نصوص أدبية

نصوص أدبية

أسَرتْ دُنيا منهمُ الأنفاسا

فاستحالوا لدارِها حُرّاسا

*

والأشدُّ حرصًا عليها يُرقّى

كيْ يصيرَ في دارِها كنّاسا

*

كيْ يرىْ مثلما رأَوْا أنّهُ بالْ

كنْسِ قد فاقَ الجِنّةَ والنّاسا

*

فيجوبُ البلادَ طولًا وعرضًا

كيْ يُقيمَ الأفراحَ والأعْراسا

*

فترىْ في أعراسِهِ الشّيخَ والرّقْــ

ــقاصَ والقاضيْ وابنَهُ والرّاسا

*

والوزيرَ واللصَّ والقسَّ والقصْـــ

ـــصاصَ والمُفتيْ وابنةَ من ساسا

*

آهِ لو أنّ عاقلًا ما يراهُ

وهْوَ يَنزو من حولِها نسْناسا

*

فإذا ما أوفىْ ترقّى ليُمسي

حينَ تَلْظَىْ لمائِها لحّاسا

*

كلبٌ ابنُ كلبٍ فلا يكتفيْ

حتّى يصيرَ في أهلِها دسّاسا

*

خنزوانٌ لا يرتويْ أبدا

حتّى يبيتَ في قصرِها خنّاسا

*

بطلٌ من أبطالِكمْ ما نظرتمْ

تحتكُم منْ روسٍ عليها داسا

*

فانْظروا فوقَكم تروا تلالًا

وتروهُ لرأسِهِ نكّاسا

*

بطلٌ إن تزوّجت أمُّهُ جا

ءوهُ من كلِّ جانبٍ أجْناسا

*

إنْ قضىْ أعلَنوا الزمانَ حدادًا

وأقامُوا الصّلاةَ والقُدّاسا

*

هلْ عرفتمُ الآنَ كيف بلادُ ال

عُرْبِ أمستْ تُخلّفُ الأنجاسا؟

*

هلْ عرفتمُ الآنَ كيف يبيعُ ال

دارَ دونٌ بصمتِكمْ قد راسا ؟!

*

هلْ عرفتمُ الآن كيف برغمِ ال

نفطِ والغازِ أعلنوا الإفلاسا؟!

*

أمّ حسبتم أنّ القريضَ هذاءٌ

ما تعدّى في أصلهِ الوسواسا!

*

وعلينا تحكيمُ جهلٍ به كفرًا

نعَتُّمُ العقلَ والإحساسا

***

أسامة محمد صالح زامل

 

وَمِـنْ نَـبْحِ الْـكِلَابِ قَدِ اعْتَقَدْنَا

بِـمَنْ أَخْفَى النِّبَاحَ غَدَا صَدِيقًا

*

وَمَـا كَـانَ السُّكُوتُ صَفَاءَ طَبْعٍ

وَلَــكِـنْ كَـــانَ مِـيـزَانًـا دَقِـيـقًا

*

فَـمَا طِـيبُ الْكَلَامِ سِوَى قِنَاعٍ

وَمَـا كَـانَ الْـوِدَادُ سِـوَى بَـرِيقًا

*

فَـلَـوْ أَعْـطَـوْهُ مَـا يَـصْبُو وَيَـرْنُو

لَـمَـا اتَّـخَذَ الْـخِدَاعَ لَـهُ طَـرِيقًا

*

وَلَـكِنْ لَـمْ يَـجِدْ عَـظْمًا شَـهِيًّا

فَـأَلْـبَـسَ صَـمْـتَـهُ ثَـوْبًـا أَنِـيـقًا

*

إِذَا مَـا دِيـسَ مِـنْهُ الـذَّيْلُ يَوْمًا

تَـــرَاهُ يَــمْـلَأُ الـدُّنْـيَـا زَعِـيـقًـا

*

سَحَابُ الصَّيْفِ لَا يَحْوِي هَتُونًا

فَـلَمْ يُـغْرِقْ وَلَمْ يُطْفِئْ حَرِيقًا

*

وَلَـيْسَ الذِّئْبُ يُنْجِبُ غَيْرَ ذِئْبٍ

حَـــرِيٌّ بِـالْـمُـغَفَّلِ أَنْ يُـفِـيـقَا

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

نِداءُ الذكرياتِ، له شروقٌ

وطِيبُ النبعِ، يَرْفدُه النقاءُ

*

وللذِكْرى مع التاريخ، ذِكْرى

محاسِنُها: ضِياءٌ واقتِداءُ

*

ووَجْه الصدقِ، بَدرٌ مُسْتَنيرٌ

مع الاقمار تؤنِسُه السماءُ

*

إذا استَخْبَرْتَ احداثَ الليالي

فاوثَقها، يُتَوِّجه الوَفاءُ

*

وكلُ نَبَاهةٍ، مَدعاة ُخيْرٍ

إذا حُسْنُ الظنونِ، بها انتقاءُ

*

(ومن طلبَ العُلا سَهر الليالي )

فلا مال يدوم، ولا رِداءُ

*

سطورُ الودِّ، إنْ دَوّنْتَ فيها

مَلامح َعِفّة ٍ، هُزِمَ الخَفاءُ

*

وللموهوب افْقٌ إنْ تَحَلّى

بِعَزْم ٍ، مِنْ طبيعتِه المَضاءُ

*

رويدا رُبَّ بعد الحَسْم شكٌ

يقول هناك في المغزى افتراءُ

*

فتَحليلُ الأمور، بنَهج صَبْرٍ

سلالمُ شامِخٌ فيها البناءُ

*

نَقاءُ الحُبِ، عُذْرِيٌ بنَهْجٍ:

سلالتُه الاصالةُ والعَلاءُ

*

( وما نَيلُ المَطالبِ بالتمني)

ففي الإقدام، للعَزْم احتواءُ

*

إذا كان التواضعُ، في سلوكٍ

سَنا الاخلاق، نِعمَ الاصطفاءُ

*

فإن رُمتَ الوصولَ الى المَعالي

فنهجُك في تواضعِك ارتقاءُ

***

( من الوافر)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

قالوا على الجذعِ من نخلِ

الجزيرة ِ صمغُ

تقطّر حتى خلتهُ

زانهُ اللمعُ

تراه على البعد ِالشفيفِ

ومن أتى يوزعهُ التذكار

صاغَ  له النبع ُ

له رجعُ

له سمعُ

له الذكرى وما اخفى

له إن شئتم وقعُ

كأن مسار الماء فوق جذوعها

أخاديد

دمعٍ هدها الشوقُ والصدعُ

لها صورةٌ تغري

لها دمعةٌ تجري

لها لمعةٌ تسري

لها الإعجابُ والاطراءُ والنفعُ

وأسريَ من وجدي إليكِ

كأنني

أطارد ظبيا في الفلاةِ

به صرعُ

كذلك كانت فرحتي

حين زارها

على ظمأ منها

سحاب له قرعُ!

***

عبد الهادي الشاوي

حدث هناك في ليلة عاصفة! عند الفنار الذي خفت ضوءه.. والنسوة يأخذن على عاتقهن ربط الغولة في جوف الظلام، إذْ حملن قناديل الأمل كي يضئن دروب العودة للبحارة العائدين..

في حي الصيادين الكئيب علت غمامة راحت تستمطر أسرارها الزوجات الحالمات بالدعاء.. يرسلن أطيافهن إلى البحر عبر غياهب الظلام فيخيفهن تعطل المنارة القائمة على اللسان الصخري الغائر في البحر كل حين.. يبحثن بعيونهن عن الرجال العائدين بعد أن أتعبهن الانتظار.. الضياء المنبعثة من النوافذ الواطئة خافتة.. الرياح تفزع الأشياء.. الليل حالك الظلمة.. بارد طويل.. نوافذ البيوت الطينية الحانية على بعضها مشرعة باتجاه البحر.. الأطفال تنيمهم حكايات الجدات عن الشاطر حسن الذي هزم الغولة فتٌحَوِّلُ الرجالَ إلى صيّادين لا يخافون جنيات البحر.. وأهازيج البحارة خافتة تشتتها الأمواج وتطرق سمع "يم" إله البحار الكنعاني فلا جدوى.. الحظ محبوس والفأل مرهون بمزاج يمّ ورضاه.. وزوجات يتلحفن الحنين.. والانتظار صقيع ترتجف لهوله الأوصال.

الحي الكئيب توقظه فوانيس السمّار في بيت المختار الذي لا يولم المسؤولين حتى تاهوا عنه.. تجمع السمار ومن بينهم بعض النسوة اللواتي أتعبهن الانتظار حول العرافة، صاحبة السلطة والولاية على هذا الحي النائي، وقد خضعت لأسئلتهنّ اللاهثة المتعبة.. عن مصير البحارة.

ففي ظل غياب سلطة الدولة النائية بنفسها عن ضجيج الأسئلة ووجع الرأس يتفشى الوهم كالوباء.

وها هي العرافة بعد أن تلمظت سلافة السؤال في بقايا فناجين الحيرة والانتظار.. تختم نبوءتها المحفوفة بابتسامة "يمٍّ" الكنعاني، تهمس وفي عينيها تتوسع حدقة النهار:

"عاد الصيادون بالخير.. هلموا إلى البحر يا رجال.. يا صبايا.. يا أولاد".

لكن شعلة الفنار أخذت تكذب العرافة وتلجم الأسئلة في عقول الزوجات المتعبات.. وعيون أطفالهن تبحث عن الشاطر حسن والجنيات في حكايات الجدات اللواتي داعب النوم جفونهن وتركن العتمة للصغار.

في هذا الشتاء العاصف، والبرد الزمهرير يغشى البيوت ويثير الهواجس في العقول.. يطوف حارس الفنار منادياً بين البيوت وفي يده قنديل مرتجف الذبالة، فتبدد الرياح صوته المتدحرج تحت النوافذ الموصدة بإحكام.. الرياح تفزع الأسقف والأبواب الخشبية وتثير كل ما خف حمله في الحواري والأزقة الضيقة.. وصفيرها يقلب الخوف في رؤوس زوجات ينتظرن السندباد.. يقترب الصوت أكثر كأنه قادم من قاع بئر عميقة.. فتتناغم ظلال الكواشف مع حركة القنديل الواهن.. يصرخ مستنجداً بأعلا الصوت، حتى أنهزم هديره وتملكه السعال العميق كأنه يحتضر:

" يا أهل الحي.. النجدة.. النجدة.. نضب زيت الفنار، فليأت الرجال ومعهم ما يتيسر من الديزل كي نعزز مخزون موّلد الكهرباء بالطاقة حتى تظل كشافات الفنار تضيئ طريق الصيادين في البحر.. وإلا تحطمت مراكبهم على الصخور"..

وحينما يأس من الأمر أخذته الدروب إلى اللسان الصخري، فبدا وهو يصارع الرياح كأنه هارب من الشيطان.

كان ضوء الفنار يلفظ أنفاسه الأخيرة.. رفع الحارس يديه إلى السماء المتلبدة بالغيوم، وقلبه يلهج بالدعاء.. ويبدو أن الرياح العاتية قطعت سلك الهاتف في منطقة ما فانعزل الحارس عن العالم.. وهو يعلم بأن وقت عودة الصيادين من البحر قد أزف.. والطامة الكبرى أن الأهالي لم يسمعوا نداء الإغاثة، فمخزون الديزل أوشك على النفاد فلا حول له ولا قوة.

كان الظلام في طريق عودته إلى الفنار مليء بالأشباح، فبدت كأنها دمًى تحركها الرياح المجنونة.. وبرج المنارة الحجري المخروطي يواجه العواصف وحيداً من فوق اللسان الصخري الغائر في عرض البحر والمتصل بحافة الجرف جهة البر، وها هو يبعث ببقايا الضوء من منافذه العلوية عن طريق كشافات تتزود بالكهرباء من مولد يعمل على الديزل وموجود بجوار قاعدة البرج، حيث ركنت إلى جواره براميل الديزل الاحتياطية التي دُحرج بعضُها بفعل العاصفة وسقط إحداها في الجرف السحيق. وكانت الأمواج العالية أحياناً تتكسر على قاعدة البرج، تم تنبسط طاقتها منتشرة في الجوار لتتحول إلى برك مائية وسبخات.

وقاعدة الفنار تتكون من غرفة صغيرة بمنافعها يقيم فيها حارس المنارة، وتضم نافذتين الأولى تطل على البحر المليء بالنتوءات الصخرية، تقابلها واحدة أخرى تطل على قرية الصيادين النائية التي لم تصلها الخدمات بعد.. فقد أنشأها الصيادون دون إذن رسمي من بلدية المدينة، وظلت مهملة بانتظار إخلائها بموجب قرار بلدي بذريعة أنها ملك لأحد الإقطاعيين في المدينة.. لكن الفقر وضع الأهالي على محك الاختبار.. وحارس الفنار يردد في أعماقه والخيبة تأكل رأسه:

"الإخلاء يعني موتهم.. فالصبر أجدى ولو أدى إلى كارثة"

فلا تُسمع في مثل هذه الأجواء إلا فزعة الأشياء وقرقعتها في وجه الرياح العاتية وصفير موحش يتخلل أزقة حي الصيادين.

وها هو حارس المنارة يغشى برميل الديزل ويفتح الصنبور السفلي ليعبئ بقايا الديزل حتى يملأ خزان المولد الكهربائي.. الخوف يتملكه فترتعد فرائصه.. ويتأفف غاضباً فتنتفخ أوداجه كأنه ديك رومي مفزوع.. يدرك الآن وهو يصعد الدرج اللولبي بأن الكشافات ستنطفئ تلقائياً ربما بعد ساعة أو أقل.. فتتملكه الهواجس وهو يلعن إدارة المنارات البحرية الملحقة بمؤسسة الموانئ حتى تعطل تفكيره.. فيتخيل كيف ستتحطم المراكب على الصخور.. ليتحول حي الصيادين إلى ميتم كبير.. والغربان السود تراقب المشهد وهي تقف على حوائط البيوت الطينية، والعرافة سوف ترمى بالحجارة لأنها عجزت عن التنبؤ بمصير عمالقة البحر الذين هلكوا دون أن تشعرهم بمصيرهم:

"وماذا سيكون مصيري! سيجهز الأهالي عليّ!".

وفجأة.. أخذ ضوء الفنار يزاحم العتمة بينما أصوات البحارة تقترب من الشاطئ، في حين جعلت الزوجات يطلقن الأهازيج.. الوحيد الذي كان يدرك خطورة اللحظات العصيبة، حارس الفنار الذي أخذ يستحلب آخر ما في جالون الديزل ويصب خيطاً منه في تنك الكشاف، كي يظل الضوء يتنفس فيكشف ما أمكنه من سواري المراكب التي ابتعدت عن النتوءات الصخرية؛ لتذهب بالصيادين إلى حيث تعالت الأهازيج في حي الصيادين في الجانب الآخر الذي التهمه الظلام.. وفجأة طرق الباب على حارس الفنار:

" من تراه يباغتني بهذه الزيارة في هذه اللحظات العصيبة!"

فترتعد فرائصه من شدة الخوف.. ظل الأمر كذلك حتى فتح الباب بحذر شديد، كانت ترتدي معطفاً ثقيلاً إلا أنه ميز صوتها بسهولة، كانت السيدة مها زوجة أمام المسجد الضرير، لا يدري من أي ناحية قدمت إلى هذا الحي كونها على قدر من الثقافة.. كما كان يقال عنها، وقد انتبهت إلى رواية كان يقرأها مركونة على رف الكتب المجاور للباب الخشبي، فقالت وهي تتصفح عناوين الكتب بلهفة مقموعة:

" اطمئن، لقد سمعنا نداءك".

وحينما أطل برأسه من الباب إلى حيث أشارت بيدها، استمع إلى بقية حديثها وهي تلهث من التعب:

" أنهن ثلة من النسوة يحملن صفائح معدنية معبأة بالديزل"

فزكمت أنفه الأقنى رائحة الديزل النفاذة، واستطابت روحه لموقفهن الشجاع.. وأدرك بأن الأمر أصبح آمناً مع كمية الديزل التي استلمها من زوجات الصيادين وأخذ يرتبها بجوار مولد الكهرباء.. فتساعده مها بتثبيت المحقان المعدني في فتحة الخزان فيما أخذ يصب الديزل وعينه تراقب المؤشر الأحمر بابتهاج، حتى أتم المهمة،، فيما أفرغت مها بقية الجالونات في البرميل الاحتياطي.. وودعهن وهن يغادرن المكان فيطلقن الأهازيج ليلتحقن بالأخريات حيث وقفن قريباً من البحر، ينتظرن البحارة.. وقد استوقفه سؤال السيدة مها قبل أن تلتحق بهن:

"ألم يحن وقت إطلاق صفارة الإنذار"! وترجته أن تفعل ذلك بنفسها فأتاح لها المجال حيث أشار لها إلى المفتاح الخاص بذلك.. فدوت الصافرة وقد انقبض قلبها فضحكت من هول المفاجأة وهي تخبره بأنها قرأت تلك الرواية المركونة جانباً:

"لا تستغربن! سألتحق بالجارات فها هن يندهن عليّ"

فتركها تذهب بحذر حتى لا تسقط في السبخة المجاورة.. وودع ركبهن ليعود صاعداً إلى مستقره أعلى الفنار.. ويتأمل البحر المليء بالنتوءات الصخرية.. ثم يطلق صافرات الإنذار المدوية من جديد بعد أن لمح من أفق البحر السواري وهي تلمع على ضوء الفنار:

"الحمد لله. سوف يعود الصيادون إلى مهاجعهم وفي جعبتهم حكايات عن البحر اللجي المحفوف بالألغاز".

إنه الحنين الذي كان يعيدهم دائماً إلى حي الصيادين الذي يضج بالحياة والحب رغم الفقر وتداعياته المؤلمة وغياب السلطة عن مضافات مختار الحي الذي لا يولم.. فيعد الزوجات الحالمات بما يجود به خيال العرافة صاحبة السلطة والولاية .

***

قصة قصيرة

بقلم بكر السباتين

 

لم أعد أكتب

ظنّا منّي أنّ الحياة تقاس باللّحظات لا بالحبر

وأنّ الكلمات تموت مهما كان عمقها

إذا جفّت على سطح الورق قبل أن تُقرأ ممّن كُتبت إليه.

الآن يحاصرني النّسيان

وشيء من الحياد

في مواجهة قصّة لم أكتبها.

صمتَ قلمي حين لم تُعِدك الحروف

وحين لم تعد تُشبهك الكلمات.

لم أعد أقرأ

تواجهني العبارات بالفراغ

لتسقط دلالاتها في صمت لا ينتهي

والعدمية الّتي كنت أقرأ عنها

صرتُ أرتديها على ملامح شاحبة

دون أحمر شفاه

أو أيّ محاولات لتلطيف الاغتراب الّذي يسكن جلدي.

لم أعد أحزن

فكلّ شيء يمرّ بسرعة لا تضاهيها المشاعر

لا وقت للحزن

لا وقت للفرح..

وأنا لديّ الكثير لأفعله

وعليّ الاستمرار في الهرب

من الذّكريات

وإليها

من الجنون

ونحوه

وفي كلّ طريق لا أجدني في نهايته أتوقّف

لأدرك فظاعة الحياة

أو تدركني حقيقة العبث الّذي يخنق وجودي

علّني فقط أكتفي بنظرة خاطفة أودّع فيها

فقاعة خيالات الطّفولة

ثمّ أفضّها كوهمٍ صغير

ولا أعود.

