نصوص أدبية

نصوص أدبية

عدتُ من عملي محمّلةً بيومٍ ثقيل، يومٍ لم يكن قاسيًا في أحداثه بقدر ما كان مرهقًا في تراكمه، كأن التفاصيل الصغيرة اتفقت سرًّا على أن تختبر طاقة الاحتمال في الروح.

 كانت المدينة خلفي تضجّ، فيما كنت أبحث عن هدوئي في البيت، ذلك الملاذ الذي اعتاد أن يستقبلني بإيقاعٍ متوازن، لا صخب فيه ولا مفاجآت.

كان زياد قد سبقني، كما هي عادته. بيتنا لم يكن مجرّد جدران وسقف، بل طقسًا يوميًا:

 مائدة عشاء نتقاسم فوقها تعب النهار، وحديثاً يتسرّب بهدوء بيننا، نعيد فيه ترتيب ما واجهناه، لا بوصفنا زوجين فقط، بل صديقين اختارا أن يسيرا جنبًا إلى جنب. كنا نختلف أحيانًا، نعم، لكن اختلافنا لم يكن صداميًّا، بل تنويعًا في الرؤية؛ مرآتان متقابلتان تعكسان المشهد من زاويتين مختلفتين، دون أن تتحوّلا إلى شظايا. الاحترام كان لغتنا الأم، تلك التي لا نحتاج إلى شرح مفرداتها.

غير أنّ تلك الليلة انكسرت فيها العادة منذ اللحظة الأولى.

 استقبلني زياد بقبلته المعهودة، لكن شيئاً في حضوره بدا زائدًا عن النص، فائضًا عن الاطمئنان.

 كان مشرق الوجه، تتلألأ ملامحه بفرحٍ غير معلن، كأن الضوء اختار أن يقيم فيه مؤقتًا.

 شعرتُ بسرورٍ خفي، لكن ذلك الإشراق، حين يتجاوز حدّه، يوقظ الريبة.

بعض الأفراح، حين لا نعرف مصدرها، تصبح أسئلة معلّقة.

لم يترك لي وقتاً طويلًا لأتساءل. بادرني بصوتٍ يحمل استعجال من يريد أن يتخلّص من حملٍ ثقيل:

ــ إحدى معارفي القديمات اتصلت بي اليوم. منذ سنوات وهي تحاول الوصول إليّ، حتى حصلت أخيرًا على رقمي من صديقٍ مشترك.

 وما إن حصلت عليه حتى اتصلت فوراً.

ابتسمتُ ابتسامةً مدروسة، تلك التي تخفي أكثر مما تُظهر، وقلت:

ــ هذا جميل… ويسعدني، حقاً. كيف جرى الحديث؟

راح يتحدث، وأنا أراقب كلماته كما يراقب المرء جدولًا يعرف أن فيضانه ممكن:

ـ استعدنا أيامنا القديمة.

حدثتني عن شوقها لتلك المرحلة، عن ذكرياتٍ لا تزال تسكنها، عن زمنٍ تتمنى لو يعود.

قلت في داخلي:

تمهّلي... ليس كل شوقٍ تهمة، وليس كل ذكرى فخًا. فقلت بهدوء:

ـ آها! تفضل، واصل... أنا أستمع.

تنهد، وكأنّه يستدعي عبئاً من قاع الذاكرة:

ـ حدّثتني عن زوجها… رجل الدولة.

قالت إن حياتها لم تتحسّن منذ افترقنا، بل ازدادت قسوة.

ما زال أسير الشراب، مهملًا لها ولأطفالهما، غائباً عنها وإن كان حاضرًا باسمه ومكانته.

لا يراها امرأة، ولا يمنحها دفء الاعتراف أو طمأنينة القرب.

صمت لحظة ثم تابع:

قالت إنها لم تنسَ تلك الأيام، وإن اشتياقها لها يزداد مع الوقت.

كنت أستمع، لكن الكلمات بدأت تفقد حيادها، تحوّلت إلى ظلال تتكاثر في رأسي. رأيتُ امرأةً محاصرة بوحدةٍ اجتماعية خانقة، وزوجاً يتكئ على سلطته ليبرّر غيابه، ورأيت في الوقت نفسه خيطًا رفيعًا يمتدّ من الماضي إلى الحاضر، خيطًا لو أُهمل قد يصير حبلاً يلتفّ حول أعناق الجميع.

أردف زياد، بنبرةٍ شعرتُ أنها تبحث عن تطمينٍ غير معلن:

ـ أخبرتها أن كل شيء تغيّر، وأنني الآن متزوج، لديّ زوجة رائعة وأولاد.

قلت لها إنني سأعرّفك بها في المرة القادمة.

عند تلك الجملة، شعرتُ بحرارةٍ مفاجئة تسري في عروقي.

 لم يكن غضبًا خالصًا، بل مزيجًا معقّدًا من دهشة وغيرة وخوفٍ دفين لا أحبّ الاعتراف به.

 نظرتُ إلى وجهه الهادئ، إلى طمأنينته التي بدت لي، في تلك اللحظة، كمن لا يدرك حجم الحجر الذي ألقاه في بركة روحي الساكنة.

نهضتُ من مكاني قبل أن أُكمل وجبتي.

أسندتُ كفّي على المنضدة واقتربتُ منه، لا بانفعالٍ صاخب، بل بثقل سؤالٍ ظلّ ينتظر اسمه:

ــ هل هي آمال؟؟؟

توقّفت لحظة، ثم أتبعت:

ــ آمال… تلك التي كنتَ على علاقةٍ بها من قبل؟ زوجة السكير، أمّ الأطفال، المرأة التي حدّثتني عنها في بدايات تعارفنا، بوصفها جزءً من ماضيك؟

ساد صمتٌ كثيف. صمتٌ لم يكن فراغًا، بل امتلاءً بكل ما لم يُقل.

شعرتُ أن الماضي والحاضر يتزاحمان داخلي، وأن الحدود بينهما تبدو أقلّ صلابة مما كنت أظن.

نظر إليّ طويلًا، وقد ارتدت الدهشة ملامحه.

بدا كمن فوجئ بأن الذاكرة ليست ملكه وحده، أو كمن ظنّ أن الزمن قد محا ما باحه ذات يوم.

 قال، بعد تردّدٍ خفيف:

ــ نعم… هي نفسها.

سقطت الكلمة في داخلي كحصاة في ماءٍ راكد لم تُحدث ضجيجًا، لكنها أربكت السطح كلّه. قلت، بصوتٍ لم يكن حاداً، بل مكثّفًا:

ــ وماذا بعد؟؟؟

هل ستُبعث الذكريات لتُجدَّد عبر الشاشات؟ أم أنك تنوي أن تجعلني شاهدة، وربما شريكة، في فصلٍ لا يخصّني؟

لمحتُ الوجع يمرّ سريعاً في عينيه. أدركتُ أن كلماتي أصابته في الصميم، فخفّفتُ نبرتي دون أن أتراجع:

ــ أنا لا أشكّ بك. أعرف أنك ربما تلقّيت الأمر بوصفه معرفةً قديمة، أو بدافع عطفٍ إنساني على امرأةٍ مسحوقة.

لكن العطف، حين لا تحكمه الحدود، يتحوّل إلى التباس.

وأنت مطالب بموقفٍ أوضح، وأكثر حسمًا.

توقّفتُ قليلاً، ثم تابعتُ، كأنني أستخرج الكلام من عمقٍ لا يصل إليه الصوت بسهولة:

ــ أراها امرأة خانت زوجها من قبل، وربما لم تكن الخيانة مرّة واحدة.

 من يجرّب الخيانة قد يألفها، وقد يجد لها دائماً مسوّغات.

فما الذي يجعلك تحترم امرأة كهذه؟ هل فكّرت في نواياها؟ في إلحاحها بعد كل هذه السنين؟ في معنى أن تعود الآن تحديدًا؟

كنتُ أتكلّم، لكنني في الحقيقة كنت أختبره:

أختبر صورته أمام نفسه، قبل صورته أمامي.

ــ ثم ما موقفك أنت؟ أمام ضميرك، أمام تاريخك، أمامي أنا؟

لم أستطع الإكمال.

 شعرتُ بأن الكلمات التالية ستأخذني إلى منطقة لا أريدها.

انسحبتُ بهدوءٍ حاسم نحو مخدعي، فيما كان يحاول الاقتراب، تتعثّر خطواته بحيرته، ويرتجف صوته باعتذارٍ لم أكن مستعدة لسماعه.

قلت، دون أن ألتفت:

ــأحتاج أن أكون وحدي… أيامًا.

وأغلقتُ الباب.

لم يكن ذلك هروباً، بقدر ما كان عودةً إلى الذات.

في تلك العزلة القصيرة، واجهتُ صورتي في مرآة العلاقة:

امرأة لا تطلب المستحيل، لكنها ترفض أن تكون هامشًا.

أدركتُ أن الحب، مهما بدا ناضجًا، يظلّ هشًّا إن لم تحرسه المواقف الواضحة.

في الصباح، خرجتُ إلى عملي بلا تحية.

 لقد كان صمتًا مقصودًا وليس تجاهلا، أحيانًا يكون الصمت اللغة الوحيدة القادرة على قول كل شيء.

وحين عدتُ مساءً، وجدته ينتظرني. كان التعب واضحًا عليه، تعب إرهاق القرار.

قال، بصوتٍ حاسم:

ــ انتهى الأمر.

حذفتُ رقمها، وقطعتُ أي خيطٍ يمكن أن يصلني بها.

نظرتُ إليه طويلًا.

 رأيتُ رجلاً أدرك، وإن متأخرًا قليلًا، أن الماضي لا يُستدعى بلا ثمن، وأن بعض الأبواب يجب أن تبقى مغلقة احترامًا لما بُني بعدها.

 قلت بهدوءٍ لا يخلو من صرامة:

ــ كان ينبغي أن يكون موقفك هكذا منذ البداية.

لم أُضف شيئًا.

فبعض الكلمات، حين تأتي في وقتها، تكون جسورًا. وحين تتأخر، تتحوّل إلى اختبارات.

وفي تلك الليلة، لم نغلق باب امرأةٍ من الماضي فحسب، بل ثبّتنا حدود الحاضر، وأعدنا تعريف الوفاء لا بوصفه شعوراً عابرًا، بل اختيارًا واعيًا، يُعاد اتخاذه كل يوم.

**

سعاد الراعي/ المانيا

 

قُل للّذي بالفقد قد أوْجع معصمي

نَواجِذُ الصّقيع

تُدْمي وشاحَ أضلُعي

واللّيلُ، عطرُهُ يَغْشَى مُدُني

و إنّ وجهه يُشَظّي

عشب كفّيَّ و واحتي.

فأين مقلتاك

تشفيان أوجاعي

وتجمعان ألوان قلائدي؟

ظللتُ أرتقب طيفك

عسى الحسّون

فوق كتفِي

يُرصّفُ النّور الّذي

كنتُ به أَعِي .

فما على الكتف رفرف جناحٌ

أو هَمَى

نورٌ به تشدو مهجتي.

**

قل للّذي بالفقد قد ألهب معصمي

إنّ الياسمين ضنّت شهقاته

و ما بالطِّيب طابت أضلُعي.

قد فرغ الفؤادُ مُذْ نِمتَ هناك

نوْمَك الْفُجئيَّ

و الصّفصافُ هالتْني ظلالُهُ…

ها أَثْقَلَ النّفسَ اللّظى

و كلّما قلتُ كفى يا نفسُ تطوَافا

في الضّنى

توهّجَ النّشيجُ في الْحشَى.

فما لِذِكْرِ والدي نَسْيٌ

و لا تُنْسَى له ظَلِيلَةٌ.

و بلسَمٌ ، نُثارُ قوْلِه،

كَفَيْءٍ للمعطوبِ ضمادة.

و ها أهيمُ الْيوْمَ  وحدي دون قوسه.

و إنّني كالْكَروان  ،

لا يُفِيضُ في المدى الْبِشْرَ

ولا تَفِيضُ بِشْرًا أوتارُهُ.

**

قل للّذي أوْهَنَنِي بفقده

إنّني  و إنْ جَلَّ مصابي

أكتفي بطِيبِ ذِكْرِكَ فأهتدي  .

و إذْ أُناجي ربّي أسألُهُ،

أقول : يا ربّ سلاما

للّذي كنتُ بقربه أرتوي.

 **

و إنّني لَأَتَوَسّلُ إليك ربِّ،

تَرْحَمْ ضَعفَهُ

فما سواكَ

يُرْتَجَى جميلُ عفوِهِ و الرِّضَى …

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي- تونس

يرتجف اللحظة كديك مبلل..

لم تسعفه ركبتاه على الوقوف فألقى بجسده على مقعد مهترئ بجوار مكتب القائد. عسو الذي يهابه من في الحي، ولا يجرؤ أحدهم على التنديد بعربدته، أو التذمر من متتالية الكلام الساقط التي تعقب جلسات الشرب الصاخبة كل ليلة.

عسو الذي قلما غاب اسمه عن حادثة نصب أو احتيال، ثم أفلت من قبضة الاتهام بدهاء ثعلب.

عسو الخبيث وقاهر الأرامل سيحج بيت الله الحرام!

أية قرعة عمياء تلك التي أوردت اسمه ضمن محظوظي البعثة الرسمية لأعوان الوزارة؟! لا شك أنها مزحة ثقيلة من "سعادة" القائد المتجهم طيلة أيام الأسبوع. لكن الورقة بين أصابعه ترتجف اللحظة، وفيها إخبار بانتسابه هذه السنة لبعثة الحج. لا.. هذا غير معقول! كيف بلع الجميع ألسنتهم ولم يعترض أحد؟ أهي الصدفة أم مشيئة في السماء ترتب لمنعطف آخر في حياة عسو؟

حيا زوجته على غير العادة، ثم ارتمى فوق سريره. عم المكان هدوء مشوب بالحذر. لا شك أن الزقاق سيضج بالنكات الساخرة حين يذاع الخبر :

ـ " الحاج" عسو عائد من الخمارة!

ـ ما ذنب ضيوف الرحمن حتى يعكر عليهم صفو المناسك!

ـ يهدي الحجيج لذويهم قارورات من ماء زمزم، أما الحاج عسو فلن يتوانى عن تقديم مشروب آخر!

لن يتحمل الغمز واللمز من أبناء ال...لا وقت للشتائم القذرة الآن حتى يفرغ من أداء المناسك.

وقعت عيناه على مصحف صغير في الدولاب المحاذي لسريره. إنه للابنة الوسطى التي تقضي سحابة يومها في دار القرآن. أرغمت المسكينة على الزواج من مهرب للأحذية والسجائر، مقابل تسديد فاتورة غامضة.وحده عسو الرابح دائما! بعد شهر عادت إلى البيت مهشمة الأضلاع وحول العينين هالات زرقاء. لم يملك القاضي غير الحكم بالتطليق غيابيا، بعد أن قدمت المسكينة عرضا هستيريا ليوميات العذاب.

لم يكن عسو أبا بالمقاييس العادية، فالزوجة التي انتابها خوف من المستقبل سارعت إلى امتلاك سلاح الذرية لتثبيت وضع هش :

ـ لكل مولود رزقه!

تلك ذريعتها دائما كلما انتفخ البطن، ليُرغم عسو على إضافة متسابق جديد إلى قائمة الأمعاء الخاوية. لم يفلح في ثنيها عن خوض حرب ديموغرافية، لذا قرر التعبير عن تذمره بشكل عملي : ما إن يشب أحدهم عن الطوق حتى يلقي بالصبي في ورشة للنجارة، وبالفتاة خادمة في البيوت مع تحميلهم الصائر!

تفحص الورقة مجددا، علّ تشابها في الأسماء يعيد الأمور إلى نصابها. لكن رقم الخدمة التسلسلي يفيد أنه المعني. حدق في السقف كعادته حين يستعيد شريط حياته في لحظات الصحو المعدودة :

ـ كيف يعبأ الله بخنزير مثلي لم تطأ قدماه باحة المسجد سوى مرتين، الأولى للتبول في مراحيضه النقية، و الثانية لإبلاغ الفقيه احتجاج السلطة على تماديه في شتم اليهود، وتذكيرهم بفاجعة خيبر!

 أجدير أنا حقا بلفتة ربانية تمحو كل الويلات السابقة؟

ارتبك قليلا قبل أن يطرق باب غرفته. الضوء الخافت المتفلت من شقوق الباب يفيد أن الفقيه لازال مستيقظا :

ـ في الأمر حكمة قد تحجب عنك غشاوة الآثام وميضها. لكن، من يجرؤ على التشكيك في رحمة الله التي وسعت كل شيء؟ أسمعت يا عسو؟ كل شيء! فاهنأ بما ساقته إليك المقادير.

وضع رأسه المثقل بالأسئلة على المخدة. جوفه متقد كجمرة، لكنه لن يسلم نفسه مجددا لغواية سفلية. سالت على الخد المتغضن دمعة ساخنة ثم دمعتان. بكى بحرقة كيوم خذلته أمه لتسلم نفسها لأخدود رملي في مدخل البلدة. صدى دعائها يتردد اللحظة في ثنايا ذاكرة متعبة. هتف بشوق وهو يستجمع ما تبقى في الفؤاد من ندم :

لبيك!

*** 

حميد بن خيبش

 

السماء الخريفية غامضة دومًا، غيومها القاتمة تتوعد بغيثٍ غزير لكنها لا تفضي إلا برذاذ خفيف بين الحين والآخر، كمن يتكتم على أسرار يتردد في بوحها لأيٍ كان، خشيةَ افتضاح أمره، فيظل يتجرع مرارة أساه وحيدا.

في مثل هذا الجو الضبابي، الذي لا يلوح في أفقه شيء محدد، وجدتُ نفسي منقولًا إلى مبنى وزارة التخطيط، اضطر إلى الجلوس خلف مكتب داخل غرفة صغيرة يكاد لا يطأها ضياء الشمس، قريبة من غرفة الفراشين، دون أن يقصدني مراجع ولا موظف، ولا تُمرر إليّ معاملة أو ورقة روتينية أطلع عليها أو أمهرها بتوقيع، من حقي فقط التدخين وطلب الشاي والقهوة طيلة ساعات الدوام.

في أول يوم وجدتُ نسخة من صحيفة "الثورة" مر نحو شهرين على صدور عددها فوق مكتبي، صفحتها الأولى تتضمن الأحكام الصادرة بحق مجموعة كبيرة من الرفاق (المتآمرين). حدّقت فيها كما فعلت من قبل مراتٍ ومرات، ثم وضعتها في الجارور الخاوي مثل قبر بانتظار مواراة جثة تحت الثرى، ثم رفعت رأسي فانتبهت الى صورة كبيرة للرئيس الجديد، تطالعني في تهكم مستفز، ذات الاستفزاز الذي أطل من قسمات وجهه ونبرة صوته وهو يعلن عن وجود مؤامرة ظلت خفية عن العيون لسنوات، تمكنَ من الكشف عنها بمجرد تقلده منصب الرئاسة، وبدوري كنت على وشك أن أكون من ضمن المتهمين في قضية لم أكن أعرف عنها شيئًا قبل الإعلان عنها.

قررتُ بدء الكتابة أثناء أوقات الدوام التي تتمادى ساعاتها إلى سنوات من عمري، أهجس دنو نهايته لحظةً إثر أخرى، فقد كنت في أمس الحاجة إلى الفضفضة قبل أن يخنقني الخوف الكامن في أوردتي، أو أن يسمم الدم المتدفق في عروق جسدي الذي شاخ دون وعي مني عقودًا، إلا أني أدرك عاقبة خط جملة واحدة، فاستعضتُ عن الورقة والقلم بالتدوين في ذهني، وإن تزاحمت الأحداث التي مررتُ بها حتى صرت مثل المعلق بين الأرض والسماء.

لا أظن أن بإمكانهم استنطاق أفكاري أيضًا داخل أي غرفة تحقيق، في حال تم إلقاء القبض عليَ، كما أتوقع أن يحدث في أي وقت من ليلٍ أو نهار، إلا أن جلَ ما أخشاه أن يقودني تتابع السرد غير المكتوب إلى متاهة الجنون في نهاية المطاف، لكن ربما يكون ذلك أفضل، فإن حصل وفقدت عقلي قد أنجو من هول ما يمكن أن أواجه، لأن ليس على المجنون حرج، ومع ذلك لا أضمن أن يكون جنوني حجة كافية لإنقاذي من لوثة الجنون الأكبر التي تسود البلاد.

تبدو لي الآن كما لو كانت قنبلة على وشك الانفجار، أو أنها مربوطة بسلسلة كهربائية على امتداد حدودها ومدنها، شوارعها وأزقتها الصامتة في أذنيّ، رغم ما تصطنع من حركة طبيعية ضمن الإيقاع اليومي المألوف، كما لو أنها تضع ذات قناع التصنع الذي يكسو ملامح وجهي حتى عندما أكون وحدي في هذه الغرفة الخانقة، وكأنهم قرروا حجب الهواء عنها بأوامر عليا كي يختبروا مدى قدرتي على الاحتمال، وأنا لا أعرف مخابئ كاميرات المراقبة التي ربما تحوطني من كل جانب من أجل استقراء تعبيرات الغضب أو التمرد التي يمكن أن توقعني بالجرم المشهود دون دراية مني، حتى عدد السجائر التي أدخنها قد تكون بحد ذاتها إشارة إلى شيء من النفور من قيودي التي ألقتني وراء هذا المكتب، موظف بلا وظيفة، وإن تجرأت على طلب إجازة لربما تم تفسير ذلك على أنه نوع من التخاذل أو التقاعس ومحاولة للهروب من أمر حزبي وواجب وطني لأحد المعزولين عن ولائم السلطة…

مع نهاية الدوام أزفر أنفاسي خفية، مخافة أن تُلمح شرارة التذمر في ملامح وجهي. أنقاد مع الموظفين نحو خارج المبنى، كما لو كنا مربوطين بحبل لا بد أن يعيدنا إلى ذات أماكننا في اليوم التالي، رغم أني كنت أهرع فيما مضى إلى كل اجتماع ومؤتمر ومهمة من مهام منصب جديد يلقي فوق كاهلي الكثير من المسؤوليات بهمة ونشاط من يريد تحقيق كل أحلامه في يومٍ واحد. حماس وجرأة يسوقها الانفعال نحو خطوات من التهور الأهوج ضمن مسيرة مضطرمة الحركة فقدت دفتها منذ زمن لم نعِ بدايته حتى وجدنا أنفسنا مقبلين نحو النهاية المحتومة لكل ثورة شهدتها بلادنا، مع أن كل شيء كان جليًا للعيان منذ السنوات الأولى لحكم الحزب القائد، بذريعة حماية مكتسبات الثورة من أعدائها ضمن جبهات الخيانة في الداخل والخارج...

كم رددتُ مثل هذه المفردات في صخب ثوري حاسم، دون أن أترك المجال لطرح أي رأي مغاير، يمكن اتهام صاحبه بالرجعية، وأنه من ذوي الأفكار الهدامة التي تحاول النيل من مسيرة ثورتنا المباركة...

ذات الكلام الذي أسمعه من راديو السيارة. من حسن الحظ أني كنت قد اشتريتها من صديق لي قرر بيعها لقاء دين أصر على تسديده قبل سفره إلى الخارج، وما كنت أعرف أني سوف أحتاجها بهذه الصورة الملحة، بعد أن تم سحب سيارات الاستخدام مني، بالإضافة إلى الحارسين المداومين أمام باب البيت والسائق والمرافق. كان ذلك من ضمن العقوبة التي أعادتني إلى درجة  عضو فرقة حزبية لا بد لي من المواظبة على حضور اجتماعاتها، لعلي أنجو من مخالب التقارير الأمنية التي صارت سِمة المرحلة على نحو متزايد، ومن السخرية أني كنت من ضمن المؤمنين بما لها من ضرورة أمنية، كي يشترك الجميع في حماية ما حققت الثورة من منجزات، لا رجال الأمن فحسب، ومن ناحية أخرى فإن مثل هذه التقارير تعطينا فرصة الاطلاع على ما يجري حولنا أولًا بأول قبل أن نُفاجأ بما لا تحمد عقباه، لكني أيضًا وجدتها فرصة للدفاع عمن أستطيع إنقاذه من تهمة الخيانة، شرط أن أكون على معرفة وثيقة به وبكل خباياه، كما لو أني أدافع عن نفسي، دون أن أتسبب بأي إساءة إلى حساسية منصبي.

لعبة توازن كان الجميع قد اعتاد القيام بها حتى صارت من ضمن منهاجنا اليومي تقريبًا، وأيضًا دون دراية منا، وإن انتبهنا إلى بهلوانية ما يحدث فالذرائع والأعذار دومًا موجودة؛ نحن نعمل من أجل خدمة قضية كبرى وتحقيق أهداف سامية على مستوى وطن وأمة معرضة دومًا للمكائد الرجعية من قبل بقايا الاستعمار، كما أن أهدافنا (التحررية والوحدوية) الكبرى يجب أن تسمو فوق جلسات الأصحاب والمجاملات.

لغو، لغو، لغو... كم أفقدَنا من رفاق وأصدقاء الصبا والشباب، المهم أن تمضي بنا سبل الثورة نحو الأمل المنشود، ولو أني في ذات المنصب الرفيع حتى الآن لداوَمت على ترديده في كل مجلس أكون فيه بلا كلل كي أنفذ من شبهة التعاطف مع أكبر شبكة خيانة تم الكشف عنها في عهد الثورة المجيد، ولا بد لي من ترديد كلمة (المجيد) بكثرة، نحو خمس وخمسين مرة لو استطعت، لأنجو بنفسي من تبعات تهلكة الرفاق ذات يوم تموزي لاهب الحماس المدَوي في الأرجاء، مبارِكًا ذبح الأضحية الجديدة، كي يكون ذلك بمثابة إعلان للبراءة من إثم أية شرارة (سوداء) يمكن أن تنوش مسيرتي النضالية التي نالها التصدع دون معرفة سبب محدد لذلك، فألقتني الصدمة إلى ما يشبه خرس لا ينجو منه صوت الهتاف بشعارٍ واحد من ضمن كومة الشعارات التي دأبنا على الجهر بها عاليًا في كل عهد، متحدين سياط السلطة، وأحدنا يود التضحية بعمره من أجل وطنٍ يغيب عني ضياؤه شيئًا فشيئًا، كما لو كنت أفارقه من غير أن أدنو خطوة واحدة نحو حدوده التي أعرف أني ممنوع من عبورها بأوامر قيادية كي أبقى أسير مصيدة ذات الشعارات الرنانة، بنبرة تغالب كل غصة بكاء قد تأسف على عمر مضى وجذوة تمرد انطفأت وما لها من وهجٍ جديد.

***

وجه سلمى بكل صفائه المعهود لديّ، رغم ما مرت به، حطَ وسط كل هذه الفوضى مثل حمامة تهمس لي برسالة آتية من بعيد. صادفتها في الطرقة القريبة من غرفتي المعزولة، وكأني وباء يخشى النظام من سريان عدواه بين الجموع. مؤكد أنها عرفتني، رغم أن قسمات وجهها لم تظهر أي تعبير، إلا أني لم أستسلم لذلك التجاهل المستفز فأقبلت نحوها لألقي التحية، وكم رغبت باحتضانها أيضًا، ليس عن شوق جامح فحسب، بل لأننا صرنا نتشارك ذات محنة الإقصاء عن أحلامنا القديمة. سبقتني إليها قبل سنوات، منذ أن تم اعتقال زوجها في بداية السبعينات، ومن ثم تسليم جثته وشهادة مكتوب فيها أن سبب الوفاة ذبحة صدرية، رغم أنه لم يشكُ من أي أمراض من قبل، حسب ما أعرف.

آخر ما كنت أتوقعه أن أكون في مثل هذا الموقف الغريب أمامها وأنا في هيئتي الجديدة، الموظف المعزول عن الجميع، بلا منصب محدد، بعد أن تقلدتُ منصب محافظ، ومن ثم مدير شركة من شركاتنا الوطنية الكبرى، ووكيل وزارة، كما كنت من المرشحين لتولي منصب سيادي مهم داخل القصر الجمهوري، أي من أصحاب القرار داخل أروقة الدولة، ولم أكن أعرف أن اتخاذ أي قرار لا يصدر إلا من غرفة واحدة، دون أن نمتلك إلا حق الموافقة عليه والهتاف بكل حماس لا يترك مجالًا للشك، ولا حتى للخيال، بالتخاذل أو الوهن في تنفيذ الرؤى القيادية سريعة التحول، بلا أن ندرك إلى أين يمكن أن تقودنا خطاها المؤطَرة بمباركة الجماهير دومًا.

أجابت على سلامي باقتضاب، وبتعبير وجه صارم وحاجبين مقَطبين، العادة التي ألفتها عنها لدى الغضب أو الزعل، فابتعدتُ خطوات عنها كي لا أتعرض للإحراج أمامها أكثر.

رغبتُ بالتحدث معها، كما لو أني أحتفظ بأسرار لا طاقة لي على احتمال عبئها وحدي، ولا أعرف أحدًا سواها لأهمس بها أمامه، رغم ما يلجم لساني من خوف أن تتسرب كلماتي إلى الأسماع، حتى وإن كانت كلمات مواساة متأخرة لوفاة صديقي ورفيقي القديم، وكأن التغييرات الجذرية في أركان القيادة حدثت فقط من أجل أن أصادفها بعد كل هذه الأعوام.

لم أكن أعرف أنها تداوم معي في ذات المكان، ربما تم نقلها لأكثر من مرة بين عدة وظائف حتى انتهى بها المطاف هنا، كما لو كانت بانتظار رؤيتي، كوجه من ضمن الوجوه التي صارت تتحاشى النظر إليها حتى عبر شاشة التلفاز، وإن اضطرت إلى ذلك فسرعان ما تنتابها سخرية ممزوجة بالاشمئزاز من خدعة تملكت عقلها وزوجها المتوفى منذ بواكير الشباب، مثلما يخالجني ذات الشعور الآن، وكأني بهذا أعلن براءتي التامة مما كنت عليه قبل وقوعي في شرَك القاعة التي غنت فيها فيروز أجمل أغانيها قبل سنوات لدى مجيئها إلى بغداد.

أُجبرنا في الفرقة الحزبية التي اضطررتُ إلى المشاركة في كل اجتماعاتها، بعد أن كنتُ عضو قيادة، أن نشاهد وقائع الاجتماع (المسرحي) المسجل على شريط فيديو، ونحن ندرك مدى الرقابة المصوَبة نحو قسمات وجوهنا، ولو عبر كاميرات لا تلحظها العيون، كي تسجل بدقة ما يمكن أن يُستشَف من صمتنا المشوب بذات التوتر واضطراب الأعصاب الذي نالَنا داخل القاعة من قبل، وكأنهم يصرون على تكرار ذات صعقة الخوف، لعل هناك من أفلت من اقتناص عيون رجال الأمن المحَملقة، والذين كانوا يقفون عند كل زاوية وصف هتف الجالسون فيه ضد خيانة المتآمرين بملء الحناجر، بصورة هستيرية تحمد الله على السلامة من وعيد النداء بصوت القائد الذي يلقي الرعب في الأوصال لكي يجبر صاحب الاسم الثلاثي على مغادرة القاعة، وفي المرتين كنت من ضمن الهاتفين الثائرين على وحل الخيانة، رغم سخريتي واستهزائي بكل ما جهر به الصوت الذي سوف يظل يدوي في الآذان قرابة ربع قرن، وكأنه يتعمد استفزاز ما بقيَ من صحو أذهاننا ولم تستغرقه الدهشة من هَول وسرعة ما يحدث بعد عدة أيام من احتفال التنصيب الرئاسي، ثم صرت أتكتم على مدامعي أسفًا على كل شيء، لا تهاوي مجموعة "النقطة السوداء" فحسب، لكني لم أجرؤ على البصق إلا داخل غرفتي، موصودة الباب، أمام المرآة الكبيرة التي اعتادت تأكيد مدى أناقتي قبل مغادرة المنزل، فبدت وكأنها تتهشم، وراحت تتهاوى معها ملامح وجهي دون إمكانية استعادتها ثانيةً.

