عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

نصوص أدبية

مُحَمَّدٌ رسولُ ربِّ الْعالَمِينْ

وَهْوَ الرَّسُولُ الْمُهْتَدِي الدّاعي الْأَمِينْ.

يَدْعُو إلى الْهادي، وَلِيِّ الْمُتَّقِينْ

و يَحْمِلُ الْبُشْرَى لكلِّ الْمُحْسِنِينْ.

مُحَمَّدٌ الْآتي بِسُلْطانٍ مُبِينْ

أَدْرَكَهُ الْجِنُّ فَوَلَّوْا مُنْذِرِينْ.

ذاك الْحَبِيبُ عِند ذي الْعَرْشِ الْمَكِينْ

مُفَضَّلٌ عَمَّنْ هَدَاهُمْ أَجْمَعِينْ.

*

مُحَمَّدٌ رسولُ ربِّ الْعَالَمِينْ

مُبَشِّرٌ بالْخُلْدِ كُلَّ الْمُوقِنِينْ.

و مُنْذِرٌ سُوءَ الْقَرِينِ الْمُسْرِفِينْ

إِذْ يَحْمِلُ الْبُشْرَى لِقَوْمٍ مُخْبِتِينْ.

وَ يَبْخَعُ النَّفْسَ لِأَجْلِ الْمُرْجِفِينْ

مِنْ أَسَفٍ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينْ.

*

مُحَمَّدٌ رَضِيُّ رَبِّ الْعَالَمِينْ

وَلاَّهُ قِبْلَةَ الرِّضَى في السَّاجِدِينْ.

و إنَّهُ الشَّكُورُ خَيْرُ الْقانِتِينْ

الْمُصْطَفَى الصَّفِيُّ خَيْرُ الْمُرْسَلِينْ.

الرَّحْمَةُ الْوَصِيُّ بالْمُسْتَضْعَفِينْ

و الْوَاصِلُ الْوَصُولُ ذُو الْحَبْلِ الْمَتِينْ.

*

مُحَمَّدٌ ذُو الْفَوْزِ والْفَتْحِ الْمُبِينْ

الْمُحْتَفِي الْحَيِيُّ وَضَّاءُ الْجَبِينْ.

قَدْ خَصَّهُ الْمُعِينُ بِالْماءِ الْمَعِينْ

و بالصّلاةِ والسَّلامِ والْيَقِينْ.

***

بقلمي: هادية السّالمي دجبي - تونس

 

ستعرفينه لوحدك ودون إبطاء، فهو الوحيد الذي سيكون دميماً، أحولاً، وبنظارة طبية سميكة وبمظهر لا يعجب النساء، في ذلك المقهى. هل هذا ما قالته سيمون دي بوفوار، لأختها بوبيت، قبل أن ترسلها لمقابلة جان بول سارتر، بدلاً عنها؟ لنفترض هذا، فليست حرفية هذا الكلام هي المهمة، بل المهم هو كيف لشابة جميلة في العشرين، ومن عائلة بورجوازية محافظة، أن يغريها الفكر لوحده في رجل؟

قال صديقي معلقاً وهو يقهقه (رغم أن هذا لا يحدث إلا في أحلام الرجال، عموم الرجال، وليس الدميمين منهم فقط، إلا أن سيمون تلك فعلتها في الواقع، وهذا ما يدفعني للشك في مواصفات سيمون الأنثوية التي خرقت القاعدة)!

كنا نجلس لحظتها قرب البيت الذي عاشت فيه سيمون دي بوفوار، (بعد عودتها من مدينة روان) في الدائرة الرابعة عشر من باريس، وبعد ثلاثين عاماً كاملة من موتها.

لماذا كنا نتحدث عن تلك الحالة الفريدة ونحن الاثنان على أعتاب السبعين؟ ربما بسبب الخيبة؟، لأننا نحن الاثنان فشلنا في الحصول على نساء أو زوجات لعلاقات طويلة أو دائمة ومستقرة، بدل الحياة التي انتهينا إليها بعيش كل منا مع كلب، رغم أن أي منا لم يكن دميماً أو أحولاً، بل، وعلى العكس ربما، كنا في شبابنا وسيمين، كما أخبرتني إحدى زميلات الدراسة في يوم من الأيام؟ قلت لصديقي وأنا أتصنع دور الحكيم:

-لا أوعز سبب عشق سيمون لسارتر، لغير الحقبة التي عاشا فيها، وأنت تعرف ملابسات تلك الحقبة، عندما كانت عموم نساء أوربا يعجزن عن الزواج بغير بائنة مالية كبيرة. رد صديقي وهو يمسح رأس كلبه الذي انتصب واقفاً:

- ولا تنسى أيضاً، وربما هذا هو الأهم، أن سارتر كان مؤمناً إيماناً حقيقياً بالحرية والاستقلالية، وهو وحده من زرع ذلك الإيمان في رأس وتفكير دي بوفوار. ولأني استغرقت في التفكير ولم أعلق على كلامه أضاف متسائلاً: أم تراك لست معي في هذه؟ قلت، وأنا ما أزال أسبح بين نتف أفكاري:

- بل معك في هذه بالذات، ولكني أتساءل: لماذا ذائقة المرأة، وخاصة عندما تكون صاحبتها متعلمة ومثقفة، يمكنها أن تتقبل الرجل غير الوسيم أو حتى الدميم؟ هل الأمر يتعلق بالتفسير الساذج، الذي خرج علينا مؤخراً، في طبيعة عين المرأة وأحاسيسها التي ترى الرجل أجمل بخمسة أضعاف عما هو عليه في الواقع؟ هز صديقي رأسه بطريقة يائسة، دلالة على عدم فهمه للأمر فقلت وكأني أحدث نفسي: الأمر يدعو للحيرة فعلاً.. الأمر بحاجة لتفسير فعلاً. قهقه صديقي كعادته وقال:

- وبم ستخدمك معرفة تفسير هذا الأمر وأنت في هذا العمر؟ عليك التسليم الآن لكونك انتهيت، وهنا رفع طرف عكازه ليشير إلى سيل المارة أمامنا، إلى ذات نهاية الملايين من أمثالنا: العيش مع كلب. وبعد لحظة نهض وأشار لكلبه أن ينهض ليقول: هيا، فلدي في البيت زجاجة كونياك من النوع الجيد؛ وإن شئت فأكمل تحسراتك ونحن نشربها... وأطلق قهقهة جديدة.

كنا أنا وصديقي هذا، ومنذ ما يزيد على ثلاثين عاماً، جارين ووحيدين. أنا انفصلت عن زوجتي، منذ ما يزيد على الثلاثين عاماً، لأنها وجدتني فجأة مملاً ولا أسعى لتجديد شكل الحياة التي تحياها معي، وهو طرد عشيرته، بعد عشرة أعوام من حياتهما المشتركة، لأنها، وفي ساعة صحو من ضميرها، اعترفت له أن ابنتهما لم تكن منه، بل كانت من رجل عابر، نامت معه من أجل أن تحمل فقط، وكان قصدها منحه الابنة التي كان يحلم بها، بعد أن أثبتت التحليلات أنه عاجز عن الإنجاب. الفرق بيني وبينه، ومنذ أعوام انفصالنا الأولى عن زواجاتنا، هو يحاول العض على جرحه بالصمت والتجاهل، وأنا منهمك في التحليل ومحاولة إيجاد التفسيرات لما انتهينا إليه.

في صالة بيته، وهو أوسع من بيتي بكثير؛ حافظ صديقي على نظام التدفئة القديم. موقد رخامي كبير ومرتفع وتوقد ناره بقطع الخشب. يعجبني ضوء نار الخشب ولهبها ويشعرني بحميمية الطبيعة قبل دفئها. كالعادة توليت أنا إشعال النار في الموقد وتغذيتها بقطع الخشب، بينما انصرف صديقي لتهيئة المائدة القصيرة القوائم، التي كنا نضعها أمام الموقد، لكي نكتفي بلهب النار، إضاءة لليالينا تلك، وتساعد كلبينا على الاستغراق في نوم عميق.

بعد أن أكلنا بعض أجزاء قرص البيتزا، الذي كان جاري قد أعده ظهر ذلك اليوم، ورشف كل منا كأسه الأول، قال صديقي، بجدية، وعلى خلاف عادته في السخرية من كل المواضيع الجادة التي أحدثه بشأنها:

-رغم أني أتفق معك على قضية منح سارتر لشعور الثقة بالحرية  لدي بوفوار، إلا أني أرى للأمر جانباً آخر يتعلق بطبيعة تكوين المرأة ذاتها.. وهنا توقف ليملأ كأسينا، قبل أن يكمل: قل إنه يتعلق بكيمياء تركيبة المرأة. وبعد أن رشف كامل كأسه بجرعة واحدة، حدق في وجهي بتركيز وصرخ: هل تستطيع أن تنكر أن المرأة كائن جبار ويفوق الرجل بقدرة التحمل؟ هل فكرت يوماً بقدرتها، بل شغفها بتحمل آلام الإنجاب، أو تحملها لتكرار آلام الدورة الشهرية لما يقرب من نصف عمرها؟ أومأت له برأسي من أجل أن يكمل فكرته، رغم أنه لم يكن بحاجة لتلك الإيماءة من الأساس، لأنه واصل صراخه وكأنه يخطب في قاعة كبيرة مليئة بالحشود الضاجة: قارن قدرة التحمل هذه بقدرات كبار صناع الحروب وعلى مر التأريخ: هرقل، الاسكندر، نابليون، هتلر... كم هي مختلة تركيبة أو كيمياء، أو حتى فطرة ورؤية إنسان يصنع حرباً يقتل خلالها ملايين من البشر الضعفاء؟ ولأنه صمت ليسترد أنفاسه سألته طلباً لشرح فكرته أو أيضاً زاوية ربطها بقضية حب سيمون لسارتر الدميم:

-وهذا يعني...؟ هنا قال بصراخ أعلى حدة:

- هذا يعني ببساطة أن كل من يكون قادراً على صناعة الألم أو يحتمله بمزاجه، تكون زاوية رصده للجمال أو طريقة تأثره به مطاطية، ولكن مطاطيتها تكون في حالة انكماش مزمنة. ولأني لم أفهم مقصده، ملأت له كأسه ووضعته في يده، قبل أن أعيد عليه سؤالي السابق ذاته:

- وهذا يعني...؟ هنا أطلق إحدى قهقهاته وقال:

- عليك اللعنة! ما بك اليوم رأسك معطل ولا تستوعب شيئاً؟ هنا فكرت قليلاً، بينما ذهب هو ليلقم نار الموقد بعض قطع الخشب، وبعد عودته إلى   مقعده صرخت أنا هذه المرة:

- هل تعني أن من يصنع الألم أو تكون له قدرة استثنائية على احتماله تضرب عنده معايير الجمال؟ هنا قال بهدوء ليكمل لي فكرتي:

- فهي أما تكون بسقف عالٍ أو تتدنى إلى مستوى الإعجاب بدمامة وحول جان بول سارتر... وهنا غرق في ضحكة طويلة. وبعد أن سكت ومسح دموع عينيه وأعاد ملء كأسينا قلت:

- أنت هكذا تضع نظرية جديدة في معايير الجمال يا صديقي.. سرح بعينيه باتجاه لهب النار الذي أخذ بالتصاعد مرة أخرى، وبعد أن عاد إلى واقع جلستنا قال:

- لا أضع نظرية جديدة ولا غيره، أنا فقط أحاول تفسير معايير ما لا نفهم من شؤون المرأة يا صديقي. ولأني لم أجد ما أعلق به على كلامه أضاف متأملاً: هذا الكائن العجيب الذي يشاركنا الحياة منذ يومها الأول لا يجيد التعبير عن نفسه لانشغاله على الدوام بآلام جسده، والمشكلة أن المرأة لا تريد أن تفهم أن آلام جسدها مبعثها تكوينها الطبيعي أو فطرتها، بل تصر على أن الرجل هو السبب والمسؤول الأول عن كل آلامها. ولأنه وجدني أحدق فيه كالأبله بسبب ما تنزل عليه من حكمة طارئة في تلك الليلة الباردة، ابتسم وسألني: ما بك تحدق بي كقندس غبي؟ أطلقنا ضحكة عالية وقلت:

- بسبب العبقرية التي نزلت عليك فجأة يا محصل الضرائب المتقاعد. من أين جئت بكل هذه التحليلات العميقة هذه الليلة؟ مص جرعة من كأسه وقال بجدية:

- الأمر لا يتعلق بعبقرية ولا بحكمة، الأمر يتعلق بالمراقبة فقط. المرأة لتفهم بعض شؤونها تحتاج لمراقبة تصرفاتها وردود أفعالها فقط، وخاصة في أوقات حاجتها لممارسة الجنس. وهنا ضحكت وقلت:

-وأنت أمضيت عمرك في هذه المراقبة طبعاً...؟ رد بهدوء وصوت منخفض هذه المرة:

- قد لا تصدق هذا، ولكن هذا ما أنفقت الكثير من وقتي فيه، في أيام شبابي الأول، عندما كانت أغلب محاولات تقربي للنساء تبوء بالفشل. وبعد لحظة تفكير أضاف: هل سبق لك أن راقبت دجاجة حقل وهي توشك أن تضع بيضتها؟ ولأني هززت رأسي نافياً قال: أنا سنحت لي عشرات من هذه الفرص في مزرعة جدي. هل تعرف أن الدجاجة تتصرف في، الساعة الأخيرة التي تسبق وضع بيضتها، وكأنها تضع بيضتها الأولى في كل مرة؟ تدور حول نفسها بذهول، تبحث عن مكان استثنائي لا تراها فيه غيرها من دجاجات الحقل، وتحرص على أن تجد وسادة ناعمة لبيضتها، قبل أن تبدأ بإطلاق صرخات ألم الوضع. وهنا قهقهت وسألته:

- وما علاقة هذا بالمرأة أيها الحكيم؟ رد بذات الهدوء:

- لو فكرت أو إنك كنت تعرف أن كل بيضة تضعها الدجاجة، تسبقها عملية اتصال جنسي لكنت فهمت هذا الأمر. وهنا ضحك وصرخ: وقبل أن تكرر لازمتك اللعينة (بمعنى) سأشرح لك: المرأة تريد، ولا أدري، فربما تحتاج هذا الأمر، أن تكون كل ممارسة جنسية لها مستقلة وذات خصوصية متفردة، وتسبقها عملية إغواء دقيقة حتى من الزوج. إنها مثل الدجاجة في هذا الجانب، تتعامل مع الأمر كأنه بيضتها الأولى وما يرافقها من لذة الألم. وبعد لحظة قال وهو يحدق في وجهي وكأنه يتألم: كلا، ربما هذا الكلام ليس دقيقاً ولا ينقل لك الفكرة بتمامها.. كيف أعبر لك عنها؟ هل قرأت سيرة حياة دي بوفوار وما كتب عن حياتها يا رجل؟ وبالتأكيد أنك استغربت من كثرة تقافزاتها بين الرجال والنساء، على حد سواء؟ أومأت له برأسي أن نعم فقال: أتعرف ماذا كانت تفعل دي بوفوار؟ كل مرة وضعت فيها بيضتها، كانت تتبعها بالبحث عن ألم جديد أكثر لذة من سابقه ولهذا فإنها حرصت على التنويع. هل فهمت الآن؟ ولأني لم أفهم مقصده سألته ببلاهة:

- وهل اكتشفت هذا من خلال مراقبتك لزوجتك؟ أجاب وهو يقهقه ويعيد ملء كأسينا:

- نعم أيها العبقري، هي وغيرها ممن حاولت إغواءهن. ويا لغبائي لأني، وكأغلب الرجال، لم أكن أفهم هذا حينها، ولم أكن ماهراً بمنح ذلك الألم، أقصد الألم الذي تقيمه المرأة لنفسها وتعتبره سرها الكبير. أصر على أن نشرب كأسينا هذه المرة نخب خيبتنا. ولأن صاحبي استغرق في التفكير، نهضت أنا لألقم نار الموقد ببعض قطع الخشب، وعندما مررت بكلبينا حمحم كلبي برضا وهو يشم رائحتي فداعبت رأسه وأنا عائد إلى مقعدي فقال صاحبي:

- يبدو أني أفرغت الكثير من سمومي هذه الليلة... فقاطعته وأنا أضحك:

- ومن دون أن توضح لي لم أعجبت دي بوفوار بصاحبنا الأحول الدميم. فرد وهو ينفث حسرة من صدره:

- يبدو أن المرأة، ورغم كل تبجحاتها بشأن وسامة الرجل أو جماله فإنها لا تلتفت لغير ما يستطيع منحها إياه من ألم عميق؛ وبالتأكيد فإن سارتر كان بارعاً في هذا الجانب، قياساً لما تحدث عنه من غوايات كثيرة للنساء، بل وذكرته دي بوفوار ذاتها.

