نصوص أدبية

نصوص أدبية

غادرتُ عيادة طبيب الأسنان متأخرة، وكان الوقت قد تجاوز العاشرة مساءً. الشوارع بدت شبه خالية، والبرد يتسلل من بين أزرار معطفي ليذكّرني أنني وحدي، وأن الوقت ليس في صالحي.

ترددتُ في استئجار سيارة أجرة، خفتُ، لا لشيء محدد، لكن امرأة وحيدة في هذا الوقت المتأخر تصبح هدفًا سائغًا للهواجس قبل أن تلتهمها النظرات.

لمحته من بعيد، آخر باص يستعد للمغادرة، كأنما ينتظرني. ركضت نحوه بخطوات متثاقلة، وصعدتُ، بالكاد وجدت مقعدًا أخيرًا شاغرًا بجانب رجل يعتمر قبعة، بالكاد تُرى ملامحه تحت ظلال إنارة المصابيح الخافتة. جلستُ بصمت، وما إن سارت الحافلة حتى شعرت برائحة نفّاذة كريهة تكاد تُسقطني من شدّتها. حاولت أن أتنفّس من فمي، لكن الألم في ضرسي كان لا يزال حيًّا، ينبض، يذكّرني بما فعلت بي آلة الطبيب، تلك اللولبية المعدنية التي حفرت فيَّ خنادق بلا رحمة، كأنها تبحث عن شيء ضائع في العصب. خرجتُ من عنده شبه فاقدة لتوازني، لا أملك إلا صبري.

عندما بدأ السائق بجمع الأجرة، ناولتُ الرجل الجالس إلى جواري نقودي بكل هدوء وثقة. لكن بعد دقائق، دوّى صوت في الحافلة:

"أحدكم لم يدفع الأجرة! من فضلكم، دون إحراج..."

ساد الصمت. التفتت الرؤوس ببطء، كلٌّ يشكّ في الآخر. نظرات خاطفة، مرتبكة. ثم استدار الرجل الجالس أمامي، نظر إليّ مباشرة، وقال بصوت خافت كأنما يهمس لي وحدي:

"ما هذا المساء المزعج..."

ثم أعاد رأسه إلى مكانه واعتدل في جلسته، كأن شيئًا لم يكن.

ضحكتُ بصوتٍ خافت، لكنه كان كافيًا ليستفزّ الرجل الجالس بجواري، ذي الرائحة الكريهة. هبّ واقفًا، ولوّح بيده نحو السائق وقال بعصبية:

"وقفني هنا! الله يعافينا من بنات الليل!"

ثم نظر إليّ نظرة ممتعضة، كأن ضحكتي جرحت رجولته أو أيقظت داخله ذاكرة مشوّهة. نزل وهو يتمتم ويزمجر، واختفى في عتمة الرصيف.

أما أنا، فعدتُ إلى صمتي. وددتُ لو أضحك من جديد، لكن ضحكتي هذه المرة كانت ثقيلة، عالقة بين أسناني التي لم تعد تحتمل حتى طعم الألم.

***

نضال البدري

 

اليومَ، سأمارس حقي في الكسل،

كاستعادةٍ بطيئةٍ لملكيّة الروح،

سأجلسُ حيثُ لا ساعةَ تُحدِّق في معصمي،

ولا قائمةَ واجباتٍ

تجرّني من ياقة الصباح.

سأدعُ الوقتَ يتثاءبُ مثلي،

ويُسقِطُ عن كتفيه

معطفَ الاستعجال.

*

سأمارسُ الكسلَ كمن يُصلّي بلا كلمات،

كمن يُصغي لنبضه،

وهو يتراقص من جديد.

سأتركُ الأفكارَ غيرَ مكتملة،

الجُملَ مفتوحةً على هواءٍ طريّ،

والقلقَ معلّقًا

على مسمارِ الأمس.

*

اليومَ

لن أُقنِعَ العالمَ بأنني جديرٌة بالضوء.

سأكونُ فقط

كائنًا يتنفّس

دون شهادةِ حضور.

*

سأمارسُ حقي في التباطؤ،

في النظرِ طويلًا إلى فنجانِ القهوة

كأنه مجرّةٌ صغيرة،

وفي الإصغاءِ إلى الصمت

حين يتكلّم أخيرًا

بصوتٍ يشبهني.

*

سأُهملُ الركض،

وأُتقنُ الجلوسَ داخل نفسي،

وأمنحُ الجسدَ فرصةَ أن ينسى

أنه كان آلة،

وأن هذا الكسل

فسحة عدلٍ مؤجّل،

أستردّ بها اسمي

من بين أسنانِ الأيام.

***

مجيدة  محمدي

 

أتأمل كل مساء من شرفتي

صوت الريح وهو يعبث بكل شيء

أغصان الأشجار التي تطل على الوادي

أسراب الطيور المهاجرة

موج البحر وهو يعانق السماء

المراكب الهائمة تحت الأمطار الثائرة

النوافذ الزرقاء للشرفات المفتوحة

في انتظار المطر وعودة العصافير

الحدائق الفارغة الموحشة

وهي تحلم بفصل الشتاء

ومياه الأنهار ودفء النار

وحكايات الذاكرة وهي تعيد للمساء

طعمه ولونه وظلاله

ولليلى سيرتها الأولى

وللشعر ملحه وروحه

المسافرون الهائمون

وهم يسترجعون متعة الطفولة

كأنهم يرونها في المرآة

قبل أن يسرقهم قطار العمر

أوراق الأشجار المتناثرة

على الأرصفة والطرقات

وحيدة تمضي بلا بوصلة

تتلهى بها الريح

فتصيبها بالجنون

***

عبد الرزاق اسطيطو

أَمْوُاجٌ فِينِيقِيَّة ٌ

تَلِدُ رَذَاذاً..

يَنْهَالُ زَهْرُ اللَّوْزِ

عَلَى عُنقِ اللَّيْلِ

**

الفَرَاشَاتُ عَشِقَتْ قَمَراً

صَرْخَةٌ حُلُمٌ

تَوَرَّدَ في نَبْضِي

**

نَسِيمٌ ثَمِلٌ

يُشْعِلُ الرَّمَادَ

زِلْزَالٌ يَخْتَالُ بِوَقْتِي

رِيحٌ تغزلُ شِرْيَانِي قِيثَارَةً

**

اِسْتَوْقَفَنِي لَحْظُكَ

اِغْتَالَنِي وَمْضُكَ

يـاااااااغَيثاً يَرِقُّ لهُ الصَّخْرُ

أَعْشَقُكَ حُراً

اِنْهَمِرْ وَطَنَاً

**

مَا بَيْنَ شَغَافِي وَالحَنِينِ

بَيْنَ القَطْرَةِ والقَطْرَةِ

رَفْرِفْ مُسْتَحِيلاً

***

سلوى فرح – كندا

 

كانت مها تقف عند العتبة الأخيرة قبل مناقشة موضوع بحثها للماجستير، لحظة هادئة كنبضة تتريّث قبل الاندفاع، حين انسدل في عالمها ظلّ ذاك الشاب الذي أخذ يلاحق خطواتها منذ أيام، كطيفٍ لا يفرض نفسه، لكنه لا يغيب. لم تُعره اهتماماً يُذكر، فقد اعتادت أن تمرّ على الوجوه مرور العابر على تفاصيل الشارع:

ترى ولا تتوقّف...

تسمع ولا تنشغل...

ثم تمضي.

ومع

ذلك،

كانت تمتلك حدساً صقلته التجارب، حدساً لا يخطئ التدبر حين يتوارى شيء خلف التفاصيل الصغيرة. رصدت نظراته التي تطول أكثر مما ينبغي، أسئلته المكرّرة بلبوس جديد، محاولات تقرّبه التي يحاول أن يمنحها معنى أكبر ممّا تسمح هي به.

لم تكن راغبة في أي علاقة جديدة.

تركت خلفها تجربة مضت كجرحٍ مفتوح ثم رُدم بالحجارة السوداء. تجربة حملت ما يكفي من الانكسارات لتجعل القلب يشبه حجراً ثقيلاً لا يريد أن يُمسّ مرة أخرى. وعندما غادرت إلى تلك البلاد الأوروبية البعيدة، حدّثت نفسها بأنها تهاجر من ذاكرة لا من وطن، ومن تجربة لا من ذات... وأن عليها هناك، بين برودة الشمال وحياد المدن الجديدة، أن تقيم مصالحة صامتة بينها وبين ذاتها، وأن تتعهّد قلبها بالترميم، وبعهدٍ صارم:

لا مغامرة،

لا جرح،

لا استسلام لنبضٍ خاطف.

كان عادل قد التحق حديثاً بالبرنامج الدراسي الجديد. بدأ حضوره في حياتها بأسئلة تبدو بريئة كأوراق الخريف:

كيف يتجاوز الطالب الجديد صعوبات الدراسة؟

ما أفضل طريقة للتأقلم مع متطلبات البحث؟

كانت تجيب بثقة لا تتصنّعها، فالكفاءة بالنسبة لها ليست ترفاً، بل قناعاً يحميها من ضعف كشفته الأيام يومًا ما.

كان عادل وسيماً بوسامةٍ هادئة لا تتعالى، مهذباً بقدر يجعله قريباً دون أن يكون متطفلاً، ولذلك لم تجد حرجاً في أن تمدّه بما يحتاج إليه من مساعدة.

وعندما كان يدعوها لفنجان قهوة في مقهى الجامعة، كانت ترى الأمر مساحة استراحة، لا أكثر، نافذة صغيرة تتنفّس منها قبل أن تعود إلى خريطة يومها الدقيقة.

مع مرور الشهور، توّلد بينهما شيء يشبه الصداقة، صداقة هادئة الملامح، ينمو ظلّها بلا ضجيج. بات يسألها عن ذوقها في اختيار ملابسه، يعرض عليها لون قميص أو ربطة عنق، فتبدي رأيها بابتسامة خفيفة مقرونة بتلك المسافة التي ترسمها حول قلبها كما يرسم الرسام خطًا أوليًا حول لوحة يريد أن يحميها من عبث الفرشاة.

لم يكن عادل أول من حاول الاقتراب منها. كثيرون كانوا يرون فيها جمالاً يصعب تجاهله، جمالاً ممزوجاً بصلابة تجعلها تقول دون أن تنطق:

"أنا لست فريسة، ولا أسمح لأحد أن يتجاوز حدودي".

امتلكت بصيرة شفيفة تميّز بها من اللحظة الأولى: بين العابث والجاد، بين من يجيد اللغة ومن يعبث بها، ولذلك اتقنت المضي دون أن تلتفت، واكتسبت القدرة على صدّ محاولات الآخرين دون أن تبدو جارحة ولا مستسلمة.

عادل، على خلاف ذلك، كان يقترب ببطء محسوب، كمن يخشى أن يوقظ جرحاً نائماً.

 دعاها إلى متحف في المدينة، ثم إلى افتتاح معرض فني، وكانت في كل مرة تكتشف صدفة جديدة تربط اهتماماته باهتماماتها، حتى خيّل إليها أحياناً أنه يقرأ العالم من الزاوية ذاتها التي تقف فيها، مع ذلك، ظلت واضحة وصريحة، قالت له بنبرة صادقة، جليّة إنّها لا ترغب في علاقة عاطفية، وإنه بالنسبة لها زميل وصديق، وإنها، وهذا ما لم تخفِه، تعتقد أنه جدير بالثقة.

لكنه لم يتراجع. ظلّ يتقدّم نحوها بخطوات متأنية لكنها واثقة... يحكي لها عن طفولته وعن مدينته الصغيرة في بلده البعيد، عن ذكرياته الأولى وجرحه العائلي القديم، ويصغي بحميمية لأي كلمة تقولها. كان أصدقاؤهما المشتركين يشهدون على نقاء سريرته، يطمئنونها بأنه صادق النية، كأن العالم من حولها يتواطأ، من غير قصد، على دفع قلبها خطوة نحو منطقة لم تشأ دخولها.

ومع الأيام صار حضورُه جزءاً من يوميّاتها، كظلّ يصاحبها دون أن يفرض نفسه، حتى أصبحت مشاعرها أكثر ارتباكاً، حذرة كالطائر الذي يخاف أن يضع قدميه على غصن قد ينكسر.

حلّ اليوم الذي انكسرت فيه تلك الاحتمالات جميعها، اليوم الذي انهار فيه كل شيء بعبارة واحدة.

كانوا يجلسون في مقهى صغير داخل الجامعة، يعجّ بالأحاديث والضحكات. راحت مها تصغي إلى حديث الأصدقاء بينما ذهنها شارد نحو بحثها، حين التفت إليها عادل، وكمن يعلن قراراً مصيرياً أمام الملأ، قال بصوت يسمعه الجميع:

"سأتزوجك يا مها.. رغماً عنك."

لم تكن الجملة كالصاعقة؛ كانت كإهانة تتسلل فجأة فتضرب الكرامة في الصميم. ارتجّ قلبها كوتر قُطع، وتحجّرت ملامحها بقسوة، واتّسع صمتها كأنه يستوعب المدى، بينما تلاشت في داخلها كل ذرة ثقة منحته إياها.

نظرت إليه نظرة تُشبه حدّ السيف حين يلمع قبل القطع. قالت بصوت هادئ، لكنه جارح بترو مخيف:

"ماذا قلت؟

ومن تكون أنت لتَهِب لنفسك حقّ تقرير حياتي؟

هل ظننتَ أن مشاعري تُنتزع كما تُنتزع الأشياء؟

احذر يا عادل..

فأنت لا تعرف أي امرأة تُخاطب."

نهضتَ!

خطوتها ثابتة،

وخرجت قبل أن يرى أحد تلك الدمعة التي أخفقت في منعها من أن تُفلت، دمعة غضب، لا ضعف.

لحق بها صديق مشترك لهما، محاولًا تبرير ما لا يُبرَّر. قال وهو يلهث:

" لم يقصد سوءاً يا مها.. خانه التعبير"..

لكنها قاطعته ببرودة مؤلمة:

"لن أراه مجدداً.

بلّغه ذلك."

مضت كمن يدفن علاقة لم تولد، لكنها أثقلت صدرها بما يكفي لتعرف أنّ هذا الباب قد أُغلق إلى الأبد.

مرّ أسبوع ثقيل...

صارت الجامعة واسعة كفراغٍ لا حدود له. كانت تمشي في الممرات نفسها، تتناول قهوتها من المكان نفسه، لكن غيابه كان يترك في داخلها رجفة خفية لا تعترف بها. لم تكن تريد أن تعترف بأن الألم الذي تشعر به ليس غضباً فقط، بل كسراً صغيراً لم تفهمه بعد.

ظهر صديقهما المشترك يوماً، جلس بقربها في المقهى، وقال بصوت متوتر:

"إنه مريض يا مها.. مكتئب بشدة. يندم بلا توقف. يقول إنه هدم كل شيء بلحظة طيش."

ظلت تأكل ببطء، كأنها تمنع نفسها من الاستسلام لما تسمعه، فقال:

"لقد ترك الدراسة.. يفكر بالرحيل."

رفعت رأسها. سألت بصوت هادئ يخفي اضطراباً لا يُرى:

"ولماذا؟"

قال: "لا يحتمل البقاء بعد ما حدث."

ابتسمت ابتسامة باهتة، وقالت:

"لا شيء يستحق أن يترك مستقبله لأجله. الأيام ترمّم كل شيء.. أو تتركه يختفي."

واصلت تناول وجبتها...

لم تضف شيئًا..

وحين انتهت...

غادرت بهدوء رخيّ.

بعد أسبوع آخر عاد للظهور. أولاً من بعيد، ثم من قريب. كان يأتي مع صديقه، كجسر أمان بينهما.

 شيئاً فشيئاً تلاشى الجليد، وبدأت تتبادل معه أحاديث خفيفة، ثم دعوات قصيرة. وحين اجتازت أصعب امتحاناتها وحققت نجاحاً مشرفًا، لاحظت ان قلبها بدأ يتفتّح من جديد.

قالت في سرّها:

"أخطأ.. لكنه لم يقصد. والرجل الذي يجرؤ على مواجهة خطئه إلى حد الانهيار ربما يستحق فرصة أخرى."

ومع ازدياد تقاربهما عادت الهمسات بين الزملاء، لكنها لم تعبأ، فقد تعلّمت ألا تحيا بتفسير الآخرين.

