مرآة أو مراقب. نناجي السماء لا بالكلمات، بل بالاستسلام لها، بالقبول لأن يُبللنا المطر ويغمرنا ويُمحو كل ما يثقل تفاصيلنا اليومية. في تلك اللحظة لم نكن طلابًا ولا فنانين ناشئين، بل كائنات خرجت للتوّ من طوفان كوني، تحاول اكتشاف لذة الخلق من جديد، وكأن العالم يُعيد تعريف نفسه معنا لحظة بلحظة. 

المزاريب كانت تصرخ بماء الأسطح، ووقفنا تحتها كما يقف العطاشى عند نبع مقدس، نترك الماء يهدر على رؤوسنا بقوةٍ جعلتنا نضحك أكثر، نضحك كمن يمارس طقسًا داخليًا للتطهير، ليس عبر الاعتراف بالكلمات، بل عبر الفيض المائي الذي يطهر الجسد والروح معًا.

كان الضحك يتدفق من داخلنا بلا حواجز، بلا خجل، بلا قيود، كأنه يتغلغل في كل خلية، ويعيد ترتيب كل شيء في الداخل. لم نكن ندرك حينها أن هذا الضحك سيصبح، بعد سنوات طويلة، من أكثر الأصوات التي يحن إليها القلب، حين يتبقى من الرفاق إلا ذكرى وصدى لحظاتهم العابرة. 

شعرت حينها أن الزمن قد توقف حقًا، وأن عقارب الساعات قد خجلت من عبثنا الطفولي فآثرت التراجع إلى الوراء.

الليل، الذي طالما بدا غامضًا ومغلقًا، صار شفافًا على نحوٍ غريب، كأن العين تستطيع الرؤية من خلاله ما وراء الأشياء، ما وراء الأحداث، ما وراء الذات نفسها. بدا العالم وكأنه لم يُخلق إلا لتلك المتعة العابرة، لتلك اللحظة التي اتحد فيها الجسد بالماء، والفرح بالجنون، والذاكرة بالحاضر. 

كانت تلك الليلة تجربة استثنائية، اختبرت حدودنا كبشر، حدود ضحكتنا، حدود إحساسنا بالحرية. كل قطرة مطر، كل هدير للمزاريب، وكل صمت بين الضحكات كان نصًا مسرحيًا حيًا، مكتوبًا من قبل لا أحد، لكنه مكتوب لنا وحدنا، نقرأه بلا وعي، نشعر به بلا تفسير. وفي تلك اللحظة، أدركت أن السعادة الحقيقية ليست في المستقبل ولا في الماضي، بل في الامتداد الكامل للحظة، في الاستسلام للمطر، في الانغماس في الحاضر حتى آخر قطرة منه، حتى آخر نفس من فرحةٍ خالصة لم تخضع لقوانين العالم بعد. 

ولعلّ ما جعل تلك الليلة حية في داخلي، رغم مرور الأعوام، هو أنها كانت تذكيرًا بأننا، في أعماقنا، ما زلنا أطفالًا، وأن المطر – مهما كبرنا – يملك القدرة على إعادتنا إلى أصلنا الأول، حيث لم نكن نعرف شيئًا عن الخوف أو التردد، وحيث تختصر الحياة بأكملها في لحظة واحدة: لحظة نضحك فيها تحت السماء المفتوحة، مبللين تمامًا، سعداء بلا سبب واضح، فقط لأننا كنا هناك، نعيش كما لم نعش من قبل. 

وعندما بلغنا السكن، وقد التصق الماء بأجسادنا كوشاح من الضوء، خرج بعض الطلبة إلى الممرات والنوافذ، كأنهم يشهدون مشهدًا من مسرحية غريبة لا يعرفون عنوانها. بدت وجوههم متسائلة، نصف مبتسمة ونصف مذهولة، تنظر إلينا ونحن نعبر البوابة الضيقة كمن يدخل من زمن آخر. لم يكن في نظراتهم استهجان بقدر ما كان فضولًا مشوبًا بعجز عن الفهم؛ كانوا يرون فينا شيئًا لا يمكن تسميته، شيئًا يذكّرهم ربما بما نسوه، دون أن يدركوا أنهم نسوه. 

أما نحن، فقد كنّا نضحك. نضحك لا لأن شيئًا مضحكًا قد حدث، بل لأن الضحك وحده كان قادرًا على احتواء الامتلاء المدهش الذي نشعر به. كان في ضحكنا نوع من النشوة الصامتة، نابعة من يقين غامض بأننا لمسنا جوهر الحياة دون قصد. بلل الثياب، قطرات الماء التي تتسلل إلى أعناقنا، البرد الذي بدأ يقرص أطرافنا — كل ذلك لم يكن إلا جزءًا من الطقس، من الطهارة التي تمنحها اللحظة لمن يجرؤ على عيشها حتى آخرها. 

تذكرت حينها كيف أن كل حركة، كل همسة، كل ضحكة، كانت كأنها حروف تُكتب على صفحة الزمن، صفحة لا يمكن لأي أحد قراءتها إلا بعد أن تصير ذكرى. وما زال ذلك الامتلاء الغامض يرافقني كلما تذكرت المطر، كلما رأيت وجهًا عزيزا يبتسم بلا سبب، أو شعرت بهبوب نسيم يمر على يدي كما لو كان يعيدني إلى تلك اللحظة، حيث كل شيء كان حقيقيًا، حيث كل شعور كان صادقًا، حيث كنا – ببساطة – أحياء على نحو كامل. 

في تلك الليلة، تعلمت شيئًا لن أنساه أبدًا: أن السعادة الحقيقية لا تُصنع، ولا تُبنى، بل تُستعاد، مثل المطر، بلا سابق إنذار، بلا سبب، ببساطة لأنها تأتي لتوقظ فينا الطفل الذي نسيه الزمن، وتعيد إلينا القدرة على رؤية العالم كما يُستحق أن يُرى، بتوهج، بصفاء، وبفرح كامل لا يُقاس. وكلما تذكرت تلك الضحكات، تلك الأمسية، أشعر بأن كل شيء في حياتي منذ ذلك الحين، مهما بدا عاديًا أو ضائعًا، يحمل في داخله نفس القدرة على الدهشة، نفس القدرة على أن يجعلني أعود إلى المطر، إلى طفوليتي، وحقيقة كوني موجودًا بلا أي قيد سوى اللحظة نفسها. 

رأيت على وجه عبد الرزاق ابتسامة لم أرها من قبل، ابتسامة هادئة لكنها ممتلئة بما يشبه الصفاء. كأن المطر قد غسل عنه ثقل الأفكار التي طالما رافقته، عناد الفنان الشاب الذي يريد أن يفهم العالم قبل أن يحبه. كانت ضحكته تلك تقول كل ما لم يُقل في الليلة، تقول إن الحرية ليست في اختيار الطريق، بل في التسليم لما يدهشك، لما لا يمكنك السيطرة عليه، لما يُذكّرك فجأة أنك كائن هشّ لكنه حيّ، وأن الوجود نفسه، بكل فوضاه وجماله، يستحق أن يُعاش بلا حذر. 

ولما تبادلنا النظرات ونحن نرتجف قليلاً من البرد، أحسست أن ما يربطنا في تلك اللحظة يتجاوز الصداقة أو الزمالة. كان المطر قد صهرنا في وحدةٍ غير مرئية، وحدة يعرفها فقط من اختبرها: أن تكون مع آخر في قلب العالم، بلا درع، بلا خوف، مستسلمًا تمامًا للدهشة. لم نكن نعلم أننا نعيش شيئًا سيبقى معنا إلى الأبد، كأن كل ضحكة في تلك الليلة تُسجَّل في ذاكرةٍ أخرى، ذاكرة لا تعرف النسيان، ذاكرة تختزن المطر والضوء والفرح والبراءة التي لم يعد بإمكاننا استعادتها إلا حين نُعيد خلقها في لحظات نادرة من الحياة. 

وحين دخلنا الممر المظلم المؤدي إلى الغرف، كانت خطواتنا تُحدث صدى رطبًا على الأرض، كأننا نترك أثرًا خفيًا لما حدث في الخارج، أثرًا يربط بين الماضي والحاضر، بين ما عشته وما سيبقى في داخلنا. ترددت أصوات الطلبة خلفنا، أسئلة ضاحكة، تعليقات مبهمة، لكننا لم نجب. لم يكن فينا رغبة في التفسير. كنا نعلم أن ما عشناه لا يُفسَّر، لأن التفسير يقتله. 

كل شيء كان حيًا في ذاكرتنا:

وقع المطر

موسيقى المزاريب

صفاء الليل

دفء اللحظة التي لم نكن نريدها أن تنتهي.

كنا ندرك، في صمتٍ كامل، أن السعادة الحقيقية تتشكل من تفاصيل صغيرة لا يمكن وصفها، وأن ما حدث لنا في تلك الأمسية ليس مجرد حادثة عابرة، بل تجربة حياتية متكاملة، تجربة تظل ترافقنا، تذكرنا بأن العالم، مهما بدا قاتمًا، يحمل لحظات يمكنها أن تُحيي أي روح، لحظات تختزل معنى الحياة في قطرة مطر، في ابتسامة صديق، في ضحكة لا تُنسى. 

جلست على سريري بعد أن بدّلت ملابسي، وما زلت أشعر بالماء في شعري، ببرودته اللذيذة وهو يلامس عنقي، وسمعت ضحكنا يتردّد في داخلي كصدى بعيد يرفض أن يختفي. عندها فقط أدركت أن الحرية الحقيقية ليست شعارًا يُرفع، ولا قرارًا يُتخذ، بل لحظة انكشاف كامل أمام الوجود، لحظة انصياع لما هو أكبر منك وأصدق منك. أن تترك نفسك لما يُبلّلك، لما يُخيفك قليلًا، لما يجعلك تدرك أنك ما زلت تتنفس، وأنك ما زلت – رغم كل شيء – قادرًا على الدهشة، على استقبال العالم كما هو بلا حواجز. 

في تلك الليلة، لم نضحك على المطر، بل ضحكنا معه، وكأننا شاركناه سره الأزلي: أن الحياة، حين تُعاش دون خوف، تتحول إلى ضحك خالص تحت سماء مفتوحة، ضحك يلمس القلب قبل أن يلمس الفم، ضحك يخلق عالمه الخاص، قصير العمر لكنه خالد في الذاكرة. لم أعرف بعد تلك الأمسية ليلة تضاهيها في صفائها وسعادتها، وربما لأن السعادة حين تبلغ كمالها لا تعود قابلة للتكرار، بل تتحول إلى معيارٍ خفي نقيس به كل ما يأتي بعدها، فنشعر بالنقص في كل ضوء، في كل ابتسامة، في كل لحظة لاحقة تحاول أن تقترب من الوضوح الذي عشناه حينها. 