كان الشراب قد بدأ يلعب لعبته الخبيثة في رأسي، لأني رأيت كلبي يقوم من مكانه أكثر من مرة ليغير مكانه أو يعود إليه، وعندما أخبرت صديقي بالأمر أطلق قهقهته المعتادة وقال:

-ما بالك يا رجل؟ قبل قليل كنت بكامل وعيك وتسأل وتكرر الأسئلة كأغلب النساء. كلبك نائم في مكانه ولم يتحرك أبداً. أطلقت همهمة غبية وقلت:

- يبدو إنه أثر الشراب يا صديقي وأنت تعرف أثره اللعين. لكن قل لي وبأمانة، كيف تقيم دي بوفوار كامرأة وليس ككاتبة؟ أطلق إحدى قهقهاته العالية وقال:

- وهل كانت تختلف عن باقي النساء بشيء لأقيمه؟ بل العكس برأيي، فهي كأنثى كانت من بين أفشل النساء، ببساطة لأنها عجزت عن التعامل مع امتيازات ومميزات أنوثتها. إنها، لم تحترم أنوثتها وتعاملت معها كأنها خطيئة أو سبة. لقد عاشت خارج قوس أنوثتها إلا في جانب الغواية والجنس. تخيل أنها اعترفت بغوايتها لإحدى طالباتها وهي ما تزال في السادسة عشرة من عمرها. من حاسبها أو قال عنها إنها أخطأت؟ وأنت تأتي لتسأل كيف كان لها أن تتقبل سارتر الدميم الأحول؟ وهل كانت لها ذائقة طبيعية من الأساس كي تميز بين دمامة سارتر وجمال غيره؟ ولأني كنت أنظر إليه ببلاهة سألني وهو يقهقه: هل فهمت ما أعني أم كعادتك حرنت؟ أطلقت القهقهة أنا هذه المرة وقلت:

- بل حرنت. أطلقنا قهقهاتنا عالية ولحد أنها أوقظت الكلبين من سباتهما الدافئ، بفزع مجنون دفعهما للعراك وعض كل منهما لرقبة الآخر، الأمر الذي دفعنا للهجوم عليهما وسحب كل منهما لجهة، ولكن للأسف كنا قد وصلنا متأخرين، لأن كلبي كان قد أنفذ أنيابه في رقبة كلب صاحبي وأدماها بطريقة مفزعة. انفجر صديقي بنوبة غضب، أخذت تتصاعد مع رؤيته لكل قطرة دم بدأت تلطخ فرو كلبه فصرخ وعيناه تتقدان بالغضب:

- هل ترى ماذا فعل كلبك أيها الأبله؟ هل تحاول أن تخطف مني الكائن الوحيد الذي يعطف عليّ؟ هل تفهم ما معنى هذا؟ أنت تحاول سلبي هذا الكائن الودود الذي يحبني بلا ثمن وبلا نوايا مبطنة. قلت محاولاً تهدئته:

- أرجوك لا تتهمني ولا تحملني المسؤولية، فمن آذى كلبك هو ابن جلدته، كلب مثله وليس أنا؛ ولو ترويت قليلاً وفكرت بهدوء فالكلاب في هذا كالبشر، يؤذي بعضهم البعض. هنا صرخ بجنون:

- أحذرك من تشبيه كلبي بالبشر، فهو لم يخني يوماً ولم يتخل عني في منتصف طريق، هل تفهم هذا؟ قلت مرغماً ومن أجل امتصاص غضبه فقط:

- نعم أفهمه تماماً. والآن أوقف شجارك وهيا نبحث عن طبيب يعالج كلبك المسكين. كان يحمل كلبه ثقيل الوزن وبضمه إلى صدره وهو واقف بلا عكازه الذي لا يستطيع الوقوف من دونه فأجهش بالبكاء وهو يقول:

- هل تفهم معنى أن يموت كلبي؟ معناه أني سأعود إلى وحدة أيام... زواجي بتلك المرأة وهجرها المبطن لي بدعوى نضوبي من الحياة وأنت خير من يعرف هذا، بعد هجر زوجتك لك بذات الادعاء. أومأت برأسي موافقاً وتقدمت لأقبله وأقبل كلبه بحنو وقلت:

- هيا الآن إلى سيارتي وسأحاول الاتصال بطبيب كلبي وأنا في الطريق، ولحسن الحظ هو لا يمانع من استقبال الحالات الطارئة في بيته.

في الطريق إلى بيت الطبيب أخذ الكلب بالأنين فصرخ صديقي:

-هل تسمع أنينه؟ قلت بصبر نافد:

- نعم أسمعه وها نحن اقتربنا وسيعالجه الطبيب وينتهي ألمه. هنا صرخ مرة أخرى:

- لا تكن أبلهاً وخائناً في الوقت ذاته، على طريقة الثنائي سارتر – بوفوار أرجوك؛ فتلك الثنائية هي التي أودت بمشاعرنا النبيلة. تخونه ويخونها ويسامحها وتسامحه ببلاهة، إلى أن سرت عدوى الخيانة في جميع من اقترب منهما، بل وفي جيلهما بكامله. ولأني لم أجد ما أرد به أضاف وهو ينفث ما يشبه أنة استرخاء: على أية حال هذا الغدر انتقلت عدواه إلى الكلاب من البشر. البشر وحدهم من يرتكبون الأخطاء الفادحة وقد تعلمتها الحيوانات منهم. وفجأة توجه إليّ وسألني بجدية: ألم ترتكب أنت الأخطاء؟ ألم ترتكب دي بوفوار الأخطاء؟ لحسن الحظ أني كنت قد زدت سرعة السيارة وكنا قد وصلنا في تلك اللحظة إلى بيت الطبيب فقلت:

-ها نحن وصلنا وسترى أني لم أرتكب ما يشين بحق كلبك.

بعد أن فحص الطبيب كلب صديقي وجد أن جرح رقبته ليس نتيجة عضة، بل كان نتيجة خمشة فقط ولم يكن الجرح غائراً. وبعد أن نظف الطبيب الجرح وحقن الكلب – تحت إلحاح صديقي – بلقاحات احتياطية، عدت به إلى بيته وأنا أتجنب الكلام أو إبداء أي ملاحظة حول الكلب. بعد أن أوصلت صديقي وتوقفت أمام بيته، فتح الباب ونزل كلبه لينتظره أمام باب البيت ثم تبعه هو بالنزول، وبعد أن أغلق باب السيارة نقر على زجاجة الباب وطلب مني أن أنزلها ليقول بهدوء:

-أتعرف يا صديقي لم غضبت كل ذاك الغضب من أجل كلبي؟ غضبت لأنه المخلوق الوحيد الذي أحبني... بل الأدق أن أقول أوفى لي بالطريقة التي أوفى بها سارتر لصديقته دي بوفوار. فهذا الكلب وفي كل مرة أعود إليه فيها يستقبلني بحضن دافئ، كما كان يفعل سارتر مع دي بوفوار، عندما كانت تعود إليه، بعد كل مغامرة جنسية لها. هنا قلت، وبقصد التصحيح له فقط:

- بل أرى أنها ظلت متعلقة به لأن نفسه عافتها، فالمرأة لا تستطيع أن تتجاوز محنة ألا تكون مرغوبة من رجل. كل ما في الأمر هو أن سارتر لم يتركها بطريقة باقي الرجال، بانفعال وهجر، بل ازدرى جسدها فقط وحولها إلى صديقة... لنقل صديقة أفكار. هنا هز رأسه دلالة عدم الفهم أو الحيرة وقال:

- ولكنه بالتأكيد كره لواطها في كل صحن وفي كل مكان وتحت كل سقف. ولأن الهواء كان يدخل إليّ ببرودة مجنونة عبر الزجاجة المفتوحة، أعدت تشغيل محرك السيارة، كدليل على إنهاء الحوار وأنا أقول:

- رغم دمامته. وقبل بلوغ الزجاجة حافة الباب العليا، وصلني كلامه الأخير:

-وهو الدليل على إن أنوثتها كانت أصيلة فيها، وهي التي كانت تدفعها لغيرة النساء والندم والشعور بالخطأ و... و... ولم تكن من صناعة المجتمع، كما ادعت. ولعلك تذكر رسالتها إلى عشيقها (ألغرين)، بعد أن اشترت سيارتها السوداء، التي ابتدأتها (لا تستطيع المرأة أن تعيش بلا شغف، ولما كان الحب محظوراً، قررت أن أقدم لقلبي الدنيء شيئاً ليس خنزيرياً جداً مثل رجل، فقدمت لنفسي سيارة سوداء جميلة)، وأظن أنك تتفق معي على أن توصيف (خنزيرياً مثل رجل) تشمل سارتر ذاته. لماذا وكيف كان سارتر خنزيرياً معها؟ لأنه عاف جسدها لا أكثر.

***

د. سامي البدري

عادَ الحصانُ وما عليهِ الفارسُ

فإذا القبيلةُ ضجّةٌ ووساوِسُ

*

عادَ الحصانُ وحامَ حومتَهُ الأخيـ..

رةَ والصهيلُ يقولُ: ماتَ السائسُ

*

حزنُ الخيولِ كمثلِ حزنِ رجالِها

دمعٌ خفيٌّ غُصّةٌ وهواجسُ

*

إنَّ الحصانَ يرى اللجامَ كحِلْيَةٍ

إنْ كنتَ تكرمُهُ وكنتَ تؤانسُ

*

ويراهُ قيداً خانقاً في جِيدِهِ

لو أنَّ صاحبَهُ بخيلٌ عابسُ

*

وأشدُّ من وقعِ السيوفِ صهيلُ خيْـ..

لٍ يجعلُ النبضاتِ لا تتجانسُ

*

فرسٌ حوافرُهُ النجومُ وذيلُهُ

شَعْرُ الأميرةِ وهْوَ أصفرُ وارِسُ

*

لي لوحةٌ من فرطِ ما قد جُسِّدَتْ

فيها الخيولُ تظنُّها تتهامَسُ

*

بيضاءُ والماءُ المُثارُ معَ الحصى

شهبٌ وفي العينينِ ليلٌ دامسُ

*

صدّقتُ خيلَ الفاتحينَ مُكذِّباً

قولَ الرُّواةِ فللحديثِ دسائسُ

*

يا للجيادِ الصافناتِ تزيَّنَتْ

وتراقصَتْ فكأنّهنَّ عرائسُ

*

والخيلُ تُولَدُ من حروفِ المعجمِ الـ..

عربيِّ في أشعارِهم تتمايسُ

*

تعدو فتنسلخُ الظلالُ تصيرُ خيـ..

لاً وحدَها فتخالُها تتنافسُ

*

ولقد شجتني الخيلُ ساعةَ حمحمَتْ

فمنَ الدماءِ الهاطلاتِ ملابسُ

*

معصوبةُ العينينِ لكن حَدْسُها

عينٌ ترى ما لا تراهُ فوارسُ

*

قالَ الحصانُ لحاتِمٍ لمّا بدا

ضيفٌ طواهُ الجوعُ أشعثُ يائسُ

*

نفسي فداءٌ للكريمِ وضيفِهِ

فانحَرْ ولا تحزَنْ فخيرُكَ غارسُ

*

ما كانَ شيطانُ امرئِ القيسِ المليـ..

كِ سوى حصانٍ خلّدَتْهُ نفائسُ

*

ليسَ الزمانُ زمانَ خيلٍ فانتبذْ

والفارسُ الصنديدُ كم يتقاعَسُ

*

ما زالَ يُبرقُ ثُمَ يُرعِدُ صارخاً

لكنَّ غيمَ الأبجديّةِ يابسُ

***

عبد الله سرمد الجميل

المشهد ينبض في قلب بغداد، على خطِّ باص ينساب من ساحة التحرير حتى تخوم البياع. هدير المحركات يتعانق مع صراخ الطريق، ويشتدُّ لهيب تموز حتى تكاد الشمس تلتهم الإسفلت وتذيب ما تبقّى من ظلال.

في هذا الإيقاع اللاهث، تبرز طفلة نحيلة، تعاند حرّ المدينة وحشودها، وتصعد الباص ثم تهبط منه أربع مرّات متتاليات وبأوقات متقاربة... بذات العجلة، بذات الرجفة، وبدموعٍ تعبر وجنتيها كما لو أنها لا تجد مأوى آخر.

أشاح الجابي وجهه عنها مرارًا، غير أنّ شيئًا في ارتباكها كان يشدّه إليها بقوة لا تُردّ. هذا الفزع ليس عابرًا... شيء ما يُطارد تلك الصغيرة، أعتى من أن تتحمله قدماها شبه الحافيتين.

 اقترب منها أخيرًا، بصوت حاول أن يمنحه دفئاً وهدوءً لم يعتده، مخفياً ما فاض في قلبه من قلق:

ــ ماذا دهاكِ.. عمو؟ لِمَ ترتجفين كعصفور في قبضة الريح؟ ممّن تهربين؟ وإلى أين تمضين وحدك في هذا القيظ؟

ارتجفت الشفتان الصغيرتان، شهقت الطفلة، وشدّت بكفّين مرتعشتين على كيس صغير كأنه كل ما تبقّى لها من أمان. قطعة قماش مطويّة فيه ترتجف كقلبها.

 قالت بصوت متكسّر يكاد يندثر:

ــ ماما... أرسلتني لأجلب هذا الثوب من عند صديقتها...

تأمّلها الجابي بعينٍ يغمرها الأسى:

ــ ولكنّك ركبتِ هنا مرّاتٍ أربع... تصعدين وتنزلين من المحطّتين نفسيهما: التحرير والبياع... أراك تهرولين كلّ مرّة كأن الطريق يلاحقك. ما الذي يفترس خطواتك الصغيرة؟ ما الذي يخيفك يا صغيرتي؟

وكأن السؤال فتح باباً للنزيف... بدت الطفلة، في تلك اللحظة، أكبر من عمرها بكثير، روح مثقلة بمعارك لا يليق أن تُلقى على كتفي طفلة.

ليس خوفها من الطريق، ولا من الزحام، إنما خوفها من بيت قد يتحول إلى عاصفة، من أم تنتظر عودةً دقيقة لا تحتمل التأخر، ومن عقاب لا يرحم هفوةً صغيرة.

همست الطفلة، وبوحها يتعثّر بين خوف واعتذار:

ــ ذهبتُ أول مرة... وأحضرتُ الثوب... لكنه لم يكن هو ما أوصت عليه. قالت لي:

اللون خطأ... والقماشة خطأ... وأنتِ الخطأ كلّه.

صفعتني... وأمرتني أن أعود دون أن أضيّع دقيقة. فهي مدعوّة لحفل زفاف... وإن تأخّرتُ... سيشتعل غضبها... وأنا...

ثم انطفأت الكلمات في حلقها، واكتمل المعنى في ارتعاشة جسدها:

أنا أخشى غضبها أكثر مما أخشى هذا العالم كله.

سأَلها الجابي بنبرة محمّلة بالشكّ والمرارة:

ــ أهي أمّكِ؟ أم زوجة أبيك؟

رفعت رأسها فجأة، كمن يدافع عن حقيقة موجعة:

ــ أمي... أمي الحقيقية.

تنهد الجابي بعمق، ثم سأل في لهجة تضجّ بالغضب لأجلها:

ــ وأبوكِ؟ أما من درعٍ يحمي هذه الروح الصغيرة؟

سقط السؤال في صمتٍ دامٍ... صمتٍ يعترف بأن الأب غائب، أو أنه وجودٌ لا يُجيد الحماية.

حين توقفت الحافلة، نهضت الطفلة واقفة، تستعد لعودة تكرهها... كأنها تتقدّم إلى محكمة لا رحمة فيها.

في تلك اللحظة، مدّ السائق يده إلى محفظته، استخرج أجرة الطريق التي كانت قد دفعتها له، ودسّها في يدها الصغيرة قائلاً بنبرة حاول أن تكون خفيفة:

ــ خذي يا ابنتي... اشتري لكِ شيئاً يسدّ رمقك. أن تمتلئ معدتكِ خير من أن يمتلئ قلبك بالخوف.

ثم أضاف بصوت خشن ارتجف فيه الغضب:

ــ لو كنتُ أباكِ... لأطفأتُ تلك النيران في قلب أمّكِ... ولما تركتُ طفلة مثلكِ تواجه عقاب الدنيا وحدها.

ترجّلت الطفلة من الباص، حاملة الثوب بيد... وكلَّ خوف الأرض باليد الأخرى، تمضي نحو بيتٍ ينتظر عودتها ككمين. وفي أعماقها أمنية تتردّد كدعاء خافت:

 لو كان للرحمة باب، لسبقتني إليه قبل أن أصل.

***

سعاد الراعي

ألا أحسَنُ الكلابِ كلبٌ إذا نسبْـ

ـتَه انْصاعَ وانْحنى وبالحقّ صرَّحا

*

وأقبَحُها كلبٌ إذا ما نسَبتَهُ

ادّعى أنّه ابنُ الأكرمين وما اسْتحى

*

وأحسنُها أولىْ بأن يُقتنى إذا

صفَرْتَ رسا أنّى تشا ما تزَحْزحا

*

و لكنّ أسْواقَ الكلابِ بيومنا

تملّكها كلبٌ يُعزُّ التبَجُّحا

*

فروِّ، فلا خُسْرٌ بأقبحِها طرا

ولا ظَفَرٌ بالنّزهِ منها ترجَّحا

*

ولا فرحٌ إنْ سُرَّ كلبٌ ينالُنا

ولا عتَبٌ إنْ جَفنُ كلبٍ تقرَّحا

*

ولن تقفَ الأيّامُ عِندَ ابن لَعنةٍ

ويومٍ مضَىْ من دونِهِ كانَ أربحا

***

أسامة محمد صالح زامل

 

بحثاً عن عملٍ

يُحوّلُ بصماتِ الأصابعِ إلى مَطبعةِ دولارات

ويُوفّرُ ساعاتِ نومٍ

تكفي لترقيعِ الأجفانِ التي نَخَرَها السَهر

قرّرتُ أنْ أصبحَ رئيساً للجمهورية

أيةِ جمهورية

حتى لو جمهوريةَ الخُدّجِ في مستشفى الولادة

**

أما تاريخي

فاتركوه لمهارتي السحرية

في إخفاءِ الأفيالِ بأكمامِ قمصاني

أية ُنَملةٍ بمقدورها كتابةَ َسيمفونية

إذا ما غُمّستْ بالحبر

وتُركتْ تمشي على ورقةٍ بيضاء

تكفيني رغوةُ صابون لأتحوّلَ من سارقِ دجاجٍ

إلى مُناضلٍ ضدّ الفاشية

أما زملاءُ المهنة

فسأضمُّهم قادةً لحزبٍ سياسي

جماهيرُهُ الدجاجُ الذي سَرقوه

**

ليسَ أسهلَ من العملِ رئيساً للجمهورية

أربعُ سنواتٍ من الفراغ

سأملؤها بحفظِ جدولِ الضَرب

وقراءَتِهِ في كلِّ المناسبات

فالناسُ يُحبونَ جدولَ الضرب

لذلك رفضوا تحديدَ النَسل

وصاروا يتناسَلونَ من ثقوب أنوفِهم وآذانِهم

وكما نَصَبتُ مصائدي في جيوبِ شعبي

سأنصُبُ دُميتي الحيّة في المَحافِل الدولية

فأخطبُ ساعاتٍ بلغةِ الصَمت

من دون أن أفتحَ فمي

كي لا يظنَّ المجتمعون أنّ أسناني أصابعَ ديناميت

ألصمتُ هو إنجازي العظيم

به أُثبتُ أن العالم

صارَ آمناً من أسلحة الدمارِ الشامل

أما إنجازي الثاني

فمعالجة التَرَهّلِ الجغرافي للوطن

لستُ بحاجة لجسدٍ

لا تسترُ عورتَهُ كلُّ أقمشة العالم

سأختصرُ الوطنَ بحمّامٍ وغرفة نوم

أما تضاريسُهُ

فسأختصرُها بالسريرُ

والمغسلة

وخِزانة الملابس

***

شعر / ليث الصندوق

يا صاحبي…

أتعرفُ ما قالهُ لي الظِّلُّ

حينَ انفصلَ عنّي؟

قال:

“لم أعد أطيقُ أن أسيرَ خلفَك…

إنّ نورَكَ أوسعُ من ظنوني.”