لو أنها منحتني فرصة الكلام لَحدثتها عن الكثير مما وعيتُ عليه مؤخرًا، لست أنا فحسب، بل كل عائلتي، بدءًا من والدي الذي صار يركن إلى الصمت أغلب الوقت، بنظرات يسكنها الخوف وترقب المجهول المهدِد بفقداني هذه المرة للأبد، لا مثل فترات الاعتقال السابقة، التي بدأت منذ زهو الشباب خلال العهود السابقة. يعرف أن الأمر الآن مختلف تمامًا، وأنه لم يعد يمتلك طاقة الاحتمال ولا الصبر أو حدة الغضب التي قد تسوقه إلى طردي من الدار أو حتى ضربي، ومن جهة أخرى لم يعد يدري ما الذي يمكنه فعله كي ينقذني من ورطتي الجديدة، فهو لا يعرف أي وساطة يمكن أن تساعد في تنحية حد سيف السلطة عن رقبتي، وقد فقدَ معارفه وعلاقاته عهدًا تلو الآخر وصارت كل صلاته بالمسؤولين كونه والد أحدهم، ورغم ذلك ظل خوفه يتزايد حينًا بعد حين، مما كان يدفعه أن يهمس في أذني، وكأنه يخشى أن يسترق السمع أحد كتَبة التقارير السرية، أن آخذ حذري ما دمت من ضمن موكب البلاط الجمهوري الذي تتراشق من حوله سهام الاتهامات المترامية مثل شباك تحوم مصائدها حول رؤوس الجميع، وربما أكون وكل مَن سرقتهم غفوات الحلم، كما كان يقول باستمرار، من ضمن أوائل ضحايا الاستفاقة المرَوعة...

كم هو غريب هذا الرجل، والكثيرون مثله ممن يملكون نوعًا من الثقافة خارج سرب الأفكار والمعتقدات والندوات (المؤدلَجة) التي كانت تستلب الكثير من الوقت وجهد السجال تحت رايات الحزب الخفاقة.

لعله يأسف لحالنا جميعًا، لأن اللعنة أصابت أولاده الثلاثة معًا، فلابد بد أن منحة الدراسات العليا الخاصة بأخي حسين سوف يتم إلغاؤها ويُطلب منه العودة إلى العراق، رغم أنه انضم إلى صفوف الحزب منذ أواسط الستينات، متأثرًا بما لدي من حماسة ثورية، لأننا لم نعد في موضع ثقة القيادة، وقد تكون العائلة برمتها صارت تمثل خطرًا على مكاسب الحزب، مع أننا كنا من أوائل مناصريه، ولذات السبب صار شقيقي خليل موظفًا في مخازن في وزارة الخارجية بعد أن كان مؤهلًا لأن يكون وكيل وزارة. وربما ذات اللعنة المجنونة تلحق بشقيقتي الصغرى هدى، التي اخترتُ اسمها عند الولادة تيمنًا باسم رفيقة مناضلة قديمة، هجرت الحزب في فترة الانشقاق بعد أفول نجم قاسم، ومن ثم سافرت مع زوجها الرفيق الحزبي النشط في حقبة الخمسينات إلى خارج العراق.

ليت شقيقتي أيضًا تستطيع النفاد بمصيرها من الأسر الخانق الذي احتوانا جميعًا، إلا أن حظها العاثر أوقعها في شباك شاب طموح أراد التسلق على أكتاف شقيقها المسؤول. بدأ يتغيب عنها ويتهرب من الحضور إلى بيتنا الذي كان بمثابة قبلة الأماني لديه، رغم أني لم أتوانَ عن تلقفه كي أدفعه نحو الأعلى من أجل أن يكون شخصًا ذا مكانة تليق بابنتي، لا أختي فحسب، مع أني أكره المتملقين أمثاله من متطفلي الثورات، إلا أن انجذابها الشديد نحوه، كما لو كان حلم كل الفتيات، جعلني أتغاضى عن نفاقه المفضوح وحبه للتظاهر بأنه من المقربين إليّ وأني أطلعه عما يجري في كواليس القيادة، وقد اتضح أني أجهلها تمامًا، وكذلك تجاوزتُ عن ماضي والده الشيوعي في مرحلة سطوع الراية الحمراء، وإن كان قد تخلى عن مبادئه سريعًا وخلَّف رفاقه في المعتقلات ليعلن براءته من أحلام البروليتارية الأممية مع رفرفة شعاراتنا القومية.

وحدها منال ـ أختنا الكبرى ـ التي لم تتأثر بشيء، فزوجها علي، التاجر في سوق "الشورجة" ظل بمنأى عن السياسة طيلة حياته، مبدأه أن النقود هي الجاه والسلطة الدائمة في بلد تتغير أنظمته مع كل مدٍ ثوري جديد. لطالما تشاجرتُ معه ووصفته بذلذول المال والمتخلف الهمجي، وقد أثر على نوال فصارت مثله تمامًا، وكثيرًا ما نقمتُ على خضوعها له إلى حد التبعية، وكأنها عاشقة تخشى فقدان حبيبها، رغم أنها كانت تشكو من غبائه وشراسة طبعه وحدة مزاجه في بداية زواجهما. زوَّجها والدي من ابن صديقه المقَرب ورفيق صباه في منطقة "باب الشيخ" بعد رسوبها سنتين على التوالي في المرحلة الثانوية، وها هي قد زوَجت ابنها الأكبر وتعيش مع عائلتها في صومعة حصينة ضد الرياح العاتية التي تعصف بالجميع.

لم يشكُ أو حتى يلَمح أن تجارته ومصالحه قد تأثرت بالانهيار المزلزل الذي حدث لي، رغم أنه كان من المستفيدين أيضًا، لكنها استفادة محدودة لم تثقل كاهلي يومًا، ربما لأنه ظل مصرًا ألا يتورط بالسياسة، ولو من بعيد وعلى نحوٍ غير مباشر، وفي المقابل لا أستطيع أن أنسى اهتمامه بي في الآونة الأخيرة، فلم يكتفِ بأن يترك شقيقتي تأتينا كل يوم من بيتهما القريب كي تشرف على احتياجاتنا كالعادة، كما لو أنها أمنا التي لا ترضي أن يشغلها شيء عنا، بل عرض عليّ أكثر من مرة كل ما قد أحتاجه، رغم علمه بعدم حاجتي للمال، كما أنه همس في أذني أنه يستطيع تهريبي عبر حدود الشمال ما دامت الأوضاع غير مستقرة، وقد يلحق بي المزيد من السخط (القيادي) مع استعار حملات الاعتقال بين أوساط كبار الحزبيين بصورة خاصة، كما تتنقل الأخبار في كل مكان، ولو أني وخليل عزمنا السفر بشكل طبيعي لكنا بذلك نعلن أننا ممن لم تكشف تحريات الجهات الأمنية عن خيانتهم، أو تفضح خباياهم فراسة القائد المتعقبة لأي تحرك مريب، وإن كان مجرد إيماءة وجه قد تشير إلى ما يثير سوء ظن سيادته.

***

أحمد غانم عبد الجليل - كاتب عراقي

........................

* من رواية "نقطة في الذاكرة... رفاق النقطة" الصادرة عن دار الوصل للنشر والتوزيع.

الجزء الأوّل: الكتاب

حدثٌ غير متوقّع هزّ مديرية الآثار هذا اليوم

ولعلّه

يلقي بظلاله البعيدة على البلد كلّه

فلم يخطر ببال البروفيسور الباحث عن الآثار (ميقات عبد الدائم) أن تفاجأه مثل تلك اللقى الغريبة في مظهرها الخارجي ولغتها الحادة..

الحقيقة

هناك كثير من الآثار وقعت بين أيدي الحفارين أعجب بها الجميع.. لِقِدَمها وطرافتها..

صناديق ورؤى

مستطيلات أو مربعات ودوائر

خناجر وسيوف

أوانٍ وكؤوس، بعض الأحيان يعثرون على حبوب مخزونة تحت دفء الأرض جنب تماثيل قادة ورجال يجدون في قسماتها الصرامة والقوة التي تتمثَّل لاتقدلّ قسزة عن صلابة الصّخْر، أما النساء فيقرؤن مشاعرهنَّ من العيون، ودفء البسمات وإنْ كانت إحداهُنَّ محاربة ًإلهة فهي لا تخلو من مسحة حبّ وحنان.

عالم تحت الأرض بعيد الغور ساكن لكنه يتحرك نحونا أو يجعلنا نتحرك نحوه بمزاجه، وقد التقط مسؤولو الآثار في مدينتنا إشارة غريبة لطائرة استطلاع أكّدتها فيما بعد التجارب الصوتية وذبذبة الصَّدى التي تقول إن هناك شيئا ما أثريّا في هذا الموقع.

والذي يثير الدهشة حقا أنّ الموقع نفسه لم يكن في ملف مواقع الآثار بل هو حفنة من تراب امتزجت بالرمال.. بل المكان نفسه لا تدلّ آثار السنين عليه ولا يشير التَّاريخ إلى أنّ هناك حضارة قديمة رست ذات يوم فيه لا في الماضي القريب ولا البعيد. تلك البقعة لم تلفت نظر البعثات الأجنبية التي زارت البلد منذ قرنين وأكثر وبحثت عن الماضي في الأرض فحملت معها ماحملت وأبقت ما أبقت.

مع هذا الموقع تعامل الأثري المعروف (ميقات عبد الدائم) برفق، والحقّ إنّه كان يتعايش مع كل المواقع برفق إلا خصوصية منحها للموقع الجديد الذي سقط بين يديه فيما يشبه المعجزة لا النشاز. كانت يده تداري الفأس بدقّة، تحذر أن تحرك أدوات الحفر بعنف.

المجسات

الفُرش

المعَاول

المجَارف

والمنَاخل

يطالع الطبقات ويحذر صلابة الأشياء تحت المجرفة وبين نعومة الفرشاة.

كلها بين يديه تطاوعه وللمرّة الأولى يشعر أنّه مثل طبيب يولّد النساء يقف عند حالة غريبة لمولود جديد غريب.

لايظنّه مسخا قطّ.

في القاعة العامة بقسم الآ ثار التقى مع ذوي الخبرة. لا ينكر أنّه أحدهم وإن كان أصغرهم سنّا: اجتمع الأربعة وافتتح السيد المدير (حيَّان عبد الحيّ) الكلام:

- ياسادة إنّه حدث غريب لا أشكّ فيك ياسيد ميقات لكنّي أيضا لا أراه وهما.

وقال منافسه البروفيسور (محفوظ وارث):

- يمكن أن تخطي الأجهزة العلميّة الدقيقة.

رابع اللجنة المتفائل دائما أكبرهم سنّا (عمران أبو وعد) قال:

- هناك أكثر من جهاز.. طائرة مسيّرة.. كشف إشعاعي، تردّد صوتيّ مع ذلك أرى أن نقطع الشكّ باليقين.

فقال السيد حيّان:

- ها أنت تخترق الطبقات وقضيت عشرة أيام في البحث فهل يمكن أن نقول إننا نحاول عبثا في مطاردة شئ خفيّ؟

فأصرّ معاندا:

- ياسيدي هناك أدلّة تشير إلى أنّ هناك شيئا ما الأجهزة العلمية البصريّة الحسّاسة والسمعيّة تؤكّد ذلك. اصبر لي يومين فقط.

- لا بأس لكن إن لم تلتقط شيئا فعليك أن تعترف أنّك كنت تحارب أشباحا تحت الأرض.

فهمس مع نفسه مستغربا:

- أشباح؟

ثانية يعود إلى المكان ذاته.

في ذلك اليوم كانت الرِّمال تختلط بلفحة الشمس، وتنطبع على خيط من التعرق يندى على جبينة، مع مع كلّ الشكوك فقد راح يعمل بجدّ وحماس، ويتذكر حين يضنيه التعب كم طالع من الخرائط القديمة التي على ضوئها أخرج من أعماق الأرض نصوصا كادت تضيع في طيّات الزمن.

لم تستعص عليه إلّا هذه الظاهرة التي حاصرته بساعات معدودة.

يومان فقط.

هل يعود خاليَ الوفاض؟

ليكن أيّ شئ، فكل مانجده في أعماق الأرض يكون ثمينا وربَّما مقدسا، الإنسان التافه نفسه يُصبحُ ذا وضع آخر حين ينزل تحت التراب، هناك القِدَم وحده هو الذي يمنح الأفضليّة لأيّ شئ كان.. والدكتور ميقات يبدو منهزما إذا مارجع بلا شئ.

لكن

يظلّ هناك أمل..

يبقى الزمن القديم صديقه الذي لايخونه

لايذكر أنّه مرّة تخلّى عنه.

وتبقى المخلوقات التي تحت من أوانٍ

وعظامٍ لبشرٍ أو حيوان

وأسلحة ومنصّات وجماجم

وسيوف

وأواني مطابخ

تبقى هي الأكثر صدقا في مواعيدها المجهولة.

ويبدو أن اللقية الجديدة لا تريد أن تخلف موعدها.

ليكن

أشبه ماتكون بعمليَّة ولادة صعبة. أو نوع من التدلّل الذي تبديه الأرض!

بدأ يفرغ المكان بحذر يساوي الصمت

عندها قفز قلبه بنبضة متسارعة.

ففي آخر نقطة حفرها

تلألأت ذرات الغبار في الضوء المتسلل من أعلى كما لو كانت تشهد لحظة تاريخية..

كان ينحني في الحفرة الضيقة، . ومع كل ضربة دقيقة ٍمن فرشاته الصغيرة، بدأتْ حواف جسمٍ غريب تكشف عن نفسها. توقَّف لاهثًا، يحدق في كتلة معدنيّة داكنة اللون، مغطاة بنقوش باهتة أكل عليها الزمن، لحظات من الترقب والدّهشة سيطرت على حواسّه، وهو يمرر الفرشاة على الكتلة المعدنيّة ليطرد عنها آخر ذرّات الغبار.

ليست بخاوية

ولم يأكلها الصدأ.

أزال آخر طبقة من التراب، فظهر صندوق قديم محكم الإغلاق بقفلٍ غمره قتامُ الحقب واحتوته أطراف حديدية منحنية بفعل القرون. مدَّ يده بحذر، يتحسس سطحه البارد، وكأن الصندوق يخبّئ نبضًا خافتًا من الماضي. شعر بقشعريرة تسري في جسده ليس خوفًا، بل رهبة.. هي رهبة الاكتشاف التي تقدّمها له رائحة التراب، رفع الصندوق بكل بطء وحذر

كان يسمع تحته ومن جوانبه خرير الرِّمال الخافت.

أدرك أنّ رحلته لم تنته بعد، فقد خمَّن – من خلال خبرته- أنّ هذا الصندوق الراقد في بقعة الرمل يعود إلى زمن سحيق أبعد من أيّ زمن آخر رسم ظلاله على اللقى والتحف التي يتزيّن بها متحف الدولة.

ثمُّ

عليه أن يعرف مافي الداخل

فليس هو بخاوٍ ولا بمتهالك يتفتت بينة أنامله.

يهزّه قليلا فيتحرّك بداخله شئ ما غير مفهوم الهويّة

لايراه كأس نحاس

أو خزفا

ولا يظنّه تمثالاً

وما عليه إلّا أن يعرضه على خبيرٍ في فتح الأقفال القديمة ليرى مافيه

فالقفل كنز

والصندوق كنز

وما في الداخل أكثر من نفيس تزيده نفاسة أنه محفوظ ومجهول.

عندئذٍ أشار بيده إألى مرافقيه

وأمرهم أن يذيعوا الخبر الجديد

وأمر الحراس أن يسمحوا لكلّ من وقف بعيدا ممن يبحث عن الأخبار فيروا ويصوّروا ويكتبوا عن الإنجاز الجديد ليصبح - فيما بعد- اهتمام الناس وحديثهم اليومي الجديد.

2

في المساء كان الكبار يلتقون في قاعة الاجتماعات، أمامهم الصندوق الغريب الذي لم ترتفع عيونهم عنه.

شكله أوحى ببعض الغرابة

القفل

وبعض الرّائحة الغريبة.

بعد دقائق دخل السيد (سرمد) الخبير الفني المختص بالتعامل مع اللقى ذات الطابع المغلق العسير. كان في الأربعين من عمره ذو ابتسامة مرحة واثق من نفسه لأبعد حدّ.

انحنى على الصندوق وقال:

شئ غريب!

فاندفع ميقات متسائلا:

- هل يستعصي فتحه؟

- كلا لا أظنّ ذلك.

فقال المدير حيّان:

- وما الغرابة إذن؟

فهزّ كتفيه كأنّما ينطق عن بديهيّة:

- أعرف أنّي لملت شظايا القديم ورتّبته في كثير من الزّوايا والعقد. أحيانا أتعامل مع الصعب المحال أو شي ما يبدو محالا فأعيده إلى ماهو عليه!

فاندفع الأثري عمران ساخرا:

- إذا بقيت تمدح نفسك فلن ننتهي تعرفني أنا صريح جدا لا أجامل!

فقال سرمد ساخرا:

لا تدع نغمة اليأس تغلبك..

وظلّ (محفوظ وارث) ينآى بنفسه حتّى هذه اللحظة:

- الحقّ إنّك لم تخفق في أيّة عمليّة لحدّ الآن!

 (فنظر إليه نظرة ذات دلالة، وأخرج مفكا قصيرا وقبل أن يولجه في فتحة القفل الضيقة تساءل):

- من يراهنني على أن الصندوق لا ينتمي إلى زمن ما؟

الدكتور ميقات

- لا تخض في الخرافة

وتساءل المدير حيان مندهشا:

- ماذا تعني؟

- ياسيدي القفل قديم والصندوق قديم وما في داخله قديم لكننا لايمكن أن نحدد أيّ زمن له.

فقال عمران وارث:

لعلّ مافي داخله يخبرنا عنه الشئ الكثير.

فقال سرمد بثقة:

لا تراهنوا فتخسروا رائحته تدلّ على انفتاحه في المجهول.

رفع آلة دقيقة مررها بين حافة السقف والحافة الجانبية، ثم حرَّك الفرشاة على الحزِّ الخارجي من جميع الاتجاهات، كان يتعامل معه برفق مفرط حذراً مثل الذي يفكك لغما ليأمن شرّه، وبعد تلك المقدمات أخرج سلسلة لعدة مفاتيح، اختار مفتاحا ذا نهاية رفيعة حادة ثمّ أدخله بحذر وتؤدة في ثقب القفل. أخذ يحرك.

مرَّةً

ذات اليمين

وذات الشمال

وفي كل مرَّة ٍيقف كأنَّه يلتقط أنفاسه. يمسح على حواف الصندوق.. سنوات ولم يخفق، لم يصب أيّ مخلوق من مخلوقات الماضي الجميلة بأذى أو يشوّه لُقية تعامل معها.

من آلهات في الصناديق وآلهة صغار

أبطال

وخرافات تجسّدت للعيان

كلها جميلة.. مادامت تحمل رائحة الماضي سواء جاحظة العيون منها أم عيون الآلهات، وفي دقائق متوازنة.. انفتح القفل..

بتؤدة

كأنّما يتعامل مع طفل نائم دفع عقدته السّائبة عن الحلقة، وعقّب:

- ربمّا مَنْ أَحكم قفل الصندوق حمل المفتاح معه أو رماه في مكان ما وربما وضعه جنبه في الحفره!

فهتف السيد ميقات:

إن لم أجد أيّ أثر سوف أعود إلى البحث من جديد.

عاد السيد سرمد إلى الحواف والفرشاة.. وضعهما في الصُّندوق الخاص بهما وتحركت أنامله على الحواف فرفعها بحذر فاشرأبـت عنئذٍ الأعناق وتلاقت الرؤوس بشكل دائري فكانت عيونهم ترفرف على الداخل.

ذهول

فرح

وخيبة

ابتسام

وتعجّب

نفحة الماضي التي تشبه الغبار والصدأ تختلط باللون البيجي، غلاف سميك، وخط قديم وعبارة مبهمة تزرع الخوف في النفوس:

جملة غامضة واضحة لم يطالعهم مثلها من قبل!

 (كتاب الزمن) عنوانه وتحته عبارة: من تقع عيناه على أوراق الكتاب عدا العنوان الماثل أمامه يصاب بالعمى.

تحذير أم تهديد

المؤلف مجهول

والكتاب ضخم

توقفت الأيدي في الهواء وتراجعت عن المنضدة!

صمت مطبق

عدّل ميقات من انحناءته:

- من يقرؤه يصبح أعمى!

وكرّر ثانية:

- من يقرؤه يصبح أعمى. " يا إلهي… جملة تهديدية أو تحذير ديني ربما.. لكن النقش دقيق جدًا، وكأنه صنع لغاية محددة.

سرمد بعد أن رفع إصبعه عن صدغه:

- قد تكون نكتة!

عمران بشئ من التوجّس:

- أو ربما محاولة لإبعاد اللصوص أو المتطفلين.

ميقات بحماس مفرط:

القدماء كانوا يحبون المبالغة. نحن علماء، ولسنا أطفالاً نخاف من نقش على حجر.

حيّان مؤكّدا:

- قد تكون مبالغة، وقد يكون هناك سرّ. لقد وجدناه داخل صندوق، مغلق بإحكام ومزوّد بقفل معقد. لعلنا لا يمكن تجاهل أن مانراه الآن كان ذا طابع طقسي وليس مجرد مخزن.

سرمد أشبه بالاحتجاج:

لنتمعن في نوع المادة التي نُقش عليها التحذير؟

ميقات يمرر أنامله برفق على النّقش:

- تبدو كأنها خليط من العقيق الأسود والبازلت، وهذا غير مألوف في المخطوطات. وكأنهم أرادوا للغلاف نفسه أن يثير الرهبة.

المدير بتردد:

_ أيّاً كان، يجب أن نفتحه ونفحصه. لا يمكن لبحثنا أن يتقدم دون ذلك. التهديدات ليست إلا رمزيات ثقافية، مثل اللعنات الفرعونية التي لا دليل على فعاليتها.

ميقات بتصميم:

لنتمهّل. قبل أي خطوة، علينا توثيق الحالة، وقياس الإشعاع، وفحص بقايا المواد العضوية. إذا كان هناك فطر قديم أو مادة سامة، فهذا تحذير منطقي وليس خرافة.

سرمد:

أتفق معك. التحذير قد يكون علميًا لا أسطوريًا. كأنهَّم عرفوا أن محتوى الكتاب مغطى بمادة تؤذي العين أو تطلق غازًا عند فتحه. الحضارات القديمة بلغت مستويات مذهلة من المعرفة الكيمياوية

عمران بعد فترة تأمّل:

- هل تتوقعون غازًا يسبب العمى؟

ميقات الذي مازال يتأرجح بين الفخر والقلق والشك:

ليس محالا.. أنتم أصحاب خبرة قد تكون بعض المواد تفاعلت مع الورق أو بفعل القدم بقيت محبوسة داخل أوراق الكتاب.

سرمد أشبه بالسّخرية الصفراء:

- إنِّي أتساءل هل عثر عليه في العصور الخوالي شخص فاطلع على محتواه فأصابه العمى فكتب لنا تحذيرا على الغلاف؟

ميقات يحاول أن يتغلَّب على حيرته:

أعزائي الخوف لا يصنع العلوم لذا. أقترح فتحه ضمن مختبر ميداني مغلق، مع أدوات حماية كاملة. فإن كان تحذيرًا حقيقيًا، نحمي أنفسنا. وإن كان مجرد رمز، نكسب الوقت.

حيان ويبدو أن صبره نفد:

هذا اقتراح منطقي. دعونا الآن نبعث الكتاب إلى مختبر التحليل، ونبدأ بالفحص الطبقي. أما فتحه… فلن يتم إلا بعد اتفاقنا جميعًا.

عندئذِ انبرى ميقات:

أما أنا فسأواصل الحرف غدا والتنقيب لعلني أجد لازمة تنفعنا في حلّ اللّغز.

وانتظروا ساعة

ساعتين

هناك يأس وأمل

عاد ميقات عبد الدائم إلى الجانب الرّملي مع أولِّ خَيْطٍ للفجر، كأن الأرض نفسها نادته باسمٍ لا يسمعه سواه. الرمل الذي ظنّه ساكنا بالأمس بدا اليوم متحفزا يخفي أسراره التي ماتنفكُّ تساومه بالصبر والتأمّل. وقف عند الحفرة القديمة، تلك التي ابتلعت أيَّاماً من القلق ثم كافأته بالصندوق الحجري الغامض الذي لم يكن صندوقًا فحسب، بل بداية لعنة جديدة أو رحمة تختفي وراء إحدى اللعنات

انحنى، وهو خائر:

هل ستصيبه اللعنة أم الرّحمة؟أحيانا يكون السئ مدخلا لعوالم صحيحة مثلما هو المرض أو الطاعون الذي يفتك بنا ثمّ نكتشف مضادا يقضي عليه وعلى داء قديم عجزنا عن علاجه منذ قرون، فقد تأتي البشارة من الشؤم نفسه.

راح ينبش في الرمل..

كانت ضرباته محسوبة، لا عنف فيها ولا تردد. عبد الدائم لم تكن مجرد عالم آثار؛ كنت رجلًا تؤمن أن الماضي كائن حي، وأن التنقيب حوار طويل بين الأحياء والموتى. ومع كل طبقة رمل، كانت الصور تعود: النقوش التي لم تُفهم، العلامة المحروقة على غطاء الصندوق، والتحذير المكتوب بلغة هجينة لا تنتمي لعصر واحد.

ليتها أزمة متراكمة..

أو

ليته زمن يتفرع أزمانا

لكنّه ماضٍ مبهم الملامح.

بعد ساعات، اصطدم المعول بشيء صلب. توقف قلبه لحظة. جثا على ركبتيه، وأزاح الرمل بيديه. ظهر حجر مدوّر، صغير بحجم الكفّ، محفور عليه عين مغموسة بالزرقة والصدأ.

صبغة سوداء تلوّثها

وبقيت ملامح واضحة تدلّ على أنّها عين تسبح بالظلام وليست شيئا آخر.

3

راح يتمتم مع نفسه وهو يعبر الممر:

ملحق… أو مفتاح… أو شاهدة قبر..

في المساء، توجهوا فرادى إلى الغرفة الضيقة أسفل دار الكتب القديمة، وفي سرّه أنّ ما وجده هو عين مثالية هي القادرة على النّجاة حيث تملّكها السحر.

جاء سرمد يحث الخطى، وأقبل عبد الدائم يجرّ خلفه صمتا ثقيلا.. فعمران الذي لاحت حيرة ما على قسماته. ثم أقبل عبد الدائم، ووضع الحجر على الطاولة دون كلمة أمّا الوحيد الذي امتلأ ثقة بنفسه فهو البروفيسور (محفوظ) الذي لايشكّ في قدرات اللجنة معه فضلاة عن أنّه يثق دائما بقدرات الماضي على التلاعب في بعض الأحيان بقدراتنا نحن الأحياء غير أنّه لا يندفع في بداية كلّ اكتشاف جديد.

رفع سرمد رأسه ببطء

وجدته؟

أومأ عبد الدائم بالإيجاب

فقال البروفيسور محفوظ: .

أظن أنه ليس تابعًا للصندوق… بل مكمّل له.

اقترب عبد الباقي، نظر إلى الرمز، ثم ارتد خطوة إلى الوراء.

هذه العين… رأيتها من قبل. في أكثر من وضع وفي أشكال مختلفة لكن هذه المرّة وردت جنب كتاب لايقرؤ بل يٌبتلى، ويخمّن مافيه..

ساد صمت ثقيل. كانوا جميعًا يعرفون ما يعنيه ذلك، فتدخّل عمران بضيق هذه المرة:

كَلامُنَا إِلى هذهِ اللحْظَةِ أَشْبهُ بالنُّدْبة وَاْلأَسَف وكأنّنا فقد شيئا يعزّ علينا فقد وكان علينا أن نفرح لعثورنا على شئ جعلنا نفكر مجتمعين.

قال سرمد، بصوتٍ حاول أن يجعله عقلانيًا:

- التحليل المبدئي للنصوص يشير إلى أن الكتاب ليس معرفة فقط، بل آلية. تفعّل شيئا في دماغ من يقرؤه أو الرّوح، وما دام يحذّر فإنّ واضعه رمى عينا بقربه زيادة في التحذير

وعقّب عمران بفلسفة باطنة:

- أو التّطهير حسب فلسفة القدامي فالقراءة انتهاك مقدّس والعمى تطهير من فتنة الانتهاك.

المدير يلقي بحكمة ويودّ لو كانت الأخيرة:

- سمّه ما تشاء. النتيجة واحدة: العمى. ليس فقدان البصر فقط، بل عمى البصيرة.

راحوا يحدقون في الفراغ وكأنهم رأوا الحقيقة كاملة دفعة واحدة.

وضع عبد الدائم يده على الحجر:

- وهذا الملحق؟ ماذا يفعل؟

وعقب سرمد:

- لا أعرف لكن قد لا يغلق الكتاب بعد فتحه ولا ندري متى يصاب بالعمى من يقرؤ صفحاته!

رفع عمران رأسه نحو السقف وابتسم:

- نحن لا نزال نفكر كباحثين، الحقيقة هذه ليست قضية علمية ولا أثريّة. هذا سلاح. سلاح معرفي.

سكتوا. الكلمة ارتطمت بالجدران ثم عادت أثقل، ليقول عبد الدائم:

- إن كان سلاحا فمكانه ةليس بأيدينا.

بأيدي من إذن:

تساءل محفوظ، فردّ عمران على الفور:

بيد السّلطة الأمنية أم هل تجرؤون أن تعرّضوا أنفسكم لمغامرة مجهولة؟.

جحظت عيونهم، برهة.. دقيقة لاذت النظرات بالسقف والطاولة، ليس بإمكانهم أن يخفوا الأمر أو يضعوا الكتاب في منآى عن الدولة مادام يتضمن في طيّاته سرّا مبهما، عند هذه اللحظة الحرجة قطع المدير الشكّ بالقين وقال جملة وافية قصيرة:

- إذن ماعليّ إلّا أن أتصل بدائرة الأمن !

صمت الآخرون، ارتاح السيد عمران قليلا إذ أنّ الوضع المفتعل الآن قد يجعله يتعرّض للتجربة والحقّ إنّ بعض الارتياح خالط الآخرين جميعهم ولم يستثن صاحب الحجر ميقات نفسه فها هو الماضي يضعه للمرّة الأولى في امتحان عسير وعندما رآى السيد محفوظ صمتهم خطى بثبات نحو الهاتف، و وكانت العيون تراقب أنامله وهي تدور بالأرقام.

***

الكتاب الثاني: القرّاء

تكدّست سجلات خمسة سياسيين سجناء أمام مكتب مدير دائرة الأمن (عاتي النجم) درسها كلّها بتمعن. لم تكن تلك الملفّات غريبة عنه ويعرف كلّ أصحابها. من قبل واجههم وواجهوه، تعامل باللطف معهم وبالقسوة، حاول انتزاع اعترافات منهم بأيّة وسيلة. كانوا يختلفون عن الآخرين الذي انهاروا أمام المغريات أو التعذيب فاعترفوا. ثلاثة سجناء ذوي سجلات ضخمة، أحدهم سعيد جابر صلب قوي أصابته الجلسات الكهربائية بشلل في فكّه فانعقد لسانه ويتوجس المسؤول الكبير خيفة من أن تزيده عاهة العمى التي إذا ما أصيب بها- حسب زعم الكتاب- بشلل تام في اللسان وبقية البدن فلا يستفيدون منه، أمّا الثاني (سعيد كامل) فربما يبالغ ويكذب يضيف أو يحذف.. ومن المحتمل أن يخفي معلومات تضرّ الدولة، لكنه، مهما يكن، يثق بالسجين الثالث الذي لم يكذب عليه أو يعترف.. يتجاهل ولا تهمّه العواقب مهما كانت.. (أصيل سرحان) هو الهدف المطلوب، ملفه خال من الكذب ربما هناك من في السجناء السياسيين من يخفي أمورا غابت عن سلطة الأمن أو خفيت عنهم أمّا (أصيل) فلن يبالغ ولن يراوغ. يقول إنّه عدوّ الدولة له شروط لكي يكون صديقا. لا يحرّض الناس كما يظنّ بل يريدهم ألّا يتستّروا.

لن يخبره بالتحذير حتّى يدخل الغرفة، فيتفاجأ، فإمّا ينسحب أو يستمر.

يفقد عينيه مقابل أن يحصل على حرّيته.

وتظلّ فكرة العمى بعيدة عنه حتّى يدخل الكتاب، والوقت أمام المحقّق الأمنيّ ضيق، فالكتاب لابدّ أن يرجع إلى دائرة الآثار ليحفظ في ظروف خاصة تحفظه من التشويه.

أمامه بضعة أيّام حسبما ارتأت لجنة الآثار إذ أنّ وجود الكتاب القديم خارج مكتبة الآثار يعرّضه لأَكثر من خطر طبيعي. لقد فضل السيد كبير الأمن أن يختبر السجناء ولا يفرط برجل من رجال الأمن الذين اتقنوا المهنة وأصبح كلّ واحد منهم مخزنا لمعلومات تُعنى بالبلد، فضلا عن أنّه لا يحبّذ أن يفقد ثقة مرؤوسيه به حين يجعلهم محلّ اختبار خطر.