كانت تلك الأمسية، بكل جنونها ومطرها وضحكها وارتجافها الجميل، لحظة تفتحت فيها روحي على إدراك لم أكن أسعى إليه ولم أكن أعلم أنه ممكن. لم تكن مجرد ذكرى مراهقة أو حنينًا إلى زمن ضاع، بل كانت حدثًا كاشفًا، أقرب إلى الوحي، لحظة يتجلى فيها الجمال لا كمشهد منظور من بعيد، بل كحالة تُعاش بكل الحواس، بكل ما في الكائن من هشاشة ودهشة وانفعال. 

كل شيء في تلك الليلة كان حيًا في داخلي: وقع المطر على الأرض، صدى ضحكتنا، انعكاسات الضوء على الأسطح المبللة، برودة الهواء التي أدركت بها جسدي، شعور الامتلاء الذي لم أجد له كلمة حينها. أدركت أن الفن، والصداقة، والحياة نفسها، تتقاطع في لحظات كهذه، لحظات صغيرة وحقيقية، تستدعي التوقف الكامل، اللحظة التي تجعل الزمن يبدو وكأنه يتسرب ببطء حتى يُصبح كل شيء منسجمًا، حاضرًا، واضحًا، ملموسًا. 

ومن تلك اللحظة، بقيت تلك الليلة معي، لا في شكل صورة أو حكاية، بل كحاسة خفية، كمعيار داخلي للصفاء، للحقيقة، للفرح، وللقدرة على أن نكون أحياء بلا قيود، بلا أحكام، بلا خوف، مستسلمين بالكامل لجمال اللحظة التي لم نكن نعرف أننا كنا نصنعها حينها، لكننا عشنا بكل ما أوتينا من حضور ودهشة وانفتاح. 

حين أفكر في تلك الليلة الآن، لا أرى المطر ولا الأزقة ولا وجوهنا الضاحكة فحسب، بل أشعر كأنني أستعيد جوهر التجربة الأولى في المسرح، في الفن، في الحياة ذاتها. فالمسرح – كما أدركت بعد ذلك – ليس مكانًا نراقب فيه الآخرين من بعيد، بل فضاء نُلقي فيه بأنفسنا تمامًا، كما ألقينا أجسادنا في المطر، بلا تحفظ، بلا حساب. الجمال، إذن، لا يُرى من بعيد، لأنه يذبل في المسافة، يفقد حرارته حين نضع بيننا وبينه مسافة الأمان. الجمال لا يُفهم، بل يُلمس، يُعاش، يُخترق كما يخترق البرد الجلد، وكما يخترق الصوت الصادق القلب. 

كانت الأمسية تلك درسًا مبكرًا في معنى الوجود داخل اللحظة، في أن نكون جزءًا من المشهد لا متفرجين عليه. ففي كل ما صنعناه – غناءنا، ضحكنا، اندفاعنا إلى تحت المزاريب – كنا نمارس نوعًا من التمثيل العفوي، لا على خشبةٍ من خشبٍ وإضاءةٍ مصطنعة، بل على خشبة العالم ذاته، في ضوء البرق وصوت المطر، في تفاعل كامل مع ما حولنا. كل حركة كانت إيماءة صادقة، وكل ضحكة حوارًا مع اللامرئي، وكل قطرة مطر تصفيقًا صامتًا من السماء، وكأن الكون كله يشاركنا في هذا المشهد، يعترف بوجودنا، ويمنحنا حقنا في أن نكون أحياء وممتلئين تمامًا. 

أدركت حينها، بطريقة لم تترك مجالًا للشك، أن الفن الحقيقي يبدأ حيث يتوقف الانفصال بين الداخل والخارج، بين الذات والعالم، بين الخشبة والحياة.

كل ما عشناه في تلك الليلة لم يكن مجرد تسلية أو خروج عن الروتين، بل ممارسة حقيقية للحرية، تجربة مباشرة للوجود، محاولة لفهم كيف يمكن للحياة أن تُعاش بلا حواجز، بلا قيود، بلا تزييف. 

وحتى الآن، حين أسترجع تلك اللحظة، أجد نفسي أعود إلى ذاك الشعور بالاندماج الكامل، بالتماهي مع المطر، بالاتصال غير المشروط مع صديقي عبد الرزاق، ومع كل ما كان حولنا.

كانت تلك الليلة بمثابة درس أولي، تجربة أولى، لحظة كشف أولى، أذكى من أي تفسير أو فكرة:

أن نعيش، ببساطة

وأن نترك للحياة أن تتدفق كما تتدفق المياه

كما تتدفق اللحظات

كما تتدفق الذكريات، بلا قيود، بلا خوف، بلا حاجة لأن نفهم كل شيء، بل فقط لنكون حاضرين تمامًا، هنا، الآن، مع كل قطرة، مع كل ضحكة، مع كل نفس يتنفسه القلب. 

وأدركت لاحقًا أن الفنّ الحقيقي، كالمطر، لا يمكن التحكّم به. يأتي حين يشاء، يهطل على من يشاء، ولا يترك بعده إلا أثرًا خفيًّا، بصمةً صغيرة تتغلغل في الداخل وتبقى، حتى لو تبدّد كل شيء آخر. تلك الليلة كانت أول درسٍ في التلقي، في الاستسلام لما هو أكبر من النية والإرادة، وأجمل من أي تفسير. لقد علّمتني أن الجمال ليس امتلاكًا، ولا رؤيةً، ولا حكمًا، بل انغماسًا كاملًا في المجهول، وثقةً صامتة بأن ما لا نُدركه بالعقل قد يكون أصدق مما نفهمه بالكلمات. 

ربما لهذا، كلما جلست بعد ذلك في مسرحٍ مظلم أتابع عرضًا، كنت أستعيد تلك الليلة تلقائيًا، كما لو أن المطر الذي سقط قبل أربعين عامًا ما زال يهطل على كل شيء.

كنت أسمع صدى المطر في صمت المتفرجين، وأرى في كل ممثلٍ ظلًا لذاتي القديمة، تلك التي كانت تضحك بلا سبب سوى أن المطر كان يسقط ويغسل كل ما كان ثقيلًا داخلها.

لم أعد أبحث عن الكمال في الفنّ، بل عن الصدق؛ عن اللحظة التي يفقد فيها الفنان وعيه بذاته، فيصبح هو ذاته المطر الذي يغمر الآخرين، بلا حواجز، بلا قيود، بلا تفسير. 

وهكذا ظلّت تلك الليلة بالنسبة إليّ درسًا مؤسسًا، درسًا في الجمال والحرية والطفولة، درسًا في أن الفنّ لا يُولد من الرغبة في الإبهار، بل من ذلك النوع النادر من التسليم، حين تنسى أنك تؤدي، وتصبح جزءًا من الكون وهو يضحك ويبلّل ويغني.

تحت المطر، عرفت أن المسرح ليس مجرد مكان، بل حالة وجود، وأن الجمال لا يُرى من بعيد، بل يُعاش بكل ما في العيش من بللٍ وضوءٍ واندهاشٍ لا ينتهي. 

أغلقت شاشة الهاتف، لكن وجه عبد الرزاق بقي أمامي، كما لو أن المطر لم يتوقف بعد، وكأن تلك الليلة التي جمعتنا لم تكن مجرد ذكرى، بل زمنًا ما يزال يسيل في داخلي، يذكّرني بأن بعض الصداقات لا تموت، بل تتحول إلى ضوء خفيف يسقط علينا كلما رأينا صورةً، أو سمعنا المطر، أو تذكّرنا أننا مرةً ما، تحت سماءٍ مفتوحة، عشنا أعمق معنى للحرية والفرح، حين لم يكن هناك شيء سوى المطر، وضحكتنا، وقلوبنا البكر التي لم تعرف الخوف بعد. 