فعلمتُ حينها

أنّ الطريقَ الذي أبحثُ عنه

كانَ يمشي في داخلي

ولم أكن أُصغي.

*

وحدَهم الذينَ احترقتْ أصابعُهم

بشهوةِ المعرفة

يدركونَ أنّ النارَ

ليستْ عدوًّا،

بل كلمةٌ حارّة

تقولُ للإنسان:

اقتربْ… ولكن لتتطهّر،

لا لتهلك.

*

يا هذا…

في كلّ جرحٍ

ممرٌّ سرّيّ

يُفضي إلى الله.

وفي كلّ خسارةٍ

ولادةٌ

لا يراها إلّا من فتحَ

نافذةَ قلبِهِ

على ليلٍ

تسبحُ فيهِ

أسماءٌ لا تتجلّى

إلّا لمن عرفوا

أنّ الأرواحَ

أوسعُ من الخرائط.

*

قلتُ للغيم:

لماذا تمطرُ على الأرض

ولا تمطرُ على القلوب؟

فقال:

“لأنّ القلوبَ

لا تزالُ تخافُ من الطوفان

الذي يحملُها إلى ذاتِها.”

وعندها فهمتُ

أنّ الفيضَ

ليس ماءً،

بل معنى

ينزلُ حينَ يتهيّأ الوعي

للاستقبال.

*

إنّ الذينَ يهاجرون في الأرض

كثيرون،

لكنّ الذين يهاجرون في أرواحِهم

قليلون…

وقليلون جدًا

من يعودونَ منها سالمين.

*

يا أنتَ…

يا من أسمعُ في أنفاسِك

وقعَ أسئلةٍ

لم تولدْ بعد،

اعلمْ

أنّ الحقيقةَ

لا تُعطَى

بل تُكتَشف.

وأنّ الطريق

لا ينتهي عند بابٍ

بل يبدأُ من وراءِهِ،

كما يبدأُ النهار

من قلبِ الظلمة،

لا من حافّةِ الشرق.

*

لقد رأيتُ في المنام

مَلَكًا

يكتبُ على جبينِ طفلٍ نازح:

“لن يضيع هذا الضوء…

ولو ضاعَت منازلُه.”

ورأيتُ أمًّا

تنفُضُ الغبارَ عن صدرِها

كأنّها تُعيدُ تكوينَ العالم

بصبرِها وحده.

فعرفتُ أنّ السلام

ليس اتّفاقًا

بل نَفَسُ أمّ

وأنّ الحبَّ

ليس رغبةً

بل طريقُ الخلاص.

*

يا ساكني الجهاتِ الأربع…

اعلموا أنّ الفتنَ

لا تُطفِئها الكتبُ

ولا الجيوشُ

ولا الخطب،

بل يُطفئها

قلبٌ واحدٌ

حين يُقرّر

أن يتّسعَ للعالم

كما يتّسعُ البحرُ

لملايين الدموع

دونَ أن يغرق.

*

في النهاية…

ما السَّيرُ

إلّا أن تخلعَ

ظلَّك الأخير

وتقفَ عاريًا

أمام الحقيقة.

وما الحقيقة

إلّا أن تُدركَ

أنّك أنتَ

والآخر

والسماء

والماء

والجرح

والندى…

وجهٌ واحدٌ

يتجلّى

بلا أسماء.

***

د. عصام البرّام

(النص ألأصلي)

بيَ لهفــــــةٌ أن أسألكْ *** أتحبنـــــــي قــــلْ يا ملكْ

يا من ملكـتَ مشاعري *** حكــــمَ الهوى أن أعشقكْ

يا مَنْ بقلبــــــي ساكــنٌ *** العُمــرُ كلّ العمـــرِ لــكْ

يا مَنْ هـــواهُ على الجبيـ *** ـــنِ مُسطّرٌ لـنْ أترككْ

أنتَ الحيــــــاة ولا أرى *** معنى لها إلّا معــــــــكْ

ما العمرُ ما أمسي وما *** يومي اذا أنـــــــا لمْ أرَكْ

قدرُ الهوى أن أقتفــــي *** دومـــاً خُطـــاكَ وأتبعكْ

أشكو السهادَ فهلْ تُرى *** الوجْـــدُ يوما ً أرّقــــــكْ

هلْ ذقتَ طعم الحب هلْ *** شـوقٌ دعـــاكَ وحرككْ

قُلْ لي أحبّكَ مــــــــرةً *** وأرحْ  فؤادي يـــا ملــكْ2456 jamil

هذه احدي الصور التي نشرتها الفنانة ميادة الحناوي في صفحتها

وهي تعبر عن احترام واعجاب متبادل وقد نشرت لي العديد من الصور

أنا قد جننتُ مــن الهوى*** أرني حبيبـــــــي طلعتــكْ

ارفقْ بحـــــالي يا مــلا *** كي لســـــتُ أملكُ قدرتـكْ

أنا في بحارِ الحبّ مُنتظـ*** ـــــرٌ غريقـــــاً نجــــدتكْ

النـــــارُ في قلبي فخُــــذْ ***بيــــدي لأبصــرَ جنتـــكْ

أشتـــاقُ إنْ مرّ النسيـــ *** ــمُ ففيـــهِ ألمـــسُ رقّتـــكْ

أنـا أعشــقُ الكلمـات ها*** مســةً وأعشــقُ ضحكتـك

حتــى التراب يثيرُ شـــو *** قـي حينَ يلمسُ خطوتكْ

أنــا أعشــــقُ النجمات إذْ*** تمســـي تقبّـــــلُ وجنتكْ

أنــا بانتظاركَ أحسب اللـ ***حـظات آمـــلُ عــودتكْ

اشتقــــتُ لللقيــــــا فمـــا *** أحلى اللقــاء وصحبتكْ

                  ***

جميل حسين الساعدي

................................

* اشارة الى أغنية أنا بعشقك لمطربة الأجيال ميادة الحناوي، التي أرسلتها من خلال ملحن عراقي الى ثلاث ملحنين وهذه هي القصيدة كاملة أنشرها بعد ان عثرت على قصاصات الورق، التي دونت عليها القصيدة ويعود تأريخها الى عام 1979وقد صاغ الملحن بليغ أبياتها باللغة العامية بعد ثلاث سنوات من وصولها اليه، انا بعشقك هي من تأليفي، وهذا ما ذكرته مواقع ادبية عديدة والذكاء الصناعي. لم يضف اليها بليغ حمدي سوى ثلاثة سطور. أنا بعشقك الأغنية الخالدة هي في الأصل من تأليفي، وهذا ما كشفه الذكاء الصناعي ومواقع عديدة، بأنني مؤلف كلمات (أنا بعشقك).: فقد كتب صديق الجملة التالية:

علاقة ميادة الحناوي والشاعر العراقي جميل حسين الساعدي وطرحها على الذكاء الصناعي فكانت الاجابة كالتالي:

تتمثل علاقة الفنانة السورية ميادة الحناوي بالشاعر العراقي جميل حسين الساعدي في الجانب الفني الإبداعي، حيث يعدّ الساعدي أحد الشعراء الذين تغنت بكلماتهم الحناوي في اعمالها الطربية المعاصرة

التعاون الغنائي: كتب جميل حسين الساعدي كلمات واحدة من أشهر أغاني ميادة الحناوي المتأخرة وهي أغنية " أنا أعشقك" التي لحنها الموسيقار الراحل بليغ حمدي

القيمة الفنية: توصف هئه الاغنية بأنها " سمفونية" تعبر عن عمق مشاعر الحب والغرام، وقد ساهمت كلمات الساعدي الرقيقة في ابراز قدرات ميادة الحناوي الصوتية في تقديم القصيدة المغناة بأسلوب طربي كلاسيكي.

أشــمُّ عِـطــرَك، ابـْداعــًا تُـتـوِّجُـه

أحلى القوافي، وفي العـينين تَرتِيلُ

*

(أنامُ مـلء جفــوني) حـين اذكـرُكم

والقـلـبُ للصدقِ، توثــيقٌ وتَمْويـلُ

*

مواقِـفٌ قد زَهَتْ، مِن عِـفّةٍ وُلِدَتْ

حِـفْظ الأصول، وكَتْمُ السِّـرِ مَقبولُ

*

(سُمْـُر القَنا) غَضَبٌ في كَفِّ مُقْتَدِرٍ

ولا اقــتـدار لهــا، والزنْـدُ مَعـلولُ

*

(لا تــحمدنّ امـرءً حــتى تُجــرِّبُه)

ودون تَـجْـربــةٍ، وَهْــمٌ وتَــضلـيلُ

*

( مـاكلُّ مــا يتمنى المرءُ يُدركُـه )

والسَّــعيُ فــي هِمَّةٍ، للنفس تَفْعـِيلُ

*

عِــزُّ النفــوس إباءٌ، والسَّـنا رُتَـبٌ

وللشــهامَــة إرثٌ، صـانهــا جِـيـلُ

*

الـودُّ إنْ زانـَه حِـفْظُ الاصـولِ، له

جـُــذورُ طِيـــبٍ، وللافـعال تـَعـليـلُ

*

سَـــدد خُــطاك، ووثّــقْـهـا بــقافـِـيـةٍ

واركبْ ببحر(عَروضٍ)، فيه تمثيلُ

*

مـا قـِـيمةُ المَـرءِ، فــي جِـيدٍ قِـلادتُـه

مِــن خالِص التِـبْرِ، والافكارُ تَعطِيلُ

***

( من بحر البسيط)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

بمجرد أن رأى وجهه المشوه على المرآة حتى صار كأنه جثة مصلوبة في الهواء بلا حس ولا حركة، كل شيء فيه توقف دفعة واحدة... تحسس الجروح الطرية المنتشرة  كالخرائط على وجهه غير مصدق لوجودها، وبدأت ذاكرته تغلي كالبركان ووجهه يحمر غضبا وهو يحاول أن يعيد أحداث الليلة الماضية حدثا بحدث، ولحظة بلحظة، وكلمة بكلمة، ولما فشل في ذلك دخل إلى الحمام وغسل وجهه بسرعة، ولكي يزيل الشك عن نفسه انحنى قليلا تحت الصنبور وترك شعره الأسود الطويل تحت الماء عساه يتذكر شيئا ويقطع الشك باليقين بأنه لا يحلم وبأن ما يراه أمام المرآة واقعا حقيقيا لا غبار عليه وليس كابوسا، ولما خانته ذاكرته مرة أخرى تعرى كليا ووقف تحت الماء البارد المتدفق من رشاش الدوش لعله يوقظه من سباته ثم عاد من جديد إلى المرآة، وقد بدأت خيوط الشمس اللامعة  تتسلل من النافذة المفتوحة لتضيء أركان غرفته الضيقة التي تسودها الفوضى، وتفوح منها رائحة العفن والسجائر والحشيش، ليجد الصورة على المرآة هي الصورة، والوجه المشوه هو وجهه ولا شيء قد تغير فيه بل أكثر من ذلك أن الجروح عندما تعرى تبين أنها تجاوزت الوجه لتمتد إلى العنق... ضل واقفا كعمود بلا روح وبلا عقل  جاحظ العينين أمام هول ما رأت عيناه وكل ما بداخله يطرح سؤالا واحدا لا غير يتكرر بصيغ مختلفة، كيف حصل ذلك ؟ من يجرؤ على الاقتراب منه وهو الذي يخشاه كل سكان المدينة؟ فالسجن عنده أرحم من العيش وحيدا في غرفته.. ما تذكره وهو يعيد استحضار ما حصل الليلة الماضية أنه مر على صديقه الحميم الروبيو واشتريا معا قنينتين من ماء الحياة وعلبة من سجائر ماركيز وقطعا صغيرة من الحشيش، وسهر رفقته حتى طلوع الفجر، وبعدها افترقا عند مدخل الحي، وضلت الحلقة المفقودة في الحكاية هو ما وقع ما بين اللقاء وما بين الوداع والافتراق... كسر المرآة بقبضة يده وحولها إلى قطع صغيرة تلمع كالنجوم على زليج الغرفة.. ارتدى ثيابه على عجل وقصد كالريح العاتية بيت صديقه الروبيو، طرق الباب عدة مرات، وهزه بعنف كأنه يريد أن يزيله من مكانه  وقبل أن يفتح الروبيو الباب كان كل الجيران يشرئبون بأعناقهم من النوافذ محاولين فهم ما يحدث، ضل الروبيو مسمرا أمام صديق عمره حميدو سائلا إياه عن من فعل بوجهه وعنقه كل هذه الجروح، ولما تأكد حميدو بأن الروبيو نفسه يجهل الفاعل والحلقة المفقودة من الحكاية، ولأنه يعرف المكان الذي يسهران فيه دائما كلما خرجا من السجن ألا وهو ضفة الوادي تحت أشجار البرتقال والتين بعيدا عن أعين الشرطة قصد المكان كالمجنون تاركا الروبيو في حيرة من أمره واقفا عند عتبة الباب كفزاعة طير في صحراء مقفرة... كان أول ما لفت انتباه حميدو لما وصل إلى مكان سهرة البارحة هو آثار الدم المنتشرة على الكرطونة البالية التي كانا يجلسان عليها وعلى بعض أوراق الأشجار المتناثرة، وعلى الكأسين المهملين بجوار شجرة التين الوارفة التي تظلل المكان وتحرسه بأغصانها المتدلية على مياه النهر تحت أشعة شمس الصباح الخجولة المنكسرة، لما اقترب أكثر من جذع الشجرة لمح فروة القط البني ورأسه المدور وعيونه الزائغة المدمية والخائفة، وأنيابه اللامعة وهي تعض بقوة على اللسان فتذكر حميدو على الفور حكاية القط البري الذي استدرجه وقبض عليه وخنقه وقام بذبحه وسلخه وشيه فوق النار، وجعل من لحمه وجبة عشاء لذيذة زينت جلسته الخمرية رفقة صديقه الروبيو، وتذكر أكثر نقاشه الحاد مع الروبيو حول القط وأصله وفصله بعد أن لعبت برأسيهما خمرة ماء الحياة الممزوجة بدخان الحشيش.. وهكذا تداعت أحداث الليلة على مخيلته الواحدة تلو الأخرى كأنها لقطات سينمائية، تذكر كيف استدرج القط  المسكين الجائع ظانا منه أنه أرنب بري ضل طريقه وقصد جلستهم باحثا عن الطعام ودفء النار، وبالرغم من أن صديقه أقسم له أكثر من مرة بأنه قط بري وليس أرنبا فإن حميدو ضل متمسكا برأيه وبأنه وإن كان قطا بريا فإنه يصلح للأكل كالأرانب وبأن لحمه ألذ من لحم الأرانب، وأكثر ما تذكره حميدو وهو جائع هو لحظة خنقه للقط محاولا ذبحه والقط يقاوم بكل شراسة بأظافره التي امتدت إلى وجه حميدو وعنقه وصدره كأمواس الحلاقة محدثة بها تحت جنح الليل جروحا غائرة ستضل تلازمه مدى الحياة. وهكذا ضلت لعنة القط البري تطارده في كل مكان وفي كل درب وشارع ومدينة، وصارت روح القط البري تخرج له كجني من كل زاوية من زوايا البيت كلما أطفأ المصباح وأراد أن ينام، فحول القط  ليل حميدو نهارا وحياته جحيما إلى أن جن نهائيا وغادر المدينة دون أن يعرف له أثر فشاع بين أهل الحي  بعد غيابه بأنه انتحر غرقا بعد أن ألقى بنفسه إلى مياه النهر.