وفي يوم عيد العمال، قررا أن يقضيا نهاراً هادئاً عند البحيرة. كان المطر ينثر قطراته الخفيفة على السطح الهادئ، وحين وضع عادل يده على كتفها برفق يشبه اعترافاً بلا كلام، التقت نظراتهما، وفهم كل منهما الآخر. شعرت مها بأن جدار خوفها يلين، وأن هشاشتها ليست ضعفاً بل جزءاً من إنسانيتها المكبوتة.

ومنذ ذلك اليوم، بدأت العلاقة تنمو كشتلة صغيرة تُروى بالصفاء، علاقة فيها مودة خجولة ورغبة محتشمة ونظرات لا تريد أن تقول أكثر مما يجب.

مرت الشهور، لكن شيئاً غريباً بدأ ينساب كخيط بارد في قلبها. عادل لم يعد يتحدث عن مستقبل العلاقة، لمّح إليها مرة واحدة ثم صمت، حتى بدا وكأن رغبة الارتباط قد انطفأت فيه. وعلى العكس، كانت مها تشعر باحتياج يتنامى، بتوقٍ يتشكّل في صدرها كغيمة ثقيلة تبحث عن غواية اهراقها. كانت تنتظر منه كلمة،

إشارة،

وعداً بسيطاً.

لكن صمته كان يوجعها أكثر من أي جرح سابق.

وفي مساء هادئ، بينما كانت المدينة تخفت أضواؤها كشموع تُطوى، جمعَت شجاعتها، وقلبها يرتجف خلف هدوء صوتها، وقالت له:

"لقد حان وقت الارتباط يا عادل. أكملتُ ما يجب أن أُكمله، وأعرف أن متابعة الدكتوراه قد تواجه عقبات كثيرة. الآن هو الوقت الأنسب..

الوقت الأبلغ الذي أحتاج فيه إلى وضوحك."

صمتت، تراقب إرتجافة شفتيه،

تنصت إلى الثواني وهي تهوي بينهما كحجارة في هاوية.

رفع رأسه ببطء، كمن يخرج من غفلة طويلة، وفي عينيه لمعة غريبة لم تألفها من قبل، لمعة باردة لا تُشبه ذلك الحنان الذي اعتادته منه. ثم أطلق عبارته.. تلك العبارة التي لم تكن صدمة بقدر ما كانت نصل سيف انغرس في عمق روحها:

"أنا لا أنوي الزواج.. أفضّل أن تبقى علاقتنا بلا ارتباط، بلا قيود."

تجمّدت الكلمات في حلقها، كأنها اصطدمت بحجرة صماء داخل صدرها.

"ماذا تعني؟!"

خرج السؤال منها متكسّراً، لكنه لا يزال يحمل بقايا كبريائها.

أجاب ببرودٍ صادم:

"أقصد.. أن نبقي العلاقة حرّة."

عندها شعرت بأن الأرض قد تشققت تحت قدميها، وان ضفتا الأرض قد انطبقتا... لم يكن وقع الجملة مجرد خذلان، بل كصفعة مزّقت كل ما بنتْه من أحلام مؤجلة، وأوهام آمنت بها حين ظنت أن قلبها قد وجد أخيراً من يعرف قدره.

نهضت بغريزة من يبحث عن النجاة من حريق شبّ فجأة في صدره، واستدارت مبتعدة عنه...

خطواتها

طويلة

كأنها

تهرول

هرباً من نفسها

قبل أن تهرب منه.

كانت تعرف، وهي تمشي في الممر الفارغ، أن شيئاً ما، في أعماقها، هذه المرّة، قد انكسر.. انكساراً لا يجبره الوقت ولا تلملمه الأعذار. لم تكن لتبالي بما قد يقوله الآخرون عن تشظيها المفاجئ، ولا ما قد يتداوله الزملاء من همسات، الألم كان أكبر من كل ذلك، أعمق من سخرية الناس ومن شماتة من ينتظر سقوطها. كانت تبحث عن ذاتها التي خانتها.. حين ارتضت أن تمنح قلبها فرصة جديدة، فإذا بهذه الفرصة تنقلب عليها خنجراً لا تعرف كيف انغرز بينها وبين أضلاعها.

تلك الليلة، جلست ساعات طويلة على حافة سريرها، كمن يسهر فوق جرح مفتوح ينزف بكيد وقور. كانت تُحصي نبضاتها، وكل نبضة كأنها جلدٌ جديد تُنزله على نفسها عقاباً. همست في أعماقها:

"أنا السبب.. نعم، أنا الملامة. تركتُ له مساحة أكبر مما يستحق، فاجترأ حتى على قلبي."

لم يغمض لها جفن. ومع بزوغ الفجر، كانت قد اتخذت قراراً لم تتخيّله يوماً. وقفت أمام المرآة طويلاً. لم ترَ امرأة محطمة كما توقعت، بل رأتها.. رأت نفسها تطالبها باستعادة كرامتها من بين أنقاض هذا الألم.

قبل الظهيرة بقليل، قصدت غرفته. كان غارقاً في نوم ثقيل لا يشي بأن قلباً آخر غير قلبها قد نزف ليلة كاملة. هزّته بقوة حتى فتح عينيه مذعوراً، ثم قال وهو يحاول التخفّي خلف حنانٍ مفتعل:

"ماذا هناك يا حبيبتي؟!"

ردّت بصوت حاد وحاسم، لا يشبه نبرتها المعتادة:

"انهض. سنذهب الآن لعقد زواجنا. بعد ساعة سيكون كل شيء جاهزاً، وبعض الأصدقاء سيكونون شهوداً."

لم يبدِ اعتراضاً. بدا وكأنه يسلّم للأمر لا عن قناعة، بل عن لا مبالاة. تمتم بكلمات فاترة:

"كنت أريد زفافاً حقيقياً.. مثل أي عريس... كـ..."

لكنها لم تعطه فرصة لإكمال حديثه. قالت بحزم:

"نلتقي بعد ساعة!"

القت اليه بالعنوان...

وغادرت.

مضى كل شيء كما أرادت.. أو كما ظنت أنها تريد.

بقي الشرخ في داخلها عميقاً، غائراً، كصدع في جدار لا يجدي معه الطلاء مهما بدا متماسكاً.

في المساء، ازدانت القاعة بالأضواء، وتعالت الضحكات، وارتفعت الكؤوس احتفاءً بما ظنّه الجميع ليلة بهيجة.

كان «العريس» منتشيًا، يوزع ابتساماته يميناً ويساراً، كأن الكون قد وُضع بين يديه. أما هي فجلست صامتة، كأنها معزولة داخل قبة زجاجية لا يصلها من العالم سوى صدى جرحها الداخلي.

نهضت ببطء وهي ترفع كأسها كمن يحمل حملاً ثقيلاً. طلب منها أن تسمح له بمرافقتها حين همّت بالمغادرة، لكنها اكتفت بابتسامة باهتة وقالت:

"أنا بخير.. عدْ إليهم، إنهم ينتظرونك."

تركت يده...

انسحبت بخطى سريعة، تسبقها دموعها قبل أن تصل إلى باب الغرفة. كانت قد رتّبت كل شيء مسبقاً. جلست إلى الطاولة، وكتبت رسالة قصيرة بخط ثابت.. إلا أن ارتجاف قلبها كان يَفضَح بين السطور:

عزيزي عادل،

ورقة الزواج لم تُصدّق بعد، فهي لم تصبح رسمية،

أي في حكم الباطلة.

وعليه، فأنت في حِلّ من أي ارتباط.

أتمنى لك كل الخير.

"مها"

*

وضعت الرسالة على المكتب، حملت حقيبتها، ثم سحبت حقيبة السفر الصغيرة التي أعدّتها بصمت.

تركت باب الغرفة مواربًا، كأنها تُخرج أخيراً كل ما أثقل روحها.

وقفت أمام المصعد لحظة...

سحبت نفساً عميقاً بدا كأنه يطرد آخر ذرة وجع.

دخلت..

انغلق الباب خلفها.

وبانغلاقه، كانت حياةٌ كاملة تُطوى،

لتولد أخرى..

ولو من رماد قلبٍ مكسور.

***

سعاد الراعي

هذا ما كنت انوي عمله

في صباي التحديق

في النجوم ورسم

زهرة بنفسج

على جدار الامل

2-

بين لحظة واخرى

تمر بخاطري

فكرة سريعة سريعة

ومضيئة كوميض البرق

ومن ثم تختفي تختفي

محترقة بزحمة الحياة

3-

مكالمة اتتني

من اين

من عندليب حزين

ومن غزالة مطاردة

ومن نورس حزين

مقصوص الجناحين

على شاطئ بحر

منجمد سمعته

يصرخ يصرخ

يبغي المساعدة

4 –

احب زهرة بنفسج

وغزالة لؤلؤيتي العينين

تاتيني دائما في حلمي

لتزيح عني

ثقل رغباتي

5 –

في اللحظة المناسبة

سارسم على جدار طاحونة قلبي

زهرة وهدهد واغني

اغنية الشروق

المزدهرة

6 –

من يفك عني

حرير النعاس

ويعرض على نبضاتي

بهجة الينابيع

7-

جنود يلقون

في النهر الحجارة

وصوت اطلاقات نار كثيف

وانا في صومعة قلبي

ارسم على جدار الامل

. بنفسجة واقحوانة

***

سالم الياس مدالو

لم يكن الصباح مختلفاً عن سابقيه حين خرج حسن من بيته في الحي الشعبي، إلا أنه شعر، وهو يغلق الباب الخشبي خلفه، بأن شيئاً غير مرئي يتحرك في الهواء. كان البرد يلسع أطراف أصابعه، لكنه لم يعره اهتماماً. شدّ ياقة معطفه البني المهترئ، وسار ببطء نحو المدرسة. خطواته على الإسفلت كانت كأنها لا تخصّه، كأنها خطوات شخص آخر، رجلٍ يشبهه ولكنه ليس هو تماماً.

السماء كانت رمادية، غائمة، لكنها ليست غيوم المطر. كانت غيوماً ثقيلة، تشبه صفحة كتاب قديم امتلأت بهامشها خربشات لا يستطيع أحد قراءتها. شعر فجأة بأن تلك الغيوم تتبعه، كأن بينها وبينه وعداً لم يُكشف بعد.

اقترب من باب المدرسة، فهبت رائحة الطباشير القديمة، رائحة يعرفها منذ عشرات السنين. تمنّى لو يضمّ أنفه بيديه كي لا يستنشقها، لكن العادة أقوى من الإرادة.

دخل الفصل. كان التلاميذ يتحركون كأسراب عصافير صغيرة، لا تهدأ. وما إن رأوه حتى هدأوا جزئياً، إذ لم يكن حسن معلماً صارماً، بل معلماً مرهقاً، يمرّ بينهم كنسمة ثقيلة.

كتب التاريخ على السبورة، فلاحظ أن أصابعه ترتجف قليلاً. حاول أن يخفي ذلك، لكن الطفل الجالس في الصف الأمامي لاحظ الارتجاف.

– أستاذ.. واش يدّك مريضة؟

– لا.. غير البرد، غير البرد.

كان يقول دائماً إن البرد هو السبب.

لكن الحقيقة أعمق. الارتجاف يأتي من شيء داخلي، شيء لا يعرفه أحد، ولا يستطيع هو نفسه إعطاءه اسماً.

بدأ الدرس. وبدأ صوته يتردد داخل الفصل بشكل غريب، كأن صدى خفيفاً كان يرافق كلماته، وكان الصدى يأتي متأخراً بنصف ثانية. لم يستغرب حسن كثيراً، فقد صار يسمع أشياء منذ مدة، يظنها أحياناً تعباً أو وسواساً. لكن هذا الصدى بالذات جعله ينظر إلى التلاميذ ويتأكد أنهم لا يسمعونه. كانوا يتابعون الدرس بشكل عادي، لكن الصدى كان حاضراً.. فقط في رأسه.

اقترب من السبورة ورسم دائرة.

فجأة، تحركت الدائرة بشكل طفيف، كأنها نبضت.

لم يتأكد إن كان الأمر حقيقياً أم وهماً.

مرّ الإصبع عليها فوجد الطباشير عادياً، خاملاً.. كما يجب أن يكون.

أدار ظهره للتلاميذ، وأحسّ بثقل كبير على كتفيه.

لم يكن هذا الثقل جسدياً فقط، بل كان ثقل السنوات، ثقل العمر الذي مضى دون أن يترك وراءه سوى إرهاق لا نهاية له.

عند نهاية الدرس، خرج دون أن يتكلم كثيراً.

لم يودّع أحداً.

كان يعرف جيداً أين ستقوده قدماه: الدكان.

الدكان يقع في زقاق ضيق يتسلل إليه الضوء بصعوبة.

على بابه يقف الحاج عبد المولى، رجل كبير السن، بطيء الحركة، لكنه يملك عينين لا يمكن خداعهما.

حين رآه قال:

– مرحبا حسن.. داكشي المعتاد؟

– المعتاد.. آه.

كانت بينهما لغة صامتة.

لا أسئلة، لا نصائح، لا عتاب.

كلّ منهما يعرف أن الآخر يحمل حملاً لا طائل من الكلام فيه.

دخل حسن إلى الزاوية الخلفية حيث الكرسي المعدني.

جلس.

كان المكان مظلماً قليلاً، لكن الظلام كان يناسبه.

رفع الكأس، قربه إلى شفتيه، وشعر بأن السائل ينزل كما لو كان يسقط في بئر بلا قاع.

في تلك اللحظات، كانت الواقعية السحرية تتسلل دون أن ينتبه.

رأى في الزجاجة ظلّ شخص يشبهه، يجلس قبالته داخلها، يحرك شفتيه دون صوت.

فرك عينيه.

اختفى الظلّ.

ابتسم بسخرية من نفسه:

"بدأت أرى أشياء لم تعد موجودة إلا في رأسي."

مرت الأيام، وكل يوم بعد المدرسة يتكرر المشهد نفسه:

الفصل.. الطباشير.. الصدى.. الزاوية.. الكأس.. الصمت.

لكن الليلة التي تغيّر فيها كل شيء كانت باردة بشكل غريب.

الهواء كان ثقيلاً، والضوء الأصفر للدكان بدا أكثر اهتزازاً من المعتاد، كأن المصابيح تتنفس ببطء.

سمع حسن صوتاً خفيفاً، كأن أحداً يناديه باسمه من بعيد.

لم يكن الحاج في الدكان، فقد خرج لشراء شيء ما.

وقف حسن بقلق.

الصوت تكرر، هذه المرة أوضح:

"حسن.."

التفت.

لم يجد أحداً.

ثم رأى شيئاً جعله يحدق:

قطعة الطباشير البيضاء التي حملها معه دون أن ينتبه، كانت في جيبه.

أخرجها.

كانت تشعّ بخفوت، كأن داخلها ضوءاً صغيراً.

ثم انطفأ الضوء.

لم يعرف ما يقول.

عاد إلى كرسيه بسرعة، كأن الحركة ستجعله ينسى ما رأى.

لكن لم يُتح له الوقت.

فجأة سمع ضجة في الخارج.

خرج مسرعاً.

وجد الحاج عبد المولى ملقى على الأرض، يتنفس بصعوبة.

حاول أن يرفع رأسه، وصاح في الناس أن يتصلوا بالإسعاف.

حين حمل الحاج رأسه، رآه يفتح عينيه بصعوبة ويقول:

– حسن.. مفتاح الدكان.. خلي بالك منه..

– الله يرضي عليك حاج، غير تهوّن.

– الدنيا ما كتسوا والو.. ما تبقاش تهرب..

وتوقف الكلام.

أغمض الحاج عينيه.

لم يعرف حسن ما إذا كانت غفوة أم شيئاً آخر، لأن وجه الحاج صار شاحباً بطريقة غريبة، تكاد تكون شفافة.

في تلك اللحظة، ظنّ أن جسد الحاج أصبح خفيفاً لدرجة أنه يكاد يطفو.

حضر الإسعاف متأخراً.

وحسن بقي واقفاً في الزقاق، يده تمسك المفتاح الذي وضعه الحاج في يده قبل أن يغيب.

كان المفتاح ساخناً كأنه خرج لتوّه من النار.

مدّ يده ورأى أن حرارته تُكوّن ضوءاً خفيفاً، يشبه ذلك الضوء الذي رآه في الطباشير.

أغمض عينيه.