***

بقلم: مريم عبد الجواد - تونس

نحنُ أبناءُ ماءٍ لم ينسَ أسماءَنا، وأبناءُ قصبٍ كان يصلّي واقفًا كي لا تنحني السماء.

*

في الأهوارِ كان الآباءُ يولدون مرّتَين: مرّةً من رحمِ أمّهاتهم، ومرّةً من صدرِ النهر.

*

هناك… حيثُ الطيورُ تعرفُ النداء قبل الصوت، وحيثُ السمكُ يحفظُ خرائطَ الحلم ولا يخونُ طريقَ العودة.

*

الحنينُ ليس بكاءً على الماضي، بل ذاكرةُ الكون حين يتذكّرُ شكله الأوّل. إنه نداءُ الطين لأقدامٍ نسيتْ كيف تمشي بلا إسفلت، ونداءُ الماء لقلوبٍ تعلّمتْ القسوة ونسيتْ السباحة.

*

نحنُ لم نغادر الأهوار حقًّا، هي التي اختبأت في دمنا، في مفرداتنا الأولى، في خوفنا من الجفاف، وفي شوقنا الغامض إلى مكانٍ لم نره… لكننا نعرفه.

*

العودةُ إلى مسقطِ الرأس ليست رحلةً في الجغرافيا، بل عبورٌ داخلي من الضجيج إلى الأصل، من الزمن إلى البراءة، من العالم إلى الجنة المفقودة.

*

هناك حيثُ القصبُ يكتبُ أسماءَنا للريح، وحيثُ الطيورُ تُكملُ ما لم يقله البشر، نستعيدُ وجوهَ آبائنا وهم يبتسمون للماء كمن يطمئنُّ إلى الخلود.

*

نعودُ لا لنستقرّ، بل لنتذكّر: أننا خُلقنا من ماءٍ يعرفنا، وأن الجنة لم تكن يومًا في السماء، بل كانت هنا… تنتظرُ أن نشتاق بما يكفي.

***

بقلم: كريم عبدالله - بغداد - العراق

 

ستٌّ مضيْنَ منَ الأحقابِ راحلتي

القلبُ والحرفُ والقرطاسُ والقلمُ

*

مشَتْ على دربِها زَهْواً بما حملَتْ

يسوقُها الكوكبُ الدُّريُّ والحُلُمُ

*

وأيُّ حُلْمٍ! فما زادَتْ نوافذُهُ

إلّا لِـتغمرَهُ الأنوارُ والحِكَمُ

**

في زاويةٍ قصيَّةٍ

منَ الوادي المُحلَّى..

بالنخلِ

والنهرينِ

أطلقَ الولدُ (غيرُ الشقيِّ)

صرختَه الأولى....

ثمَّ هَوِىَ،

وهو في ربيعِ خُطاهُ!

لكنَّهُ لم ينتهِ،

فلم يلمْهُ عاذلٌ،

ولا نازلٌ..

مِنْ أدراجِ بُرجهِ العاجِّ

باللسانِ

والعينِ المُصيبةِ

قلبَ الولدِ الطّريّ.

*

الولدُ غيرُ الشّقيّ هوَىْ

في وادي العشقِ المُقدَّسِ

(الكلمة)،

فابتعدَ عن منازل التّحريفِ،

والأسطر الصُّفرِ،

والألسنةِ السّليطةِ التي

أدمنَتْ..

أوكارَ الظّلام،

ودهاليزَ الاستراتيجيات التي..

ألقَتْ بإرثِ الحريةِ الحمراءِ

في قماماتِ نهايةِ التاريخِ،

فأغفلَتْ

وتغافلَتْ

عن دربِ التَّبانةِ

في بيادي العشاق الذين..

لم يميلوا

عن قافلةِ الصّدقِ..

أنمُلةً،

والباحثين

عن نهاية النّفقِ

في رواياتِ الأحلامِ..

المتهالكةِ...؟

***

عبد الستار نورعلي

ديسمبر 2025

اِلى أينَ متجِهٌ يا صديقي القديمْ؟!

الفضاءُ نيازكُ لاهبةٌ

والسماءُ ملاعبُ للشهبِ الحارقهْ

*

اِلى أينَ ذاهب؟!

وكيفَ ستمضي الى جَنَّةٍ في جحيمِ الملاعبْ؟!

أراكَ تُغالي كثيراً وأنتَ تجوبُ التخومْ

والسدائمُ محضُ مقابرَ موحشةٍ

*

أنتَ تحملُني يا صديقي الحميمْ

وتحملُ بيتي القديمْ

ونهري الكريمْ

وتحملُ ذاكرتي والتفاصيلَ: بستانَ نهرٍ وظلَّ نخيلْ

والجميلاتِ تحملُهنَّ القواربُ بينَ الضفافْ

وأحلامُهنَّ بدونِ ضفافْ

وهنالكَ شمسٌ تغيبُ، وبدرٌ يطلُّ، وغصنٌ يميلْ

وهنالكَ أشجارُ سدرٍ

وفي فيئِها يتمددُ فوقَ بساطٍ مِن العشبِ جمعٌ مِن الفتيةِ السابحينْ

يرجعونَ الى نهرِهمْ بينَ حينٍ وحينْ

لِتحملَهمْ موجةٌ مِن جوىً وحنينْ

فمياهُ الروافدِ هاجسُهم جَنَّةً وحياةْ

اِنَّها دجلةٌ والفراتْ

*

أنتَ تحملُ هذي النفائسُ والذكرياتْ

ولكنَّكَ الآنَ تمضي سعيداً الى موعدٍ في الجحيمْ

أيُّها الكوكبُ الغرُّ يا سامري

وصديقي الحميمْ

***

شعر: كريم الأسدي

.......................

ملاحظة: زمان ومكان كتابة هذه القصيدة: في اليوم الحادي عشر من شهر كانون الثاني 2026، في الناصرية ـ العراق

وفي جوف الليل لم تنم. فقد تأخر موعده. أستيقظ خوفها مجددا. لم تسأل كثيرا. حينها تصبح اكثر انصاتا للصمت. تحصي دقات قلبها بدل الساعات وترتل الدعاء حيث تُختبر القلوب بالصبر. لم تنتظر عودته متأخرا فحسب. بل كانت تنتظر الطمأنينة التي خرجت ذات صباح ولم تعد.

كان الغياب يطرق بابها كل صباح بهدوء يشبه الخوف. تجلس قرب النافذة، تراقب الطريق الذي حفظ خطاه. وتؤمن ان قلب الأم لا يخطئ الاتجاه. والا ستبذل جهدا ضائعا.

حين يطول الغياب مقامه، تعرف ان طريقا آخر للحب وللأمومة، طريقا تمشيه لوحدها مهما تكن وعورته وقسوته.

اليوم انقضى شهران على اجازته العسكرية الدورية وقلبها يحترق شوقا ولوعة وخوفا عليه. غدت أيامها بلا تواريخ. وكانت تعد المساءات. وتعرف ان شيئا ما انكسر في انتظام عالمها. استبد بها اضطراب شديد. أخذت تهمهم همهمة غير مفهومة. وتهمس مع نفسها ـ: ربما مرض دون علمي. أو ربما أصابه عارض سيء. لو كان أبوه حيا لبحث عنه ولما بقي صامتا كما فعلت.

أخذت تؤنب نفسها بشدة. ارتجف جسدها وكأنها شعرت ببرودة المكان لأول مرة. ولكن ما فائدة اللوم في هذا العالم القاسي.؟؟

قالوا لها: الحدود العراقية ـ الأردنية (أج ـ 3) بعيدة جدا

قالت في سرها: البعيد هو ان لا أراه. !! وان لا أتقصى حقيقة غيابه.

شدت عباءتها، وحملت اسمه فقط. وبعضا من متاع الطريق.

ـ أم كامل ـ امرأة كبيرة لكن قلبها كان يسير أمامها بخطوتين.

شعرت ان ساقيها أصابهما الوهن ولا يقويان على حملها لكن إرادتها تدفعها لمواصلة الطريق نحو ولدها. الذي مازال فتيا.

وعند الساعة الخامسة فجرا كانت تقف ـ أم كامل ـ شامخة في مرآب العاصمة بغداد قادمة من مدينتها. تتلفع بعباءتها وتعتمر برأسها (العصّابة) وتضع فوقها (الشيلة) تتقدم نحو أحد الجنود لتسأله عن السيارات المتجهة الى مقر سرية ولدها. اندهش الجندي عما تسأل عنه وأجابها. أنه ذاهب الى هناك ولكن لماذا تسألين.؟؟.

قالت: أريد الذهاب معكم.!!

ضحك الجندي ثم أخذ نفسا عميقا من سيجارته.

وقال: أ تمزحين يا أمي.؟؟ ثم تفرس في وجهها مليا عله يفهم ما تنوي فعله. وهل ما سمعه حقيقة!!

قالت: لا أمزح. ولكن ولدي تغيب عن الحضور وعزمت على السفر اليه.!! وان كانت سيارتكم لا تكفي لا مانع ان أجلس على أرضيتها.

قال: لا توجد سيارات غير هذه (الايفا) المتعبة لنا. فكيف والحال مع امرأة كبيرة مثلك. عودي لدارك.

وفقط أعطني اسمه وسأبحث عنه وأخبره بذلك.

قالت: لن أتراجع عن مهمتي.

قال: سترين الله بهذه الرحلة.!!

قالت: وأنا أريد ان أراه.!!

في الحافلة كانت الوجوه تشبه صفرة أوراق الشجر المتساقطة في فصل الخريف والطريق يشبه قلقها وارباكها وهي ممسكة بحلمها في اللقاء. وكلما اقتربت من المعسكر، شعرت ان الأرض تضيق كي تختبر شجاعتها وصبرها.

تنفخ فوق أصابعها المتجمدة لتتقي برد شباط. تنظر اليهم بين الفينة والأخرى وكأنها تستطلع كم بقي من المسافة. لكنها تجدهم منشغلين عنها وربما تدور في رؤوسهم المتعبة الف فكرة وفكرة. تفاجأهم تنهداتها لتقطع حبل أفكارهم. وهنا تترقرق دموعهم في محاجرها.

عند البوابة، لم تسأل عن القوانين. وغدت القوانين هنا تمثل لهفة أم فقط نظرت الى الجميع نظرة تائهة حيرى. وهي تبحث عنه. علها تراه بين المصطفين أمامها وهم في لحظة اندهاش وتعجب. فربما لأول مرة تحضر امرأة مسنة لهذه الصحراء القاحلة.!!

قالت بصرامة وثبات لم تتعلمهما الا من أمومتها: جئت قاصدة كرم ضيافتكم وباحثة عن ولدي الذي لم يعد.

انبهر الجميع لصلابتها وقوة عزمها. بالرغم من ضعف جسدها وارتعاش يديها وبحة صوتها / لمعاناتها / وتعبها / وعطشها /.

كان حنانها ينتشر في القاعة كرائحة الجنة ودموعها ستورق بارضهم ورودا. هكذا كان رأي أحد الضباط معلقا وهو يسرد حكايتها لزملائه الذين لم يشهدوا لقاءها مع ولدها.

قادوها الى مكان لم يكن معسكرا كما تخيلته، بل ممرا باردا ينتهي بقضبان. هناك خلف القضبان كان ولدها. وفي تلك اللحظة

لم يكن جنديا ولا سجينا بل كان طفلها المدلل. وقفت أمامه بعينين متعبتين وصمت أطول من الغياب. وفجأة وفي تلك اللحظة اشتدت العاصفة المدوية في الأفق وكأنها تنذر باقتلاع المبنى الرطب.

لم تصرخ / لم تبك / مدت يدها حتى اصطدمت بالقضبان ضربته بقوة. وكأن الحديد هو المذنب الوحيد في الحكاية.

ثم قالت بحدة انه عالم لا تخفى مرارته. عالم لا يبث الطمأنينة في الروح. عالم تحكمه قوانين صارمة. أطرق الضابط رأسه.

نهض ولدها مفزوعا يفرك عينيه. وأخذ يتساءل من هذه المرأة.؟؟

ركبتاه ترتعشان وهو حائر بين الجلوس والنهوض. اضطربت عيناه. وكاد ان يقع مغشيا عليه. لم يفهم ماذا حدث. أخذ يفرك عينيه ويتساءل: هل هذا وجه أمي؟؟. أو كنت في لحظة من حلم.

.وعند باب القاعة كان هناك حشد من الجنود وهم يراقبون الموقف بصمت وخشوع. شعر ولدها بضيق في بلعومه. انه يلهث كأنه لم يستطع ان يكبح الصدمة التي اعترت كل حواسه.

ثم قال: سامحيني. أتعبتك. قالها وهو يحملق في وجهها غير مصدق لما يراه ويسمعه. لهذا المشهد الغريب.

قالت: رؤيتك نفضت عني غبار الرحلة، حتى عاد للنفس صفاؤها ونسي الجسد وعثاء الطريق وهنا بدأ دفء الروح.

انتقلت نظراته الى جموع رفاقه وهم يمسحون رذاذ دموعهم فانفجر الفتى ببكاء ونشيج غير منقطع. وما زال المطر ينهمر بشدة غير معهودة. والريح تصفق ابوابهم الحديدية المتآكلة.

في تلك اللحظة فهم آمر الوحدة ان الشجاعة ليست بالبنادق ولا في تواجدهم على الحدود. بل في امرأة قطعت الصحراء كي لا ينام ولدها وحيدا خلف القضبان. أكثر من تلك الأيام.

عادت وهي تحمل وجعا أثقل من الرحلة وجع حال الجميع في تلك الصحراء الموحشة.

لكنها تعرف تماما ان الأم التي وصلت الى هناك لا يمكن ان تعود خاسرة بالتأكيد.

***

قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو

...................

* العصابة: قطعة من الحرير الأسود يحاك على اطرافها خيوطا تتدلى فوق جبين المرأة. ترتديها بعض النسوة المسنات.

* الشيلة: قطعة من الجرجيت الاسود توضع فوق العصّابة.

 

كلاهما ينتظر. ليس لأن الزمن بطيء، بل لأن القلب أسرع من قدرته على الاحتمال.

*

في أصابعهما ترتعش شرارةٌ خفيّة، نارٌ صغيرة تتدرّب على الاسم، وتخشى إن نُطِقَ أن يحترق العالم دفعةً واحدة.

*

هي تنتظر كرمه، كرم المعنى حين يفيض ولا يسأل. وهو ينتظر رحمتها، رحمةً تعرف أن الضعف أحيانًا هو أصدق أشكال القوّة.

*

بينهما مسافة ليست في الجغرافيا، بل في الذاكرة. حربٌ ضروس لا تُسمَع مدافعها، ولا تُرى خرائطها، لكنّها تُتقن تأجيل الخطوة الأولى.

*

كلٌّ منهما يحمل في صدره رايةً بيضاء، ويخفيها خوفًا من أن تُفهم استسلامًا، لا حبًّا.

*

الأرض تحت أقدامهما تعرف السرّ، تسمع دقّات القلبين كزلزالين صغيرين يرفضان الالتقاء، فتؤجَّل الولادة، ويؤجَّل الضوء.

*

اللغة بينهما واقفة على حافة الفم، كطائرٍ يعرف الطريق ولا يجرؤ على الطيران. الكلمات مشحونة، لكن الصمت أكثر بلاغة وأشدُّ فتكًا.

*

كلّ حربٍ كبرى بدأت هكذا: انتظارٌ طويل، خوفٌ من العطاء، وسوءُ فهمٍ يرتدي درع الكبرياء.

*

لو مدَّ أحدهما يده، لانهارت المتاريس كألعابٍ ورقيّة، ولو ابتسمتْ هي أولًا، لتذكّر هو أن الرحمة لا تهزم الكرم، بل تنقذه.

*

لكنّهما ينتظران. والكون، ذلك العجوز الحكيم، يبتسم في صمت ويؤجّل المعجزة، لأن اللقاء الذي يولد بلا شجاعة لا يستحقّ الخلود.

*

وفي لحظةٍ ما، حين تتعب الحرب من نفسها، وتنسى لماذا اشتعلت، تسقط الرعشتان معًا، كندى الفجر، ويكتشف الاثنان أن البدء لم يكن يحتاج أكثر من قلبٍ تجرّأ أن يكون أوّلًا.

***

بقلم* : كريم عبدالله

بغداد - العراق

أهدي هذه القطعة النثرية الى روح الصديق صباح النواب أخ الشاعر مظفر النواب، الذي رافقني في معظم أسفاري

 ***

من سفرٍ إلى سفرٍ، ومن رحيلٍ إلى رحيلٍ. خطواتٌ تتبعُها خطواتٌ، مدنٌ وقرى تمتدُّ امتداد َالافقِ، ومدىً يختفي في الظلام، ومدىً يتكشّفُ شيئا ً فشيئا ً مع إطلالةِ النورِ. وهذا الفتى العربيّ المولعُ بالسفرِ، يُنزلُ أمتعتهُ عن كاهلهِ، ويُلقي بجسدهِ المتعبِ على رمالِ سواحلِكَ الذهبيّة، يُغمضُ عينيهِ قليلا ً ثمَّ يفتحُها، ليتأمّلَ امواجَكَ، التي تقاذفتْها المسافاتُ من سواحلِ نخيلِ التمرِ إلى سواحلِ جوزِ الهند.

ماذا تقولُ أمواجكَ أيّها البحرُ لرمال الشواطئِ؟ وما الذي تنشدُه الرياحُ في آذانِ النخيلِ؟ ليتني استطيعُ فكَّ رموزَ لغتِكَ لأعرفَ كُنْهكَ وأسبرَ غورَ اسراركَ! فأنا لا اعرفُ عنكَ سوى أنك تُدعى بالبحرِ العربي لماذا سمّوكَ بالبحر العربي؟ لا أعلمُ.. ربّما لأنَّ الشواطئَ، التي انطلقتْ منها أمواجُكَ الأولى كانت عربيّة ً، أو ربّما لأنَّ العربَ أوّلُ منْ امتطى أمواجك َ وليكنْ مايكونُ.. المهمُّ أنَّ اسمكَ استوقفني، فأنزلتُ رحالي، وكعادة ِ العربيّ حينَ يمرُّ بطللٍ، يقفُ طويلا ً، يتأمّلُ الحجارةَ، وكأنّها قمْقم ٌ، حُبِسَتْ فيهِ أرواحُ أحبّائه ِ وخلّانهِ. ها أنا أيّها البحْرُ أمامك َ وجْه ٌيتمعّنُ، يستفهمُ، يتطلّعُ بعينينِ حائرتين إلى امتداداتِك، يرتسمُ عليه ِ ألفُ سؤالٍ وسؤال.. وأنتَ أيّها البحرُ صفحاتٌ مُلأتْ بالأسرارِ! ولكنْ كيفَ يتسنّى لي أن أقرأَ أبجديّة لمْ أتعلمْها، وأنّى لِي أنْ أنْطقَ أصواتا ً ما عرفتْها أوتارُ حنجرتي .

معذرة ً أيّها البحرُ.. لقد كانَ فضولي كبيرا ً، ولمّا تمرُّ إلّا بضْعُ ساعاتٍ على لقائنا. لكنْ هكذا هيَ عادةُ الشعراء والعشاقِ: أسئلةٌ مُلحّةٌ وفضولٌ يستحثّهُ شوقٌ.

معذرةً أيّها البحر، فصدري لمْ تبقَ فيهِ فضْلة ٌ تتّسعُ لشكوى.

آهِ لو كانَ لي مثلُ صدْرِكَ! آهِ لو منحتني بعضَ صبرِكَ!