***

عبد الرزاق اسطيطو

 

الـسـنـدبـادُ مَـضى

يـجـوبُ كـلَّ الـبـحـارْ

يـبـحـثُ عـن لـؤلـؤةٍ

لـيـس لـهـا مـوطـنٌ

ومـا لـهـا مِـن قــرارْ

وهـاجـسٌ لـلـحـبِّ

بــاقٍ بـه

بـه تـمـاهى

الـيـأسُ

والاصـطـبـارْ

لـلـسـنـدبادِ الـبـحـرِ

وابـنِ الـبـحـارْ

مُـــذْ   لاحَ

لـعــيـنـيـهِ ســرابُ

الـمُـــنى

روضًـا أغـنًّـا مُــشـرقًـا

بـالـســنـا

يَـشِــدُّ مِـن عــزمـهِ

يـغـيـبُ في لـيــلـهِ

يـخــلـقُ مِـن يـأســهِ

ضـوءً وطـالـعَـهُ انـتـصـارْ

الـسـنـدبـادُ الـبـحـرُ

وابـنُ الـبـحـارْ

مـضـى بـقـلـبٍ حـافـلٍ

لا يـنـيْ

يـبـحـثُ فـي الاغــوارِ

عـن سِـربـهِ

وعـن حـبـيـبٍ طـارَ

في لُــــبّـــــهِ

عـسى الـذي مَـضّـهُ

يـكـونُ فـيـه انحـسـارْ

ومُـنـيـةُ الـظـمـآنِ

أنْ يـرتـويْ

وأيـنَ مـنـهُ الـرِيُ

بـيـنَ الـقِــفـارْ

وهـل تُـرى يـهـتـدي

بـلْ أيـن يـغـــدو

الـمَـسـارْ

الـسـنـدبـادُ الـبـحـرُ

وابـنُ الـبـحـارْ

كـمْ مَـزّقَ الـمِـجـذافُ

لُـجَ الـسـكـونْ

وداعـبَ الـشـوقُ

شِــفـارَ الـعـيـونْ

كـأنّـمـا كـان وأنّـى

يـكــونْ

مَـن خــانـهُ الـحــظُ

يـعـيـشُ الـمَــرارْ

الـسـنـدبـادُ الـبـحـرُ

وابـنُ الـبـحـارْ

عـواصـفٌ كـمْ رتّـلـتْ

اُنْـشُــودةَ الـهــلاكْ

وأرسـلـتْ لـحــونَـهـا

مـوتًـا

كـمِـثـلِ الـشِـبـاكْ

لـكّـنّـهُ والـمُـنى

تـرنـو عـلى أُفـقـهِ

مـاضٍ

بــرغـمِ الـبـؤسِ

في دربــهِ

ولـوعـةٌ طـافـتْ

عـلى عـيـنـهِ

كـبـصـقـةِ الـمـسـلـولِ

فـي الاحـتـضـارْ

الـسـنـدبـادُ الـبـحـرُ

وابـنُ الـبـحـارْ

يُـحـمـحـمُ الـجــرحُ

ويَـرغــو الأسـى

ويـسـخـرُ الـمــوجُ

إذا مــا رسـا

بـالـهَـمِّ والاحــلامِ

عـنـد الـمــسـا

والـشـاطئُ الـمَـكـبـودُ

كـمْ دلّـسـا*

مَـنْ رافـقَ الـنُحـسَ

ســقــاهُ الــبَــوارْ

الـسـنـدبـادُ الـبـحـرُ

وابـنُ الـبـحـارْ

قـد يـسـأمُ الانـسـانُ

إلّا أنــا

لا يـعـرفُ الـمـجـذافُ

مـني الــونى

وقــاربي يـسـري

بـظـــلِّ الــمُــنى

وانـنّـي أدمــنـتُ

شُــربَ الـعَـــنـا**

وهـكـذا أبـــقى

اجـــوبُ الـبـحــارْ

ومِــديـتـي الـصـبـرُ

لألـقـى الـنهـارْ

لا الـيـأسُ مِـنْ طـبـعـي

ولا أرضَـى الصَـغـارْ***

الـســنـدبـادُ الــبـحـرُ

وابـنُ الـبــحــارْ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

العراق / الكوت في 13 نيسان 1971

.............................

* دلّس: خدع وغشّ

** العنا: هي العناء جاءت مخفّفةً

*** الصَغار: بفتح الصاد الذُل

- أول قصيدة أنظمها على شعر التفعيلة بعد خروجي مِن التوقيف في فجر 30  آذار 1971 بتُهمةٍ مُلفقةٍ من دائرة الامن.

يقولونَ انَّ الممالكَ لكْ

وانَّكَ راقبتَ أقمارَها والشموسْ

وكنتَ شغوفاً بنورِ السماءِ

وترفعُ رأسَكَ نحوَ الأعالي

تسامرُ نجمَ الليالي

فكانَ الفَلَكْ !!

*

يقولونَ انَّكَ أولُ مَن دوَّنَ الحرفَ

انجازَ جِنٍ

لأنَّ ابنَ آدمَ بينَ الحروبِ وبين الرزايا وبينَ المنايا هلَكْ

*

يقولونَ اّنكَ أولُ مَنْ سنَّ قانونَ عدلٍ

فهلْ قالتِ الكائناتُ وقد جمَّلَ أرواحَها العدلُ: ما أعدلكْ ؟!

*

لا..

*

أنتَ في مركزِ الدائرهْ

هدفٌ، والسهامُ تهبُّ عليكْ

وسيزيفُ فيكْ

وقد حكموهُ الى أبدِ الدهرِ

حتى يموتَ ويحيا

ويظلَّ يموت ويحيا

والشموسُ تسجِّلُ أيامَها وتدورْ

على الكونِ في غيِّها سادرهْ

***

شعر: كريم الأسدي - العراق

شَاعِرٌ يَحْلُو لَهُ

كُلَّمَا اِزْدَادَتْ بِهِ أَوْهَامُهُ

أَنْ يُوَارِي وَجْهَهَهُ

خَلْفَ سِتْرٍ لَا يَرَاهُ غَيْرُهُ

ذَاتَ يَوْمٍ

كَانَ يَمْشِي وَحْدَهُ

اِنْحَبَسَتْ أَنْفَاسُهُ

عِنْدَمَا شَاهَدَ مَحْبُوبَتَهُ

وَهْيَ تَمْشِي جَنْبَهُ

دُونَ أَنّْ تَلْمَحَهُ

قَالَ هَمْسًا

وَهُوَ لَا يَسْأَلُ إِلَّا نَفْسَهُ:

هَلْ سَيُبْقِينِي اَلزَّمَانْ

شَاعِرًا يَسْجُنُهُ اَلشَّكُّ، وَيُقْصِيهُ اَلمكَانْ؟

**

وَاصَلَ اَلْمَشْيَ وَحِيدًا يَتَسَاءَلْ:

هَلْ سَتَبْقَى خُطُوَاتِي تَتْمَاهْلْ؟

سَقَطَتْ فِي دَرْبِهِ وَهُوَ يَسِيرْ

وَرْدَتَانْ

قَالَتْ اَلْأُولَى خُذُونِي

نَحْوَ بُسْتَانِ أَمَانْ

غَيْرِ أَنَّ اَلثَّانِيَة

بَعْثَرَتْ أَوْرَاقَهَا

وَهْيَ تَبْكِي وَتَقُولْ

إِنَّهَا

لَمْ يَعُدْ فِي وُسْعِهَا

أَنْ تُدَارِي أَمْرَهَا

بَعْدَ أَنْ فَاتَ اَلْأَوَانْ

وَاسْتَمَرَّ اَلْعُمْرُ مَشْلُولَ اَللِّسَانْ

بَيْنَ أَمْوَاجِ اَنَثِيَالَاتِ اَلزَّمَانْ

وَتَصَارِيفِ اِرْتِبَاكَاتِ اَلْمَكَانْ

***

شعر: خالد الحلّي

الحَذَرُ لا يُنْجِي مِنَ القَدَرِ، هكذا كانت تُردِّدُ فطومُ، بصوتِها الأجَشِّ، وهي تجلسُ على عتبةِ البيتِ الطينيِّ، تسحبُ من سيجارةٍ باليةٍ كأنها تمتصُّ ما تبقَّى لها من الحياةِ. كانتْ تلك الحكمةُ ترنُّ في أُذُنَيْ شاهينَ مثلَ تعويذةٍ، لكنه، ككلِّ الرجالِ الذين يظنونَ أنهم فوقَ القانونِ، لم يُعِرْها اهتمامًا قط، ولم يَرَ في كلماتِها سوى بقايا من رمادِ الحكاياتِ القديمةِ التي لا تنتمي لزمانه.

شاهينُ، بجسدهِ الخلاسيِّ الذي أورثتْه له أُمُّه، كان شهابًا ينفجرُ وسطَ ظلامِ المرقصِ. عيناهُ تقدحانِ شررًا، وخطواتُه على أرضيةِ الملهى كانتْ تُسمعُ كإيقاعٍ منفصلٍ عن موسيقى المكانِ. الراقصةُ، تلك التي اختارَ لها القدرُ أن توضعَ في طريقهِ، كانت تتلوّى أمامَهُ كحيةٍ مُضيئةٍ، تدورُ حولَهُ، تُشعلُ فيه النيرانَ التي لا تنطفئُ إلا بالمجازفةِ. مدّتْ يدَها تضربُ صدرَهُ بخِفّةٍ، مشيرةً له أن يقتربَ، فتقدَّمَ بلا تردُّدٍ، كفراشةٍ تطاردُ وهجَ النارِ، ولم يعلمْ أن اقترابَهُ هذا كانَ بدايةَ سقوطهِ.

كانَ المرقصُ غارقًا في نافورة من أضواءِ النيونِ، كأنَّهُ مشهدٌ مقلوبٌ من جنّةٍ تتوارى في أحضانِ الجحيمِ. شاهينُ، بفحولتِهِ التي كانتْ مثارَ أحاديثِ النساءِ والرجالِ على حدٍّ سواءٍ، أمسكَ بالراقصةِ، وجعلَها تتحسَّسُ قضيبه كمن يعيدُ اكتشافَ جسدِهِ. لم تكنْ تلك أوَّلَ مرَّةٍ، ولن تكونَ الأخيرةَ، لو لم يأتِ ابنُ الرئيسِ.

 ذلك الظلُّ الثقيلُ الذي يجرُّ وراءَهُ حرسًا ببدلاتٍ سوداءِ ووجوهٍ خاليةٍ من التعابيرِ، دخلَ المكانَ كما يدخلُ الصيَّادُ غابةً يعرفُ كلَّ ممرَّاتها. توقَّف فجأةً أمامَ شاهينَ،كأنه التقط شرارة تحدٍّ عالقة في الهواء ، وسألَهُ ببرودٍ أشبهَ بالسكينِ:

:نِمْتَ مع الراقصةِ من قبلُ؟

رفعَ شاهينُ رأسَهُ، كأنَّهُ يتحدَّى ما لا يُتحدَّى:

؛نعم، سيدي.

:كم مرَّةً؟

:مرَّةً واحدةً.

نظرَ ابنُ الرئيسِ إلى الراقصةِ، التي صارتْ كتمثالٍ من الخوفِ، ثم عادَ إليه بنبرةٍ أشدَّ قسوةً.

قال:تعرفُ أنَّها تابعةٌ لي؟

:كلُّنا في خدمتِكَ، سيدي.

لم يُعجبِ الجوابُ ابنَ الرئيسِ. كانَ يبحثُ عن ذريعةٍ، أيِّ ذريعةٍ.

 قالَ:هل استأذنتَ منِّي قبلَ أن تنامَ معها؟

:لا، سيدي.

لم يكنْ هناكَ وقتٌ للتفكيرِ أو التراجعِ. يدُ ابنِ الرئيسِ ارتفعتْ كعاصفةٍ مفاجئةٍ وصفعتْ شاهينَ بقوَّةٍ كأنَّها تهدفُ إلى محوِ وجودِهِ. سقطَ ضرسُهُ الأماميُّ على الأرضِ مثلَ نذيرِ شؤمٍ. قالَ ابنُ الرئيسِ بصوتٍ يملؤهُ احتقارٌ مميتٌ

:أُمُّكَ عاهرةٌ. لماذا لم تستأذنْ؟

بقيَ شاهينُ واقفًا، يمسحُ دماءَهُ بيدهِ العاريةِ، ويردُّ بهدوءٍ بدا أقربَ إلى الجنونِ

:أُمِّي ليستْ عاهرةً، سيدي.

عادَ ابنُ الرئيسِ يضحكُ، ضحكةً بدتْ كأنَّها صوتُ أبوابِ جهنَّمَ تُفتحُ.

:أُمُّكَ ماتتْ من النَّيْكِ!

لم يعرفْ شاهينُ كيفَ يردُّ. لم يكنْ يعلمُ ما إذا كانَ عليهِ أن يبكي أُمَّهُ التي لم يعرفْها إلا كظلٍّ غائبٍ، أم يغرقَ في لحظةِ الغضبِ التي تجتاحُهُ. كانَ الصمتُ ثقيلًا، يكادُ يقتلُ الجميعَ في المكانِ.

ثم أضافَ ابنُ الرئيسِ بنبرةٍ حاسمةٍ:

:أيُّ راقصةٍ هنا تابعةٌ لي. إذا أردتَ أن تلمسَها، تتكلَّمَ معها، أو تنامَ معها، تستأذنْ أوَّلًا. فَهِمْتَ؟رفعَ شاهينُ رأسَهُ، وفي عينيهِ بريقٌ كمن يواجهُ الموتَ مباشرةً.

: لماذا أستأذنُ، سيدي؟ هل هي أُمُّكَ؟

تجمَّدَ الهواءُ في المكانِ. لا أحدَ يجرؤُ على الحركةِ. وفي تلكَ اللحظةِ، بدأتِ النهايةُ. انفجرَ المكانُ بالصرخاتِ، قبضاتُ الحُرَّاسِ تنهالُ على جسدِ شاهينَ كأنَّهم يريدونَ محوَ وجودِهِ من على وجهِ الأرضِ. كانَ يسقطُ، ثمَّ ينهضُ، ثمَّ يسقطُ مجدَّدًا، مثلَ غريقٍ يُقاومُ أمواجًا أقوى منه.

في تلكَ اللحظةِ، أدركَ شاهينُ أنَّ الحَذَرَ، مهما بلغَ، لا يُنْجِي أبدًا من القَدَرِ.. كما كانت تُردِّدُ فطومُ، بصوتِها الأجَشِّ، وهي تجلسُ على عتبةِ البيتِ الطينيِّ، تسحبُ من سيجارةٍ باليةٍ كأنها تمتصُّ ما تبقَّى لها من الحياةِ.

***

ياسين غالب ٢٠٢٤

السيدُ الوزيرُ:-

في وجنتيهِ الدمُ،

والعينانِ ذئبانِ،

ومعسولُ الكلامْ.

الشَّعرُ ظلمةُ ليلةٍ والشّاربانْ:

الصّبغُ من قنينةٍ طارتْ إليهِ

عبرَ أسوارِ الحدودْ

- منْ دونِ أنْ يُطلبَ منها فيزةٌ،

إجازةُ استيرادْ -

هديةٌ منْ مدنِ الخرائط الكبرى

ومنْ مزاميرِ الشّهودْ.

بدلتُهُ مكويةٌ، منْ باعةِ العهودْ،

وربطةٌ أنيقةٌ،

لإنّها انتفاضةٌ، وثورةٌ، وهجرةٌ،

جوعٌ، معاناةٌ، ضحايا، وحصارْ!

**

وعبرَ شاشاتِ الغريبِ، والقريبْ:

شيخٌ، عجوزٌ، يجلسانْ

في لهبِ الشمسِ،

وفي الثلجِ،

وزخاتِ المطرْ،

مستندين لحائطٍ منْ طَـلَـلٍ،

قد درَّستْ أركانَهُ قصفٌ،

وهجرٌ،

وحصارٌ منْ قريبٍ،

مِنْ غريب.

الشيخُ يصفنُ:

خرقةٌ باليةٌ تلتفُّ

بالجسدِ الهزيلِ،

ووجنتان،

عظمانِ ملتصقانِ،

يُشبهُ وجهَ انسانٍ،

بقايا...

لحيةٌ بيضاءُ،

شَعرٌ في ضياءِ الثلجِ

فوق جبالِ كردستانَ،

في غضبِ الشتاءْ.

الشيخُ يحلمُ، ربَّما..

بسيجارةٍ،

تبغٍ وپاپورٍ،

وشايٍ ساخنٍ

في قهوةِ القريةِ ذي الأطلالِ، إلّا

منْ بقايا الغنمِ المحروقِ

بالناپالمِ،

بالرصاصِ....

- بشتاشانُ كانوا إخوةً

أعداءَ!-

دهرٌ قد مضى،

ماذاقتِ الشفتانِ

قشرَ سيجارةٍ،

خبزاً،

وشاياً،

ودخانْ...

***

عبد الستار نورعلي

......................

* كتبتُ القصيدةَ بتاريخ الخميس 28/1/1999، بعد مشاهدتي لبرنامج (نقطة ساخنة) على قناة الجزيرة، عن الأكراد في اقليم كردستان العراق، وعمّا تعرضوا له على يد النظام السابق خلال حملة الأنفال سيئة الصيت، مع لقاءات مع بعض المسؤولين الأكراد في الأقليم (وهم بأبهى الحُلَلِ)!

يقولُ أصيصُ الوردِ ذاتَ عشيّةٍ:

أيا صاحبي إنّي مَلِلْتُ حياتيا

*

أجلْ، أنتَ تسقيني منَ الماءِ عَذْبَهُ

وتُخرجُني للشمسِ عندَ احتياجيا

*

ولكنّني أشتاقُ للحقلِ في دمي

حنينٌ لجذرٍ ظلَّ في التُّرْبِ باكيا

*

أجلْ، أنتَ تحنو حينَ تلمِسُ إنّما

لِلَمْسِ فراشاتٍ يطولُ اشتياقيا

*

أراكَ أنانيّاً أموتُ بغربتي

وتقبِسُ من وردي الجميلِ القوافيا

*

فقلتُ لهُ: مهلاً صديقي فإنّما

كِلانا يقاسي غربةً وتنائيا

*

ولكنّني أسلو بقولِ قصيدةٍ

أُخلِّدُني فيها برغمِ فَنائِيا

*

وأُعطيكَ وصفاً لو ورودُ مشاتلٍ

بهِ سَمِعَتْ جاءَتْ إليَّ حوافيا

*

فصاحَ: هراءٌ ما تقولُ وتدّعي

وكشَّرَ عن شوكٍ بهِ كانَ خافيا

*

فقلتُ لهُ: هذا فراقُكَ فانتَبِذْ

غداً عندَ ذاكَ الغابِ أُلقيكَ عاريا

*

أيا ناكراً فضلي وجاحدَ نعمتي

وسامعَ أشعارٍ تُذيبُ الغوانِيَا

*

فلمّا أتى صبحٌ وقُمْتُ أجُسُّهُ

رأيتُ بهِ موتاً وقد كانَ ذاويا

*

وأقبلَتِ الديدانُ تأكلُ وردَهُ

وغابَ اخضرارٌ كانَ في العينِ زاهيا

*

وقالَ ليَ العُصفورِ إذْ كانَ شاهداً:

قضى الليلَ هذا الوردُ يبكي الغواديا

*

فقمتُ أهزُّ الوردَ أصرخُ باكياً

ويصرُخُ هذا الصمتُ: ألّا تلاقيا

*

وأحرقتُ أشعاري فداءً لروحِهِ

وعُدْتُ وحيداً أستطيبُ عذابِيَا

***

عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

يا أبي،

كنتُ تلكَ التي تُصافحُ الغيمَ

من فوقِ أسوارِ الدار،

أقفزُ من ضحكةٍ إلى ضحكة،

وأحسبُ السماءَ جارًا قريبًا

يُسلِّمُ عليَّ كلَّ مساء.