***

مروان ياسين الدليمي

آلاف الغُرف المنفوخة بالصراخ

تنفجرُ

مخلفة بقعاً من الدم

إنها الحرب

حبيبتنا ذاتُ القُبل اللاصقة

والشفاهِ الممغنطة

عندما تُقبّل عُشّاقها الأبعدين

نسمعُ من أعماقنا صريرَ عظام تنكسر

وعندما تُرسل إلينا قُبلاتِها بالبريد

نشمّ من أجسادنا رائحة لحم يحترق

وفي الحالين

نحن ضحايا عشق مُغمّس بالندم

ها نحن نسمع أزيزَ اشتياقها يخترق الفولاذ

فنلعنُ الحبَّ

ونتمنى لو يُنفى العشّاق إلى أقصى القطب

ليطبعوا قبلاتِهم على الجليد

**

ألحربُ قدرنا

وِلدنا في أفرانها

وعجنتنا صفعاتُها الحديدية

فنمتْ رؤوسُنا على شكل مطارقَ وفؤوس

أطعمتنا الخوفَ والانتظار

وأرضعتنا التيزابَ

فصرنا نُذيبُ كلّ من يلمسنا

وها هي تمخر لاحتضاننا بحارَ الدموع

حاملة على ظهرها

أطناناً من الغيوم المعبّأة برضاب مغلي

تتوسلها أسرابُ الشياطين

أن تُضرم النيرانَ في أذنابها

لكنها تصرّ أن نلطعَ مراجلَها الساخنة

لتتأكدَ من قدرتنا على اتخاذها غرفاً للنوم

ولكن لماذا علينا أن نبيعَ أعناقنا لشاحذي السكاكين؟

هل لأنّ قبورَنا فنادقُ للنوم المريح؟

أم لأننا لا نشخر عندما نموت؟

**

لا تلوموا الحرب

فالحبّ ليس خطيئة

مذ رأتْ بيوتنا عارية

من دون أسيجة ولا أبواب

ظنّتْ أننا نُرحّب بها

فجمعت أنقاض العالم

وألقتها على سقوفنا

**

زيارتها اليوم ليست مفاجئة

فهي ضيفتنا المقيم

نراها أكثرَ مما نرى أبناءَنا

فسميناهم بأسمائها

واتخذنا من فُضالتها دمىً وتمائمَ

ليرافقهم دَويّ الإنفجارات

من الأرحام إلى المدارس

ومن المدارس إلى مستشفيات الأمراض العقلية

**

أليومَ أتتِ الحربُ لزيارتنا

محملة بهداياها من عُلب الكبرين

والأطراف الصناعية

سنرحّب بها وأعيننا على مَلَك الموت

وسنعدّ لها مأدبة من الذُعر المُتبّل بالشقاء

سنلحّ عليها أن تجلس على الأريكة

لكنها كالعادة ستجلس على رؤوسنا

لتدفعنا عميقاً إلى باطن الأرض

***

شعر: ليث الصندوق

سَــأدقُّ بابَ الفجرِ

أستبقُ الضياءَ إلى دمي

وأصوغُ من وهجِ البدايةِ سِحرَهْ

سأدقُّ بابَ الغيمِ

أُسقِطُ من جفوني غيمَها

كي لا تفيضَ على المرافئِ مُقْلَــهْ

مَنْ ذا سيُحصي

كمْ مرّةٍ خذلتْ خطايَ خطايَ

حين تقاطعتْ في الدربِ خُطوهْ؟

وأنا أُفتّتُ في انتظاري

صبرَ أيّامي

وأزرعُ في الشقوقِ تأمّلَــهْ

سَــأدقُّ بابَ النارِ

أُخفي في اشتعالِ الروحِ برْدًا

كي أُعيدَ إلى الرمادِ توقّدَه

فالجرحُ يعرفُني

ويحفظُ في مسامِ الروحِ ملامحَ خيبتي

ويعيدُ سردَ تفتّحِـهْ

والخوفُ يسكنُ في المدى

متربّصًا

لكنّ قلبي لا يُطيقُ تربّصَـهْ

سَــأدقُّ بابَ الضوءِ

أجمعُ من شظايا الشمسِ مرآتي

وأكسرُ في الظلامِ تجهّمَــهْ

أنا من إذا ضاقَتْ بهِ الدنيا

تمدّدَ في الرؤى أفقًا

وأيقظَ في الدجى متخيّلَــهْ

سَــأدقُّ بابَ القلبِ

أفتحُهُ على وجعي

وأكتبُ في النزيفِ تخثُّرَهْ

فإذا بكى صوتي

تماسكَ في الحناجرِ ألفُ صوتٍ

واستعادَ من السكوتِ تمثّلَــهْ

وإذا تعثّرَ دربُنا

نهضتْ على أكتافِنا الطرقاتُ

واستبقَ المسيرُ ليكملَــهْ

سَــأدقُّ بابَ الغيبِ

أسألُهُ: متى

يأتي اليقينُ على اتّساعِ القلبِ ليسكنه؟

سَــأدقُّ بابَ الرّيحِ

أسألُها

لِمَــاذا تكسِرُ للقنديـلِ هَدْيَـهْ

سأدقُّ بابَ الأرضِ

أزرعُ في جراحِ الصمتِ

قمحًــا… هل تُعيدُ الأرضُ سُنبلَهْ؟

مَنْ ذا سيجمعُ

صوتَ أمٍّ في العراءِ

إذا تناثرَ في المدى طفلٌ وطفلَــهْ؟

والحزنُ يمشي في الشوارعِ

عارِيًــا

يُخفي الملامحَ… ثم يلبسُ ألفَ حُلّــهْ

سأدقُّ بابَ الليلِ

أُطفئُ رعشةَ النجوى

وأكتبُ في الظلامِ بدايــةً… وقَفْلَــهْ

لكنْ…

تطولُ خطايَ في التيهِ البعيدِ

كأنّ دربيَ لن يُعيدَ إليَّ أهلَــهْ

سَــأدقُّ بابَ الحلمِ

أوقظُ فيه ذاكرةَ الرجاءِ

وأستعيدُ من الرمادِ شُعْلَــهْ

والصامتونَ على الحكايةِ

أوجعوا

صوتَ الحقيقةِ حين ضيّعَ أصْلَهْ

مَنْ ذا سيكتبُ

آخرَ التاريخِ

حين يُمزّقُ النسيانُ أوّلَ فصلَــهْ؟

سَــأدقُّ بابَ اللهِ

أرفعُ في الدعاءِ يدي

لعلَّ النورَ يفتحُ بعدَ عُتمتِنا سُبُلَــهْ

سَــأدقُّ بابَ الظلِّ

أستدرجُ الخطوَ الخفيفَ إلى المدى

وأعيدُ ترتيبَ المكان وظِلَّــهْ

سأدقُّ بابَ الصمتِ

أُنصتُ للفراغِ إذا تكلّمَ في دمي

وألمسُ المعنى… إذا أخفى محلَّــهْ

مَنْ ذا يُرمّمُ

هذا التصدّعَ في الجهاتِ

إذا كسّرْتَ في العيونِ حُزنَهْ ؟

والروحُ تسألُني

كمْ مرّةٍ

سأُعيدُ تعريفَ الطريقِ وأهلَــهْ؟

سَــأدقُّ بابَ البعدِ

أطويهِ على نبضي

وأزرعُ في المسيرِ تَحمّلَــهْ

فالراحلونَ بلا وداعٍ

علّقوا

في القلبِ ألفَ حكايةٍ…

وفي موقِ العيونِ كُحْلَهْ

سأدقُّ بابَ الحرفِ

أُشعلُ في الحروفِ دمي

ليخرجَ النصُّ الأخيرُ… سؤدُدَهْ

أنا لا أريدُ من النجاةِ

سوى دليلٍ

يستردُّ من الغيابِ تكامُلَــهْ

فإذا وصلتُ…

تباطأتْ في خطايَ النهايةُ

واستفاقَ البدءُ يكتبُ أوّلَــهْ

***

غدير حميدان الزبون

فلسطين

كُلَّ يومٍ …

حينما أنهضُ من مَوْتي

وأغتالُ سُباتي..

كُلَّ يومٍ..

حينما أنهضُ طَوْعاً..

لاحْتضارٍ يتمادى في حياتي

شارباً دَمْعي..

ومُقتاتاً فُتاتي

حاملاً نَعْشي..

على متنِ الرُّفاتِ

لي نهارٌ يلبسُ الظُّلمةَ ثوباً

ويُعيرُ الشَّمسَ..

وجهاً من مماتي

أطويَ الأيامَ والمنفى طريقي

والمدى سجنٌ وقيدٌ في لغاتي

كلما أسرجتُ للأحلامِ خيلاً

أَسقطَ اليأسُ شعاعَ الأمنياتِ

إنَّني جرحٌ تمشى فوقَ أرضٍ

ضاقَ عنها الصدر..

في كُلِّ الجهاتِ

هكذا تمضي حياتي..

مِثلَ لغزٍ

في صباحاتي الشَّقيَّة..

في لياليَّ المُمِلَّة..

وسُوَيْعاتي الغبيَّة..

*

​كُلَّ يومٍ..

حينما أخرجُ من صَمْتي

وتهتزُّ رُفاتي

لتُزيلَ الوَهْنَ عن نفسي.. وذاتي

وتُحطّمَ.. كُلَّ أغلالي الخفيَّة

فأرى نفسي كأنّي

عِشْتُ دَهْراً في عُصورٍ جاهليَّة

حيثُ صَلْبُ الفِكْرِ فينا.. مذهبيَّة

واغتيالُ الحُلْمِ.. سَحْقاً.. أبديَّة

تعبدُ الأصنامَ في زيِّ الضَّحيَّة

ويُباع الطُّهْرَ في سوقِ القضيَّة

​بَيْدَ أنّي كُلَّ يومٍ.. أتمزَّقُ …

كُلَّما أشعرُ أنّي

في صِراعٍ مَعْ أوجاعٍ خفيَّة

منذُ أن أبصرتُ نورَ الشمسِ حتّى

أقبلَ الليلُ على أنقاضِ عُمْرٍ..

منه غِيضَ..

ربما.. لم يتبقَّ

غيرُ نَزْفٍ..

جفَّ في أجفانِ فَجْرٍ

غيرُ قَبْرٍ..

ضاقَ في أحضانِ صَدْرٍ

منذُ ذاكَ الحينِ.. حتّى..

هذه اللحظةِ

من ساعاتِ أيامي الغبيَّة

​ثَمَّ قَيْدٌ فوقَ عَيْنيَّ

وقَيْدٌ في فَمي..

وآخَرُ في مِعْصَمي..

بل وحتّى قَدَمي

كُلُّ أفكاري.. وأحلامي..

وحتّى الأُمنياتُ المخمليَّة..

أصبحتْ رهينةً.. بينَ أيادٍ بربريَّة..

تجعلُ الأجسادَ حَطَباً في المَواقِدْ

تغرسُ السكينَ في قلبِ المَعابِدْ

فتُحيلُ العُمْرَ.. نَزْفاً..

في جِراحٍ سَرْمَديَّة

وتُقيمَ الحَشْرَ.. في نَفْسٍ زكيَّة

*

​كُلَّ يومٍ..

حينما أنهضُ من مَوْتي

وتهتزُّ رُفاتي

صُوَرٌ من ذكرياتي.. تتكرَّرْ..

ربما.. قد تختفي

ربما.. في صورٍ أُخرى تعودْ

ربما.. لا تتغيَّرْ

غيرَ أنَّ الحُزْنَ أضحى سِمَةً

تجمعُ ما بينَ الصُّوَرْ..

حَيْثُ ما زِلْتُ أسيراً..

في بلادٍ مَشرقيَّة

تلدُ الأحرارَ في جَوْفِ المنافي

تطحنُ الأرواحَ في صَمْتٍ خُرافي

لتُزِفَّ المَوْتَ.. عُرْساً للهويَّة

​غيرَ أنّي لستُ وحدي

خلفَ أسوارِ الظلامِ المَعْدنيَّة

فأنا أَحْمِلُ مَوْتي.. وحياتي..

في بقايا كلماتٍ..

تَحْتوي كُلَّ الحروفِ الأبجديَّة

وأُخبّئُ.. بينَ طيَّاتِ رِدائي..

أُغنياتٍ للعدالة..

وترانيمَ السَّلام..

وأناشيدَ وألحاناً شجيَّة

ويضمُّ القلبُ عِشْقاً..

لا يضاهيهِ كلام

شامخاً رغمَ انكساراتِ السنين

ثائراً بالحُبِّ في وجهِ الأنين

ناحتِ القمصانُ من صَبْري عليها

فالأماني كبَّلوا منها يَدَيْها

واستحلّوا ذَبْحَها..

عبرَ فتاوىً.. نرجسيَّة

*

إنَّ صَبْري ثَوْرَةٌ.. والحَقُّ فاصِلْ

أَحْمِلُ الإِصْرَارَ.. فِي نَفْسٍ أَبِيَّة

فَأَنَا لَسْتُ وَحِيدًا..

بينَ جدرانٍ عصيَّة

فمعي فِكْري.. وعِشْقي.. وصلاتي..

ومعي كُلُّ شعاراتِ السَّلام

أُلْقِيَ القَبْضُ عليها..

بحِرابِ البُنْدقيَّة

ومعي حتّى العدالةُ..

قد أُدينتْ في محاكمَ صوريَّة

والأماني صُلبتْ فوقَ الجبين

تحتَ قَهْرٍ.. وخَيالٍ.. ومَجونْ

فاستفاقَ الحُزْنَ..

في مَجْرى دَمي

واستجارَ الصَّمْتِ..

من صَمْتِ الفَمِ

صارَ هذا الكَوْنُ سِجْناً ضيّقاً

وتلاشتْ فيهِ أسرارُ الضحايا

خلفَ قضبانٍ من الظلمِ خفيّة

نَحنُ قتلى..

لم نَمُتْ جَهراً ولكنْ..

نَحملُ الأوجاعَ.. صُبحاً وعَشيَّة

نكتُبُ الآلامَ شِعراً.. ونُغنِّي

لجِراحٍ.. لم تَزلْ حَيَّة.. وَفِيَّة

فأتينا.. نشتكي للعدمِ

عن سنينٍ.. باتتِ الآنَ.. قصيَّة

*

​أيُّها المَوْتُ الذي يسكنُ ذاتي

يا رفيقاً لم يزلْ رَهْنَ حياتي

قد كفى هذا المَدى..