سلاما ً أيّها البحرُ.. ولتكنْ مصافحتنا أن أنزلَ إلى مياهكَ، وأغتسلَ فيها من غبارِ السفرِ، وأنفضَ عن جسدي روائحَ الباصاتِ والقطاراتِ والعرباتِ، التي أنهكَ خيولها التعبُ. ثمَّ لتسمحْ لَي بعدَ ذلك َ أن أسْمِعكَ حَدِيثي، وأبثَكَ ما في صدري. فيا طالما قد سمعتَ أحاديثَ، وشهدتَ وقائع َ.. محِبّونَ وثّقوا عهودَ ودّهمْ على شواطئِكَ.. سوّاحٌ دفعَهُمْ الضجرُ والمللُ إليكَ، فنصبوا خيمَهم تحتَ نخيلِكَ.. غزاة ٌ شتّى عبروكَ طلبا ً للمالِ والمجدِ.. قراصنةٌ بحثوا عن ضحاياهم فوقَ أمواجِك َ..

معذرة ً أيّها البحْرُ.. لستُ من أولئكَ، الذينَ يذرعونَ شواطئكَ نهارا ً وليلا ً، يكدّرونّ مياهكَ بفضلاتِهم، ويستعلونَ على الحياةِ بأوراقِهِم النقدية. أولئك ذوو الأرواحِ القَزِمة، التي تحاولُ دونَ حياءٍ، أنْ تتعملق َ أمام َ نخيلكَ المتعالي. الطيورُ  أيّها البحرُ  تهاجرُ بعيدا ً، ثمّ تعودُ إلى أوطانِها، لكنَّ روحي طائرٌ لا كالطيورِ.. يُهاجرُ ويهاجرُ، ولا ينتهي من رحيل ٍ إلّا ليبتدأ َ رحيلا ً آخر َ.

وكما تعلو الموجة ُ الموجة َ، يستحثُّ الهاجسُ الهاجس َ، فتندفعُ الروحُ كمُهْرة ٍعربيّة ٍ، تنهبُ الآفاق َ، خيّالُها ذلكَ الشوقُ المشرئبّ دوما ً إلى اللانهاياتِ.. آهِ أيّها البحرُ.. كم هو َ مُحزنٌ أن يتمّ الفراق بينَ المُهْرة ِ والخيّال ِ. مُنْذُ زمانٍ بعيدٍ لمْ يَعُدْ الإثنانِ صديقين كما من قبلُ. فالمهْرةُ العربيّةُ لمْ تَعُدْ تنهبُ الآفاقَ، والخيّالُ اعتراهُ الوهنُ، فتركَ الميدانَ وانزوى كسيرَ الخاطر.

لحظات ويختفي كلّ شئ ٍ أيّها البحرُ، وتخلعُ الروحُ كلَّ الثياب ِ، التي ارتدتها عبر َ رحلاتها.. وأنتَ أيّها البحْرُ مرآة ٌ، أتلمسُ فيها الخطوطَ اللامرئية لذلك الجوهر، الذي غطّى عليهِ غبارُ الوقائعِ وضجيجُ الزمن ِ. آه ِ.. لو تُصغي الأمواجُ لذلكَ النداء البعيد، المنبعث ِمن اللامكانِ ومن كلِّ مكانٍ.. كم أتمنى لو تستطيعُ الرموزُ بكلِّ ما تمتلكُ من قوّةِ الإيحاءِ، أن تنقلَ ولو بعضا ً من تلك الذبذبات ِ، التي عبرتْ بوّابات الأزمنة لتتمترسَ أخيرا ً في نقطةٍ، كما يتمترسُ الحلزونُ في المحارة ِ.

آهِ منكِ أيّتُها اللغةُ.. هلْ يستطيعُ أن يتجمّعَ اللامحدودُ في المحدودِ؟

هلْ بإمكانِ جغرافيّةُ الأرضِ أن تستوعبَ جغرافيّةَ السماءِ؟ كمْ بودّي أنْ أرى الأشواقَ تنزلُ من سمائها، وتتجسّدُ لأولئك الذينَ لمْ يفقهوا فحواها.

أيّها البحرُ.. أنا الغريبُ.. غريبُ الروحِ والجسدِ. ليسَ لإبحاري نهايةٌ. أشرعتي ستظلُّ منشورةَ، وبوصلتي ستظلُّ تُشيرُ إلى لا إتّجاه..

المرافئُ تتكررُ، والوجوهُ والألوانُ تتكررُ، وفي النهايةِ سيكونُ للأشياءِ نفسُ النكْهةِ، ويعودُ المسافرُ يمسكُ بأمتعتهِ مِنْ جديدٍ، فهذا العالمُ ببلدانهِ ومدنهِ، ليسَ سوى محطاتِ انتظارٍ للمسافرِ الغريب.

***

جميل حسين الساعدي

..........................

* صورة الشاعر الساعدي مع المرحوم صباح النواب التقطت في كوبا

[مِسْبَكُ وَهْجٍ]

مَشَيْتُ، لَكِنَّ الفَرَاغَ يُطِيلُ أَوْهَامي،

وَالطَّرِيقُ يَمُدُّ ظِلًّا فَوْقَ أَسْمَائي،

تَسْقُطُ خُطَايَ كَالْكَلِمَاتِ مُنْفَلِتَةً،

تَصِيحُ فِي عَدَمٍ مُطْبِقٍ: هَلْ مِنْ مُجِيبٍ؟

لَوْ عُدْتُ، هَلْ يَبْقَى لِآثَاري عَلَى الرَّمْلِ؟

أَمْ أَنَّ رَمْلَ الْوَقْتِ مَحَا صَوْتي وَأَضْوَائي؟

أَمْشي، وَيُمْسِكُني في الصَّدْرِ كَأْسُ هَوًى،

يَسْكُبُ في دَمي الْأَبْعَادَ، أَعْمَاقَ المَجَرَّاتِ.

أُصَغِّي، فَيَرْتَلُ فِي العَدَمِ صَوْتٌ غَرِيبٌ:

ابْدَأْ مِنَ اللَّاشَيْءِ، مِنْ صَمْتٍ، وَمِنْ لَا نَبْضٍ،

فَأَمُدُّ جَيْبي، فِيهِ حَجَرٌ يَحْمِلُ اسْمًا،

كَأَنَّهُ النَّبْضُ الْأَخِيرُ لِمَنْ يُنَادِيني.

**

[رِسَالَةٌ بِلَا عُنْوَانٍ]

أَكْتُبُ – وَالدَّرْبُ لَا يَبْلُغُ قُطْرَ الْمَوْتَى –

أُخْبِرُكَ: الشَّجَرَةُ الْيَوْمَ انْطَفَأَتْ أَغْصَانًا،

وَالنَّهْرُ صَارَ تُرَابًا يَحْتَفِظُ بِالْمَاءِ،

أَمَّا صَدَاكَ، فَمَا زَالَ يُدَقُّ فِي اللَّيْلِ،

كَأَنَّكَ لَمْ تَمْضِ… بَلْ صِرْتَ صَمْتًا في صَمْتي.

كُلُّ شَيْءٍ هُنَا – وَاللَّيْلُ – رِسَالَةٌ عَذْرَاءُ،

أَطْوِي وَرَقِي، أَرْمِيهِ فِي البِئْرِ الفَاغِرَةِ،

فَيَسْقُطُ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَيَّ بِقَصِيدَتِهِ.

أَكْتُبُ: إِلَى مَنْ لَا يَقْرَأُ هَذَا الَّذِي يَجْرِي،

وَأُلَصِّقُ صَمْتًا فَوْقَ الظُّرُوفِ، وَأُلقِيهَا،

فَتَخْرُجُ الْوَرَقَةُ البَيْضَاءُ كَأَنَّهَا لَمْ تُكْتَبْ.

**

[صَمْتُ الْوَرَقِ]

يَهْبِطُ الْوَرَقُ مِنِّي، كَأَنَّهُ وَلَدُ الصَّمْتِ،

يَرْسُمُ طُرُقًا فِي الأَرْضِ، لَا أَسْمَاءَ تَعْرِفُهَا.

أَمْشِي فَوْقَ الحَرْفِ، فَيَتَكَسَّرُ صَوْتًا،

وَكُلَّمَا دَاسَتْ قَدَمِي نَبْرَةً انْطَفَأَتْ،

فَأُدْرِكُ أَنِّي لَا أَمْشِي، بَلْ أَتَهَاوَى،

فِي بِئْرِ وَرَقٍ لَا قَاعَ لَهُ… وَلَا عُنْوَانَ.

**

[نَبْضُ الْعَدَمِ]

أَسْمَعُ نَبْضَ الْعَدَمِ الرَّاحِلَ في عِرْقي،

يَهْتِفُ: سَأَحْمِلُكَ إِلَى عَالَمٍ لَا حَدَّ لَهُ.

فَأَسْتَسْلِمُ، كَوَرَقٍ يَحْتَرِقُ في صَمْتٍ،

وَأَرَى اسْمَكَ يَطْلُعُ في الرَّمَادِ نَجْمًا.

أُمُدُّ يَدِي… فَتَنَامُ فِي خَوْفٍ، ثُمَّ تَسْقُطُ،

فَأَعْلَمُ أَنِّي بَلَغْتُ الصَّمْتَ الَّذي لَا يَنْتَهِي.

**

[العَوْدَةُ إِلَى اللَّاشَيْءِ]

أَعُودُ إِلَى اللَّاشَيْءِ، وَالوَقْتُ يَجْلِسُ فِي صَدْرِي،

وَأَضَعُ خُطَايَ عَلَى أَثَرِي القَدِيمِ فَأَعْرِفُنِي.

أُنَادِي: أَنَا هُنَا – فَيَرْتَدُّ صَدَايَ: هُنَا أَنْتَ،

فَأَعْلَمُ أَنَّ الفَرَاغَ لَيْسَ عَدَمًا، بَلْ مِرْآةً

تَعْكِسُنِي إِلَيَّ… حَتَّى أَصِيرَ اسْمًا يَنْطِقُ اسْمِي

دُونَ أَحَدٍ… دُونَ أَحَدٍ… دُونَ أَحَدٍ…

**

كُودَا

[نُقْطَةُ الضَّوْءِ الأَخِيرَةِ]

هُنَاكَ – فِي وَهْدِ الفَرَاغِ –

يَرْسُمُنِي الصَّمْتُ خَطًّا مِنْ ضَوْءٍ،

وَيَرْفَعُنِي لِمَا بَيْنَ الحَرْفِ وَالرَّمَادِ.

كُلَّمَا سَقَطْتُ، تَرْفَعُنِي الكَلِمَةُ كَنَجْمٍ يَتَجَدَّدُ،

وَكُلَّمَا عُدْتُ، أَجِدُنِي أَبْدَأُ مِنْ جَدِيدٍ…

كَمَنْ يَكْتُبُ اسْمَهُ دَاخِلَ نُقْطَةِ ضَوْءٍ، ثُمَّ يَمْضِي.

هُنَاكَ – فِي وَجْدِ الفَرَاغِ –

يَهْجُرُنِي الصَّبْرُ خَصًّا مِنْ نَوْءٍ،

وَيَهْدِرُنِي لِمَا بَيْنَ الحَتْفِ وَالزَّمَانِ.

***

د. سعد غلام

......................

حاشية

القصيدة منظومة على تفعيلة "متفاعلن" من بحر الكامل، مع انزياحات إيقاعية مقصودة تُجسِّد التعثّر والانفصال.

لا يُعدّ الخلل الظاهر في بعض التباعدات خروجًا عن النظام، بل أداءً شعريًا يُوحِّد الصوت والمعنى؛

فالكلمة التي: تسقط،

والنبض الذي: يتوقّف،

والصمت الذي: يكتب،

 تُترجَم إيقاعيًا: بالحذف أو الزيادة.

 تُقترح قراءة القصيدة بصوتٍ مرتفع لإحسان سماع تحوّل الإيقاع من الثبات، إلى السقوط، ثم إلى استنهاضٍ جديد.

أصُرتِ أنتِ بهذا الحرف

أكتبكِ ترنيمةَ عيد للميلاد

مذ عجزتُ أن أخبركِ ذاتَ صباح

إني زرعتكِ وردةً على جرفِ النهر

نسمةُ فرح باردة في لبِّ القبضِ

دفء ما عزَّ الدفء

رحتُ أحلمُ فيكِ غصنَ زيتون

وتأويلةَ سِلم باذخ

املٌ يزرع نبتةُ في كلِّ أثرٍ لميقاتكِ

صورُ إبداع

ضحكةُ طفل

وزقزقةُ عصافيرٌ الصبحِ

عبقٌ لغيثِ اوّلِ هطولهِ

ومعجزةٌ

قصةٌ تروي تفاصيلَ ..

قلبٍ عاشق

***

كامل فرحان حسوني

أصبحت أكتب على سطح الحياة والورق بنفس الأحرف.. وكأنني اتنقل بين قطارين، وبهويتين، وأقطع الحدود بين دولتين ووردتين على حافة السطر بمحبرة قلم لا بجواز سفر...

بعدك أشعر بأنني أطفو بأجزائي المبعثرة على الحياة كما الورق ...، وأعيد كل مرة تلك اللحظات التي كانت بمثابة أوقات فارغة من الدهشة ..

لم أشكو من التعب يوماً حين كان يغزو جلدي. ذاك التعب الذي يتسلق حدود الذاكرة حتى أخمص الورق إلا حين غادرتنا في ذاك الصباح الرمادي البارد....

حاولت لأجلك أن أرفع نبرة صوت الأبجدية وأنا أتحدث مع كل تلك الوجوه التي توافدت علينا ونحن نضرم الوقت على موقد غيابك، وكأننا نغزل للحداد أثوابا بلون وقارك ...

كل شيء حولي أصبح يطفو بترف الخسارات الباهضة كأن الحياة خلعت عن وجهها أقنعتها التنكرية حين كانت اللحظة الخاطفة ترزح تحت وطأة الفاجعة الضبابية .

كل هذا النزيف الحبري الذي أكتبه اليوم هو إمتداد لتلك الإرتدادات التي إعقبت إنحباس صوتك الذي حفظ عن ظهر غيب في زوايا مختلفة..

أرواحنا حين تصطدم بمطبات الحياة القاسية تصبح كالخشب اليابس الملقى في غياهب البرد القارس..

***

مريم الشكيلية / سلطنة عمان.....

إحتمالٌ، أنْ

يكونَ العالمُ

مسودةً أُهمِلَتْ

على طاولةِ الغيب،

وأننا

هوامشُها المرتعشة

نحاولُ إقناعَ المعنى

بالبقاء.

*

إحتمالٌ، أنْ

تستيقظَ الأشياءُ قبلنا،

أنْ تفهمَ الكراسي

ثِقَلَ الانتظار،

وأنْ تحفظَ الجدرانُ

أسماءَ الذين مرّوا

ولم يعودوا.

*

إحتمالٌ، أنْ

يكونَ القلبُ

خطأً جميلاً في الحساب،

وأنَّ الخسارة

طريقةٌ أخرى

لترتيبِ الروح.

*

إحتمالٌ، أنْ

نكونَ قد عشنا

حياةً ناقصةَ الضوء،

فاستعارَ الحلمُ

صوتَهُ من الظلال،

وصارَ الرجاءُ

أثرَ قدمٍ

على ماء.

*

إحتمالٌ، أنْ

الطريقَ لا يقودُ إلى مكان،

بل يعلّمُنا

كيف نمشي

خفيفين

فوق هشاشتنا.

*

إحتمالٌ، أنْ

يكونَ اللهُ

قريبًا

إلى حدِّ الصمت،

وأنَّ الدعاءَ

ليسَ طلبًا

بل إصغاءً طويلًا

لما لا يُقال.

*

إحتمالٌ،

أنْ لا نصلَ أبدًا،

لكننا،

في هذا العبورِ المؤجَّل،

نصيرُ

أكثرَ إنسانية،

وأقلَّ يقينًا،

وأشدَّ

شبهًا

بالسؤال.

***

مجيدة محمدي

كثيرًا ما أبصرتُ نهايتي تقترب مني بسرعة خاطفة، حتى أكاد أتيقن أني لن أعيش الغد الذي صار جِد مُكرر بكل تفاصيله التي تشبه ترنُحي الراكض بين لهيب النيران في جَبهات شهدتْ موت الكثيرين بينما تركتْني حيًا، وكأني لا أستحق أن أنزف حتى الرَمق الأخير فوق الأرض المُتصارع عليها لسنوات ولا كنية شهيد كي تطغى هالتها المهيبة على كل ما اقترفتُ في حياتي من خطايا، فلا يُذكر شيء عني سوى أن الشاب المُتوفى مات دفاعًا عن حياض الوطن الغالي.

كم تعجبني وتغريني إلى حد الآن مثل هذه المُفردات الحَماسية، رغم أننا لا نفهم لها معنى محددًا في أغلب الأحيان، خاصة بعد عمرٍ من الاغتراب، أشعر أني بدأته من قبل تركي البلاد بكثير، وربما من قبل أن تنتهي سنوات الحرب الطويلة أيضًا.

وهكذا مضيتُ وسط ضياع، فقدت في خضم توَهانه نفسي قبل أي شيء آخر، حتى صرتُ ذلك الشخص المُقزِز الذي نقمتْ عليه هديل ولعنته مجددًا، بعد أن تهاوت بين ذراعيّ مثل أيام عشقنا الأولى بعد الزواج، وكأن مراوغة السنين تخشى أن تنال من سِحر جسدها الجميل وملامح وجهها الذي يشدُ الانتباه أولما تراه، وتلك النظرات التي تشعرك أنك مُميز لديها من بين كل الرجال المقَريبن منها، من الأقارب والأصدقاء وزملاء الجامعة.

عرفتُ كيف أتخطى كل من يحاول جذبها نحوه، فانساقت نحوي، كما لو أنها كانت تبحث عني دون أي رجل آخر، رغم أني أكبرُها بنحو عشرة أعوام، ورغم عدم امتلاكي ما يمكن أن يغري فتاة في مثل فتنتها ومستواها الاجتماعي، وما لوالدها من ثروة تواصلُ التضخم حربًا إثر أخرى، والثراء ليس مالًا فحسب، إنما عالم كامل أردتُ الاحتماء به من انهيار دنيايَ، فاستطعتُ على الأقل تأجيل بيع بيت والدي لبعض الوقت، وأيضًا اصطياد مبلغ من المال استطعتُ أن أحجبه في خلسة عن العيون، وقد أفادني في ذلك اعتقال صاحب السَطوة وارتباك شقيقيها تحت وطأة الخوف التي سرت في حياة العائلة.

لكني أيضًا لم أطمع بالكثير، وإلا لتصرفتُ معكِ بشيطانية حقيرة من أجل تجريدك من كل شيء، حتى مَساغك الذي كان يمكن أن يكون رأسمال حياة ترفرف بعيدًا عن أي ضائقة تتسلل إلى حياتي بعد ذلك، وإن كان داء القمار المَلعون الذي تلَبسَني لا يرتوي إسرافه أبدًا مهما تدفقتْ من أموال، سواء كانت من ضمن ثروات شخصية أم من أموال الشعب المنهوبة، حطَ بعضها على أكثر من طاولة قمار أمام عينيّ فلم أُصدِق ما تدخرُه بلادي من خَيرات رغم كل ما تناوبته من محَن وبلايا على مدى عقود.

لو أني لم أغادر ترابها الذي تشرَب دماء الكثيرين منا لدى كل حرب، لربما وجدت طاولات أكثر ثراءً ألعب عليها، وربما أيضًا يحالفُني الحظ فأصير سَيد الموائد الخضراء في عموم المنطقة (الخضراء) أيضًا.