وفي صباح ثقيل الملامح مفعم بالبرودة والرطوبة، استدعي السجين القديم من زنزانته، كان صرير المفاتيح ينبؤه كل يوم بوجبة الطعام، وطعام أمس واليوم يختلف تماما، أحس لسانه بطعمه ودفئه، وزمن صرير المفتاح الآن ليس بوقت طعام، وقد صحّ ظنّه حين وقف أمام السيد المسؤول الذي أشار إليه بالجلوس. فجلس، وذهنه مشغول بالتغيير الجديد الذي يحسّه ويتوقَّع أكثر من احتمال لمغزاه، زاده شكّا حين أشار إليه السَّيد المسؤول بالجلوس وحرّك يده آمرا الحرس المرافق بالخروج. ظلّ يطالع وجه الضابط الذي احتفظ بلامح محايدة، وفي هذه المرّة بادر السّجين بالكلام:

- هل من شيء ياسيدي؟

ابتسم الضابط حيث أخذته المفاجأة الجديدة:

- أتحب ّ أن نبدأ من دون مقدمات؟

- ياليت فإنّكم استنفدتم كلّ شئ ولم تبعثوا في طلبي منذ شهور.

- لا تتعجل الأمر.. دعنا نتكلم بصفتنا أصدقاء.

- يسعدني أن أسمع منك ذلك.

قالها وقد ازداد شكه بعد اللطف المفتعل، فقال الضابط:

- حقا ! لنكن أصدقاء إذ أرسلت فلي طلبك لأنيط بك مهمّة ما!

عندئذ انتفض فتغيّرت ملامح وجهه:

- أكون رجل أمن؟ياسيدي

فقاطع الضابط بامتعاض:

- ياعزيزي لاينصرف ذهنك إلى مثل هذه الأمور.. لسنا بحاجة إلى رجال يعملون معنا.

- لا ذ بالصمت، وتمتم:

آسف يبدو أنّي تعجلت في الحكم.

من دون مقدمات هناك كتاب قديم عثرنا عليه مصادفة ولم نفهم معناه نأمل أن تقرأه وتنقل لي الأخبار الواردة فيه.

صدمة أم رغبة

شكّ.. مفاجأة.. أمر غامض:

- ولم لا تعرضه على من يختص بالآثار؟

- نحن دائرة أمن لا ننشر خبرا قبل أن نتأكد منه هل اقتنعت؟

- لكن لم لا تعرضه على أحد موظفيكم؟

فضحك الكبير وقال وهو يهزّ رأسه:

سيقرؤونه بعدك إن كانت هناك ضرورة. إنّهم رجالي وأثق بهم لكنّ ذلك لا ينفي أنّ لي علاقات خاصة وأحاديث مع السجناء والآخرين خارج السجن لا يعرفها أحد من الرجال المحيطين بي.

- من حقي أن أسأل لم وقع اختياركم علي؟

فقهقه الضابط وضغط بإبهامه على قلم التقطه من على المنضدة:

- لأنك صريح.. لا تراوغ ولا تلين أو تبدل فهل اقتنعت.

- لابأس ليكن.

عندئذ انتهى اللقاء بإشارة من السيد الكبير الذي نفث نفسا طويلا يشير إلى ارتياحه وقال قبل أن يخرج السّجين من مكتبه:

استعد خذ قسطا من الراحة وسنصحبك إلى حيث الكتاب

وكان هذه المرّة ينوي أن يطلق سراح السّجين االذي ينقل إليه سطور الكتابة بكلّ دقّة شرط أن يخرج بعد القراءة بعينين سليمتين!

2

نظر إلى الكتاب.

وقد أذهلته المفاجأة

لعلها على الأرجح نكتىة من الزمن الماضي، فما مر ملئ بالتهديد واحرب والقتل والدمار لأتفه الأسباب

أوهو ضمن تاخرافة فالماضي حين نتصالح معه نصفه خرافات والنصف الآخر أعمى.

فكرة العمى لم تُخِفه بقدر ما أخافه الاحتمال الآخر: أن يكون الكتاب فارغًا، أو كاذبًا، أو مجرد أداة إذلال أخيرة اخترعها جهاز الأمن ليجعلوه يجري نحو الوهم.

هم الآن يراقبونه من مكامن سرّيّة وليس أمامه سوى أن يتماسك فلا يمنحهم نقطة ضعف يمسكونه منها. إنّه على يقين:

أنّ خلف الجدار المقابل، وفي زاوية لا تكاد تُرى، فتحة صغيرة كالوهم شُقّت بعناية لتبقى خفية عن الأنظار. من خلالها، تلمع عينان تراقبان كل حركة، كل التفاتة، وكل لحظة صمت. الشخص المختبئ خلف الجدار كان ثابتاً، لا يتحرك إلا بقدر ما يسمح له بالحفاظ على موقعه دون أن يُكشف أمره.

أنفاسه كانت محبوسة تقريباً، وقلبه يخفق بإيقاعٍ متسارع، كأن ما يراه أمامه يحمل خطراً أو كشفاً لا يمكن التراجع عنه. عيناه لم تتركا الكتاب لحظة، وكأنه يدرك أن الكلمات التي يقرأها الرجل قادرة على تغيير مصيرٍ ما، أو كشف سرٍ دُفن طويلاً. الضوء الخافت كان ينعكس على حدقة عينيه، فيمنحهما بريقاً حاداً، أشبه ببريق صياد يراقب فريسته بصبر

هكذا تخيّلهم وهم يراقبونه.

مدّ يده.

وتخطّى جملة العمى التي فاجأته على الغلاف معللا نفسه أنّه لايخشى الحاضر بكلّ جبروته فكيف يخاف ماضيا أصبح جثة هامدة في مقبرة الزّمن، فكلّ ما هو خارج نطاق العقل والتجربة هراء..

ثمّ

في الغرفةٍ شبه المعتمة التي يتوسطها ضوءٌ خافت يتسلل من مصباحٍ يتدلّى من السقف، ليس هذا فحسب بل وجد ساعة ملتصقة بالحائط تسير عقاربها بصورة مذهلة وبسرعة واحدة. ساعة نشيطة. زولايريد أن يبتسم لها فلا يتعب نفسه لِمَ وضعوها وماذا يثصدون منها. هذا هو المكان الوحيد في السجن الذي يسير فيه الزمن بسرعة غير مألوفة، فمن أين جاءووا بالكتاب؟جلس منحنياً فوق الكتاب بدا من هيئته أنه ليس كتاباً عادياً. كان الغلاف داكناً، حوافه باهتة بين الصفرة واللون البنيّ الضارب في القدم من غير أن يتآكل تماما ! يمكن لشكله أن يصانع حاسة الشمّ فيملأها بعبق من الماضي يكاد يثقل الرْتين. ويتلوّن مع العين كيف تشاء وكأن الصفحات حملت عبر الزمن أسراراً أكثر مما حملته من كلمات. أمسكه بكلتا يديه بثبات، وراح يقلب صفحاته ببطء وحذر، كما لو كان يخشى أن يوقظ المعاني النائمة بين السطور قبل أوانها. عيناه كانتا غارقتين في النص، تتحركان بتركيزٍ عميق، وتتوقفان أحياناً عند جملة بعينها، كأنها سهم أصاب قلب فكرةٍ طالما بحث عنها..

في الوقت نفسه كانت ملامحه- بعد أن تمعن باغلاف مطمئنا ومتجاهلا التحذير- تجمع بين الجدية والقلق. جبينه مقطب، وشفته السفلى مشدودة قليلاً، وكأن ما يقرأه يضعه أمام اختبار داخلي صعب. من حينٍ لآخر، كان يرفع رأسه ببطء، يحدق في الفراغ أمامه، ثم يعود إلى الكتاب، وكأنه يحاول أن يربط بين ما يقرؤه وما عاشه، أو ما يخشاه أن يعيشه. صمت الغرفة كان ثقيلاً، لا يقطعه سوى صوت تقليب الصفحات، وصوت أنفاسه المنتظمة التي تخفي توتراً خفياً راوده بعد أن باشر بالصفحة الأولى.

الماضي البعيد

الحاضر

والمستقبل

وقد صدقت ظنونه يقررأ وهو يحسّ ألأن عيونا تحيط به لتعرف أنّه داهم الحروف على الرغم من التحذير إذ أنّه لا يخشى التحذير أكثر من خشيته العيون في الخفاء مثل طالب في الامتحان يشعر أن المعلم يقف على رأسه يتابع ماذا يكتب..

لا يكذب فيختلق قصة أو تفسيرا من خياله وكان يسخر من أسطورة العمى التي لجأ إليها من سبقونا.

الجدار بين القارىء والمراقب بدا كحدٍ فاصل بين عالمين: عالم المعرفة والانغماس في الحقيقة، وعالم التربص والمراقبة والشكّ. الرجل القارئ كان غارقاً في داخله، يقاتل أفكاره وأسئلته، بينما كان المراقب غارقاً في الخارج، يحاول أن يسبق اللحظة التي قد ينقلب فيها كل شيء وفي تلك اللحظة الصامتة، كان الكتاب هو المحور، السر المشترك بينهما، والشرارة التي قد تشعل مواجهة لم تبدأ بعد، لكنها كانت حتمية، تنتظر فقط أن تُطوى الصفحة الأخيرة.

لا تقلقوا سأخبركم بكل شىء

وصافحت عيناه الأوراق تستقبل الحروف أو تستقبل الظلام..

3

كان السيد المسؤول ينتظره بشوق

لهفة المنتصر

لو يكذب الماضي

لو يبقى السجين بعينين مبصرتين

للمرة الأولى يرغب ألا يصاب سجين عنده بعاهة أو مرض

ليعرف من خلاله أسرار الماضي من غيرما ضجّة تجعل السلطة بين يديه والسلطة التي نصبته في حرب مع مبهم ينفّذ وعده ووعيده.

ثم ما لبثت الكلمات أن تحولت إلى مرايا، تعكس واقعًا لم يكن يريد أن يراه. وحين بلغ الصفحة الأخيرة وانتهى من آخر سطرتحققت النبؤة، فأطبق الظلام على عينيه فجأة.

لم يشعر بألم، فقط اختفى الضوء، وكأن العالم قرر أن ينسحب بهدوء من أمامه إلى أفق مجهول قاتم بارد مظلم يرى الأشياء والمعاني من خلاله على خقيفتها.

يراها في الماضي كما كانت

وفي الحاضر كما هي عليه

وفي المستقبل القريب والبعيد..

بعد ساعات من الصمت والذهول، بدأ الرجل يتكلم أمام الكبير

لم يسرق أيَّ حرف ويصرفه عن معناه:

قال إن العمى لم يكن عقابًا، بل كشفًا. “كنت أظن أن الرؤية في العينين”، وواصل بمنتهى الهدوء، “لكن الكتاب علّمني أن العمى الحقيقي هو أن ترى ولا تفهم”.

فضحك ثانية الكبير ضحكة ملوّنة وسأل:

هه وماذا قرأت بعد؟

فتمعن لحظة:

أصلنا وضيع كما يقول الكتاب، الدولة والناس، نحن في البداية كنا حشرات أو حيوانات، وزاد الأمر سوءا أنّ السلطة ابتعدت عن الأخلاق.

هل سطور الكتاب تتحدث عن الماضي؟

الماضي والحاضر والمستقبل تقول إن الطبيعة إنّ في الماضي انتقموا من أنفسهم وفي الحاضر ينتقمون من أنفسهم ومن الطبيعة وفي المستقبل تنتقم من الطبيعة والأخلاق أيام السلطة محدودة وأيام الناس إلى عدم!

فصمت الكبير وقال واصل:

سيدي يقول الكتاب عنا نحن أهل الحاضر عميان وفي المستقبل من يملك الصدق مع نفسه يملك قرار وجوده وتحوّله من الوضاعة إلى الأكمل.

وحين توقف يلتقط أنفاسه، سأله كبير الأمن:

هل ندمت على قراءة الكتاب؟

هزّ رأسه بالنفي، وقال بثقة:

لو عاد لي بصري لتطوعت لأقرأه مرة أخرى فقد أجد فيه شيئا جديدا يزيد معارفي..

وابتسم ابتسامة خفيفة. قال: “فقدت بصري، لكنني كسبت بصيرة. كنت أعيش في ضوءٍ زائف، والآن أتحرك في ظلامٍ صادق”. ء ثم سكت، كأن كلماته الأخيرة كانت كافية. لقد أدرك أن أخطر الكتب ليست تلك التي تُقرأ، بل تلك التي تُغيّر القارئ إلى الأبد.

وانتفض من دون أن يقاطعه الكبير:

كلنا مزيفون كلنا وأنا منكم..

بقي الكبير في صمت. كتم غضبه ولم يقبل به قارئا وحيدا، كان عليه هذه المرة أن يفكر بآخر شخص لا يمتهن السياسة ولا علم له بحقل الاجتماع والآداب، نقر بإصبعه على الطاولة، فحضر أمامه بعض من حراس المكان، أخرج أحدهم السجين الأعمى، وأمر الآخرين أن يجلبوا إلى مكتبه بعضا من عابري الطريق يريدهم من مختلفي المشارب

فيهم

المعلم

والنجار

والكاتب

والمهرب

الوضيع والشريف

الجبان والشجاع

أناسا لم يعرف عنهم أي نشاط أو شبهة

ولم يكن ليعرفهم من قبل!

3

خلال دقائق كانت هناك حشد معه في الساحة

سطرٌّ طويل من الوجوه الشاحبة: عمّالٌ بملابسهم الملطّخة بعرق النهار، معلّمون يحملون دفاترَ مهترئة، نساءٌ شددن أوشحة الصبر حول أعناقهن، وشبابٌ تتقاطع في عيونهم الحيرةُ مع الجرأة. لم يكن الصفّ احتفالاً ولا عقوبة، بل مرآةً كاملةً للبلاد، تعكس وجوهها المتعبة وتاريخها المكتوب بأصابع كثيرة..

كان رجل الدولة يسير ببطء، يراقب التفاصيل الصغيرة:

يدٌ ترتجف

نظرةٌ تهرب

شفاه تتمتم

ظهرٌ مستقيم رغم الانكسار.

لم يكن يبحث عن بطلٍ خارق، بل عن إنسانٍ عاديّ يواجه العمى

يستفزّ الماضي بسذاجته

فينقل إليه الحقيقة عارية كما هي

لا رتوش ولا زيف ولا تحوير. هل هي كما ذكرها السجين الذي قرأ الكتاب فأصيب بالعمى، وهل ماقرأه يقين لا تشوبه شائبة من التحريف والتأويل.

سيتحاشى هذه المرّة السياسيين الذين جربهم فكل من يقف أمامه الآن، في هذه اللحظة، يظنّ نفسه اقترب ذنبا، قد يتوهم بعضهم أنه ارتكب خطا، وآخر يظن ما رآه حلما اعترف ببشاعته لآخر صديق أو قريب فنقله إليه.

كلّ واحد منهم يرى نفسه مذنبا، وسيقرؤ الكتابة بدقة أكثر من السياسي الذي سبقهم..

توقّف أمام رجلٍ خمسينيّ،

سأله عمّا يخافه، فقال: “

أن أخون ما تعلمته من أبي، فبعض الأحيان أغض النظر عن مال آخذه من حسابه ولا أخبره عنه مع أني لو طلبته منه لما اعترض.

”. ثم وقف أمام امرأةٍ شابّة، سألها عمّا تطلبه، فقالت: “أن أُسمَع دون أن أصرخ”. مضى. أمام شابٍ يافعٍ قال: “أخاف أن أكون شجاعاً وحدي في هذه الدنيا”. كلّ إجابة كانت تضع حجراً جديداً في كفّة الميزان، و الهمهمة تعلو وتنخفض، القلوب تتبادل الأسئلة: لماذا واحدٌ فقط؟ لماذا الآن؟ لكن رجل الدولة كان يعلم أن المسؤولية، حين تتوزّع بلا اسم، تضيع. وحين تُسمّى، تُحاسَب. توقّف أخيراً أمام رجلٍ نحيل، لا يلفت النظر. سأله عن عمله، فقال: “أصلّح ما ينكسر”. سأله عن حلمه، فقال: “أن يقلّ ما ينكسر”. ساد صمتٌ كثيف، كأن الساحة حبست أنفاسها.

أدهشهم أنَّ الكبير لم ينفرد بهم واحدا واحدا بل استجوبهم كلّهم مجتمعين بوقفة واحده، واختار منهم شخصا واحدا. شاب في العشرين من عمره.. حينئذ تنفسوا الصعداء، وبانت الفرحة على وجوهم وهم يستمعون إليه يأمرهم بالانصراف، صحب الكبير الشاب الذي اختاره فدخل معه غرفة التحقيق. كانت الصفرة تعلو والوجه وتمثل الخوف بشكل وحش رآه في الحقيقة والمنام وسمعه من كلّ الأفواه:

مااسمك؟

دليل!

شغلك؟

سيدي أنا بائع صحف في الصباح وفي العصر بائع خبز متجوّل، وحين قلت كلمتي لم أكن أعني بها المساس بالدولة هناك كلمات اقرؤها ولا أفهمها وبعض الأحيان أقرؤ جملا لا أعرفها إلى أن يحين وقت السؤال عنها.

فقاطعه الكبير:

ماذا تعني بوقت السؤال عنها.

أسمعها فأسأل أقرب الناس إليّ لكني لم أكن أقصد بكلمتي الأخيرة أيّ معنى أستفزّ به الناس.

ماذا قلت بالضبط (تظاهر جادا) نحن نعرف لكن أعدها عليّ لارى هل ينطبق ما تقوله في مكتبي على ماقلته من قبل.

سيدي أنت تدرك أن وسائل الاتصال غيرت كثيرا في عقولنا الناس بدؤوا يقرؤون ما أبيعه على صفحات التواصل.. تذمرت حقا مع ذلك لم أخص الدولة بتذمري بل العالم من أقصاه لأقصاه.

فابتسم الكبير ونهض فربت تعلى كتفه:

أتفق معك، نحن محتاجون إليك ولأنّك قاريء جيد وتبيع الكلام والخبز فسأكلفك بمهمة تتعلّق بالقراءة بعملك الأوّل!

تهللت أسارير الشاب بائع الصُّحف والخبز وسأل بعد أن أنصت للكبير:

وماذا أفعل لو رأيت كلمة فلم أفهم ماتعنيه؟

بعد دقائق

دخل بائع الصحف الخبز الغرفة

وكان الكبير يعود إلى جهاز المراقبة من جديد

مثلما فعل مع السياسيّ من قبل

وينهض بعض الأحيان ليطلّ من فوهة مخبؤة ليراه على حقيقته.

جلس الشاب على الكرسيّ ثمّ تطلّع في الكتاب.

وقع نظره على العنوان

ابتسم

ثمّ توقف عند التحذير

وضع يده على جبينه دقيقة ثمّ عاد لابتسامته

لابدّ أنّه عدّها مزحة أو سحرا افتعله الأقدمون ليبعدوا الأيدي والنظرات الحانقة. هو التفسير الذي ذهب إليه السياسي وليس هناك من معنى يدور بذهن المسؤول المراقب.

فتح الكتاب ومازالت الابتسامة لا تفارق شفتيه.

الساعة على الحائط تسير بشكل أليف لا تخيفه، فلا يلتفت إليها. الكبير لم يحدد له وقتا. كأن الزمن قرر أن يتوقف احترامًا لما يحدث. قبل ساعة فقط، قال له الرجل بصوت هادئ لا يقبل النقاش: "

اقرأ. "

لم يشرح لماذا، ولم يقل إلى متى

أمر المسؤول بقي مفتوحا إلى مالانهاية.

لقد كانت الصفحات مليئة بكلمات مألوفة لكنها مرتبة بطريقة غريبة، كأنها تعرفه أكثر مما يعرفها. هي التي تتوجّه إليه. مثلما يحلم برسالة رقيقة يكتبها لآنسة في الحلم وحين يستيقظ يتذكّر فقط عبير الكلمات. في البداية قرأ بدافع الطاعة، ثم بدافع الفضول، ثم—من دون أن يشعر—بدافع الحاجة

قد يحصل على منحة

أو

مساعدة ما على أقل تقدير

ونسي تماما التحذير

كان الرجل يراقب كل حركة: كيف يرفع الشاب عينيه عند نهاية الفقرة، كيف تتسارع أنفاسه عند بعض الجمل، كيف تتجمد أصابعه عندما يمر على كلمات بعينها. لم يكن يراقب القراءة، بل ما تفعله القراءة داخله..

مع مرور الوقت، بدأ الشاب ينسجم مع الحروف وينسى الوقت. صارت الكلمات تتحول إلى صور، ثم إلى ذكريات لم يتأكد يومًا أنها حقيقية. رأى نفسه طفلًا يركض في ممر طويل، يسمع صوتًا يناديه لكنه لا يلتفت. قرأ عن الخوف، فشعر به. قرأ عن الذنب، فتذكر أشياء لم يكن ينوي تذكرها، كلما تقدّم، أصبحت اللغة أبسط، لكن المعنى أثقل. لم تعد الصفحات تحكي عن شخصيات بعيدة، بل عنه هو. عن قرارات لم يتخذها، وعن طرق اختار ألا يسلكها. شعر كأن الكتاب يسأله، لا يشرح له

لكنّ كلّ ماقرأه كان جميلا

حتّى المشاهد القبيحة التي رآها ويراها كل يوم بدت في الكتاب أجمل

وفي آخر لجظة

مع نهاية آخر كلمة

أغلق الكتاب

وفجأة

أدار رأسه في الغرفة

مسح عينيه

وحرّك رأسه مثل عصفور ينفش ريشه من ماء المطر

وصرخ

إنّي لا أرى شيئا

لم يجبه أحد

كان يتخبّط في الغرفة وحده

ينادي

يستنجد

يمسح عينيه

ويقول: ظننتها خرافة. خرافة.

بعد لحظات

دخل عليه رجل يهتف:

لا تخف! لا تخف هل تشعر بألم؟

أبدا لكني لا أرى.

قاده الحارس ثانية إلى غرفة الكبير، وساعده على الجلوس ثمّ خرج. قال:

لا تخف إهدأ (وجد الكذب وسيلة لاستدراجه): لدينا كتاب آخر ستقرؤه ويعود إليك بصرك!

سأل بسذاجة ملؤها الرّجاء:

هل حقّا سيعود إليّ بصري؟

ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، كأن الإجابة كانت متوقعة.

بالتأكيد، والآن قل لي ماذا قرأت؟

ياسيدي أسماء كثيرة تتحدث عن الحاضر والدولة والزمان الذي نعيشه!

والماضي؟

لم تقل السطور عنه شيئا أو تذكره لقد أخبرتني الجمل الكثيرة عن نفسي وعن أن الدولة جادة في بناء البيوت والمشاريع والرفاه ومادام الأمر كذلك كما تقول سطور الكتاب فإنّي في شوق إلى قراءة الكتاب الثاني الذي سيعيد إليّ بصري ولابدّ! أن يكون هناك من يقرؤه لي سيستعيد سمعي بصري ويتحقّق ما وعدني به الكتاب الأوّل!

5

كان الوقت مفتوحا مغلقا أمام السيد المسؤول بضعة أيام يمكن أن يماطل. يظنّ أنّ لجنة الآثار بالغت كثيرا حين حذّرت من أنّ الكتاب قد يتأثّر بالرطوبة ودرجة الضوء، والمأثور عنه أنّه يشكّ في كلّ شيء فلا خطر عليه ولا على السلطة والناس من تلف كتاب قديم غير أن الخطر يبقى في حال كونه لغزا لا يفهمه أحد أو يفمه كلّ حسب رؤيته.

ألقى نظرة مصادفة على الساعة التي تطلّ عليه من علو، وابتسم في باله فكرة أخرى سيحضر أحد الأدباء الحالمين لعله يستطيع أن يقرأ الكتاب كما هو فإن أخفق فهناك البدائل الأخرى.

بعد ساعات أحضروا الأديب أمامه.

شاعر في الأربعين

متفائل

يبدو شاردا

ولا يهمه أن يعرف الداعي لاستدعائه.

5

كان القارئ الجديد يختلف عمن سبقه من القارئين.

يتعامل بحس وشعور عال مع الأشياء

عبث أن نضع قوانين تقيدنا

يا سيد آمل على فكرة اسمك يبعث على الراحة، ياسيد آمل ماذا تعني بقولك في مجمعتك مصائد الريح

أنت جميلة ولك رجلا نعامة

تعيشين برأس أسد

أمن أجل هذا استدعيتني شعري مطبوع ولو وجد فيه الرقيب المزكّى منكم معنى لا يتماشى مع السياسة لما سمح لي بنشره.

معك حقّ.. لا يهم.. لن أجبرك على تفسير قولك.. دع كل قارئ يفسره كما يشاء.

لكن علام استدعينتي ياسيدي.

ثابت اسمي ثابت.

نعم

أقول لك هناك كتاب قديم عثرنا عليه مصادفة معبّا بالرموز ولكونك شاعرا نود منك قراءته لتفسِّره لنا.

لأية فترة يعود الكتاب؟

لكلّ الفترات.

حسنا أين هو؟

ابتسم الضابط وهو يحدق بعيني جليسه:

في الغرفة المجاورة على منضدة.. الغرفة دافئة وذات إنارة.

لا.. ياسيدي أريد شمعة وحصيرة هذه عادتي عندما أقرأ أحيانا أضع سكينا جنبي لأدفع بها عن نفسي إذا يحاول أي شخص أن يخرج إليّ من سطر ما وربما أقطف بها وردة من بين السطور.

نظر الضابط نظرة حادة إلى جليسة، فقد خشي من أن يؤذي نفسه أو ينتحر ولعله يداهم الحارس، فقال

لك كل شئ إلا الأداة الحادة، وإلّا..

وبعد دقائق كان الشاعر يجلس على حصير في زاوية من زوايا الغرفة المعتمة الرقيب يطالعه عبر الشاشة والثقوب المخفية أحيانا ولعله ظنّ الضوء الخافت لوح زجاج رآى من خلاله أنوار المدينة تسري كأحلامٍ متقطعة.

وجد في ذبالة الشمعة نفسها كل الشوارع والأزقة والناس الذين غادرهم إلى هذا المكان قبل أقلّ من ساعة.

لم يتوقف طويلا عند العنوان، وهو واثق من أن السطور لا تخذله ولا تسخر منه مثلما يسخر منه بعض الذين لا يفهمونه

أهمل التحذير تماما.

قال في نفسه إنّه لعبة من ألعاب الماضين الذين عرفوا أنّهم تركوا أشياء لم يرغبوا في أن تراها الأجيال بعدهم فجرّبوا تهديدنا بوسائل مزعجة.

تجاهله

بدأ يقرأ:

عيناه تغوصان في صفحات كتاب غامض أراده يحمل بين سطوره سرّ العالم. يحب الغموض ويستسخف كلّ قول أو فعل صريح.

تافه..

لا بأس أن يمدّ يده إلى فنجان قهوة يمكن أن يتخيله أمامه ليكون هو نفسه بمستوى الكتاب ومع الحقيقة والوهم أعاد الفنجان مكانه دون أن يرتشف منه أيّة قطرة، بدأت عيناه تتعلقان بين السطور لتصبح كلّ جملة بوابة إلى كون آخر.

راح يقرأ:

كان الليل يهبط ببطءٍ على المدينة، والمطر يوشك أن يبدأ عزفه الخفيف على الأرصفة، فتحوّل مع هبوط الظلام إلى قلب ضفدعة.

نَفَسٌ رومانسي جميل قال مع نفسه وغاب عن ذهنه تماما الرقيب الذي يطالعه وهو يقرأ من على الشاشة أو عبر الثقوب مباشرة وواصل القراءة.

الكتاب لا يفهمه أحد سواه. أشبه بمرآة مغطاة بالضباب.

كل كلمة فيه تنطوي على استعارة غريبة.

وكل صورة تراوح بين المعجزة والهوس.

الصخور تطير حين يعجز الجبل من ثقلها.

تطير فوق الوديان

أدار وجهه ةفي الغرفة فوجد أن الورود حين تُغْضب الفجر يصبح لها مخالب..

الخلاص المتأخر من عبء الأرض..

قرأ ثانية

فامتلأ المكان برائحة حادّة من الورود والدم في وقت واحد. والورد نفسه وحده يمشي بين طاولات المقهى وعلى أسلاك الكهرباء يتحاشى النوافذ كأن الكلمات لم تكتب فحسب بل ولدت في الهواء.

قال مع نفسه: إنّي لم أكن مهووسا بالخيال وحسب بل مغرم بتفكيك العالم.

بدأ يشعر أنّ اللغة تمارس عليه سحرا لم يعرفه من قبل. الكلمات لا تشرح ولا تهدم لا تتحدث عن ماض ولا تُعنى بالحاضر بل تهدم وتبني عوالم جديدة.

توالت الصفحات، وكلّ جملة كانت تزرع في ذهنه صورة أكثر جنونا من التي قبلها:

الطيور تكتب قصائد بأجنحتها: ما العلاقة بين السّنونو والمقص والسمكة والمقص.

أخذ يغرق بضحكٍ هستيري صمت فجأة وحدّث نفسه: كم كنت أودّ لو أقرأ ببطء فأقضي مع الكتاب أعواما لكنهم يريدونني على عجل!

الظلال تتنفّس

الليل يبتلع الأسماء حتّى يعيدها بلا معنى

وشيئا فشيئا بدأ القارئ الحالي يفقد الإحساس بالمسافة بين الحقيقة والخيال أو الحرف أمامه والعالم.

عاد يخاطب نفسه ثانية: لم تعد الكلمات تصف الكون بل تتفوّق عليه.

بعد أن التهمت عيناه نصف الكتاب رفع رأسه إلى السقف، فلم يجده، ورآى المدينة كما لو كانت انعكاسا لأفكاره: العمارات لم تعد صامتة، بل كانت تميل كأشجارٍ عملاقة تُصافح السحب، والناس يسيرون في الشوارع بحلمٍ واحدٍ متّصل. قال في نفسه: “كل شيء استعارة.. حتى أنا. ” ثم عاد إلى الكتاب بعينين متعبتين، يبحث فيه عن معنىً لم يعد يستطيع الإمساك به.

يتعجّل وفيه رغبة للتمهّل:

أخذت الكلمات تزداد توهّجا، والضوء المنبعث من الورق أكثر سطوعا من الشمعة جنبه والمصابيح في الخارح. أغمض عينيه لحظة غير أن الصور استعصت على أن تختفي. طارت في العتمة، وفتحت الورود مخالبها على حواف ذاكرته. سمع صوتا يهمس:

التأويل لم يكتمل بعد.

وحين حاول أن يبتعد عن الكتاب وجده يلتصق بيديه.

أراد أن يغلقه.

لكن

صفحاته راحت تتقلب أمام عينيه كأيّ كائنٍ حيّ لا يقرّ السُّكون.

في تلك اللحظة شعر أنّ عينيه امتلأتا بضوء غريب.. ثمّ شيئا فشيئا يتحوّل إلى عماء.

عماء مطلق

لذيذ

ناعم

كنعومة الفراشات

مع سكون العاصفة أيقن أنّه رأى كلّ شئ ولم يعد يرى شيئا. لم يعد يميّز الوجوه ولا الأمكنة سوى إنّه يشعر بأن لغةً جديدة تنبض في داخله، لغةٌ لا تحتاج إلى العيون بل إلى آلة أخرى يملكها عن بعد. ابتسم في هدوءٍ غامض، ومدّ يده يتحسس الكتاب للمرة الأخيرة، ثم همس: “كل ما في العالم استعارة.. حتى هذا العمى

وحين وقف أمام الكبير قال قبل أن يسأله:

ياسيدي أنا لم أفقد بصري بل فقدت شيئا خدعني.

فتعجب الضابط وهتف بحدَّة:

قل لي ماذا قرأت.

أجاب بنشوة غامرة: قرأت أمة كاملة أمة من الاستعارات من يقرأ الكتاب يظنّه يتحدث عن التاريخ: الماضي والمستقبل والحاضر.. علم غيب وربما هناك من يفهم يظنه يقصد الفيزياء والالمعادلات الرياضية هذا الكتاب العظيم لا يهمه شكل حكومتنا ولا الكيمياء نحن والكون حسب ماقرأت مجرد استعارات.

قال الضابط ماهذا الهراء.

ليس هراء نحن أنا وأنت والدولة. الناس الحشرات لسنا حقائق نحن وهم لاستعارات ساطعة ولا فرق بيني وبينك الرئيس والملك والحشرات والضفادع الليل نحن نعيش حالة استعارة رهيبة..

نعم هراء هل أنت سعيد بأنّكَ لا ترى.

فاستغرق الرجل بضحكة هستيرية كادت تخرج الكبير عن طوره:

أنتم العميان أنا الآن سعيد إذ أرى نفسي جيدا.