وحين فتحهما.. اختفى الضوء.

عاد إلى الدكان تلك الليلة، لكنه لم يستطع الجلوس.

جال ببصره بين الرفوف.

كان كل شيء هادئاً.. أكثر من اللازم.

ثم رأى شيئاً غريباً:

قطعة الطباشير التي كانت في جيبه، ظهرت فجأة على الطاولة، رغم أنه لم يضعها هناك.

اقترب منها ببطء.

كانت تتحرك قليلاً، كأنها تتنفس.

ابتعد، مذهولاً.

ثم ضحك على نفسه مرة أخرى.

"أصبحت أعيش في أوهام.. أو ربما تعب.. أو ربما شيء آخر."

في اليوم التالي، ذهب إلى المدرسة بوجه مختلف.

كان هادئاً بشكل غير مألوف.

وقف أمام التلاميذ، كتب كلمة واحدة على السبورة:

"البداية"

لكن لحظة كتابتها، انكسرت قطعة الطباشير نصفين.

وسمع الصوت بوضوح:

صدى جديد.. لكن هذه المرة كان الصدى يسبقه، لا يتأخر عنه.

لم يفهم.

نظر إلى السبورة.

الكلمة التي كتبها لم تعد "البداية".

صارت كلمة أخرى:

"البقية"

تراجع خطوة للخلف.

التلاميذ لم يلاحظوا شيئاً.

فقط حسن رأى الكلمة تتغير ببطء، كأن يداً غير مرئية تكمل ما بدأه.

خرج من الفصل مرتبكاً.

لم يعد يستطيع التمييز بين ما يراه وما يتخيله.

عند المساء، عاد إلى الدكان.

جلس في المكان نفسه.

كانت الزجاجة على الطاولة كما تركها.

لكنه لم يلمسها.

نظر إليها طويلاً، فرآها تتحول تدريجياً..

ظلّه داخلها صار واضحاً هذه المرة.

يحرك شفتين لا يسمع صوتهما.

مدّ يده نحو الزجاجة.. ثم سحبها.

كان يشعر أن حياته كلها تختصر في تلك اللحظة:

أن يلمس.. أو لا يلمس..

أن يختار.. أو يترك غيره يختار عنه.

في الخارج، سمع صوت الأطفال يلعبون.

ثم صوتاً آخر..

صوت الحاج عبد المولى.

لم يكن متأكداً إن كان الصوت يأتي من الخارج.. أم من داخله.. أم من مكان ثالث بينهما.

"حسن.. ما تبقاش تهرب."

أغلق عينيه.

لما فتحهما، وجد الكرسي أمامه فارغاً، والزجاجة فارغة..

أو ربما لم تكن هناك زجاجة أصلاً.

لم يكن متأكداً.

خرج من الدكان، والمفتاح في جيبه.

مشى في الزقاق ببطء، والهواء صار أثقل من العادة.

اختفت الأصوات تدريجياً، كأن المدينة تنام ببطء.

حين وصل إلى تقاطع الزقاق، توقف.

سمع خطوات خلفه.

التفت..

لكن لم يكن هناك أحد.

رفع عينيه إلى السماء.

الغيوم نفسها التي رآها صباحاً كانت ما تزال معلّقة، لكن بينها فتحة صغيرة، يظهر منها ضوء غامض، ضوء يشبه..

ضوء الطباشير.

وضوء المفتاح.

وضوء الحاج.

مدّ يده كأنه يريد لمس الفتحة.

لكن الهواء نفسه صار كثيفاً.

لم يعرف هل هو يحلم.. أم يستيقظ..

هل هو يبدأ.. أم ينتهي..

هل يسير إلى الأمام.. أم يعود إلى الوراء..

ولم يعرف أحد بعد ذلك إلى أين مضى حسن تلك الليلة.

هل عاد إلى الدكان؟

هل ذهب إلى المدرسة؟

هل تبع الصوت الذي يناديه؟

أم مشى نحو الضوء الذي فتح ثغرة صغيرة بين الغيوم؟

لا أحد يعرف.

فقط شيء واحد بقي مؤكداً:

الزقاق في تلك الليلة كان يقول اسمه بصوت خافت..

وحسن كان يجيب دون أن يفتح فمه.

***

حسن لمين -  كاتب مغربي

تزامن يوم العطلة بيوم الأحد بداية، في تلك المدينة الوضاءة. مدينة كانت تستند على قوة التاريخ الوسيط، وهي لا تزال غارقة في صمت مطبق تبحث عن خلاصها التام وبلا مناوشات سلبية في الفوضى. في تحد مباشر لكل الهدوء والصمت، كان أنير يتجول في تلك الفراغات الناجية من لغو كلام الفراشة وأصحاب الكراريس (عَنْدَاكْ... عَنْدَاكْ...). حينها كانت المدينة طيعة في غياب أنفاس المارة الحانقة، وتزيد فيضا من الجمال والصدق.

 تلاشى الظلام بخفة سريعة في فصل الخريف، حين سطعت شمس فجر جديد بتلك المدينة المنهوكة من كثرة عقوق قومها. لحظتها بدأت الحياة تزيد متسعا من الأرجل المتأنية عند تشعبات الأزقة الضيقة والملتوية والفرعية. مرة كانت الأصوات هادرة عاصفة بحركة الغدو، ومرات هادئة بسكينة خروج المصلين من المساجد بعد قراءة الحزب.

رجل مسن ذو لحية بيضاء أنيقة، كان يمشي مسنودا على عكاز، حين تفقده أنير وجها لوجه وعينا بعين، توقف الاثنين عن الخطى، وكأن الزمن هو الذي توقف بالاسترجاع لذكريات المكان. كانت ذلك اللقاء الفجائي تسوده لحظة من صمت ثقيل، وكأنهما في تمرين صعب لفك شفرات سؤال امتحان أخير في كشف التاريخ المسكوت عنه بالفطرة، ومن أنشأ تلك المدينة العصية؟

بحق الله، العظمة التي لا تموت ولا تندثر بالانتهاء في تلك الساحة التاريخية. كانت المدينة رغم صمتها المطبق عنوة روحا حية لن تموت أبدا بأثرها العمراني فهي سيد الامتداد. قد تسقط في لحظة غير مرئية من القمة نحو الحضيض الأسفل، ولكن التحدي يبقى مجنونا بالعودة نحو الأبهة و تسلق القمة بلا معاودة السقطة.

حين وقف الرجل المسن أمام أنير كانت القلوب تتحدث بطلاقة (ويفي) خفي، والإحساسات الكامنة في القلب حبا لذات المدينة، ثم قال الشيخ وبلا مقدمات: أنا مجرد رجل فَقَدَ وأضاع كل شيء، ما عدا قدرته أنفته على استعادة تاريخ تلك المدينة المنسية في أحلام القوم وصناع القرار !!! قلب أنير يخفق كقرع طبول حرب آتية من أبواب تلك المدينة المغلقة والموصدة أمام قيادة التغيير. أحس كأن الأرض تَميدُ به غثيانا ودوارا في تلك الساحة، وتهتز بدون حركة عصيان، ولا بأحداث ثورة وادي بوفكران الباقية في المخيلة الشعبية. كانت كل أفكار أنير تستجلب البحث عن تلك الخيوط الرابط بينه وبين هذا الرجل المسن في بياض اللحية والثوب، والذي خرج من حلم فجر دافئ وبلا منبهات دالة على وجوده الحقيقي. كان أنير يفكر في أنه وقع في فخ سميك والذي قد نصنعه بأيدينا وتفكيرنا وسياساتنا غير المتزنة في غياب أفق التخطيط لأحلام وحياة سعادة تلك المدينة.

كان المشهد غير عادي بالمرة، بل فيه نوع من توابل أسطورة مدينة تصنع الأحلام الوردية في الكلام المباح، وتعتز بالذكريات التاريخية، وتفقد بريقها في حاضرها ومستقبلها. كانت بِضع من دمعات أنير تنهمر دون أن يشعر بحرارتها، ولم تقدر على الانزلاق على خدود تلك المدينة التي تدعى بالتاريخية. إنه تحد حي وحقيقي لتمثله الشعوري بتلك المدينة، فقد كان يبحث عن ملمح الصوفي سلطان الأولياء مولاي عبد القادر الجيلالي بلا سند روحاني. كانت عيناه تتقد نورا داخل فضاء وجهه الوضاء وبتلك اللحية البيضاء والمنسقة، ومما زاد المشهد وضوحا تلك الأنوار الساطعة من شمس صُبح بارد ومستملح الإشرافات.

من أمام معبد الموسيقى وآلياته التاريخية المليحة بمتحف رياض الجامعي، كان وقوف سقاية سبع عنابب أنيقا والتي ترتبط بالإرث التاريخي بذات المدينة، وتزيد ساحة الهديم روعة وبهاء، وتنعم على قبلة باب منصور برودة وبدون تكييف اصطناعي يعمل بأقصى حدته. كان المكان يتلألأ مثل المجوهرات التي لا تفتقد بريقها الذهبي حتى وإن تزينت بها عجوز شمطاء.

في تلاشي ثواني الخوف عند أنير، قبَّلَ رأس الرجل المسن تيمنا بعرف أهل تلك المدينة الطيبة. لحظة طلق الصمت طلاقا بائنا والذي كان قد عمر رأس منذ زمن البدايات، ومن عهد زمن الجمر والرصاص الذي خلف تأخر تلك المدينة المنسية من قاموس العدالة المجالية . وقف أمامه بأنفة الرجل غير المستهلك لفراغات و بياضات تلك المدينة في تنمية العز والكرامة. بحق كانت كلمات أنير آخر نغمة تسمع في أبواب قاعة متحف رياض الجامعي، وهي آتية من كل تلك الآليات الموسيقية المعروضة باختلاف الزمن والجنسيات، ومن كل الأمكنة التي سكنت ذات المدينة النَّاغمة (نغمة) في الفن والثقافة، ومن كل أنواع الإثنيات والقوميات بتنوع الألبسة واللغات واللهجات. فرح أنير والشيخ المسن كذلك، من تلك الأنغام الوافدة من قرب المكان للقلب والسمع بعدما كانت تلك المدينة غارقة في صمت سائد ومطبق.

أنير لم يُلق باللوم على أحد من سوء خطى تلك المدينة المتأخرة في تمييز الخير والتمكين، بل وثق للحظات صادقة مع التاريخ المنسي بتلك المدينة المنهوكة من شدة الترامي على المسؤوليات وبلا أثر ناضج. في هذا التحدي المادي من التاريخ غير الصامت رمى الشيخ بعكازه أرضا، بينما كان أنير يرتشف سبع رشفات متأنية من صنابير لا تنضب في سقاية سبع عنانب العالمية. حين استدار أنير بالحمد والتهليل من السقوى، كان عكاز الشيخ مرميا على باب متحف رياض الجامعي بتك المدينة النائمة في صبح عطلتها ونهاية أسبوعها. رفع أنير عكاز الشيخ المسن وجعل واقفا عليا حتى لا تزيد تلك المدينة اندحارا من الأسوأ نحو الأدنى منه. وقف ونظر إلى المكان ورفع كاميرا هاتف ليس للتسلية بل لتوثيق لحظة صادقة في العودة نحو حلم ذات المدينة مع شيخ المسنين.

***

محسن الأكرمين

كانت الشمس تميل نحو الأفق، وخيوطها الذهبية تزحف على جدران المحلة البغدادية العريقة، التي تتلاصق بيوتها، وتنبعث من أبوابها الخشبية رائحة ممزوجة بآثار أعوام مضت، فمع أول ضوء يتسلل عبر النوافذ الصغيرة، تتصاعد أصوات الملاعق وهي تصطدم بأقداح الشاي، وتعلو ثرثرة النسوة وهن يتبادلن الأحاديث من فوق الأسطح، فيما يتردد في الأجواء نداء الباعة المتجولين الذين يملؤون الأزقة صخباً وهم ينادون على بضاعتهم بلهجتهم البغدادية العتيقة.

في ذلك المكان الذي تكبر فيه الطفولة ببطء وجمال لا يدركه من لم يعش تلك الأزقة الضيقة التي كان الأطفال يجعلون منها ملعباً واسعاً لأحلامهم الصغيرة، يركضون بلا قيود بين بيوت يعرف أهلها بعضهم، ورغم فقرها وبساطتها، فقد كانت المحلّة غنية بأهلها، بعاداتهم، بصلوات المساء التي توقظ المآذن، وبالأضواء الصفراء الخافتة التي تلمع على الحجارة القديمة كلما اقترب الليل.

في قلب تلك الأزقة، ارتفعت صيحات الصبية وهم يلعبون الكرة، كعادتهم كل عصر، بينما تتعالى ضحكاتهم وتلهث أنفاسهم، كان هو الأسرع بينهم، صبي يضجّ وجهه ببراءة السنوات العشر المحمولة على جسد نحيل، وعينيه تلتمع بالمنافسة كلما اقتربت الكرة منه، فيركلها بكل حماسة، وتعلو ضحكته مع كل مراوغة ناجحة، فيما يتعالى صوته مع كل هدف يُسجّل.

في تلك اللحظة، داهمتهم شاحنات كالحة، فانقطعت الضحكات، وحلّ صمت ثقيل مفاجئ، انفتحت أبواب الشاحنات وانسكب منها رجال بوجوه متجهمة وأوامر صارمة، لم يترددوا حين أمسكوا بالصبي من ذراعه الصغيرة ورفعوه عن الأرض بلا سؤال، بلا تفسير.. اختنقت صرخته وسط دهشة الصبية الآخرين، صرخ أصدقاؤه وتجمّد بعضهم في أماكنهم، فيما تفرّق الآخرين في الأزقة، أما هو، فلم يفهم ما يجري، وكيف يفهم صبي في مثل عمره لماذا يُساق كأنه مذنب، ولماذا تُصادر طفولته دون ذنب اقترفه سوى أنه وُلد في جلد لم يختره؟

لم يشعر الصبي إلا ببرودة الحديد تلامس جلده حين أُلقي في مؤخرة الشاحنة بين أجساد صغيرة أخرى اختُطفت كما اختُطف هو، بعضها يبكي بصوت مخنوق، وبعضها صامت.. كانت الشاحنة تهتزّ بهم على الطريق لتقتلع جزءا جديدا من طفولتهم، حتى بدا لهم أن العالم خارج تلك الجدران الحديدية قد صار بعيدا، بلا لون ولا صوت، حاول الصبي أن يسأل أحد الرجال الذين يقفون عند الباب، لكن نظرة قاسية صامتة أخرست فضوله الطفولي، ليتراجع، ويضمّ ركبتيه إلى صدره، ثم حاول أن يبحث في بين طيات ذاكرتَه القصيرة عن خطأ ارتكبه، أو فعل يستحق هذا العقاب، فلم يجد سوى صور لعب وابتسامات وضحكات..

لم يكن يدري أن في تلك اللحظة نفسها كانت الأبواب تُقتلع في بيته، حيث يُساق أبوه وأخواه إلى غياب لا اسم له، ولم يتبقَّ سوى البنات، وأمّ يتمزق قلبها بين جدران بيت بات أشد صمتا مما تُطيقه الروح، كنّ ينتظرن مصير الغائبين الذين لم يكن لهم ذنب له سوى أنهم كورد فيليون في زمن جعل من الهوية جريمة، ومن الانتماء لعنة.

كان الليل قد بدأ يهبط حين توقفت الشاحنة في مكان بدا كأنه خارج الزمن، تُفتح الأبواب دفعة واحدة، فيُساق الصبية إلى مبنى شاهق الجدران، حيث أُدخلوا في غرفة واسعة، أرضها من إسمنت بارد، وجدرانها بلا ملامح، بلا نوافذ، ولم يكن هناك شيء يشي بما سيحدث، سوى شعور داخلي بأنهم لن يعودوا قريبا أو ربما لن يعودوا أبدا.. جلس الصبي في زاوية الغرفة، يحاول أن يبتلع خوفه كما يبتلع ريقه، تذكّر وجه أمه، وعيونها التي كانت تتبع خطواته في الأزقة، وكيف كانت تقبّل جبينه قبل النوم، وكيف كانت يدها تربّت على كتفه كلما عاد من اللعب مثخنا بالغبار، فجأة، أحسّ أن تلك اللحظات كانت ثمينة ولم يكن يعرف قيمتها، وأن المسافة بينه وبينها صارت أبعد مما يتحمّله قلب صغير.