لم أعرفْ آنذاكَ

أنَّ للعلوِّ اسمًا آخرَ غيرَ اللعب،

ولا أنَّ للريحِ قلبًا

قد يُسقِطُ الفراشات.

*

كنتُ أرتقي الجدرانَ

كما ترتقي الأغنيةُ حنجرةَ أمٍّ،

خفيفةً ،

فلا تُمسكني الأرض

إلّا مجازًا.

*

يا أبي،

كيفَ تعلَّمتُ رهابَ الارتفاع

من درجةٍ واحدة

في سلّمِ منزلي؟

كيفَ صارَ العلوُّ

حافةً حادّةً

تُجرِّبُ عليَّ

قانونَ السقوط؟

أنا التي كنتُ أضحكَ

وأمدُّ يدي إلى الشمس،

صرتُ أعدُّ البلاطَ

وأُفاوضُ ظلّي

كي يسمحَ لي

بخطوةٍ أخرى...

*

يا أبي،

فتاتُكَ الصغيرةُ

تمشي الآنَ بعكّازين،

كأنَّ الأرضَ صارتْ

بحرًا متقلّبًا،

وكأنَّ قدميَّ

زورقانِ مكسورانِ

يتعلّمانِ من جديدٍ

فنَّ الطفو.

*

لم يعلّمني أحدٌ

أنَّ الخوف ليسَ من السماء،

بل من هشاشتِنا

حين نكتشفُ

أنَّ أجسادَنا

ليستْ سوى اغصانا صغيرة

قابلةٍ للانكسار.

*

يا أبي،

أذكرُ كيفَ كنتَ تقولُ ،

"السماءُ لا تُؤذِي من يُحبُّها"،

وأنا أحببتُها كثيرًا

حتى نسيتُ

أن أحبَّ الأرضَ بما يكفي.

*

الآنَ

أصعدُ الدرجةَ الأولى

كأنني أرتقي جبلًا

بلا دليل،

وأُمسكُ بالعكّازين

كما يُمسكُ الغريقُ

بفكرةِ النجاة.

*

لكنني، يا أبي،

ما زلتُ تلكَ التي تتسلّقُ،

غيرَ أنَّ التسلقَ

لم يعدْ إلى أعلى،

بل إلى الداخل،

إلى شجاعةٍ صغيرةٍ

تنبُتُ بينَ ضلعٍ وذكرى،

إلى يقينٍ خافتٍ

يقولُ لي

إنَّ الارتفاعَ الحقيقيَّ

ليسَ في الجدار،

ولا في السلّم،

بل في مواجهة خوفي

و الصعود

رغمَ العكّازين،

رغمَ الارتجاف،

رغمَ كلِّ ما انكسرَ في الطريق.

*

يا أبي،

فتاتُكَ الصغيرةُ

لم تكبرْ،

هي فقط

تعلّمتْ

أنَّ السماءَ

قد تُلامسُنا

حتى ونحنُ

على الدرجةِ الأولى...

***

مجيدة محمدي

يا سيّدي غِبْ هاديءَ البالِ وارجعِ

بموتي تجِدْني وانتْظاريْ بموقِعي

*

وذُلّي إذا ما ارتابَ قلبُكَ ضامِني

فقدْ ملَّ ملًّا وهْو يرقُبُ مَرجِعي

*

تمنّى طويلًا أنْ تعودَ كرامَتي

فينجوَ حتّى لو بجسمٍ مُقطّعِ

*

ولكنّني أشبَعتُ من دمِهِ دَمي

ومن عظْمِهِ رمَّمْتُ عَظْمي وأضْلُعي

*

وألبَسْتُني من عندِه جبّةً ومِنْ

فراشٍ حريريٍّ لهُ ابْتَعْتُ مَضجَعي

*

فأقسَمَ إلّا أنْ يكونَ مُسَلِّمي

لموْتي ولو أودىْ بذا عُمرُهُ مَعي

*

يا سيّدي كلُّ الخصالِ التي لها

نُسِبتُ قضَت مع كبريائي ومطمَعي

*

و حتّى عيوبٌ استجدّتْ بردّتي إنـ

ـــقَضَتْ بانقضاءِ ناظريَّ ومسْمَعي

*

يا سيّدي عُدْ بالقنا أو بصارمٍ

تجِدْني كما خلّيْتني فوقَ أربعِ

***

أسامة محمد صالح زامل

للحب قربان للذبح و

أدعية لتكفير الخطايا.

للحب منبه للوقت

نداعبه عزفاً بالجسد

يبيتُ شتاؤنا في مدفأة ناره

بينما نوتاتة الموسيقية نعزفها

في الصيف.

الحب يقرأ لنا وعود الأبراج

الفلكية ويعدنا برحلات حول العالم

يطلعنا على مهارته في التحدث

بآلاف الألسنة.

نهديه زهوراً ويهدينا لون الصباح

نحمله في الذاكرة كنشيد وطن

نردده حين نتوه في زحمة البلدان

يحملنا بالأحضان كحنان أم

الحب يبتعد عن الآحاد ويكرهه

أن يكون فردا لذلك يشطر نفسه

لأجلنا.

يلملم شظاياه بدهشة لاهبة

يضعها في خضابِ الدمِ

لسانه يملك ذاكرة الكلام

يختبر المسافات بكل قبلة وينجو

من المحدود

يجعل من أرواحنا

شواطئ من نور عذب

يضيء فينا ما هو مجهول.

***

عارف عبد الرحمن

حين التهمت الحربُ خرائطَنا وتركت أوطانَنا رمادًا يتطاير في نشرات الأخبار، حملنا ما تبقّى من قلوبنا وسافرنا.

*

لم نكن نهرب، كنا نبحث عن بقعةٍ لا تعرف أسماء الجنرالات، عن سماءٍ لا تسقط منها القذائف بل نجومٌ صافية تلمع كأملٍ صغير في جيب عاشقين.

*

على باب الفندق وقفنا. أنا وأنتِ. غريبان يعرف كلٌّ منهما تفاصيل روح الآخر، غريبان التقيا لأول مرة كأنّ السنوات الطويلة لم تكن فراقًا بل امتحانًا لقلبين أقسما أن ينجوا.

*

رأيتكِ. لا صورةً على شاشة، لا صوتًا مرتجفًا عبر أسلاكٍ بعيدة، بل جسدًا من نورٍ وارتعاش. تقدّمتِ خطوة، وتقدّمتُ عمراً كاملاً.

*

حين تعانقنا — توقّف العالم . انطفأت المدافع، خجل الرصاص، وانسحبت الحرب إلى زواياها المظلمة. كان العناق وطناً. وكان صدركِ الحدودَ الوحيدة التي أعترف بها.

*

لم نصدّق. كأنّ المعجزة تخاف أن تُفضَح، وكأنّ الحلم قد يستيقظ إن نطقنا باسمه. ضحكنا وبكينا في الوقت ذاته، وتعلّقنا ببعضنا كما يتعلّق الغريق بخشبة نجاة وسط بحرٍ من الفقد.

*

حجزنا غرفةً كأننا نحجز زمناً خاصاً بنا. أغلقنا الباب، لا لنختبئ، بل لنحمي اللحظة من الغدر.

*

كل دقيقة كانت كنزًا، كل نظرة صلاة، كل لمسة اعترافًا بأن الشوق إذا طال يتحوّل إلى نارٍ مقدّسة.

*

على السرير لم نكن جسدين، بل جبهتين ترفضـان الهزيمة.

*

استسلمنا لرغباتنا كما تستسلم الأرض للمطر بعد جفافٍ طويل، كما يذوب الثلج حين تعترف له الشمس بحبّها.

*

كان الجنون خلاصًا، وكانت أنفاسنا نشيدًا سرّيًا يعلو فوق خطابات الحرب.

*

وفي الليالي الحمراء لم يكن اللون لون الخطيئة، بل لون الحياة حين تقرر أن تنتصر ولو مؤقتًا.

*

لعنّا الحرب. لعنّا وجوهها الباردة، ولعنّا الرجال الذين باعوا البلاد مقابل مقاعد أعلى وطاولات أطول.

*

قلنا إن الحبَّ أشرف من كل بياناتهم، وأن قبلةً صادقة أصدق من كل راياتهم.

*

ثم جاء الصباح الأخير. كان الضوء ثقيلاً، كأنه يعرف أننا سنفترق.

*

على باب الفندق ذاته وقفنا مرةً أخرى، لكننا هذه المرة كنّا نحمل يقينًا موجعًا:

*

أن الحرب اتسعت، وأن الطرق أُغلقت، وأن القلوب نفسها قد تُحاصر.

*

احتضنّا بعضنا طويلاً. لا كوداعٍ عابر، بل كمن يطبع ذاكرته في جسد الزمن.

*

قلتِ شيئًا لم أسمعه، لأن دقّات قلبي كانت أعلى. وقلتُ لكِ شيئًا لم تفهميه، لأن دموعكِ سبقت اللغة.

*

افترقنا. لكن تلك الليالي لم تكن نزوةً في فندقٍ محايد، بل كانت إعلانًا سريًا أن الحبّ أقوى من المدافع، وأبقى من الطغاة، وأصدق من خرائطٍ رسمتها الدماء.

*

وإن لم نلتقِ مرةً أخرى، فقد التقينا بما يكفي لنؤمن أن في هذا الكون رغم كل شيء فسحةً حمراء اسمها: الحياة.

***

كريم عبد الله - بغداد / العراق

عن بعد أو قرب

في حلمي الأخير

أسود تتربص وسط الأحراج

وغربان تنسج من ذاكرتي أعشاشا

قد تأتي النمور مربوطة بأسلاك من حرير

والقطّ البريّ يلوح بسيف الزنبق ويصرخ: هو النهر ساعتي القديمة فلن أغيّر الوقت

وثمّة الثعالب لاترش مسكا على وردات يسرقن الشمس بل  حزمة من غبار الشفق

عندئذٍ

كلّ يبصر بوما تقرأ في الرمل تاريخ الدنيا

من أول حرف للماء حتى آخر حرف للنار

وحدها الفراشات لا تستعرض أحلامي

تعتذر

لا تريد أن تفسد على ضيوفي

لذّة البراءة التي لم يحن قطافها

فأسأل نفسي

لم كل هذه الصور تعود حين أصحو بشكل آخر

لا أستسيغه

الفراشات تحلّ لغز الأحلام التي لا تقتحمها

الفرق ما بيني والمونى

أنّهم لا يمزقون أكفانهم

لكنّي

أمزّق أحلامي

***

قصي الشيخ عسكر

كلّما أغلقتُ نافذةً

انفتح في صدري شتاء.

عرفتُ متأخّرًا

أنني لم أكن أصدُّ الريح،

بل أدرّب الغياب

على الدخول.

*

بعضُ الطمأنينة:

كرسيٌّ مكسور.

نستريح عليه

واقفين.

*

لم أعد أفتّش عن الخسارة.

هي لم تخرج من البيت،

كانت ترتّب أشيائي كلَّ صباح،

وتعيدني إلى المرآة

أخفَّ:

بقليلٍ من اسمي،

وكثيرٍ من ظلي.

*

سألتُ الوقت:

لماذا تتأخر؟

ابتسم،

وأشار إلى قلبي،

وقال:

أنا أصلُ قبلَك

دائمًا.

*

منذ ذلك الحين

أعدُّ أنفاسي،

لا لأطيلها،

بل لأعرف

كم مرّة

خانني الهواء.

*

الحياة

لا تطعننا دفعةً واحدة.

إنها تتقن فنَّ النقر،

تثقبنا ببطء

حتى نعتادَ الفراغ

ونسمّيه:

نجاة.

*

وفي المساء الأخير،

حين فتحتُ النافذة

لأتنفّس،

سقط يومٌ كامل

من فمي.

فأدركتُ:

أنني كلّما أغلقتُ نافذةً

فتحتُ عمري

على الجوع.

***

د. جاسم الخالدي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ

والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ

​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ

وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ

​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني

خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ

​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي

أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

**

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً

عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب

​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً

عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ

​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني

والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ

​تعب ارتحالي والجهات تضيق بي

هل يرجع النصف المشتت تائبُ؟

**

​طَالَ الطَّوَافُ، فَمَا وَجَدْتُ بَقِيَّتِي

حَتَّى غَدَا نِصْفِي المَصُونُ خَرَائِبُ

​وَالآنَ ضَاقَ الصَّدْرُ.. لَا فَرَحٌ يُرَى

وَعَلَى جُـفُونِـي لِلْـمَوَاجِـعِ نَدَائِبُ

​يَسْتَوْطِنُ النصفَ العَلِيلَ شُحُوبُهُ

فَكَأَنَّ شَمْسِي فِي العُيُونِ مَغَارِبُ

​وَيَثُورُ شَيْبُ الرَّأْسِ دُونَ هَوَادَةٍ

يَـغْزُو غُــرُورِي وَالزَّمَـانُ يُـراقــبُ

**

​يا نصفي المنفي خلف توجعي

عد، إن عمري في غيابك شاحب

​فَارْحَمْ بَقَايَا الرُّوحِ بَعْدَ شَتَاتِهَا

إِنِّـي لِوَصْــلِكَ رَغْــمَ نَأْيِـكَ رَاغِــبُ

​لَـمْ يَبْـقَ مِنِّي بَـعْدَ فَقْدِكَ نَبْـضَةٌ

فَـإِلَـى مَـتَى تبْـقَى بعـيداً غـائـبُ؟

​مَا عُدْتُ أَقْوَى فَالْمَسَافَةُ غُصَّةٌ

وَالصَّبْرُ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَصَائِبُ

**

​وَمَضَيْتُ أَسْأَلُ عَنْ كَيَانِي: مَنْ أَنَا؟

وَقَفَ المِدَادُ وَفِي السُّطُورِ غَيَاهِبُ

​أنا نقطـة تاهـت بسـطر مواجـعي

والسـطر يمضـي والكـتاب غرائـب

​أَنَا مَـنْ أَنَا؟ إِنْ لَـمْ أَجِدْنِـي كَامِـلاً

فَـالكُـلُّ دُونَ وُجُـــودِ ذَاتِــي كَـاذِبُ

​أَنَا مَنْ يُصِـيغُ مِنَ المَوَاجِـعِ عِـزَّهُ

لَا يَنْـحَـنِي.. وَلَــهُ الشُّـــمُوخُ مَـآرِبُ

***

جليل إبراهيم المندلاوي

ملتحداً بذاتي

وخاتمتي من رماد.

أرى القمر الميمون

وسيما ببراءته

ينظر في وجهي مذهولاً وكأني

لغة تحمل في ثناياها روافد بردى،

كأني رئة لا تحمل إلا زفير والشهيق

ضاع الشهيق المدى

ملأت يدي بالحبر الأزرق

و كانت القصيدة تحرسني

أيقنت بأن طقوس الحب

أمارسها طقسا طقسا

الحب أراه بقناعاتي إغراءات

تقتعد في الأحشاء

والأماسيَّ الحلوة عابرة

وفق خطايَ

أنا المفرد المنسي

بين هياكلي الممشوقة من

تعاريجَ الوقت

لبرج من رمل التراب .

2

الحب له حظ المجتهد في الحياة

أبصره يقف على

فاهِ غديرٍ ممشوق القامة يشبه

زهر اللوز في بداية أيار

أقرؤه فاكهةً طاف فيها

طعم السكر وترك أثره

على خلايا الجسد

حدائق في السهب دون حراسة

مطر الهبوات البيضِ

أخذ نصيبا من نزوات الهوى

واستراح في مقل العيون

أنا في هذا الملكوت أسيرُ

طورا أتكئ على عضد قرنفلة

وطوراً آخر على تنهيدة أنثى .

***

عارف عبد الرحمن

 

بعباءةِ ثلجٍ

يتسربلُ

وبدفئِ قصيدةٍ

خضراءَ يتدثر

عينا صديقي

كليلتان

بضبابِ مونتريال*

بينهما يتهادى

نهرُ أبو بشوت*

ترفُ فوق مياهه

أجنحةُ نوارس

وأنينُ أغانٍ

وصدى مواويل

جنوبية

*

المسافاتُ بيننا

مجردُ أرقام ...

والوقت ُ

ثمَّة َ أوهام

رقدةٌ فصحوة

حلمٌ ويقضةٌ

هناك أقفُ

أطيلُ الإنتظار

*

لعبة ُالإتجاهات

شمالاً وجنوباً

الفوقُ والتحتُ

هناك أنتَ

وهنا أنا

والعكسُ صحيحٌ

*

عيناكَ

في الوطنِ

حقولُ سنابلٍ خضرٍ

وفي الغربةِ

أطفأ ضوءَهُما

وهجُ ثلجٍ قطبي

جمرتان غشاهما

رمادُ نارِ الحنين

*

هل تَبَقَّى يا صديقي

في ذاكرتكَ

بقدر شيءٍ يسير

لعذوقِ نخلةٍ

جاثيةٍ على نهرٍ

جنيةُ الثمرِ

تعالَ.. أهبط ْ

فما عدتَ تحتملُ

زمهريرُ الغربةِ

لنلتقي في الكميت

حيثُ لكَ فيها

بقايا ذكريات

أو لنلتقي هناك

في مدينة السياب

لنؤرجحُ أقدامنا

بمياه شطها الكبير

*

نأكلُ رطباً جنيا

من بساتين شاطئيه

ونرمي النوى للماءِ

فتلتم عليه

غيمة فضية

لسمك الصبور*

تلتهمه وتختفي

في الأعماق

*

النوارسُ تزعقُ

وأجنحتها تلثم

وجنات النهرِ

وأنتَ تومىءُ بيدك

لموجةٍ قادمة مثلنا

من محيطٍ بعيد

تحنُ لحيتانها والدلافين

كما نحنُ نحن ُ

لنخلةٍ ونهرٍ

*

هل ياصديقي

يأتيكَ العراقُ

في حلم المنامِ

طفلا ًباكياً

يتيماً رث َّ الثياب

أو أسيراً محاطا بالأعداءِ

مثخنُ الجراح ِ

لا تأسى يا صديقي

فهو طائرُ الفينيق

يبعثُ من رماده

قمْ توضأ لصلاة ِ الفجر

وأرفع دعاء ًحاراً

لعلَّ الذين يريدون

به شراً

يختفون كالحلم

بلمحِ البصر ِ

***

صالح البياتي

..........................