ثرثرة وسَفسطة هَذيان لا وقت لها إلا مع هذا الكأس الذي لا يفرغ حتى أملأه من جديد، وأنا أجلس في ذات الحانة التي اعتادت إيواء ضياعي منذ فترة إقامتى الأولى في سوح هذه المدينة الغريبة والمألوفة لديّ إلى حدٍ كبير، كأني ولدت وأمضيتُ كل حياتي هنا، وكل ما مررتُ به من قبل كان مَحض وهم أو سَرد حكايات شخص آخر أعرفه عن كثب ولا يريد طيفه مفارقتي لحظةً واحدة، رغم رغبتي الجامحة بالتنكر له في أحيانٍ كثيرة، إسقاطه من ذاكرتي تمامًا، كأنه لم يكن موجودا، لعلّي أتحمس لبداية جديدة تنتشلني مما أنا فيه من استنزاف مستمر ظننتُ أنه قد يتوقف، أو ربما أملتُ هذا، عندمَا رأيتها أمامي في دنيانا الجديدة التي اخترناها بمَحض إرادتنا هذه المرة، إلا أن كل شيء ظلَ على حاله، بالنسبة لي على الأقل، مع تراكض السنوات حتى أدركني المَشيب وسكنت وجهي تجاعيد العمر وطيلة السهر على موائد القمار، بالإضافة إلى كؤوس الخمر التي تزيدُ معدتي حُرقة مما اضطرَني إلى دخول المستشفى أكثر من مرة، إلا أني كنتُ أغادر من قبل أن يُسمح لي، دون الإصغاء إلى أيٍ من تعليمات الأطباء وتحذيرهم بأني أقترب من حافة الموت في خطىً مُتسارعة، كما لو كنت في نهاية خريف العمر وكل ما يمكن أن أعيشه بعد ذلك سوف يكون بمثابة ضربة حَظ، مثل حظ المُقامر السعيد الذي قد يدركُه أخيرًا وقد بلغَ الدَرَك الأسفل من الخسارة ولم يتبقَ لديه من فرصة غير ورقة إنقاذ لها القدرة على تغيير الوضع تمامًا، من موتٍ محقَق إلى حياة أخرى أستنشقُ نسماتها مثل الوليد.

ذلك ما أردتُه منها بالتحديد، أن تكون ورقتي الرابحة، فرصتي الأخيرة للنجاة، لكن ليس كما ظنتْ، أني أود استغلالها ثانيةً، استنزاف أموالها من جديد كي أُسدِد ديون القمار المستمرة في تجدد دائم مع دفق أيامي الماضية دون هدف ولا وجهة محددة، كما هي عادتها دومًا، ثم أهملُها ما أن أحصل على غايتي، بلا مبالاة لِما وهبتني من حنوٍ أنثوي تلمستُ لهفته لدى عناقٍ تمنيتُ أن يطول ساعات الليل، بل كل ما تبقي لي من عمر، دون أن أرتوي من شهقاته أبدًا، لولا تلك الرنة الملعونة ونغمة التهديد المقيتة.

كل مرة تبعثُ فيّ ذات رعدة الخوف وكأني أُقبِل على تنفيذ حكم الإعدام، رغم كل محاولاتي أن أُولي ظهري للكلمات المتوَعدة، أيًا كانت، أتجاوزها بمجرد سماعها، وكأنها تخصُ شخصًا آخر، بالكاد أعرفه ليستحق أن أشفق عليه، لكن لا فائدة تُرجى من كل محاولة أُعدُ نفسي لها جيدًا من أجل التبرؤ من تعاسة الواقع بمجرد رؤيتي اسم أحد الدائنين على شاشة الهاتف، عندها تتبددُ كل مواطن القوة والتحدي التي أختزنُها داخلي، وتبقى غريزة الخوف وحدها هي المُسيطرة على كل خلجاتي، وسيلتي للبقاء على قيد الحياة طيلة سنوات مكوثي عند فوهات الموت.

أسيرُ في الظلام وأهجس أن مَلَك الموت يمضي ورائي، يتبعني مثل شبح يتخَفى في ظلمة الطرقات الموصِلة إلى الدار ضَيقة المساحة والمنعزلة عن صخب المدينة، مهَمشة ومَنسية ضمن البيوت المتلاصقة، كما لو أنها من مخَلفات قرونٍ مضت ولا يريد أحد تذكرها، حتى أن بعضها مبنية من الخشب إلى حد الآن، ويمكن لزوبعة ريح عاتية أن تُحيلها حطامًا.

كلما أدخل الحيّ أشعر أن الخطوات التي ظلت تتعقبني من شارع إلى آخر صارت أكثر اقترابًا مني، يكاد يلفعني صَهد أنفاس من تمَ إرساله في مهمة إرغامي على الدفع، أو ربما قتلي، وقد صرنا عند أطراف الطرق الخارجية التي لا تمرُ فيها دوريات الشرطة إلا قليلًا، أو بعد التبليغ عن حادث أو جريمة. قد يجدني أي شخص لا يعرف عني شيئًا جثة هامدة على جانب من الطريق، جثة غريب له ملامح شرقية لا يأبه أحد بالتعرُف على هويتها، خاصة وأني قدِمتُ إلى هذا البلد بمفردي، دون زوجة وأولاد، أو أي ارتباط يمكن أن يستمر لفترة طويلة، وقد يتم الاتصال بعد ذلك بكل رقم مَخزون في هاتفي حتى يصلُ النبأ إلى هديل ودنيا، أكثر إثنتين يمكن أن تهتما لأمري، وقد تبكيني كل منهما بحرقة كبيرة رغم كل ما تعرفه عني وتثقلُني به من تأنيب مستمر كلما التقينا، وإن كانت دنيا تختلف عن سَلاطة لسان مُطلقتي الثانية تمامًا، فهي الابنة الحَنون رغم كل شيء، لم تستطع أن تنسى اهتمامي ومحَبتي لها ولأخيها كما لو كانا ابنيّ أنا، حتى أنهما صارا يتشاجران مع والدتهما كثيرًا لإصرارهما على رؤيتي والخروج معي كي يُمضيان وقتًا طويلًا برفقتي، وكأني صديقهما الحميم الذي يكبرُهما بعدة سنوات لا أكثر، كما كانت تتذمر هند دومًا " كنتُ مسؤولة عن طفليْن، والآن ثلاثة".

حتى زواج دنيا لم أدَعه يُفلت من تدخُلي، رغم أنف أمها وخالها، بالإضافة إلى أمور كثيرة أخرى تخصها وشقيقها، فأنا الأب الذي ربَّى، رغم السخرية التي تثيرها هذه الجملة في أذن كل من يسمعها.

مسؤولية من ضمن المسؤوليات التي سرعان ما ألقيتُها عن كاهلي وفررتُ غير مُبالٍ لشيء أو لأحد، كأني أسعى إلى الانفصال عن ذاتي مرةً تلو مرة، في كل مرة أواجه عزلة وغربة من نوعٍ جديد، وفي النهاية لم أجد أمامي إلا حياة خاوية صارت تبدو مثل رجع صدى لا يلبث أن بنفذ إلى أيامي حتى ينزوي عنها سريعًا، فأبقى قابعًا في جمود يكاد يتخطف الأنفاس بخوائه من همس من يمكن أن يخاف عليّ ذات خوفه على نفسه، على وجوده واستقرار حياته، يغمرني بحبٍ يغنيني عن مراهقة لا ترضى أن تغادرني، إلا أني سوف أظل أتفلتُ من ذلك الحب، حتى إن وُجد، برد فعل شيطانٍ مارد يأبى إلا أن يتحكم بي حتى النهاية، نهاية أتغافل عن التفكير بها ما استطعت، لكنها لا تنفك عن مراودتي كل حين، أثناء الصحو، وخلال النوم أيضًا، ضمن كوابيس تعيدُني غالبًا إلى ساحة قتال تتراشق نحوها الصواريخ والقاذفات من كل صوب...

كل مرة أستيقظُ فزعًا قبل أن تتناثر أشلائي في الخلاء الفسيح، وأصوات الصراخ والعويل تواصل الزعيق في أذنيَ حتى بعد أن أفتح عينيَ وأتأكد من استلقائي فوق السرير، يعاودُني ذات السؤال المُحيِر والذي لا أظن أني سوف أحصل على إجابة مقنعة بشأنه في يومٍ من الأيام: لماذا بقيتُ على قيد الحياة ضمن من نجوا من محرقة الحرب الكبيرة بينما ظل الموت يستلب دون هوادة حياة شباب آخرين، خلَفوا وراءهم مآسي لا حصر لها، وأحلامًا مُرتسمة في ملامح سنوات لم تضئ شموسها وجوههم المتوارية تحت التراب، مع أمنيات دنيا كاملة ضاقت آفاقها في نحيب آباء وأمهات، زوجات وأبناء، وحبيبات ارتدين السواد قبل ارتداء ثوب العرس. إلى حد الآن ألتقي ببعض الأشخاص من ذلك الزمن المغترِب عن حاضرنا، فأبصر في أعينهم ذات السؤال العصيّ عن كل إجابة:

"لمَ تركتكَ أهوال الحرب على قيد الحياة، وما الذي فعلته بعمرٍ آخر وهبكَ إياه القدر بعد أن كتب لك النجاة من أهوال الجحيم؟"

***

أحمد غانم عبد الجليل - كاتب عراقي

......................

* من رواية "اللعب على طاولة النخبة" الصادرة حديثًا عن دار ميزوبوتاميا للنشر/ سوريا

حين تعبتِ السماءُ من عدّ الصواريخ، وأصابَ المجرّاتِ صداعُ الحديد، سقطتْ الحربُ من يدِ الجنرالات كلعنةٍ عمياء لا تعرفُ من تلعنُ أولًا. كانت في البدءِ نشيدًا مزوّرًا، رايةً تتعلّمُ الكذبَ بسرعة، ثمّ صارت فمًا يعضّ خرائطَ الطفولة، ويشربُ أسماءَ القرى دفعةً واحدة.

*

الأرضُ، تلك الأمُّ الكونية، لم تعدْ تفرّقُ بين خطى الجنود ونبضِ القمح، فخلطتْ الدمَ بالمطر، وأرضعتِ القبورَ من صدرها المثقوب.

*

في المدنِ التي فقدتْ ظلالها، كان الأطفالُ يخبّئون قلوبهم في جيوبِ الوقت، ويكتبون واجباتهم على ظهرِ الريح، لئلا تصادرها الدبّابات.

*

الحربُ، حين تُكثرُ من نفسها، تفقدُ ذاكرتها، تنسى لماذا بدأت، وتواصلُ القتل كعادةٍ سيّئة يتوارثها الغبار.

*

البيوتُ لم تعدْ بيوتًا، صارت أسئلةً بلا أسقف، والنوافذُ تطلّ على أعمارٍ ناقصة، والأمهاتُ يعلّقن أسماءَ أبنائهن على حبالِ الغروب كي لا يضيعوا في العتمة.

*

حتى النجومُ أخذتْ تتراجعُ قليلًا، خجلًا من سماء تتدرّبُ على الانفجار، وأرسلتْ ضوءها متأخرًا كاعتذارٍ كوني لم يصلْ في الوقت المناسب.

*

عندما تتحوّلُ الحربُ إلى لعنة، لا أحد ينتصر، السيفُ يخسرُ يده، والمنتصرُ يعودُ مهزومًا بأثقلَ من الهزيمة.

*

وحدهُ الإنسان، ذلك الكائنُ الهشّ الذي تعلّمَ المشيَ بين النيازك، يقفُ عاريًا أمام ضميره، يسألُ: هل كانت هذه الأرضُ تحتاجُ كلَّ هذا الموت لتتذكّر اسمها؟

*

وفي آخر المشهد، حين تتعبُ اللعنةُ من اللعن، تتسلّلُ بذرةُ سلامٍ من شقٍّ صغيرٍ في الجدار، تكفي… كي يتعلّمَ الكونُ من جديد كيف يُنطق كلمة: حياة.

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

 

لم ألبِّ دعوة صديقتي القديمة بوصفها احتفالاً عابراً بعيد ميلادها الخمسين، بل كأنني أستجيب لنداءٍ خافت صادر من عمق زمنٍ مشترك؛ من تلك العتبات التي نقف عندها لا لنستعيد ما كان، بل لنحدّق، بقلقٍ مكتوم، فيما آل إليه حالنا.

دخلت بيتها كما يدخل المرء ذاكرته:

بخطى مترددة، وبقلبٍ مثقل بالأسئلة أكثر مما هو مثقل بالحنين.

كان البيت مضاءً بإضاءةٍ حميمية لا تفضح التفاصيل، بل تكتفي بالإيحاء اليها.

صالون واسع تحوّل إلى ما يشبه ملتقى ثقافي مصغّر؛ وجوه متجاورة، متقابلة، لكنها متباعدة في العمق، تلتقي عند المجاملات ثم تنسحب سريعاً إلى عزلتها الأنيقة.

الضحكات خفيفة، مصقولة، تؤدَّى بمهارة، لكنها بلا دفء، كأنها جزء من بروتوكول غير مكتوب.

في الركن الأبعد من الصالة، تحلّقت مجموعة من الأسماء الأدبية التي اعتادت أن ترى نفسها مرايا لبعضها البعض.

انسحبوا من ضجيج الاحتفال، يقودهم زوجها هشام، الكاتب الذي بدا في ذروة احتفائه بذاته. كان يوزّع نسخ مجموعته القصصية الجديدة كما تُوزَّع الغنائم بعد معركةٍ رابحة. لا يقدّم كتاباً بقدر ما يعلن انتصاراً.

يده واثقة، ابتسامته مصقولة بعناية، والغلاف بين أصابعه يبدو كمرآة إضافية تعكس صورته التي لا يملّ تأملها. الكتاب يدور بين الأيدي لا ليُقرأ، بل ليشهد على حضوره، على أنه هنا، في المركز، في الضوء.

هنّأته بدوري، وتقدّمت خطوة، كأنني سأنضم إلى دائرتهم، غير أن حدساً غامضاً أوقفني عند العتبة. شيء يشبه البرودة، أو نفوراً صامتاً لا اسم له. تساءلت:

هل لأنني امرأة؟ أم لأنني خارج شلّته المحكمة؟ أم لأن حضوري لا يضيف شيئاً إلى الصورة التي يحرص على تثبيتها لنفسه؟

انسحبت بهدوء إلى ركن الصديقات، حيث الحديث أكثر عفوية وأقل ادّعاءً، لكن أذني ظلّت معلّقة هناك، كأن خيطاً غير مرئي يشدّني إلى تلك الدائرة.

كانوا يتحدّثون عن شاعرٍ عربي معاصر، اسمٌ ثقيل في تاريخ القصيدة الحديثة. غير أن هشام التقط الاسم كما يُلتقط خصم في حلبة، وراح ينهال عليه بلغةٍ قاسية، أقرب إلى التشهير منها إلى النقد.

قال ضاحكاً، ضحكة قصيرة حادّة:

"شاعر؟! أي شاعر! صور مستهلكة، لغة بلا روح، مجرّد ضجيج."

لم يسق مثالاً، لم يقتبس بيتاً، لم يشر إلى نص. بدا رأيه مكتفياً بذاته، لا يحتاج إلى شاهد.

استفزّني ذلك العنف الخالي من الحجة، ذلك التطاول الذي يتخفّى في ثوب الثقة، فقلت من مكاني، بصوتٍ حاولت أن أجعله هادئاً:

"ألا يستحق رأي كهذا شاهداً؟ نصاً واحداً على الأقل؟ نحن نتحدّث عن الشاعر ابن يوسف، عن تجربة أثّرت في أجيال كاملة."

رمقني بنظرةٍ عابرة، نظرة محايدة حدّ الإلغاء، ثم عاد إلى دائرته كأنني لم أكن. عندها أدركت أن هشام لا يناقش ليقتنع، بل ليؤكّد سيادته الرمزية.

كان كاتباً يخشى الضوء إذا سُلط على غيره، فيفضّل إطفاء المصابيح كلها.

كنت أعرف عنه أكثر مما يسمح به حضوره الواثق.

خلف تلك القشرة اللامعة، كانت سيرة متشققة.

هشام، الابن الأكبر لأبٍ غادر البيت باكراً، تاركاً زوجة وكومة أطفال دفعة واحدة في مواجهة الفقر والأسئلة. اضطر الفتى، وهو بالكاد يلامس المراهقة، إلى ترك المدرسة، ليحمل عبء الإعالة قبل أن يحمل شهادة.

لم يكن الحرمان مادياً فحسب، بل عاطفياً أيضاً:

انكسار صورة الأب، غياب السند، والشعور المبكر بأن العالم مكان لا يمكن الوثوق به.

حين انتمى لاحقاً إلى حزبٍ تقدّمي، لم يكن دخوله بوابة الأفكار بقدر ما كان بحثاً عن عائلة بديلة، عن اسمٍ يعلّقه على صدره ليغطي به هشاشته القديمة.

هناك، بين الجدران المزدحمة بالشعارات، اكتشف الكتب. لم يقرأ بدافع المتعة، بل بشراهة الجائع، كمن ينهش الورق ليعوّض حرماناً مبكّراً من مقاعد الدراسة. كانت المعرفة درعه وسيفه معاً، تعويضاً عن نقصٍ ظلّ ينهشه بصمت.

ومع الزمن، تسلّل ذلك النقص إلى نرجسيته.

صار حضوره ثقيلاً، وكلماته مدجّجة، كأن الدرع أثقل من الجسد الذي يحمله.

في المنفى أحبّ امرأةً فهمت عقدته قبل أن ترى قوته. فهمته أكثر مما يحتمل رجل اعتاد أن يكون مفهوماً على طريقته فقط. أنجبا توأمين، فسكب فيهما كل ما ادّخره من حنانٍ مؤجَّل، وترك الزوجة تتآكل بصمت على الهامش.

كان قاسياً معها، يقلّل من شأنها، يهينها، لا لشيء سوى أن نجاحها التعليمي كان مرآة صافية تفضح جرحه القديم. جرح الصبي الذي لم يُكمل تعليمه وبقي أسير عقدته.

في الندوات الثقافية، كان يمارس طقسه المفضّل:

يبدأ بالتحشيد الخفي، الهمس المسموم، وبثّ الارتباك في القاعة كما لو كان موسيقى خلفية لذاته المتضخّمة. وحين تتعثّر ثقة شاعرٍ أو ترتجف كاتبة، كان يبتسم ابتسامة المنتصر. تلك لحظته الذهبية.

في إحدى الامسيات، وبعد أن أنهت الاديبة قراءتها لمقاطع من روايتها الاخيرة، رفع يده كمن يرفع راية، ووقف بلا تمهيد. قائلا:

"ما هذا؟ قرأت كتابك، فوجدته قصصاً كانت أمّي وأمّك ترويانها على عتبة الدار. هذا ليس أدباً… ثم لا أفهم لماذا تكتبين بصيغة الغائب."

وأشار بسبابته:

"لاحظت ان ارتباكك وخوفك كان واضحا في الرواية، ولهذا تكتبين هكذا. ثم إنك تكثرين الكلام، والكاتب، في رأيي، عليه أن يصمت، ان يستمع."

أنهى كلامه وجلس، منتظراً صدى الانتصار.

بقيت الكاتبة هادئة، مبتسمة. قالت بصوتٍ ثابت:

"هذا رأيك، وأنا أحترمه، رغم أنه لا يمتّ للنقد بصلة. نحن لسنا في قاعة محاكمة ولا ساحة خصام."