في الجهة الأخرى من المدينة، كانت أمه تجلس وسط بناتها، تنظر إلى الباب المخلوع، كأنها تنتظر أن يعود منه الغائبون متعبين من رحلة طويلة، لكن الليل طال، والباب بقي مفتوحا على فراغ يزداد قسوة، فالأم كانت تعرف في أعماقها، أن الزمن الذي خُطف منهم لن يعيده أي فجر، وأن الصوت الوحيد الذي سيطرق الباب بعد اليوم هو الريح الباردة التي تحمل ما تبقّى من رائحة الغائبين ثم تمضي.

بعد ليالٍ طويلة خرجت الأم من صمتها لتبدأ رحلة أخرى، حيث كانت كل صباح ترتدي عباءتها السوداء وتخرج إلى الأزقة، تسأل هذا وذاك، تقف عند أبواب الجيران، تتلمس في وجوههم أملا صغيرا، لعلّ أحدهم رأى، أو سمع، أو حتى حلم بخبر يحمل بعض الضوء، تمشي بخطوات مثقلة نحو مراكز الشرطة، ومقرّات الحزب الملعون، وأبواب الدوائر الأمنية، فكانت كلما وصلت، يُقابلها حارس بوجه جامد أو موظف بملل ثقيل، يلوّح بيده كمن يطرد شخصا لا أهميّة له، لكنّها لم تركن الى اليأس، وفي الأيام التي لا تقوى فيها على الخروج، كانت تجلس قرب الباب المخلوع، ترقّب المارّة، فتمرّ نسوة المحلة عليها، تضع إحداهن يدها على كتفها، تقول كلمة مواساة، ثم تمضي، وبعضهن يجلسن معها، يقسمن أنّ الليل لا يدوم، لكنّ عيونهن المرتعشة كانت تقول شيئا آخر.

كانت الأم تتسول الأخبار دون كلل، فتبحث في العيون قبل الكلمات، تفتّش في نبرة الصوت، في ارتجافة اليد، في تنهيدة امرأة رأت أو سمعت ما لا يُقال، تجمع حكايات الناس وتحاول أن تنسج منها صورة واحدة لزوجها وولديها.. صورة تقول إنهم ما زالوا أحياء، أو على الأقل ما زالوا موجودين في مكان ما.. ومع مرور الأيام، صار السؤال نفسه عبئا على المحلة، فالجواب كان دائما هو ذاته.. هزّة رأس، وصمت.. لكن الأم لم تتوقف، فالأم التي يُخطف منها أولادها لا تبحث بالعقل، بل بالقلب، والقلب لا يعرف الاستسلام.

مرّ عام كامل منذ اختُطف الصبي، كانت فيه الأم تتنقّل بين الأبواب حتى حلَّ ذلك الصباح الشاحب، حيث حملت معها آخر ما تبقّى في يدها من ميراث صغير، وطرقت باب ضابط أمن لا يفتح فمه إلا إذا شَبِعَت يداه مالا.. دفعت الأم المبلغ دون تردد، فالأم التي يضيع منها أولادها لا تفكّر بالأرقام، بل بالأنفاس التي تود أن تراها تعود، وبعد لحظات صامتة، لم يكن فيها صوت سوى خفقان قلبها، هزّ الضابط رأسه بتثاقل، وقال بصوت خشن: "سآخذك قريبا الى المعتقل.. لعلّنا نسمح لكِ برؤيته"، لم تسمع الأم كلمة "لعلّ"، فقد تشبّثت أذنها بآخر جملة "سنسمح لكِ برؤيته".

مع حلول فجر اليوم الموعود وقفت الأم أمام بوابة مبنى المعتقل الخرسانية العالية، كانت عباءتها السوداء أثقل من قبل حين دخلت من الممرّ الطويل الذي تنبعث منه رائحة رطوبة ممزوجة بالخوف، يرافقها حارس بوجه جامد لا يلتفت إليها، حيث قادها إلى غرفة ضيقة، نافذتها محجوبة بقضبان سميكة، وفي منتصفها مقعد خشبي خشن، قال لها الحارس: "انتظري هنا لدقائق".. لكن الدقائق صارت سنوات، ثم فُتح الباب بقوة، ودخل صبي نحيل، أطول قليلا مما كان عليه قبل عام وأشدُّ هزالًا، ارتجّ قلبها حين رأته، فتلك العينان، رغم انطفاء بريقهما، هما العينان ذاتهما التي كانت تلمع حين يركل الكرة في الأزقة.

اقترب الصبي بخطوات مترددة، وحين بلغها لم يتفوّه بأي كلمة، بل ارتمى في حضنها كأنها آخر ملجأ له، فاحتضنته بقوة، ثم سقط رأسه في حضنها لتشمّ رائحة شعره وتمسح عليه وهي تبحث في ملامحه عن بقايا الطفل الذي غاب، لتهمس له بصوتٍ خافت، ينكسر بين كلمة وأخرى: "يا بُني.. ما الذي فعلوه بك؟ أين أباك؟ أين أخواك؟ هل هم بخير؟"

لم يتكلم، بل كان يبكي بصمت لأنه لم يعد ذاك الصبي الذي تعرفه، انخفضت عيناه، وارتجفت شفتاه وتقلّص صدره، ثم هزّ رأسه ببطء، هزّة صغيرة واحدة كانت كافية لأن تزرع في قلب الأم يقينا هائلا بقدر ما هو موجع، بأن الغائبون لن يعودوا، ثم همس بصوت متهدّج، يصف ما فعلوه به، كيف عُذّب، وكيف كان كل يوم يمزق جزءا من جسده.

مرّت الأم بأصابع مرتجفة على آثار الجَلْد، وعلى الندوب التي لم يكن ينبغي لطفل أن يحملها، قبّلت جبينه وجفنيه ثم جراحه، واحدة تلو الأخرى، وراحت تدعو بلغتها الكوردية حيث لم تجد في العربية ما يترجم وجعها: "يا إلهي، خُذِ الألم من عظامه وانقله لعظامي، وانزع الوجع من جسده وضعه في جسدي".

كانت كلماتها تخرج محمّلة بحيرة لا جواب لها، بغضب مكتوم وحزن عميق لا قرار له، فلم تكن تلوم الخالق حقا، لكنها كانت تسأل، تصرخ، تبحث عن معنى لكل هذا العذاب الذي عليهم أن يتحملوه، لترفع رأسها مجددا إلى السماء وتهمس بلغة عربية مكسورة، حيث لا تعرف من هذه اللغة سوى قدر قليل: "لماذا؟ لماذا كل هذا الألم؟ لأنك منحتنا هذه الوجوه؟ هذه الأسماء؟ هل لأننا كورد؟ هل لأنك خلقتنا هكذا؟".

كان نحيبها يخرج من قلب يشبه أرضا أُحرقت ثم صارت تئن تحت الرماد، وقبل أن تكتمل لحظات المواجهة، طرق الحارس الباب بعنف، ثم قال بصوتٍ آمر: "انتهى الوقت".

تعلّق الصبي بعباءتها، يضغط أصابعه النحيلة على القماش والأم تحاول أن تتمسك به كأن يديها وحدهما قادرتان على تغيير مصير كُتب بيد الجلادين، ترجّت الحراس بكلمات عربية متعثرة، خليط من الرجاء والأمّومة، تطلب منهم أن يتركوا طفلها الصغير وشأنه.. أن يعتقلوها بدلا عنه، أو أن يسمحوا لها بأن تبقى معه، لكن القسوة لم تعرف لغة الأم ولا دمعتها، لينتزعه أحد الحراس من بين ذراعيها بقسوة جعلت قلبها ينخلع كما تُنتزع باب مخلوع للمرة الثانية، وسحبها حارس آخر من ذراعها، بينما أطراف أصابعها ما تزال مُعلّقة بكتف صغيرها.. صرخت، وبكت، دون جدوى، وكانت تعرف في أعماقها أن هذه اللحظة هي الوداع الأخير، فيما دفعه الحارس خارج الغرفة وأغلق الباب الحديدي خلفه لتخرج الأم من المعتقل وقد اختلطت دموعها بخطواتها المضطربة، وهي تحمل في صدرها وجعا كبيرا، لكنها خرجت أيضا بشيء واحد لم يكن لديها من قبل، وهو صورة وجهه، ذلك الوجه الذي رغم الشحوب والخوف وآثار السجن، كان هو الخيط الوحيد الذي أبقى الروح في جسدها، وهو الدافع الذي سيجعلها تقف أمام كل بابٍ وفي وجه كل جدار، لعلّها تستعيد ابنها، أو تستردّ ما تبقّى من عمرها الممزّق، لكنها لم تر بعدها لا زوجها ولا أولادها، فقد غابوا في الظلام كما غاب كثيرون غيرهم، لكنها سمعت، بعد وقت طويل من الانتظار، نبأ النهاية التي خُتِم بها قدر صغيرها، حيث إن الجلاد الذي نفّذ الحكم كان رجلا قاسيا، يعرف أن جسد الطفل خفيف إلى حدّ لا يسمح لعنقه أن ينكسر عند الإعدام، فربطوا قدميه بأسطوانة ثقيلة للغاز، حتى يضمنوا أن الموت ينزل على جسده الصغير بلا تردّد.. ثبّتوه بالحبل، فتحوا باب الآخرة، ودفعوه إلى النهاية.

رحل الصبي الذي لم يعرف من الحياة سوى ملعب ترابي وجَرْي خلف كرة، رحل وترك وراءه أما محطمة تحمل في جسدها كلّ الأوجاع التي دعَت الله أن ينقلها إليها من جسد ولدها، فلم تعد تبكي، فقد جفّت الدموع، ولم يبق لها سوى ذكرى حضن، وقبلة على جبين، ودعاء لم يستجب، كما بقيت طوال عمرها تردد سؤالا واحدا، تتوجه فيه إلى السماء لا إلى الأرض: لماذا يُقتَل طفل فقط لأنه وُلد كورديا؟

ليظلّ السؤال معلقا في الهواء، يمرّ فوق البيوت، فوق الساحات التي خلت من ضحكاته، ويمرّ فوق أمّ لم يلتئم قلبها ما دام فيه نبض يذكّرها به.

***

جليل إبراهيم المندلاوي

.........................

الإهداء: إلى روح الصبي البريء عطا، الذي لم يمنحه جلادوه فرصة ليحلم أو يعرف طعم الحياة، وإلى قلب والدته، التي فارقته ولم تفارق وجعه أبدا.

 

رأيتُكِ حُلمًا بلْ رأيتُكِ واقعا

وكُنتِ وأيمُ الله نورًا مشعشعا

*

وكيفَ يكونُ الحُلمُ تفديكِ مهجتي

وأنتِ إزائي حين عاينتُ بُرقعا

*

يلوحُ على وجهٍ تلألأ نورُهُ

ونوركِ نورُ اللهِ يا خير مَنْ سعى

*

ويا خيرَ أُنثى بالنجابةِ أعرقتْ

أبوكِ رسولُ اللهِ أشرفُ مَنْ رعى

*

وكُنتِ مِن النورِ الالهيِّ قبسةً

تجلّتْ وفيضُ النورِ منكِ تفرّعا

*

وكنتِ كما سُمّيتِ زهراءَ أمّةٍ

مكانُكِ في الدارينِ للناسِ مَفزعا

*

فيا رحمةَ الله ويا باب حِطّةٍ

أتيتُ بأوزارٍ وحالٍ تصدّعا

*

الى باب أهلِ البيتِ أرجو شفاعةً

وما خاب مَنْ يرجو الشفيعَ المُشفّعا

*

فألقيتُ رحلي عند بابكِ سائلًا

بجاهكِ أرجو الله فوزًا وموضعا

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور - الدنمارك / فارا

في 2 حزيران 2010

........................

* القصيدة في ذكرى ولادة الزهراء عليها السلام

ا. [سُؤَالُ الأَرْضِ]

الأَرْضُ لَا تَفْرِقُ بَيْنَ الزَّائِرِ وَالجُثَّةِ،

تَفْتحُ صَدْرًا لِمَنْ يَسْقُطُ في حَافَاتِها

لَكِنَّهَا-قَبْلَ الإِغْلَاقِ-تَهْمِسُ سِرًّا:

"هَلْ عِشْتَ؟ هَلْ كَتَبْتَ؟ هَلْ نَبَضْتَ؟"

فَإِنْ قُلْتَ "نَعَمْ" قَبِلَتْكَ وَلَدًا مِنْ تُرَابِها،

وَإِنْ صَمَتَّ دَفَنَتْكَ غَرِيبًا فِي دَارِ الغُرَباءِ

أَجْري عَلى ظَهْرِها بِأَثَرِ قَلمٍ مُتَّقِدٍ،

وأَكْتُبُ: "عِشْتُ... كَتَبْتُ... نَبَضْتُ..." ثَلاثاً،

حَتَّى يَنْشقَّ التُّرَابُ وَيُقَبِّلَ جَبْهَتي،

وَيَقُولَ: "اِرْقُدْ... فَقَدْ صِرْتَ حُلْمًا في حُلْمي"

وَأَعْلَمُ أَنَّ الأَرْضَ لَيْستْ تُرَابًا فَقَطْ،

بَلْ صَدْرٌ يَحْمِلُ أَسْمَاءً تَنْبُضُ: اسْمِي... وَاسْمَكِ... وَاسْمَ مَنْ أَحَبَّ

**

ب-[تُرَابي]

أَحْمِلُ تُرَابي عَلَى كَتِفي... كَأَنَّني أَحْمِلُ وَجْهي

أَمْشي عَلى الأَرْضِ، فَأَتْرُكُ أَثَرًا... وَاسْمًا... وَرَعْشَةً

وَكُلَّمَا لَامَسَتْ قَدَمي تُرَابًا فَاحَ مِنْهُ عُودُ الرُّوحِ،

فَأَعْلَمُ أَنَّني لَمْ أَرْحَلْ: بَلْ رَجَعْتُ إِلَى أَصْلي

أَرْسُمُ عَلى التُّرَابِ وَجْهًا بِلَا وَجْهٍ،

وَاسْمًا بِلَا اسْمٍ،

وَقَلْبًا بِلَا قَلْبٍ-

فَيَنْبُضُ التُّرَابُ... وَيَنْطِقُ التُّرَابُ... وَيَصِيرُ التُّرَابُ أَنَا

**

ج- [عَوْدَةٌ دُونَ جَوَاز]

أَعُودُ إِلَى الأَرْضِ... لَا جَوَازَ فِي جَيْبي،

وَلَا اسْمَ فِي كَشْفِ الْعَدَدِ

أَقِفُ أَمَامَها... أُقَبِّلُها... أُعَانِقُها... أُبْكِيها،

وَأَقُولُ: "أَنَا لَسْتُ عَابِرًا... أَنَا مِنْكِ... مِنْكِ"

فَتَنْشَقُّ الأَرْضُ... وَأَمْضي،

وَأَعْلَمُ أَنَّني لَمْ أَعْبُرْهَا-بَلْ عَبَرْتُ خَوْفي

وَأَصِيرُ أَنَا الأَرْضَ... وَأَصِيرُ التُّرَابَ... وَأَصِيرُ الكَلِمةَ

**

د- [الأَرْضُ تَكْتُبُني]

الأَرْضُ تَكْتُبُني عَلَى صَدْرِهَا:

بِدَمِي... بِدُمُوعي... بِكَلِمَاتي

تَكْتُبُني ثُمَّ تَمْحُوني...

تَكْتُبُني ثُمَّ تَمْحُوني...

كَأَنَّني حَرْفٌ لَا يُرْضِيها،

فَأُغَيِّرُ مِنْ هَيْئَتي...

فَأُصْبِحُ حَرْفًا آخَرَ... فَتُرَابًا آخَرَ

وَأَدْري أَنَّني لَسْتُ أَنَا-

بَلْ أَنَا الأَرْضُ الَّتي تَكْتُبُني،

فَإِذَا كَتَبْتُ-صِرْتُ أَنَا،

وَإِذَا صِرْتُ أَنَا-اِنْطَفَأَتِ الأَرْضُ

**

هـ - [الكَلِمةُ تُولَدُ مِنْ تُرَابٍ]

أُوقِدُ تُرَابًا، أُنَفِّخُ فِيهِ،

فَيَنْبُثِقُ حَرْفٌ يَرْتَجِفُ كَنَبْضٍ بَاكِرٍ

أَضَعُهُ عَلَى الوَرَقَةِ البَيْضَاءِ-

فَتَبْكِي... ثُمَّ تَبْتَسِمُ... ثُمَّ تَحْتَضِنُهُ

أُحَاوِلُ أَنْ أَكْتُبَ اسْمَكِ،

فَأَجِدُ أَنَّهُ نَبْضٌ لَيْسَ يُسَمَّى

فَأَكْتُبُ النَّبْضَةَ... فَتَكْبُرُ...