ونهض من على كرسيّة وخطا يتلمس بيديه الهواء ووقف فجأة وسط الغرفة وراح يلقي الشعر الذي قرأه في الكتاب:

لك وجه تمساح

وأنا لي رأس كلب

مسخ أنت لا أنا

هل يحترق السكون فنتبادل الوجوه

فجأة

صرخ الضابط كفى كفى.. أخرجوه من هنا.. فدخل رجلان كانا يقفان خارج الغرفة لكنّ الأعمى قال يسخر منه الثلاثة: أعرف طريقي جيدا!

6

لم يكن كبير الأمن في وضع يحسد عليه فقد تكدست من قبل قبل ملفات واعترافات لكثيرين تكاد تنطبق حول قضايا واضحة سياسة.. جرائم.. حوادث تهريب.. تآمر.. رشاوى أمّا الذي الذي يضعه في موقف حرج فإنّ الذين قرؤوا الكتاب لم يتفقوا على جوهره. كلٌّ منهم قرأه بصيغة متناقضة.

سياسة

شعر

تنجيم

ولعل هناك من يأتي بعده فيرى أنّه يختص بالخيول أو تركيب الأدوية.. وسنجد خارطة للسماء فيه ويرى من مارس الطب تشريحا لجسد بشري ووصفا لأمراض مستعصية.. يجمع بين الدقّة والوضوح والأفضل أن يطّلع عليه طلاب كلّيّة الطبّ. الجميع يكذب، أو يقول نصف الحقيقة والحق يقال إنّ كلّا يقرأه حسب هواه..

ولم يسمع من أفواه القارئين جملة واحدة متفقا عليها.

الشئ الوحيد المتطابق أنهم خرجوا عميان، فهل يحكي عن الدولة أم الشعر لا علم الماضي والحاضر، ولعل هناك من يقول فيما إذا قرأه أنّه كتاب رياضيات، أو يحتوي على اختراع عجيب. كل من يمنحه الكتاب جانبا يصاب بالعمى.

جلس يرتاح قليلا وضعا رأسه بين راحتيه..

ثمّ خطرت له فكرة ذكيّة.

استدعاء عالم آثار

أفضب

بل

الأفضل

الرجل الذي عثر على الكتاب الغريب، شئ لا يقبله عقل أنّ القراء يختلفون على كتاب واحد..

بعد ساعة

دخل الرجل يحمل نظارة قاتمة سوداء بيمينه. كان هادئا هدوءًا غريبًا، كأن الزمن لا يؤثِّرُ فيه. جلس أمام كبير الأمن دون أن يتكلم، منتظرًا السؤال الأول

قال الكبير بصوت منخفض بارد النبرة:

شكرا لحضورك سعادة الدكتور أنت تعلم سبب استدعائنا لك!

لا بأس حين تخص قضية الآثار الأمن فعلي أن أبدي سروري لدعوتكم وأظنّ الأمر يخص الكتاب.

الحقّ نعم.

هل استنتجتم شيئا ما؟

قال مراوغا:

لم نصل إلى نتيجة بعد.

قصدي هل قرأه أحد؟ وهل أصيب بالعمى؟

فقال بحزم وقد اختفت علام المرح من وجهه:

هذه مسألة قيد التداول فيما بيننا وأظنّ أنّ في التحذير مبالغة مقصودة.

ابتسم عالم الآثار ابتسامة خفيفة وقال:

في الآثار، ياسيدي، لا نبحث عمّا فُقد فقط، بل عمّا تغيّر. الحجر لا يكذب، لكن البشر يفعلون حين يجهلون قيمة ما أمامهم.

كتاب وليس حجرا.

الحجر يكون أحيانا كتابا بسطور أم دونها.

مال كبير الأمن إلى الأمام، وقد بدأت الحيرة تتحول إلى اهتمام. لأول مرة منذ بدء التحقيق، شعر أن خيطًا رفيعًا من الفهم قد ظهر. ربما لم تكن المشكلة في تضارب الأجوبة، بل في سطور الكتاب نفسها:

هناك من يظنّ أنّه مجرد كتاب قد ينفع ولا ضرر له وقد لا ينفع.

تحسس الدكتور نظارته وقال:

المشكلة إننا وجدناه في الصحراء والصحراء.. منطقة جرداء لكننا يجب أن نغير رأينا لقد وجدنا فيها معادن وذهبا وهذا يلغي نظرتنا المألوفة عنها.

فنقر كبير الأمن على الطاولة بالقلم وقال:

لهذا السبب ارتأينا نحن - الأمن - أن تبدأ بقراءته لأنني بصفتي رجل أمن لا يهمني الطقوس التي في الكتاب بل مايهم سلامة الناس والدولة.

لا يظنّ الدكتور أنّه وقع في الفخ. كان الخطأ خطأ اللجنة يوم وافقوا على إحالة الكتاب إلى لجنة الأمن. كان عليه ألّا يخضع لتهديد الكتاب فهي المرّة الأولى التي يجد فيها أثرا يتصرّف بطريقة عدوانية، وقد شكّ في أن كبير الأمن لم يدفع شخصا أو أكثر لقراءته، ولعله أو لعلهم أصيبوا بالعمى جميعا وإلا لما استدعاه الكبير غير أنّه احتاط للأمر:

سيدي أنا على استعداد هل أبدأ الآن؟

قال عبارته ووضع النظارة القاتمة على عينيه.

فانبهر كبير الأمن بفكرته:

أراك احتطت للأمر!

سوف أواجه وحشا يتعامل مع عيني فأضع بينهما وبينه حاجزا!

وقصد الأثري الغرفة المجاورة. كان واثقا من نظارته القاتمة. مطمئنا

من دون وجل أو خوف

إذ

لم ير في أي جزء من الآثار لعنة تنصب على رؤوس أهل الحاضر وأجيال المستقبل.

دخل الغرفة بثقة وارتياح، وقصد المنضدة والكتاب. أدرك - مثلما الذين من قبله- أنّ هناك عيونا تراقبة من ثقوب مخفيّة ومن على شاشة في الغرفة المجاورة. لابد!ّ أنّهم استدعوا الكثيرين قبله.

كانت الظلال - بفعل النظارة- تتشابك على الجدران كما لو أنّها بقايا أرواحٍ قديمة لم تغادر المكان بعد. أمامه، وعلى منضدةٍ خشبيةٍ، استقرّ الكتابُ القديم، مهيبًا بصمته، مغطّىً بطبقةٍ رقيقة من الغبار الذي تراكم عبر قرونٍ من النسيان. هاهو يعزل نفسه عن الحاضر، فيدخل بعقله إلى زمنٍ آخر، زمنٍ كُتبت فيه الكلمات بيدٍ كانت تؤمن أن المعرفة سرٌّ مقدّس من يرها يصبح أعمى.

للكتاب طعم آخر حين لاتقع عليه عيناك دون حجاب.

قد يساعدك ذلك في أن يصبح أكثر قربا منك.

مدّ يده بحذر، وكأنّه يلامس كائنًا حيًا قد يستيقظ فجأة

هذه المرّة رآه كتابا يختلف عن الذي وجده فحذره من العمى..

خيّل إليه أنّه من جلدٍ داكنٍ متشقق، برموزٍ غامضة لا تنتمي إلى لغةٍ واحدة، بل تبدو مزيجًا من حضاراتٍ تعاقبت ثم اندثرت. حين فتح الصفحة الأولى، انبعثت رائحة الورق العتيق، رائحة التاريخ ذاته، فشعر بقشعريرةٍ تسري في جسده. لم يكن هذا مجرّد كتاب، بل شاهدًا صامتًا على ما نسيه البشر أو تعمّدوا نسيانه

الورقة الأولى بيضاء

لا يجرؤ أن يخلع النظّارة عن عينيه، فيصدّق أنّها بيضاء، مع ذلك ازدادت دقات قلبه مع كل كلمة. كان يدرك أن ما بين يديه قد يغيّر فهم التاريخ، وربما الحاضر أيضًا. لكنه أدرك في الوقت نفسه ثقل المسؤولية. فالعلم، حين يُنتزع من سياقه الأخلاقي، يتحوّل من نورٍ إلى لعنة.

ماذا يجد في الورقة التالية؟

بيضاء أكثر اصفرارا من سابقتها..

صدمة ماتزال غير متوقعة

يده ترجف

يسأل نفسه: هل في الورقتين البيضاوين سرّ غامض يُسلط من الماضين على عيون اللاحقين؟

وعبر يده المرتجفة قلب الورقة الثالثة فكانت بيضاء أيضا

تنفس بأسف وواصل:

الرابعة

الخامسة

السادسة..

كلما قلب ورقة وجدها بيضاء

هل أكلت عيون القارئين من قبل الكتاب؟ ازدادت حيرته، هناك من قرأه فاقتلعته عيونهم سطرا سطرا. كلّ أخذ مبتغاه فهل أخذ عيونهم؟

جميع الأوراق بيضاء باهتة البياض.

لاشئ

كأنّه يعود من رحلة خطرة عبر الزمن يجللها البياض، في تلك اللحظة لم يشعر بأيّ نصر، غابت لذة الاكتشاف الجديد وتلاشت بعيدا.. بل شعر أنّه أصبح حارسا لسر لايفهمه، فأغلق الكتاب وخطى خارج الغرفة محدودب الظهر بطئ الخطوات.

- هل هناك من شئ.

سأله الضابط بعجالة، فخلع نظارته وقال:

- هل قرأ الكتاب أحد قبلي؟

الضابط يعود إلى تجهمه:

ماعليك من هذا الأمر وليس من واجبك أن تعرف سؤالي محدد: ماذا وجدت كأنك لم تصب بعاهة العمى؟

فابتسم بشماتة وقال:

وجدت الأوراق بيضاء خالية من ايّ حرف.

فتأمل الضابط قليلا وهزّ رأسا ثمّ اندفع:

هذا لأنّك قرأته بحاجز. ماكان عليك أن تفعل.. وماكان علينا أن نوافق منذ البدء.. (وأشارإلى المنضدة) دع نظارتك وعد للغرفة من جديد (ولان بعض اللين) أرجوك اقرأ الكتاب من دون أي حاجز. أرجوك لمصلحتك ومصلحتي ومصلحة الجميع فأنت من عثر عليه.

تأمل لحظة تشبه الأسف

وخطا ثانية إلى الغرفة حيث الكتاب وفي باله أنّ الوضع لن يعود كما كان عليه من قبل.

لكن

عليه أن يقابل السطور بعينيه وحدهما من غير أيّ حاجز.

***

رواية قصيرة

د. قصي الشيخ عسكر

مَـن كان يسعى، في هَـواكَ بِعِـفّـةٍ

فـاحـفـظ هــواه، بــعِــفـةٍ ووَفــاءِ

*

وإذا خــَطا الواشون خطوةَ حاسـ دٍ

فــاثــبـــت بــعَــــزْمٍ واثـِـقٍ وإبــاءِ

*

وإذا وُعِــدتَ، فــللوعـودِ عَـواثـِرٌ

أسْــرِع، بــدون تَــرقّــبٍ وعَـنــاءِ

*

تـابــع فــرُبَّ بـِـغَــفْـلَةٍ ضاعَ الــذي

طــالَ انتـظــارُه بعــد طـوُل بــــقاء

*

واجْعــلْ لأفْــقِكَ انجُــماً تُـهْدى بهـا

إنّ الــتــدبـّـرَ فــيـــه حُــســـنُ أداءِ

*

وإذا تَـصنَّــعَ في اللقاء مَـن ادّعـى

عَــجِّــلْ بــفــرقــتـِه، بــدونِ لِـقاءِ

*

صَــوْتُ الكــرامَــةِ للخـلود مُـؤهَـلٌ

وسَــنا الخلودِ، يشعُّ فــي الاجواءِ

*

لايرتوي الصادي، بِوَصْفِ بُحَيرَةٍ

والغُـصــنُ لا يَعـلو، بـغَـيـر الـماءِ

*

القــلـبُ يــَمْــنَحُ، لِـلسـانِ تَــمَكّـنـًا

والعيــنُ تــهــدي نــورَهــا لِـلرائي

*

أرِح خُــطـاكَ، فكــلُّ حُــبٍّ صــادقٍ

يأتــيـــكَ دون تَـــرَقّـــبٍ و خَــفـاءِ

*

ياســـاعيًا صــوْبَ الفِـراقِ، لِغايـةٍ

ســـوءُ الـفِــعــالِ، تَـوَطّـنٌ لِـلـداءِ

*

اشــراقـةُ المَعـنى، دليــلُ تَـــبَـصّـرٍ

يــهــبُ النصوصَ دعائـمَ الإرســاءِ

*

فإذا ارتقى المضمونُ صَوْبَ عَلائه

يحلو النشـــيدُ، بـوقْــعِـه الـغَـــنّـاءِ

*

أفْــقُ البلاغةِ، فــي شُــروقٍ دائــمٍ

و وِســام تَـمْـكـِيـنٍ مــن الأضـواءِ

*

عــفوا لأجــواء الفصاحةِ والسـَّـنا

عن أي سهْــوٍ، صار فــي الإدلاءِ

***

(من الكامل)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

هناك في تلك السنين كان اللقاء

حيث انطفأ موقد المتعبين

وحيث أيقنتُ اصفرار الحشائش

وهروب القبرة مكسورة الجناح

كل يوم أكتب رسائل الوجد

بقلم بلا حبر

أخاف عليه من وجع الليالي

وحين يتكمم فم الضوء

وكم أفزعني ان العشق

لا يشبه ما كان

ليسقط حنين المرافئ في بئر

الصمت

ويذرف النسيان قشوره للريح

يعاتبني العمر على ضعفي

وبكائي خلسة حين ينحسر الهواء

وعبر النافذة الملبدة بالضوضاء

تكمن آهات الصبايا الموغلة بعمق التأريخ

قالت احداهن: في عرس الملك البليد

سنمضغ لحم الشاة

ونصلب قرنيها بتهمة النطيحة

الشحاذون يتسكعون في الأزقة والطرقات

وان عاد أبي من القتال

يحدثنا عن احتراق تلك الأزمنة

عندها يبسط عباءته للصلاة

ثم يغفو بأهداب متثاقلة

مثل طفل هدهده النعاس

بالأمس بكى أبي في أعماق الكهف

ليتنا نتعلم كيف نحبو وكيف نكبر

وليتها توقفت عقارب الساعات

مذ تلك الليلة الحالكة

وفي الليلة التي مات فيها أبي

***

نص شعر

سنية عبد عون رشو

هذا المساء أيضًا،

لا أشبهني.

كأنّني نسخةٌ مؤجَّلة،

من ذاتي،

لم تُستكمل طباعتها بعد.

*

القلق

يمدّ قدميه في رأسي،

يجلس بلا استئذان،

يقلب ذكرياتي

كما تُقلب رسائل

لم نعد نجرؤ

على قراءتها.

*

شيءٌ خفيّ، يخنق

يضغط،

على روحي ...

*

قلبي

مغلقٌ للصيانة،

وعقلي،

يعمل بنظام الطوارئ،

يطفئ الأسئلة الكبيرة

ليحفظ طاقة البقاء.

*

أمشي داخلي

ولا أصل،

كل الطرق

معبّدة بالاحتمال،

ولا لافتة

تشير إلى النجاة.

*

هذا المساء

لا حزنَ كامل،

ولا فرحَ واضح،

مجرّد لونٍ باهت

بين درجتين من الوجع،

اسمه، لا شيء

ويعني، كلّ شيء.

*

أريد أن أنام

لأستعير

حلمًا

يتذكّر عنّي

كيف كنتُ أشعر

حين كان الشعور

آمنًا.

*

هذا المساء

أترك نفسي

معلّقةً قليلًا،

كمعطفٍ على باب الروح،

علّ الدفءَ

يتذكّر الطريق.

***

مجيدة محمدي

فجأة.. وبسرعة غير محسوبة جيدًا، انقلبت الاشياء في المؤسسة شارعةً بالتغيّر والتبدّل، نام الجميع في الليل ليفيقوا في الصباح وقد تغيّر كل شيء. وبدلا من رائحة القهوة العربية الاصيلة ابتدأنا نشم في الاصباح التائهة رائحة "النس كافيه". اكثر من هذا توصّل افراد الادارة السابقة، ذكاءً او تذاكيًا الى انهم يفترض ان ينسحبوا تقليصا لخسائر كورونية قادمة توقعوها شامّين رائحتها البائخة عن بعد. نتيجة لهذا كله بات الوضع في المؤسسة اشبه ما يكون بفلّة حكم او بسفينة غارقة، وبعد ان حمل رجالات الادارة السابقة ما خفّ وغلا ثمنه هاربين به ومولّين الادبار حالمين بليالٍ دافئة في احضان زوجاتهم، برز نوع آخر من رجال الادارة غير المؤهلين ومن غير رجال المعرفة والخبرة، وراحوا بخبراتهم المحدودة يحاولون اعادة ترميم ما افسدته مياه الكورونا في سفينة المؤسسة العظيمة، وكنت انا الكاتب المتطوّع في المؤسسة اتابع الامر من بعيد وافكر في كيفية الاستمرار رابطًا بين فترة ما قبل الكورونا وما بعدها.. وعلى لساني الف سؤال وعلامة تعجب، لهذا كان لا بد لي من امرين احدهما المكوث في المؤسسة اكثر ما يمكن من وقت والتفكير في تقييم اودي. وبما ان العين بصيرة واليد قصيرة فقد توصلت الى انني ينبغي ان اخصّص ميزانية محدودة لشراء المناقيش من المخبز الواقع في الطريق الى المؤسسة ووضعه في ثلاجتها الكبيرة.

بعد ان هدأت العاصفة وابتدأت بالتفرس في الوجوه الجديدة، اكتشفت انني اعرف معظم هؤلاء فبعضهم نبق كما ينبق الفطر بعد شتاء شديد والبعض الاخر كنت اعرفه وابتدأت بالتعرف عليه كل يوم مجددا كما فعلت هيلاري كلنتون مع زوجها في فضيحة مونيكا داخل البيت الابيض، المهم انني بينما كنت اضع المناقيش في ثلاجة المؤسسة.. شعرت بأقدام تقترب مني. والتفت الى مصدر الاقدام لأراها تتخطاني وتعبر الى الداخل. تركت مدخراتي من المناقيش وتبعت الاقدام، لاقف قبالة صاحبها سعد. كان هذا واحدا من الاصدقاء القدم. الذين عرفتهم عن بُعد وربطتني بهم علاقات صداقة متقطعة.. تحكمها المودة حينا والمصادفة احيانا. وضع سعد يده على كتفي وهو يقول:

- ها نحن نجتمع مجدّدًا.. سنكون معًا.

هززت راسي علامة الموافقة، فتابع يقول:

- مؤكد ان احدنا سيكون سندا للآخر.. الوضع ليس سهلًا ويحتاج الى همة ونشاط..

وافقته مرة اخرى بهزة راس اقوى من سابقتها، فدب فيه حماس متجدّد، قال:

- هناك الكثير من الامور تحتاج الى نفض.. وقلب سافلها عاليها.

بينما نحن نواصل الحديث بكلمة منه وهزة راس مني، شعرت بأقدام تقترب من حيث توقفنا، ولم تمر سوى هنيهة سريعة حتى تبين لنا ان القادم هو الزميل سعدون. تركني سعد وتوجه اليه كأنما هو عثر على من يستمع اليه بعيدا عن هزات الراس المتواصلة، وفوجئت بالاثنين ينفجران بالضحك.. سالت نفسي عن سبب الضحك.. ضحكهما.. فلم اعثر على جواب.. ابتسمت مجاملة لهما، فما كان منهما الا ان توجّها الى قائلين بصوت كاد يكون واحدا:

- مؤكد انك ستكون عونا لنا في تنظيم الامور واعادتها الى مسارها الصحيح.. المؤسسة تحتاج الى دماء جديدة تضاف الى القديمة.

وغمز الاثنان نحوي طالبين مني الموافقة على اعتبار انني واحد من بقايا الادارة السابقة وفلولها الحائرة، ارسلت هزة اخرى اضافية من راسي، اعتبراها موافقة مني على الانخراط في اعادة البناء والترميم. وغمز كلٌ منهما للآخر ضمن اشارة اننا يجب ان نبدأ.

في الايام التالية فوجئت بالاثنين، سعد وسعدون، يدخلان المؤسسة مرتديين ملابس عمل خاصة ويدفعان بوابتها الحديدية الخارجية بأقدام من ينوى ان يقوم بثورة تغير وجه الكرة الارضية وليس وجه مؤسسة بسيطة في بلدة صغيرة يطلق عليها امثالهما صفة مدينة تزلفا ومجازًا. فتح الاثنان حقيبة كبيرة احضراها خصيصا لتنفيذ اعمال وترميمات في المؤسسة، وسحب كل منهما فرشاة طلاء وباليد الاخرى مجحاف دهان محترف. هجما على جدران مدخل المؤسسة وراح كل منهما يحف بمجحافه ويطلي بفرشاته ضاربا فرشاة في الشرق واخرى في الغرب. بعد ان لون الاثنان جدران المدخل بالوان مختلفة.. فبدت مثل جوكر يريد ان يحقّق النصر الحاسم النهائي في لعبته، جلسا يتحدثان مبتسمين، وبإمكاني ان الخص حديثهما بكلمات قلائل: هذه المؤسسة تحتاج الى نفض تاريخي.. بعد الكورونا سنجعلها توجّ وجّ.. وسوف نمكنها من ان تتخذ مكانتها اللائقة بها في المدينة.. بعدها انهال الاثنان باللوم على الادارة القديمة، واتفقا على ان نجاح عملهما مرهون بالإجهاز على كل اثر لرجالات الادارة السابقة. ودفنه في حفرة عميقة بحيث لا يظهر لهم اثر. " على من يريد ان يقوم بثورة حقيقية في هذا الجو العربي الموبوء.. ان يهدم القديم وان يبني الجديد الحقيقي مكانه"، قال الاثنان وصهلا مثل حصانين جامحين. في احدى اللحظات الحاسمة رايتهما هما الاثنين، وقد وقفا وراحا يهزان ارض المؤسسة بدبكة فلسطينية ويطلقان الاغاني والزغاريد الشعبية الرافعة من شان العمل باليد.. تمهيدا للعمل بالعقل.

للحقيقة اقول انني لم اشاركهما عملهما هذا ولا صهيلهما ذاك، وحتى حينما توجّهت اليهما عارضًا عليهما المساعدة تقية.. تحسبا وخجلا، انبريا يقولان لي: نحن ما زلنا شبابا بإمكاننا ان نقوم بالعمل على افضل وجه.. اما انت يا ختيار بإمكانك ان تواصل جلوسك في مكتبك.. لا انكر ان شهامتهما المفاجئة هذه راقت لي قليلا وشجعتني على سؤالهما ما اذا كانت اعمال الترميم ستطول، فردا علي قائلين.. سنعمل على مهلنا.. في كل الاحوال لن نفتح ابواب المؤسسة في القريب.. يبدو ان حبال الكورونا ستطول.

بعد ايام فوجئت بالاثنين يدفعان بوابة المؤسسة الحديدية بأقدامهما ويدخلانها متضاحكين.. وراحا يتجوّلان في غرفها وردهتها ناظرين الى الجدران الملونة بالوان الجوكر الشرس.. ما حدث بعدها انني رايتهما من زجاج غرفتي يهجمان على ثلاجة المؤسسة.. يفتحان بابها الكبير ويأخذان بقذف مناقيشي متناولين اياها وقاذفين اياها عبر النافذة القريبة." الان اكتمل عملنا.. المؤسسة جاهزة لاستقبال روادها"، صفق الاثنان وراحا يرقصان.. عندها نظرت اليهما.. وراح فمي بالانفتاح حتى صار بوسع باب المؤسسة.

***

قصة: ناجي ظاهر

 

إنْ ضِقْتَ ذَرعًا بِنا بالأمسِ أو غدِهِ

فيْما احْتَلَلْتَ منَ الأَذْهانِ نحْتَجِبِ

*

يا ابنَ الأطايبِ ما كانتْ مقاصِدُنا

الإلجامَ حينَ سَندْنا الرايَ بالكُتُبِ

*

فالرايُ بالرايِ ذاكَ النّهجُ نَتْبَعُهُ

وحُسْنُ إصْغائِنا يُعزى إلى الأدَبِ

*

وعرْضُنا قولَ موْلانا بمَسألةٍ

لا ينبغيْ أنْ يرُى زيتًا على اللّهَبِ

*

بلْ إنّ كتمانَ ما حقًّا ندينُ بهِ

بحُجّة ِالسّلمِ أصلُ النّارِ في العرَبِ

*

ألا ترى أنّ ما قدْ بانَ مِنْ عُقَدٍ

أمسِ اسْتَحالتْ بهِ الدُّنيا إلى خِرَبِ

*

فلْيَعرضِ الغيرُ ولْيَدْفَعْ بحُجَّتِه

وسَمْعُنا لاسْتِماعٍ ليسَ للهَرَبِ

*

لكنّ قولَ السّما مُسْتَنْزِلٌ أبدًا

كلَّ مقالٍ لغَيرِ اللهِ مُنتَسِبِ

*

أمْ كانَ شرْطُكُمُ اسْتِثناءَ خالِقِنا

نافينَ عَن حُكْمِهِ التّوصيفَ بالرَّحِبِ

*

والحقُّ أنّ اجتنابَ اللهِ حاصِلُهُ

عبدٌ أسيرٌ لعقلٍ حَطَّ في الرُّتَبِ

*

ولوْ عقولُ الورىْ في عقلٍ اجْتَمَعتْ

لما تبدّلَ حالُ الجَمْع ِفي النّسَبِ

*

ولا نرى أنّ خمرًا قد يُطهّرُه

ماءٌ فإنْ خُلِطا فالطّعْمُ للعِنَبِ

*

فالكاسُ إمّا حياةٌ صحَّ شاربُها

أو نيْطلٌ رُدَّ مُسْتحليهِ ذا ذَنَبِ

*

وتسألونَ الورى ما تبْخَلونَ بهِ

حينَ السّجالِ وطرحِ الغايِ والسّبَبِ

*

ورايُنا لوْ أمِنْتُمْ ضعفَ رايِكِمُ

لما تهيّبْتُمُ رايًا منَ الكُتِبِ

*

وتُكثِرونَ الكلامَ لا الفِعالَ ولا

تَرْجونَ منهُ سِوىْ التّعدادِ في النُّخَبِ

*

ولا يزيدُ كلامٌ قدرَ صاحِبِهِ

إلّا كما زادَ همسُ الأُذْنِ في الصّخَبِ

*

والشّمسُ مهما يكُنْ في الأرضِ باقيةٌ

ما ضرَّها لو شُعاعٌ ضاقَ بالعُصَبِ

***

أسامة محمد صالح زامل

 

الضفائر كانت ترفرف في الهواء كأجنحة صامتة، تحمل أحلام الصبية، أسرارها، وألوان العالم قبل أن ينهار. هناك، في الأرض المحترقة، حيث يصرخ الرمل ويذرف الحجارة دموعه، دخلت الظلال المسماة داعش، لتقطف الحياة من بين أصابع الطفولة، لكن الضفائر، أيها القاتلون، لا تموت.

*

تتسلق الضفائر عبر الذاكرة، تمر على القلوب التي لا تنسى، تنسج من الخوف ثوب مقاومة، ومن الألم شعلة لا تنطفئ.

*

 السماء لم تغضب بعد، لكنها تبكي باللون الأحمر، والأنهار تتذكر أسماء الصبية قبل أن تُسكت، والنجوم تحفظ ضحكتها في قلب الليل، تخبرنا أن الحياة، حتى بعد القتل، تخلق قصصها في كل عين تشهد، في كل قلب ينبض.

*

أيها القاتل، لقد أطفأت جسدًا صغيرًا، لكنك لم تمس الروح، لم تمس الضفائر، لم تمس حلم البشرية بالحرية والكرامة.

*

الضفائر تتشبث بالهواء، كأنها تقول لكل العالم: لن يُمحى ما كان لنا من حب، من ضحك، من حلم.

*

لن تموت الطفولة في قلوبنا، وستظل الضفائر ترفرف، كأعلام النصر على جدار الظلام.

***

بقلم* : كريم عبدالله

بغداد - العراق

 

تروح وتجيء من أمامي مثل فراشة مبرقَشة الألوان، بينما أبقى ساكنًا في مكاني على الكرسي القريب من النافذة الكبيرة التي تعبرها أشعة الشمس وتلبد الغيوم نحوي كل صباح، وكذلك ضوء القمر وتلامع النجوم كل مساء، ترقص بخفة ورشاقة، لا تكاد قدماها تطآن أرض الغرفة حتى تعاودا القفز مرةً أخرى، كما لو أنها تحَلِق بجنحَين يخفقان مع نبضات قلبها وتتابع أنفاسها الخافتة، لا تصدر عنها كلمة أثناء تقديمها فقرة من أجدد عروضها التي تتدرب عليها في أحد مسارح العاصمة مع زملائها في فرقة الباليه التي أخذت تجذب الأنظار وتجوب العديد من المدن الكبيرة، كما صارت تسافر إلى البلدان المجاورة لتشارك في مسابقات تحلم أن توصلها ذات يوم إلى العالمية.

تواصل التمايل أمامي، مرتدية فستانها القصير، فيما تتنقل نظراتي معها من جدارٍ إلى آخر، ترقب ثنايا جسدها غير المستقرة على حال وتعبيرات وجهها الهادئة، إلى حد أنها تبدو لي وكأنها نائمة، خاصةً عندما تغلق عينيها بين حركة وأخرى، تضاعف من رغبتي في ضمها بقوة إلى صدري دون أن أترك لها مجالًا للرفرفة بعيدًا عني، ولتخفق بين ذراعيَّ المتصلبيتين حول ظهرها في رقصة خاصة بي وحدي، لا أريد لها أن تنتهي أبدًا، إلا أني أخشى ان أنتزعها من سحر انطلاقها الجميل بين جدران تأخذ بالضيق من حولي حينًا بعد حين فاهرع إلى مغادرتها نحو السهول الخضراء المحيطة بالمصحة من الخلف والجانبين، أما الواجهة فتطل على الشارع العريض الذي يخترق الضاحية الصغيرة، لا تعدو في نظر الكثيرين ممن تخترقها سياراتهم أكثر من عدة أبينية قديمة لا يوجد فيها ما يستحق التأمل ولو قليلًا، فقط ربما تقف إحدى تلك السيارت لأمر ضروري لا سبيل لتأجيله، أو لأجل رغبة ملحة بأخذ قسط من الراحة في الكافتيريا البسيطة التي تفترش أغلب كراسيها وطاولاتها الرصيف المواجه مروقها السريع عادةً، يجاورها مطعم صغير يُقدِم وجبات سريعة ورخيصة للموظفين الذين يعملون في أماكن قريبة وللمسنين الذين لايجدون من يعد لهم الطعام في بيوتهم، أما الحانة التي تبدو كما لو أنها من عهود القرون الوسطى فهي الأكثر استقطابًا للزبائن، منذ أن يفتح صاحبها العجوز بابها الخشبي العتيق قرابة الظهيرة حتى ساعة متأخرة من الليل، إلا أن الوجوه ذاتها تقريبًا هي التي تملأ المكان المعَبَق بالدخان ومزيج من روائح شتى أنواع الكحول الرديئة.

أجدُ في الحقول مترامية الأطراف وسيلتي للهروب من كل ما أنفر منه ولا أطيق احتماله أكثر، من جسدي المعاق وكل يومٍ أمضيه في محاولة خداع نفسي بأني قادر على التكيف مع أي موقف كان دون أن أمتلك أدنى قدرة على الاختيار، فأتمنى الضياع في الغابة الكبيرة وكثيفة الأشجار العالية والمحيطة بتلك الحقول من جهة والبحيرة ذات المياه الرقراقة من جهة أخرى، رغم أني صرت أحفظ كل تفاصيل المكان، كأني أتجول بين غرف بيتي، لكني لم أعد أقوى على الركض، ولا حتى المشي طويلًا كما كنت في صغري أو مراهقتي، أو حتى سنوات شبابي الأولى، لذلك لا غنى لي عن الدراجة الهوائية التي ترافقني عادة في جولاتي هنا وهناك، بل أني ذات مرة تحديت بها كل المحظورات ووصلت بها إلى العاصمة ورحت أجول بين شوارعها وساحاتها وميادينها لساعات ثم قفلت عائدًا في ساعة متأخرة من الليل.