وبعد أن وقّعت نسخ من روايتها، اقترب منها هشام معتذراً بهمسٍ خجول:

"آسف، لم أقصد التعرّض لشخصك".

ناولها كتابه إهداءً.

شكرته، وقدّمت له روايتها، لكنه قال بتكبّر:

"لا، لا أحتاجها."

ابتسمت هذه المرّة بسخريةٍ شفيفة، وتركت كتابه على الطاولة كما يُترك شيءٌ بلا أثر.

التفتت الى الاخرين اللذين تحلقوا حولها لتحيتها والتعرف عليها. بادلتهم التحية... ثم ودّعتهم.

وخلفها بقي هشام محاطاً بكلماته الجوفاء، وقد أدرك، متأخراً، أن نرجسيته بكل ضجيجها لم تنتزع منها حتى لحظة انكسار واحدة، وأن الصمت الذي غادرت به كان أعلى صوتاً من كل ما قاله.

**

سعاد الراعي / المانيا

حكاياتُ السّماءِ تقُصُّها الأمطارُ للبشرِ

وما همَستْ بهِ نجماتُها بالأمسِ منْ خبرِ

يُطرِّبُنا بهِ نقرًا على سقْفٍ جدا المطرِ

علىْ أوتاره عزف الهوا لحنًا من الأثرِ

وتنقشُهُ السّيولُ جَداولًا في الطّينِ والصَّخَرِ

وينقلُهُ الثّرى ثمِلًا إلى لُغةٍ منَ الصُّورِ

سيعرضُها الرّبيعُ غدًا على الأعوادِ والشّجرِ

تصدّقُها قلوبٌ في السّما دومًا على سفرِ

فمنْ شمسٍ إلى شمسٍ ومن قمرٍ إلى قمَرِ

ومن فجرٍ إلى عصْرٍ ومن غسَقٍ إلى سَحَرِ

قلوبٌ آمنت باللّهِ والآياتِ والنّذُرِ

وتنكرُها قلوبٌ تسْكنُ الصلصالَ كالحجرِ

فمن كهفٍ إلى قبوٍ ومن بدوٍ الى حَضَرِ

ومن ذنْبٍ إلى ذنبٍ ومن قصْرٍ الى سَقَرِ

قلوبٌ تُنكرُ اللهَ عيونٌ دونما بَصرِ

حكاياتٌ إذا نزلَتْ فكالقرآنِ والسُّورِ

فلا تخْلو-وإن كثُرتْ بشائرُها-من النُّذُرِ

تُطهّرُنا منَ الذّنبِ وتُؤتينا منَ العِبرِ

وتسرقُنا من الحُلْمِ الصّغيرِ ودربِه الوَعِرِ

لأحلامٍ بأيدينا مُغيَّبةٍ عنِ الفِكَرِ

وقدْ كنّا نظنُّ بأنَّها مُنَعَتْ منَ البشرِ

تُفرّحُنا وتسرقُنا لأيّامٍ منَ الضّجرِ

وتُنسينا مآسينا وصورةَ عيشِنا الكدِرِ

ولكنَّ الحياةَ وقدْ بدتْ في أقبحِ الصُّورِ

تَطايرُ فجأةً في العرْضِ مثلَ تطايُرِ الشّرَرِ

لتوقظُنا وتنصحُنا بأنْ نبقىْ علىْ حَذرِ

فإنّا لمْ نزلْ في بيْتِها المسْكوِن بالخَزَرِ

فنرجعُ مثلَ أغرابٍ على الأيّامِ والسِّيَرِ

كغرقىْ في مُحيطٍ دونما شطآن أو جُزُرِ

حكاياتٌ توالتْ خارجَ الأبعادِ والجُدُرِ

على أنّ مشاهدَها بِنا تنسابُ كالنُّهُرِ

أنفرحُ؟ أم نُعوّلُ كوْننا منْ خارجِ الصُّورِ

حكاياتٌ وأبطالٌ بلا خُسْران أو ظَفَرِ

تُنسِّينا حكاياتٍ يُصنّعُها بنو البشَرِ

سنصنعُها برحمته غدا والطينُ في الحفرِ

***

أسامة محمد صالح زامل

 

انطلق القطار في صمتِ صباحٍ باكر، فأيقظ سبات الغابات، والطرق المتثائبة، والبرك المهجورة، كأنّ الأرض نفسها تنفخ فيه الروح بخشوع. لم يكن مجرد وسيلةٍ للعبور؛ بل ذاكرةً حيّة، تحمل ما أُهمل من الأصوات، وما سقط من الحكايات على طول الطريق.

مرّ القطار بأصواتٍ لم تُكتب لها لغة، وكانت عجلاته المتسارعة تفتح صفحات كتابٍ بلا غلاف، مكتوبٍ بالندوب والدموع والانتظار الطويل. امتلأ الهواء برائحة آلاف الرحلات التي مرّت ولم تُدوَّن.

وحين عبر الغابة، خفّ صوته، كأنه ينصت إلى أنين الأشجار المقتلعة، وخشخشة الأوراق المتأرجحة في الهواء، وهي تبحث عن ذاكرةٍ لم تعد قادرة على الإمساك بها، وإلى هدير الطيور الباحثة عن مأوى أبعد من الريح.

وعلى السواحل، جمع نداء البحر همساتٍ ذبلت على الشاطئ، وصرخات نوارس تبحث عن وطنٍ لم يعد واضحًا على الخرائط.

وفي أحياء المدينة، امتصّ القطار دماءً جفّت على الحجارة، وصمت قرى هُدِمت في وضح النهار، ووقع أقدامٍ تعرف الطريق دون أن تعرف أين تتوقّف.

ارتعاش أضواء المصابيح في الصباح الباكر، وسكون مآذن صدئة لمساجد مهجورة؛ جميعها صارت جزءًا من سيمفونيةٍ صامتة. كلّ همسةٍ فيها نغمة، وكلّ ظلٍّ له قصة.

لكنّ المدينة، رغم هدوئها الظاهر، كانت ممتلئةً حتى الاختناق: همسات البيوت، ضحكات معلّقة في الهواء، حفيف الملابس على الحبال، وصوت قطارٍ آخر يختفي في الخلفية، كأنّ المدينة لا تزال تتنفّس.

مع كل محطة، صار القطار راوياً. كل نافذةٍ مرآة، وكل عربة صدرًا يتّسع لما لا يُقال. جمع خفقات قلوبٍ مجهولة، دموعًا لم تُسجَّل، وابتساماتٍ لم تلتقطها الكاميرات.

وعندما انتهت الرحلة، لم ينزل الركّاب وحدهم؛ نزل معهم عبق الحياة، وطعم ما ضاع دون وداع، وبذور أملٍ لم تُسمَّ بعد. تحوّل كل ذلك إلى أغنيةٍ واحدة، غاضبةٍ وواعدة، تتردّد بين السماء والأرض، حاملة أنين الأشجار، ودم الأزقة، وضحكات الأطفال، وبكاء العصافير في أعشاش الخوف.

كانت تلك الأغنية صوت التاريخ نفسه؛ صدى شعبٍ لم ينكسر، بل ظلّ واقفًا، يواصل رحلته رغم كل المتاهات.

أغنيةٌ تتردّدها المدينة، مبتسمةً بوجوه القادمين، ومع كل نبضةٍ ينبثق منها فجرٌ جديد.

***

قصة قصيرة

مامند محمد قادر

ما بين السبابة والإبهامْ

تتدحرج خرزات المسبحة كمثل سنين العمرْ

تتدحرج في إيقاع منتظم نحو القبرْ

والنظرة ثابتة صوب الافق المفتوح على الأحلامْ

وتمر القطة تتمطى

تهزأ من رواد الشايخانة

لا يجمعهم إلا خشب مهترئ لمقاعد نجاروها ماتوا

وعيون غارقة دون كلامْ

ما بين السبابة والإبهامْ

يخشوشن هذا الجلد وتبقى لينة خرزات المسبحة البيضاءْ

***

عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

الـحُـبُّ يَـحْكُمُنا، فـي شَـرْعِهِ نَـثِقُ

لا بُــدَّ يَـجْـمَعُنا، إِنْ شَـطَّتِ الـطُّرُقُ

*

لا حُــكْـمَ إِلَّا لِـقَـلْـبٍ فِـيـهِ مَـوْطِـنُنَا

أَجْـسَـادُنَـا افْـتَـرَقَتْ وَالــرُّوحُ تَـتَّـفِقُ

*

فَـالْـحُبُّ عَـهْـدٌ إِذَا مَـا غَـابَ صَـاحِبُهُ

تَبْقَى الْعُهُودُ، وَيَفْنَى الشَّكُّ وَالْقَلَقُ

*

نَـمْشِي وَنَـظْمَأُ فِـي صَـحْرَاءَ قَاحِلَةٍ

لَا بُـــدَّ يَــوْمًـا عَـلَـيْنَا يَـنْـزِلُ الْـغَـدَقُ

*

إِنْ غَابَ وَجْهُك عَنْ عَيْنِي فَلِي أَمَلٌ

أَنَّ الـنُّـجُـومَ بِــسِـرِّ الْــحُـبِّ تَـأْتَـلِقُ

*

مَـــا ضَــرَّ عَـاشِـقَ رُوحٍ أَنْ يُـفَـارِقَهَا

جِـسْـمٌ، إِذَا كَـانَـتِ الْأَرْوَاحُ تَـلْـتَصِقُ

*

فَـالْحُبُّ نَـارٌ إِذَا مَـا الـشَّوْقُ أَوْقَـدَهَا

لَا يُـطْفِئُ الْـجَمْرَ دَمْعٌ، حِينَ يَحْتَرِقُ

*

نَحْيَا عَلَى الْوَعْدِ، لَا نَخْشَى تَقَادُمَهُ

مَا دَامَ فِي الصَّدْرِ نَبْضٌ صَادِقٌ خَفِقُ

*

إِنْ ضَـاقَ وَقْتُ اللِّقَا، فَالصَّبْرُ يُوسِعُنَا

وَفِـي انْـتِظَارِك مَـعْنَى الصَّبْرِ يَتَّسِقُ

*

قَـدْ يُقْصِفُ الْبُعْدُ أَغْصَانَ الرَّجَاءِ، فَمَا

دَامَـتْ جُـذُورٌ ثِـقَالٌ، يَـزْدَهِي الْوَرَقُ

*

نَـغْـفُو عَـلَى حُـلْمِنَا، وَالـلَّيْلُ يَـعْرِفُنَا

فَـالشَّوْقُ مِـنْ صَـمْتِهِ فَجْرٌ سَيَنْبَثِقُ

*

لَا نَـسْـأَلُ الـدَّهْرَ عَـنْ وَعْـدٍ يُـخَالِفُنَا

فَـالْـحُبُّ فِـعْـلٌ، وَلِـلْأَفْـعَالِ نَـسْـتَبِقُ

*

إِنْ كَـانَـتِ الــرُّوحُ لِـلْأَحْـبَابِ مُـنْتَجَعًا

مِــنَ الْـمُـحَالِ لِـهَـذَا الْـحُـبِّ يَـنْزَلِقُ

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

 

يا من تُقَلِّمون ظلَّ السيّاب

بمقصّ السخرية،

وتحسبون الشعرَ أُذُنًا تُقاس،

ألا تعلمون

أن الحرفَ ولد وترعرع

في فمه؟

وأن الكلمةَ تعلّمتْ

كيف تصغي للعالم

من اتّساعِ روحه؟

"في انشودة المطر"

*

تعيبون خلقةً

نَفَخَ اللهُ فيها من سرِّه،

وتنسون أن الجمال

ليس مرآةً مصقولة،

بالطول والعرض

بل ارتجافُ المعنى

حين يمرُّ في جسد

"المومس العمياء "

*

لم يكن قوي البنية، نعم،

لكنه كان أفقًا

يتسع على غابات النخيل

وكان وجعًا

يضعُ البلادَ في كف اليتيم

*

فأيّها الواقفون على قشور الوجوه،

كيف لم تدركوا

أن الشعر لا يُقاس بالملامح،

بل بما يتركه من شقوقٍ

في صخرِ اللغة؟

وعمق المعنى ...

***

مجيدة محمدي

على عتبة العام الآتي على عجل...

لا ارسل بطاقات الحب الجاهزة

ولا أحفل بتصفيف الورود ..

على شاشة لا تحفظ عطورنا ..

لا أنزلق مع الرّمل في الساعة التّعيسة

وأنكرها العتبات....

انا حين يراودني اللّافندر في راحتيكَ..

أصعد إليه.....

فتتناسل اللحظة ..

ولها.. تسجد الأزمنة..

أفنى ..

وأٌبعث من جديد

***

حياة بن تمنصورت - تونس

 

مهرجان وضباب وأنوف تتهاوى

وينابيع عطاشى

تقتفي وجها " لِآن "،

فيه أنف وكلام

علّها اليوم تُلاقيه

فتسقيه الأماني..

تاه في الآفاق " آن"

يتسامى.. يتلهّى..

بِرُداعٍ وأنين..

بَرِقَتْ في صدره الذكرى

فأفضى يتقرّى:

جسدي!

آليْتُ ألاَّ أرْشُفَ الكأس المُحلّى

وصُروحٌ فيك تهوِي

ودموع منك تهمي

يا عصيّ

قُمْ تَدَمَّلْ فتبتَّلْ فتصلَّبْ فتجمَّلْ فتأشَّبْ..

*

يا عصيّ

لك غنّتْ كلُّ أحلامي وأوجاعي وصَبّي.

فيك ألقاني يقينا

قصةً تقرؤني حتى تراني.

فيك ألقاني زمانا للزمان.

فيك أسري.. يا عصيّ..

فأراني أتلظّى

وأراني

أهتدي فيك إلى عيني ودمع البرتقال..

أهتدي فيك إلى نبض الزياتين ونبضي..

فإذا أنت

بَراحٌ لِاغْتِماري

ومداد لجذوري..

حين تمتدّ جذوري

تمّحي كلّ الأماكن

ويُباهي جَوْشَنَ اللّيلِ نُشوري

بحُروفي..

*

يا عصيّ

هدأت في بيتنا أجنحة الموج الغيور

وهوى النّجمُ الجسورُ

فبكاه النخل صمتا فانتحابا.

يا عصيّ قد تعنّى..

ثُلِمَ البدرُ في براحك

وانبرتْ ألسنةُ الغيم تنادي:

" مسّنا الضُّرُّ أبانا.. "

صاح إنليل يواسي :

"... ولكُمْ منّي جناح فاعتلوه.. "

ورَسَتْ بارجة الْغَوْثِ تصيدُ..

*

غَجَرٌ قد حشروا في جوْشَنِ اللّيلِ كَرَاكِرْ

وعلا صوْتُهُ " آبيبُ "

بوُعودٍ

بسلامٍ

ووُرودٍ منه، سودٍ..

أمَلِي حرِّيَّةٌ حمراء، قال،

وخلاصٌ من شِدَادٍ..

ثمّ ، عذبا، ستصير يا فرات..

ولنا في نهرِها

تَيّالك الأردُنُ

روْحٌ ومَراحٌ..

ثمّ ماذا؟؟؟

يَنَعَ الْعَنْدَمُ

في روْضِ الدخان..

ونعى المهدُ وتيرا قد تشظّى..

يا عصيّ

قم تدمَّلْ فتبتّلْ فتصلَّبْ فتأشَّبْ..

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي - تونس

 

من بعيد خلف زجاج نوافذ الشرفات

تتعرى له الأشجار كغجرية

شردها الغناء والرقص

من أوراقها شوقا تتعرى له الأغصان

من فرط عشقها تتساقط في حضنه الأزهار

والشرفات والشوارع والحكايات

لعل الحياة تتدفق إليها كموج البحر

لعل الشوق يفيض على روحها

فيض ماء النهر

مطر.. مطر

يسكن العين

والفؤاد

والنافذة والذاكرة

مطر.. مطر

تتلهى به الريح من فرط الغواية

من شرفة لشرفة تمضي به شوقا

كأنه جناحي فراش قزحي

مطر.. مطر

يشرد كل شيء

أسراب الطيور المهاجرة عند المساء

عيون الغزلان الهائمة

جداول النهر الحالمة بالحكاية

عزف القيتارة على الشرفات

أنوار المصابيح المشتعلة

ما بين ظلال الأزقة القديمة

وصور الذكريات

***

عبد الرزاق اسطيطو

 

مُهداة الى صوت العدالة الإنسانية

في ذكرى مولده المبارك

***

المَجْدُ، والعِزُّ، والعَلياءُ، والشِيَمُ

في جَوْهرٍ، عجَزَتْ عن وصفِه الكلِمُ

*

لمّا العَلِيُّ قضى، أنْ يُولدَ الأمَلُ

في الكعبةِ، ازدانَتْ الأركانُ والحَرَمُ

*

وشاءَ أنْ يَصطفي للمُصطفى، عَضُداً

به المَسِيرَةُ، نِبْراسٌ ومُعتَصَمُ

*

للأفقِ إشراقةٌ، في يوم مولِدِه

ولِلكواكبِ مِنْ عَليائهِ، سَهَمُ

*

إرادةُ اللهِ، أنْ يختارَ فاطمةً

لمَنْ، لوالِدها أزْرٌ، به شَمَمُ

*

فَحاطَ بالنور نورٌ، في اقترانِهما

وبارَكَ المُصطفى، فانْهالت النِعَمُ

*

وللكراماتِ أحْداثٌ، مُؤرَّخَةٌ

وللمَواقِفِ رأيٌ، فيه تنحَسِمُ:

*

لمّا فدَيْتَ رسولَ الله، مُلتَحِفا

تصدّعَ القومُ، حتى بانَ مَكرُهُمُ

*

والشمسُ مَدّتْ سناها في تألُقِها

فانسابَ بين يديها الحِلمُ والحِكمُ

*

وَزانَها، أنّ طيْفاً من مَحاسِنِها

نظِيرُه فيك، حيث النورُ يرتسِمُ

*

مَن رامَ وَصْلَ المَعالي، صِرتَ قدْوَتَه

والشأنُ تعْلِيه أسبابٌ، لها قِدَمُ

*

خُلِقْتَ أن لا تُحابي في الخَفاء يَداً

لأن كفَّكَ في وضح النهار، فَمُ

*

للتِّبْرِ أمْنِيةٌ، في أنْ تُقَلِبَه

يَداك، حيث تَباهى السيفُ والقلمُ

*

والعَبْقريةُ، مُذ فعَّلتَها سَجَدَتْ

لله، إذ أصبحَتْ للعَدلِ، تحتَكِمُ

*

أكرَمْتَ كلَّ يدٍ، العَوْزُ ألجَأها

حتى وأنت تُصَلي، نالها الكَرَمُ

*

وفي القضاء، انحَنى كلُّ القُضاةِ لما

حَكَمْتَ فيه، فزالَ الشكُ والوَهَمُ

*

أنصفْتَ حتى عَلا، في الأفق صوتُهُمُ:

(عَدلُ عَليٍّ) صِراط ٌ، فيه نلتَزِمُ

*

حتى السِراجُ ببيت المال صار له

حديثُ حقٍ، به الأمثالُ تُختَتَمُ

*

والمَعْنَويَّةُ قد فَعَّلتَ هاجِسَها

في نَفْسِ مَن قد غزاهُ الوَهْنُ والهَرَمُ:

*

فكان عدلك، في قوْمِ المسيح له

صدىً يُعززُ في الأخلاق نهْجَهُمُ

*

لذي الفقار اقترانٌ فيك، أرَّخَهُ

ما كلُّ سيفٍ، به الأعداءُ تَنهزِمُ

*

سيفٌ، إذا كفُّك المهيوبُ أمْسَكهُ

قبل النِزالِ، يَحُلُّ اليأسُ عندهُمُ

*

به، قطعتَ جذورَ الشِركِ، مُرتَجِزاً

واستسلمَ الخَصمُ، لا سيفٌ ولا عَلمُ

*

خطىً مَشيتَ، بإيمانٍ وتضحيةٍ

فانْهارَ مِن وَقْعِها الطاغوتُ والصَّنَمُ

*

يامَن أخَفْتَ العِدا في كلِّ مَلحَمَةٍ

إذ كلما قَيل: ذا الكرّارُ، هالَهُمُ

*

إذا رجَزْتَ، فلِلأجواءِ هيْبَتُها

وللحَماسةِ، في أصدائها حِمَمُ

*

تَزلزَلَ الخَصمُ، في (بَدرٍ) وأرَّقَهُم

قبل الطِعانِ فتىً، فانهارَ عَزمُهُمُ

*

طيّبتَ نَفْسَ رسول الله، حين دعا

في (خندق) الحَسْمِ، حيثُ الحربُ تَحتدِمُ

*

زَهْوُ الرؤوس تَهاوى بعدَ مُعجِزةٍ

ب (بابِ خيبرَ) أوْدَتْ، واختفتْ قمَمُ

*

دَيْمومَةُ النصرِ، في قوْلٍ يجَسِّدُهُ

فِعلٌ، وقد فُقْتَ في التجْسيدِ خَطوَهُمُ

*

أعطيتَ دَرساً لِمَن ضَلَّ السَبيلَ، وعنْ

مَن اهتدى، زالَ عنه الوَهْمُ والعَتَمُ

*

إذا تصَعَّرَ قومٌ، في الذي كسبوا

ثمّ اقتدوا بك، زال الزّهْو والزَّعَمُ

*

تَباشَرَ الجُندُ لمّا النصرُ حالفَهم

وكَبَّروا: لا فتىً إلّاكَ، بَينَهمُ

*

ما دارَ طرْفُكَ، إلّا الحَقُ هاجِسُهُ

والحقُ صِنْوُكَ، موصولٌ به الرَحِمُ

*

ناداهُمُ المصطفى: انتَ الولِيُّ لهم

فصَوَّتَ القومُ، بالإيجاب كُلُهُمُ

*

إنّ الأناةَ ونهْجَ الحِلمِ، إنْ جُمِعَتْ

كما أشَرْتَ لها ... تعلو بها الهِمَمُ

*

والصَّمْتُ إنْ لاءَمَ الأجْواءَ، يَسْمو بها

والهَذْرُ آخِرُه ... الإحْباطُ والنَدَمُ

*

كلامُك الدُّرُ، والآفاقُ تَشهَدُه

قد حَرّكَ الوعيَ (فيمَن قلبُه شبِمُ)

*

في سِفْرِ نَهْجِك، للأجيال مَدرسَةٌ

تَبْني العُقولَ، وفيها تزدهي القِيَمُ

*

عَقلٌ بلا أدبٍ، مِثلُ الشجاع بلا

سيفٍ، وقولك هذا منه نَغْتَنِمُ

*

بلاغة القول، للفرسان موهبة

والمقتدون بهم يسمو سلوكُهُمُ

*

بَلغْتَ في صِلةِ الأرحام مَرْتَبَةً

مَن سارَ سَيْرَك، لم تَعْثرْ به قَدَمُ

*

طمْأنْتَ أنْفُسَ أيتامٍ، جَعلتَهُم

يَرَونَ فيك أباً، يجْلي هُمُومَهمُ

*

أوْصيْتَ: أنْ يَسْتَشيرَ المرءُ مَنْ وثقتْ

بهِ العُقولُ، ومَنْ بالرأي يحتَرَمُ

*

كما استَشَرْتَ عقيلاً، إذ أشارَ الى:

(أم البنين).. بِبَيت الطُهْرِ تَنْتَظِمُ

*

فكان منها ابو الفضل الذي افتَخَرَتْ

بنَهْج سَيْرِه، في تاريخها الأممُ

*

أرسى ابو الحسَنين، العِزَّ في عَمَلٍ

إذ لاتعصُّبَ، لا تَمْويه يَخْتَرِمُ

*

لاطائفيّةَ، لا تفريقَ في زمَنٍ

قد كان رأيك، فيه الحَسْمُ والحَكَمُ

*

في قولِك: الناسُ صِنفان فإما أخٌ

في الدِّينِ، أو في صفات الخَلْقِ يَتّسِمُ

*

لمّا الخِلافةُ قد حيَّتْك قلتَ لهم:

بسيرة المصطفى، الأجواءُ تنسجمُ

*

ناديتَ: انّي بجُلبابي أتيْتُكُمُ

وفيه أخرجُ، حيث الحق والنُظُمٌ

*

الحَقُّ يَعْلو، فطُوبى للذين سَعَوا

أنْ يَقْتَدوا، لِيَزولَ الظُلْمُ والظلَمُ

***

(من البسيط)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

 

هذه المرأة غلّبتني. نسّتني أنام الليل، بتّ أنام مفتّح العينين لكثرة ما شاكستني وخالفتني، حتى أنني بتّ أتوقّع المشكلة بين كلّ فتح باب وإغلاقه. على الطالع مشادّة وعلى النازل في المقابل مشادة أخرى. بالاختصار يمكنني القول أنها.. حين بداية هذه القصّة، غلبَتني مرات وبالكاد غلبتها مرة.. او نصف مرّة. بقي وضعها يجري على هذا النحو الى ان هدأت مثلَ عاصفةٍ انهت مهمتها، او افعى افرغت سُمّها في جسد غير مفتئت او معتدٍ. نعم فقد هدأت. لأجد نفسي بين الف سؤال وسؤال.. ما الذي حدث لها. في البداية جمعت بيننا المحبة وطالما كانت تتصل بي خلال عملي في المصرف، لتسال عن هذا الامر او ذاك. كانت في الواقع تبتكر الأسئلة وتفتعلها افتعالا، للاتصال. ضايقتني اتصالاتها وتسببت لي بالكثير من الاحراجات حتى ان بعض الزملاء الاشقياء باتوا يعتقدون انني امسيت ضحية امرأة عاشقة ومحبة. منوهين الى انه يوجد هناك في البنك رجل ذو عين زائغة ولحية ناعمة. لذا لم يكن امامي من مفرّ سوى ان اهتف بها وان احاسبها طالبًا منها ان تخفّف من اتصالاتها تلك. وكان ان استجابت زوجتي بصعوبة لطلب التخفيف من الاتصالات وابتدأت حالة فطام، كما خيّل لي، مُنقصةً كل يوم اتصالا إلى أن توقفت اتصالاتها نهائيا. لتبدأ بالتالي.. مرحلة أخرى في علاقتنا الزوجية. تمثلت في المشادّات اليومية المتواصلة حينا والمتقطعة في بعض الحالات.

هكذا وجدت نفسي وسط معركة لا تنتهي مع تلك الزوجة، لأفاجأ بها تنتقل الى حالة من الهدوء، فحالة من الاتهامات،.. انت رجل خائن ذو عين زائغة ولحية ناعمة، انت لا تؤتمن، وطالما استمعت الى من يتهمك من زملائك في الموظفين في البنك، هناك مَن تتصل بك يوميا. انت توقفت عن محبتك لي، لذا لن اخلّف لك الأولاد، وعندما كنت اقسم لها انني لست كما تظن وتعتقد، وأن صاحبة تلك الاتصال ما هي الا حضرتها، فقد كانت تستشيط غضبًا، وتعود الى مشادّاتها المحيّرة.. ما جعلني اشعر انني انما أعيش في مشكلة متواصلة لها بداية وليس لها نهاية. الامر الذي أدخلني في حيرة متواصلة ودفعني لأن اطلب إجازة من عملي، لقضاء وقتي بالتالي في المقاهي والمقاصف المنتشرة في طول البلد وعرضها. في تلك الفترة حدث امر آخر اثار استغرابي واستهجاني، فقد دخلت زوجتي في مرحلة أخرى من الخلافات والمشادّات، فهي ترفض ان اقترب منها كلّما حاولتا، وهي الى جانب هذا، تتبرّج وتتزين، بصورة لافتة وغير مسبوقة، وعندما سألتها عن سبب كل تلك التغيّرات والتبدّلات، والتبرجات أيضًا، نظرت الى باستهانة واستهزاء، غامزةً بعينها اليمنى، ومقترحة عليّ ان اسأل اهل المعرفة والخبرة عن السبب الذي يدفع المرأة للتبرّج والتجمّل. أما عندما سألتها لمن تتبرجين ما دمت ترفضين ان اقترب منك، فقد ردّت بأنفة وشمم قائلة: لنفسي. انا اتبرّج لنفسي. لا أحد هناك يستحق ان اتبرّج له ومن اجله. فكل الرجال خائنون. وانت اولهم.

اثارت تصرّفات زوجتي هذه العديد من التساؤلات فبتّ وكأنني أعيش في متاهة لا مخرج منها. وكان ان استمعت خلال ترددي على مقاهي البلدة ومقاصفها، الى مَن يتحدّث عن النساء في فترتنا الحالية الجارية، فترة وسائل الاتصال الاجتماعي، والهاتف الخليوي، فانت عندما تتشاجر مع زوجتك فإنها لن تجلس لتندب حظها التعس، وانما ستتوجّه الى غرفتها الخاصة وسوف تغلق عليها بابها مُحكمةً إياه بادعاء انها لا تريد ان تراك، ولتجد نفسها في داخل غرفتها بالتالي تتلقى أكثر من خمسة الاف دقّة على بابها المُغلق ذاك. المرأة يا صاحبي لم تعد تلك التي كانت في الامس. فكن يقظًا وإلا وقعت ضحية نومتك غير السعيدة.

عندما استمعت الى هذا الكلام ومثله مرة تلتها مرة و.. مرة.. كان لا بدّ من ان يلعب الفار في عبُّي، وان افكّر مجرّد تفكير، في اتخاذ خطوة ما. ويبدو انني دخلت في الأجواء المستجدة، فرحت اعود الى البيت بصورة متوقّعة حينا وغير متوقعة أحيانا. وكان لا بدّ والحالة تلك من ان وقوم بفعل ما. اخبرت زوجتي، انني سأغيب عن البيت مدة ثلاثة أيام، وقلت لها إنه بإمكانها أن ترافقني، فرفضت قائلةً لي، انها لا ترافق رجالا غرباء. وقد قضيت الليلة الأولى في بيت صديق تعرّفت إليه خلال جولاتي في المقاهي والمقاصف، وقرّرت في الليلة الثانية العودة الى البيت، تسلّلت داخلا اليه على رؤوس اصابعي، توقفت قريبًا من باب زوجتي المغلق، لاستمع اليها وقد رفعت سماعة خلويها، وراحت تستمع إلى صوت رجالي يفيض بأحلى الكلام. وكان اقلها أميرتي وسيدتي واصيص وردتي. اما زوجتي فقد راحت تتضاحك. بين الكلمة والأخرى، ما جعل محدّثها يندمج أكثر بالدور، فيفيض عليها بالمزيد من الكلام، بل إنني فوجئت به يقرأ عليها شيئا من اشعار عمر ابن ابي ربيعة وسعيد عقل ونزار قباني. وكنت اشعر ان قراءته تلك الاشعار تُدخلها في حالة من البهجة والسعادة. بل انني تصوّرتها تعبث بشعرها الناعم المسترسل، مبعثرة إياه حينا ومعيدة ترتيبه احيانا.

توقّفت قُبالة بابها المُغلق متفاجئا مبهوتا، وشرعت بالتفكير فيما يمكنني ان افعله. هل ارتكب جريمة؟.. لست قاتلًا ولا مجرًما. هل أطلّقها؟.. لا.. لن افعل فانا أحبّها، وزاد في رفضي طلاقها، انني فهمت مما استمعت اليه من كلام بينها وبين ذاك الزعيم، ان العلاقة ما زالت في أولها. ماذا بإمكاني أن افعل؟.. وكان أنني توصّلت الى فكرة ما لبثت أن بادرت بتنفيذها.

خرجت من البيت متسلّلا على رؤوس اصابعي، بالضبط مثلما دخلته. توجّهت الى أحد الفنادق المنتشرة في البلدة. استلقيت على سرير واسع هناك، تناولت تلفوني وضغطت على نمرة خليوي زوجتي. كان خليويها.. كما توقّعت.. مشغولًا، فواصلت اللعبة. اتصلت بها مرّة أخرى، وحدث ما توقّعته، فقد ردّت بسرعةٍ.. ما عنى انها عرفت انني أنا المتصل. وابتدأتُ اتحدث اليها عن رحلتي الرائعة في حدائق الورد وجزر المُرجان، وعندما اندمج كل منّا بالدور، وجدتني اقولها لها بأرق ما في روحي وقلبي من كلام وشعر.. تمنيتك ان تكوني معي. لا أنكر ان زوجتي تفاجأت في البداية، الا انها عندما اندمجت بالدور نسيت نفسها وواصلت الحديث معي. وكنت كلّما شعرت بان ذاك الزعيم يتصل بها ويلح بالاتصال، اواصل تودّدي اليها، واقرأ لها من كتاب عيون الشعر الغزلي العربي.. وحتى الأجنبي.

طال الاتصال فيما بيننا، ووجدت نفسي أعيش قصة حبّ جديدة ومتجددة. والطريف انني كلّما كنت اتحدّث في مواضيع الحب والغزل أجد المزيد من الكلمات والاشعار. هل كان ذلك بسبب تشجيعها وتفاعلها؟.. الاغلب ان الامر كان كذلك.. عندما شعرت انها تعبت قليلًا، قلت لها إن شوقي لها كبير، غير انني لا اريد ان ارهقها. وزدت هامسًا في اذنها.. ارتاحي الآن قليلا.. بعد ساعة او أكثر قليلا سأتصل بك. فانا كلّي شوق اليك. الى روحك الحلوة وقلبك الطيب الطاهر.

بعدها. تعمّدت الاتصال بها قبل مضي الساعة الموعودة رغبة مّني في ان اعرف ما إذا كان هاتفها مشغولًا، وفوجئت به هذه المرة، منتظرًا ومتوقعًا اتصالي. سرّني ما توصّلت اليه في مغامرتي تلك. فقرّرت ان اواصل اللعبة حتى ذروتها المتوقّعة. وزدت انني مدّدت رحلتي ثلاثة أيام أخرى. وكنت كلّما خطرت زوجتي الحبيبة في بالي.. اتصل بها.. حدّ انها رجتني ان اقطع رحلتي وأن اعود الى البيت.. فهي لا تطيق بُعدًا عنّي. وعندما ابتكرت قصة مفادها ان شخصا آخر.. في الخيال، هو انا.. في الواقع، ورويت لها تفاصيلها ممثلةً بخلاف زوجته المتواصل معه. ومشادّاتها اليومية معه.. ضحكت من أعماق قلبها وهي تهتف بفرح طفولي: الله يبعد عنا شرّ المشادات واهلها.

***

قصة: ناجي ظاهر

نَهَدَ القَمرُ

وَظِلَالُنَا فَارِغَةٌ حَتَّى مِنَّا

وُرَيْقَاتُ الجُورِي

تَهْذِي وَحِيدَةً

فُستُقَةٌ شَارِدَةٌ

بَيْنَ مَدَافِئِ اللَّيْلِ

تَتَلاَشَى فِي الشَّوْقِ..

**

صَفيرُ الذِّكْرَى..

أَنِينُ نَوْرَسَةٍ

**

لَسَعَاتُ الحَنِينِ

تَبْتَلِعُ شَهَقَاتِي

عَصَافِيرٌ تَرْتَعِشُ

**

أَنا فَتَاةُ الثَّلْجِ

عَلَى ثَغْرِكِ يَا شَامُ

أَذُوبُ لَهْفَةً

بَيْنَ يَاسَمِينِكِ

تَسْقُطُ بكَارَةُ قَلْبِي

**

أَحْمِلُ سَلَّاتِ السَّكِينَةِ إلَيْكَ

بِنُكْهَةِ البَرَاءَةِ

أَرْتَدِيْتك عِطْرَ بْقَائِي..

مِعْطَفَاً لِأنْفَاسِي

عَانِقْنِي بَعِيدًا

عَنْ تَرَاتِيلِ الفَنَاءِ

**

شَوَاطِئٌ تُسَافِرُ

مَعَ كُلِّ مَوْجَةٍ

البَحْرُ صَامِدٌ

العَدَمُ  أَسِيْرُ الوُجُودِ

وُجُودُنَا مَرَافِئُ

لَا اااااااااااااااتَرْحَل.

***

سلوى فرح - كندا

في هذا المدى الذي يظنه العابرون صمتاً، وجدنا نبضاً لا يهدأ.. هنا ترقد الحياة.

 لم يكن رحيله مجرد غياب، بل كان هجرةً لجسدٍ ترك وراءه ظلاً طويلاً لا يغيب، وعيوناً سومريةً لا تزال تحرس تفاصيلنا من وراء الغمام.

هنا كان يهمس لـ "البيضاء الفراتية" وصيته التي صارت دستوراً: أن تكون كـ الدلة الذهبية الصفراء؛ شامخةً لا تنحني إلا للكرم، ولا تفيض إلا بالطيب....

علّمها أن الأنفة تليق بنساء الفرات، وأن الوقوف بوجه الريح طقسٌ ملكي لا يتقنه إلا النبلاء.....

وحين ترجّل صاحب الظل الطويل، غابت معه تلك الفراشات الضوئية التي كانت تنير ليل "الفراتية"، لكن غرفته بقيت محراباً يعيدنا في كل مرة إلى تفاصيل حياةٍ باذخة الجمال.

هناك، حيث يربض الراديو القديم، لا تزال نجاة الصغيرة تشدو بصوتها المخملي: "عيون القلب سهرانة ما بتنامشي.. لا أنا صاحية ولا نايمة ما بقدرشي" وكأن صوتها يرمم شقوق الجدران، ويستحضر طيفه الجالس في ركنه المعتاد، ليعيد ترتيب فوضى الحنين بتلك التقاليد الملكية التي لا تموت.

لقد كانت هناك فراشات صغيرة، تفتح لنا كل مساء باب الطمأنينة؛ ذلك الباب الذي بقي موارباً بانتظار تلك الفراتية، لتخطو بكل شوقها نحو بلاطه الذي ترقد فيه حياة؛ فتدخل، وتستعيد من سكونه القوة، ومن شدو نجاة الأمل، ومن رُقاده روحاً أبت أن يطويها النسيان....

***

د. نسرين إبراهيم الشمري

 

وأنتَ تمضي خفيفًا

كأنّ الطريقَ تخلّى عن ظلِّه

كنتَ تُصغي لوقعِك

لا لتصل

بل لتتأكدَ أنَّ الأرضَ ما زالتْ هنا.

تلمسُ جيبَكَ

فتجدُ الوقتَ مثقوبًا

وساعةً لا تشيرُ لغيرِ ارتباكِكَ

تسألُ العابرينَ

ولا أحدَ يرفعُ رأسَه

كأنَّ الوجوهَ مرايا مكسورة.

كنتَ وحدَكَ

بين فكرةٍ لا تكتمل

وخوفٍ تعلَّمَ المشيَ قبلَكَ

تحسُّ جسدَكَ فكرةً

والفكرةَ حملًا

فتفهمُ أنَّ النجاةَ

ليست مكانًا.

خطوةٌ أخرى

لا تطمئنّ

ولا تتراجع

فالطريقُ لا يعرفُ أسماءَنا

لكنَّهُ يحتفظُ بأثرِنا.