- لنلتقي هناك: أخاطب بها صديقي الشاعر المغترب عيسى حسن الياسري.

- مونتريال: مدينة تقع في الجنوب الغربي لكندا، في مقاطعة كيبك.

- أبو بشوت: نهر يتفرع من دجلة في ناحية كميت، شمال مدينة العمارة جنوبي العراق.

- الصبور: سمك فضي اللون تشتهر به مدينة البصرة.

في شارعٍ يشبه الضباب

خرجتُ وحيدًا في اليوم الأوّل من رمضان

صائمًا، لا عن الطعام فقط،

بل عن ضجيج العالم أيضًا

كان الليل قد انكمش في زواياه الأخيرة،

والمدينة تستلقي على جنبها ككائنٍ مُنهَك،

تترك خلفها صمتًا ثقيلاً

يملأ الحواري والأركان

كأنه مادةٌ غير مرئية

تسدُّ مسامَّ الهواء

أبوابُ الدكاكين مغلقةٌ على حياةٍ

كانت تدبُّ في الليل،

وحجارةُ الطريق

تقف صامدةً كشواهد قبور

لا تذكر أسماء أصحابها

الشارعُ الرئيسيُّ خالٍ من المارّة،

والسياراتُ قليلةٌ

كأنها أفكارٌ مترددةٌ في رأسِ المدينة

ركبتُ ميكرو باصًا يلفّه شيءٌ من الغموض،

ومعه قلّةٌ من الركّاب

كنتُ أرقبُ ملامحَ السائقِ المحايدة

من خلال المرآة،

وأتأمّل وجوهًا

لا تقول شيئًا،

ولا تخفي شيئًا

في محطة المنيب

كان المترو خاليًا

كأفلام محمد خان

حيثُ المدينةُ بطلٌ صامت،

والفراغُ شخصيةٌ أساسية.

لكن في محطات الجيزة، والعتبة، والعباسية

تبدّل المشهد

كان هناك قدرٌ من الزحام،

كما في كلّ يوم،

غير أن شيئًا ما

ينزلق بين الأكتاف

ولا يُرى

كان الناس يتحرّكون،

لكن ببطءٍ غامض،

كأنهم خرجوا من ذواتهم

وتركوها خلفهم على الوسائد

أجسادٌ تسير

كأنها لا تعرف إلى أين،

أعينٌ مفتوحة

على عالمٍ لا يُسأل عن معناه

لكني مضيتُ

وفي داخلي سؤالٌ

يتقدّم على خُطاي:

هل نصومُ

لنقترب من معنى الحياة،

أم لأننا أدركنا

أن الحياة نفسها

مجرّد انتظارٍ طويل

لمائدةٍ لا تجيء؟

***

د. ماهر عبد المحسن

إرجعْ إلى ملكِكَ الكبيرِ

وانْعَمْ بحُرّيَّةِ الطّيورِ

ودعْ قبورًا عظامُها تشْـ

ـــكو مُنكَرًا لأخٍ نكيرِ

يلهوْ بها في القبورِ حقٌّ

يُكنى التصرّفَ بالمصيرِ

جُبِ السّما فمتى فعلتَ

اقــتدىْ بك الكونُ في المسيرِ

واجلسْ على عرشِكَ المثيرِ

كالكوكبِ السّاطعِ المنيرِ

واقسُ على ذا الزّمان حتَّى

يُصْغي لمالكِهِ الأخيرِ

فلا يكونُ لهُ مسيرٌ

إلّا بأمرٍ منَ الأميرِ

هيّا ابتعِدْ لا يراكَ موتٌ

لا يقنعُ الحرُّ بالقبورِ

وارجعْ إلى حيثُ كنتَ حرًّا

فالأسرُ حرّيّةُ الأسيرِ

في أمّةٍ يأمرُ العميّ الــ

ـــدعيُّ فيها على البصيرِ

***

أسامة محمد صالح زامل

في تلك الليلة، لم تكن العاصفة خارج البيت فقط.

كانت السماء تنقلب على نفسها، كأنها تُفرغ ذاكرة قديمة، والريح تجرّ الأشجار من ظلالها جرًّا، والمطر ينهمر كاعترافٍ متأخر.

وقف سلام في منتصف غرفته، عاري الروح، حين انشقّ الهواء بصوتٍ لا يشبه الرعد.

لم يأتِ من نافذة، ولا من سقف، بل من جهةٍ لا تُرى.

"اهتمّ بالقرب… والقريب أولًا… قبل فوات الأوان."

ارتجف الضوء في المصباح، وتمايلت الجدران كأنها تنصت.

تكرّر الصوت، لا أعلى ولا أخفض، بل أقرب.

اقترب من أذنه.

بل من داخله.

وضع كفّه على صدره.

كان قلبه يضرب بعنف، كأنه يريد أن يهرب من قفصه.

همس:

"من هناك؟"

لم يجبه أحد.

لكن الغرفة ضاقت فجأة، كأن الهواء صار أثقل من أن يُستنشق. أحسّ أنه يُسحب نحو نقطةٍ غير مرئية، نقطةٍ بين ومضتين: ومضة حياة… وأخرى لا اسم لها.

نظر إلى قدميه.

الرخام بارد.

صلب.

حقيقي.

قال بصوتٍ حاول أن يجعله يقينيًا:

"أنا هنا."

لكن الصدى لم يعد إليه.

اندفع خارج البيت.

العاصفة صارت ستارًا كثيفًا من الماء، والشارع خالٍ على نحوٍ غير مألوف، كأن المدينة انسحبت بهدوء وتركت خلفها ديكورًا فقط.

توجّه إلى بيت الشيخ عبد المحفوظ.

كان الباب مضاءً بخيطٍ رفيع من نور.

طرق.

مرة.

مرتين.

انفتح الباب ببطء.

وقف الشيخ هناك، ساكنًا أكثر من اللازم.

عيناه لا تعكسان البرق.

وجهه بلا أثر للدهشة.

قال بهدوءٍ صافٍ:

"تأخرت يا سلام."

تلعثم:

"النداء… سمعته؟".

ابتسم الشيخ، ثم رفع يده إلى أذنه وفمه.

قال:

"لم أسمع شيئًا منذ زمن.

اخترت الصمت… فصار الصمت يختارني."

"منذ شهور أضع قطنا سميكا في أذني لكي لا أسمع، وألوك العلك نهارا لكي لا أتكلم".

حدّق سلام فيه.

ثم لاحظ شيئًا لم ينتبه إليه من قبل:

خلف الشيخ، لم يكن هناك بيت.

لم يكن هناك أثاث.

لم يكن هناك عمق.

فقط ظلام كثيف، كأن الباب مفتوح على فراغ.

تراجع خطوة.

قال بصوتٍ مكسور:

"أين الجدران؟"

أجابه الشيخ:

"أي جدران؟"

نظر سلام حوله.

الشارع اختفى.

المطر توقّف في الهواء، معلّقًا كحبيبات زجاج.

حتى البرق تجمّد، خطًّا أبيض لا يتحرّك.

عاد الصوت.

لكن هذه المرة لم يأتِ من السماء.

خرج من فمه هو.

"اهتمّ بالقرب… والقريب أولًا…"

وضع يده على شفتيه مذعورًا.

حاول أن يتراجع، لكن قدميه لم تستجيبا.

نظر إلى الشيخ… فلم يجد أحدًا.

كان الباب مغلقًا.

البيت مظلمًا.

الشارع عاديًا.

والمطر يهطل كما يهطل كل شتاء.

وقف وحيدًا.

لم يكن هناك عاصفة غير مألوفة.

لم يكن هناك صوت في السماء.

بدأت الذاكرة تتصدّع.

رأى نفسه - لا الليلة - بل قبل أيام، جالسًا في غرفته ذاتها، يضع قطعتي قطن في أذنيه ليتجاهل صراخ أمه المريضة في الغرفة المجاورة.

يتظاهر بأنه لا يسمع.

يمضغ علكة بصوتٍ عالٍ كي لا يجيب.

رأى الباب مغلقًا.

النافذة محكمة.

الصوت محبوسًا في الداخل.

ثم رأى السرير.

ورأى جسدًا ممددًا عليه.

جسده.

باردًا.

ساكنًا.

والقطن ما يزال في الأذنين.

تراجع، أو ظنّ أنه يتراجع، لكن الأرض لم تعد تحت قدميه.

كان واقفًا منذ البداية في البرزخ الذي خافه.

لم يخرج من بيته.

لم يطرق باب الشيخ.

لم تكن هناك عاصفة إلا في رأسه.

النداء لم يكن تحذيرًا من السماء.

كان صدى متأخرًا لصرخةٍ لم يُجبها.

اقترب الصوت للمرة الأخيرة، هامسًا هذه المرة:

"القريب أولًا…"

وحين حاول أن يرد،

لم يكن له فم.

ولم يكن هناك زمن يحتضر.

بل إنسانٌ تأخر.

ثم أُطفئ المشهد…

كما تُطفأ غرفةٌ لم يعد فيها أحد.

***

(قصة قصيرة)

الحسين بوخرطة

(الجرحُ هو الدليل

في حافّةِ الصمتِ الأخير)

1

مَنْ يَحْمِلُ النَّجْمَ

حينَ يَغيبُ الدَّليلُ

وتنطفئُ الجهاتُ كلُّها؟

*

مَنْ يُوقِظُ الأرضَ

إذا نامَ المسيلُ في عروقها

وصارَ النهرُ ذكرى؟

*

من زمنٍ بعيدٍ

لم يُكتَب اسمُه بعدُ

قالت الشجرةُ

لا

لن أُعطي ثمرتي

لجائعٍ لا يعرفُ الجذرَ

ولا ينحني ليسمعَ

نبضَ ما تحته

*

لن أمدَّ ساقي

نحو سحابةٍ

وجهُها قمرٌ مستعار

وجوفُها بلا مطر

2

مَنْ يزرعُ الوردَ

في أرضٍ

لم يعلَق بها المطر؟

*

مَنْ يسمعُ الصمتَ

حين يصيرُ نشيدَ حربٍ

ويرتفعُ فوق البيوت؟

*

من زمنٍ

ذابَ كالدخان

قالت الرمالُ

لا

لن أحفظَ خطوَ مسافرٍ

يمشي ولا ينظرُ للنجوم

كأنَّ السماءَ

ليست جهةً.

*

لن أُخبّئ الماء

في كفٍّ لا ترتجفُ

حين يعطشُ الغيم

*

أمشي في داخلي

وصوتي يسبقني

*

ليلُ الأسئلةِ

أثقلُ من صدري،

والفجرُ

ما زال يتعلّم الطريق

*

كيف نخرجُ

من كونٍ

ضاق حتى على أنفاسه؟

3

أدورُ

في متاهةِ الأيام

*

وظلّي يتقدّمني

كأنّه يعرفُ الطريقَ أكثرَ مني

*

ثلجُ السنينِ

ما زال على القلب،

لم يذبْ،

ولم يشتعل

*

والشمسُ

التي أقولُ إنها ستجيء

ما زلتُ أجهلُ

من أيِّ جهةٍ تولد

*

أمن الشرق

حيث يبدأ الضوء

رفيفًا كاعتراف؟

*

أم من الغرب

حيث يتعلّم الرملُ

فنَّ المحو؟

*

أم من الداخل

حيث لا أُجرؤُ

على النظر في المرآة؟

4

لي في كلِّ فجرٍ

حزنٌ

لم أجد له اسمًا

*

وفي كلِّ شمسٍ تتأخرُ

لمعةٌ

تأتي خجِلًا

*

ذكرياتي

إشاراتُ ضوءٍ

تلوّحُ في هواءٍ لا يثبت

*

أعودُ

كأنني لم أغادر

*

أضعُ قدمي

على أوّلِ الطريق،

وأرى على الأفق

وهمَ ابتسامةٍ

يختبرُ شفتيّ اليابستين

*

أسألها

هل تعيدينني إلى برٍّ

كنتُ أظنه ثابتًا؟

*

أم تمضين بي

إلى ما لا نهاية

صامتةً؟

5

لي في كلِّ خسارةٍ

كتابٌ مغلق

*

وفي كلِّ وداعٍ

حبرٌ

لم يجفّ

*

جراحي

ليست على الجلد،

بل في النبض،

في همسةِ الليل

قبل أن تُقال،

في عينِ أمٍّ

ترى ابنها

يمضي

ولا يلتفت

*

أنا في كلِّ هذا،

وخارجُ كلِّ هذا

6

من يعيدُ الطائرَ

إلى العشِّ

بعد أن اختارَ الصياح؟

*

من يرجعُ الماءَ

إلى النبع

بعد أن تعلّم الجريان؟

*

من زمنٍ

لم يولد بعد

قالت الريح :

لا

لن أحملَ البشارةَ

إلى قلبٍ

أغلق نوافذه

في وجه المطر.

*

لن أرسلَ الرسالةَ

إلى حجرٍ

لا يسمعُ النداء

ولا ينتظرُ المعجزة.

7

لكن

في عينيكِ

شيءٌ

كالنجمةِ في ليلةٍ بلا قمر،

كالنسغِ

في شجرةٍ

ظنَّها العابرون يبابًا

*

ككلمةِ حبٍّ

ضاعت

في ضجيج الحرب

ولم تفقد معناها

*

فأقولُ لكِ

وأنا أعرفُ

أن الكلام

لا يعيدُ ما مضى

*

ربما

في البحرِ

مرفأٌ

لم نره

*

وربما

في الدمعِ

بصيرةٌ

تتعلم أن ترى

*

وربما

في القلبِ

بقيةُ نورٍ

نسينا اسمه

8

ناديتُ نفسي

في الممرِّ الطويل

فعاد الصدى

غريبًا

*

قال:

لستَ وحيدًا،

لكن صوتكَ

ليس أنت

*

متى صرتَ

هذا الغريب

الذي تسكنه؟

9

أنظرُ إلى وجهي

في زجاجٍ

لا يعكسني تمامًا

*

رجلٌ

يحملُ مفتاحًا

ولا يتذكّر

أيَّ بابٍ يقصده

*

رجلٌ

يبحثُ عن اسمه

في جيوبه،

كأنّ البيت

احترق

قبل أن يعود

10

أسألكِ

*

أهذا الجرحُ

يتنكّرُ في زيِّ شفاء؟

*

أهذا السؤالُ

يخشى ظلَّه؟

*

أنتِ في داخلي

وأنا فيكِ

*

نبحثُ عن عذرٍ

للمسافة

11

قلتِ:

الحبُّ

ليس طريقًا مستقيمًا

*

هو متاهة

ندخلها

فتسقطُ أسماؤنا

*

نضيعُ

فنرى

12

فصرتُ أسمعكِ

في همسةِ الريح،

في الصمتِ

قبل أن يتحرّك الماء،

في المسافةِ

بين نبضتين

*

هناك

يتحوّل كلُّ شيء

*

قلتُ:

إذا ضِعنا معًا،

عدنا

13

ما اسمُ هذه الأرض

التي نمشي عليها

ولا تسجّلها الخرائط؟

*

أرضٌ

لا حدودَ لها،

ولا شمسَ

تعرفُ متى تغيب

14

سألتُ الطريقَ:

إلى أين؟

*

فصمتَ طويلًا،

ثم قال:

لا تسألني عن الوجهة

*

أنا

لستُ طريقًا،

أنا

جرحٌ

في جسدِ الزمن

15

النهرُ هنا

لا يجري،

يتساقطُ

كدمعٍ بارد

*

يحملُ ورقةً

عليها اسمٌ

لم يُنادَ به منذ سنين

*

هل كان اسمي؟

أم اسمكِ؟

أم حلمٌ

تأخّر في الرحيل؟

16

رأيتُ شجرةً

على تلٍّ بعيد

*

لا ماءَ.

لا عصفورَ

*

ومع ذلك

تزهر

17

قلتُ لها:

كيف تزهرين؟

*

هزّت الأغصان

وسكتت

*

لم تنتظر

أحدًا

*

أزهرت

18

وقفتُ طويلًا

أصغي

إلى الأرض

التي لا تُسمّى

*

الأشياء

بلا أسماء

ومع ذلك

تقول:

*

أنا هنا

أنا موجود

رغم كلِّ شيء

أنا هنا

*

كودا

(نشيد الحضور)

أمشي

في قلبي

مفتاحٌ

لأبوابٍ

نسيتُها

*

أكتبُ على التراب:

سأبقى

*

ما دام في اللفظِ

نَفَس

*

ما دام في الصمت

باب

*

أقولُ للأرض

التي لا تُسمّى:

*

لستِ خاتمة

أنتِ

البداية

***

د. سعد محمد مهدي غلام

سُــئل البَـوْحُ عن عَـفاف الوِصالِ

قــال : مِـن رافِــدٍ، سـواقِيه تِـبْـرُ

*

كــلما هَــبَّـت الحروفُ اشـتـياقــا

للقــوافي اسـتجابَ للشــوق سـِفْـرُ

*

ليس للــثوب إنْ زهــا، مِن مَقامٍ

ان غَــفــا خــلْــفه شــعـورٌ وفِـكْرُ

*

طــيّــباتُ الذكرى، نَسائمُ خُــلْــدٍ

تــرفــدُ الجّــوَ، والتجارِبُ عِـطْرُ

*

ياربـــيـبَ الابداع، عَزْفـك يسْمو

بـِـتَراتـِـيل، فـــي البلاغـة سِحــرُ

*

ذاك إنْ كـــان تاجُــه فـــوق رأسٍ

قــــد أبـَـتْ تــنحني، ولـلـتاج ذِكْرُ

*

قَــــوْلَـةُ الحـــقِ، لــلثـِقـات وِســامٌ

(عِــش عـزيزا) والسّـِـرُ عندك سِرُ

*

والتــمني إنْ لـم يكن، عـن طمـوحٍ

هـــو لـهْــو ٌ، يــليه عَـوْزٌ وعُسْـرُ

*

عِـــزّةُ الــنـفــسِ والإبــاءُ ســجـايا

فــي اداء الصواب، شــمسٌ وبـَدرُ

*

تـُـرَّهاتٌ رَصْفُ المــديحِ لـكــسـبٍ

- مــاءُ وجهٍ يُراقُ – والعَـوْزُ عُذْرُ

*

لــلوصال العُــذْري تـوظيـفُ عَقْـلٍ

واحتواءُ الوضوح، في السّير فَخْرُ

*

فـــي الـتّـأني، ســلامَـةٌ وحــبـورٌ

وأمـاني العَــلــياء، طــوْدٌ وجِسْــرُ

*

إنْ يكن في الرّضاء فقدان حَـقٍ

دون وعيٍ ، فخطوةٌ فيها قِصْرُ

*

أيُّ حُــبٍ فــيــه التــصنّــعُ نــهْــجٌ

بغيــة المال ، فالحصيلةُ صِفْـرُ

***

(من الخفيف)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

كان أبي آخر من مات من عائلتي، وبموته وجدتني وحيدة بطريقة خانقة وأعاني من وقت فراغ لا أعرف كيف أملأه، رغم أني واصلت ذات الحياة في مزرعة أبي، (بموته آلت ملكيتها إليّ)، مع قطيع الماعز وقبيلة الدجاج (لم أحسن إحصاء دجاجاتي بسبب حركتهن الدائبة) التي كنا نعتاش من بيع حليبها وسلال البيض الكثيرة في سوق المدينة القريبة من مزرعتنا.