كم مرة كادت تصدمني سيارة أو شاحنة تمر مسرعة في الطرق الخارجية الطويلة، لا أدري كيف ولماذا أنجو من مثل تلك الحوادث دومًا، مع أني كثيرًا ما أتمنى مثل ذلك الموت السريع والمفاجئ، وإن كنت أخشى أيضًا المزيد من الإعاقة التي قد تجعلني في نفس وضع حالات كثيرة وفدت المصحة على مر سنين إقامتي فيها، لا يستطيع أصحابها الحركة ولا حتى إطعام أنفسهم، مما يحطني وسط عواصف من التساؤلات المحَيرة وثورات تمرد أخشى أن تجنح بي نهاية المطاف نحو مهاوِ الجنون، لم أكن أجد منها فرارًا أينما وليتُ وجهي، فأبحث عنها دون أي شخصٍ آخر، عن وجهها ذي اللمسات الطفولية البريئة، مع أنوثة ناضجة أخذت تروي  سائر جسدها يومًا تلو الآخر منذ أن عبرتها نسمات المراهقة، فصارت لدي مثل البرية اليانعة في مواسم الربيع التي راحت تمر في تعاقب سريع عامًا تلو الآخر حتى أدركتُ منتصف العقد الثالث من العمر دون أن يتغير شيء في حياتي سوى المزيد من التأملات والتوَسلات المكبَلة بمخالب الحرمان، تحفر في نفسي سخطها حينًا بعد حين.

صديقتي الأثيرة، رغم اني أكبرها بنحو عشر سنوات، كنا نلعب كثيرًا في براح الطبيعة غير المنتهية مع مد البصر، منذ أن كانت تأتي برفقة والدتها، إحدى المعالجات اللواتي أشقيْنَ جسدي المتشنج بالتمارين الرياضية المملة بلا جدوى، كانت (مايا) تراقبها وهي تواصل حث أطرافي على الاستجابة لأوامرها حركةً تلو أخرى، بينما تظل نظراتي معَلقة بدهشتها نحو الفتى كثير العناد والتذمر، خاصة عندما يعتريه الخجل من تحديق الناس واستغرابهم لأمره، والشفقة تطل من العيون، كما لو أنها تتنبه إلى عالمٍ آخر لا تعرف عنه شيئًا سوى التنهد والصمت أو إعطاء النصائح والتوجيهات المتَنقلة بين الألسن مثل  محفوظة لا يُمل من تكرارها، أما ما يسمونه بالتنمر، فأنا من أعتاد فعله مع من أجده يحاول مضايقتي بكلمة أو حتى تعبير وجه سخيف، لعل هذا أكثر ما جذبها نحوي فوجدتها تعرض عليّ صداقة طفولية مجرَدة من أي غرض، رحبتُ بها بدوري وقد لفت انتباهي جمالها ونعومتها ضاحكة الوجه ما أن نبدأ اللعب، وإن كنتُ قد كبرت على ألعاب طفة بعمر ست سنوات، والباكية عندما تجدني في حالة من الزهق والغضب الذي قد يجعلني أصرخ طويلًا في الجميع، إذ تتساقط عني الرهبة وتغادرني خشية المواجهة، غير آبه لأي تهديد يأتيني من المدير أو أي من معاونيه، ولا تذمر الأطباء والمعالجين والممرضين، حتى المشرفة النفسية لا تجد سبيلًا لتهدئتي بذات الكلام المكرور ونصائح السلوك السليم، ربما ما كان يشجعني على تلك التصرفات الرعناء تلك المبالغ التي يدفعها والدي سنويًا للمصحة، بالإضافة إلى ما كان يضعه تحت تصرف الإدارة في حال احتجتُ أي شيء، زاد على ذلك حساب البطاقة المصرفية التي صارت لا تفارق جيبي لأنفق منها كما أشاء، أحيانًا أصرف منها ببذخ جنوني، نكاية بالوالد الذي أزاح عن كاهله عبء مسؤولية ابن معاق يحتار كيف يمكن التصرف معه أو السيطرة على اضطراب سلوكه أمام صفوة المجتمع من السياسيين ورجال الأعمال في بلادهم، أما الأم الحبيبة فأنا الذي أجبرتُها أن تكف عن زياراتها لي كل عدة أشهر ما دامت التكنولوجيا قد وفرت لنا فرص التواصل كما لو أننا نجلس معًا في ذات المكان، وحتى تلك المحادثات رحت أختصرها قدر الإمكان رغم معرفتي مدى شوقها للتواصل مع ابنها البعيد عنها منذ سنوات عمره الأولى، ورغم مدامع الغياب المتجددة كل حين، وكأن ليس هناك ما يمكن أن يقوله أحدنا للآخر.

عندما كانت (مايا) في سن الحادية عشرة قبَّلتها لأول مرة، قبلة شاب لفتاة تعجبه، حينئذٍ فجأة بدا لي صدرها منتفخ بعض الشيء، كما لو كان للاعب أثقال مبتدئ، يشبه صدور النساء، مرمى نظراتي في كل فرصة متاحة، بما فيها صدر والدتها المكتنز والذي يلوح لي عبر الفتحة العلوية للزي الموَحد الذي تداوم على ارتدائه، وكم أنَبتُ نفسي على ذلك المجون الأحمق الذي لا يردعه ما كانت تغدقه نحوي من حنو الأمومة، مع عصبيتها وحِدتها على تمردي الدائم وتهربي من المداومة على التمارين التي قد تقوي من قدرتي على المشي والتحكم بحركة يديَّ، بالإضافة إلى تمارين تعينني على النطق بشكلٍ مفهوم بدل التلكؤ الذي يجعل الآخرين يضجرون سريعًا من سماعي، إلا هي، (مايا) حبيبتي.

تلك القبلة كانت بداية إدراكها لطبيعة أنفاسي المتهافتة نحوها، فقد فطنت جيدًا، رغم صغر عمرها، إلى توق الشاب المنعزل عن الحياة أن يلمسها ويحتضنها كأي حبيبين يراوغان كل ما يحِد حريتهما من قيود، وليكن الحب بمثابة لعبتنا الجديدة والمستمرة على الدوام، نغافل بها الأعين المترصدة تقاربنا.

هي أيضًا وعتْ من خلالي إلى جذوات الأنوثة التي سرت في جسدها وأخذت تتوهج يومًا تلو الآخر، رغم ذلك ظلت بعيدة المنال عن لهيب شهواتي، ليس تمنعًا منها فحسب، إنما لأنني خفت عليها من اندفاعي نحو عروس صغيرة لم تخبر شيئًا من فنون الغرام بعد، فقد شعرتُ بالمسؤؤلية تجاه براءة بدت لي مثل مرآة ملساء أحب أن أرى فيها وجودي كما أتمنى أن يكون، دون أن أشأ لها التصدُع عبر حماقة هوجاء سرعان ما يقهرني الندم عليها ما أن ألوِث صفاءها بحمرة لم يئن أوان تفجُرها بعد، فكنا نكتفي بسيل من العناق وحميم الأحضان الملتهبة حتى أنتفضُ عنها كي أحميها من غلواء جنوني الذي أسارع لإخفائه عنها، وبدورها كانت تتفهم كل ذلك دون أن ننبس بكلمة كما لو كانت شابة في مثل عمري أو حتى أكبر، كما صرتُ أكثر خشية أن يستغلها أي شخص آخر ليفضي بشهوته دون مبالاة ببراءتها الذي تمنيتُ أن تحتويني دومًا.

لم أجد في حياتي ما يستحق أن أعيش لأجله إن حُرمت منها، وهذا ما حدث فعلًا عندما تنبهت والدتها لهيامي بها وما يمكن أن يحدث بيننا، سواء في غرفتي ذات الخصوصية التي تميِزها عن الغرف الأخرى في المصحة وكل ردهاتها التي تضم الكثير من الأطفال والصبية الموعودين بأقدار مثل أقداري وربما أكثر شقاءً، أو في البرية الواسعة، وقَدها الجميل يشرق بفتنة تموُجه الأولى أمام ناظريّ.

فجأة غابت عني ولم تعد تأتي إلى المصحة، وحدها أو برفقة والدتها، كما لم أعد أراها في أي مكان من الأماكن التي اعتدنا الذهاب إليها معًا، ولمّا سألت السجانة التي حجبتها عني، كما تراءت لي، رمقتني بنظرة نارية تنهرني عن التفكير بوردتها الآخذة بالتفتح بين يديّ حينًا بعد حين، وهي تخبرني أنها منشغلة بالدراسة ليل نهار، فلم يعد لديها أي وقت من أجل مرافقتها إلى مكان عملها غير المناسب لفتاة في مثل عمرها...

صفعتني كلماتها حادة النبرة، وكأنها قيود جديدة تكبلني بها لتردعني عن الاقتراب من فتاتها التي أدخلت البهجة إلى زنزانتي المتنقلة مع خطواتي أينما ذهبتُ، فكان ذلك الاحتجاب القسري بداية عهد جديد بالنسبة لي في دنيا الحرمان وشبق الشهوات المترجية للحياة الحقيقية، وهي تزجرني وتجبرني على الرضوخ لقرار إبعاد حبيبتي عني، جاء على لسان امرأةٍ نزعها خوفها على ابنتها من كل عاطفة، أو حتى تعاطف، تكنها نحو شاب كبرَ في عزلة عن أهله وبلده، حيث كان يمكن أن يكون له مسار آخر غير الذي وجد نفسه مغلولًا فيه، حتى صارت كل عالمه وليس له أن يُخلِفه وراءه كما لو أنه أمضى سفرة محدودة المدة ويمكن أن يمحوها النسيان بعد حين.

أبلغني والدي أنه من الأفضل لي العودة إلى بلادٍ تبدو لي مثل صوَر متفرقة اندست في ذاكرتي من خلال زيارات أستعجل انتهائها، كانت على الأغلب استجابة لإلحاح والدتي أن تعيدني إلى دفء أحضانها، بعد أن زهدتُ حنوًا لم أخبره مثل بقية أخوتي، بينما صرتُ أبحث عن أحضان اللذة الجامحة، رفضتُ بعنادٍ يهدد بالهرب من المصحة فلا يتمكن من العثور عليّ في أي مكان مهما بلغ مستوى علاقاته في كل بلد يستثمر فيها بعض ثروته، وأني سأعتمد على نفسي بأي شكلٍ من الأشكال، حتى لو اضطررت أن أعيش مثل المشردين والمتسولين في الشوارع والأزقة المتوارية عن العيون، مع المجرمين والمدمنين والشواذ، ولأنه قد عرف مدى نزعاتي الجنونية من خلال آراء المشرفين والأطباء لم يتمسك بذلك الإصرار الذي افتعلَه أمام أمي، فيما ظلت تتوسلني أن أهدأ وصرخاتي الحادة تتواصل دون انقطاع، كما لو أن مسًا من الجنون أصابني، فتضاعفَ تشنج جسمي حتى فقدتُ القدرة على الكلام تمامًا.

رغم كل هذا، وكي أتجنب المزيد من السخط والتهديد بقطع التحويلات المصرفية، وافقتُ أن أستمر بدراستي في الكلية التي انتسبت إليها عبر النت كي أنال شهادة البكاريوس في إدارة الأعمال، قبل ذلك كنت قد درست في مدرسة لا أذهب إليها سوى في أيام الامتحانات، أسابق الوقت ببطء كتابتي التي تحتاج إلى مجهود كي يمكن قراءتها، كما أن الأوراق المالية الخضراء المرسلة من وطني الغني كانت كفيلة بتذليل كل الصعوبات التي يمكن أن أواجهها، حتى إن كانت المدرسة حكومية، قبل أن يخرج البلد من حلقة الانغلاق والشمولية ويتوجه صوب الأسواق المفتوحة للجميع على امتداد قارات العالم، وذات الأمر بالنسبة للمصحة التي صارت أشبه بفندق خمس نجوم يقدِم خدماته العلاجية للمعاقين ميسوري الحال فقط، وقد غادره الكثير من أولاد الكادحين، وإن كانوا من الرفاق القدامى.

الأهم كان لدى والدتي أن أتعلم لغة بلدي فلا أنساها بالمرة، وهذا الأمر تكفل به صديق والدي المقيم هنا منذ زمنٍ بعيد، رغم أني كنت كثير المراوغة في ذلك أيضًا، وكأنني أود الانسلاخ تمامًا من جذوري لأتوغل في خصوصيات وأسرار البلد الغريب حتى أخذَ مكان الوطن والبيت الذي شهد أولى خطواتي المتعثرة في إعاقتها، لعلي بذلك أستطيع أن أحيا سنواتي الخاصة بي وحدي بمعزلٍ عن أهلٍ أكاد لا أعرفهم ولا يعرفوني، فقد غدت الغربة بعض شخصيتي التي سوف تظل تغور في أبحر الوحدة حتى وأنا أمضي وقتي مع معاقين على شاكلتي، أجد نفسي بمنأى عنهم جميعًا، فلا أود مشاركتهم أكثر الفعاليات التي تنظمها إدارة المصحة، مثل السفرات والاشتراك بمعارض تستعرض محننا أمام الأسوياء أكثر من أي شيء آخر، وذات الأمر بالنسبة للعب الذي يشهد الكثير من الوقوع على الأرض، وعثرة المعاق دومًا تكون أشد وطأة من وقوع أي طفلٍ صحيح البدن، حتى أننا أحيانًا قد نرتطم بالأرض من مجرد إحساسنا بوطأة مراقبة العيون وتوقعها ذلك في أية لحظة...

آه، من كثرة التحليلات التي كنت أسترق السمع إليها من المعالجة النفسية، والتي صرتُ أضيف إليها من عندي الكثير، وكأنني أدخل معها في مناظرة علمية أعرف جيدًا أنها سوف تنتهي لصالحي، دون الاعتماد على أيٍ من الكتب والمراجع والمحاضرات التي اجتهدتْ في حفظها طيلة سنوات دراستها الجامعية، كما كنت أيضًا أنشغل أغلب وقت جلوسي في غرفة مكتبها، التي تستقبل فيها حالاتنا المضطربة، بمراقبة بياض ساقيها الأملسين، خاصة عندما تضع إحداهما فوق الأخرى، فتبدو لي الأخصائية التي استلمت عملها الجديد في المصحة مثل حقل ورود انتبهت لوجوده فجأة خلال إحدى جولاتي الطويلة بين سحر الطبيعة التي لا يمكنني أن أرتوي من زهو جمالها أبدًا.

لاحظتْ شرود نظراتي نحو نهديها البارزين أمام ناظريَّ، فقالت في نبرة حاولت من خلالها فرض سيطرتها على الشخصية المنغلقة على أسرارها أمامها: ما بك؟ بمَ تحدِق؟

أجبتُ مبتسمًا في مكر لا أدري كيف أرتسم بالتحديد على ملامح وجهي المتشنجة قليلًا، وأنا أغالب ثقل  لساني لدى نطق أحرف الكلمات: كثيرًا ما أفكر كيف يمكن لشخص مثلي أن يكون مع امرأة.

اصطنعتْ الغباء، وما أجمل النساء عند التغابي، فقالت: لم أفهم ماذا تعني؟

ـ أقصد المضاجعة بكل صراحة، أنتِ تحثيننا دومًا على إخراج ما في دواخلنا من أفكار ومشاعر، سلبية كانت أم إيجابية، والتعبير عنها كما نشاء.

تنحنحتْ محرجة، ثم قالت: وأنت تفكر في هذا الأمر كثيرًا؟

ـ ليس من حقي؟ أنا لست معاقًا من الداخل.

جابهتْ ابتسامتي، التي أظنها الآن إنها بدت سخيفة جدًا، بنظراتٍ متحدية وقاحة كلامي، بالنسبة لطبيبة مبتدئة مثلها على الأقل، فاستأنفتُ: ألا يمكن أن يقلل هذا من تشنج جسدي ويجعلني أتصالح أكثر مع الحياة؟ يعني علاج نفسي وطبيعي في وقت واحد.

فاجأتني بضحكتها التي جعلتها أمامي أجمل وأشهى بكثير، ثم قالت: يعني تريد أن نجلب فتيات متخصصات في هذا النوع من العلاج؟

ضحكتُ بدوري، وقلت: لمَ لا ما دمتُ أدفع تكلفة العلاج، لكنني أيضًا لست حيوانًا لأجبر أية واحدة أن تحتمل تشنج ذراعيَّ وهما تلتفان حول خصرها وظهرها لمجرد أني أمتلك المال.

صمتُ للحظات متأملًا اضطراب نظراتها، وأردفت: أريد أن أعرف كيف يمكن أن أتعامل في مثل هذا الموقف دون أن أبدو كالقرد المتقافز فوق عذق موز، رغم كل ما يعتريني من ارتباك قد يمر به أي رجل، خاصة في المرة الأولى. هل أُشبِع من تكون معي وأجعلها تنتشي بالكامل، أم أنها يمكن أن تتقزز وتلعن حظها الذي وضعها عارية في هوج شهواتي؟

صمتُ لوهلة ثم فاجأتها بسؤالٍ آخر: أنتِ مثلًا يمكن أن تكوني معي، ولو على سبيل التجربة؟ تجربة علمية أكثر من أي شيء آخر، لا بد أنها سوف تفيدك في مجال عملك ودراستك العليا.

نهضتْ في فزع وصرخت في وجهي: ماذا تقول! أنا لست عاهرة لتطلب منها مثل هذه الوضاعة.

نهضتُ بدوري واقتربت منها، وقد نالني الكثير من الارتباك مما زاد من صعوبة قدرتي على النطق، وقلت: نحن نتناقش، فليس من داعٍ للعصبية.

صمتُ محدقًا في عينيها المتأججتين غضبًا، وربما من شدة استسخافها هراء شخص مثلي، معاق ومراهق باحث عن النشوة بمنتهى الحماقة في آنٍ واحد، ثم استطعتُ الاستنجاد بأحرفي المقَطَعة، فقلت: أكيد لا أفرض عليكِ أي شيء، لكنك تعجبينني بصراحة، تعجبينني كثيرًا.

فاجأتني بضحكتها فاهتز صدرها كما لو أنه يندفع نحوي، أو يحرضني أنا للاندفاع نحوه، ثم قالت ساخرة: يبدو أنك تحب مشاهدة أفلام المراهقين.

قلت مجاراة استخفافها بكلامي: ويمكنني أن أكتب الكثير من سيناريوهات الإثارة عن علاقة المريض بطبيبته.

ارتسمتْ العصبية فوق ملامح وجهها مرة أخرى، وقالت: لكنني لست إحدى بطلات هذيان أفلامك الخليعة هذه، أفهمت؟

بدت كما لو أنها تتلقف أنفاسها بانفعال، ثم أردفتْ مهددة: سأرفع تقريرًا بشأنك للإدارة، أطلب فيه بحث فكرة إخراجك من المصحة، لأنك تعتبرها مثل فندق للمتعة، وليست مكانًا للعلاج.

رددت على نرفزتها بنرفزة: وأنا سأقول إنكِ لا تملكين الاحترافية المهنية للتعامل مع شخص في مثل ظروفي، وسوف نرى من الذي يبقى ومن الذي يخرج. لا تنسي أنني زبون مرحب به دومًا، فوالدي لا يناقش كل زيادة سنوية تطلبها الإدارة منه بأية حجة كانت.

ـ لأنكم تملكون دولارات النفط تظنون أن كل الأفخاذ ستفتح بإشارة من رغباتكم الثرية!

ـ لا تحوِلي الموضوع إلى مناقشة سياسية ـ أخلاقية أو أيٍ كانت، في كل الأحوال ليس لي أن أتحَمل ثقل سخافتها، كفاني سخافة ما أعاني وسوف أظل أعاني طول عمري.

ـ أنت الذي تفضل الانعزال والرضوخ لشكواك، هناك معاقون مثلك وأكثر ويستطيعون أن يثبتوا وجودهم ويحققوا أمورًا متميزة وتثير الإعجاب، وأنت نفسك يمكنك أن تكون كاتبًا بالفعل إن أردت.

قلت مبتسمًا وكأنني وصلتُ إلى ما أصبو إليه: يعني وافقتِ أن تمديني بتفاصيل العلاقة الأولى، أقصد السيناريو الأول؟

انفجرتْ بالضحك رغمًا عنها، بينما غادرتُ غرفة مكتبها لأنهي تلك المحادثة التي أخذت تتمطى حتى صارت ثرثرة لا جدوى منها، إلا أنها ظلت تتعرى في مسارح أحلامي متجددة العرض، شهوةً تلو الأخرى، حتى بعد أن شهد جسدى وهج المضاجعة الأولى، انبثق ضياؤه في أوردتي كما لو أني أولد من جديد، دون اختناق يصد عن رئتيَّ الهواء في لحظات ولادتي الأولى.

***

من رواية "محطات الهروب والعشق" الصادرة عن دار الوصل للنشر والتوزيع

***

أحمد غانم عبد الجليل - كاتب عراقي

جارتي الآنسةُ أيڤا:

كلبكِ يهبطُ سُلّمَ هذا البيتِ..

بصمتٍ وهدوء،

وكأنّ الطيرَ على رأسهْ،

لايرفعُ عينيهِ في عينيّ،

يهبطُ ملتصقاً بالحائطِ .

يبتعدُ....

عنْ جسدي!

*

خجلٌ حيوانيّ؟

خوفٌ؟

أم يخشى أنْ ألقيَ شعراً

فوق السُلّمِ....

حتى القاع؟

*

هل يعرفُ:

أني أقرضُ - ما سُميَ - شعراً ؟

*

أشعرُ بلهاثهِ يخترقُ جدارَ الغرفةِ

في أعماقِ الظلمةِ.

اسمعُ خربشةَ يديهِ تدقُّ الحائطَ

أنهضُ عن وجهِ الأوراقِ،

أضعُ القلمَ،

يديَّ،

أتأملُ خلفَ النافذةِ ....

هل يفهمُ إيقاعَ الشعر العربي؟

هلْ أطربَهُ همسُ الأبياتْ،

أم أفزعهُ صدى الأصواتْ

داخلَ أروقةِ الأبياتْ،

أم يحتجُّ على الكلماتْ؟

هل يدركُ أني أكتبُ عنه؟

*

وجهُ الكلبِ مجرّاتٌ

في ذاكرةِ الكهفِ،

ووجهُ الشاعرِ أصواتٌ

يتبعها الغاوونْ

في أغوارِ الوديانِ يهيمونْ!

*

هل يعرفُ عن كلبِ السبعةِ

يبسطُ ذراعيهِ، وينامْ

فوق الرمل الدافئ

وسعيرِ الأحلامْ؟

*

تنشطرُ الرؤيةُ حينَ يمرُّ الكلبُ الصامتُ

فوق سلالم هذا البيتِ الحجريةِ

مُنقاداً منْ عنقهْ.

خَجَلٌ،

خوفٌ،

غضبٌ مكتوم،

عجزٌ في الرُكبةِ،

أم موتٌ قادم؟

*

لم أسمعْ يوماً كلبَ الآنسةِ أيڤا ينبح!

عجبي!

يتصدّعُ هذا الرأسُ

منْ رَجعِ صراخ الصبيةِ في شارعِنا

والنسوةِ في حارتنا

والعاصفةِ الرمليةِ فوق الأكواخْ

وصوتِ مذيع فضائيةِ القرن

وشِعر المليونِ صداعْ!

*

أنسيتمْ أنْ الشعرَ صراخٌ

في وجهِ سكون الغابةِ

و‌أمواج البحر الصاخبةِ

والقهرِ

وأنواءِ الليل؟

*

أنسيتمْ أنْ الكلماتِ الكبرى تعبرُ كلَّ القاراتْ،

لتحطَّ على وجهِ الطفلِ هناكَ

في نيرانِ الكون الأكبر،

في عاصفةِ القرنِ الماضي

والحالي

والقادمِ،

فتثيرُ كلابَ الصيدْ؟

*

كلبُ الآنسةِ أيڤا

أهدأُ من ليل الصحراءِ، أرقُّ

منْ كفّ الطفل المولودِ حديثاً،

أعلى صوتاً منْ حكماء القادةِ

في عالمِ ما بعدَ الطوفانْ.

*

خمسٌ من قططٍ صينيةٍ

تلاعبُهُ

وتداعبُهُ

حبّاً،

وحميميّة.

*

خمسةُ أطفالٍ منْ دار السيدةِ الفقرِ هناكَ

خلفَ حدودِ البلدانِ الشرقية

وبيوتِ الموتِ الطينية

تتفجّرُ أشلاءً

وشظايا

بمفخخةٍ!

*

إثمُ الشعر العربيِّ الصارخِ

أنَّ طغاةً قد ناموا

في أحضانهْ،

فأقاموا الدنيا،

لم تقعدْ

حتى الساعةْ!

*

هلو !

هلو !

كلبَ الآنسةِ،

كم أنتَ ودودٌ وجميلْ،

هل تعرفُ أني أقرضُ شعراً

بأسناني؟

وكلابُ السفحِ الثاني

تنهشُ في لحم الأطفالْ

والشعراءْ!

***

عبد الستار نورعلي

الأربعاء 18 مارس 2009

تحضُرُني

والشّمس تقترب من مرفئها

أغنية

على شفاه الموج

زهر نغماتها.

وغيمة

في كفّها

ملح وطوق صَدِئٌ،

*

تخبز أجنحةَ نحلةٍ

قناديلَ

لطفلة

تفتّش لها

عن عطر به ترى.

تقول:

غابات السّماء

ما بها مختبأ

وأنت يا غزّة

للمعطوب بلسم.

فهل على قوسك لي

متّكأ؟؟؟

هذه يا غزّة أقراطي،

تفيض نغماتها

على وجه جدائلي

وفي المدى.

وإنّني اخترتك

مسرى لعبيرها.

*

تحضُرُني

والشّمس تقترب من مرفئها

أسئلة

في جسد الماء

شجونها.

لا شجر اللّوز

يعطّر

صرير ريحها،

ولا غصون التّوت

تمحو أوجاعها.

تطوف من زرع إلى زرع

ولا زرع

عليها يلقى دثاره.

تجول من باب إلى باب

ولا باب يجيرها.

تمضي في رحلتها،

كأنّما تفرّ

من قيظ السّراب

نحو خيل

يستدرّ

رُطَبَ السّماء.

*

يحضُرُني

والشّمس تقترب من مرفئها

عطر قميص

وهب الذّئبَ

مفاتيحَ رجاء

ومدارجَ.

وبين كفّيَّ

يمور وجه هند،

تتنازع النّهور

أحماله،

لئلاّ تتعثر…

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي- تونس

 

قصتان قصيرتان

1- عين أم فؤاد تبلى بالعمى

وقفت الواعظة، أم العروسة ندى تبحث عن كبرى بناتها باهتمام، وهي سيدة تختلط في قلبها مشاعر التقوى والارتياب بالآخرين، إذ يعشش في رأسها شيطان الحسد وتعامل الناس على قاعدة أن صاحب الحاجة حاسد، حتى في مواعظها أثناء المناسبات الحزينة، كانت تحث على قراءة المعوذات وكأن العين مفتاح كل العُقَدِ والحلول.

وفي عرس ابنتها كان موضوع الحسد هو شغلها الشاغل الذي ملأ رأسها بالخوف والأوهام، كانت مراكبها تجذف في المرافئ التي تغوص بالناس، متسللة من بينهم علّها تظفر بخلوة تنآى بها عن العيون المتربصة، فبدت وكأنها ستتعرض لسطو من قبلها، فيستحوذ القلق على رأسها المخطوف إلى حكايات الحاسدين وأثرهم السحري على العباد، تهمس في أعماقها، ماطة فمها توجساً، بعد أن شاهدت ابنة عمّها نعيمة (أم فؤاد) تتصرف كأنها أم العروسة، فتحيطها بعينين تفجرت فيهما الأسئلة الاستنكارية:

"الله يستر من هذه الليلة!

ليتها اعتذرت عن حضور الحفلة!

ها هي تجلس هناك مثل الغراب، ونعيبُها ينفّرُ الطيورَ في رأسي من الغناء..

تباً لها من حيزبون!

ترى ما سبب مجيئها هل ذلك فقط لأنها ابنة عمي وقد دفعها الواجب لمشاركتنا الفرحة!

"قل أعوذ برب الفلق"..

أم جاءت بعين حاسدة لتضرب بها ابنتي التي رفضت ابنها فؤاد، ذلك الأرعن المغرور الذي اشترى المظاهر الخادعة على حساب نصائحي، بينما هو دائم الانتقاد لي ويتهمني بأنني لا أفعل ما أقول وكأن اللعين يتهمني بالنفاق!!

فعلاً هي قلة تربية! وبحمد الله فقد جاء نصيب ابنتي ندى الذي تستحقه، ما شاء الله عليه، ذلك الشاب الذي دق باب قلبها أثناء دراستهما في الجامعة خارج البلاد!!"

وفجأة أكلت الحيرةُ رأسَ أم العروسة، فتسارعت دقاتُ قلبِها، وارتعدت فرائصُها من شدة الهلعِ حتى انتفخت أوداجُها وتقلبت عيناها في جفنين كأنهما مبخرتان تصاعدت منهما أدخنةُ الريبة، وقد امتقع وجهُها خوفاً من الحسد إذ باغتها.. وكانت قد أورثته لأولادها.. بحثت عن ابنتها الكبرى في زحام المدعوين وقلبها يلهج بالدعاء:

"يا رب سترك".

فيما أخذ قلبها الواجف يدق بشدة بينما عقلها المضطرب يهلوس كمن فقدت وحيدها، تهمس في أعماقها:

"عين الحسود تبلى بالعمى".

ثم تكمل مفزوعة:

" استغفر الله العظيم؛ لكن أم فؤاد تكون ابنة عمي أيضا!! فلا أتمنى لعينيها سوى أن تنحجبا عن ابنتي".

اشتعلت الصالة بالزغاريد فقد دخل الخيّال على فرس الأحلام إلى الصالة، ووقفت ندى تستقبل عريسها، وما أن جلس حتى اشتد الرقص وتمايلت الرؤوس طرباً إلا أم العروسة التي نادت على ابنتها الكبرى بحذر، وهمست في أذنها:

"راقبي أم فؤاد جيداً، فلا تدعيها تشاهد العروس وهي مصمودة في صدر القاعة.. وإذا اقتربت لمصافحتها؛ تذرعي بأنك تريدين تقديمها لصديقة لك في آخر القاعة، أحجبي أنظارها عن ندى".

ثم عادت إلى حيث صمدت ابنتها وعيناها تراقبان أم فؤاد وقلبها يحيط العروسين بالمعوذات.

أما ابنتها فقد نفذت المطلوب، وأحاطت أم فؤاد بعنايتها، ولسان حالها يقول:

"تلك النفاثة بالعقد"..

يتلعثم لسانها الملذوع بقراءة المعوذات درءاً لعيني أم فؤاد السوداوين والمتقادحتين شرراً، مسترسلة في الدعاء:

"قل أعوذ برب الفلق، من شر ما حسد"..

حتى وهي تودعها عند مدخل الصالة، تنفست الصعداء، وعادت إلى حيث كانت تجلس أم فؤاد لتستجلي أخبارها وتنظف أثر سمومها.

تُرى هل قالت شيئاً بحق العروسين!

فأصيبت بالدهشة، فقد أخبرتها كنة أم فؤاد المتمردة قائلة (وبالمناسبة هي مقربة من أم العروسة، وتناكف عمتها في المجالس الخلفية):

- احمدي الله أن خطبة فؤاد على شقيقتك ندى لم تتم.

- طبعاً شقيقتي هي التي رفضته مع أنه لا يعاب، فقد كانت تحب زميلها في الجامعة.

- غريب، في حدود علمي أن عمتي في الأصل لم تطلب يد ندى مباشرة، بل كانت تجس النبض فقط من خلال إخبار جدتك الحاجة زكية برغبتها في طلب يد ندى، وكان ذلك خلافاً لرغبة فؤاد الذي كان بدوره متيماً بالسكرتيرة التي تعمل في مكتبه، لكنه تماشى مع رغبة والدته فقط إرضاءً لها.

وكان فؤاد وهو شاب متحرر، أنيق عصري في الشكل والجوهر، يدرك بأن أم ندى لن تقبل به عريساً لابنتها، فثمة اختلاف بين شخصيته الواضحة، وشخصية أم ندى التي يرى بأنها لا تراعي حقاً في الناس ويستهجن كيف يحبها الأخرون.

ثم أكملت كنة أم فؤاد الحديث:

- الأسبوع القادم سيكون موعد خطبة فؤاد على سكرتيرته.. فتاة جميلة! ما شاء الله.. بيني وبينك، وهذا سر بيننا، لقد خرجت أم فؤاد من الصالة حتى لا يُفشى سرُ ابنِها فَيُطْرَقُ موعدُ الخطبة بعيون الحاسدين.

- ومن تراه يفكر بابنها حتى يحدث ما يضره!

- بالطبع كل من يتهم الناس بالحسد من باب الوعظ!!

- لا! وكأنك تقصدين والدتي.

- أعوذ بالله لم أقصد أحداً بعينه، فدعينا الآن من سيرة الناس... ثم علقت مبدية اعجابها:

صحيح.. كم هو رائع عرس ندى وبهيج!! والعريس!! يا لله ما أوسمه! هناكم الله..

- دقي على الخشب... قولي ما شاء الله! استر يا مولى العباد! "قل أعوذ برب الفلق".