زَيْفاً وقَهْرا

قد كفى عُمْريَ..

أوجاعاً وسَهْرا

سوفَ أمضي حاملاً..

صَمْتي وعِشْقي

ناحِتاً بالصَّبْرِ..

في الجدرانِ حَقّي

أنا حَقٌّ..

ثارَ في وجهِ المَنايا

يَصهرُ القيدَ.. ويُذكي العاصِفاتِ

إنَّ صمتي..

لم يَكُنْ عجزاً ولكنْ..

قُوَّةُ البركانِ تخبو في الثَّباتِ

غيرَ أنَّ الفَجْرَ في فجْري ذبيحْ

والأماني.. نُطْفةٌ في كفِّ ريحْ

ليسَ لي إلا ارتحالي في الرَّدى

بعدما تاهَ عن الدَّرْبِ الصَّدى

ولأعانِقْ.. بَرْدَ نَعْشي صامتاً

بعدما ضاقَ بآهاتي وصولي

​من هنا..يبدأُ مَوْتي..

كُلَّ يومٍ..

في احتضاراتٍ جديدةٍ..

وصراعاتٍ تمزِّقُ..

كُلَّ ساعاتي الغبيَّة..

في صباحاتي الشَّقيَّة..

***

جليل ابراهيم المندلاوي

أَيَخالُ..

أَنَّ مِلْحَ الفَقْدِ في عَينِيَّ

تَرْتيلُ مرَايَا؟

أَو بِيَاضَ الفَجرِ في أَورِدَتي نقضٌ لِوُجوْمي؟

هَلْ دَرَى أَنَّ مَوانِئَ البَوحِ

خُيولٌ مِنْ ذُهُولٍ

تَسحبُ الأَرضَ إلى صَدري

وتَرْميني بِأَقصَى الكَلِمَاتِ؟

وَتُرى كَيْفَ لِضوءٍ أَنْ

يُعَمِّدَ هَيْكَلي..

دُونَ انْسكابِ الشَّمْسِ في كَفِّهِ؟

​أَيَخالُ..

أَنَّني أَذْرَعُ دَرْبَ البُعْدِ بِالخُطوةِ؟

لا إِنَّما يَمْتَلِئُ الوَقْتُ بِهِ

حَتَّى يَضيقَ الوَقْتُ عَنِّي

كَيْفَ لم يُبْصِر جُيوشَ

عِطرِه تَجتاحُ دَمي

تَبني بَقَاياها مَحاريبَ

لِغَوْغَاءِ الحَنِينِ؟

أَوَ يَزْعُمُ السَّابِحُ المَجْنونُ

أَنّي لُؤلُؤةٌ..

تَسْجُدُ لِلمَوجِ

وَتعْصِي حِينَ تَلْثُمُ الرَّمْلَ انْكِساراً؟

​أَيَزْعُم

أَنَّ لُقْياهُ سَتَمْحو

وَسْم الخَيبَةِ في وَجْهِي

وَوَجْعَ الارْتِحَالِ؟

أَو سَيَجْني مِنْ هَشيمِ

الرُّوحِ فِرْدَوساً تَدَلَّى..

أَو سَيَلْبَسُني غَمَاماً

ثُمَّ يَعْلو بِي لِأَوْكارِ الصُّقورِ؟

​يا سَاكِنَ الشَّطِّ القَصِيِّ

أَيحْسبُ..

أَنَّ هَذا التِّيهَ فَنٌّ؟

رُبَّمَا كَانَ اغْتِرابُ الأرضِ

لايَكْفي لِنَنْأى..

إِنَّما الشَّوْقُ

قَيْدٌ يَتَنَفَّسُ بَيْنَ أَصَابِعِنَا

فَهَاتِ كَفَّكَ

هُناكَ مَجَازٌ يَليقُ بالصَّمْت

وأَنَا أَختارُ أَن أَكُونَ بَقيَّتك

فَأَعِرْني كَفَّكَ

أُرِيدُ أَنْ أَضِلَّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ

إِلَّا عَنِ الحُدُودِ التي

تَبدَأُ منكَ وَتَنتَهي فِيَّ

***

مرشدة جاويش

 

إلى الصديق د. عباس اليوسفي

مُذْ غَرَبَتْ شمسُكَ

وصارَ البيتُ أوسعَ من صمتي،

وأطولَ من لياليه،

لم يبقَ في النافذةِ

إلّا وجهُ صديقي.

كانَ يجيءُ

وفي يدِهِ كلامٌ قليل،

لكنّه يكفي

كي لا تسقطَ الجدرانُ على قلبي.

يجلسُ بقربي

كما لو أنّه يعرفُ

أنَّ الحزنَ

لا يحتاجُ موعظةً

بل كتفًا صامتة.

يا صديقي،

يا واحدًا

من نوافذِ الحياةِ التي لم تُغلق،

لو تعلمُ

كم أنقذتَ قلبي

من العتمة.

حين انطفأ في البيت

ذلك الضوءُ الذي كان يملأه،

وشعرتُ أنَّ العالمَ

يميلُ قليلًا

إلى جهة الغياب،

كنتَ أنتَ

تُبقي في القلب

فسحةً للنهار.

والآن

كلما ضاقَ الليلُ

أفتحُ نافذتي،

فأرى وجهكَ هناك

على أن الحياة

لم تُغلقْ بابها كلَّه.

***

د. جاسم الخالدي

السبت ١٤ /٣/ ٢٠٢٦م

 

من أين جاءت كل هذه الجماجم؟

حشد من النمل يحاول جرها الى مخادعهم

2

خذ ثأرك من العظام

وضعها في تابوت في مقبرة مهجورة

3

عندما تبكي العظام

يتظاهر الجسد بالموت

4

الديناصورات تعالج اكتئابها

بجمع عظام العالم

5

كسر العظام

فن لا تتقنه الا المطرقة والسندان

6

تقدم العظام المكسورة

كوجبة شهية للزعيم المخلوع

7

بالعظام المكسرة يصنع نجار الزعيم

كرسي حكمه

8

في المزاد العلني

الطاغية يفوز بوضع أعلى عرض لكسب العظام المكسورة

9

في متحف الزعيم

جماجم وعظام مكسورة يمضغها شعبه المقهور

10

تتفحص المومياء عظامها المكسورة

وتلف عليها بكفن لتحنيطها

11

حجارة واحدة من عظم مكسر

كافية لسحق الخونة والمنافقين

12

بعد أن انتهوا من كسر العظام

وقف الجندي المجهول يبحث عن جمجمته

13

أمام العظام العارية

تبحث الجماجم عن عمود فقرها لتقويمه

14

ماذا لو اعادوا تدوير العظام المكسورة

لتزيين شواهد القبور؟

15

بعد هزيمة الأوغاد

من يحتفظ بالهيكل العظمي للجندي المجهول؟

***

بن يونس ماجن

صياماً كَقَبْضِ الكَفِّ دهراً على الجَمْرِ

وَغَيْضاً كما البُركانُ يا زَفْرَةَ الثأْرِ

*

وجوعاً إلى أنْ يَأْذَنَ اللهُ بالتي

تَقي أهْلَ دُنْيانا تَماماً مِنَ الجَوْرِ

*

وَكُفْراً بِطاعونِ (التَناخِ) وَعِجْلِهِ

وَإيّاكَ بَلْ إيّاكَ من غَيْهَبِ الكُفْرِ

*

وقوفاً على النيرانِ وَقْفَةَ عاشِقٍ

تَمَلّى رِحابَ اللَّهِ في السِرِّ والجَهْرِ

*

نَفيراً مع المظلومِ يومَ كَريهَةٍ

عَسى يَثْأرُ الموتورُ من مَحْفَلِ العُهْرِ

*

وَمُدّوا إلى المغدورِ أفْئدةَ الرجا

دُعاءً يَشلُّ الغَدْرَ في زُمْرَةِ الغَدْرِ

*

وَرفضاً لِأزْلامِ النذالةِ كُلّما

تمادوا مَعَ الأشْرارِ في صوْلَةِ الشَرِّ

*

حنانيْكَ، لا عيدٌ بُعَيْدَ طُفوفِنا

وَباركْ هِلالَ الصائمينَ بلا فِطْرِ

*

وَحاشاكَ مِنْ نومٍ يُميتُ تِراتِنا

كأنّ الليالي الآنَ في لُجّةِ القَدْرِ

*

فَمَزّقْ ظلامَ الليلِ حالَ سُدولِهِ

وعانقْ شُعاعَ النورِ في غُرّةِ الفجْرِ

*

تَؤُمُّ جِباهُ المخلصين صفوفَنا

قِياماً معَ الأحرارِ صَفّاً الى النَصْرِ

*

بِـ(هَيْهاتَ مِنّا ذُلّةً) صَدَحوا بِها

أذاناً بِآذانِ الخليقةِ والدَهْرِ

*

شَهَرْنا على الباغينَ سَيْفَ إمامِنا

فَذَكِّرْ بُغاةَ العَصْرِ في ضرْبَةِ النَحْرِ

*

ألا إنّما المخلوقُ رَهْنُ كِتابِهِ

غداةَ لِقاءِ الحقِّ في موقِفِ الحَشْرِ

*

فَخُذْ من ضياءِ الحقِّ وَحْيَ طَريقَةٍ

وَسَفِّهْ أباطيلَ الجِدالِ مَعَ المَكْرِ

*

وَذُقْ من رضابِ النورِ رَشْفَةَ عارِفٍ

وَ بَدّدْ سَماديرَ السُكارى بلا سُكْرِ

*

كَرُؤيا الأُلى بالحُسْنَييْنِ تَعَمّدوا

وَذاقوا حُميّا الجودِ بالمالِ والعُمْرِ

***

د. مصطفى علي

 

قـلـتُ يـا أنــتِ لـقــــد زاد الاوامُ

وعـرا جـسـمي نـحـولٌ بَـل سَــقـامُ

ضحـكـتْ مـني وقـالـتْ ذا غــرامُ

هـكـذا الـحـبُّ اصـطـبـارٌ واضطـرامُ

كـلُّ شــاكٍ مِـن جـوى الـحــبِّ يُــلامُ

***

قـلـتُ يا أنـتِ لـقـد أصـفـيـتُ ودّي

وحَـفِـظـتُ الـعـهـدَ قـالـتْ أيّ عـهـدِ

قـلـتُ والانـكـارُ قـد طـار بـرشـدي

إنـمـا الانـكــــارُ فـي هـــذا تـحــدي

ضحـكـتْ مـني وقـالـتْ لـيـس قـصـدي

***

قـلـتُ يـا أنـتِ لـقـد طـــالَ انـتـظـاري

والى مَ الـهـجـرُ بـل كـيـف اصطـباري

وإذا داريـــتُ كـــــــــــم أبـــقـى أداري

أنـا في نُـــعــمـى حـبـيـــــبٍ أمْ بـــــنـارِ

ضـحـكـتْ مِـنّـي وقـالـتْ لا تُــمـــاري*

***

قـلـتُ يــا أنـتِ أمـا يـكـفـــيـكِ صبـري

وإذا شـــئـتِ الـفِـــدا أفــديــكِ عُــمْـــري

ونـعـيـشُ الـحُـــــبَّ فـي حـــــلـوٍ ومُـــرِّ

فـلـمــاذا كــلّ هـــــــذا بـعـــد خُـبــري**

ضـحـكـتْ مِـنّـي وقـالـتْ شــاع أمـري

***

قـلـتُ يـا أنـتِ لـقـد حـــان ارتـحـالي

ووهـى عـــزمي لِــمَـا حـــلّ بـحـــالي

فــلـــوتْ جـيــدًا وقــــالـــــتْ بـــدلالِ

إنّـمــا وصــلي مُـحــــالٌ في مُـحـــالِ

هـكــــذا أنــــتَ لـحـــوحٌ بـالــســـؤالِ

***

قـلـتُ يـا أنـتِ لـقـد أبـلــيـتُ جُـهــدي

وحَـمَــلـتُ الـحُـــبَّ كي أحـيـاهُ وحـدي

حُـبّـكِ الـظــــالـمُ قــد أورى بــــزنـدي

لـكِ مـا يـحـــــلـو ولي ألـمـي ووجــدي

طــبـــعَ الـحُــبُّ عـلى الايــــامِ حـــدّي***

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

..............................