وإذا ما تعثَّرتَ

لن يكونَ السقوطُ نهاية

بل فاصلة

يتغيَّرُ بعدها معنى الاتجاه.

ستغيبُ قليلًا

كمن يدخلُ جملةً ناقصة

ثم يخرجُ منها

وقد صارَ المعنى

أثقلَ

وأصدق.

***

جاسم الخالدي

إلى: رشيدة العسول وفوزية رفيق

يَا لِلْخَاطِرِ يَحْدِسُ تَوْأَمَهُ الْوَرْدِيَّ الْجَمِيلَ..

فَلَا يَلْبَثُ أَنْ يُرْسِلَ تَحَايَاهُ،

حَتَّى تَجْلُوَ السَّمَاءُ بَهَاءَهَا الْأَثِيلَ..

وَجْهُهَا الذَّهَبِيُّ الْمُتَجَلِّي،

فِي صَدَاقَةٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا..

**

كَمْ مَرَّةً،

لَا أَعْبَثُ بِتَوَقُّعَاتِي..

بِآجَالِ الْغُيُومِ الَّتِي سَتَسْقُطُ تِبَاعًا،

وَفِي نَصْلِهَا وَدَاعٌ أَخِيرٌ،

وَجِدَارٌ يَقِفُ عَلَى حَافَةِ الْأَمَلِ..

ثُمَّ،

تَطْفِقُ صَدِيقَتَايَ بِاسْتِعَادَةِ الزَّمَنِ..

فِي تَجَرُّدٍ وَاسْتِنَارَةٍ..

كَأَنَّهُمَا مُنْتَبِهَتَانِ لِاسْتِيقَاظٍ جَدِيدٍ

فَوْقَ سَابِعِ الْأَضْوَاءِ..

**

فِي كَمِينِ التَّدَاعِي،

يَتَأَبَّطُنِي كَلَامٌ أَقْرَبُ لِلشِّعْرِ مِنْ قَلْبِهِمَا..

وَبِلَا هَوَادَةٍ، أُهْرِعُ إِلَى الْقَصِيدَةِ،

مُنْسَاقَةً لِغَيْمَةٍ قَادِمَةٍ..

لِرُوحٍ جَدِيدَةٍ تُعْتِقُنِي مِنْ شَرَاسَةٍ،

كَسَيْلٍ سَاحِيَةٍ تَنْجَرِفُ إِلَى رُكْنٍ قَصِيٍّ..

وَتَسْتَحِثُّنِي عَلَى الْمَشْيِ

بِاسْتِعَارَتَيْنِ نَظِيرَتَيْنِ،

عَالِقَتَيْنِ بَيْنَ الْحُلْمِ وَالْيَقَظَةِ..

***

لالة مالكة العلوي

شاعرة وباحثة مغربية

كان أول ما باغت حواسي، وأنا أنسلّ داخل السوق الشعبي في قلب المدينة، تلك الرائحة الكثيفة للفول السوداني المحمّص، رائحة لا تُشمّ بقدر ما تُستعاد، كأنها ذاكرة قديمة انفلتت من قبضتها وراحت تلاحق العابرين. لم تكن صاعدة من محمصة فحسب، بل من طبقات خفية في الروح، من مطابخ الطفولة، ومن ليالٍ فقيرة كانت النار فيها أوفى من البشر.

وسط الضجيج المتشابك، وقفت العربة الحمراء بثباتٍ لافت، كأنها وتد صغير يشدّ المكان إلى معنى أعمق من البيع والشراء.. بعجلاتها العتيقة، وهيئتها المتواضعة، بدت ككائن أليف يعرف قدره وحدوده، ويؤدي مهمته دون ادّعاء.

خلفها، كان العم صالح.. لا يرفع صوته، ولا يتلفت كثيرًا، لكنه يدير المشهد كله بحضور هادئ يشبه حضور القادة الذين لا يحتاجون إلى أوامر. احدى يديه تمسك مقبض دولاب التقليب، تديره بإيقاع متزن، بطيء، كأنه يقيس الزمن لا النار، يمنح الفول حقه الكامل في النضج، دون استعجال أو قسوة. في تلك الحركة الدائرية صبرٌ طويل، وصيغة حياة تعلمها باكرًا: أن الأشياء لا تُثمر بالقهر. أما يده الأخرى، فتعود لترتيب الأكياس الورقية والمخاريط بعناية شبه طقسية، لا ارتباك فيها ولا زيادة، وكأن كل كيس هو وعد يجب أن يُسلَّم كما ينبغي. كان نظامه الداخلي صارمًا لكنه حنون؛ لا يخنق الفوضى، بل يروضها.

بدا في أواخر عقده السادس، غير أن قامته المنتصبة توحي بأن السنوات عبرته دون أن تتمكن من كسره. لحيته البيضاء تعكس الضوء كصفحة عمر أنهكها الزمن، وخطوط وجهه العميقة ليست تجاعيد بقدر ما هي أرشيف صامت لأيام ثقيلة. كان يرتدي دشداشة نظيفة، بسيطة، وحطّة بيضاء مطوية بعناية، تستند أطرافها خلف ظهره كي لا تعيق يديه. في مظهره وقار لا يُستعرض، وطمأنينة لا تُستعار.

كل من يمرّ بقربه يمدّ يده، يلتقط حفنة من الفول، ويلقي التحية في عجالة: «السلام عليك يا عم صالح». وهو يرد بابتسامة مألوفة، كأن هذا الفعل جزء من اتفاق غير مكتوب بينه وبين السوق. لم يكن اعتراضه ممكنًا، ولا اعتراضهم واردًا. العم صالح لم يعد مجرد بائع؛ صار تفصيلاً ثابتًا في ذاكرة المكان، مثل ظلّ لا يُفكَّر في غيابه.

وقفتُ أمامه مأخوذة بالمشهد كله. بالعربة، بالرائحة، بحركة اليدين، وبذلك التوازن العجيب بين البساطة والامتلاء. شعرتُ بشيءٍ يشبه الحنين، كأنني أرى ملامح والدي في صبره الصامت، في تلك القدرة على العمل دون شكوى، وعلى الاحتمال دون استجداء.

مددتُ يدي لأفتح غطاء عدسة الكاميرا، ثم ترددت. بدا لي أن الصورة لا تُلتقط قبل أن تُستأذن روحها. تقدّمت نحوه، فبادرني بابتسامة دافئة، ومدّ مغرفته الصغيرة مملوءة بالفول:

- تفضّلي..

  ذوقي..

قلت، دون تفكير:

- بل املأ لي كيسًا كاملًا، لو سمحت.

وحين ناولته النقود، سألني بهدوء لا يحمل فضولًا:

- غريبة عن البلد؟

أجبته مبتسمة:

- نعم… لكن كما قال الشاعر فخري البارودي: بلاد العرب أوطاني.

هزّ رأسه ببطء، كأن العبارة أعادت إليه زمنًا كان يظنه انتهى:

- نعم يا ابنتي… ذاك زمن العروبة الصافية.

ثم قال، بنبرة حاسمة دافئة:

- أستحلفك باسمها أن تقبلي هذا الكيس هدية.

أربكني كرمه. شكرته، وطلبت كيسًا آخر للأصدقاء. ملأه وهو يبتسم، كأن العطاء عنده عادة يومية لا تستدعي التفكير.

طلبتُ أن ألتقط له صورة. استقام في وقفته، وأعاد ترتيب حطّته، وابتسم:

- بكل سرور.

في تلك اللحظة، أدركت أنني لا أصوّر رجلًا يبيع الفول، بل ألتقط ملامح جيلٍ كامل، اختصر حياته في عربة صغيرة، وترك في السوق معنى خفيًا للكرامة.

ابتعدتُ قليلًا لأؤطر المشهد، فإذا بصوتٍ نسائي ناعم يقترح أن تلتقط لي صورة معه. وقفتُ إلى جواره، ثابتًا كما هو، بلا تصنّع. الصورة لم تكن حدثًا عنده، بل بدت كأنها امتدادًا ليومه.

بعدها قالت السيدة، بنبرة اعتزاز:

- العم صالح رمز هذا السوق… المدينة تعرفه وتفخر به..

ابتسمت لها ودعوتها لتناول القهوة في مقهى قريب.

كانت رائحة البخور تختلط بالقهوة، والزمن يلين. سألتها:

- ما حكايته؟

ابتسمت:

- ما يُكتب عنه في الصحف لا يُشبه ما عاشه. هو ابن بيتٍ قدّم أبناءه شهداء للوطن.

 والده وعمه أُعدما على جدار البيت. كان طفلًا حينها، لكنه ورث النار قبل الاسم.

كبر وهو يحمل ذلك الإرث كوسامٍ داخلي. بعد الاستقلال، لم يعرف الراحة. واجه الظلم بعناد وكرامة نبيلة.. بكبرياء من يرى نفسه حارسًا للحق، حتى لو خسره الجميع. دخل السجن مرات، وخرج في آخرها بساقٍ مبتورة، كأن الجسد دفع ثمن ما أصرّت الروح على قوله.

لكن الكسر الحقيقي كان في البيت: زوجته رحلت، تاركة له خمسة أطفال. عندها صمت.. لا استسلامًا، بل توبة داخلية. قرر أن يهب ما تبقى من عمره لهم. اشترى هذه العربة، وصارت رفيقة عمره. عمل حتى تخرّج أبناؤه أطباء، وبنته الصغرى على مشارف المحاماة.

سألتها:

- ولماذا لا يستريح؟

قالت:

- يقول لأولاده دائمًا: هذه العربة ربّتكم معي. كيف أتركها؟

غادرنا المقهى.

 بقي العم صالح هناك، بساقه الخشبية وقامته العالية.

 رجلٌ خسر الكثير، لكنه ربح معنى نفسه. لم يكن بطلاً في الشعارات، بل في الصبر. وفي رائحة الفول المحمّص، التي تشهد: أن الوفاء قد يكون مهنة، وأن الأبوة، حين تُخلِص، تتحوّل إلى بطولة صامتة… لا تزول.

***

سعاد الراعي

 

اَلْوَرَقَةُ تَنهضُ قَبلي

تَغسلُ دُموعَ القلَمِ وَتنتظِرُ

اَلسَّرِيرُ أَيضًا يَنتظِرُ

لَا يقبلُ أَنْ يَنَامَ

*

يُطالبُنِي أَنْ أَقرأ لَهُ عَنِ السَّمَاءِ التِي بِلَا نُجُومٍ

وَالمَدِينَة الَّتِي جَسدُهَا مُنتفخ

*

اَلمَدِينةُ حُبْلَى بِأَيتامٍ يَرْفُضُونَ أَنْ يَتوقفُوا عَنِ الصُّرَاخِ

لِأَنَّهُمْ آباءٌ وَأُمَّهَاتٌ

أَكَلَهُمُ اللَّيلُ ثُمَّ رَمَى بِهِمْ

فِي نَهَارٍ مُتخَمٍ بِهَيَاكِلَ

تَلْعَبُ مَعَ الْمَوتِ وَتُغَنِّي!

*

أَنَا أَيضًا لَنْ أَتَوَقفَ عَنِ الصُّرَاخِ

بِسَبَبِ الْوَرَقَةِ الَّتِي تَنهضُ قَبلي!

اَلْيومَ، وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ.

*

شَمَمْتُ نَظرَةَ طِفلٍ يبصَفقُ عَلَى الْجُوعِ

كَيْ يَبْتَسِمَ!

*

تِلكَ النظرَةُ وَضَعَتْ رَأْسِي تَحْتَ قَدَمَيَّ

لِهَذَا رَكَضتُ إِلَى قَبرِ أُمِّي

– أُرِيدُ أَنْ أَنَامَ –

*

أَنَا النخلَةُ الْوَحِيدَةُ

الَّتِي مَا زَالَ رَأْسُهَا بَاقِيًا ومثقوبًا!

فِي كُلِّ ثقبٍ طِفْلٌ أَكْبَرُ مِنْ أَمْرِيكَا

عَلَى أَصَابعِهِ بَسَاتِينُ وَطُيورٌ مُلَوَّنَةٌ!

*

أَنَا النّخلَةُ الْوَحِيدَةُ

رَكَضْتُ قَبْلَ أَنْ يُغْلِقَ الْقَبْرُ أَبْوَابَ عُيُونِي

وَلَمَّا وصلتُ

وَجَدْتُ أَبِي جَالِسًا عَلَى مَوْتِهِ وَيَنْتَظِرُ!

*

فِي تِلْكَ السَّاعَةِ

لَمْ تَنْهَضِ الْوَرَقَةُ قَبلي

كَانَتْ زَرْقَاءَ تَمَامًا

*

تَرَكْتُ بَيَاضَهَا

إِلَى جُنُودٍ وَرَصَاصٍ وَأَنَاشِيد حَرْبٍ!

وَكَانَتْ تَنظِرُ وَتَنْتَظِرُ دُمُوعَ الْقَلَمِ

كَيْ تَغْسِلَ جِثتَها

وَجثتي

وَجَسَدَ السَّرِيرِ

الَّذِي تُوُفِّيَ

قَبْلَ أَنْ تَلِدَنِي أُمِّي بِسنين!

***

حسن رحيم الخرساني

 

أ- [الصَّوْتُ الدَّاخِلي]

مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي دَاخِلي حِينَ أَسْكُتُ؟

الصَّدَى لَا يَمْلِكُ صَوْتًا، لَكِنَّهُ يُعيدُ سُؤَالي،

كَأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَنَا، بَلْ ظِلُّ سُؤَالٍ بِلَا جَوَابٍ،

يَمْشِي في مِرْآةٍ مَكْسُورَةٍ، يَتَقَطَّعُ كُلَّمَا اقْتَرَبْتُ مِنْهُ

أُنَاظِرُهُ.. أُحَاوِلُ أَنْ أُسْكِتَهُ.. فَيَزْدَادُ صَوْتًا،

كَأَنَّني أَتَكَلَّمُ إِلَى ظِلِّي.. وَالظِّلُّ يَتَكَلَّمُ إِلَى ظِلِّهِ

وأَعْرِفُ أَنَّ الصَّوْتَ الَّذي في دَاخِلي لَيْسَ أَنَا،

بَلْ أَنَا الَّذِي أَسْكُنُ فِي صَوْتِهِ.. فَإِذَا سَكَتْتُ.. صِرْتُ هُوَ

وَإِذَا نَطَقْتُ.. صِرْتُ صَمْتًا.. فَأَعُودُ إِلَى الظِّلِّ..

وَأَعْرِفُ أَنَّني لَمْ أَكُنْ أَنَا.. بَلْ كُنْتُ سُؤَالًا يَسْأَلُني

ب- [المِرْآةُ]

نَظَرْتُ فِي المِرْآةِ فَلَمْ أَرَ وَجْهي،

رَأَيْتُ طِفْلًا يَنْتَظِرُ أَبَاهُ، وَشَابًّا يُوَدِّعُ حَبِيبَتَهُ،

وَشَيْخًا يَنْسَى اسْمَهُ.. وَامْرَأَةً تَبْكِي عَلَى صُورَةٍ قَدِيمَةٍ،

فَقُلْتُ: "أَيْنَ أَنَا في كُلِّ هَذَا؟"

فَأَجَابَتْ: "أَنْتَ الصَّمْتُ بَيْنَ المشَاهِدِ.. أَنْتَ الْفَجْرُ الَّذي لَمْ يُشْرِقْ بَعْدُ"

وَأَعْرِفُ أَنَّ الْمِرْآةَ لَا تَكْذِبُ.. بَلْ تُرَاوِغُ،

تُرَاوِغُني حَتَّى أَصِيرَ ظِلًّا.. حَتَّى أَصِيرَ سُؤَالًا..

حَتَّى أَصِيرُ أَنَا.. فَإِذَا صِرْتُ أَنَا.. انْكَسَرَتِ المِرْآةُ،

وَانْتَثَرَتْ أَسْقَاطُهَا.. فَوْقَ كُلِّ وَجْهٍ كُنْتُ أَحْمِلُهُ..

وَصِرْتُ أَنَا الْمِرْآةَ.. وَصِرْتُ أَنَا الظِّلَّ.. وَصِرْتُ أَنَا الصَّمْتَ

ج- [صَدًى يَكْتُبُني]

أَسْمَعُ صَدًى يَكْتُبُني في الظُّلْمَةِ،

يَكْتُبُني ثُمَّ يَمْحُوني.. يَكْتُبُني ثُمَّ يَمْحُوني،

كَأَنَّني كَلِمَةٌ لَا تُرْضي القَارِئَ.. فَأُعَدِّلُ مِنْ حَرْفي..

فَأُصْبِحُ حَرْفًا آخَرَ.. فَأُصْبِحُ صَمْتًا آخَرَ..

وأَعْرِفُ أَنَّني لَسْتُ أَنَا.. بَلْ أَنَا الصَّدَى الَّذِي يَكْتُبُني..

وَإِذَا كَتَبْتُ.. صِرْتُ أَنَا.. فَإِذَا صِرْتُ أَنَا.. انْطَفَأَ الصَّدَى

وَأَعْرِفُ أَنَّني لَمْ أَكُنْ أَنَا.. بَلْ كُنْتُ صَدًى يَبْحَثُ عَنْ صَوْتٍ،

فَإِذَا وَجَدَهُ.. صَارَ صَمْتًا… فَصِرْتُ أَنَا.. فَصَارَ الصَّدَى أَنَا

د- [الكَلِمةُ تُولَدُ مِنْ رَمَادٍ]

أُوقِدُ الرَّمَادَ.. أُنَفِّخُ فِيهِ.. فَيَنْبُثِقُ حَرْفٌ صَغيرٌ،

أَضَعُهُ على الوَرَقةِ البَيْضاءِ.. فَتَبْكي.. فَتَضْحَكُ.. فَتَحْتَضِنُهُ،

أُحَاوِلُ أَنْ أَكْتُبَ اسْمَكِ.. فَأَجِدُ أَنَّ الِاسْمَ لَيْسَ اسْمًا.. بَلْ نَبْضَةً،

فَأَكْتُبُ النَّبْضَةَ.. فَتَكْبُرُ.. فَتَصِيرُ قَصِيدَةً.. فَتَصِيرُكِ

وَأَعْرِفُ أَنَّ الكَلِمةَ لَمْ تَمُتْ.. بَلْ كَانَتْ تَنَامُ،

فَأَنْتَبِهُ لَهَا.. فَتَنْطِقُ: "أَنَا هُنَا.. أَنَا هُنَا.. أَنَا هُنَا.."

فَأَصْبِحُ أَنَا الكَلِمةَ.. وَأَصْبِحُ أَنَا النَّبْضَةَ.. وَأَصْبِحُ أَنَا أَنْتَ

هـ - [المِرْآةُ الأَخِيرَة]

أَقِفُ أَمَامَ المِرْآةِ الأَخِيرَةِ.. أُقَبِّلُهَا.. أُعَانِقُهَا.. أُبْكيهَا..

أَقُولُ لَها: "أَنَا لَسْتُ أَنَا.. بَلْ أَنَا أَنْتِ.. فَاكْتُبِيني.. وَلَا تَمْحِيني"،

فَتَنْشَقُّ المِرْآةُ.. وَأَمْشي.. وَأَعْرِفُ أَنَّني لَمْ أَعْبُرْ المِرْآةَ..

بَلْ عَبَرْتُ نَفْسي.. وَصِرْتُ أَنَا المِرْآةَ.. وَصِرْتُ أَنَا الصَّمْتَ.. وَصِرْتُ أَنَا أَنَا

و- كُودَا

[هَمَاهِمُ الصَّدَى الأَخِير]

يَهْمِسُ فِيَّ صَدًى يَمْتَدُّ كَنَبْضٍ

يَعْرِفُ وَجْهِي.. وَأَعْرِفُ نُورَهْ.