وراحت تدق على الطاولة فتصدر الأساور في يدها رنيناً جلب انتباه العيون المحيطة بالطاولة فأجفل قلبها ذلك.

***

(2) كلاب الحي السمان

أخرجت ضرعها الذابل من فم الرضيع الذي قتله الجوع.. الذباب كان يغطي شفتيه المتراخيتين، ولسانه الذي شققه الظمأ وأسنانه اللبنية، وحلمة ذلك الثدي المتهدل الذابل التي أحيطت بدائرة داكنة غطتها حبيبات منفرة كأنه الجرب.. الحمّى تُحَوِّلُ جسديهما المغسولين بالعرق إلى مرجل.

وقبل أن تموت كانت قد ألقمت ضرعها للخيبة التي ارتشفت ما في جسدها المتهالك من حياة، وحولتها إلى قمع سيجارة هرسته أقدام المشاة وسط الزحام.. حتى مال رأسُها جانباً، ورويداً رويداً تراخى جسدها، وجحظت عيناها كأنها أضحية العيد بعد ذبحها.. وانفرجت قبضة يدها.. تحولت إلى جيفة أسجيت في يباب القهر المحاط بزحام مدينة لا تسأل عن المشردين.

وها هما يتحزمان بالكفن دون أن يجدا من يدلق على جثتيهما إبريق ماء أو حتى يصلي عليهما أحد من العابرين كالسكارى.. ولا حتى إمام المسجد المجاور فعل ذلك، الذي يئم في الناس خمس مرات في اليوم.. يصلون وراءه في قاعة الصلاة التي غطت جدرانها الزخارف الأنيقة، فيطلق العنان لصوته الجميل الذي كان يلهم المتسولة ويعزز فيها الصبر والثقة بفرج الله.. فتنتظره لتخشع وترتاح إليه وقلبها يلهج بالدعاء.

ظلت المتسولة مهملة حتى استباحتها قطط المواخير والشوارع التي تحولت إلى ضواري في لحظات وهي تنهش كرامتها وتقدد جسدها المسلوب.

ذات يوم كانت هذه القطط تنافسها على بقايا الطعام المترف والمدلوق في الحاويات المركونة في الأزقة خلف المطاعم أو على جوانب الطرق في الأحياء الراقية.. وقبل أيام تحرش بها أحد السكارى ففقأت عينه.. وقبلها بأسبوع طردها حارس العمارة من محيط العمارة لقذارتها وحرمها من الطعام المدلوق في الحاوية المجاورة.. وقبل شهر ألقي القبض عليها وزجت بالسجن الذي تمنت ألّا تخرج منه، بتهمة التسول.. واليوم تدفن ورضيعها وحيدين في حفرة مهملة دون أن يوجه رأسها نحو القبلة، فقط وجدها أحد المارة منتفخة مهملة كأنها بقايا طعام للدود، سحبها، كوم الجثة عند جرف الحفرة، تخيلها من بقايا وليمة أجهز عليها اللئام، ثم ألقاها في قاع الحفرة التي كانت معدة منذ عام لغرس عمود الهاتف.. لكنها مع ذلك تحولت إلى مادة دسمة أخذ يتشدق بحكايتها أحد المرشحين للمجلس النيابي من المتسلقين وهو يتهم الحكومة بالتقصير بحق المهمشين بدلالة ما جرى لهذه المتسولة.. وكان أحد السحيجة يخفي سراً وهو يهتف للمرشح المبجل فيردد في أعماقه:

" لكنك طردتها من الحي الذي تقطنه خشية أن تجلب الأمراض للناس.. أيها الخبيث، بينما كان السبب الحقيقي يكمن في أنك كنت تتشاءم من رؤيتها مدعياً في ذات الوقت بأنها تجلب لك النحس!"

هذه حكاية الضرع الذابل الذي نجا من أفواه السكارى المترنحين في مواخير الدعارة أو المضروبين على رؤوسهم من ثقل الهموم ممن تميد بهم الأرض؛ لتلقمه صاحبته للخيبة حتى لا تنهشها كلاب الحي أو القطط السمان.

أوه!! تذكرت.. فقد سمعها أحد العابرين تدعو الله متضرعة:

"الله ينتقم من ...!

ثم يأكل الخوف لسانها:

"! لكنها تكمل صارخة وهي تعض على لسانها بنواجذها وفي عينيها يتوقد الانتقام:

"اللهم اهلك الظالمين"!

***

بقلم: بكر السباتين

 

عِنْدَمَا اَلْيَأْسُ غَدَا بَوْصَلَةً

وَغَدَتْ بَوْصَلَةُ اَلْمَاءِ بُخَارْ

صَارَتْ اَلْأَيَّامُ تَحْيَا غُرْبَةً

وَغَدًا اَلْوَقْتُ أَسِيرَ اَلِانْتِظَارْ

**

غَفَتْ اَلْأَيَّامُ،

نَامَتْ

قَصَرَتْ، ثُمَّ اِسْتَطَالَتْ

بَعْدَ يَوْمَيْنِ اِسْتَفَاقَتْ

لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُ مَاذَا قَدْ حَصَلْ

بَيْنَ صَحْوٍ وَمَنَامْ

أَخْبَرُونَا أَنَّ أَبْوَابَ اَلْأَمَلْ

كُلُّهَا قَدْ أُغْلِقَتْ

وَسَتَبْقَى مُغْلَقَةْ

وَكِلَانَا نَحْنُ

لَا يَمْلِكُ مِفْتَاحًا لَهَا

لَا، وَلَا يَعْرِفُ مَنْ أَغْلَقَهَا

**

فَرَّ حُلْمٌ كَانَ مَا بَيْنَ يَدَيْنَا

وَاخْتَفَى فِي لَمْحَةٍ عَنْ نَاظِرَيْنَا

فَسَأَلَنَا

كَيْفَ طَارَ اَلْحُلْمُ مِنَّا

أَيْنَ صِرْنَا؟

لَمْ يُجِبْنَا

أَحَدٌ يَحْنُو عَلَيْنَا

فَمَشَيْنَا دُونَ حُلْمٍ أَوْ مَسَارْ

لَا نَرَى فِي اَلصُّبْحِ شَمْسًا أَوْضِيَاءْ

لَا نَرَى فِي اَللَّيْلِ نَجْمًا فِي اَلسَّمَاءْ

لَمْ نَعُدْ نَسْمَعُ إِلَّا صَرَخَاتْ

تَرْتَدِيهَا اَلْأَسْئِلَةْ

وَهْيَ حَيْرَى ذَاهِلَةْ

***

شعر: خالد الحلّي

 

أرِح خُـطاكَ، فكلُّ حُــبٍ صــادقٍ

يأتــيـكَ دون تَـــرَقّــبٍ وخَـفـاءِ

*

وإذا خَطا الواشون خطوةَ حاسدٍ

فــاثــبــت بــعَــزْمٍ واثـِـقٍ وإبـاءِ

*

مَـن كان قـلْبُه، في هَواكَ بِعِـفّـةٍ

إحـفـظ هــواه، بــعِــفـةٍ ووَفـاءِ

*

وإذا وُعِــدتَ ، فللوعودِ عَـواثـِرٌ

أسْــرِع، بــدون تَــرقّــبٍ وعَـناءِ

*

وإذا تَـصنَّعَ في اللقاء مَـن ادّعـى

عَــجِّــلْ بــفــرقــتـِه، بدونِ لِـقاءِ

*

صَــوْتُ الكــرامَةِ للخـلود مُـؤهَـلٌ

وسَــنا الخلودِ، يشعُّ في الاجواءِ

*

لايرتوي الصادي، بِوَصْفِ بُحَيرَةٍ

والغُـصــنُ لا يَعـلو، بـغَـيـر الـماءِ

*

القــلـبُ يــَمْــنَحُ، لِـلسـانِ تَــمَكّـنـًا

والعيــنُ تــهــدي نــورَهــا لِـلرائي

*

ياســـاعيًا صــوْبَ الفِـراقِ، لِغايـةٍ

ســـوءُ الفِــعــالِ، تَـوَطّـنٌ لِـلـداءِ

*

اشــراقـةُ المَعـنى، دليــلُ تَـبَـصّـرٍ

يهــبُ النصوصَ دعائـمَ الإرســاءِ

*

فإذا ارتقى المضمونُ صَوْبَ عَلائه

يحلو النشـــيدُ، بـوقْــعِه الـغَـــنّـاءِ

*

نَـهْجُ البلاغةِ، في جَــماله ســاطعٌ

ووِســامُ تَـمْـكـِيـنٍ، ونــقـطـةُ بـاءِ

***

(من الكامل)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

اللوحُ الأولُ

لا أدري رغم كل نباهة عصري

ما قد سطّر فيه!

موجودٌ يحصي أوقاتي

ولا يفضحُ ما يخفى

فالسرُ جزءٌ منهُ

يأتيهِ الحاضرُ والماضي

والقادم ُ يملكهُ وحده

**

اللوحُ الثاني

من طينٍ، غادرَ ساحاتنا منذُ زمان

واستوطنَ أجزاءً من هبة ِالنسيان

يعرفهُ بعضٌ منا

وبعضٌ لا يدري ما فيه

لكني أشعرُ بروح ٍمن شعلةِ مجدٍ

يخفيها

**

اللوحُ الثالثُ

من ورقٍ مختلفِ الألوانِ

والأحجامِ

يطفو في زهوٍ عندَ البائعِ

أو يخشى من سطوةِ أقدامٍ

يبدي ما فيهِ من زحمةِ عصرٍ

يكتظ ُبهولِ الرغبةِ والأحلامِ

مرنُ الطبع ِ كثيرا...

يتصلبُ في بعضِ الأحيان

**

اللوحُ ألآخرُ:

يكتبهُ غيرك

تلكَ اذًا خارطةُ الأزمان!!!

***

عبد الهادي الشاوي

 

ما زلتُ أعرف تضاريس جسدكِ كما تعرف الكواكبُ مساراتِها حتى بعد انطفاء الضوء. أحفظ انحناءاتكِ كما أحفظ خرائط المعارك الطويلة، التي لا تنتهي بالنصر بل بالذاكرة.

*

جسدكِ لم يكن جسدًا، كان قارةً ظهرت لي فجأة ثم غابت، وتركت في يدي بوصلةً ترتجف كلما اقترب الحنين. كنتُ أعبركِ كما يعبر جنديٌّ حربه الأولى: خائفًا، مندهشًا، ومستعدًا لأن يخسر كل شيء كي يفهم.

*

الفراقُ ليس مسافة، إنه إعادة توزيع للألم. أنتِ هناك، وأنا هنا، لكن جسدكِ ما زال يقيم في داخلي كمدينةٍ لم تُقصف، مدينةٍ نجا فيها الحب بأعجوبة.

*

تعلمتُ من جسدكِ أن القربَ ليس لمسًا، بل معرفة. وأن المعرفة حين تُنتزع بالقوة تصير حربًا، وحين تُمنح بالحب تصير خلاصًا.

*

أنا ابنُ معركتين: معركةٍ علّمتني كيف أقاتل، ومعركةٍ علّمتني كيف أرتجف. الأولى تركت ندوبًا، والثانية تركتكِ.

*

وحين أسأل نفسي كيف استطاع البُعد أن يهزمنا، أدرك: لم يهزمنا… لقد علّمنا فقط أن بعض الأجساد تصبح أوطانًا، وبعض الأوطان لا تُنسى حتى بعد السلام.

***

كريم عبد الله - بغداد / العراق

 

قالوا ، دعونا (نناطح) هذا الوجود

وقلنا دعونا (نطارح) هذا الزمان

وما بين النطيحة والأطاريح فرق حزين ..

وشاءت بنا الأقدار ان نرتجي

خطوات من ماتوا وراء المتاريس

وخلف الاطاريح ،

حتى نعيد للزمان فرحته البهيه..

والمواويل الغابرات الشجيه ..

وأحلام الصغار النديه ..

نراها تحلق كالعصافير في شجيرتنا الوفيه..

يا لهذا العويل وما بعده

يراوح كلما شاءت طقوس الهوى

أن تستجيب لتلك الدواعي السويه

وتلك الدموع الخفيه

وهاذي الشموع

وتلك الغواني

هل ترون المعاني

طوطما يستجير الرعود الخوالي..

آه .. من صمت السواقي

ومن صمت العصافير على الشجر

ومن صمت الدهور المقفرات

الخاسرات على المدى

في كل درب يستجيب

تلك مهزلة القوارير الكبار

يحملن ذل الإندحار..!!

***

د. جودت صالح

20/ 1 /2026

كنتُ مثل شخصية روائية يكتبها وفق مزاجه، يرسم عالمها، يحدد مساراتها، يرقب تفاصيل أفعالها وردود الأفعال، ويبتعد عنها حتى تظن أنها أفلتت من سوح أفكاره وصارت سيدة قرارها، تختار مصيرها بإرادة حرة مستقلة، ولم يعد يملك من زمام أمورها شيئًا، كي تدرك في النهاية أن تمردها ومهربها من ضمن خطة درامية أتقنها بمكرٍ مخاتل يعيدها إلى ملكوت عرشه أنى شاء، كي تنجرف مع مدٍ سردي جديد، دون أن تدرك ما يمكن أن يصبو إليه قبل اكتمال النص، وحبكة نصه التي ولجتُها، رغمًا عني، مشرعة على طريق أكثر ضبابية من شوارع لندن، فلا أستطيع أن أبصر أكثر من مدى الخطوة القادمة التي يريدني أن أخطوها، بمشيئةٍ يفرضها هو وإن أوهمني بحق الاختيار.

 كان يعلم أني أقيم وحدي في الشقة، وكذلك بعمل محمد في مطعم الشاورما الذي وجد كيسه ملقى على طاولة الصالة كما هو، ولم تواتني شهية لتناول الطعام، وتكاسلت عن فعل أي شيء، فقط ارتميت على الكنبة أول دخولي، كما لو كنت في انتظاره فعلًا كي يعاجلني بمفاجآت خططه المتتابعة، منذ أن قرر لقاء هاني بمحمد في عمّان واستطاع إقناعه بصداقة قديمة من السهل أن ينساها زوجي في مغبة الأعوام التي مضت على افتراقهما، بالإضافة إلى الخلل المتسَرب إلى خلايا ذاكرته بعد لطمات الحرب، حتى هذا الأمر أدرك تفاصيله ومراحله من تقارير الأطباء المتخصصين في بغداد. معنى هذا أن عيون مراقبته لي لم تفقد همتها حتى بعد اضطراره لمغادرة العراق على نحوٍ سريع، لم يذكر سببه أو أسبابه، ومن جهتي لم أهتم بالسؤال.

ـ وماذا لو تم قبول اللجوء في بلدٍ آخر؟ هل تتحكم بقرارات مفوضية اللاجئين أيضًا؟

ضحكَ ضحكته المستخفة، والتي صارت تثير حنقي: كنت سأتصرف، كما أن فروع مؤسسة كمال موجودة في الكثير من البلدان التي تقبل اللجوء، وبالنسبة لحالة زوجك كان قرار الموافقة على الطلب شبه محسوم، وحسب الرغبة في اختيار البلد.

ـ ولماذا مؤسسة كمال ياسين بالذات، وما علاقتك بها؟ كل واحد منكما على جانب بعيد عن الآخر.

ـ "شويه شويه" أنا أمام محقق؟

ـ طبعًا، أنت فقط معتاد على التحقيق واستنطاق الآخرين.

ـ عدنا إلى دس الكلام، بعد كل هذه السنوات، حتى لندن الرحبة بالحرية لم تغيرك.

صرختُ في وجهه: أي حرية وأنت ترصد كل تحركاتي، من بلدٍ إلى بلد ومن قارة إلى أخرى، حتى إجهاضي الذي لم يعرف محمد شيئًا عنه، ولا عن حملي، أنت عرفت به وكلمتني لتطمئن عليّ.

ـ كنتِ حبلى وأجهضتِ! صدفة عجيبة، شفتِ؟ مهما خطط الإنسان يبقى رهن الصدف، هذا يعني إنك لا تريدين الإنجاب من زوجك لأنكِ لا تنوين الاستمرار معه، معكِ حق، الرجل مضطرب نفسيًا، ومثل هذا الأمر ليس بيده، المهم أنتِ، لمَ تظلين مرتبطة بواحد مثله؟ تخلصي من تورطكِ بعقده، واخرجي من مغارته الكئيبة. يعني مغادرة العراق وترك كل أهلك كانت أسهل؟

 فطنتُ إلى ما يرمي إليه، فلزمت الصمت، أنتظر ما في جعبته ولم أتبينه بعد، ولمّا ظل على صمته، يرمقني بنظرات أفهم إشاراتها جيدًا، قلت في ضيقٍ واضح: 'عمّار، لا تلاعبني، أنت أظهرت نفسك اليوم أمامي وجئت لتجيب على أسئلة تعلم جيدًا إنها يمكن أن تنتهي بي إلى الجنون إن لم أعثر لها على إجابات مقنعة.'

صمتُ وتأففت، ثم سألته: خولة أخبرتك؟ هل هي من عيونك عليّ هنا؟

راح يدندن: "عيني والله ما شافت غيرك، سهَّرتني ونمت وخليتني ويا طيفك."

ـ أنت سكران؟

ـ ماذا أفعل لكِ، هذا بدل أن تشكريني؟

ـ أشكرك على اقتحامك حياتي بهذه الطريقة. جعلتني مثل طفلة تنظر إليها وتضحك من تصرفاتها وأفعالها من بعيد.

أحاط خصري بذراعيه وجذبني نحوه: قولي مثل عصفورة وجدتها عالقة في شِباك الموت، تتذكرين؟ أول مرة رأيتكِ فيها ترتدين السواد باكية على كل من مات والمنتظَر موته، مع أن الحرب لم تكن قد بدأت ولا اقتربت نيرانها منا بعد.

 عناقه استثار جسدي للحظات، كأيامنا الماضية، وصدري استكان إلى صدره في خدَرٍ عذب ينتظر التعري بين حناياه، وسمعتُ صوت الباب يُفتح، أو شيء في داخلي أراد توَهم ذلك، وانتفضتُ على حلقة ذراعيه فارتختْ في ارتباك لدى قفزي مبتعدة عن نيراننا، لا نيران الحرب، ونظرتُ إليه بذهول يستغرب وقاحة تطاول رجل غريب اقتحم شقتي عنوة.

ـ ما بكِ؟ فقدتِ الذاكرة، أم اختل عقلك مثل زوجك؟

ـ أنتَ قلتها، زوجي، ولو لم أكن متزوجة، أنت تعرف وقلتها لك منذ البداية، أنا لست...

قاطعني متذمرًا: أعرف، أعرف، نفس موال فتاة الكلية التي تلتزم الوقوف عند الخط الأحمر ولو في آخر لحظة، لكنكِ الآن واحدة أخرى، حرة، مستقلة تعيش في دنيا لا تشل حركتها القيود ولا العيون المتطفلة وثرثرة الألسن، وزواجك يهتز مثل اهتزاز جسدك في حضني.

ضقتُ بضحكته مرةً أخرى فأسكته بقولي: بفضلك على الأكثر، أنت طلبت من كمال فصله من المؤسسة، وحتى عراكه مع العامل الإنكليزي ربما كان من تخطيطك أيضًا، دفعته إليه وعلَّمته كيف يستفزه.

ـ تفرحني ثقتك الكبيرة بقدراتي، وترضي غروري.

امتعضتُ من قهقهته، فقلت: كفاك سخرية واستفزازًا. كبرتُ عليه، وأنت قلتها، نحن الآن في لندن، كل شيء مختلف هنا.

ـ أنتِ التي تنقليني بين هنا وهناك كما تشائين، اثبتي على حال لأعرف كيف أكلمك.

 عرفتُ أنني لن أتخلص من مراوغته المحتالة حتى لو أمضينا الليل كله في حديث طويل ممل، ولن أحصل منه في النهاية إلا ما ينوي قوله، مستمتعًا بفضولي واستغرابي وحيرتي.

 خولة كل ذنبها أنها ثرثارة، في الأمور التي لا تخصها على الأغلب، أبلغت صديقة مشتركة بينهما، على حد تعبيره، تاركًا لي فهم ما يقصد كما أشاء، ولمّا عرف كلَّمني للاطمئنان عليّ، وقد كان في توق لرؤيتي.

 افتعلتُ تصديقه، وقد يكون هذا فعلًا ما حصل في خضم المسرحية متشابكة الأحداث التي أعد لها بإتقان، غير غريب عن عالم مثل العالم الذي ولجه في عمرٍ مبكر.

 على كل حال ذلك الأمر أمسى ثانويًا إلى جانب علاقته الوطيدة برفيق وصديق والدي القديم، والتي تسمح له بدخول مكتبه من الباب الخاص بشخصيات "V. I. P."، أخبرني أنه الآن شريك في شركة استثمارية في هولندا، وعلاقته بكمال ياسين وابنه أسامة علاقة عمل، والتجارة لا شأن لها بأي موقف أو توجه سياسي، الأمور متداخلة فقط في العراق، أما في عالم الأعمال الحر فالوضع مختلف تمامًا، وتلك متاهة لا داعي لأشغل نفسي بها، يكفي أن آخذ فكرة عن الأساسيات كي لا أظل في حيرة من أمري.

 اقتنعتُ أم لم أقتنع فالنتيجة واحدة، وتشعُب علاقات السياسة وتفجُر رؤوس الأموال الطائلة على حين غفلة من الأمور التي لا تعنيني بالتأكيد، ما دمت قد اتخذت قراري بتقديم استقالتي دون تأخير والابتعاد ما يمكنني عن مغارة الريبة التي ألقتني فيها خططه المخابراتية، لكن هل أستطيع بذلك أن أنجح بالإفلات من قبضته، بل قبضاته المتتبعة رفرفة جنحيّ المحلِقة في فضائه؟

 لم أكن أبالغ كثيرًا في تصور كاميرات المراقبة المحدِقة بي في كل وقتٍ ومكان قبل رحيلي من العراق، وهنا أيضًا، وعلى نطاقٍ أوسع، لسبب تحيَّرت فيه، ربما فقط لإرضاء غطرسته المستمرة بامتلاكي، دون أن يخضعني لإشباع شهوته، مثل سابق عهده منذ تعارفنا، مستأنسًا من جديد بمباغتة الكر والفر فيما بيننا حتى أصير في متناول فراشٍ يجمع جسدينا بكامل إرادتي.

 إرادتي؟ وهل امتلكت يومًا إرادة حرة بالكامل كي أحتمي بصلابتها الآن، ومن مَن، منه بالذات، وهو القادر على اختراق حياتي بكل بساطة؟ أف... هأنا أدور في حلقته المفرغة بلهاث أنفاسي، تائهة عن نقطة البداية الملعونة.

 حلقة من ضوءٍ خافت، مثل شمس الشتاء الباهتة، يلقي المزيد من الحيرة والوحشة في قلبٍ وشمت نبضاته الغربة من قبل الرحيل عن الوطن البعيد، المكلوم بغصات أبي ومحمد والكثيرين، أغلبية صامتة على حد تعبير صحفي قرأته ضمن مقال يتناول وضع العراق عهدًا تلو الآخر، متقلب الأهواء والصراعات والتوجهات.

لا، هم ليسوا بالأغلبية الصامتة. كاتب المقال لم يحسن دقة الوصف، أو أنه أراد وصفًا تجميليًا بعض الشيء. إنها أغلبية مخروسة، مقطوعة الألسنة، ومجهضة الأحلام كما أجهضتُ جنيني خفيةً عن أبيه، إشفاقًا عليه من دنيا انسحب أمانها عني دون أن يسجل عمري الصغير أي خطيئة، فكيف لي أن أهب ما أفتقد مع رجلٍ وجد في إعداد وبيع الشطائر أفضل ما يمكنه فعله للابتعاد عن أي ضغطٍ يزيده اضطرابًا في مواجهة ريحٍ عاتية كانت قد نبذته إلى الفناء، فعاد متشبثًا بأذيالها اللاهية في سوح عبثٍ جديد لا ندري إلى أي حال يمكن أن يرسو بنا.

 سمعتُ صفق الباب ليؤكد خروجه، إثر ثورة غضب وصياح قهر مكبوت أثقل كاهل سنواتي، على أن يعاود اللقاء بي في المكان والوقت المناسبين لرغبة يهيء لها الظرف الملائم لإرادته، والغامض من أهواءٍ لا ترسو على ملمحٍ واضح يجيب على سؤال من الأسئلة المتفرعة التي ينثرها وراءه بكل برود مقيت.

 رجل الأمن الخفي، والمزوّد بجواز سفر هولندي، باسم غير اسمه ربما، هذا إن كنت أعرف اسمه الحقيقي فعلًا، يتيح له السفر وحرية التنقل في أي بلدٍ يشاء، في مهام أمنية خاصة (خاصة جدًا)، أو من أجل جني المزيد من الثروة والنفوذ والهيمنة، أو كلا الأمرين معًا.

  في اليوم التالي ذهبتُ إلى عملي، معتزمة ألا أطيل المكوث قبل خروجي من جنة الفردوس الزاهية إلى غير رجعة، فقط سأقدم ورقة الاستقالة وأدير ظهري دون أن أنتظر جوابًا، وإن اضطررت إلى ذكر أسباب الاستقالة سأتعذر بحالة محمد الصعبة والتي تتطلب مني ملازمته لفترة طويلة لا تناسبها أي إجازة، وقد جدت عملًا بدوام جزئي، أو أي حجة من هذا القبيل، عسى ألا أضطر لمقابلة كمال ياسين الذي سيحاول بالتأكيد إثنائي عن هذا القرار، لإرضاء عمّار وليس لأجل ذكريات جمعته برفيقٍ قديم في بدايات مسيرته النضالية، محدقًا في عينيّ، كما هي عادته، وهذه المرة ستكون أكثر من سابقاتها، كي يجبرني على الإفصاح عن السبب الحقيقي وراء قراري الغريب، وربما سيعاود إغوائي بالشقة الفارهة التي ظلت لحد الآن مجرد وعد من الوعود التي كنا نسمعها عبر إذاعة، أو إذاعتيّ، المعارضة بكل حماس يبشرنا أن رجال الحرية المنتظرة سيصلون القصر الجمهوري مع تباشير الصباح، وذات الأمر بالنسبة للدكتور النفسي الذي سيتم تحديد موعد معه من أجل مراجعة محمد، وكأن الأخير سيرَحب بذلك ولن يتملكه عناد الأطفال وحنق عقد الكبار.

 لكن المعارض السياسي البارز غير موجود، وكذلك ابنه، والمؤسسة بكل ضخامتها وحركتها المستمرة بدقة، كخلية النحل، يسودها الارتباك وتشنج الأعصاب العام، رغم محاولات رؤساء الأقسام وأعضاء مجلس الإدارة الحفاظ على انضباط العمل، دون نقل أي خبر عن رجل الأعمال والسياسة سوى أن حالته مستقرة إثر تعرضه لإطلاق النار، رغم إحاطته بحراسة مشدَّدة لا تغيب عيونها عن أدق تحركاته ولو من بعيد، دون أن تثير أي انتباه.

 اتصلت بخولة عدة مرات حتى ردت معتذرة مني لعدم الإجابة، فهي مشغولة جدًا مع الخالة نوال التي فاجأت الجميع بسرعة ذهابها إلى المستشفى ما أن أبلغها أسامة بالحادث الذي يسوده الغموض، لحد الآن على الأقل.

 قلقي على الخالة نوال ورغبتي بالبقاء إلى جانبها، أكثر مما قد تكون بحاجة إلى بقائي قربها، دفعني إلى أن ألح في الطلب من خولة أن تنتظرني عند مدخل المستشفى كي تسهل وصولي إلى حضن امرأة ينزف أنينها في صمت منذ زمن، مثل جرحٍ متقَيح لا سبيل للتخلص من لعنته المرتحِلة معها في بلاد الغربة.

رابط غريب يجمعني بهذه المرأة، فأنا ألوذ بالفرار مما انغمستْ به في عنفوان الشباب ووالدي وزوجها السابق الذي انتابها الخوف عليه، فرغم كل شيء، لحد الآن تحبه، على عكس ما تبُدي، أم أن عينيها تذرفان الدمع على السنين التي قضتها في رفقته، كل الأحلام التي انتهى بها السبيل إلى وجع الخذلان، وكل نبضات الخوف المرتجفة كأوراق الخريف.

 انزوت بعيدًا عنه وعن كل ما وعَت عليه في شبابها من شعارات. صارت لديها كومة ذكريات، وتتحسر على وهج أمانيها المنطفئ في صمت الثكالى، بينما ظل هو في ركضه المزداد سرعة حينًا بعد حين، لا ينظر وراءه إلا كي يلمح مطارديه ويعرف كيف يتسنى له المزيد من المراوغة في درب صعوده نحو القمة التي اختارها، تلفظ أنفاس كل حلمٍ راوده وبهت أمام ناظريه، فصار مثل ورقة تحمل أثر كتابة ممسوحة لا يريد أن يتذكر من كلماتها حرفًا إلا عند الحاجة كي تفتح أمامه آفاقًا أوسع.

 لعلَّ ما قرأتُه أمدني بهذه الصورة محتدمة الأحداث عنه، لكن السر الحقيقي، يبقى لديها أكثر من أي شخصٍ عرفه، وهذا ما جعلها موضع أنظار الكثير من منافسيه وأعدائه، محاولين جرجرتها إلى سهول البوح الطويل عبر من يدفعون إليها من صحفيين عراقيين يُعَد هذا النوع من التحقيقات الفاضحة مورد رزق أساسي لهم في بلاد اللجوء، إلا أنها كانت دومًا تصر على الصمت وإبعاد كل من يحاول الاقتراب من مخابئ ذكرياتها، ومن يعاند ذلك الإصرار عليه تحمل تطاير شرَر عصبيتها الحادة والمهددة بالاتصال بالشرطة، الموزِعة عدد من رجالها هنا وهناك، ربما لهذا السبب أكثر من سواه وجدتُها تجلس في غرفة استراحة خاصة، يقف على بابها حارسين شخصيين، رغم خلو المكان من أي صحفي، كما بدا لي على الأقل، كل حين يمر ولدها أسامة من خلف الزجاج، يطمئنها بإيماءة من رأسه وهو يتكلم في الموبايل الذي يكاد لا يفارق أذنه، دون أن تبدو علامات التوتر والقلق على قسمات وجهه الوارث ملامح والده مع شيء من إشرق عينيّ والدته المميَز.

 حاولتُ الربط بين زيارة عمّار له، ومن ثم ما جرى بيننا من حديث، وبين حادث إطلاق النار، لكني بالتأكيد لم أستطع الوصول إلى نتيجة، أو أستقر على تخمينٍ يمكن أن أسترشد به لأهتدي إلى الخفي دومًا عن عقول المعتادين الفرجة من بعيد، دون أن تكون لديهم القدرة على فعل شيء، ملتزمين بأدوارهم الهامشية المفروضة عليهم من قبَل هذا الطرف أو ذاك، وإن اقتضت الضرورة يصيرون مجرد ردود أفعال (طيِّعة) ليس لها تجاوز المساحة المحددة لها، فقط مؤثرات صوتية مواكبة للصراع الدرامي متباين الأحداث غير المنتهية، وأنا كنت ما بين متفرجة ومشاركة، رغمًا عني، على خشبة المسرح التي وجدتها بانتظاري بين ثنايا مدينة ربما تتشابك فيها الصراعات الخفية أكثر من أي حاضنة لجوء أخرى.

 ليس بوسعي فعل شيء سوى الوقوف حيرى داخل حلقة عمّار وكمال ياسين، ألمحُ ظل المرأة التي أمضت جلّ سنواتها المناهزة السبعين ما بين صعودٍ وهبوط من خشبات مسارح مختلفة الديكور، حتى اتخذت قرارها الحاسم بالاختفاء خلف الكواليس، ما استطاعت على الأقل.

 أبتْ مغادرة المستشفى إلا بعد التأكد من استقرار حالة زوجها السابق، رغم طلب أسامة منها ذلك لأكثر من مرة، على أن يهاتفها ويخبرها بما يحصل من مستجدات أولًا بأول. في النهاية نهرته أمامنا لتذَكره بعنادها الذي لا تتنازل عنه في أصعب المواقف، وشعر بحرجٍ تلافاه بضحكة ساخرة، وقال في ابتسام: "من يقدر أن يغلب إرادة الرفيقة نوال؟"

 لم ترد على مشاكسته الممازحة، تنهدت قويًا دون رد ينتظره منها، ثم عادت لكي تحني رأسها في صمتٍ يؤازر الغيبوبة المستولية على رفيق دربها القديم، بينما رفع أسامة نظراته وحوَّلها نحوي، نظرات جامدة لا تفصح عن تعبير محدد، كأنه استغرب وجودي قرب والدته، وأحنى رأسه قليلًا إشارة للتحية، ثم سألني عن أخباري، مبتدئًا جملته القصيرة باسمي، الأمر الذي استغربتُه لوهلة ثم استدركت لمّا بزغ عمّار في رأسي مجددًا، وإلى ما لا نهاية على ما يبدو، لا أعرف بماذا أخبرَه ووالده عني بالضبط، وما دخلي بالعلاقة الغامضة التي تجمعهم، لكن من الواضح أن تأثيره عليهما جد قوي بحيث أني صرت خلال فترة وجيزة، نسبةً إلى معاناة المغتربين الجدد، ضمن السكرتارية الخاصة بقِمة هرم السلطة، أقصد المؤسسة.