* لا تُـمـاري: أي لا تُـجـادل

** بـعـد خُـبـري: أي بـعـد اخـتـبـاري وتـجـريـبـي

*** طـبـع الـحـبُّ: أي تــرك أثــرَهُ

العراق / الكوت

في 12 / تشرين أول / 1964

الـقـصـيـدة هي الاولى بـعـد خـروجـي مِـن الـتـوقـيـف في 12 شـبـاط 1964، قُـرئـتْ مـقـاطـع مـنـهـا فـي بـرنـامـج بـراعـم فـي الـطـريـق مـن اذاعـة بـغـداد

أُحِبُّ صلاة عينيك ِ

ففيها رَوْح ُ ريحان ِ

*

وفيها طُهْرُ مَنْ صلَّى

وأخلصَ حُبّهُ الحاني

*

وفيها الرَّاحُ يُثْمِـــلُني

وما تغشاهُ يغشاني

*

ففيــــك ِلَمَسْتُ لؤلؤة ً

مُطَرَّزَة ً بإنســــــــــان ِ

*

وفيك ِقرأتُ عولـــمة ً

لكل ِخزين ِ وجــــداني

*

قَطَفْت ِ شبـــابَ أيامي

فأوْرَقَ فِيك ِ فتَّـــــاني

*

ربيعُك ِ صافَ في قلبي

وأزهرَ فيه ِ ريعــــاني

*

أيا أشهى مِنَ الأشهى

أيا تفــــاح لبنــــــــان ِ

*

أيا منضــــودة ً شِعْرًا

أيا رُمَّان إيــــــــــران ِ

*

أيا موضُــــــونة ًحُبَّاً

بِطَرْفك ِزادَ إيمـــاني

*

أنا أشْرَكْتُ فيك ِهوىً

هداني إليه ِشيطاني!

*

فأنت ِأولى تــــجربتي

وسِرُّنجاح ديــــــواني

*

وأنت ِســـــماءُ بار ِقة ٍ

حَوَتْ أشـــواق أمزان ِ

*

وأنت ِبـــــلاد عاطفة ٍ

بقافيـــــــــة ٍ وأوزان ِ

*

وأنت ِرَؤودة ٌ... أنت ِ

طرياً غُصنك ِالبــــان ِ

*

وأنت ِالآية الفصحى

لسانك ِ ضـــاد تبيان ِ

*

سأنْظُمُ فيك ِأوطــاناً

وأسكُنها بــلاد ثـــان ِ

*

حُــدودي أنت ِ في كلٍّ

وممــلكتي وسُــلطاني

*

فَسيحي أينمــــا شِئْت ِ

وما أشجاك ِ أشجـــاني

*

فإنْ ضاقتْ بك ِالدنيا

فَرَحْبُ القلب ِعُنواني!

***

محمد ثابت السُّمَيْعي

 

خرج "سلام" قبل أن يتشقق الليل عن خيط الضوء الأول.

الطريق إلى السوق كان رطبًا من ندى الفجر، والهواء باردًا بما يكفي ليوقظ في الصدر إحساسًا غامضًا باليقظة.

في الليلة السابقة، كان جالسًا مع "عبد العليم" في المقهى الصغير عند رأس الحي. دار الحديث طويلًا عن الأسواق. قال عبد العليم وهو يحرّك كأس الشاي ببطء:

- السوق ليس مكانًا للبيع يا "سلام"… إنه امتحان يومي للأخلاق.

ضحك يومها، لكن العبارة ظلت عالقة في ذهنه.

عند بوابة السوق كان الفجر يتسلل مثل لصٍ خفيف.

الخيام ترتفع ببطء، الحبال تُشدّ، بهائم تُساق، ووجوه الناس تتجمع من الطرقات البعيدة.

اختار "سلام" صخرة عند جذع شجرة عتيقة. جذعها مجوف قليلًا، وأغصانها اليابسة تمتد في الهواء كأصابع تتذكر شيئًا ضاع منذ زمن.

جلس يراقب السوق وهو يولد.

صوت بائع يساوم.

صهيل حمار.

ضحكة طفل.

رائحة قهوة تغلي في إبريق أسود.

كل شيء بدا عاديًا… حتى انشق الهواء فجأة:

- لص .. لص..

ثم تكررت الصرخة، أعلى:

- لص ... أمسكوه ...

انتفضت الجموع.

رأى سلام شابًا يركض كأنه يهرب من ظله، وخلفه رجل بدين يلوّح بذراعيه:

- محفظتي.

اندفع أربعة شبان خلفه. كانوا يركضون بخفة الصيادين، يصرخون ويضحكون في الوقت نفسه.

اختفوا جميعًا بين الخيام.

اقترب سلام من خيمة تاجر عجوز يبيع أقمشة بيضاء.

قال:

- ما الذي حدث؟

رفع الشيخ رأسه ببطء، كأن السؤال قديم.

قال:

-  لا شيء جديد… مجرد صباح آخر في السوق.

صمت لحظة، ثم أضاف:

-  منذ سنوات كان الناس يتركون نقودهم فوق الطاولة ويذهبون للصلاة. الآن يخفونها داخل صدورهم… ومع ذلك تضيع.

أعاد ترتيب قطعة قماش، ثم قال:

-  الرجل المسكين باع ثوره قبل قليل… ولم يحتفظ بالثمن إلا دقائق.

عاد سلام إلى صخرته.

جلس.

راقب السوق.

راقب الوجوه.

كان الضوء ينتشر ببطء، كأنه يفضح شيئًا.

بعد نصف ساعة ظهر الشبان الأربعة من بعيد. كانوا يمشون متجاورين. على وجوههم ابتسامة صغيرة… ابتسامة لا تشبه التعب بعد المطاردة.

وقف سلام وسأل:

- أمسكتموه؟

مر ثلاثة منهم دون أن يلتفتوا.

أما الرابع فتوقف. نظر إلى سلام طويلاً، وكأنه يعرفه، ثم اقترب.

مال نحو أذنه وهمس:

- أمسكناه يا عم.

توقف لحظة.

ثم قال:

- لكنه أعطانا نصيبنا.

ابتعد الشاب.

وبقي سلام واقفًا.

بعد دقائق عاد الصراخ.

- لص، لص،...

التفت سلام.

كان فلاح آخر يركض، يصرخ ويضرب كفيه ببعضهما.

أمامه … ثلاثة شبان يركضون.

الوجوه ... الصيحات ... المطاردة...

حدّق سلام طويلًا.

شيء بارد مرّ في صدره.

فهم فجأة أن السوق لم يكن يطارد لصًا.

بل كان يطارد "حكاية".

نظر حوله.

الناس يركضون.

الضحكات تتصاعد.

الصرخات تتكرر.

والشجرة العتيقة وحدها كانت واقفة… كأنها شهدت هذا المشهد آلاف المرات.

مدّ سلام يده إلى جيبه ليتأكد من محفظته.

لم يجدها.

رفع رأسه ببطء.

عندها فقط فهم.

أطبق سلام على جذع الشجرة.

وتمتم بصوت خافت:

- انتهى الكلام.

***

الحسين بوخرطة

تمضي الحرب بالأحلام إلى الهاوية

تصير الأحلام جثثا ملقاة على الشوارع

تصير الشوارع والأزقة ساعة الحرب

أطلالا تحن لصخب الطفولة

وحكاية الجدات

كوجوه الجنود الغرباء

تصير الحياة عند الحرب

جامدة وباردة كالرخام

بلا ملامح وبلا قسمات يصيرها القصف

كأنها تتشبت بالأغصان

قبل أن يجرفها طوفان الموت

الحرب رفيقة الخراب والأسطورة

الحرب سليلة الموت وحد السيف

تعشق الفنيق حد التلف

من رمادها تنهض كمجوسية

مفتونة بالنار لتحرق كل شيء

النافذة والشارع والغابة

وخطى الأطفال والحديقة

والشرفة المطلة على زرقة البحر

ساعة الحرب تكبر المتاهة

ويطل الخوف من الجراح

وعيون الأمهات

وهو يلتحف السماء عند الحدود

الحرب لعنة تدمي القصيدة والحكمة

وهي تمضي بجنون إلى وهم النصر

غير مبالية بالخسارة .. تلو الخسارة

وأطلال الديار ..

والجراح النازفة..

***

عبد الرزاق اسطيطو

الى ابنة أخي مشكاة (بلقيس)*

فـــي سكونٍ كنتِ أو فـــي حـــــركهْ

كيفمـــــا كنتِ ففيــــــكِ البرّكــــــــهْ

*

عندمـــا ألقاكِ تغـــــدو فـــي رضى

وســـــلامٍ نفســــيَ المُرتبكــــــــــهْ

*

فيــــكِ يــا مشكـــاةُ يــا بنتَ أخــي

فيضُ نــــــــورٍ قـــدْ أراني سككَـهْ

*

والذي أدهــشَ عقلــــــي شَبَـــــــهٌ

فيــــكِ مـن بلقيس تلكَ الملكـــــــهْ

*

فاسألــــي الهدهدَ فــي دارِ أخــــي

فهْـــــوَ ذو علـــمٍ بسـرِّ التَركـــــهْ

*

حـــازهـــا كــــرّارُ فليسعدْ بهـــا

بوركَ الدربُ الذي قـــــدْ سلكـــهْ

*

وجميــــلٌ يتقصّــى نجمــــــــــةَ

فارقــــتْ منذُ زمــــــانٍ فَلكـــــهْ

***

جميل حسين الساعدي

............................