فَتَصِيرُ قَصِيدَةً... فَتَصِيرُكِ

وَأَدْرِي أَنَّ التُّرَابَ لَمْ يَمُتْ،

بَلْ كَانَ يَنامُ فِي جَنْبي،

فَأَسْتَيْقِظُ لَهُ... فَيَهْمِسُ:

"أَنَا هُنَا... أَنَا هُنَا... أَنَا هُنَا"

فَأُصْبِحُ أَنَا التُّرابَ.. وَأُصْبِحُ النَّبْضَةَ.. وَأُصْبِحُ أَنْتِ

**

و- كُودَا

[حُلْمُ التُّرَابِ الأَخير]

فِي آخِرِ التُّرَابِ.. تَنْبُتُ كَلِمةٌ تُشْبِهُني،

تُصَعِّدُني فِي هَوَاءِ الأَرْضِ كَأَنَّني حُلْمٌ يَسْتَيْقِظُ

وَكُلَّمَا سَقَطْتُ-رَفَعَتْني نَبْضَةٌ تَعْرِفُ طَرِيقَها،

وَكُلَّمَا انْطَفأْتُ-أَضَاءَ في التُّرَابِ اسْمي

حَتَّى أَرَى:

أَنَّ التُّرَابَ لَمْ يَكُنْ تُرَابًا،

بَلْ رُوحًا تُشَارِكُني اسْمي،

وَتَحْمِلُني-في آخِرِ الحُلْمِ-إِلَى أَوَّلِ الأَرْضِ

***

د. سعد غلام

 

أغنيةٌ من الحبِّ القديم

عطَّرت الصباح،

حيثُ النادلُ ينفضُ معطفَ رجلٍ

أطلَّ برأسه من فمِ المقهى،

ورأى كيف الرياحُ

تسوقُ الأزهارَ إلى شارعه

*

كانت الشمسُ تفكُّ ضفائرَها

فوقَ المرايا،

فراشاتٌ من نورٍ

تبحثُ عن غصونٍ

علَّقت عليها ضحكاتٍ

من وردٍ وسكّر،

كشفتاه امرأةٌ

في ظلِّ ياسمينةٍ بعيدة

*

أطفالٌ

يركضون بطائرتهم الخفيفة،

كأنهم يجرّون خلفهم

سطرًا

يريدون إرساله إلى الله

*

أيُّ قدرةٍ تلك

دغدغ صوتُها النائم،

*

فاستفاق العالم.

***

أنجيلا درويش

 

بمداد الغرابة أكتب لون الدم

في سبيل حلمي المهدور

أمشي خطوتين وأنظر متوجسا

بكل النعاس من حولي

ثم أمشي خطوتين وأقلب حلمي

يمنة ويسرى...أفحص نبض قلبه

لأثير الليل فوق وسادة العدم

نم يا أمسي نم يا طفلي الصغير

على حافة كأسي

قد فرشت لك رغبتي لحافا

وكل فوقعات النبيذ حصير

نم يا ولدي ليكتمل الكلام في فم الأغنيات

وأنا سأنتظرك ها هنا أشاهد رقصة النسيم الأخيرة

ليل الحلم في بلدي طويل

ويد السياف أطول

لون الحلم في بلدي مستحيل

وصبر الحالمين أثقل

لا عذراء تصعد إلى أرض السماء

لتوقظ القمر من إغفاءة نهديها

لا عذراء تضع ركبتها في الحلم ليصير الليل أبيض

حلمنا بلا لون... والحلم من حلمنا أبعد

كم نحتاج من ليل ليغدو حلمنا قمرا

كم نحتاج من نجم لتصبح السماء في قبضة اليد

فجرنا هذا القادم من سرة النعاس

مشرد بين الليل والنهار

لا دار له غير هذا الموت والولادة

عبثا يحاول أن يوقد سجارته شمسا

بأعقاب نجوم باردة

سنسبح في الحلم ضد التيار

ومن موت الظلام يولد الضوء بلا قابلة

يا شعب حلمي لنا البداية والنهاية

لنا إيقاع الليل ومتن الحكاية

لنغني معا للحلم لنغني يا شعب حلمي...

في وجه الحياة القاحلة

ربيع جديد يطل من فم الحلم

ووردة تتفتح في قلب الصحراء

يتم الحلم تفرده

فلا تخشوا وداع الكلام في الكمنجات

***

مراد الحسناوي

 

تُبينُ لكَ الأشياء عمدًا وتختفي

وتلك َسماتُ الكونِ لست مثيرها

*

فكم نسمةٍ للريح عذبٌ أريجُها

توارت وخلت للقتير ِ مصيرها

*

تهادت وضجت بعد حينٍ وأرعدت

وكنت َ بها ريشا، وضاعَ ضفيرُها

*

فأيقنتَ بعد المغريات ِولهوها

واقحامها في الأمر وهو يعيرها

*

بأن الذي قد شدَ عزمكَ مرةً

وأبدى فضولا في تفاصيل غيرها

*

لآت ٍ بما لم تستطع أن تبينهُ

ويكشفُ ما أخفى الزمانُ كثيرها!

***

عبد الهادي الشاوي

 

مثلَ كلِّ مرةٍ

أجدُكَ مطرقًا

أحدثُكَ ولا تجيبُ

احضنُكَ ولا اتحسسُ حرارةَ جسدِكَ

الباردِ

اسلمُ عليكَ

ولا تردُّ السلامَ

اسألُ عن جدتِكَ

وجَدِكَ الذي يبعدُ عنكَ كثيرًا

ولا تجيبُ

أشكُّ في أنَّكَ تعرفُهُ

ربَّما أعرفُ بعضَ ملامحِهِ

لكنٍّنِي في النهايةِ

لا أتذكر الَّا زبونَهُ المائلَ إلى الاخضرارِ

ارفعْ رأسَك قليلًا

لم يعدِ النومَ مجديًا

فقد صار يومُكَ نومًا

الأطباءُ ينصحونني بالنومِ

ولم يدرِ طبيبُ السكريِّ

إنِّي نائمٌ

منذُ أنْ ودعتُكَ

*

ادري بأنَّكَ سئمتَ النومَ

وبأنَّكَ اشتقتَ لأصدقائِكَ

وعملِكَ

أتدري؟ أنِّي لا أقاومُ النظرَ

إلى مكانِ عملِكَ

حين أمرُ عليهِ

أشاغلُ نفسي

بقصيدةٍ

عاقرٍ

*

أحدثُ مَن معي

عن ولدٍ

ما زالتْ امُّهُ

تنتظرهُ

*

أيُّها الولدُ

اصدقاؤكَ طيبون

مازالوا يزورونكَ

ويتذكرون آخرَ وجبةٍ

عَمَلتَها بيدِكَ

أرجوكَ

لا تنسى أنْ تلبي دعوتَنَا

في الشهرِ القادمِ

أخشى أن أراكَ نائمًا

مرةً أخرى

***

جاسم الخالدي

صَدى الرفيفِ، له مَـعـنىً تُـفسِّــرُه

في الأفـق أجنحةٌ، أضواؤها القمـرُ

*

يُخَلَّدُ الوصفُ، في أجواءَ يحرُسُها

صِــدْقٌ ونُـبْـلٌ، وإيمــانٌ بــه عِـبَـرُ

*

إذا النـوايا، نَقـاءُ الحَرفِ صِيغَـتُها

وماؤها الطُهْرُ، يزهو وَجهُه الثمَرُ

*

عينُ الضَميرِ، هُدوءٌ في وِسادَتِها

إنْ كان للحَـقِ صـوتٌ فيه يَـنتَـصِـرُ

*

الطِّـيبُ في عِطْـرِهِ أنفـاسُ خاطِـرَةٍ

قد اسْتَـقَتْ مِن نقاءٍ، نَـبْـعُه عَطِـرُ

*

المـجـدُ ليـس كلامـاً بيـن أحْـرُفِــهِ

تِلاوةٌ، عَـزْفُهـا التفـخيـمُ والكِـبَـرُ

*

سَرِيرَةُ المرءِ، لا تخفى على أحَدٍ

إنَّ التـجـارِبَ مِـفـتــاحٌ ومُـخْـتَـبــرُ

*

حُـبُّ الـظـهـور بـأثْــوابٍ وأُبَّـهَــةٍ

إذا تَـلَـعْـثَـمَ بـان الـنـقصُ والهـذَرُ

*

تـاجٌ بلا سَبَـبٍ، وَهْـمٌ وغطرَسةٌ

ومُقْلَةُ العين تخطو ما خطا الخَبَرُ

*

إنّ الـظـنـونَ إذا غابَـت دلائِـلُـهـا

فـكـــلُّ ظـنٍ بلا فَـهْــمٍ بــه خَــوَرُ

*

الحِـلْـمُ إنْ رافـقَ الأخْـلاقَ مرتبـةً

كالتِبْرِ في مَوْضعٍ، أهلٌ له، نَضِرُ

*

شَتّـانَ بين انْسيابِ اللفظِ في ألَقٍ

وبيـن لفـظٍ بِـرُوْحٍ فيــهِ تَـحتَـضِـرُ

*

(ما كلُّ ما يَـتَـمنى المرءُ يـدركُهُ)

المجَدُ يُـدْرَكُ، إنْ جَـدَّتْ بـه الفِكَـرُ

*

فقـوّمِ النفـسَ بالأخـلاقِ، يأنَـسُـها

عَفيفُ نَفسٍ، ويَهْوى جوَّها النَظَرُ

*

(لا تحـمـدَنَّ امـرءً حتى تُـجَرِبَهُ)

وعـكـسُ ذلك إيـهــامٌ بـــه ضَــرَرُ

*

تغريدةُ الطيرِ فوق الغُـصْـنِ قافيـةٌ

كالعـزفِ يلـزمُـهُ الإنشـادُ والوَتَــرُ

*

في حـكمـةِ القـولِ تنـويـرٌ وتوعيةٌ

وفي التَبَـصُّـرِ أُنـسٌ ضوؤهُ البَصَـرُ

*

(يا مـن يعـزُ علينـا أنْ نفـارِقَـهُـم)

في ذِكرِكُم سلوةٌ، في شعركم سَهَرُ

*

طِـبُ الجُـســومِ دواءٌ فـي تنـوّعِــهِ

ولِلـنُـفـوسِ قـوافٍ طِبُـهـا السَـمَــرُ

*

(ما بيـن غفلةِ عينٍ وانتبـاهَتِـها)

ذكـرى الأحِـبَـةِ تجسيـدٌ لـه صُــورُ

*

جُنْحُ الظلامِ، قوافي الودِّ تُشْرِقُهُ

والضوءُ أقْسَمَ صَوْبَ الحُبِّ يَنْتَشِرُ

*

تبقى السواعِدُ رمزاً في تماسُكِها

مادام للعِــزِّ صَــرحٌ، تاجُــهُ دُرَرُ

*

صُورُ التحدي إذا كانت مُشَوَّشةً

فحكمةُ الصْمتِ في التأويلِ تسْتَتِرُ

*

مُذ قالوا : للشيبِ في نُزْرِ العطاءِ يَدٌ

هبَّ القريـضُ وصـاحَ القلبُ : أقـتَـدِرُ

*

(أنامُ ملءَ جـفوني عــن شوارِدهــا)

مَــنْ قالها، بــه تبقى الدنيا تَـفـتَخِـرُ

***

( من البسيط )

***

د. عدنان عبد النبي البلداوي

 

الى الشاعر السومري

الأستاذ إحسان الموسوي البصري

***

أهديتَ وجدانَكَ

للبحرِ المتلاطم

فاختاركَ سيداً لأمواجِ حكمتهِ

غرقتَ في ابداعاتِ

نبضاتِهِ الساحرة

ولم تهدر مشاعرَكَ النبيلة

حتى إذا أحاطتكَ

- علامات الاستفهام-

يا أيها البصراوي الأصلِ

والجنوبِي الأبي

كالنخيلِ العاليةِ

في سماءِ المعقل

كالخبزِ الطازجِ في

تنانيرِ أبي الخصيب

أنتَ كالتمرِ الطريِّ،

كالعشار

وأنقى من كلمة "أحبيب"

في لغةِ أهل البصرة الصادقة

كلما استيقظَ صمتُكَ،

تكاثرت التفاسير

من حولك

وشمسُ بصيرتِكَ وضحاها

تشرقُ على

قلوبِنا الحنونة

طوفانُ شعرِكَ

يسيرُ إلى مالا نهاية

قدمتَ يراعَكَ

قرباناً لربِكَ الأعلى

وسَبَّحتَ باسمهِ

حتى تباركَ طينُكَ

وأبلجَ وجهُكَ سناءً

وبهاءً وأزكى

وتجلتْ حروفك

في سماوات

الأدب مشرقة

في الضمائر وبالمهج نابضة

كأفق مشرق على الدوام

يحرسُ دروبَكَ

ويُغمدُ حزنَكَ في السرِ

وما يخفى

***

الشاعر: باقر طه الموسوي / العراق

أَوْقَفْتُها بِمَضَلَّةٍ تَتَحَيّرُ الْأشْياءُ في أَثْنائها وَبَهَتْتُها

اَلْفَجْرُ يَنْصبُ لي كَمائنَ صَفْوكِ الْمَنْسوجِ مِنْ خَيْطْ الرّجاءِ

فَلَا الْغِلالَةُ تَمْنَعُ الْعَيْنَ الّتي لا تَكْتفي

لا أَنْتِ يَغْلِبُكُ الْهُيامُ فَنَشْتَفي

وَقَصَدْتِني وَقَصَدْتِ خَلْقاً آخَرينَ

بِظاهرٍ

وَجَميعُهُمْ في قَبْضَةِ الْوَلَهِ الْكَمينِ

تُصَرِّفينَهُمُ

قِفي

فَالْاِصْطفاءُ بِأنْ تَميلي لِلْخَلِيِّ يُكَرِّرُ الْأصْفادَ

أَوْ تَرْضَيْ بِمُحْتارٍ أضاعَ مِنَ التّعاويذِ الْقَديمَةِ والْجَديدةِ

ما يُتيحُ دُخولِنا لِرَحابَةِ

التَّيَهانِ

كوني لِلشّساعَةِ يَخْتَفي فيها التّغابُنُ

بِاسْمِكِ

الْعالي

وَكُفّي عَنْ إدارَةِ مَسْلَكِ التَّكْرارِ

حَتّى تُزْهِرَ الْعَيْنانِ مِنْكِ عُذوبَةَ الْفَجْرِ الْحَيِيِّ وَتَنْكَفي

الْأَوْثانُ

هَلْ

وَقَفَتْ وَقالَتْ ما يَفي

لا لَمْ تَقِفْ

وَضَعَتْ لِبَسْمَتِها الْمُريبَةِ حينَها غَمّازَةً يُسْرى وأُخْرى بِالْيَمينِ

كَهَيْئةِ الْحَيرى

بِريشَةِ تائهٍ يَجْري وَرَاءَ الْحُسْنِ

مَرَّتْ كالّتي

لا تَحْتفي

لا تَصْطَفي

***

البشير النحلي

(مرثيّة إلى ضحايا البحارِ والطواغيت)

بَدْءا بجريمة تهجير الكرد الفيليّة مروراً بكلّ جرائم التهجير القسري،

حيثُ البحارُ والصحارى أمامهم والطواغيتُ وراءهم

***

سَفائنُ أهْلينا جَنَحْنَ غَوارِبا

وكمْ شَهِدتْ يَوْمَ العُبورِ نوائبا

*

تُرتّلُ أنغامَ السماءِ دُموعُهمْ

ويعزفُ أعداءُ الحياةِ مصائبا

*

دليلُكَ يا لرُبّانُ ضوءُ دُموعِهم

فَليلُ رُهابِ القومِ هَدَّ كواكبا

*

وكم نحرَ الطاغوتُ فيهِ شَواهِداً

وحَسبُكَ ربُّ الناسِ ظلّ مُراقِبا

*

وَيُمْهِلُ ما شاءَ العبادَ لِحِكْمةٍ

وَيَبقى ضميري شاهداً وَمُحاسِبا

*

ورُحْماكَ يا رحمانُ جِئتُكَ سائلا:

كُفوفُ ذويهم لا تُكَفُّ خوائِبا

*

قُبالَةَ بحرِ الرومِ يُبْصِرُ حَتْفَهُ

وَتُبْدي فَناجينُ الطَريدِ عجائبا

*

بها سَرَعانُ الموجِ يُخفي سِهامَهُ

تضاهي سِهاماً للرُماةِ صوائبا

*

فَيرصُدُ قُرصانُ السفينةِ روعَهُمْ

تعرّشَ لُبْلاباً وصارَ لَوالِبا

*

قَراصِنَةُ الويلاتِ تجترحُ الردى

وَمِن خُزَعِ الأكبادِ تُجْبى ضرائبا

*

وكاد ملاذُ الخائفينَ يُخيفُني

فَخِفْتُ هَديرَ الموجِ خِفْتُ عواقِبا

*

وَحولَ دِفافِ الطامعينَ تزاحَموا

وراءَ قراصينِ الظلامِ مَناكِبا

*

تُريهمْ مَرايا الماءِ هوْلَ مَصيرِهمْ

وَشاعرُ عَرْشِ الزورِ يلهَجُ كاذبا!!