قالت نوال في غيظ: لكن ما الذي فعله أبوك ليُطلَق عليه النار هذه المرة، وكيف تم اختراق كل الحراسة التي تحيط به؟ ربما تكون أكثر من حماية رئيس جمهورية.

ضاقت قسمات وجه أسامة، فأجاب: هذا ليس وقته يا ماما، نطمئن عليه ثم نسأل ونفهم.

حدّقت في عينيه: يعني أنت لا تعرف؟

ـ لا، لا أعرف. ألم تشترطي عليّ وجعلتِني أحلف بالقرآن ألا تكون لي أية علاقة بعمل أبي في السياسة؟

تأفف وخرج سريعًا. قالت نوال وهي تنظر نحو خطاه المبتعدة: مثل والده بالضبط عندما يتهرَّب من أي سؤال لا يريد أن يجيب عليه، يفتعل العصبية ويهرول بعيدًا لينهي الكلام متى يشاء. آه من كمال ومن لعنته التي تطاردني في الولد الآن.

 *

 نوال حاولت إبعاد أسامة عن فلك والده وتقلقل حياته قدر استطاعتها، لكن استقراره في لندن، بعد اختفاء دام سنوات، جرّدها من بقايا أسلحتها ولوّى عنق رغبتها بالانعتاق منه للأبد، فقد ظل الشاب اليافع يربطهما، شاءت أم أبت، والحوالات المالية متضاعفة المبالغ بشكلٍ يتفق مع ما يصلها من أخبار عن هرولته هنا وهناك، والتي كانت ترفض استلامها لتُرد إليه حيث حطّ الرحال. تلك الحوالات صارت حياة كاملة جرفت ريحها ابنها بعيدًا عنها كما جرفتها شخصية حبيبها وحماسته الثورية من قبل إلى تشرد لا ينتهي وإن استطاعت العودة إلى وطنها ذات يوم يبتعد كلما تمادت السنوات.

 تشرد استوطنها، يجول بأحلامها في كل مدينة سكنتها وكانت جسر عبور إلى مدينةٍ أخرى، في ذات البلد أو خلف حدودٍ جديدة لم يدركها الظن أنها ستجتازها يومًا، هو معها وليس معها، تتقطع حياتهما ما بين حضورٍ وغياب يخلِّف مزيدًا من الخوف بين أضلعها، تخشى تسربه إلى الجنين الذي أخذ يثقلها بعبءٍ مضاعف، فكرت بالإجهاض أكثر من مرة، لكنها لم تجرؤ على فعل ذلك، لذا غبطت هالة على صلابتها عندما أجهضت جنينها، لكن بعضًا منها ظل مندهشًا من تلك القسوة التي استملكتها ودفعتها إلى خنق فرحة قد لا تدرك مثيلتها يومًا، حتى وإن حملت وأنجبت فيما بعد، مرة أو مرات، لن تكون أبدًا يذات زهو الأمومة الأول الممتد في الشرايين، يستبق الدبيب الأثير في الأحشاء، ظل يعلو ويعلو حتى أعلن تمرده على رحمها في اجتماع تأسيسي لتنظيمٍ جديد مرتبط ببقايا حزبهما الأسير داخل البلاد، أحد الرفاق كان طبيبًا من حسن الحظ، فتم وضع فراش إسفنجي على طاولة الاجتماعات الطويلة، ساعدتها رفيقاتها بالاستلقاء عليه، استبشر الجميع ببكاء أسامة، كدلالةٍ لولادة جديدة في درب النضال، حتى اقترح أحدهم تسميته "ماركس"، رد آخر: "لا، سلام أو عادل، أو اسم مرَكب: سلام عادل"... "لينين"... "الأفضل ستالين"، لكنها رفضت كل اسم مقترح، وقالت:

لا أريد أن أفرض عليه شيئًا منذ الآن؛ ليكبر، ومن ثم له أن يختار رؤيته الخاصة بنفسه.

سأل أحدهم في دهشة: كيف! نحن نريد أن يستمر فكرنا عبر الأجيال.

ردت: فكرنا قائم على روح التمرد والثورة، لا على التوريث وتدجين العقول.

 عنَّفها زوجها لإحراجه أمام رفاقهما مما قد يُفسَر كنوعٍ من التمرد على مبادئ الحزب الذي يحاولون لملمة شتاته في بلاد المهجر، لكنها أصرت ألا تحوِلهم أفكارهم إلى عبيد لديها بالكامل، فيواجهوا ذات الهزيمة التي لحقت بهم في وطنهم.

 لو أنها كانت هناك لذهبت إلى بيت أهلها، ومهما كان غضبهم منها ما كانوا سيَلقون بها وطفلها إلى الشارع الذي تحفظ كل بيوته وأسماء ساكنيها، أما شوارع الغربة، الباردة في كل فصول السنة، فتبقى أمامها غامضة الاتجاهات، لا تعرف في أيٍ منها تمضي دون أن يدركها ندم مضاعف يتركها هائمة وسط طريق جديد، تتشعب منه الفروع والمسالك أكثر فأكثر، بمنأى عن الرفاق الذين صاروا يتبادلون وزوجها الاتهامات.

***

 أحمد غانم عبد الجليل - كاتب عراقي

...................

* من رواية "عصفورة الكواليس" الصادرة موخرًا عن دار الوصل للنشر والتوزيع.

أصل الحكاية نقطة وفواصل

وزمن يبدأ من حيث لا أدري

زمن يهزأ بأحلامي

وأشياء خارج التفاصيل

تُناور داخل ذاتي

بين أحشاء الوجد ووَقْدِ الغيب

يرتدّ إليّ طرفي وهو حسِير

زمن الشبهات يستبيح ذاكرتي

ما الذي يتبقى لي غير صمت الحملان

وغضب الطيور المهاجرة

2

أصل الحكاية فكرة ونوازل

وتاريخ يُقرأُ دون معنى

تاريخ يبدّد ظَاهر الغيب

وسرديات خارج النسق

تُناقض رسائل الواقع

بين الفصل وحدّ النصل

تورية ومجاز ونقط استفهام

وترقيم يؤثث صفحات الذات

3

دعوني أحدثكم عن تلك المرأة

التي ارتمت بين ذراعيّ

ذات مساء عند الغروب

كعصفور مقرور

مرتعشة

باكية

دمعها وعرقها بطعم

نقطةٍ وفواصل

وفكرةٍ ونوازل

سيدة قادمة من زمن المطلق

تخترق الرّباب والسحاب

وترسم بألوان قوس قزح

قبلات في الهواء

وفراشات مُحلقة

وسنابل شقراء

سيدة تتحدث لغة الحب

وتحكي عن بقايا أشواق

من زمن الممانعة

4

أصل الحكاية نقطة وفواصل

وترتيب فصول وعوامل

وحد أقصى من فهم المبنى

وخروج عن سيرورة المعلوم

في حضرة المجهول

بين الحسرة والحصرم

وبدموع طفل فارق الأهل

أرسم بالحبر الصيني شمسا شاحبة

وأشجارا عارية

وقبرات مسافرة

وبحرا غاضبا

الأن

سأضع رأسي على الوسادة

وأحضن الظلام

وأقبل العتمة

الأن

سأمضغ حزني

وأستقبل سلالات الغياب

تصطكُّ أسناني

يرتعش قلبي

يترنح حلمي

اِشهدوا أَنّي اِنهزمت

اشهدوا أَنّي سقطت

واِنتهى زمن النقطة والفواصل

***

محمد محضار

يناير 2026م

 

في مَدَارِ الكَـوْنِ اسْتَفَاقَ النِّـدَاءُ

وتَـدَانَتْ مِنْ شُرْفَـتَـيْهِ السَّمَـاءُ

رَفَّ فِـي وَعْـدِهِ الضِّـيَـاءُ يَـمَامًا

مِنْ أَغَـانٍ يُـزَفُّ مِنْـهَا الضِّيَـاءُ!

**

كُـنْـتَ إذْ ذاكَ بَـذْرَةً في هَـبَـاءٍ

يَـتَـوَارَى في مُقْـلَـتَـيْـهَا الهَـبَـاءُ

مُذْ ضُحَى المُوْسِيْقَى الإِطَارُ تَجَلَّى

لِـبِـنَـاءِ التَّشْكِـيْلِ حُـمَّ البِـنَـاءُ

آنَ أَنْ كَانَـتِ الطَّبِـيْـعَـةُ أُنْـثَى

تَـرْسُمُ العُمْرَ.. والزَّمَانُ النِّسَـاءُ

تَحْتَ بَحْـرٍ بِالذَّرِّ طَـامٍ عَصُـوْفٍ

ما استَطَاعَتْ رَفْعَ الرُّؤُوْسِ الدِّمَاءُ

يَوْمَهَا قُمْتَ مِنْ مِثَالِ الهُيُوْلَى

أَيُّ رُوْحٍ مِنْ مَوَاتٍ تُضَاءُ؟!

**

هَلَّ صَوْتٌ مِنَ الأَعَالِيْ غَـزِيْرًا:

انْهَضُوا، أَيُّها المَوَاتُ.. وشَاؤُوا!

سَـلَّ نَـهْـرًا مِنَ السَّمَاءِ إلى الأرْ

ضِ فهَبَّتْ في صَفْحَـتَـيْهِ الظِّـمَاءُ

تَنْـهَـلُ النُّـوْرَ كالدَّوَاءِ اشْتِفَاءً

تَــارَةً ، ثُـمَّ تَـــارَةً وهْـوَ دَاءُ!

**

وابْتَدَا الكَوْنُ نَـفْحَةً مِنْ هَـوَاءٍ

فاسْتَـبَدَّتْ في كَـوْنِـهِ الأَهْـوَاءُ

وتَـنَـاهَـى في كَـائِـنٍ مِنْ تَـنَـاهٍ

يَحْتَسـِي السَّعْـدُ عُمْرَهُ والشَّقَاءُ

يَقْـتُلُ الوَقْتَ، إِخْـوَةً وجِـوَارًا،

تَـبَّ سَـيْـفًا وتَـبَّ فِـيْهِ انْتِمَـاءُ

أَعْـلَـنَ النَّـارَ طَـيْـبَـةً إِذْ رَوَاهَا

بِدِمَـاءِ الأَيْـتَامِ.. بِئْسَ الرَّوَاءُ!

شَفَّـهُ الوَجْـدُ، لا لِعِشْقٍ ودَارٍ،

بَلْ دُوَارٌ، من خَـمْرِ بَغْيٍ، عَمَـاءُ

تَضْرِبُ الأَرْضَ رِجْلُـهُ وبِرِجْلٍ

يَطَـأُ الشَّمْسَ، والذَّكَـاءُ ذُكَـاءُ

أَطِـمَاحًا؟ يـا لَـيْـتَـهُ! بَلْ جِـمَاحًـا

وفَـنَـاءً في ما احْتَـبَاهُ الـفَـنَـاءُ

عَـيَّ عَـنْـهُ طِبُّ القُـلُوْبِ قَدِيْـمًا

كُلَّمَا شَـاخَ شَـاخَ فِـيْهِ الرَّجَـاءُ!

**

قِـصَّةٌ تِلْكَ، لا عَـذَارَى قَصِـيْدٍ،

فَصْلُهَا الأَوَّلُ: (الصَّبَاحُ=المَسَاءُ)

فاسْقِـنِـيْها هَمْزِيَّـةً عَلَّ يَنْسَى-

في مَدارِ الكَوْنِ- الدُّوَارَ الـيَـاءُ

عَلَّ يَنْسَى رَيْبِيَّـةً و(ابْنَ رَيْبٍ)

قَـتَـلَـتْـهُ يَـائِــيَّـةٌ عَـصْـمَـاءُُ

كَيْ يَرِفَّ الغِنَـاءُ فِيْـنَـا يَمَـامًا

مِنْ أَمَـانٍ، كالبَدْءِ رَفَّ انْتِـهَاءُ!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

 

لي صديقُ في كلِ ليلةٍ يبني لذاكرةِ الله بيتاً

وعند اولِ إغفاءة له يهدمهُ

ذات يومٍ بعث لي فنجانَ قهوةً أزرق مصبوغاً

بسؤال

هل للهِ ذاكرة؟

خرجتُ من نافذةِ التواريخ المعلقة على الحيطان

كانت الساحه صغيرة

ولكن وحدهُ ذلك الشاهد على الحُلم

كان يهتزُ بين ذاكرتي والزمن

سأقولُ لكَ في خفقةٍ من الغربة

وتأكيد النسيان لمرارة الوجوه الجامدة من حولي

جسرُ دوار

وقناع لشاعرٍ يقف على باب غرفة العمليات يأكلُ العصافير بكلِ أشتهاء

متظاهراً

ولا يدرك الوجع لتلك المُتكئة على الحياة

كلُ ما كان

بيني وبين الله يمسي بذاكرة

يحيط بي البرد

وأرتجفُ بألمٍ في عليين

أغنّي وحيدةً

وتسطعُ نقطةُ في البحر

وفي نهايةِ الورقة الخضراء المرمية على الرصيف

تأتي بذرةٍ للرؤيا

حيثُ أنتَ

هل مازلتَ تسأل يا صديقي المُدمى

هل للهِ ذاكرة؟

***

هناء السعيد - إعلامية وشاعرة عراقية

اديلايد

يُوتْيُوبَرْ

ركّبَ فوقَ النحلةِ آلةَ تصويرْ

كي يعرِفَ أينَ تطيرْ

كي يعرِفَ أينَ النحلةُ تذهبُ حينَ الجوُّ مطيرْ

كي يجمَعَ إعجاباتٍ ومشاهدةً ربحاً في عصرِ التزويرْ

لكنّ النحلةَ سقطتْ

وانكسرَ جناحاها

صرختْ: يا هذا الإنسانْ

هل ضاقتْ أرضُكَ كي تلحقَني في زهرِ البستانْ

***

د عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

صاحِ! كم بابٍ سدَّهُ الخلقُ في وجـ

ــــهِك واللهُ بابُهُ مَفتوحُ

*

عُدَّ هلْ سُدَّ بابُه مرةً حتـ

ـتى ونتْنُ الذّنوبِ منكَ يَفوحُ

*

ضَنَّ أهلوكَ والرّفاقُ ويُؤتي

وبما قد آتاكَ تُشْفى الجُروحُ

*

كمْ طريقٍ بنفسِكَ اخْتَرْتها والـ

غيظُ حينَ الرُّجوعِ عنكَ يَصيحُ

*

فأُغيثَ البكاءُ دون حَراكٍ

من لسانٍ كمْ قلتَ فيهِ: فَصيحُ

*

رحمةً منهُ ليت دمعَك يَدري

كم أُجيبَتْ عيناكَ وهْوَ مُريحُ

*

رحمةً منهُ ليت قلبَك يَدري

كم أُقيلَتْ بلواهُ وهْوَ طريحُ

*

رحمةً منهُ ليت غمَّك يُنبي

كيف يُطفا أشْقاهُ وهْوَ يلوحُ

*

أونُحصي يا قلبُ كم قلت لي أنـ

ـنك مِنْ غيرِ اللهِ صِفرٌ صَريحُ؟

*

أونُحصي كم قلتَ أنّ الذي أنـ

ــجزتَ لو لمْ يمْدُدْ لكَ اليدَ ريحُ؟

*

ثمّ تنساهُ حامدًا غيرَه حتـ

ـــتى يجدَّ ما بالهناءِ يُطيحُ

*

عثرةٌ أخْرى في الحياةِ بها تحـ

ـــيا جروحٌ أو تَستجدُّ جُروحُ

*

أينَ منْ قدْ حَمَّدْتَهم قبلَ هذا

مَنْ إذا نادوا في رداكَ تَسيحُ

*

أينَ منْ قدْ أحْبَبْتَ من كلِّ هذا

أينَ همْ؟ من لغيرِهِمْ لا تبوحُ

*

حاضرٌ جلّ لا يغيبُ اخْتفى أم

حضَرَ الأهلُ، جَزْلُهُمْ والشّحيحُ

*

كائنٌ عزّ لا يموتُ مضى أم

بقيَ الصّحبُ، فَدْمُهُمْ والصّحيحُ

*

أنتَ يا قلبُ أنتَ مذ جِئْتها لمْ

يستَفِدْ ممّا  راحَ ما سَيروحُ

*

فالدُّعا للرّحمنِ حين البلا والشـ

شكرُ للنّاسِ في الرَّخا والمديحُ

*

أعلى الضُّرّ أن يمسّكَ حتّى

يذكُرَ اللهَ طبعُكَ المقبوحُ ؟!

*

أَبَعيدٌ حينَ الرخاءِ بخيلٌ؟!

وقريبٌ حينَ البلاءِ لحوحُ ؟!

*

سَئِمَ الضرُّ منكَ حتّى تمنّى

أمسُهُ أن يُنْجيهِ منكَ ضريحُ

*

"وإذا مسّ الناس ضرٌ دعوا

ربّهمُ" أكْمِلْها عسى تسْتريحُ

*

صاحِ! دنيانا عنهُ ما أَبْعَدَتْ غيـ

ـرَ منِ اختارَ البُعدَ مُذ كانَ نوحُ

*

لا تلُمْها على طِباعٍ هي الإنــــ

ـسانُ مُذ أنْ أجْرَتْ دِماهُ الرّوحُ

*

فادنُ إنّ المماتَ يدنو كأنّي

بالبواكي حول الضريح تنوحُ

***

 أسامة محمد صالح زامل

 

على طاولته الخشبية، تبدأ الحكاية..

أنغام مطرقته ليست طرقاً على المعدن، بل هي صدى صرخات المدينة وهي تتحول إلى ألحان......

مع كل نقرة موسيقية، يصحو العقيق الأحمر من غفوته، ويمسح الضياء على جبين المآذن بوقار مَن يرتل صلاة، فيستيقظ النخيل من سكرة وجعه، وينتشر صوبه النور على إيقاع الرنين.

هناك... حيث يذوب الصمت في لحن الصائغ، تنهض المدينة من ذهولها،

تنفض غبار السنين، وتعلن بلسان الطين والماء:

"أنا لست رماداً.. أنا المعزوفة التي كلما حاولوا كتمها، دوت".

***

د. نسرين إبراهيم الشمري

 

تسافر وحدك

على قارب من خيال..

يهيم بدون شراع

يسامر تلك الغواني

ويكرع كل هذا الجدال..

ويمشي الهوينا طويلا

بين الضفاف

وبين الغيوم

وبين الجبال..

لأن العوالم كلها

باتت تودع حالها

في الحياة المحال ..

**

شراعاتنا لم تعد مبحرات

وموجاتنا صاغيات غافيات

يمازحن ريحا تراءة سبات..

**

اراقب هذا المساء الثقيل

يلملم حاله باحتراس

ثم يطفئ الضوء

يموت الظلام في عتمة الخوف

تفر عصافير سدرتنا في الغروب الثقيل

تموج تلاحينه في العراء

ثم، تسود ملامح هذا الزمان العليل ..

**

هل ترون الطقوس ..

حين تلاقحت وتزاوجت

ثم ارتحلت

صوب عالم الغيب

ما وراء الشموس..؟

يسيرون كالموتى

بدون ملامح،

يشربون كؤوسهم

يتقيئون عيونهم وقلوبهم

يتثائبون كلما اقترب المساء

هل ترون الوباء

يضاجع عهره

في الفناء..؟

فقد البعض انوفهم

والبعض عيونهم

واخرون، أجسادا بدون رؤوس

يجلسون ويسيرون بلا رؤوس

وظلالهم تحت الشمس

اطول من قاماتهم

ويتناسلون بدون اعضاء،

هلاميون في عالم من ضباب

يهيم عليه الغبار..!!

***

د. جودت صالح

16 / 1 / 2026

رضا بهلوي

أمامَ حائطِ المبكى

***

وَ هَزَزْتَ رأسَكَ خانعاً مُتَباكياً

قُدّامَ حائِطِنا السَليبْ

*

لامَسْتَهُ مُتباهِياً بِطقوسِ سيّدِكَ الكفيلْ

تشكو إلى (يَهْوَهْ) الرَهيبِ ضَياعَ هَيْكلهِ

وَكُنوزِ جَيْبِ (القَهْرَمانْ)

*

مُتوضِّئا بِدَمِ الحمائمِ والحَجَرْ

فَحَجزْتَ أعلى مَقْعَدٍ

بينَ الذين تَخيّروا

سَقْطَ المتاعِ مِنَ البَشَرْ

*

وَغَدوْتَ أنت المُرْتجى

فيكَ الحَداثَةُ كالنذالةِ تُخْتَصَرْ

*

يا حاملاً

بُشرى الخلاصِ مِنَ البسالةِ والظَفَرْ

*

بَلْ قيلَ عنكَ المُنْتَظرْ

للسادرينَ بِغيّهمْ بينَ الجواري والغَجَرْ

*

حيثُ التهافتُ والتنازُلُ والسَمَرْ

طوبى لَكُمْ فَلَقدْ أَذِنَ المُرابي والدخيلْ

*

وَغياهبٌ في نفسهِ السوداءِ حُبلى

بالشُرورِ وَبالشَرَرْ

*

في ثالثِ الحرمينِ ناحَ مُرائياً

مُتوسّلا تأشيرةً للقصرِ ثمّ الهيْلمانْ

*

مُتجَاهِلاً وَجَعَ الحمامِ وغيظهِ

ذُعِرَ الحَمامُ

فَفَرَّ مذعوراً يُناجي القِبْلَةَ الأولى

وَيَستفتي المنائِرَ والقِبابْ

*

والتينُ والزيتونُ حولَ السورِ مُعْتَكِفٌ

على قَسَمٍ توارى في التُرابْ

*

وَبَكى رُخامُ السورِ والمسرى

على شْجْوِ الحمائِمِ

بينما صرخَ البُراقْ:

*

يا حالِماً بالتاجِ مَحْشوّاً بِقُبّعةِ السَوادْ

مُسْتجْدياً كَأبيكَ أربابَ التوحّشِ والخرابْ

*

يا بهْلوانَ زمانِهمْ وَ زمانِنا

مالي أراكَ مُردّداً كالبَبّغاءْ ؟

*

مَزْمورَ (بابِلَ) داعياً

أوهامَ هَيْكَلِهمْ بِحاشِيَةِ (التَناخْ)

*

أَمُذَكِّرٌ وَ مُناشِدٌ

أسيادَكَ الغرقى هُنا

بِدَمِ الطفولةِ كي يَفوا

*

بِجَميلِ (قورَشَ) حينَما

رَدَّ السَبايا للديارْ؟

*

أَوَ جِئْتَ تسألُ رَبَّهم باسمِ الرِبا

رَدَّ الجَميلْ؟

*

أظَنَنْتَ حائِطَنا العتيقَ سَلالِماً

للحالمينَ بِعودةِ المخلوعِ

للعرشِ المَهيبْ؟

*

فالحائطُ الغَرْبيُّ يَلْعَنُ مَنْ أتى

لِيَدُسَّ في شَقِّ الجُدارِ قَصاصَةً ..

شكوى إلى (يَهْوه) الرهيبْ

*

كيما يُجَنّبَ شعبَهُ المُختارَ زوراً

رُؤْيَةَ (الأغيارِ) في أرضِ المَعادْ

سكرانَ تَلْهجُ في طقوسِ العابرينْ

*

رؤْيا الأُلى قد أمْعَنوا بِدَمِ السِوى

في عُهْدَةِ العهْدِ القديمْ

*

وَأَكادُ أسمعُ صرخةً

بِمَنابرِ الشرقِ البعيدْ

*

مخصوصةً لِسليلِ أحلامِ الطَواغيتِ الصِغارْ

*

واللاهثينَ وراءَ عَرْشِ الشمسِ والطاووسِ

مَزْهوّاً بذيلٍ فاقعِ ا لألوانِ ذُلّاً وانحِناءْ

هيهاتَ مِنّا ذُلّةً:

*

يا نَسْلَ أقْبِيَةِ الحَداثةِ والخديعةِ والخرابْ

إنّي لَمَحْتُكَ عَبْرَ أمواجِ الأثيرْ

*

مُتَملّقاً وَ مُدَنّساً

أطلالَ حَيٍّ للمغارِبَةِ القُدامى الطيّبينْ

*

مُذْ جَرّفَ الأوغادُ حارَتَهمْ هُناكْ

ما بعدَ نكستِنا الشنيعةِ في حُزيرانَ الهَوانْ

*

وَكَأنّما التجريفُ ديْدَنُهمْ مَعَ الأغيارِ

في كُلِّ العُصورْ

هَدَموا بيوتَ العاكفينْ

*

أحفادَ مَنْ مَنحوا إلى أسلافِهِمْ

دِفْء الحمايةِ والأمانْ

مِنْ هَوْلِ ما صَنَعَ الصليبيِّ الأثيمْ

*

هَوَ هكذا في شَرْعِهمْ

غَدْراً يُجازى المُحْسنونْ

*

عُذْراً إلى شيخِ الشيوخِ وصَحْبِهِ

(بو مِدْيَنَ) الغوْثِ الأمينْ

هبّوا معاً وبرفقةِ الشيخِ المكينْ

*

جاءوا مِنَ الأقصى إلى الأقصى

مُلَبّينَ النِداء

*

مَدَداً لِحِطّينَ اللظى والكبرياء

نَفَروا الى أرضِ الرباطِ مُرابطينْ

*

أيّانَ كان المغربِ الأقصى مكاناً

للغيارى الأولياءْ

وَمَنارةٍ لمُلوكِ عَزْمٍ أوفياءْ

*

أبَتي الذي مازلتُ أبكي طيفَهُ رغمَ السِنينْ

لا تَبْتئسْ فَلَرُبّما

تأتي البشائرُ مِنْ لَظى الشرقِ البعيدْ

*

مَدَداً كَفيضِ اللهِ للهادي النبيّ المصطفى

ثمّ الفتى الكرّار والسِبْطِ الشهيدْ

*

لِتُعيدَ للأقصى المنابرَ والمنائرَ والحَمامْ

وَيَعُمُّ في الأرضِ السلامْ

***

د. مصطفى علي

 

لا تفتحِ الأبوابَ للفوضى

فتهدمَ الأساسَ

والسقوفَ

والجدران

أمامَكَ الوحوشُ فاصرعها

أو سُقْ إلى الأسر سياجَ البيتِ والبيبان

ومُتْ – إذا ما شئتَ – مرّاتٍ

وعُدْ

لتبدأَ الصراعَ معْ نفسِكَ من جديد

برايةٍ مثقوبةٍ

مُجرّداً من سيفكّ الصديءِ

تُقارعُ الجيشَ الذي ليسَ يُرى

من دونما درعٍ ، ولا حصان

**

مهما حيينا

وَكْدُنا أن نحتفي

بذلكَ الطفلِ الذي يغسلُ في أحداقنا رجليه

ونسكُبَ الزيتَ

على النبضَ الذي في العمق من جنوننا

يدوي كما البركان

وينفثُ الشرارَ من أفواهنا

ويدفنُ العالمَ بالصُهارةِ الرخوة

والدخان

**

أنظر حواليكَ لكي تعرفَ من أنتَ

وماذا تُريد

أنّى تَلفَّتَّ

تجدْ أشباهَكَ الآلافَ من حولك يرقصون

هذي حدودُ الحُبِّ فادخلها ، ولكن

بعدَ أنْ تبصُمَ بالدمع على وثيقة الغفران

فالحبُّ فيها بذرةٌ

تُنبِتُ أفواهاً تُجيدُ الهمسَ والتقبيل

والحبُّ طوْبٌ ومِلاطٌ

تُبتَنى منهُ بيوتٌ تَشبهُ الإنسان

أبوابُها تبكي إذا ما أُصِدتْ

والسُقْفُ أضلاعٌ إذا ما اعتُصِرتْ

تذوبُ مثلَ الشمعِ في حرارة الأحضان

ألحُبُّ للساعي إليه وطنٌ

مَن خانَ في الحبِّ

كمن قد خانَ في الأوطان

***

شعر: ليث الصندوق

 

سمّته قدر، وكأنها كانت ترى أبعد من جناحيه الصغيرين.

لم يكن الاسم عبثًا، كانت الأم تدرك ـ وهي تراقب ارتعاشه جناحيه الصغيرين ـ أن هذا الفرخ لن يُترك للصدفة.

فهم انشغال أمه رغم صغر سنه. أصر على تحمل عناء تدريبه على الطيران كما تدرب الأرواح على الصبر: خطوة في الهواء، ثم أخرى، حتى يتعلم أن السقوط ليس نهاية، بل درس.

في فضاء كل صباح، كانت تحلّق قبله بخطوة، تُبطئ أحيانًا، وتنعطف فجأة، كأنها ترسم له دروبًا خفية في الهواء.

كان يتبعها، يتعثّر، ينهك، ثم يرفع رأسه مستعطفًا.

تقترب منه، تُثبّت عينيها في عينيه، وتهمس بتغريدة دافئة:

- نحن اليمام.. من صنف المنقار المسنّن، لا نعرف التعب.

يستجمع أنفاسه.

يضرب الهواء من جديد.

يرتفع.. أعلى مما فعل في المرة السابقة.

وتبتسم.

مع كل حصة، كانت تحدد المسار بدقة، تتجنب الرياح الغادرة، وتدلّه على فسحات الأمان.

لم يكن تدريبًا فحسب، بل رحلة عيش.

عند الغروب، كان قدر يقف أمامها على أعلى غصن في شجرة الإيواء.

الصمت يلفّ الجبل، إلا من صدى كلماتها التي لم تكن حكايات، بل خرائط نجاة.

كانت تتكلم ببطء، وكأنها تنقش حكمتها في الهواء.

وهو، بعينين مفتوحتين، لا ينام قبل أن يحفظ الدرس.

حين يغمض جفنيه أخيرًا، يكون قد حفظ طريق الغد واستعد له.

في عتمة الصباح، انضمّ إلى سربٍ مهيب لا يعيش إلا بالحذر.

الصيادون أطلقوا عليه اسمًا، أمّا اليمام فكانوا يسمّونه: سرب الزعيمة.

اجتمعوا على أغصان شجرة سامقة في قلب الأطلس الكبير.

 مكان لم تطأه قدم بشر.

 كانت الزعيمة أول من اكتشفه، بعد أن جابت القمم واحدة تلو الأخرى، بحذر من يعرف أن خطأً واحدًا يعني الفناء.

تبدأ الجلسة دائمًا بصمت.

ثم تتوالى الأصوات:

تشاور.. تخطيط.. نصح.

الغاية واحدة:

لا ليغلبوا أحدا، بل ليضيفوا يومًا آخر إلى أعمارهم دون الوقوع في فخّ إنسان.

كان قدر يصغي.

يراقب أمه وهي تتكلم.

يفهم، مع مرور الأيام، كيف تُصنع الزعامة:

كلمات قليلة، موزونة، تخترق العقول قبل القلوب.

- نحن قلة، تقول.

- لكننا نعيش لأننا نعرف كيف نعيش.

في ليلة باردة، ضمّته إلى صدرها.

كان القمر شاهدًا على ابتسامتها المتعبة:

- كنا أصابع، يا بني.. فأصبحنا سربًا.

مرّت الأيام.

وانحنى جناح الزعيمة.

لم تعد تطير.

اعتكفت في عشّها أعلى الجبل، حيث تُبنى الأعشاش بحكمة الشيوخ.

أمّا قدر، فقد تحمل العبء للحفاظ على ما حققته أمه.

ورث عنها الصمت المثقل بالحكمة. صار يقود السرب، ويعود بأخبار البشر: طريق تشق، أشجار تجتث، وغابة تضيق.

يزور أمه كل يوم للاطمئنان على حالها والاستفادة من خبرتها.

لكن في تلك الليلة.. عاد مختلفًا.

وجهه شاحب، صوته مكسور.

المناشير كانت تأكل الغابة المجاورة.

الأشجار تسقط واحدة تلو الأخرى.

انعزل.

وسؤال قديم عاد ينهشه:

- كيف ننجو منهم؟

- هل النجاة في الهرب ... أم في القطيعة؟

في منتصف الليل، لمعت الفكرة.

مع الفجر، كان السرب ينتظره.

اعتلى غصنًا عاليًا.

أحاطوا به.

قال بصوت ثابت:

- علينا أن نغادر عالم البشر.

همهمة.