* اشارة الى الشبه الكبير بين ابنة اخي وبلقيس ملكة سبأ

لهذا أعطيتها اسما ثانيا (بلقيس)

* كرار: هو زوج ابنة أخي

* في حديقة أخي كان هناك هدهد يحضر كل صباح وأنا أراقبه عن كثب

في منتصف الليل

تطاردني سحابة سوداء

حيث يتلاشى صمت الرذاذ المتهجم

وراء انكسار قوس قزح

ثمة احتمال كبير

أن اصبح تائها في دروب

لا يحدها زمان ولا مكان

اكتشفت أنني أمشي وأنا نائم

على سرج غيمة

فتراءى لي أن ذاكرتي ضعيفة

أصحو على نغمات ناي حزين

فأظل أردد صداه

أضرب على طبلة الحرية

وأمتي تعاني من الذل والهزيمة

لست أطيق التوكأ

على شرفات لا تعرفني

أبحث عن قصيدة في جسد التيه

تحت مصباح سحري

سوف أحتاج الى معاويل صدئة

للنبش عن الهام شعري كان قد اغتالته

القوافي الشائكة

في دهاليز البحور الغادرة

حياتي رواية

مكتوبة بحبر سري

لا تنتهي صفحاتها

أشعر بأني على وشك

اكتشاف كل تجاعيدي

التي تأخرت عن وقتها

في البدء كانت المرايا

تتهرب من ملامحي

وتسخر من وجهي

ثم تهز راسها عزة وكرامة

غير أن قدري

يجرفني نحو شيخوخة صامتة

لا تقول شيئا

وتخفي الكثير من خبايا وأسرار

عن أمة محتلة يسوسها محور الشر الثنائي

في قريتي المستضعفة

أطلق الحاكم المتعجرف كلبه الشرس

على مهارشة الديكة

كي يكبت ويطمس صياحهم

الذي طالما ازعج نومه بعيون مفتوحة

في زمن الخيانة

لا أحد ينجو من الكلاب المسعورة

***

بن يونس ماجن

في مديح الرسول

صلى الله عليه وسلم

***

من حديثِ الرسولِ فاضَ الماءُ

فإذا الأرضُ والغيومُ ارتواءُ

*

كلُّ قولٍ لفظْتَهُ يا حبيبي

ردّدتْهُ على مداها السماءُ

*

ذاكَ نورُ الأكوانِ أُطفئَ لمّا

قد تبدَّى جبينُكَ الوضّاءُ

*

همسَ العشبُ للرياحِ استكيني

وقفي في المدارِ يا جوزاءُ

*

أيُّ طفلٍ هذا الذي حينَ يبكي

سوفَ تندكُّ الصخرةُ الصمّاءُ

*

بلَّ ريشَ الوِسادِ دمعٌ طَهورٌ

فإذا الريشُ دوحةٌ خضراءُ

*

ما حليباً أُرضِعْتَ لكنْ شراباً

من جنانٍ وثغرُكَ الأشذاءُ

*

أيُّ طفلٍ هذا الذي حينَ يصحو

معَهُ تصحو هذهِ البطحاءُ

*

قالتِ الأرضُ للسماءِ غُروراً

سارَ فوقي نبيُّنا المشّاءُ

*

ضَحِكَتْ عندَها السماءُ وقالتْ

سوفَ يأتي المعراجُ والإسراءُ

*

ذُقْتَ طعمَ الفُقدانِ والعودُ غضٌّ

يا لَحزني عليكَ يا بكّاءُ

*

لم يعدْ منهما أمامَكَ إلا

محضُ طيفٍ وسيرةٌ بيضاءُ

*

رُحْتَ ترعى الأغنامَ هل كنتَ تدري

سوفَ ترعى ممالكاً لا تُساءُ

*

كلُّ مرعىً تمرُّ فيهِ خصيبٌ

كلُّ زرعٍ على يديكَ نمَاءُ

*

رملُ هذي الصحراءِ صارَ نجوماً

ومنَ الصخرِ فُجِّرَتْ أنداءُ

*

إنَّ هذي الحياةَ تبدو كغصنٍ

ساكنٍ لم يهزَّهُ العظماءُ

*

فكرةُ الخلقِ ذاتَ وحيٍ تجلَّتْ

لكَ كالطيرِ فالغصونُ انتشاءُ

*

يا لَدعواكَ عمَّتِ الكونَ إنْساً

والجماداتُ كلُّها إصغاءُ

*

قد عرفناهُ صادقاً وأميناً

رُبَّ فضلٍ شهودُهُ الأعداءُ

*

ليسَ دعواكَ مثلَ نارِ هشيمٍ

بل كمخنوقٍ قد أتاهُ الهواءُ

*

مكّةُ الآنَ تزدهي بنبيٍّ

كلُّ بيتٍ من ذكرِهِ سيُضاءُ

*

لا تقولوا ذي فتنةٌ بينَ قومٍ

بل فقولوا شريعةٌ سمحاءُ

*

قبلَ غزوِ السيوفِ يغزو بقولٍ

يدخلُ القلبَ فالقلوبُ صفاءُ

*

كلُّ نخلٍ في الأرضِ قد ودَّ لمّا

شِدْتَ بيتاً يكونُ منهُ البناءُ

*

حينَ تمشي كلُّ الجهاتِ تناديـ..

كَ لكي تنمو فوقَها الأفياءُ

*

حينَ غادرتَ مكّةً ذاتَ حزنٍ

ودَّعتْكَ الشِّعابُ والأنواءُ

*

كنتَ تدري أنْ سوفَ ترجِعُ فيها

تاجُكَ الدينُ في يديكَ القضاءُ

*

يا دليلَ الصحراءِ قد تاهَ قلبي

ذاكَ تيهٌ يكونُ منهُ الجلاءُ

*

يا دليلَ الصحراءِ ما ليَ أُسقى

ثُمَّ أُسقى ولا يكونُ ارتواءُ

*

يثربُ الآنَ تشرئبُّ اشتياقاً

بشِّرونا يا أيُّها الرُّقَباءُ

*

لا تقولوا لنا سرابٌ كَذوبٌ

فهْوَ إنْ بانَ ليسَ فيهِ افتراءُ

*

عندما لُحْتَ من بعيدٍ إليهم

ركضَتْ نحوَكَ الذُّرى والفضاءُ

*

سمِعَتْ عنكَ بذرةٌ في ترابٍ

فاستطالَتْ وطابَ ذاكَ اللقاءُ

*

يثربُ الآنَ تزدهي وتغنّي

طلعَ البدرُ عندَنا والسناءُ

*

ثُمَّ تمضي الأعوامُ والحقُّ يعلو

رايةُ الدينِ كُفْؤُها الأُمَناءُ

*

عندما قُمْتَ في الوداعِ خطيباً

ذرفَ الدمعَ مِنبرٌ ورداءُ

*

يا رسولي إليكَ أسعى وخلفي

أمّةٌ نصفُ أهلِها شُهداءُ

*

جئتُ أسعى من أرضِ ذي النونِ عندي

من حكايا لها يشيبُ اللِّحاءُ

*

أكلوا العشبَ ذاتَ جوعٍ وحربٍ

ثُمَّ ماتوا كأنّهم غرباءُ

*

يا رسولي قد حمَّلَتْني سلاماً

نينوى والمنارةُ الحدباءُ

*

فعسى أن أراكَ طيفاً بحُلْمٍ

نظرةٌ تكفي كي يزولَ العَماءُ

*

وعليكَ الصلاةُ ما دقَّ قلبي

وتغنَّتْ في عُشِّها الورقاءُ

***

د عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

 

تعلَّم، أيُّها اللائكُ لعلكةَ البحث،

أنَّ السؤالَ لا ينبت مصادفة، كنبات طفيلي،

بل ثمرةٌ غامضةٌ تنضجُ في بساتين الحيرة....

إنْ تأمَّلتَه، ليس واحدًا كما يبدو،

بل هو بستانُ مذاقاتٍ خفيّة.

بعضُه مُرٌّ

كجذرٍ اقتُلِع من تربة اليقين،

يترك في الفم طعمَ الشكِّ

ويوقظ في الروح عطشَ المعرفة.

وبعضُه حامضٌ

كفاكهةٍ لم تكمل شمسها،

يعصرُ الفكرَ قليلًا

ثم يتركه يقظًا

مثل نافذةٍ فُتحت فجأةً على الريح.

وبعضُه حلوٌ

كقطرةِ عسلٍ سقطت من خلية الحكمة،

يذوب ببطءٍ في الوعي

حتى يكتشف المرءُ، أنَّ الإجابة كانت تنام في داخله منذ البدء.

*

وللأسئلة أيضًا أنوارٌ،

تتدرّج بين الضوء والعتمة،

مثل فجرٍ يتعلّم كيف يولد من الليل.

منها ما يلمع

كفكرةٍ خرجت تَوًّا من يد البرق،

ومنها ما يتعثّر في الظلال

كطفلٍ يتهجى اسمه في ضوضاء الجمع

*

و مقاييسها الخفيّة،

أطوالٌ تمتدّ مثل أنهار الفكر،

وأوزانٌ تثقل وتخف،

وأعماقٌ تُقاس

بمدى اتّساع القلب للدهشة.

*

فاحذر، أيُّها السائرُ في طرق المعنى،

أن ترمي سؤالًا

كحجرٍ أعمى في بئر الكلام.

اصقلهُ أولًا

كما يُصقَل الضوءُ في عين الفجر،

و ِزنهُ

كما يزن الصائغُ ذهبَ الحكمة.

فالسؤالُ الدقيق

هو المفتاحُ الوحيد

الذي يعرف كيف يوقظ الأبواب.

أمّا السؤالُ المرتبك

فليس سوى ضبابٍ

يمرّ على المعنى

دون أن يراه.

***

مجيدة محمدي - تونس

 

مِحراب الشتاتِ وأولُ الوجع

مَقامُ العقيق

***

​(1)

عِندَ مَصَبِّ الوقت

حيثُ انكسَرَ المنادى

كانَ البحرُ يشربُ انفعالي

والغروبُ يلملمُ ما تبقّى

من جَسدِ المسافةِ

لستُ أدري:

هل كنتُ وحدي؟

أم أنَّ الشتاتَ صارَ

مأوايَ الأخيرَ

وأنا رُفاتُ الضوءِ

في قاعِ الحكاية

​(2)

أقفلتِ الشعاعَ

فانفجرَ في جُرحي نهارٌ

من نَزيف

هناكَ ليلٌ لا يُحدُّ

يسكنُ خلفَ سينِ السرِّ

وأنا أُقطّرُ روحي في

محابرِ العقيق

أقرأُ ما شابَ نوري من

هشيمِ الفقدِ

لغتي ارتمتْ فوقَ

سريرِ الغياب

وقلبي الذي كانَ

يحرسُ مَمَرّاتِ الوفاءِ

تكلَّلَ بالسوادِ..

حتى أضحتِ الجهاتُ

حقولاً من حدادٍ صامتٍ

تُعيدُ تكوينَ أنايَ في

مَداراتِ الرّماد.

​(3)

ها أنذا..