هل كان أبي يملأ حياتي بشيء لأشعر بالفراغ من بعد موته؟ أبداً، فقد كان يملأ وقته بزراعة ورعاية بعض الخضار في الصباح، أما وقت ما بعد الغداء وحتى منتصف الليل، فكان يمضيه في صحبة أصدقائه في السمر والشراب، كما أظن (كنت اشم رائحة الشراب تملأ البيت عند عودته كل ليلة) وحتى الصباح الذي وجدته فيه ميتاً في سريره، قبل ما يقرب من عام.

لم أفهم كيف كان يفكر أبي ولم أعرف ماذا كان يريد من حياته، فهو كان قليل الكلام ويتعامل مع الجميع بحيادية، وخاصة بعد موت أمي. أذكر كيف تلقى قرار أخي الوحيد، عندما أخبره بعزمه على السفر، فكل ما فعله هو إنه قال له ببرود: خذ ما تحتاج من مال من الصندوق كي لا تذلك الحاجة للآخرين وخرج لموعده مع أصدقائه، ولم يذكره بعد ذلك اليوم أبداً وكأنه نسيه فجأة أو لم يعد له وجود في الحياة بعد تلك اللحظة.

الصندوق الذي ذكرته هو صندوق خشبي قديم بارتفاع ساق الإنسان المتوسط الطول، وبعرض وطول ساعده، كان يدخر أبي فيه المال.. لحظة، فالأصح أن أقول الذي كان أبي يضع فيه المال، لأن الصندوق لم يكن له قفل، بل لم أر أبي يعد ما فيه من مال يوماً، فمع كل عودة له من المدينة كان يعطيني ثمن ما باع من حليب وبيض ويقول: ضعيها في الصندوق ويخرج.

لم يكن أبي بخيلاً، فبعد وفاة أمي (كانت تشتري لي كل احتياجاتي) داوم على أخذي معه للمدينة، كل بضعة أشهر، وهناك كان يعطيني رزمة كبيرة من المال ويقول لي برتابته المعهودة: خذي كل ما تحتاجين إليه ويتركني لثلاث أو أربع ساعات في السوق، قبل أن يعود ليساعدني بحمل مشترياتي، من دون أن يسألني عما اشتريت أو ينظر إليه.

بعد وفاته ببضعة أشهر، ومن أجل أن أقتل وقت إحدى الأمسيات فقط، نثرت ما في الصندوق من أموال على الأرض فوجدتها كثيرة جداً، بل وأكثر مما سمح مزاجي بعدها أصلاً. ولأني لم أجد ما أفعله بها، أعدتها إلى الصندوق وأغلقته وفكرت في أني سأحتاج لصندوق جديد أضعه إلى جانبه، لأنه كان قد شارف على الامتلاء برزم المال ولأني واصلت بعده بيع الحليب والبيض بذات الوتيرة.

***

لم يطلبني رجل للزواج أبداً، رغم أني الآن في الثانية والثلاثين. صحيح أني لا أتمتع بذلك الجمال الذي يلفت نظر الرجال، لكني أيضاً لست دميمة تلك الدمامة التي تنفر الرجال. حولي، في بيوت المزارع التي تجاور مزرعتي، بل وحتى في أسواق المدينة التي أبيع فيها الحليب والبيض، أرى الكثير من النساء غير الجميلات متزوجات ولديهن أطفال، فلم أهملني الرجال يا ترى؟ هل سعيت أنا للفت انتباه الرجال إليّ أو تحرشت ببعضهم؟ نعم، ولكن ابتساماتي لم تقابل بغير التواءات سخرية شفاه الرجال. لماذا؟ هل أبدو لهم قروية ساذجة وبلهاء؟ كيف وأنا لا أرتدي غير سراويل الديجينز وأحدث الكنزات؟ لماذا تسلل اليأس إلى نفسي سريعاً ولم أعد أبتسم لرجل إذاً؟

في إحدى الظهيرات الدافئة اشتقت لأخي وتخيلت أنه سيعود في قطار ذلك المساء، فذهبت إلى محطة القطار لأستقبله. رصيف المحطة كان مزدحماً، بالمسافرين والمستقبلين، إلى حد أني لم أجد مقعداً أجلس عليه سوى المقعد المقابل لشباك مكتب قاطع تذاكر المحطة الزجاجي. كان المكتب ناتئاً عن بناء المحطة بنصف دائرة واسع، الأمر الذي كان يسمح لقاطع التذاكر بمراقبة رصيف المحطة بكامله، بل وبإحصاء كامل رواده لو شاء. أبهجني دفء شمس الشتاء وضجيج المسافرين فاسترخيت مستمتعة بسماع أصوات الناس وما كان يصلني من نتف أحاديثهم، ربما لساعة وأكثر، قبل أن أتنبه إلى أن عينيّ قاطع التذاكر كانت تنغرز بي وتراقبني نظراته بعدائية لم أفهم لها سبباً.

تجاهلت نظرات قاطع التذاكر وشغلت نفسي بمراقبة رواد المحطة وحتى ساعة وصول القطار، الذي تحول إلى عازل يحميني من سوط نظراته لأكثر من نصف ساعة، ولكن بعد نزول من وصل وصعود من سافر من أهل المدينة ومضي القطار في طريقه باتجاه العاصمة، عدت لمواجهة نظرات قاطع التذاكر، بطريقة أكثر حدة وأعمق أثراً، بسبب فراغ رصيف المحطة وهدوئها الموحش، بعد ذهاب الجميع. ولأن شعوري بتلك النظرات قد تعمق مع فراغ المحطة ولم يعد فيها ما ترصده غيري، تركت المحطة وعدت إلى البيت، من دون أن أنبه قاطع التذاكر إلى أني قد تنبهت لنظراته.

ولكن وبسبب الوحدة وتراكماتها عليّ، داومت على التردد على رصيف المحطة عصر كل يوم، حتى ألفتني عينا قاطع التذاكر أو نسيتني ربما، أو هكذا بدا لي. بل ومع توالي الأيام، وربما بسبب تزايد عدد المسافرين، في فصليّ الربيع والصيف، اقتنعت فعلاً أني انتظر عودة أخي المسافر وأنه لابد سينزل، ذات يوم، مع من ينزل من الواصلين في القطار المسائي، وإلى أن نزل شخص له هيئة وملامح أخي فعلاً، ذات مساء ساخن، فهببت دون تفكير لاحتضانه وتقبيله في أكثر من مكان من وجهه وجبينه، دون أن أنتبه إلى إنه كان يقف أمامي مذهولاً وعلامات الدهشة والاستغراب تملأ وجهه، إلى اللحظة التي تقدم فيها قاطع التذاكر، من وراء ظهري، ليرفع كفي عن خد ذلك الشاب ويبعدني عنه وليقول، وهو يومئ برأسه له بما يشبه الاعتذار: عندما تفكرين باصطياد رجل فأذهبي بعيداً عن محطتي، فالمحطة مؤسسة حكومية ورصيفها يجب ان يبقى نظيفاً وبكامل هيبته.

لهول ما سمعت من قاطع التذاكر والطريقة التي فكر بها في نواياي، لم أستطع الرد عليه بأي كلمة، بل أسرعت للهروب من أمامه وأنا أتعثر بخطواتي من الخجل الممزوج بالغضب.

في الجهة الثانية من بناية محطة القطار، وهي الجهة التي تطل على المدينة، كان الشاب الذي عانقت يصطف بين العشرات ممن وصلوا في قطار ذلك المساء، في انتظار الحصول على سيارة أجرة تقله إلى بيته أو المكان الذي يقصده.. كان وجهه خالياً من أي تعبير ونظرته لا تدلل على إنه كان يفكر بشيء فتساءلت: هل أنا قبيحة ومنفرة إلى حد أنه لم يتعاطف معي، كما يفعل معظم الرجال في مثل هذه المواقف عادة؟ أما كان بمقدوره أن يختلق عذراً لي ويصرف عني قسوة قاطع التذاكر؟ هل كانت مصادفة أن يتفق الاثنان على النظر إليّ بازدراء وشك في نواياي؟ هل يعقل أن تفعل الوحدة كل هذا بالإنسان؟

بعد عودتي إلى البيت، وفي مطبخي الواسع فتحت الثلاجة عدت مرات وأعدت اغلاقها. حاولت غسل الزجاجات التي أوزع بها حليب الماعز في السوق، دون أن أتمكن من التقدم من حوض الغسيل خطوة واحدة. كنت بحاجة لفعل شيء.. ما هو؟ أخذت مصباحي اليدوي وخرجت باتجاه حظيرة دجاجاتي، هل سأتمكن من عدهن وهن تحت سلطان العتمة؟ هل يساعد عد الدجاج في شيء، كالركض حد الانهاك مثلاً؟.

***

سامي البدري

ثرثرة في القطار مع امرأة من كوينزلاند

أدخل القطار كما يدخل المرء إلى ذاكرته.

لا أبحث عن مقعد، أبحث عن موضع داخل سيرة تتبدل كل صباح…

للقطار رائحة لا يخطئها الأنف، رائحة خلاسية لا تعرف كيف تُمسك بها: خليط من عرق خفيف، قهوة مسكوبة، وعطر أنثوي لامرأة ثملة. ليست رائحة كريهة ولا طيبة، هي رائحة جماعية لبشر يمضون إلى أعمالهم أو إلى هروبهم الصغير. رائحة مساواة مؤقتة، تتساوى فيها البدلات الغالية الثمن مع الأحذية المهترئة، ويتجاور فيها المدير والعامل من غير أن يتبادلا النظر.

أجلس قرب النافذة.

المدينة تنزلق إلى الخلف، وأنا أبدو ثابتًا. الثبات هنا حيلة بصرية، خدعة هندسية. السكة تمتد مستقيمة كجملة انضباط؛ خطان متوازيان يرفضان الالتقاء، ومع ذلك يحملان كل هذا الاكتظاظ من الحيوات…

أفكر أن السكك الحديدية ليست مجرد طريق للقطار، هي شكل من أشكال السلطة: تنظيم للمسافة، توزيع للحركة، تحديد لما يجوز وما لا يجوز. من يصعد، من ينتظر، من يُنذر، من يُغرَّم.

ومع ذلك، في داخلي، تبقى السكك الحديدية أرشيفًا للحركة، سجلًا للوداعات واللقاءات، دفترًا غير مكتوب لأعمار تُقاس بعدد المحطات.

في ستراثفيلد صعدت امرأة بشعر أشقر مسحوب إلى الخلف بلا عناية زائدة، بشرتها مشبعة بالشمس، وعيناها فيهما بقايا ضوء قديم، وربما بقايا مجون خفيف لم يخضع تمامًا لقوانين المدن المنظمة. جلست إلى جواري بعد أن ألقت نظرة سريعة على المقاعد، نظرة تشبه سؤالًا صامتًا: هل أزعجك؟

كأنها تسأل أيضًا: هل تتسع ذاكرتك لغريب آخر؟

قالت صباح الخير بصوت فيه أثر ملح البحر. عرفت لاحقًا أنها من كوينزلاند. قالت الاسم كما يقول الناس مكانًا تربّوا فيه، لا بفخر صاخب، بل بحب هادئ، كحقيقة تشبه لون البشرة. نطقت الاسم كأنه مناخ، كأنه بطء، كأنه رفض غير معلن لسرعة المدن التي لا تؤمن إلا بالجداول والمذكرات أكثر مما تؤمن بالناس.

تحدثت، ومن دون مقدمات، عن كوينزلاند، عن بيوت ترتفع قليلًا عن الأرض، عن أعاصير تمرّ وتُبقي الخشب واقفًا، عن بحر صافٍ يلمع بعيدًا. قالت إن الناس هناك لا يركضون بلا سبب، وإن الوقت لا يضغط على صدورهم كما يفعل في المدن الكبيرة.

وأنا أفكر أن الوقت لا يضغط على صدور من يملكون أرضهم.

في الثرثرة شيء من الطفولة وشيء من النجاة.

أراقب يديها أكثر من كلماتها. كانت ترسم الهواء وهي تتكلم، كأنها تخيط الشمال في فضاء العربة. صوتها لم يكن موسيقيًا بالمعنى المألوف، لكنه كان صادقًا إلى حد يربكك… في تلك اللحظة أصبح القطار معبرًا بين بحرها ونهري، بين بطء تربّت عليه واستعجال تعلّمته هنا؛ معبرًا بين إيمانها بالضوء وإيماني بالتراب، بين يقينها بالمواسم ويقيني بأن المواسم لا تعترف بنا.

كوينزلاند في فمها لم تكن ولاية، كانت بطئًا مشروعًا. ضوء طويل، أرصفة لا تتعجل الخطى، ومياه تلمع كأنها لا تعرف معنى الاستعجال.

عند نيوتاون يدخل شاب بملامح آسيوية، غارق في شاشة هاتفه، أصابعه تتحرك بسرعة كأنها تهرب من شيء.

نيوتاون محطة لا تخجل من تناقضاتها؛ فقر أنيق، ثراء متخفٍ، لوطيون يصبغون شعرهم باللون الأصفر وهم يرتدون ملابس تميزهم، فنانون يرسمون على الجدران، وموسيقى تتسرب من حقائب صغيرة.

يتوقف القطار مرة اخري في ردفيرن، تصعد امرأة من السكان الأصليين، سحنة داكنة، شعر أسود كثيف، في نظرتها صمت أقدم من المدينة. هناك شيء في ريدفيرن يشبه الوقوف المستمر على الحافة؛ ليس احتجاجًا صاخبًا، وإنما بقاءً عنيدًا، نظرة مستقيمة لا تطلب اعتذارًا من أحد.

وكأن القطار نفسه مجرد ضيف على قصة أطول منه.

القطار يمرّ، والوجوه تبقى.

يمتلئ القطار بوجوه لا تعرف بعضها، ومع ذلك تتقاسم المسافة نفسها. هنا تتجاور الامتيازات والهشاشات؛ يمرّ الجميع عبر البوابة ذاتها، غير أن الطريق إلى البيت ليس واحدًا للجميع. بعضهم يعود إلى شرفة مطلة على الساحل، وبعضهم يعود إلى غرفة لا يدخلها الضوء إلا استئذانًا.

قبل دخول المحطات يتباطأ صوت القطار. احتكاك الحديد بالحديد يتحول إلى أنين خفيف، كأن العربة تتذكر وزنها فجأة… يدخل العربة مفتشان بزي الشرطة، غالبًا ما يكونان امرأةً ورجلًا، يحملان أجهزة فحص التذاكر ببرود منظم. نظرات سريعة، تذاكر تُمرّر أمام شاشة، إيماءة قصيرة، ثم يمضيان.

التدقيق هنا وظيفة، إجراء لا يحتاج إلى معرفة أحد.

الآلة تقرأ التذكرة ولا تسأل عن الحال.

أتذكر الكمساري في القاطرات السودانية. أصل الكلمة “قمسري”، وهي تركية جرى تطويعها حتى استقرت في لهجتنا كما يناسب مخارج ألفاظنا، وتعني موظف تحصيل الأجرة وفحص التذاكر. ثم صارت اسمًا لوجه مألوف في كل رحلة قطار. كان يحمل دفترًا صغيرًا ومثقابًا يثقب التذكرة بثقب دائري دقيق، كأنه يضع علامة على يوم من عمرك انقضى. لم يكن سلطة بالمعنى الصارم بقدر ما كان جزءًا من المشهد. يعرف من لا يملك ثمن التذكرة اليوم، يعرف من يسافر لأول مرة، يعرف من يعود إلى بيته مثقلًا.

العلاقة هناك لم تكن بين سلطة ومسافر، كانت ذاكرة تقرأ وجوهًا، كانت شكلًا بدائيًا من العدالة، أو من التواطؤ الإنساني ضد النظام الصارم.

وجود المفتشين يعيدني إلى مدينة عطبرة، أو “أدبرا” بلغة الحديد والنار. في العطلات المدرسية كنا نصعد إلى القطار كأننا نصعد إلى موسم من الأعياد. كنت أرى الرجال فوق السطح، جالسين كما لو أن السماء سقفهم الطبيعي. لم يكن ذلك تمرّدًا شاعريًا، كان ازدحامًا بالحياة، وضرورة أحيانًا… القطارات في بلادنا لا تكتفي بحمل الناس داخلها، بل يتمدد الركاب إلى الأعلى، إلى الحواف، إلى ما يتبقى من فراغ.

كبرت قليلًا وصعدتُ أنا أيضًا إلى سطح القطار. الهواء يضرب الوجه بقسوة، الغبار يدخل العينين، والخوف يجاور نشوة غامضة. تحتنا الحديد، فوقنا فضاء مفتوح. شعرت يومها أنني أختبر حدًا بين النظام والفوضى، بين المقعد والسطح الذي لا يسأل فيه كمساري عن رقم التذكرة، بين إيمانٍ باللوائح وإيمانٍ بأن الحياة أكبر من ذلك.