*

أسِيّانِ أبناءُ العبيدِ وَسادَةٌ

وَرَبُّكَ قد صاغَ الأنامَ مراتِبا؟

*

أولئكَ كالجُرْذانِ فائضُ حاجَةٍ

سَواءٌ مَعَ اللاتي سَرَحْنَ سَوائبا

*

نُريدُ أُناساً كالزُلالِ غديرهُمْ

لِتَلْفُظَ غُدْرانُ المياهِ شَوائبا

*

أصَنّاجَةَ الطاغوتِ حاشِيَةِ الخنا

عَدِمْتُكَ شَعّاراً نَبَذْتُكَ كاتِبا

*

فلا تمْنحِ الجلّادَ قَطُّ دريئةً

وان تركَ البابَ اللعينَ مُوارِبا

*

ويكفيكَ من حَقٍّ شَقاءُ مُهَجَّرٍ

يُريكَ بِمَنْ واليْتَ يوماً مثالِبا

*

عَنادِلُ أشجارِ الديارِ أخافَها

رَصاصُ ذوي القُربى فَعِفْنَ أقاربا

*

رَموْكِ حُماةُ الدارِ يومَ كَريهةٍ

ولم تَجِدي في الأقربينَ مناقِبا

*

تُوافي ثَكالى الحَيِّ عن خَبَرِ الحِمى

عَدِمْتُ حُماةَ الدارِ ثُمَّ المضاربا

*

فَبِئسَ بنو عَمٍّ ظباءُ رُبوعِهمْ

تُهرْولُ للأغرابِ رُعْباً مواكبا

*

تَلوذُ بمن جاسوا خلالَ ديارنا

فَيا ذُلَّ منهوبٍ توسّلَ ناهِبا

*

طَفَقْنَ لأطواقِ النَجاةِ بلا هُدىً

مشارقَ أحياناً وحيناً مغارِبا

*

صَنعْنَ أضاليعَ الصِغارِ زوارقاً

فهل تذكرُ الأمواجُ تلكَ القواربا

*

وما جهلتْ هوْلَ البِحارِ وإنّما

رَبابِنةُ الدفّاتِ خانوا المراكِبا

*

وَثَمّةَ حوتٌ قد تَلَمّظَ ريقَهُ

كَحيّةِ سَحّارٍ ترومُ مآرِبا

*

وأبيضَ ما بين البحارِ وسيطُها

تسوّدَ محزوناً يُجيبُ نوادبا

*

ألا ليْتَ قيعانِ المحيط نواطقٌ

فَترثي رياحيناً هُناكَ رواسِبا

*

وَيونسُ نادى اللهَ فَرْطَ قُنوطِهِ

وفي فُلْكِهِ المشحونِ ضَجَّ مغاضبا

*

ورغمَ صدى (يونانَ) من جوْفِ حوتِهِ

أرى جُزُرَ اليونان سدّتْ مَهاربا

*

فَيا أيّها الإغريقُ لسْتُ خصيمَكم

وطفلُ غريبِ الدارِ رامَ ملاعِبا

*

وهلْ دثّرَ اليقطينُ قلبَ مُهَجّرٍ

جُوارَ نبيّ الحوتِ ماتَ مُعاتبا

*

وَتُهمةُ أطيارِ الديارِ رسالةٌ

بِها غرّدوا وَضْحَ النهارِ مَطالبا

*

عَشيّةَ أمسى القوتُ رَهْنَ سِياطِهم

وباتتْ فراديسُ البلادِ خرائبا

*

هُنالكَ صاحوا يا سماءُ تَكلّمي

فهيْهاتَ منكوبٌ يُسامِحُ ناكِبا

*

دَواليْكَ غنّوها غداةَ تبيّنوا

بيادِرَ قَمْحٍ دونهم وَحَواجِبا

*

فما ذنْبُ عُصفورٍ يُراودُ بيدراً

وَحقّكّ فَرْطَ الجوعِ شَبَّ مُشاغِبا

*

وَهُدْهُدُ فلّاحٍ تَنبّأَ هامساً:

حذارِ إذا العُصفورُ حازَ مَخالِبا

*

وَأعْلَمُ أصواتَ القصائدِ خُلّباً

وما هزمت يَوْمَ اللقاءِ مُغالبا

*

ولكنْ سأفتضُّ المواجِدَ عَنْدَماً

وأعصِرُ وجْدَ الفاقدينَ سَحائبا

*

وابعثُ ديماتِ الفؤادِ رسائلاً

على فُقَداءِ الجوْرِ تهمي سواكِبا

*

حَنانيكَ ربّي في رفاتِ طَرائدٍ

لها ظُلُماتِ اليَمِّ أضحت غياهِبا

***

د. مصطفى علي

 

أنا غريبٌ إذا هاجرتُ من وطني

وإن بقِيتُ سأحيا حاملاً كفني

*

جذري عميقٌ بأرضِ الرافدينِ هنا

لكن بتربتِهِ عاثَتْ يدُ الزمنِ

*

حتّى ورودي أرى الغِربانَ تسرِقُها

ولا فراشاتِ تأتي كي تُطمئِنَني

*

هذي البلادُ بِقَدْرِ الحبِّ تُهلكُنا

قد أورَثَتْنا سُلالاتٍ منَ الفتَنِ

*

زرعتُ بذرةَ خيرٍ في أزقّتِها

لكنّها أنبتَتْ غاباً من العفَنِ

*

ودجلةٌ ليسَ نهراً، مَحْضُ ساقيةٍ

بأمرِ أنقرةٍ يجري على المدنِ

*

لو أنّ قَزْماً أتاهُ اليومَ يعبُرُهُ

وكانَ قبلُ يُسمّى حاصدَ السفُنِ

*

كأنّها كرةٌ مملوءةٌ جُثثاً

شمسُ العراقِ وهذا الغيمُ كالكفَنِ

*

لا تحسبوا أنّني أقسو على وطني

لكنّها حسرةُ المحزونِ تخنقُني

*

إنْ مرّ يومٌ بخيرٍ قلتُ يا عجَباً

لا بُدّ يتبعُهُ يومٌ منَ المِحَنِ

*

حتّى البياضُ أرى فيهِ السوادَ ولا

أكادُ أعرِفُ قبري ذاكَ أم فنني

*

حتّى النخيلُ سهِرْتُ الليلَ أحرُسُهُ

وفي الصباحِ مشى عنّي يودِّعُني

***

د. عبد الله سرمد الجميل

 

فراغ الغياب يُجدِّف فيه فؤادي ضُحًى

ولا بدرَ في الدرب يرتق ما جرّفته سياط الجوى.

وكلّ الأغاني تلاشت

وذاك العِطاف هوَى

وذاك الجدار الّذي كنتُ أسري إليه

قضى

وحطّ الشّتاء على كتفي

وشظّى العِصِيَّ.

*

تجاويف وجهي

يُجدِّف فيها غبار اللّظى

ويَغشى الدّخان سمائي

وفيها يئنّ الشَّظى

وفيها يرين السّديم

ويطغى الأسى

وهذي الغيوم تُشظّي قصيدي

وتُدمي يدي.

*

ثقيلا يجيء شتاء الحروف ولستَ معي

ولا شيء في الكلمات يُعطّر محبرتي.

ولا سقف يحرس دفء شهيقي وحنجرتي.

فأيُّ مجاز يُطرِّز للّيل أجنحة؟

ولستُ أرى برتقالا بغير ازرقاق أبي

وهذا الغياب يُرصّف في الصّدر أقفاصه.

نوافذ فجري تُغَلِّقها زفرات الغروب، أبي

فأيُّ مجاز به أفتح اليوم للنّور بابا يُدفِّئني؟

أفتّش في الدّار عن وجه أغنية كنتُ ألمسها

فيهمي السّراب على مقلتيَّ كثيفا،

ويرغو الصَدى.

ولا نغمَ اليوم يُو قظ فيَّ الطّفولةَ

أو فيْأَها

ولا عنب اليوم يكتبني

في وميض السماوات أو ريشها.

وأسأل عشب الحديقة عنك،

فلا يبسم.

ويهطل منه سواد

يُغشّي الأديم فينتحب

ويختضّ بين يديّ ترابٌ جَفَته خُطاك

فما التأم.

*

ثقيلٌ، جُؤوم الشّتاء على معصمي، أبتي،

ولستُ أفيق لأقطف نورا يُحدِّثُني.

فيا ليت نجما يجيء إليَّ ويوقظني.

وإنّي لأدعو الّذي علّم الطّيرَ مَغْنَى الهدى

أن يُغيث الفؤاد بنور السّلام

وفيض التّقى

وإنّي لأدعو الرّحيم

يُفيضُ رضاه عليك، فترضى.

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي - تونس

 

فعلوا العُجابَ لكي يظلَّ صغيرُنا

طفلًا بلا وزنٍ لخوضِ صِراعِ

*

فعلوا العُجابَ لكي يكونَ بوزنهِ

المأمولِ ذا حيَلٍ لطولِ جِماعِ

*

دون الزواجِ فوزنُه ذا لا يُؤَهْـ

ــــــهِلُهُ لوزرِ إعالةٍ ومَتاعِ!

*

فعلوا وفي أممٍ سوانا فعلُهمْ

يغدو جليًّا عند كلِّ نزاعِ

*

فيما تراه خنوثةً لم تَجْنِ ممْــ

ــــــما في الذّكورة غيرَ سدسِ ذراعِ

*

إلّا التي في قُدسِها تُسقى الرّجو

لةُ للطّفولةِ عندَ كلِّ رضاعِ

*

فشكى الأعاديْ طفلَها لرجولةٍ

فيهِ اسْتحالَ عبورُها بخداعِ

*

أو بالدّراهمِ والدّنانيرِ التي

فيها ترى ملكًا بهيئةِ راعِ

*

أو بالحصارِ وجيشِه ذاك الّذي

قهرَ الجيوشَ عدا فلولَ دِفاعِ

*

أو بالفجورِ جناحُهُ حريّةٌ

هبَطَت بهمْ من قمّةٍ للقاعِ

*

وبكىْ أعادينا بكاءَ ضباعِ

ففعالُ أصغرِنا فعالُ سباعِ

*

وغدا البكاءُ مهابةً جرّاءها

خاروا التّخاطبَ من وراء قناعِ

*

فبدتْ وجوهُ وفودِهمْ مثلَ الحجا

رِ شقوقُها تُؤوي رؤوسَ أفاعي

*

وغدت مهابتُنا سقامًا بينهمْ

يَسري إلى الأطرافِ عبرَ نُخاعِ

*

ولئن سألت الكِبْرَ فيهمْ لادّعوا

أنّ الذي عانوه محضُ صُداعِ

*

لمّا رأتْ سيفًا بيمناهُ بكتْ

عيناي عمرًا ميلُهُ لِوداعِ

*

وكأنني بالناصر الأمويّ آ

تٍ من غروبِ الشّمس تحت شراعِ

*

حتّى يمهّد للشروق على ترا

ــــــبٍ صاحَبَ الدّهرين دون شعاعِ

*

ولِمَنْ أرادَ نِزالَنا فالطّفلُ في

قدسٍ تتمُّ بضفّةٍ وقطاعِ

*

ولِمَنْ أرادَ سلامَنا فالطّفلُ منْ

يُملي الشروطَ وخِصمه لِسَماعِ

***

أسامة محمد صالح زامل

أنا لست سوى بدوي

أسكن خيمة –

سكنًا تعمره البهجة والدفءُ

نسيجًا خشنًا

من شعر الماعِز

يمنحني الظل

إذا ما أقبل صيفٌ

ويقيني من عصف الريح

إذا ما حلَّ شتاءْ

*

أمتعتي:

ثوب فضفاضٌ

أسودُ

نعلان عتيقانِ

ودلّةُ قهوةْ

وخليطٌ من أشياءٍ

أحملها في جعبةْ –

أشياءٍ لا يتقبلها

ريفيُّ الذوقِ

ولا حضريُّ الأهواء

*

وطنى:

هذا الأفق الممتد

رمالًا دكناء

*

ورفيقي الأوحدُ في الدرب:

بعيرٌ فيه وفاء

يحملني

ومتاعي

ومعا نمضي عبر مفازات الصحراء

وحين أغني

بحداء الجمّالينْ

يزهو

طربًا ويخفّ

ويعلو

نحو فضاءات الكون الزرقاء

***

نزار سرطاوي

النوم أصبح حلمًا، والحلم غدا عقدة الحياة الأبدية. والروح المهمشة تذوي مع أول سقوط لأوراق الخريف، والعمر لا يواكب الزمن، كقطارٍ قديم يصرخ في المدى ولا يتزحزح.

رجل عجوز ينتظر دوره في قائمة الموتى بعد أن فاته آخر غروب. لحظات الانتظار تتبدد كصقيع الثلج في مرجلٍ وصلت سخونة الماء فيه حد الغليان. ذكريات تختفي في مهب الريح كلما اشتدت العاصفة، كما لو أن الذاكرة كانت مجرد وهمٍ عابر.

لقد أحجمت عن النوم، لا لقلّة تعب، بل خوفًا من أن تغرق في نهر حلمٍ غامض الملامح، لا تعرف غور سبره، فتسقط في قرارٍ لا منقذ فيه.

كانت تعرف أن قشة الأمل لا تطفو إلا لمن تعلّم السباحة في مجتمعات لا تصنع عزلةً بل جسورًا؛ وأما هي، فقد نشأت في عالمٍ لا يتعدى أسوار النظر، تمشي بخفة النمل، كي لا توقظ في القلوب شقاء الزمن.

الفرص الهاربة في مهب الريح، تتبخر كأنها أنفاس ماءٍ مغلي، لا ذاكرة لها. وفي معمعة الطريق لا يدرك المرء حقيقة القادم خلف الأفق، قد يصطدم بجدارٍ قاسٍ، ما يدعو رواسب البؤس المزمنة أن تطفو على السطح، فترافقه كظله دون استئذان نحو مدياتٍ لا متناهية.

يتسلل إليك القدر من الكهوف المنسية، كما لو أنه خرج من نسيجٍ قديم، من خرافةٍ لم تُحسم بعد. يلوّح لك في لحظة المصير، كأنه يبحث عن دورٍ في مسرحٍ لم يعد يؤمن بالممثلين الغائبين. يتجول في الأنحاء، يراقب خطواتك، يحاول أن يلبس هيئةً جديدة — كآلةٍ ذكية، أو نظامٍ مبرمج، يواجه عاصفة المجهول ببرودٍ رياضي. لكنك، في قاع الحياة، لا تملك إلا جسدًا يتعفن من فرط الانتظار، كأنك لعنةٌ تجرّ لعنة، وفكرةٌ تجرّ خرافة.

وعندما لا تملك زمام القرار تصبح كالفارس المبتدئ يمتطي صهوة حصان ولا يدرك أهمية اللجام والقدرة على مسك الرسن. الحفر المتروكة على قارعة الطريق، تفتح أفواهها استعدادًا لابتلاع، فالخبرة البشرية المفقودة في سلسلة الحياة، تعيقك قدمًا في القفز على الموانع.