أشرعُ نوافذَ الأرقِ

لِريحٍ مجهولةِ الأنساب

أقبضُ على أشيائِكِ

بيَدينِ من غمام

وأهبطُ في سُجودِ اللهفةِ

وداعاً يا سُلالةَ النبعِ

الذي فاضَ في دمي

سأمكثُ في إسراءِ

حنانِكِ

وأصعدُ في معراجِ

شوقٍ لا يشيخُ

يا امرأةً ذابتْ في

ملكوتِ الحلمِ

وتركتْ لي شغفاً يقتاتُ

على الأَثَر

***

مرشدة جاويش

 

يدي قدّمت ما يكفي...

لتتحرّر من فكرة العطاء..

سئمت مهمّتها المقدّسة..

صُنعُ السّكك التي تؤدّي إلى أحلامهم..

سمعتها تبكي.. البارحة

هدهدتُها.. بحكاية عن القمر الذي في كلّ مرّة..

يكتمل..

كالفكرة يكتمل..

"ستتعلّمين النّوم في الحرير..

حين تكتمل الفكرة.. "قلت

وكان قلبي.. يضحك ساخرا وانا ابيع الوهم

الى يدي المتعبة..

اغنّي لها حتّى تنام...

يلزمني كثير من الأغنيات..

لاقنع يدي بالنّوم.. قبل أن يصيح القلب

فتنهض..

لترتّب السّكك.. من جديد.. !!

***

حياة بن تمنصورت - تونس

ينفضُ الشهداءُ في آخرِ الليلِ أكفانَهمْ

ويعودونَ نحوَ الوطنْ

ويقولونَ ما قدَّموهُ قليلٌ

واِكمالُهُ سوفَ يحتاجُ بعضَ الزمنْ

***

شعر: كريم الأسدي - العراق

يا…

تصعد النوافذ على السلالم

السلالم على النوافذ تصعد

بإمرة الذكاء الاصطناعي

والطرقات تدور كحيوانات كسولة

السيارات تسبح في برك شاي ناري

تصفر للناس بخرائط مقلوبة

الأشجار تكتب رسائل حب للقمامة

وتضحك عندما تحاول الطيور التقاطها

*

القذائف، مثل عصير فاسد

تسقط على المارة قطرات طاعون أسود

تلطخ المدن بالحُفر

الشمس ترتدي قبعة من أقدم طراز

وتتفرج ساخرةً على كل شيء

تصيح للعائلة: "هل تستطيعين حمل هذا الجنون؟"

*

الباعة يصرخون بالحروف المقلوبة

والرصيف يتجهم تحت أقدام المارة

الساعات تنزوي كبيض مكسور

والكتب تهرب من الرفوف إلى الشوارع

تصرخ: "اقرأوني قبل احتراقي!"

*

الشياطين ترقص في ديسكو الصواريخ

الضحك أصبح دخانًا ملتويا بين المصابيح

والصمت ريشة غريبة تكتب على جدار الرأس:

"مرحبًا بك في عالم الخوازيق!"

*

السماء مصنوعة من أجنحة البط

والريح كسولة، تأخذ القمامة إلى أماكن مجهولة

تنهار الحقيقة قبل صياح الديك

كل شيء يتنفس بالعكس

يتجول في الغرفة كأنه يحلم بنا

والحياة كلها تقول بيأس:

"هذا هو عالم الركوب الذكي."

***

بولص آدم

هذا المساء يهبط البرد هادئاً على النافذة رغم ضجيج الحرب؛ لكنّني أتمرّد مجدّدا وأمسك فنجان قهوتي الأثير بين يديّ بحنوّ ليرسل بخاره في خيطٍ رقيقٍ يصعد ببطء، بينما يتسلل صوت قديم من الهاتف، ويا له من همسٍ أليم.

إنّها مرثية الشاعر الجاهلي عبد يغوث الحارثي تجتاح روحي، ولطالما أحاطتني الدّهشة عندما كنت أقرأها في سنوات دراستي الجامعيّة، والآن ها أنذا أُمرّر أصابعي على المقطع الغنائي كمن يربّت على جرحٍ قديم، فتتردد الكلمات في الغرفة: "ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا

وما لكما في اللوم خير ولا ليا".

تهتزّ الجملة في داخلي كجرسٍ بعيد يفزعني، ويبدأ الزمن لعبته الخفية على لحظة صغيرة من الحاضر فتفتح باباً واسعاً في الذاكرة.

القهوة ما زالت دافئة غير أنّ المساء ينسحب قليلاً إلى الخلف، ويترك الطريق لطفلةٍ تركض في حقلٍ بعيد.

أراها الآن بوضوحٍ يكاد يلمس الأرض ممتدة تحت شمسٍ ذهبية، وفي وسطها يقف البئر صامتاً عميقاً يحفظ أسرار المكان.

تدور حول صحنه الحجري خطوات الطفولة، وتتشكل ألعابٌ لا يعرفها أحد سواها.

ما هي إلّا لحظات حتى تجلس الطفلة على حافة الصحن، وتدلّي قدميها في الهواء، ثمّ تطيل النظر في الماء الذي يرتجف ببطء.

إنّه وجهٌ صغير يطل من العمق، فيبتسم لها كأنه يعرفها منذ زمنٍ طويل.

تلتفت الطفلة نحو أطراف الحقل الذي تتناثر الورود البرية في فضائه، فتنهض بخفة العصافير وتمضي تجمعها في كفّيها الصغيرتين.

هناك، قرب البئر تبدأ طقوسها السرية مع إبر الصنوبر التي تتحول بين أصابعها إلى أدوات دقيقة، والزهور تستسلم برفقٍ ليدٍ خبيرة ببراءة الأطفال.

تمر الإبرة في سيقان الورد، ويلتقي العشب بالعشب، لتولد من ذلك كله قلائد وأساور وتيجان.

تتسع عيناها بالدهشة كلما اكتمل شكلٌ جديد، وكأنها اكتشفت كنزاً خرج تواً من قلب الأرض.

تضع الإكليل فوق رأسها، وتميل قليلاً نحو الماء فترى صورة الأميرة ترتجف على السطح الهادئ.

تضحك الطفلة ضحكةً واسعة بينما تمرّ الريح في الحقل وتحرّك العشب، والبئر يظل صامتاً كحارسٍ يبارك هذه المملكة الصغيرة.

فجأةً تهبط أسراب الطيور من السماء في خطوط سوداء منتظمة وخفيفة ترسم دوائرها فوق الحقول، فتقفز الطفلة من مكانها وتبدأ الركض.

تركض وتركض بلا غاية واضحة لركضها، فقط ذلك الشعور العجيب بأنّ الجناحين قريبان، وقد يسمح لها الهواء ذات يومٍ بأنْ تشاركه الطيران.

يلامس العشب قدميها، والضحكة تتدحرج خلفها.

لا زالت تركض والسماء تتسع أكثر كلما ابتعدت الطيور.

يتباطأ الركض، وتعود الأنفاس إلى صدرها، ليقودها الطريق ثانيةً إلى الصحن الحجري للبئر، ذلك الذي يعرف خطواتها.

تنحني قليلاً، وتغمس أصابعها في الماء البارد، ثمّ ترسم دوائر صغيرة فوق سطحه.

تواصل الرسم، وتهمس بصوتٍ يكاد يذوب في الهواء:

هل رأيتني؟ كدت أطير.

يأتي صوت أمّها من بعيد، ليقطع خيط الحلم قليلاً، فيتردد النداء فوق الحقل. الطفلة تلتفت نصف التفاتة، تبتسم، ثم تؤجل العودة لحظةً أخرى.

كان النهار طويلا، والطفولة أوسع من أنْ تضيق بنداءٍ واحد.

أرفع رأسي الآن، وقد عاد المساء إلى الغرفة بهدوئه الأول.

فنجان القهوة صار أكثر هدوءا، وبخارُه بدأ يختفي شيئاً فشيئاً، لكنّ الأغنية ما زالت تدور في المقطع ذاته، وصوت عبد يغوث يشقّ الزمن من عمقه البعيد: "ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا".

أمرّر إصبعي مرةً أخرى على الشاشة بيد الطفلة التي لم تغادر بعد، فما زالت تركض في الحقول، وما زال إكليل الورد يميل فوق رأسها، والبئر يحتفظ في مائه بضحكتها الأولى.

يمضي الزمن في الخارج كما يشاء، وعلى الباغي تدور الدوائر، غير أنّ داخلي يحتفظ بذلك المشهد حيّاً، طفلة تصنع حليّها من الزهور، وتصل بينها بإبر الصنوبر، وتلاحق الطيور فالسماء بابٌ مفتوح لها وحدها.

وفي الوقت الذي يثقل فيه الصمت حولي، ويأتي اللوم من هنا وهناك، من لوم على شرودٍ مفاجئ، أو على حنينٍ يلمع في العينين، أترك القهوة جانباً، وأصغي مرةً أخرى لصوت المرثية القديمة، ثم أبتسم في هدوء المساء وأقول:

ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا…ففي القلب طفلةٌ تركض حتى الآن.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

في مساء المحطاتِ

ثمّةَ قطارٍ يقلني إلى المدينة التي تستهويني ويستطيبها ذاتي!

كعادتي أختار بنفسي مقعد جلوسي...

لكنَّ هذه المرّة... مقعدي لم يكن مِن اختياري أو على مرامي...

فهوُ عكسُ اتجاه السير!

حسنًا عليَّ القبول والجلوس...

فإنّكَ أنتَ مَن تضفي على الأمكنة والأشخاص المعنى!.

طوالٌ هي ساعاتُ السفرِ.. لكنّها جميلة...ممتعة متى عرفَ المرء كيف يستثمرها!...

تكتبُ، تقرأ، تُصلي، تستمعُ إلى موسيقى...

تشاهدُ ما يلبي ذائقتكَ..ترد على مكالماتٍ ورسائل مؤجلةٍ...

بينما الرّياح الهوجاء التي تحركُ طوحين الهواء

تحملني على الهيام بكتابةِ خاتمة آخر مؤلفاتي!

أكتبُ لأنَّ الكتابةَ موهبتي وهوايتي ومتعتي وعشقي...

عسى أن أتركَ بصمة على جبين الّليل!

رغمَ هذا الوقت لا يمضي ولم يزلْ لرحلتي الكثير!!

فجأةً... ازحتُ ستارة النافذة ... تطلعتُ في ليلٍ دامسٍ

ثمُّةَ مناظرَ آسرتني... تهللت اساريري بمشاهدتها...

لقد آلفت هذه المشاهد الخلاّبة في أوروبا...:

نحلةٌ... تمرحُ بفرحٍ بينَ الورودِ...

حدائقُ ورودٍ في ممراتٍ خضراء تأخذ بلبكَ

فتفتح شهيتكَ على الوجودِ!

سواقي مياهٍ جاريّةٍ...

وقمرٌ متأنق ومتألقٌ يسطعُ ونجومٌ تشعّ في العلا!

آهٍ ... لو أمكنني ايقاف القطار والنزول والسير هُناك...

فالشواطئ في اللّيلِ

لها مِنَ الموجِ صدى يتردد كسيمونيّةٍ...

بينما القواربُ المترنحة

كأنها ترسو في ميناء قلبي!.