كُلَّمَا قُلْتُ: "مَنْ أَنَا؟" جَاءَ ظِلٌّ

يَحْمِلُ صَوْتِي.. وَيَمْحُو صَوْتَهْ.

فَإِذَا أَغْمَضْتُ لِلصَّمْتِ رُوحِي

قَامَتْ مِرْآةٌ تُضِيءُ صَدَفَهْ.

وَإِذَا قُمْتُ.. قَامَ مِنِّي ظِلَالٌ

تَكْتُبُنِي فِي انْحِدَارِ وُجُودَهْ.

حَتَّى إِذَا انْفَتَحَتْ فَوْقِي رُؤَايَا

قُلْتُ: "قَدْ جِئْتُ.. هَذِهِ نَفْسِيَ هَذِهْ"

فَانْطَوَى الصَّوْتُ فِي دَمِي، ثُمَّ سَارَتْ

كَلِمَةٌ مِنِّي.. تُشِعُّ مِرَاتَهْ.

وَعَرَفْتُ -آخِرَ الْمَسَارِ - أَنَّ صَوْتي

لَمْ يَكُنْ صَوْتًا.. بَلْ كَانَ مَرْآتَهْ

***

د. سعد غلام

 

عُنْفُوانُ الروحِ ما بينَ النهرين

وجَدَلِ المُعْتَزِلة

***

عُروقٌ في الثرى عَشِقتْ ثراها

بِفَجْرِ الكونِ مُنْجِبةً عِراقا

*

وَأعراقاً رأتْ في الطينِ روحاً

فَشَدّتْها بلا رِفْقٍ عِناقا

*

بها مَوْرٌ يُماري عُنْفواناً

تَراكمَ عَبْرَ ماضيها طِباقا

*

وَلَمّا أشْعَلتْ غَبَشَ البَرايا

رأتْ فجرَ الخليقةِ قد أفاقا

*

وَدَجْلَةُ راوَدتْ شَبَقاً فُراتاً

أرَتْكَ النشْوةَ الحَرّى خِناقا

*

وَمَسّتْ رَجفةُ العِشقِ الثُرّيا

وَحَلَّ النَهرُ في النهرِ إشتياقا

*

حُلولاً ذاكَ أمْ بُقْيا وِصالٍ

أمِ إتَّحَدا خِتاماً وانطلاقا

*

سُلالاتٌ تُحاذِرُها المَنايا

بِغيرِ الفَوْزِ لم تَرْضَ السِباقا

*

تَعَرّقْنَ ابتِداعاً واخْتِلافاً

لِفَرْطِ غَرامِها نَبَذتْ وِفاقا

*

مَسَلّاتٌ بها الألْبابُ أفْشتْ

أساريراً فَأذْهَلَتِ السِياقا

*

بها خَطّت مَساميرُ القُدامى

أقانيماً تَوَهْجْنَ اخْتِلاقا

*

ذَوي ماضٍ شَواهِدُهُ طِباعٌ

بِها سَرَجوا لِشانِئهمْ عِتاقا

*

بِخَمْرِ الوَجْدِ والوِجْدانِ جُنّوا

وَهيْهاتَ الهَوى يُخْفي نِفاقا

*

تنانيراً تَفورُ سُدىً رُؤاهمْ

وَصِدْقُ البَوْحِ أوْرَثَهمْ شِقاقا

*

كَأنْ خُلِقتْ مثالبَهم مزايا

دَماً مِنْ حَرِّ أفئدَةٍ مُراقا

*

هُنا سكَبَ الأشاوسُ ذاتَ فَجْرٍ

دِلاءَ الشِعْرِ رَشّاً واندلاقا

*

حَزانى أدمنوا دمعَ المراثي

لِتوقِدَهمْ سُطوعاً واحْتِراقا

*

كَمَنْ شَرِبوا لَظى التاريخِ خَمْراً

وَلَمْ يَخشَوا إذا شَطَحوا انزلاقا

*

لَعَمْرِكَ ذي مواجِعُهُمْ دِنانٌ

فَإنْ سَكِروا بِها هاموا غُباقى

*

إذا شَطّتْ قوافلُهمْ حَسِبْنا

إلى المجهولِ تُوشِكُ أنْ تُساقا

*

كما النهرينِ أمزجةً غِضابى

إذا هاجَتْ بَدَتْ سَيْلاً دُفاقا

*

متى لَفَحتْ بواطِنَهمْ شُموسٌ

بَريقُ الضوءِ صَيّرها انفلاقا

*

لأمْزِجَةٍ تُماري في لظاها

بها قَمَرُ الجَوى نَسِيَ المَحاقا

*

تَفَجّرتِ البصائرُ كالشَظايا

وَنَجمٌ ثاقِبٌ شاءَ انْبِثاقا

*

كَمُعْتَزِلٍ سرى يمحو الظلاما

لَهُ نورُ النُهى أمْسى بُراقا

*

كَعِطْرِ الطَلْعِ في الأكمامِ نادى

فَحَنَّ الكُمُّ واحْتَجَّ انْفِتاقا

*

رأى الموروثَ لا يكفي دَليلاً

فما بَرِحتْ نَوازِلُها خِفاقا

*

عُقولٌ غامرتْ ترجوا خُروقاً

إلى لُبِّ الحقيقةِ واخْتِراقا

*

وَكلّا لَمْ تَشأْ أبداً مُروقاً

ولكنْ ثُلّةً تأبى انغلاقا

*

رُؤىً قارورةُ الأذهانِ تغلي

وَأحْجِيَةً مُعَتّقَةٍ مَذاقا

*

رَأوا في لُجّةِ المألوفِ قيداً

فَتاقوا من مَخالِبِهِ انعتاقا

*

تَعامى كُلُّ فُرْسانِ الفَتاوى

وصاحوا بِدْعَةً لا لَنْ تُطاقا

*

وعادوا مثلما النهرينِ لمّا

طَغى موجُ السليقَةِ ثُمَّ راقا

*

مَعاً لَجَموا غرائزَهمْ وَكادتْ

بِفَضْلِ بَصائرٍ تذوي انسحاقا

*

تلاقَوا شَأنَ نَهْرَينا وَشَدّوا

لطيفِ العُرْوَةِ الوُثْقى وِثاقا

*

هُنا  فِرَقٌ، هُنا مِلَلٌ وتأبى

برغْمِ غُلوّها، تأبى الفراقا

*

دراويشاً مواجِدُهمْ حُبالى

بِخْمرِ طريقةٍ رُشِفتْ دهاقا

***

د. مصطفى علي

 

رأيــتُــكَ حــيـــثُ أقــامَ وُدّي

فــقال بُـطَـيْـنُه: سَـعُـدَ المـقامُ

*

ومَظْروفُ الرسائلِ إنْ تَوانى

مَراسِـــيلُ الفــؤادِ، لها انْتظامُ

*

مَضامِــينُ المَـوَدَّةِ في سُـطورٍ

حَــوَتْهــا مُقْـلتي، فَغَـفا الكلامُ

*

ومَنْ غُرِسَـتْ به حُسْنُ النوايا

فــفي قَـسَماتـِه التـقـوى وِسـامُ

*

يزولُ الهَـمُّ، في اجواء صِدْقٍ

ويـَـجْــلِبُه التـشَـتّـتُ والصِـدامُ

*

ومَـن يَهـوى التصنّعَ في فِعالٍ

فـــلا يـأتــيــه إلا الإنـْـفـِـصامُ

*

وحَـسْمُ الأمر تُصلِحُه عقولٌ

بــمَــنْجـاةٍ اذا حَـمِيَ الخِـصامُ

*

يـُــقَــــدَّمُ حُــــبُّ اولادٍ ومـالٍ

ولـــكـنَّ الكـــرامـة لاتـُـضـامُ

*

بــعَـزْفٍ للربــيع مـع القـوافي

يـُجـَدِدُ ذِكـرى ما خَـلقَ الـوِئامُ

*

وقُرّتْ عينُ مَنْ أعلا صُروحاً

مِــن الاداب يشــهـدهــا الأنـامُ

*

تـُعـلّـمُـنـا الليــالي، أنّ صَـبْـراً

سـَـيـتْـبـعـُه انـفـِـراجٌ والـتِــئـامُ

*

فــلا يَأسٌ لِـــذي عـَـزْمٍ وحَـزْمٍ

مَــسِــيـرٌ فــائـزٌ فـــيـه الكــرامُ

***

(من الوافر)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

ألا كنتَ قدْ أعلنْتَ أنّكَ خائنٌ

لمَنْ خُدعوا قبلَ انفضاحِكَ بالوغى

*

لقالوا وقد بلَّغْتهم بأمانةٍ

خؤونٌ صدوقٌ  ما ادّعى حين بلّغا

*

وقلنا البِسوهُ من ثيابِ جهنّمٍ

أميرًا مُعادًا بالعباداتِ سُوِّغا!

*

ولكنّكَ اخْتَرتَ التزيُّنَ- قبل أن

تبوحَ- بدمٍّ كي تُسوّقَ مُبتغى

*

ولا يثبتُ الطُّغيان دون تزيُّنٍ

ومن بالدِّما يزْدَنْ فذا شرُّ من طَغى

*

وماذا تراهُ يَبْتغي متصنّعٌ

هدىً كمْ على أهلِ الهُدى إحنةً بَغى

*

سوىْ سلطةٍ في خِربةٍ أبديّةٍ

تُحَرِّرُ وحشًا في دِماها تمرَّغا

*

تناسى ظلاميُّ الرّجا كلّ غابرٍ

لحربِ الملا من أهلِه قدْ تفرّغا

*

مُريدًا ضلالَ الغربِ نهجًا مُردِّدًا

وراهُ مزايا الحلِّ ترديدَ ببَّغا

*

أقولُ لمِن جرّ الخرابَ تقارَبَ الـز

زمانُ وآتيهِ لمثلِكَ فُرِّغا

*

ولنْ يعصيَ الأزمانَ في مثلِكم ثرىً

يرى غدَهُ الموعودَ منكُمْ مُفَرَّغا

*

جِدوا لبقاكُم بيننا سبَبًا فما

استطاعَ جُنونٌ أن يصوغَ مُسوِّغا

***

أسامة محمد صالح زامل

 

على الدرجات المؤدية الى بيته المستأجر، في تلك البلدة البعيدة عن مسقط رأسه، توقف وهو يتلفّت في كلّ الاتجاهات. سوّى قبعته الفرنسية على رأسه، داهمه شعور بأنه لم يفلح في تسوية قبعته تلك. فتح الباب. دخل إلى البيت. توجّه بسرعة إلى المرآة المعلقة في مدخل البيت، عاين القبعة، محاولًا ان يسويها على رأسه، بحيث يَرى ولا يُرى." هكذا يفترض أن تكون القبّعة المدارية"، قال وأضاف:" هكذا. مع هذه القبعة لن يعرفني أحد، وسوف أكون بعيدًا عن مرمى هدف الشك والملاحقة.

استرخى صاحبنا واسمه عادل كامل، على سريره وهو يفكّر في تلك الاشباح التي تلاحقه. ما حدث كان فظيعًا. في لحظة تشبه طرفة العين، وجد نفسه متهمًا بجريمة قتل. ورغم انه قدّم للجماعة كلّ الأدلة على انه برئ، بل على انه لم يكن في محيط الجريمة حين وقوعها، الا انهم رفضوا الاستماع اليه، وواصلوا اتهامه بتلك الجريمة الفظيعة. اما تعترف وتنجو. بجلدك لتتابع حياتك في السجن وخلال فترة قصيرة نتكفل نحن بمعالجة امرك فيه، واما ترفض فنقضي عليك. اما ان تتوجه الى الشرطة، فمعنى هذا انك قُتلت، وانتهيت. بإمكاننا قتلك حتى لو ارتفعت لتقيم في برج مشيّد. في الخارج ستقتل وفي الداخل ستقتل. لكنني لم اقتل. كلّ ما حصل هو انني كنت واحدا ممن راوا تفاصيل تلك الجريمة. كان ذلك عندما صوب احدهم اطلق على تلك المرأة وولى.. حظّي السيء اتى بي الى ذلك المكان. حينها جاءه الصوت المُرعب مهددا متوعدا دون رأفة او رحمة. نعطيك فرصة أخيرة اما تعترف وتنجو واما تتابع الانكار وتقتل.

صور أولئك القتلة تلاحقه، هو الكاتب المعروف بحسن سلوكه وشخصيته المسالمة، وها هو يتصورهم واحدًا وراء الآخر، تمر صورهم من امام عينيه مهددة متوعدة، اعترف.. اعترف.. اعترف. نعرف أنك قد تهرب لكننا لن نتركك. حينها فهم أن القاتل هو رجل ثقيل، وانهم أرادوا ان يخلصوه وان يلبسوه هو عاشق الكلمات المسكين ذلك الملف المفزع. أكد هذا ان الضحية هي زوجته، وأنه كان هناك بالصدفة. وان القاتل كما تأكد له انما هو ذلك المجرم، زوجها وزعيم أولئك القتلة. هل تعمّد أولئك القتلة ان أكون هناك في نفس المكان؟.. هل حبكوا خيوط تلك الجريمة بحيث تلبسني؟.. الشرطة اعتقلتني مدة أيام، غير انها لم تمتلك الاثباتات لذا اطلقت سراحي.. وها انذا انتقل إلى هنا.. اعرف انني عالق بين فكي كماشة، الشرطة التي لن تتركني من ناحية، واولئك الاوغاد من جهة أخرى.

اغمض عادل الكامل عينيه وفتحهما علّه يكتشف، عندما يفتحهما، انما هو كان يحيا كابوسا بشريا لا يختلف عن كلّ تلك الكوابيس التي تغزو أحلام الكثيرين في الفترة الدموية الجارية. غير ان ما حصل هو ان حالةً من الرعب استولت عليه، فقد استمع إلى دقة على الباب، هل جاءوا؟.. هل عرفوا مكانه بتلك السرعة؟.. هل انتهى عهد الآمال والاحلام في كتابة اجمل القصص البوليسية واشدها جاذبية وتشويقا، هل انتهى كاتب القصص، الحالم العظيم، إلى ان يكون قصة تكتبها يد الظروف والملابسات الفظة الغليظة؟.. اللعنة على تلك الزوجة ، زوجته، الجاهلة الكاذبة. فقد كانت اول خراباته وها هي تتحوّل الى ذروة دماره وخرابه. الدق يتواصل على باب تلك الغرفة. وهو ينكمش.. ينكمش.. ينكمش.. الى اين المفرّ؟.. في الصباح يعترض طريقه صاحب شقته المستأجرة. يقول له يبدو انك تنام مبكرا. يخجل مما حدث يقول وهو شبه هائم.. بالفعل انا انام مبكرا. ويمضي في طريقه.

يمضي في الطريق مفتعلًا عدم الاهتمام، عبثا يحاول ان يعثر على الطمأنينة الهاجعة في قلبه منذ كان، في قلبه الى ما قبل تلك الجريمة. وها هو يبتعد.. يبتعد عن كلّ الناس. عادل كامل لم يعد كاملًا.. هو لم يقتل زوجته، وانما تركها وولّى هاربا بجلده وبقصصه الجميلة. ليأتي اليها من يقتلها بدم بارد. الصور المتهمة الغاضبة تحيط به من جانبين، من جانب يتابعه أولئك القتلة المجرمون، ويطلون مهددين متوعدين، بوجوههم المفلطحة. ومن ناحية أخرى، تتابعه أصابع اتهام المحققين واتهاماتهم.. انت المتهم رقم واحد في مقتل زوجتك. سنطلق سراحك حاليا.. يومها أراد ان يخبر محققه، بانه ترك زوجته منذ فترة بعيدة. وانها ارتبطت بزواج عرفي برجل آخر.. هو.. وعندما اوشك ان يقول اسمه تراجع.. كانت وجوه اتباعه القتلة المجرمين المهددين، تطل اليه من كل مكان في غرفة التحقيق. لذا تراجع في اللحظة الأخيرة، تاركا الأمور تجري نحو غايتها. وبما انه لم يكن القاتل، فقد كان يشعر بان العدالة لا يمكن الا ان تأخذ مجراها الصحيح. الم يحاول في السابق كتابة قصص بوليسية، تنتهي في القبض على المجرم الحقيقي مهما تلبست الجريمة شخصا آخر؟.. الم يؤكد لنفسه قبل ان يؤكد لقرائه ان اذرع العدالة ستلقي القبض على المجرم القاتل طال الزمان او قصر؟..

يمضي في الشارع الطويل المحاذي لبيته المستأجر، يمضي بعيدا عن الناس ومكارههم المُحتملة، يجلس هناك تحت شجرة وارفة. يرى في ناحية من يشك في انه من أولئك القتلة، يسوّي قبعته على راسه محاولا إخفاء وجهه، يقف يمضي في طريق العودة الى البيت. يمضي معه قلقه المجرم. في اخر الطريق يرى وجهًا يشبه وجه مَن حقّق معه ومّن أطلق سراحه. هو يعرف ان الشرطة لم تكنّ ولن يهدا لها بال دون ان تلقي القبض على القاتل. يقينا هو يعرف انها لن تتركه ينتقل من بلدته الى أي بلد آخر ىدون متابعة ومراقبة، فهو المتهم رقم واحد في تلك الجريمة. كما قال له ذلك المحقق.

يعود الى بيته المستأجر وقد رافقه المساء. قبل ان يدخل الى غرفة نومه يتوقّف قبالة المرآة ذاتها. هذه القبعة لم تنفعه ولن تنفعه. حظه السيء سيحيط به من كل جانب. فهل ستأتي نسمة من بلاد العجائب، تهب على اغطية تلك الجريمة الفظيعة فتكشف اسرارها المعقّدة وخفاياها المركّبة؟.. ما الذي سيحدث لك أيها الكاتب النحرير؟.. ما الذي سيحدث لك وانت مُحاطٌ بالجريمة والاتهام من كل جانب؟.. في الماضي البعيد عفت زوجتك وابتعدت عنها لما بينك وبينها من تفاوت ثقافي، لا سيما عندما راحت تتوعد وتتهدد بقتلها لك. لقد هربت بجلدك وها انت تَعلق من حيث لا تدري  فتحوّلك الظروف المجرمة من مشروع قتيل محتمل.. الى مشروع قاتل متهم.

استلقى الكاتب عادل الكامل في سريره. أغمض عينيه. وحاول ان ينام. غير انه لم يتمكن. عندما انتقل للإقامة في هذه البلدة البعيدة عن مسقط رأسه اعتقد انه ابتعد، عن وجع الراس ومستتبعاته المقلقة، ولم يكن باي حال يتوقّع ان تكبر مشكلته تلك كلما ابتعد.. عن محيطها وحيزها الخاص. أسلم المتهم البريء عينيه لملك الكرى. ليستغرق برفقته في نوم عميق جدًا وليتراءى له أن افراد تلك العصابة قد دخلوا عليه ليمنحوه الفرصة الأخيرة في الاعتراف بانه هو من  ،قتل طليقته، وليس أي واحد منهم. وبينما يصوب ثلاثة منهم مسدساتهم إلى راسه.. يسمع طرق على باب البيت المستأجر.. ليطلب منه أحد أولئك القتلة ان يفتح الباب. فيقوم بفتحه. لتدخل الشرطة معلنة انها سمعت كل شيء.

***

قصة: ناجي ظاهر

في نصوص اليوم