وأنا على سطح القطار سمعت من يتحدثون عن قطار نيالا، عن نساء يطبخن فوق سطح القطار، تفور القهوة ويغلي الشاي، يمتزج البخار بالريح. القطار هناك قرية تمشي، سوق عابر، مطبخ تحت السماء. الحياة لا تنتظر الوصول إلى المحطة كي تبدأ، ولا تنتظر ختمًا رسميًا كي تعترف بوجودها.

تسألني المرأة من كوينزلاند: من أين أنت؟

أقول: من السودان.

تتوقف لحظة، تقول إنها تعرفه من الأخبار.

الأخبار لا تعرف السطوح الممتلئة بالبشر، ولا تعرف الدفتر المثقوب، ولا تعرف أن القهوة يمكن أن تُصنع فوق عربة قطار تهتز عبر أرض عطشى. الأخبار تختصر، والسكة في داخلي تطول، تتمدد، ترفض أن تُختصر.

عند المحطة المركزية تنهض. تجمع معطفها، تبتسم ابتسامة قصيرة لا تعد بشيء. تقول إنها تحب القطار لأنه يمنحها وقتًا للتفكير. أقول إنني أحبه لأنه يذكّرني أن كل إقامة مؤقتة، وأن السقف قد يكون من حديد هنا، ومن سماء هناك، وأن الإيمان الحقيقي ليس في الوجهة، بل في الحركة نفسها.

تنزل المرأة. يبرد المقعد.

أتطلع مرة أخرى إلى المقعد الفارغ، ومن غير مقدمات تتشابك في ذهني رائحة الجوافة. كثمرة أعرفها جيدًا، تفوح بقوة، تسبق حضورها وتبقى بعده. لا أراها، لكنني أكاد ألمسها في الهواء، كأنها دليل خفي على أن الأشياء لا تحتاج إلى جسد كي تترك أثرًا. هكذا فعلت تلك المسافرة العابرة، وهكذا تفعل الذاكرة حين تتمرد على الجهاز الذي يريد اختزالها في تذكرة قطار.

سقفان يفصلان حياتي: سقف العربة المنضبط، وسقف السماء فوق عربات تمضي مكتظة. بينهما أتحرك كتذكرة لم تُثقب بعد، نصفها في جهاز إلكتروني، ونصفها في مثقاب يدوي يعرف اسمي، نصفها في نظام يؤمن بالترقيم، ونصفها في فوضى تؤمن بالناس.

أفكر أن السيرة ليست خطًا مستقيمًا، هي سكة تعبر تضاريس السلطة والحنين، تمرّ فوق مدن تعرف النظام وأخرى تعرف الازدحام، وتحمل في عربة واحدة امرأة من الجنوب، وطفلًا من عطبرة، ورجلًا على حافة الجنون يجلس قرب النافذة ويشكّ في كل يقين نهائي ولا يطلب غفرانًا.

القطار يواصل طريقه.

وأنا أظلّ بين سكتين، أكتب نفسي في الفراغ الذي يفصل المقعد عن السطح، والبحر عن النهر، والذاكرة عن شاشة تقرأ الأثر ولا تعرف صاحبه.

***

إبراهيم برسي

 

غداً مطرْ،

غداً مطرْ،

يُدمدمُ الراعي وقد شمَّ الشجرْ،

وكانت الخِرافْ،

مبثوثةً كالخرَزِ الأبيضِ في قُماشةٍ خضراءْ،

**

غداً مطرْ،

غداً نموتُ بالمطرْ،

ووحدَهُ الراعي يرى الأصواتَ قد تجسّدَتْ،

ووحدَهُ يستعذبُ الحجرْ،

**

عصاهُ لا من خشَبٍ،

لكنّها من نبتةٍ تُباركُ الأرضَ التي تلمسُها،

أمّا إذا الذئبُ دنا،

ستستحيلُ جمرةً منَ الشررْ،

**

غفوتُهُ مُتَّكِئاً والجِّذْعُ كم يألَفُهُ منذُ الصِّبا،

حتّى نمَتْ في ظهرِهِ عروقُهُ،

وانتشرَتْ أسطورةٌ تقولْ:

في كلِّ جِذعٍ ها هنا،

روحٌ لراعٍ ميّتٍ ما مسَّها الذبولْ،

وحينَما تجنَحُ شمسُ اليومِ للأفولْ،

يستسيقظُ الرُّعاةُ من جُذوعِهم،

ليحرسوا القرى وغابةَ الوعولْ،

**

يعودُ بعدَ يومِهِ للكوخِ في انتشاءْ،

ومِعطَفُ الفروِ الذي يلبَسُهُ،

تخلَعُهُ زوجتُهُ وتسكُبُ الحَساءْ،

ويُطفئانِ النارَ في مَوقدِها،

ليُوقدا ناراً بلا انطفاءْ،

**

ما أجملَ الرُّعاةْ،

لا يسلِكونَ مثلَنا الدروبْ،

دروبُهم أوسعَ في القلوبْ،

وحبُّهم نايٌ يظلٌّ باكياً،

لحدِّ أن يُذيبَهم،

وفيهُمُ يذوبْ،

**

ما أجملَ الرُّعاةْ،

توضّأُوا بالعشبِ والورودِ والرحيقْ،

وأرهفوا أسماعَهم،

حتى روَتْ لهم فراشةُ الحريقْ،

حكايةَ الحياةِ من تكوينِها،

**

ما أجملَ الرُّعاةْ،

أكفُّهم آبارُ ماءٍ للطيورِ اللاغبةْ،

أكواخُهم تجيرُ من تأتي إليها هاربةْ،

سماؤهم صافيةٌ صافيةٌ لأنّها مرآتُهم،

وشمسُهم دافئةٌ لأنّها قلوبُهم،

نساؤُهم أقمارُهم لا تعرِفُ النقصانْ،

غصونُهم ستطردُ الغِربانْ،

وطيّبونَ حدَّ أنّهم يبكونَ لو ماتت هنا دجاجةُ الجيرانْ،

***

د. عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

ثقيلة كأحذية العساكر

تمضي أحلامي في الشتات

غريبا بلا هوية يصيرني الغياب

بلا بوصلة هائمة تصير رؤاي

تضيق بي الخيمة والعبارة

والشرفة وشوارع المدينة

في الشتات كلاجئ

يضيق بي المساء والوقت والقول

تصبح عقارب الساعة متشابهة

من فيض الماء يتدفق شوقي

من فرط الهوى لبساتين القصر

تتدفق ذكرياتي وأحلامي

مثل الأنهار المتدفقة

تصب في روحي

رويدا رويدا

تطفو على الماء كالأغصان طفولتي

ودفء مساء القصر الكبير

وليله وشرفاته ودياره

وأشعاره وحكاياه

وخيله ومعاركه

للماء ذاكرة وفتنة يعشقها البحر

لفيض نهر اللوكوس فرسان وحكاية

ولي أنا الغريب في الشتات خيمة

وطيف مدينة تسكنني حد التلف

***

عبد الرزاق اسطيطو

 

أنا

وأناي

يؤنسنا

الصمت

2-

أنا وأناي

نقتسمُ المقعدَ الأخير،

والصمتُ بيننا

أوفى الأصدقاء.

3-

أنا وأناي

يؤنسنا الصمتُ

حين يضيقُ الكلام.

4-

أنا… وأناي

مقعدٌ ثالثٌ بيننا

اسمه الصمت.

5-

أنا وأناي

لا نحتاجُ

إلا صمتًا

***

بقلم:️ سليمان بن تملّيست

تونس - جربة في 2026/02/14

أفِقْ فيكَ روحي اذْ تنامُ تنامُ

أفقْ لا تغِبْ اِنَّ المنامَ حِمام

*

هنالكَ نهرٌ سادرٌ في صهيلِهِ

هنالكَ نجمٌ بارقٌ و ظلامُ!!

*

هنالكَ حُبّي أيقظَ الكونَ عزفُهُ

هنالكَ قلبي: جَنَّةٌ وغرامُ

*

هنالكَ نخلٌ نرجسيٌ اذا بدا

يعاينُ ظلُّ الماءِ، كيف يُلامُ ؟!

*

أفِقْ لا تُبددْ نشوةً اثرَ نشوةٍ

أنا كلُّ ما يُعطي الكرامَ كرامُ

*

تعالَ ولا تصخبْ معَ الناسِ هوَّموا

فعنديَ في الصحوِ الجميلِ هيامُ

*

لديَّ دروبٌ سوفَ تدري بِسحرِها

فآفاقُها بَعدَ المرامِ مرامُ

*

وأفعالُّ كلِّ العاشقينَ جِنانُها

وأقوالُ كلِّ العاذلينَ كلامُ

***

شعر: كريم الأسدي

.........................

ملاحظة: زمان ومكان كتابة هذه القصيدة في يوم السادس من أيلول 2024، العراق.

 

لم يغادر غرفة نومي عطرُ جسدكِ ولا رائحةُ البارود . كأنّ الحبَّ حين مرَّ من هنا ترك نصفهُ وسادَةً من دفءٍ، ونصفهُ الآخرَ سحابةً سوداء تتدلّى من سقف الروح.

*

أمشي في الغرفة فتتبعني خطايَ بين نقيضين: ندىً كان يقطر من أطراف أصابعك، ودخانٍ كان يتصاعد من الجهات الأربع حيثُ كانت الأرضُ تختبر قسوتها علينا.

*

لا شيء يُدفن بين ركام الذاكرة. الحروبُ لا تموت، إنها تغيّر أسماءها فقط، وتقيمُ فينا مثلَ وشمٍ خفيّ لا يراهُ العابرون لكنّه يشتعل كلما أغمضنا أعيننا.

*

كنتِ أنتِ المعجزةَ الصغيرة في زمنٍ يتقنُ صناعة المقابر. كنتِ الكوكبَ الذي نجا من اصطدامٍ وشيكٍ بمجرةٍ من الكراهية.

*

وحين كانت السماءُ تُطلق رصاصها على مدنٍ مذعورة، كنتِ تطلقين في صدري رصاصةً أخرى— قبلةً لا تُميت، بل تعيد ترتيب الفوضى، وتجبرُ شظايا القلب على الاصطفاف كجنودٍ يؤدّون تحيةَ الحياة.

*

قبلةٌ واحدة كانت كافية لإعادة تشكيل الكون: تزيحُ الغبارَ عن وجه الشمس، تعلّقُ قمراً جديداً فوق جبهتي، وتفتحُ في خاصرتي نافذةً للريح كي تدخلَ أغاني الطفولة من دون أن تخاف.

*

في تلك القبلة انحنتِ المجرّاتُ قليلاً، واعتذرتِ الأرضُ عن كلّ ما اقترفتهُ من نزف، وتعلّم الجسدُ أن يكون وطناً لا ساحةَ قتال.

*

ما زال عطركِ يتمرّد على قوانين الفناء، يرفض أن يهاجر مع الطلقات الأخيرة، يصرُّ أن يبقى كوصيّةِ نورٍ في غرفةٍ ضيّقة تتّسعُ فجأةً لكلّ هذا العالم.

*

لا شيء يُدفن هنا. حتى الخرابُ يحلمُ أن يصيرَ شجرةً، وحتى الذاكرةُ تتواطأ مع الحبّ كي تنبتَ من بين الأنقاض زهرةٌ اسمُها أنتِ.

*

فإذا ما عاد الليلُ بمعاطفه الثقيلة وأراد أن يختبر صبري، أكتفي بأن أتذكّر: قبلةً واحدة كانت أقوى من حربٍ طاعنة، وأصدقَ من كلّ البيانات، وأطهرَ من رائحة البارود.

*

قبلةٌ أعادتني إلى نفسي، وأعادت العالم إلى قلبه.

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

 

هَبْكَ سليْمانَ

وتَجري بين كفّيْكَ الْعواصِفُ

ومنطقُ الطّيورِ قد شَرِبْتَهُ

وأنتَ بِلَظاهُ تبْتهي.

هبْكَ سُلَيْمانَ

تُصفِّقُ الطّيورُ بين كفَّيْكَ وتَجْؤُمُ،

وذاك الْهُدْهُدُ الْباشِقُ عيْنُكَ

ويأتيكَ بما تَهْوَى وتَرْتَضِي.

هَبْكَ سليْمانَ

وهذي الْأرضُ أنفاسُكَ تُحْيِيها

فتُسُلِمُ،

وفي فَكَّيْكَ

مِفتاحُ سِلالِها وأكوَامُ غِراسِها.

هَبْكَ سُلَيْمانَ

وللنَّمْلِ تَهَيُّبٌ منكَ

وخَشْيَةُ هَلاكٍ بمرورك بوَادِيهِ ،

ومنكَ يَخْشَى.

هَبْكَ سُلَيْمانَ

ومُلْكٌ بين كفَّيْكَ وُهِبْتَهُ

وما غيْرُكَ حازهُ…

فهَلْ تُرى تَأْتِيكَ بَلْقِيسُ

وتُسْلِمُ وتَنْحني؟؟؟

*

كمْ مِنْ غُبارِ الذّكْرَياتِ نَشَقَتْ بَلْقيسُ

في الْكُدَى؟

وكمْ مِنَ الْغاباتِ

عَنْ بَلْقيسَ شَحَّتْ بِظِلالِها؟

وما شَكَتْ بَلْقِيسُ

مِنْ هَسْهَسَةِ الظّلامِ أوْ رَوْعِ اللَّظَى،

ولا هَوَتْ مِنْ سَغَبٍ أوْ وَجَعِ الْجَوَى.

*

بَلْقيسُ ترنيمةُ يَعْقُوبَ

وكَفُّ الْوَرْدِ والنَّدَى.

بَلْقيسُ لا تَهَبُ للرِّيحِ وُرُودَها،

ولا تُهْدِي إلى اللَّيْلِ شُعُورَها.

بَلقيسُ ما أَصْدَتْ

لِقَهْرِ الرِّيحِ أوْ هَوْلِ الرَّدَى،

وإنَّما " بْرُوتُسْ" سَقَاها بِيَدَيْهِ

رَشْفَةَ الْقِلَى .

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي- تونس

 

(إلى صديقي الناقد الكبير الدكتور صالح الرزوق)

غالب الأحيان لا أتذكّر أحلامي، إذ سرعان ما تتلاشى حالما أستيقظ من النوم. غير أنّي تذكّرت هذا الصّباح حلم الليلة البارحة قبل أن يتلاشى. كان واضحا بكلّ تفاصيله الدّقيقة. رأيت أنّي خرجت للتسوق من السوبر ماركت القريب Sainsbury’s

فوجدت الساحة الواسعة التي تقابل الواجهة وموقف السيارات مكتظة بالزبائن، ولاح لي حرس ينتشرون عند المدخل يهشّون الزبائن ويمنعونهم من الدّخول.

(مغلق) هكذا أشارات لافتة كبيرة فوق البوابة.

سألت سيدة تتكئ بذراعها اليمين على عربة التسوّق، فظنتني أتحرّش. راودتني الشّجاعة فاخترقت الصفوف لأواجه أحد الحراس عند المدخل فهزّ كتفيه ساخرا. وخلال لحظات قدمت سيدة من بين الحشد الصامت، وانهالت عليّ بلهجة مهتاجة:

السبب منكم أنتم الأجانب أتتم تقولون سَايِنْسْ بَرِي ونحن نقول سَيْنْس بُرِي ليست هناك من حجة بعد الآن.

هكذا تذكّرت في الصباح الحلم الصامت الصاخب الذي تلاشى من دون زعيق. مع ذلك بقي في نفسي شئ ما، في قناعتي أّنّ السوبر ماركت مغلق، فخرجت من دون أن أتنعم بقهوة الصباح.

انجلت الأمور لعيني حين وصلت وعددته واحدا من الأحلام المخادعة التي تجعلنا نصدّقها حين نستيقظ، دخلت ورحت أتجوّل بين الممرات ذات الأرفف المليئة بالبضائع، ولم تمرّ سوى بضع دقائق حتّى رنّ جرس الإنذار، فاندفعت إلى المدخل لأعرف ماذا يجري فقد يكون هناك حريق فوقع بصري على الحراس وهم يمنعوننا من الخروج، وكان هناك حارسان يمسكان برجل ذي لحية كثيفة يرتدي زيّا غريبا يدلّ على أنّه من العبثيين ومعه أكثر من زجاجة ويسكي. قال الحارس بلطف:

معذرة . زلن تخرجوا حتّى يأتي البوليس ويفتشه فلعله سرق من بعض الزبائن محفظة أوشيئا ما.

وقفت مع الآخرين أنتظر قدوم الشرطة، وذهني يقلّب حلم البارحة الذي وجدتني فيه ممنوعا أنا والآخرين في الساحة الواسعة المفتوحة واللحظة الراهنة وأنا في المحلّ المغلق. . . هل تقودنا الأحلام على الرغم منّا إلى واقع تافه؟

***

قصة لمحة

قصي الشيخ عسكر

أرغفةٌ حائِرةٌ أضاعَت النَّار

كلماتٌ تغرقُ في حِبرِها

هرمَّت الشوارع

تاهَ الوَردُ...عن نــــــــداه

في خُطوطِ الذَّاكرة

أميالٌ حلم

تنبت على ضفتيك

وبيني وبينَك

قوس قُزَح

وصفصافة حنين

**

شفتاي نايات ايلول

تغفو في عيني عصفور

تنتظر المطـر

ورَوحِي تَجثو

على أنفاسِكَ المُتعَبة

تُبَلِل رِيقَك

تُراقِبُك

كيفَ تلمِسُ طرفَ المَوت

وتُحيكُهُ يَاسَمينَاً أبَدِيا

**

اختبئُ بينَ

آهاتِ الرَّحيل

وغَفوَةِ الريـح

غداً يزهِرُ اللَّيلُ

وقـد يأتي بِعاصِفَة

بعدَ السَّيل

تُرى.. ما لونُ عَينَيك!

***

سلوى فرح - كندا