صمت.

ثم سؤال شيخٍ هرم:

- وإلى أين؟

قدر: إلى جبلٍ بلا طرق.. بلا بنادق.. فيه ماء وسهول.

الشيخ: وكيف نعيش؟

قدر: بالبذور التي سنأخذها اليوم لنزرع بها الغد... بالمخاطرة.. اليوم نحمي الغد.

فجرًا، انقضّوا على الحقول.

مناقير تغترف، أجنحة تهرب.

دوّى الرصاص.

سقط بعضهم.

لكن البذور وصلت.

وفي الجبل الجديد، نبتت الحياة.

وقف قدر أمام السرب، وقال بهدوء:

- قد نخسر اليوم ... رحم الله شهداءنا ... لكن أبناءنا سيعيشون.

- من اليوم.. نحن أحرار.

ليلًا، جمعهم من جديد.

 قال بهدوء يشبه الأنين:

- الأرض تضيق.. والبشر يبحثون عن عوالم أخرى بعدما دمروا عالمهم...

- نحن ابتعدنا اليوم..

- أثبتنا أننا سلالة لا تصاد...

- وغدًا؟.. الغد في علم الغيب.

وسكت.

وكان الصمت أثقل من كل الكلمات وأبلغ من كل الخطب.

***

(قصة قصيرة)

الحسين بوخرطة

أَ تَشْهَقُ في تلّتي - قال-

والزّرعُ لي نبضُهُ

وشُرُوقاتُ إثمِدِهِ؟

ويَخْتَطُّ ريشُ الْحساسينِ فيكَ

عطورَ الْمَجَرّاتِ،

والطّيْرُ في مَوْقِدي؟

أَيُورِقُ تحت أظافيرِكَ السِّندَيانُ

وهذي الْمَبارِدُ

وَسْمُ يَدي؟

ويُومِضُ في كفِّكَ الْأُقحُوانُ

وما انْعَتَقَ الضّوْءُ

مِنْ أَضْلُعِي؟

أتَعْبُرُ مِنْ بيْن كفّيْكَ

فاكِهَةُ الْقَهَواتِ

وفَكِّي لِجامٌ لها؟

و"هامانُ"، في التّلِّ أَوْقَدَ لي،

ووَهَبْتُ لهُ معطفي.

وإنّي لِمَوْقِدِهِ

أَجْتَدِي الرّيحَ

كيْما يُطَوِّفَني

وَبِهِ أَرْتَوِي.

*

وتلك النِّعاجُ ،

هواها فؤادي،

وإنّي لها لَكَفِيلٌ،

ولي فَيْضُها .

كذلك حدَّثَني هُدْهُدي

وكذلك يُعْلِي يَدي.

*

وهذي الْأخاديدُ ،

فيها صَفِيري

وفيها جُيُوبُ الْغُيُومِ،

وأقْبِيَةٌ…

وفيها تُؤَذِّنُ أجنِحَتي

بِطُفُوحٍ

وعَزْفِ أَزِيزٍ

وتَصْدِيَةٍ…

وإنّي لَأَسْرِي

وأَهْفُو لِمَسْرَايَ، منها ،

إلى طيْفِ " دورغا " وأسْرِجَتِي…

*

لَكَ الْيَوْمَ - قلتُ -

حديثُ الْأَخاديدِ

والْأَكَمَاتُ،

ولي وَمَضاتُ غدي.

لكَ الْيوْمَ

حَشْرَجَةُ الماء

في الطّينِ والْبُرتُقالِ ،

ولي أُرْجُوَانُ المدى.

ولي وَتَرُ الْقَوْسِ،

في شَهْقَةِ الْمِلْحِ،

يُنْبِتُنِي فَلَقًا…

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي- تونس

..................

إضاءة:

" دورغا": آلهة هندوسية. تجسّدها القدّيسة

" كارني ماتا " في تلال راجستان الهندية في القرن الرابع عشر والّتي تنسب إليها معجزة إقناع آخر ناسك في تلّة " جبل الطيور " بالتّخلّي عن موقعه للملك " راوجودا " لبناء حصن .

فنجانُ قهوةٍ

يقاومُ ارتعاشَ الصباح،

دفءٌ داكن

يتسلّلُ إلى الأصابع

ويُقنعُ القلبَ

أنّ العالمَ لم ينتهِ بعد.

*

أغنيةٌ قديمة

تخرجُ من شرخِ الزمن،

و تستوطن قلوبنا

دون أن تسألَ عن أسمائنا،

تعرفُ وجعَنا

وتكتفي

بأن تُربّتَ على الصمت.

نستعيدُ معها

أصواتًا كنّاها،

ووجوهًا عبرت

كغمامةٍ خفيفة

ولم تعُد.

*

ضحكةٌ عابرة

تُربكُ الحزن،

تجعلهُ يتعثّرُ

لحظةً

في دهليزِ الروح.

*

برقٌ صغير

في سماءِ مكتظّةٍ بالغيوم،

يبرّرُ للعين

أن تواصلَ النظر.

*

تفاصيلُ بسيطة، تمنح

المعنى

أشياءُ هشّة تتقدم

بلا ضجيج،

وتحملُ الحياةَ

على كتف واحدة

تعدّلُ زاويةَ القلب،

وتعلّمُنا

كيف نعيشُ

بين خسارتين

دون أن نموت.

***

مجيدة محمدي

 

رجلٌ أربعيني وافته الكهولة بخبرة السنين وقوة ذاتية وفرها له سِنُّهٌ ومنصبه، وفي بدنه أيضًا عافيةٌ ظاهرة؛ إذ لم تداهمه الأمراض بعد، فيما رغبته تعلن عن فحولةٍ لطالما كانت مصدرًا لثقته بنفسه واعتزازه بقوته.

 لم يكن من السهل عليه أن يشاهد تلك الشقراء ثم يمضي في سبيله كأن لم يسافر إلى نشوةٍ حالمة وذكريات الحب في بستان شبابه الواسع النضر.. كان منذ عقدين يجري في البستان منطلقًا بكل مرح وسعادة؛ بل كان يطير مثل النحلة، فيشم رحيق الأزهار البيضاء والحمراء، بَيْدَ أنه لم يكن يحب اللون الأصفر.

رأى كثيرًا أصحاب الوجه الروماني الأصفر؛ فاستقر في ذهنه أنهم باردون مثل الشتاء، ولم يكن يبغض في حياته أكثر من البرود، سواءً في الوجه أو في الطبع.. وسمع الناس يقولون إن الأصفر لون الغدر والخيانة أو لون المكر، وأيًا كان فليس المكر بعيدًا عن الخيانة، إنه وسيلتها على أية حال.. والشقراء ذات الشعر الأصفر كانت ترتدي بلُوزَةً صفراء، أما البنطال الأزرق الضيق جدًا فقد كان السبب..

كيف لرجلٍ بينه وبين زوجته تلك الجفوة التي زادت أيامها على شهرٍ ونصف ألا تجذبه تلك التفاصيل الشهية؟ كيف له أن يتذكر كم سهرت زوجته وهي تكتب ما يمليه عليها من رسالة الدكتوراه التي حصل عليها بامتياز يثير الإعجاب بعلمه والتعجب من ضعفه الطارئ أمام الجنس اللطيف..

عشرون عامًا تقريبًا كان فيها ذاك المثالي.. قراءةٌ جادة شاملة لم تتوقف ليلة، وعملٌ مُتقَن لم يتوقف يومًا، واهتمامٌ كبير ينصب فقط على علمه وأسرته، والآن أصبح يتسائل عن سر الشهوة المستعرة..

 قد نفهم أن مراهقًا تنتابه مثل تلك الشهوة اللئيمة بأفكارها الدَّنِسَة وخيالاتها المخجلة، أما أن توافيه الأربعون بالخبرة ثم تسلب منه رزانته وتمنعه حكمةً لطالما سيطر بها على نفسه فهذا ما لم يتوقعه أبدًا، أين ذهب العلم يا دكتور؟ أين راحت عزيمتك؟؟؟

"يا زوجتي هداكِ الله" هكذا قالها في نفسه مشمئزًا من النكد.. كان وحيدًا بين جلسائه من ذوي السترات الأنيقة..ألقاب ومناصب.. جمال بيه.. مصطفى باشا..والشقراء تغدو أمامهم وتروح ، والعيون الثعلبية تمارس متعتها في صمت فلا داعي الآن لتبادل الأحاديث، وقديمًا قيل: "الصمت في حرم الجمالِ جمالُ" فليصمتوا إذن حتى يتمَلُّوا.. "فَتَّح عينك تأكل ملبن"

وظلوا يحملقون في البِتِلُّو الأبيض، وهي ترمقهم بطرف عينيها وتبتسم، والجميع يمارسون طقسًا مركبًا بين الصمت والنظر وادِّعَاء البراءة، كل "بِيه" في هذا المجلس العبثي يمثل الوقار والتماسك، وينظر فيمن حوله متأملًا نظراتهم له، ثم يهدأ قلقه حين يراهم جميعًا منهمكون في لذةٍ فاضحة لا داعي معها لذكر الألقاب.

وفيما هم يعبثون دخل عليهم القاعة "الأستاذ فَتُّوح" المدير التنفيذي لجمعية "نبض الحياة"..

وّجَّهَ فَتٌّوح أمرًا إلى الفتاة أن اعملي، ولم تكن مفاجأة لهم أن يعرفوا حقيقة الشقراء.. ملكة جمال مُتَوَّجة مهمتها إحضار الشاي والقهوة؛ لكن لماذا لم تعلن هويتها؟؟ نعم سيدي، إنها تمارس نوعًا من التسول، نوع جديد لكنه أكيد المفعول.. تدخل على الزبائن بثيابها الأنيقة وملامحها الأوروبية فيعتقدون أنها إحدى بنات العائلات ذات النسب، ثم تتبختر أمامهم حتى إذا شخصت إليها العيون وكَفَّت الأفواه عن الثرثرة ونسى الجميع كل شيء إلا ذلك الجسد، سألتهم عما يطلبون، وكم يطربها أن تسمع إجاباتهم بين عصير المانجو والكوكتيل والفراولة، فهذا يعني ولا شك أنها فاكهة! وبعد أن تحضر لهم ما يشتهون تتقاضى من كل رجل بقشيشًا سخيًا.. في الواقع كان ما تفعله كله من أجل البقشيش!

مضت الفتاة لتحضر المشاريب، وصاحبنا الدكتور يضرب كفًا بكف ويتسائل عَمَّن وضع هذا الجمال الساخن في "البوفيه"؟ ألهذه الدرجة صار الحظ أعمى والدنيا ظالمة؟! هكذا تسائل..

 جلسة ممتعة تلك التي كانت في قاعة الضيوف بالجمعية الأهلية. تجاذب المثقفون أطراف الحديث، وانغمسوا في مجاملات هم يعرفون أنها سخيفة، ثم تنادوا فيما بينهم بألقابٍ تركية من تراث العهد البائد. هم الذين يعتبرون الاشتراكية إلهًا يُعبَد ليسوا من الاشتراكية في شيء، هكذا رآهم الدكتور، وأكثر من هذا أنه رآهم بلا وجهة ولا هدف، فكل ما يعلنونه على الملأ من مبادئ وأفكار لا يؤمنون به حقيقةً، فلمذا إذن يجلس معهم إذا كان هذا رأيه فيهم؟.. قضاء الوقت في ندوة أفضل عنده مشاهدة مباريات كرة القدم.

"لكن مجلس هواة الثقافة لا يختلف كثيرًا عن مجلس الدهماء في المقاهي" قالها في نفسه ضاحكًا. ألا تراهم يتبادلون فيما بينهم فاحِشَ القول والنِّكَاتِ القبيحة، ألا يُقِيمُونَ وَلِيمَةً ينهشون فيها لحوم الغائبين عن المجلس من معارفهم فيما خيوط الدخان المستورد تنعقد فوق رؤوسهم مُكَوِّنَةً غَماماتٍ بيض.

 واستمر الجالسون في حديثهم اللاهي فيما صاحبنا تراوده فكرةٌ ما.. ماذا لو؟...

انفض السَّامِر وضَجَّت القاعةُ بالصمت ثم استولى الظلام على الكراسي والنجف والسجاد.. وحده ذهب إلى البُوفِيه.. كان يطمع في علاقةٍ ما تبدأ بكلمةٍ مازحة ثم نظرة فموعد فلقاء! إن مشيتها وضحكاتها تخبره أنها لن تمانع، وهو لا ينقصه المال والوسامة، إذن فليدخل في الموضوع "ساعة الحظ ماتتعوضش"!

مشى في الطرقة مسرع الخطى، وحين أصبح على بعد خطوات، اشتعلت النيران، نيران شبقٍ لم تلبث أن خمدت واختفت. لقد ألجمه الذهول وصار لا يصدق عينيه. إنها الشقراء تخلع باروكتها ليبدو شعرها الطبيعي أسودًا خشنًا على رأسٍ قد أصابته الحكة ليليق بامرأةٍ كانت تتسول البقشيش منذ قليل، أما الوجه الأبيض فلم يكن أبيضًا ولا مُشْرَبًا بحُمْرَة، إِنَّهُ المِيكَب اللعين وليس شيئًا آخر، وطبعًا كانت تضع في عينيها عدساتٍ لاصقة.

وحين دخل عليها المدير من الباب الخلفي دار بينهما ذلك حوار الذي يكون بين الرجل ومعشوقته..

- فتُّوحي، إدِّينِي 4000 جنيه

- يا خبر أبيض، ليه؟ دا انا لسه مِدِّيكِي 2000 امبارح.

- عشان خاطري يا روح قلبي.

من أين جاء توحة بكل هذا الورق الذي ينفقه على ......؟

توحة ليس كأي توحة؛ إنه من كبار الموظفين الفسدة في إحدى الوزارات.. مُحاسِبٌ شديد البراعة في الفساد ولا يمكن أن يترك وراءَه أثرًا مهما سرق، كما أنه – فضلة خيرك- مديرٌ تنفيذي فاسد لجمعية أهلية أقامها أحد المحسنين ولا يدري عنها شيئًا لأنه فَوَّضَهُ ونام..

 المهم الآن أنها خلعت قطعة من ملابسها فعانقها وقَبَّلَها، فخلعت الأخرى فورًا، وإذ لم يتمالك نفسه أسرع يَدُسُّ يدَه في جيبه وأخرج منه خمسة آلاف جنيه، ثم تَوَجَّه إلى مكتبه موتورًا ليغلق النافذة ويرد الباب؛ أما الأنثى اللعوب فقد أخرجت من الثلَّاجة علبة بلاستكية بيضاء غير شفافة كانت قد وضعت فيها البقشيش الذي ادخرته على مدار أسبوع.

ضمت البقشيش إلى المبلغ الذي أخذته للتَّوِّ من المدير العاشق، وبدأت تعد أوراق البنكنوت، حتى إذا بلغت سبعة آلاف جنيه بما يعادل راتب موظف الدرجة الثانية لفت الأوراق بعناية لتضعها في حقيبة اليد.. كل هذا ودكتور الأدب المقارن يواجه دهشته فاغرًا فاه كمن لم يفهم الدنيا ذات يوم.

- يَلَّا يا روحي عشان محتاج حضنك الليلة.

- طب ومراتك مش هتقُولَّك اتأخرت ليه؟

- أعوذ بالله، افتكري حاجة عِدلَة.. أنا قايل لها إني هتأخر الليلة دي، وتبقى تتعشى هي والعيال وتنيمهم.

همس الدكتور قائلًا: إخص، الله يخيبك، زوج ورب أسرة وبتخون مراتك؟؟..

 اكتَنَفَهُ شعورٌ بالخزي وتذكر أنه منذ قليل كان سيفعل نفس الشيء، وفيما كان يعض على شفتيه نادمًا خرج العاشقان متشابكا الأيدي غير مُكْتَرِثَيْنِ لوجوده.. لم يجد لتساؤله عن الحياء معنى، فالأنثى اللعوب لا تعرف الأدب طبعًا، والموظف الفاسد ذو جلدٍ ثخين ولاشك أنه ميت القلب.. القبح سيد الموقف والصفاقة بلا حدود..

مضى العاشقان إلى حيث وكر اللذة، ومضى باحث الأدب إلى بيته مُنْتَوِيًا مصالحة زوجته المخطئة!.. وحين وجدها وأطفاله نائمين في أمان الله رق لهم، ثم انتهز الفرصة فأَعَدَّ قَهْوَتَهُ بِعِنَايَة، ودخل مكتبته عازمًا على استكمال بحثه: بين الأدب والكتب المقدسة.. مَلِك المزابل" بَعْلزَبُول"..

***

قصة: حاتم السروي.

أ حتّى أنتِ مَنْ أرجو

بدا في طبعكِ الغدرُ

*

فأين العهدُ قد أمسى

رعاكِ الله ما الامرُ

*

أ هجرانٌ بلا ذنبٍ

وظلمٌ دونَهُ الكُفرُ

*

حلفتُ اليومَ لا أشكو

وإنْ أزرى بيَ الضُرُّ

*

يمينًا بَرّةً تبقى

إذا ما خانني العُذرُ

*

سأمضي بالاسى وحدي

عسى في عُسرهِ اليُسرُ

*

وأسعى جاهدًا نفسي

وإنّي الصابرُ الحُرُّ

*

هَلُمّي أيها البلوى

فحسبي أنتِ لا الخَمرُ

*

كؤوسي منكِ مترعةٌ

وفي لوعاتِها السُكرُ

*

ومَنْ لم يصطبر فيها

علاهُ الذلُّ والقهرُ

*

ألا يا أيُّها الليلُ

سلامًا أيها السِفْرُ*

*

أ أفشي السِرَّ يا صاحي

وفي جوزائكَ البدرُ

*

وأحكي بعض أشجاني

وما أزرى بي الدهرُ

*

وهل أنتَ كبعض الناسِ

مِن أخلاقها الخترُ*

*

أجبني إنني مُضنى

أجبْني أيها الحِبرُ*

*

سرابُ الحُبِّ آمالي

عليها صادقَ الهجرُ

*

وما قدمتُهُ زُلفى

أضاعَ بجهلهِ الغِرُّ*

*

قرابيني لهُ تبقى

الى أنْ يصدحَ الفجرُ

*

متى يأتي الذي أرجو

يَقِرُّ قرارَهُ الطيرُ

*

أيصفو ليتهُ يصفو

شرابي حِلوهُ مُرُّ

*

صباحي هل تُرى يأتي

عليه النورُ والعِطرُ

*

بهِ أشدو مواويلي

وعندي إنْ وفى نِذرُ

*

سلامًا أيُّها المضنى

سلامًا أيُّها البحرُ

*

كلانا حُبُّهُ مَدٌ

ومَدّي ما به جزرُ

*

ويبقى بيننا شبَهٌ

هو الاعماقُ والسِرُّ

*

فحسبي اللهُ في حُبٍّ

علاماتُ الهوى صِفرُ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

العراق / الكوت

25 كانون ثاني 1971

........................

* الختر: أخبث الغدر

* السِفر: الكتاب الجامع لأسفار اليهود

* الزُلفى: التقرب بالمحبة

*وغالني: أي غدر بي

*الغِر: الذي لم يُجَرّب الحياة

* الحِبر: مرتبة دينية عند المسيحيين

اِنْ أردتَ تقاومُ جمعَ القطيعِ تهيَّأْ

فالقطيعُ قطيع!!

ولكنَّ قائدَهُ شرسٌ ولئيمْ

ويزعجُهُ أنْ يظلَّ على الأرضِ صوتٌ كريمْ

القطيعُ الذي سارَ خلفَ اللئيمْ

هو رهنُ الاشارةِ ينبحُ أو يلسعُ أو يفترِسْ

أو يهيلُ الصخورَ على طولِ دربِكَ،

يُخمِدُ وهجَ الضياءِ بِدنياكَ كي تندرِسْ

أمامَكَ جمعٌ غفيرْ

ولكنَّهُ ـ بَعدَ كلِّ الحساباتِ ـ جمعٌ صغيرْ

***

شعر: كريم الأسدي

.......................

* زمان ومكان كتابة هذه القصيدة في الخامس عشر من كانون الثاني 2026 ، في العراق ـ الناصرية..

صَدِئَتْ قُلوبُ مَفازَةٍ أَبْلَتْ بَلاءً سافِرَا

وَاللَّیْلُ قَصَّ جَناحَھُ مَدَدٌ سَقاني غادِرَا

عَیْنِي تُجَرِّعُنِي لَظى شَطْحٍ أَحَلَّ ذَبیحَتي

وَفَمِي یُقِیمُ الْحَدَّ، لاَ الصَّفْحُ یُكابِرُ ناصِرَا

قَلْبِي یَجُرُّ جُثَّةَ الأَیَّامِ یَحْلِفُ نَاقِمًا

أَنْ یَسْتَقِیلَ مُقاوِمًا وَیَضِبَّ جُرْحًا كاسِرَا

اَلْعُمْرُ یَمْضِي غاشِمًا لایَسْتَسِیغُ وَجِیعَةً

زَجَّ بھا حَفَّارُهُ في مَا یُمِیتُ الْحاضِرَ

أَشْكُو إلى الْعَالي مُنًى حُبْلى بِذَنْبٍ راقِدٍ

قَدْ جَرَّحَتْ وَتَري فَھَامَ اللَّحْنُ یُدْمِي الْخَاطِرَ

وَأُكَفِّرُ عَمَّا جَنَتْھُ حَرْبُ رُوحٍ ما وَھَتْ

جَمراتُھا تَسْتَنْزِفُ حَبًّا وتِبْنًا بائِرَا

أَسْتَصْرِخُ الْمَوْجَ الذي عَضَّ مَجادِیفي ومَا

سَلِمَ قَمِیصُ بَلاغَتي لَمَّا تَرامَى نَافِرَا

أَوَكُلَّما خارَتْ مَناطیدِي وَشُلَّتْ عَبْرَتي

یَغْزُو الْوَرِیدَ مِدادُ أَغْلالٍ سَبَتْنِي باكِرَا

ھَذِي الْجَوارِحُ ما كَسَاھا الصَّبْرُ خاتَمَ حَظِّھا

وَأَنا الْمُغادِرُ یَلْھَثُ خَلْفِي الدواءُ مُعافِرَا

یا مَنْ یُقاضِي مارِدَ الأَیَّام،ِ بِعْ مَنْ یَسْتَحِي

وَرْدُ صِباهُ الرَّافِسُ لِلْحُلْمِ نَذْلاً جَائِرَا

أَعْظِمْ بِنَحْبِ أَصَابِع حِینَ اسْتَزادَتْ جُرْعَةً

مِنْ لَفْحِ صَلْصالٍ ظَعونٍ اِسْتَشاطَ باتِرَا

اِقْطَعْ وُعودَكَ یاحَصادَ اللَّیْلِ وَاشْرَبْ شَمْعَةً

تَبْكي جَلالَ مُعَذِّبٍ وَتَؤُمُّ دَمْعًا قاھِرَا

***

شعر بقلم: د. سعاد دریر

قفزَ اللاشيء في حضنِ الهاوية

على شفيرِ الفناءِ

سقطَ كلُ شيء..

الدُّموعُ تجلدُ ذاتها

بغصنِ رُمَّانة

أحلامٌ مؤجلةٌ تلحقُ

ريحِ الأملِ

**

أنا ابنةُ الوطن الذي لم يُولَد بعد

أحملُهُ جنيناً في أحشائي

**

شهقاتي صدى التُّراب

تتلولبُ أنفاسي ..

قلبي سقطَ  بين الحُفرات

**

أبحثُ عن كوخ ٍ سرمدي

كي ألِدَ فيه وطنَ البقاء

وأولدُ فيه عذراءُ الخلود

**

أبحثُ عن فخَّارةٍ أُعتِّقُ فيها

دمي المُخَضّبْ

برقائقِ ياسمين الشَّام

من أثداءِ الضُّوءِ الأزلي

أقطرُ الصَّحوةَ بين شفتيه

**

إنه اليوم الثالث بعد الموت

إنها  الولادة الخضراء

لا للصَّلبِ.. ثانية

لا للموت.. ثانية

سيكونُ كلُّ شيء....

قيامةَ وطنٍ لا يستبيحُ الصَّلب

لا ينتمي للدماء

لا ينتمي للشهداء

**

وطني ليس بستانَ زيتون

ولا غابة َ صَنوبر

هــــــو نحـن.. ونحـــــن الحياة ..

نعــم للــحياة.

***

سلوى فرح - كندا

ملحمة الإنسان بين الأفعى والتفّاحة

الصوت الكوني

أنتَ الأفعى وأنتَ التفّاحة، ذلك الانحناءُ الأوّلُ في جسدِ المعنى، والعضّةُ التي أيقظتِ الطينَ من براءته. أنتَ السؤالُ حين تمرّد على الصمت، والرغبةُ حين سمّت نفسها حرّيّة. في يدِك سكّينُ الحرب، وفي يدِك الأخرى غصنُ زيتونٍ يرتجفُ من دمٍ لم يجفّ. أنتَ الذي أشعلَ النار ليتدفّأ، ثمّ تركها تكبر حتى أكلتْ أسماءَ الأطفال. كلّ حربٍ خرجتْ منك كانت تبحث عن سلام، وكلّ سلامٍ رفعتَه كان يخفي تحت قماشه بذرةَ خوف. منذ الخلقِ الأوّل وأنتَ تمشي على حدّ المعرفة وحدّ الهاوية.

***

صوت الأنثى

لستُ التفّاحة، أنا اليدُ التي علّمت الضوء كيف يُمسَك دون أن ينكسر. لستُ الأفعى، أنا الخوف حين تعلّم الزحف كي لا يقتل. لم أهبطْ من ضلعك، أنا الأرض حين تعلّمتَ الوقوف، وأنا الصوت الذي قال للطين: انهض. كلّ حربٍ أشعلتَها مرّتْ عبر جسدي، وكلّ سلامٍ حلمتَ به نام في رحمي قبل أن يولد. لا تسألني عن الخطيئة، الخطيئة أن تُترك المعرفة بلا قلب. أنا لم أكن غواية، كنتُ المرآة، رأيتَ فيها وحشك وطفلك معًا. أنا الطريق حين قرّر أن يكون أمًّا لا ساحة قتال.

***

صوت الرجل

لم أكن الحربَ وحدي، كنتُ الخوف حين لم أجد اسمكِ فنطقتُ بالرصاصة. ظننتُ اتّساعكِ هاوية، فبنيتُ جدارًا وسمّيته مجدًا. كسرتُ ضلع المعنى لأشعر أنّني أعلى، وما كنتُ إلّا أقصر من ظلّكِ. علّمتِني أن المعرفة بلا قلب سلاح، وأنّ القوّة بلا أنوثتكِ خرابٌ دقيق الحساب. أنا الرجل، لستُ الجدار، أنا الشقّ الذي تعلّم كيف يصير بابًا. خذيني إلى الإنسان الذي لم أولدْه بعد، إلى عالمٍ لا يترك آثار حذائه على قلب الأرض.

***

صوت الانسان

وهكذا لم تكن الأفعى شرًّا خالصًا، ولا التفّاحة خطيئةً فقط، بل كانت البداية التي لم نفهمها. الحربُ لم تكن قدرًا، والسلامُ لم يكن حلمًا، كانا احتمالين في قلبٍ واحد. وحين تعلّم الذكرُ الإصغاء، وتعلّمت الأنثى النجاة، ووقف الإنسان بينهما عارياً من الادّعاء، بدأ الخلقُ مرّةً أخرى… لا من ضلع، ولا من سماء، بل من وعيٍ اختار الحبّ رغم المعرفة.

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

أوقف سيارته الفخمة غالية الثمن عند الركن المقابل للعمارة التي يسكن في طابقها الأرضي، وهي من خمسة طوابق..

أخذ ينظر إلى الماء الراكد الاصفر الذي يميل الى الإخضرار ورائحته النتنه تبعث على التقيؤ. جلب بضع طابوقات من جاره الذي يرمم سياجه الخارجي، لكي يعبر الى باب داره بسبب (منهولة) البناية على الرصيف تنز ماءا اخضر اللون يميل الى الإصفرار.. عبر الى باب منزله وكادت قدمه أن تنزلق فتماسك في أخر لحظة ودخل الدار ذا الباب الأنيقة الامعه.. وعند خروجه في اليوم التالي عصفت بوجهه رائحة مقززه مبعثها ذلك السيل ألأخضر، وهنا، وجد نفسه يقف أمام حالة، تسمى إقتحام الواقع المأزوم..

من أين جاء الماء الأخضر الذي يسيح من تحت (منهولة) المجرى الأمامي للبناية ؟!

سأل أحد الذين يسكنون البناية الفخمة.. وكان جوابه " ان صمبور المياه لدينا معطل ".

فيما اجاب آخر.. " نحن لا نستخدم المياه إلا قليلا وذلك بسبب طبيعة عملنا ".

انتظر حتى اكمل إستفساراته من ساكني البناية وهم أربع عائلات تؤكد عدم استخدامهم للمياه إلا قليلا، وعليه فهم ليسوا مسؤولين عن هذا النضح الذي يتسرب.. وحين سألهم، " هل تشمون هذه الروائح الكريهة ؟ " قالوا.."إنها لا تعنيهم". !!

منهولة البناية التي تسكنونها تسيح منها المياه الثقيلة المقرفة التي ملئت الرصيف بالماء الأخضر، ألا تشمون رائحتها التي تنفر منها الحيوانات؟

قالوا " إن المنهولة ليست ملك أحد"..!!

وهذا يعني أن الذي يعنيهم هو الداخل الذي يسمى (الأنا) وكل الذي يقع في خارج النافذه المطلة على (الخارج) المأزوم بالقيح لا يعنيهم أمره..!!

انشطر العالم أكثر من نصف..

نصف يرى المياه الخضراء النتنة تسيح في الشوارع ويسرعون بإغلاق النوافذ والأبواب وهم يضعون الكمامات على أنوفهم وأفواههم ويحترسون.

ونصف يشمونها ولا يكترثون لها وربما يرونها عادية طالما يسبح العالم في هذا القيح.

والنصف الآخر يشمونها ولا يطيقونها ولكنهم غير قادرين على أغلاق كل الفتحات التي يسيح منها القيح حتى غرقت الأرصفة والشوارع والمتاجر والمعابر وباتت تطفح باللون الأخضر.

 سأل نفسه، إذا كان الجميع لا يستخدم المياه، فمن أين يأتي هذا القيح الذي يسيح في الخارج؟

وقف مذهولا وهو يحدق في الشوارع والأرصفة التي تملؤها المياه الملوثة تحت الأضواء الخافتة والناعسة التي تشع إنبهارا مفجعا.. حيث المياه تسيح من تحت الأبواب الفخمة والبنايات الرائعة وتتسرب لتملأ الشوارع والمزارع وربما المخادع باللون الأخضر..!!

سأل نفسه مرة أخرى بشيء من الذهول والتقزز، وماذا بعد؟

هل الجميع فقد حاسة الشم التي خلقها الله بقدر؟ ما الذي يحصل.. البعض، فقدوا انوفهم والبعض الاخر، فقدوا عيونهم والأخرون اجسادا بدون رؤوس يجلسون ويسيرون بلا رؤوس وظلالهم تحت الشمس أطول من قاماتهم ويتناسلون بدون أعضاء، هلاميون في عالم دبق يسيطر عليه غبار الخارج.!!

أطرق رأسه إلى الارض وتمتم مأخوذا بفضاعة هذا الواقع.. ثم اخذ يراجع الماضي، كيف كانت النقاوة حين كان يطارد العصافير التي تعج في سدرة جارهم المطلة على السطح وكلما رأى (هرا) يمشي على حائط السطح يتربص بهذه العصافير الجميلة يطرده دفاعا عنها. وتذكر صيد السمك في النهر وكيف كان يوقد النار عند الظهيرة من اجل الشواء وكيف كان يخفي الفواكه في سلة مغلفة بإحكام تحت رمال الشاطئ لتحتفظ ببرودتها، ثم السباحة الى الضفة الاخرى من النهر حيث الصخرة الكبيرة التي تتطلع من بعيد وكيف تتجمع النوارس فوق رأسه حين يقطع لها الخبز وهي جائعة تصرخ.. وتعبر الذاكرة الى حيث الأزقة الضيقة التي تعج بالمارين في الصباح وعند المساء وألأولاد يلعبون مع البنات ألعابا مدهشة يقدرها ولا يعوفها جيل، وطقوس المحرمات والمقدسات يحكمها ميزان الواقع العريق بالقوة والشهامة التي تستند الى الحكمة..

استفاق من مسلسل عمق التاريخ الذي بات يتغير لونه كألوان مياه الشوارع والأرصفة التي ما عادت ترزح تحت مياه المطر النازلة من السماء بل من التي تسيح..!!

***

د. جودت صالح

اسطنبول - 14/1/2026

 

في نصوص اليوم