حتّى الثمار المتدلاّة مِنَ الشجر...

وجدتها تطالعُ الطالع مِنَ القمر والنجوم فوق القممِ

بينما كان بوسعي رؤية الأشجار ورائي وهي تترنحُ مع الرّيح.

سرعةُ القطار المعتدلة جعلت النعاس يغالبني

ومن يدري؟ لعلّ هذا سرّ القطاراتِ!

فبقدر ما يكون الّليل متالقًا يكون كمالاً وبهاءًا وهدوءًا....

أغمضتُ عيني ورحتُ أتخيل

كيف ساصعد المنطاد؟

وكيف ساركب الخيل ...؟

وماذا عن العومِ مع الدلافين؟

والطيران في هليكوبتر دونَ أن أكتب وصيتي؟

عزيزي القارئ

هناكَ مدن وعواصمَ تستهويكَ مِن أول نظرةٍ ووطأة قدمٍ وزيارة

وهي تستبشر برؤيتكَ خيرًا وتاخذكَ بالاحضان

في عناقٍ حميم مِن الطلّةِ الأولى!

صحوتُ على صوتٍ:

ألا قلتْ لي كم الوقت الآن؟

هذا ما قالته المضيّفة لي وهي تقدم وجبة العشاء مع الكابتشينو بالعسل الصناعي!!.

لقد نسيت أن أغيّر توقيت ساعتي

فعقارب السّاعة... يجب أن تمضي إلى الأمام.

تصبحون على خير!.

***

الأب يوسف جزراوي

"يا ظُلمةُ في أُفُقي

يا قَلقي،

شُدَّ على تجدّدي ومزَّقِ

واعصفْ به وحَرِّقِ،

لعلَّ في رماده

أبتكرُ الفجرَ النقي"

أدونيس

***

تقدمة

في هذا النشيد، يتحرّك الحنين كضوءٍ صغيرٍ يخرج من عتمةٍ طويلة،

وتنهض في الروح رائحةُ وردٍ لم يولد بعد

الليل هنا ليس ستارًا، بل مساحةٌ تصغي للصمت،

والصباحُ يبدأ من خفقةٍ واحدة،

تفتحُ للروح طريقًا يمرّ بين الماء والضياء،

وتتركُ في القلب أثرَ بشارةٍ لا تنطفئ

القصيدة:

أُحِبُّكِ… يَهْتَزُّ الضِّياءُ عَلَيَّ، وَيُفيضُ مِنْ كَفِّكِ نَبْعٌ يَمُورُ

وَيَمُرُّ في صَدْري نَسيمٌ رَخيٌّ، يَحْمِلُ هَمِّي، ثُمَّ يَصْعَدُ نُورُ

يَجْري النَّهْرُ… والدَّرْبُ يَفْتحُ بَابًا لِلْحُلْمِ، لِلصَّحْوِ الَّذي يَتَجلَّى

لَوْ غَفلَ النَّهْرُ اسْترَقْتُ صَدَاهُ، وَسَقَيْتُ مِنْهُ جِرَاحي ظِلالًا

أُطَارِدُ النُّعْسَ الَّذي في جُفُوني، فَيُفيقُ في رُوحي وُعُودٌ تُهَلَّا

وطَرِيقُكِ الخَفَّاقُ يَمْسَحُ جُرْحي، وَيَمُدُّ في دَمِّي حَنينًا تَوَلَّى

تَسْري خُطَاكِ في دِمَاءٍ تَفُورُ، فَيَمُوجُ فِي صَدْري غِنَاءُ الرِّيَاحِ

وَأَمْشي في ظِلِّ انْبِثَاقِكِ حِينَ يَنْفَتِحُ السِّرُّ ويَرْتَفِعُ اللَّاحِ

جَاءَ الظَّلامُ… فَانْحَنى فَوْقَ بَابي، وتَراجَعَ الأُفُقُ القَديمُ خُطَاهُ

وتَثاءَبَ اللَّيْلُ الثَّقِيلُ كَأَنَّهُ يَحْمِلُ مِنْ دَرْبي خُطُوبًا طَوَاهُ

مِنْ كَفِّكِ الرَّحْباءِ يَنْهضُ نَفحٌ ويُقيمُ في رُوحي صَدًى يَتَمدَّدْ

ويُفرْفِرُ الطَّيْرُ الَّذي في دَمي إِذْ لَامَسَتْ رُوحي نَدَاكِ نَقيًّا

أَيْقَظَني هَمْسٌ مِنَ الفَجْرِ يَسْري، فَانْشَقَّ في صَدْري ضِياءٌ مُعلَّقْ

وسَرى النَّسيمُ عَلَى خُدُودي لَحْنًا يَكْتُبُ في جَفْني صَفاءً مُوَرَّقْ

وَاهْتَزَّ وَرْدٌ كَانَ يَخْفى طَويلًا، فَانْهَلَّ مِنْهُ طَلٌّ يُمَشِّطُ ضَوْءَهْ

وتَفَتَّحتْ أَغْصَانُ رُوحي شَيْئًا حِينَ ارْتَفَعْتِ عَلَيَّ وَارْتَقَى وَجْهُكِ

هذَا الضِّياءُ… كَأَنَّهُ دَرْبُ مَاءٍ يَخْرُجُ مِنْ جَوْفي وَيَرْفعُ نَبْضي

وَيَفُورُ في عَيْنيَّ فَجْرٌ نَديٌّ يَكْتُبُ في صَدْري خُرُوجِي وَرَفْضي

أُحَدِّقُ فِيكِ - سَمَاءَ رُوحٍ تَنَامَتْ - فَأَرَى الَّذي ضِعْتُ البِلادُ لِأَجْلِهِ

كَيْفَ أَنَامُ وَيَدَاكِ في صَدْري تَكْتُبَانِ النُّورَ… تَسْتَرِدَّانِ ظِلَّهُ؟

في خَافِقي بَحْرٌ، ومَوْجُكِ فِيهِ يَرْفَعُ مِنْ دَرْبي جِرَاحًا وُئِدْنَا

وَيَرُفُّ في صَدْري نِداءٌ بَعيدٌ يَحْمِلُ مِنْ لَيْلِكِ لَحْنًا تَبَدَّى

هَبَّ النَّسيمُ عَلى جِرَاحي حِينًا، فَارْتَدَّ في صَدْرِي ضِياءٌ يَسْري

وتَناثَرتْ أَجْفَانُ عُمْري نُورًا حِينَ ارْتَفَعْتِ عَليَّ فَانْشَقَّ عُمْرِي

تَحْمِلُكِ الرِّيحُ الَّتي في دَمي، ويُضيءُ مِنْ وجْدِكِ كُلُّ مَمرٍّ

كَمْ قُلْتُ لِلَّيْلِ: أَطْفئْ ظِلِّي يَوْمًا، حَتَّى يَجِيءَ الضَّوْءُ مِنْكِ ويَمُرّ

**

الكودا

يُبَشِّرُني نَبْضُكِ في لَيْلِنا، فَيقُومُ في صَدْري غِناءٌ يُزْهِرْ

مَا دُمْتِ في قُرْبي يَدًا دَافِئةً، لَنْ يَنْطَفئِ السِّرُّ الَّذي فِينا يُحْضِرْ

هذَا غِنَائي - رِقَّةُ وَرْدٍ - وهذَا صَدايَ الَّذي يَصْعدُ سِرًّا

***

د. سعد محمد مهدي غلام

حَلتَ عما قريب،

عَلى دربك مشرقًا،

وفي أعقابك، ظلامٌ حالك،

غابت الأنوار، وأقبل السواد.

تقدمتك الظلال خلسةٍ،

كأشباحٍ تطارد الأنفاس،

خفيةً كسرابٍ في المدى،

فاتبعتها،

مضيًّا في درب الظلام.

تحولت السماء إلى رماد،

متناثرًا كأحلامٍ محطمة،

يركض الناس خلف أنفاسهم،

باحثين عن نقاءٍ اندثر.

كأنهم يبحثون عن نسمةٍ،

تذيب الظلمات في صدر الليل.

انتظرتك الدلافين على الشواطئ،

أملًا في عودة الصفاء إلى البحار،

متحررةً من أدران المخلفات،

لكن ألسنة اللهب ابتلعتها،

وأمواج البحر احترقت،

فأصبحت جمرًا موقدا.

أطفالٌ تائهون،

عيونهم تراقب الأحلام المفقودة،

کانوا بأنتظارك لتصالح القلوب المنفصلة،

لكن أنفاس الشر كانت أسرع،

وغرقت الآمال في قلب الظلام دون الالتئام.

أماكن كانت تشع بالمعرفة،

صارت الآن مجرد رماد كتبٍ محترقة،

على مقاعد هجرتها الحياة،

والشر يقلب صفحاتها.

وهكذا رحلتَ،

وكنوز الأرض ما زالت بلا قسمة،

تلاشى نور شارعك،

وتلاشت خطاك في ظلك،

تقودك نحو فراغ اللامكان.

***

سوران محمد

.................................

As You Came

When you arrived,

your path shone with brightness,

and darkness stretched behind you.

The shadow stepped before you,

and you followed it.

*

The sky turned to smoke,

leaving people gasping for air.

The dolphins,

patiently awaiting the cleansing of the sea—

its waters choking on plastic waste—

were instead met by flames.

*

The wandering children,

hoping for their parents' reconciliation,

were suddenly swept away

by the suffocating breath of evil.

Neither reunion came to pass,

nor did the children witness it.

*

Now, where knowledge once thrived,

burnt books lay scattered on classroom desks.

Evil will be the one to turn their smoldering pages.

*

You've departed.

the Earth's treasures remain undivided.

the light on your street has dimmed,

and you are lost in the shadows that trail behind.

***

....................

کاتێك هاتیت

کە هاتی

 پێشەوەت ڕووناك

دواوەت تاریكی بوو،

ئەو سێبەرەی بە دواتا دەخشا

هاتە پێشتەوە،

تۆش شوێنی کەوتی.

*

ئاسمان بوو بە دوكەڵ،

مرۆڤەکان هەناسە سوار،

دۆلفینەکان

 کە چاوەڕوانی خاوێنکردنەوەی

پلاستیکەلانی ناو دەریا بوون

    دەریاش لێیان بوو بە ئاگر.

*

منداڵە پەراگەندەکان

کە چاوەڕێی

ئاشتبوونەوەی ژن و مێردە زیزەکان بوون

لە پڕێکدا هەناسەی شەڕ هەڵی لوشین

نە پێك گەشتنەوەو نە منداڵەکانیان بە دیداریان گەشتن.

*

ئەوا ئێستا لە بری زانست

کتێبە سووتاوەکانی سەر ڕەحلەی پۆلەکان

چاوەڕوانی ئەنگوستی ئەهریمەنن

پەڕەکانیان هەڵداتەوە.

*

ڕۆیشتی

هێشتا میراتی زەوی دابەش نەکرا بوو

تروساییەکەی پێشت کوژایەوەو

لەناو تاریکاییەکەی دواتەوەدا  ون بووی..