وفي خضم هذا التيه، حيث تتقاطع الخرافة مع العجز، والانتظار مع التآكل، لم يكن أمامها سوى أن تتشبث بما يشبه الخلاص، حتى لو جاء على هيئة وهم.

نقفت من ذهنها فكرة الرحيل بما يشبه المصادفة، وكأنها عثرت على الخيط الوهمي الذي بإمكانها السير عليه دون حسابٍ للسقوط، ومع ذلك فإن القلق والارتعاش لم يفكا الحصار عنها، وتفاقم هذا الاضطراب كلما تناهى إليها صدى صوتٍ مبهم يثير في نفسها الخوف والانكماش، باذلةً أقصى ما في وسعها من جهد في إبعاد فكرة الحلم التي تراودها في اليقظة، لكن اليأس بما يضمره لها من خذلانٍ وانحسار في الحياة، يمنعها من التوقف عن التفكير في رحلة البحث عن معنى الوجود.

كانت تُحدث نفسها وتتساءل، والاضطراب ما زال يحوم حولها كالنحل المؤذي على أهبة الانقضاض:

ــ ما هذه الفكرة العابرة التافهة؟ أشبه بريشةٍ تسبح في الهواء وتختفي في لمحة بصرٍ بنسمة ريحٍ مفاجئة.

واستطردت بالقول، والدهشة ما زالت معلّقة على شفتيها كارتجافةٍ لم تهدأ وهي تنظر إلى السماء:

ــ إن لا باب سواها يُفتح.

وأضافت وكأنها تعرف بيقينٍ غامض:

ــ وعلى الرغم من كل شيء، لا مفرّ، ولا عزاء، سوى أن أعود لطرق باب الوعي متى ما يزف الوقت.

ثم تمتمت، كمن يضحك في داخله على سذاجة الرجاء:

ــ كل ما ينساب من هذا الوعي أوهامٌ وآمالٌ من ورق… مغامرة لا أفهمها، ولا أملك لها خريطة، سوى صدفةٍ عمياء وحظّ كالبطيخ في عالم الخفاء.

كانت تحدق في المرآة بتركيزٍ عالٍ، وتتمعن قسمات وجهها فيها، تتأملها في شفقة، فألقت المرآة جانبًا كي لا تذكرها بنفسها. تراءى لها العالم كمستنقعٍ آسنٍ يلطخك، أو رمالٍ متحركة تبلعك كما لو لم تكن موجودًا أصلًا.

كانت المدينة مكشوفة كسهلٍ منبسط، جعلتها تشعر برهبةٍ غريبة، وتوترٍ شديد، كصرخةٍ مدوية بين جدرانٍ عازلة تهز البدن أضعافًا. ينتابها شعور بأن الوعي يتصدع ويكاد أن يدفعها إلى هاوية الحلم الذي تتفاداه في يقظتها البائسة.

كانت سفينة الصيد ذات محركٍ عتيق تشق عباب البحر في جوٍّ ضبابيٍّ مخيف، تشحن على متنها عشرات من أجساد البشر فوق طاقتها، مضغوطين في مساحةٍ ضيقة، كأنهم دُمىً محشورة في صندوقٍ مكسور. تفتقر إلى أبسط مقومات السلامة والراحة.

لم تكن وحيدة. بل فردًا في هذا الحشد المتهالك، استبد بها ذعرٌ شديد في فضاءٍ يزينه أملٌ مجهول. في تلك اللحظة المصيرية فقدت كل رغبة في شم نسيم الحياة، ولم يبقَ في ذهنها سوى أن يتسلق الموت أكتافها على عجل، كي يزيح عن كاهلها هذا العبء الثقيل. وفي وسط البحر، حيث الأفق يعاند البصر، كلما أبحرت السفينة باتجاهه ابتعد أضعافًا.

انقض عليها دوار البحر كأفواج الزنابير، يلسعها في كل خلية، ويثير في نفسها الغثيان وضيق الصدر. كانت تتراءى لها أشياء لم تألف أن تصادفها في طريقها. أخذ الهذيان يسري كتيارٍ جارف، لا تميز الأشياء، ولا تدرك أبعادها. تارةً تتخيل نفسها في جزيرةٍ بعيدة، معزولة في طيات النسيان، وتارةً أخرى تعيش في فوضى عارمة لا مخرج للنجاة منها. تسمع أصواتًا تثير الرهبة في النفس.

وأخيرًا سقطت في هاوية الحلم الذي طالما تفادت أن يقودها النوم إليها، فالسفينة لم تبلغ الشاطئ، بل سبقتها أجسادٌ راقدة تحت الماء، كأنها أعلنت الوصول بطريقتها الخاصة.

وهناك على الشاطئ، حيث الرمال الدافئة تعكس بلورات الشمس انعكاسًا جميلاً، كانت الرغوة البيضاء تغمر جسدها الهامد، كأن الطبيعة نسجت لها لحافًا أخيرًا من أمواجها، ناصعًا كبياض الرحيل الأخير، لا دفء فيه سوى صمت البحر، ولا عزاء فيه سوى أن الغياب صار أخيرًا ممكنًا.

ولم يعرف أحد، أكانت تغفو أخيرًا… أم تستيقظ للمرة الأولى.

***

كفاح الزهاوي

ا- [بوَّابةٌ لا تُفْتح]

وصَلْتُ إِلَى الْحُدودِ، فَوجدْتُ الجِدارَ أَعْلى مِنْ صَوْتي،

والسِّلاحَ يُسمُّونهُ هُنا "أَمْنًا"، والكَلامَ يُسمُّونهُ "جُرْمًا"

قَالُوا: "لا تَدْخُلْ، هَذا ليْسَ مَكانَكَ"،

فَقُلْتُ: "لكِنَّ الْأَرْضَ تَحْتي تَحْمِلُ تُرَابي ،

فَأَغْلقُوا البَوَّابةَ، وتَركُوني أُنَادي فِي فَراغٍ لا يُعيدُ الصَّدى

أُنَادي: "أَنا مِنْ هُنا... أَنا مِنْ هُنا"،

فَيرْتدُّ صَوْتي كَطرْقةٍ عَلى جَدارٍ لا يَموتُ،

وأَعْرِفُ أَنَّ الحدَّ ليْسَ خَطًّا عَلَى الرَّمْلِ،

بَلْ جُرْحٌ فِي الحَشائِشِ يَنْزِفُ صَمْتًا

فَأَكْتُبُ اسْمي عَلَى الجِدارِ بِدمي... فَيَمْحوهُ المَطرُ،

وأَعودُ فَأَكْتُبُهُ أَيْضًا... حَتَّى يَعْرِفَ الجَدَرُ أَنَّني لَمْ أَرْحَلْ

**

ب- [الحَقيقَةُ المُتَحرِّكَة]

لَا تَسْأَلُوني عَنْ حَقِّ الحَقيقةِ،

الحَقيقةُ هُنا سِجْنٌ مُتَحرِّكٌ يَتْبَطعُ خُطايَ

كُلُّ مَنْ يَنْطِقُ بِها يُسْجنُ، وَكُلُّ مَنْ يَسْكُتُ عَنْها يُدانُ،

أَنا مَا زِلْتُ أَكْتُبُ، رَغْمَ ذَلِكَ، لِأَنَّ الصَّمْتَ نَفْسهُ أَصْبحَ شَهَادةً

أَكْتُبُ عَلَى الجَدَارِ: "الحَقُّ أَنَا... أَنَا... أَنَا..."

فَيَنْشَقُّ الجِدَارُ... وَيَنْشَقُّ صَدْري... وَيَنْشَقُّ الزَّمَانُ

وَأَعْرِفُ أَنَّني لَا أَكْتُبُ لِأُحَرِّرَ الْحَقَّ،

بَلْ لِأُحَرِّرَ القَلَمَ مِنْ خَوْفِهِ،

فَإِذَا كَتَبْتُ... صِرْتُ أَنَا الْحَقَّ... وَصِرْتُ أَنَا السِّجْنَ... وَصِرْتُ أَنَا الْحُرِّيَّةَ

**

ج- [نَذِيرٌ لَا يُرَى]

أَنَا نَذِيرُ رِسَائِلِ الحُدُودِ، أَحْمِلُ الكَلِمَةَ عَلَى كَتِفي كَصَليبٍ،

أَمْشي بَيْنَ الأَشْوَاكِ، أَحْمي الوَرْقةَ مِنَ الرِّصاصِ،

أُخْبِرُهُمْ أَنَّ الأَرْضَ تَحْتنا واحِدةٌ،

وأَنَّ التُّرابَ الَّذي نَمْشي عَليْهِ لا يَعْرِفُ الحُدودَ،

وأَنَّ اسْمي الَّذي كَتَبْتُهُ عَلَى الجِدارِ لَيْسَ اسْمي...

بَلْ اسْمُ الأَرْضِ... اسْمُ التُّرابِ... اسْمُ الكَلِمةِ

فَإِذَا أَغْلَقُوا البَوَّابةَ، أَكْتُبُ عَلَى الجِدَارِ: "افْتَحُوا قُلُوبَكُمْ"،

وَإِذَا مَحَوُوا الكَلِمَةَ، أَكْتُبُهَا فِي دَمِي،

وَإِذَا سَجَنُوني... أَكْتُبُهَا فِي صَمْتي...

حَتَّى يَعْرِفَ الصَّمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ صَمْتًا... بَلْ صَوْتًا أَخِيرًا.

**

د- [رِسَالَةٌ إِلَى مَنْ بَعْدي]

إِذَا وَقَفْتَ هُنَا يَوْمًا، فَأَعْلَمْ أَنَّ الجِدَارَ لَيْسَ نِهَايةً،

بَلْ بَوَّابَةٌ إِلَى مَا بَعْدَ الجِدَارِ... إِلَى مَا بَعْدَ الصَّوْتِ... إِلَى مَا بَعْدَ الحُدُودِ

وَأَعْلِمْ أَنَّ اسْمي الَّذِي كَتَبْتُهُ لَيْسَ اسْمي...

بَلْ اسْمُكَ أَنْتَ... فَاكْتُبْهُ... وَلَا تَخَفْ

فَإِذَا مَحَوُوا اسْمَكَ، فَاكْتُبْهُ فِي دَمِكَ،

وَإِذَا سَجَنُوكَ، فَاكْتُبْهُ فِي صَمْتِكَ،

وَإِذَا قَتَلُوكَ... فَاكْتُبْهُ فِي التُّرَابِ...

فَالتُّرَابُ لَا يَعْرِفُ الحُدُودَ... وَلَا يَعْرِفُ الْمَوْتَ...

وَالتُّرَابُ هُوَ الكَلِمَةُ الأَخِيرَةُ... وَهُوَ الْحَقُّ الْأَوَّلُ

**

هـ - [العَوْدَةُ دُونَ جَوَاز]

أَعُودُ إِلَى الحُدُودِ، لَا جَوَازَ فِي جَيْبِي... لَا اسْمَ فِي كَشْفِ الْعَدَدِ،

فَأَقِفُ أَمَامَ الجِدَارِ... أُقَبِّلُهُ... أُعَانِقُهُ... أُبْكِيهِ...

وَأَقُولُ لَهُ: "أَنَا لَسْتُ عَابِرًا... أَنَا مِنْكَ... أَنَا مِنْكَ"،

فَيَنْشَقُّ الجِدَارُ... وَأَمْشِي...

وَأَعْرِفُ أَنَّني لَمْ أَعْبُرْ الْحَدَّ... بَلْ عَبَرْتُ خَوْفي...

وَأَصْبَحُ أَنَا الحَدَّ... وَأَصْبَحُ أَنَا الجِدَارَ... وَأَصْبَحُ أَنَا الكَلِمَةَ

**

و- كُودَا

[نَبْضُ الجِدَارِ الأَخِير]

هُنَاكَ

-عِنْدَ آخِرِ الحَدِّ-

يَنْبُضُ الجِدَارُ كَأَنَّهُ صَدْرٌ يَبْتَلِعُ صَوْتِي،

وَيَرْفَعُنِي فِي هَوَاءِ اللَّيْلِ كَكَلِمَةٍ

تَخْرُجُ مِنْ جُرْحٍ وَتَعُودُ نُورًا

*

كُلَّمَا سَقَطْتُ، رَفَعَنِي تُرَابٌ يَعْرِفُ قُدُومِي،

وَكُلَّمَا انْطَفَأْتُ، أَضَاءَتْ فِيهِ نُقْطَةٌ

كَأَنَّهَا أَوَّلُ أَسْمَائِي

*

وَحِينَ أَمْتَدُّ فَوْقَ الظِّلِّ،

أَرَى أَنَّ الجِدَارَ الَّذِي كُنْتُ أَخْشَاهُ

هُوَ الَّذِي يَكْتُبُنِي الآنَ،

وَيَفْتَحُ فِي صَدْرِهِ بَابًا لَا يَغْلِقُ

*

فَأَدْخُلُ...

وَأَتْرُكُ وَرَائِي الخَوْفَ،

وَأَحْمِلُ أَمَامِي كَلِمَتِي

*

وَأَعْرِفُ-أَخِيرًا-

أَنَّ الحَدَّ لَمْ يَكُنْ سِوَى خُطُوطِ صَوْتٍ،

وَأَنَّ مَنْ يَعْبُرُ كَلِمَتَهُ

لَا يَعْرِفُ جِدَارًا...

بَلْ يَصِيرُ هُوَ البَوَّابَةَ

***

د. سعد غلام

 

يَا حكَايَا العُمْرِ كَمْ أَرْهَقْتِ رُوحًا

تَرْتَجِي شَدَّ الرِّحَالِ

كُلَّمَا اسْتَيْقَظَ فِينَا نَبْضُ شَوْقٍ

عَادَ يَغْفُو فِي الزَّوَالِ

فَأُنَادِي القَلْبَ مَهْلًا إِذْ أُنَادِي

فالهَوَى صَعْبُ المَنَالِ

يَا فُؤَادِي كَمْ تُعَانِي مِنْ جِرَاحٍ

مَا لَهَا فِي الدَّهْرِ آلِ

كُنْتُ أَمْضِي شَارِدَ الذِّهْنِ حَبِيسًا

بَيْنَ أَسْوَارِ الضَّلَالِ

عَلَّ رُوحِي تُمْسِكُ الحُلْمَ أَسِيرًا

قَبْلَ أَنْ يَطْوِيَ ظِلَالِي

هَائِمٌ أَبْحَثُ عَنْ دَرْبٍ عَتِيقٍ

ضَاعَ مِنِّي فِي خَيَالِي

فَدَنَتْ مِنِّي عَجُوزٌ حَيْثُ قَالَتْ:

يَا بُنَيَّ.. لَا تُبَالِي

فَاللَّيَالِي لَا تُبَالِي بِأَنِينٍ

أَوْ دُمُوعٍ أَوْ وَبَالِ

إِنَّ مَنْ تَهْوَى سَتَأْتِي، فَتَجَلَّدْ

يَنْجَلِي هَمُّ اللَّيَالِي

لَيْسَ فِي الدُّنْيَا سِوَى الصَّبْرِ مَلَاذًا

حِينَ يَعْيَا كُلُّ حَالِ

فَاسْتَرِحْ مِنْ لَوْعَةِ الشَّوْقِ المُعَنَّى

وَاهْجُرِ الغَمَّ لَيَالِي

وَاسْتَعِنْ بِالصَّبْرِ مِنْ حُرْقَةِ عِشْقٍ

قَدْ تَمَادَى فِي اشْتِعَالِ

إِنَّمَا العِشْقُ ابْتِلَاءٌ وَامْتِحَانٌ

بَيْنَ هَجْرٍ وَوِصَالِ

قُلْتُ يَا سَيِّدَتِي هَلْ لِي خَلَاصٌ

مِنْ جَوًى يُرْهِقُ حَالِي

فِي دُرُوبِ العِشْقِ أَضْحَى القَلْبُ شَاكٍ

مِنْ حِكَايَاتِ الوِصَالِ

قَدْ بَنَيْنَا مِنْ رَمَادِ الأَمْسِ قَصْرًا

بَيْنَ أَحْضَانِ التِّلَالِ

وَرَسَمْنَا أَلْفَ حُلْمٍ مُسْتَفِيضٍ

فَوْقَ كُثْبَانِ الرِّمَالِ

ثُمَّ جَاءَ الرِّيحُ يَمْحُو كُلَّ أَثْرٍ

مَا تَبَقَّى مِنْ وِصَالِ

قَدْ تَبِعْنَا وَهْجَ وَعْدٍ مِنْ سَرَابٍ

لَاحَ فِي لَيْلِ السُّؤَالِ

نَرْتَجِي صَمْتَ المَوَاقِيتِ وَنَخْشَى

كُلَّ ظَنٍّ وَاحْتِمَالِ

كُلُّ دَرْبٍ فِيهِ ذِكْرَى.. فِيهِ جُرْحٌ

كُلُّ جُرْحٍ فِيهِ بَالِ

كَيْفَ أَمْضِي وَالمَسَافَاتُ بِحَارٌ

وَالمُنَى مَوْجٌ عُجَالِ

نَحْنُ فِي التِّيهِ نُنَاجِي كُلَّ نَجْمٍ

عَلَّهُ يَمْحِي الضَّلَالِ

لَيْتَ فِي الأَيَّامِ رِفْقًا أَوْ سُكُونًا

لَا انْتِظَارًا لَا مُحَالِ

هَمَسَتْ تِلْكَ العَجُوزُ بِاتِّزَانٍ

يَا بُنَيَّ سِرْ لِلْمَعَالِي

فَقَمِيصُ يُوسُفَ الشَّافِي سَيَأْتِي

حِينَ تَشْقَى بِالثِّقَالِ

وَتَأَسَّى صَبْرَ يَعْقُوبَ فَتَلْْقَى

أَنَّ هَذَا الصَّبْرَ بَالِي

وَاصَلَتْ تِلْكَ العَجُوزُ النُّصْحَ حَتَّى

أَقْبَلَتْ مَنْ فِي خَيَالِي

فَالْتَقَيْنَا.. بَيْنَ صَمْتٍ وَانْكِسَارٍ

بَعْدَ هَجْرٍ وَانْفِصَالِ

فَلَمَحْتُ الدَّمْعَ فِي عَيْنَيْهَا يَغْفُو

مِثْلَ حُزْنٍ لَا يُقَالِ

فَدَنَتْ مِنِّي بِغُنْجٍ وَدَلَالِ

ثُمَّ قَالَتْ بِانْفِعَالِ

فَلْنُصَافِحْ هَذِهِ الأَحْزَانَ سِرًّا

ثُمَّ نَمْضِي لَا نُبَالِي

رُبَّمَا فِي آخِرِ الدَّرْبِ ارْتِيَاحٌ

أَوْ جَوَابٌ لِلسُّؤَالِ

فَالْتَزَمْتُ الصَّمْتَ مُرْتَابًا لِظَنِّي

لَسْتُ أَدْرِي مَا جَرَى لِي

فَدَنَتْ مِنْهَا العَجُوزُ ثُمَّ قَالَتْ

يَا ابْنَتِي لَا.. لَا تُغَالِي

ذَلِكَ العِشْقُ إِذَا مَا عَادَ يَوْمًا

عَادَ مِنْ دُونِ جِدَالِ

إِنَّمَا العِشْقُ إِذَا طَالَ اغْتِرَابًا

عَادَ كَالقَطْرِ المَسَالِ

وَإِذَا أَمْسَى بَعِيدًا.. عَادَ قُرْبًا

رَغْمَ أَهْوَالِ المُحَالِ

فَاحْذَرِي أَنْ تُفْرِطِي فِي الظَّنِّ يَوْمًا

وَاحْذَرِي صَمْتَ الرِّجَالِ

***

جليل إبراهيم المندلاوي

ذكرى

حزينا يعانق عزف الكمان روحه

يتذكر صباه

وتراب قريته

وبحيرتها

ونخيلها

ورغيف أمه

وسحر عينيها

ودفئها وهي تمشط شعره

فينكسر

هشا كجناحي فراش

يصيره غيابها فينكسر

**

سفر

على رصيف المحطة

وشوشت في أذنه

لا تتركني وحيدة

كأشجار الخريف بلا أمطار

وبلا أوراق

وبلا عصافير

وبلا أزهار الياسمين

يقتلني الغياب

غيابك ساعة السفر

***

عبد الرزاق اسطيطو

 

سكنت في مدينة الطائف، وبالتحديد في إسكان القوات المسلحة بحكم عمل والدي في الخدمة العسكرية؛ تلك المدينة الباردة، الهادئة، الباهتة، كأنها مبنية من رمادٍ متماسك. ما إن يحلّ المساء حتى يهبط معه ذلك الاكتئاب الكثيف… شعور لا يأتي من الداخل، بل من الهواء نفسه، من رطوبة الجدران ومن صمت الشوارع الفارغة. وحتى حين تشرق الشمس لا تجلب معها الحياة، بل تُلقي بوهجٍ متطرف، حارّ، غاضب؛ شمس لا تُنير بل تُعاقب، كأنها الوجه العاري لأرواح الناس من حولي. ولدتُ بطبيعة شاعرية—بطلة صغيرة ترى العالم كقصيدة غير مكتملة.

أذكر أن جحيم الوعي، وابتلاء السؤال، والمعضلة الوجودية… بدأت معي منذ التاسعة. كنتُ أحاول فهم العالم، تفكيك لغزه، وكنت أدفع ثمن كل سؤالٍ حقيقي بالتوبيخ من معلماتي بالمدرسة ووصف اسئلتي بالخطيرة وكأن امتلاك عقلٍ يقظ في ذلك العمر جريمة أخلاقية. وبسبب تلك الطبيعة العطشى، ظللتُ أبحث عن أي جمال يمكن لحواسي أن تتشبث به:

كنت أذاكر في الحديقة الصغيرة خلف المنزل، أراقب أوراق الزهور، عناقيد العنب المتدلية، شمس العصر وهي تتسلل كخيطٍ من ذهب عبر فوضى أغصان شجرة الجهنمية بزهورها الوردية. كنت أحاول سرقة لحظة جمال قبل أن تلسعني تلك الشمس الهوجاء المتطرفة، وتعيدني إلى حقيقة المكان الذي لا يحتمل الجمال ولا الخفة ولا البراءة.

وفي فترة العصر كل يوم، عند الرابعة مساءً تحديدا… يتكرر المشهد ذاته: تهب ريح مفاجئة، قوية، تهزّ الشجرة بعنفٍ غريب وكأنها تحاول اقتلاعها. كنتُ أركض مرعوبة إلى والدي، وبمجرد أن يخرج… يسكن كل شيء. تهدأ الريح، وتهدأ الشجرة، وكأنها لم تكن تثور إلا عليّ وحدي. أعود إليها ألمس جذعها، فتأخذني قشعريرة باردة وقوية جداً في النقطة نفسها كل مرة. تكرر الأمر كثيراً… حتى لم يعد يصدقني أحد.

مرت السنوات، وانتقلنا لمدينة جدة ودفنتُ تلك الظاهرة مثل ذكرى مشوهة. حتى استيقظت ذات صباح قبل عدة أشهر من حلمٍ عجيب… رأيتُ نفسي أقف تحت الشجرة نفسها، في الفناء نفسه قبل عشرين عاماً.

كان أمامي شاب ببدلته العسكرية، في منتصف العشرينات أو بداية الثلاثينات.

نظر إلي بحزنٍ  وقال:

“أنا متّ هنا.

كان لدي طفلة رضيعة… ولم أهنأ حتى بحملها.

كنتُ أحاول التواصل معكِ، لكنك كنتِ جبانة.

لم تسمحي لي.

أنا غاضب من الطريقة التي أزهقت بها روحي من الدنيا… لماذا أنا؟ قبل أن أعيش حتى؟ قبل أن أرى ابنتي تكبر؟ لماذا لم يعاقب ذلك الشخص؟"

ثم بدأ يبكي…

وبكاؤه كان ثقيلاً، كأن كل قطرة هي جملة مبتورة من حياة لم تكتمل.

استيقظتُ وأنا أحمل صوته في صدري كجرح قديم أعيد فتحه.

وقفت أتجهز للعمل.

وعندي عادة قديمة حين أضع مكياجي صباحاً:

أفتح مكتبتي الموسيقية، وأترك هاتفي يختار لي المقطوعات بلا تدخل.

وفي ذلك اليوم اشتغلت مقطوعة “Where Spirts Sleep” "حيث تنام الأرواح" للعازف إيريك هيتمان … ولم تكن الصدفة وحدها المرعبة، بل أن الصورة المرافقة للمقطوعة كانت شجرة كبيرة… تشبه شجرتنا القديمة .

لم أشعر بالخوف.

الخوف آخر ما يمكن أن يخطر لي.

الذي شعرت به كان شيئاً أعمق…

وجعٌ يشبه الاعتذار المتأخر.

ماذا لو كان ما رأيته حقيقياً؟

ماذا لو كانت تلك الريح…

وتلك القشعريرة…

وتلك اللحظة التي تسكن فيها الشجرة حين يرى والدي…

هي محاولته أن يقول:

أنا هنا.

سؤالٌ بلا جواب…

وتركة ثقيلة حملتها عشرين عاماً دون أن أدري.

***

لمى أبوالنجا – كاتبة وأديبة من السعودية

كَفَانِيَ الشِّعْرُ خَمْرًا فِي شَبَابِي

هُوَ الشَّهْدُ المُعَتَّقُ فِي شَرَابِي

*

بِهِ اسْتَمْتَعْتُ فِي سِرِّي وَجَهْرِي

وَفِي حُلُمِي الْمُوَلَّهِ بِاصْطِحَابِي

*

وَفِي حِلِّي وَفِي التَّرْحَالِ أَمْسَى

رَفِيقَ الدَّرْبِ دِيوَانِي كِتَابِي

*

وَفِي فَرَحِي وَفِي شَجَنِي اصْطَفَانِي

وَمَا كَانَ المُرَشَّحَ لِلْغِيَابِ

*

مَزَارَ الحُبِّ كَانَ وَمَهْدَ عِشْقٍ

أَسَالَ الوَجْدَ مِنْ كَنَفِ السَّحَابِ

*

هُوَ البَرْقُ المُضِيءُ سَمَاءَ فِكْرِي

هُوَ الإِحْسَاسُ وُقِّعَ بِانْتِخَابِي

*

فَمَا أَشْهَاهُ حِينَ يَجِيءُ لَيْلًا

يُغَازِلُنِي وَيُفْقِدُنِي صَوَابِي

*

يَدُقُّ القَلْبَ يَدْخُلُ دُونَ إِذْنٍ

وَيَكْتُبُنِي عَلَى وَرَقِ العَذَابِ

*

تُبَرْعِمُ مِنْ لَظَى حِمَمِي وُرُودٌ

مَتَى ازْدَانَتْ تَرَاءَتْ كَالزَّرَابِي

*

وَضَمَّدَتِ الجِرَاحَ بِمَسِّ حُسْنٍ

يُرَى لِلْعَيْنِ خَمْرِيَّ الخِضَابِ

*

فَيَا شِعْرِي تَرَفَّقْ بِي قَلِيلًا

وَكُنْ سَنَدِي إِذَا اسْتَعْصَى مُصَابِي

*

وَكُنْ لِلْعَاشِقِينَ مُدَامَ عُمْرٍ

يُتَعْتِعُهُمْ لِيَحْتَفِلُوا بِبَابِي

*

وَلَا تَحْرِمْ صَفِيَّكَ مِنْ هَوَاهُمْ

فَبِي ظَمَأٌ وَذَا زَمَنُ السَّرَابِ

***

بقلم: سُلَيْمَان بْن تَمَلِّيست

جربة - الجمهورية التونسية

 

هل عايَشَ الزعماءُ

حالة بُؤسِنا؟!

هل غَبَّرَتْ أقدامهم يوماً

مُعاناة الظمأ؟!

وهل اسْتَبَدَّ بهمْ

صرير الجوعِ..أَلْجَأَهُمْ

إلى (برميلِ) يقرضهمْ

فُتات الموجعاتْ؟!

*

وهل الرصيف أوى إليهم

ذات ليلٍ موحِشٍ

- حتى غفوا قسرًا -

وأبردهم شتاء القارساتْ؟!

*

وهل الخطوط تَزاحَمتْ

وتَعَسَّفَتٰ خطواتها في سَيْرهِمْ

والقَطْرُ فاتْ؟!

*

وهل... وهل....؟

يا سائلين تمهلوا

يا كُل آآآتْ

لا الحاكم المُعتل

أو أحزاب (قَرِّبْني)

سَتُوصِلكُمْ إلى نَيْلِ الحياةْ !

*

فقفوا أباةً يا حُماةْ

وثقوا بأن نضالنا

حتمًا سَيَصْدُقنا

ويَحملنا بألحانٍ بديعاتٍ

وعقبى الباقياتْ

*

وحدكم أمل البلاد

وحِرْزها المأمول

والسَّنَد الثِقَاتْ!

***

محمد ثابت السميعي

 

يا للغجريةِ التي تمشي على خيطِ نار، تجرُّ وراءها كونًا ضاع نصفه في الندى، ونصفه الآخر في حكاياتٍ لم تُروَ بعد.

*

هي لا تكشفُ الجسد، فالجسدُ لديها مجردُ ستارةٍ لعاصفة، مجرّدُ قشرةٍ لكوكبٍ يدور على إيقاع الطبول الأولى، كأنها حين تنفضُ غبار الطريق تُطلِقُ من أكمامها تاريخَ حضارةٍ استيقظت ذات فجرٍ على صهيل الأسلاف، حضارةٍ علّقت صبرها على حبالِ الريح ورفعتْ روحها عالياً حتى صارتْ عنفوانًا لا يُنسى، وشرارةً لا تخمد.

*

لا تقتربْ كثيرًا من الغجريات، فعيونهنَّ ليست عيونًا، بل بوّاباتٌ واسعةٌ تسفرُ عن أقاليمَ خفية، وعن ذئابٍ معلَّقةٍ في الهواء تترقّبُ الفارسَ الذي يظنُّ أن الحصنَ يحميه.

*

الفارسُ، وإن امتطى حصانهُ وأحكمَ قبضته على سيف الأيام، يستيقظ في اللحظةِ التي تومضُ فيها نظرتُها: تنهارُ دروعه، وتسقطُ الهيبةُ عن كتفيه، ويعرفُ— دون اعتراف— أن الخوفَ وجهٌ آخر للحب حين يمرُّ عبر قلبٍ لم يتعوّد الارتجاف.

*

الغجريةُ، كوكبٌ يتنقّل في ليلِ البشر ولا يحتاجُ مدارًا، تحملُ على أصابعها موسيقى لم تُكتشف، وتتركُ في الهواء أثرَ قبيلةٍ علّمتِ العالم كيف يصنعُ ظلّهُ من الشرر.

*

هي ليست امرأة؛ إنها الذاكرةُ حين تمشي، والماضي حين يرقص، والروح حين تتذكّرُ أنها خُلقت لتشتعل. فإذا مرّت، فاتركْ للدهشةِ بابًا مفتوحًا، وللقلب نافذةً ترتجف، علَّ ضوؤها البريّ يُعيد لك شيئًا من إنسانيتك… أو يأخذُ منك ما تبقّى منها.

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

بَيْنَ اَلْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولْ

بَيْنَ حُرُوفِ اَلْعِلَّةِ

وَالْمَبْنِيِّ عَلَى اَلْمَعْلُومِ

أَوْ اَلْمَجْهُولْ

بَيْنَ عَلَامَاتِ اَلِاسْتِغْرَابِ،

وَعَلَامَاتِ اَلِاسْتِفْهَامْ

كَانَ اَلْخَطَّاطُ يَنَامْ

وَهُوَ يُفَكِّرُ بِحُرُوفٍ عَشِقَتْهَا اَلْأَيَّامْ

تُصْبِحُ دُنْيَاهُ حُرُوفْ

تَأْخُذُهُ لِعَوَالِمَ يَجْهَلُهَا

تَسْألُهُ هَامِسَةً

مَنْ يَسْبِقُ مَنْ

فِي اَلْإِبْدَاعِ، وَفِي اَلتَّكْوِينْ؟

لَا يَجِدُ اَلْخَطَّاطُ جَوَابًا

يَنْهَضُ مُرْتَابًا

يَتَسَاءلُ مَنْ

مَنْ يَسْبِقُ مَنْ؟

هَلْ خَطُّ اَلنَّسْخِ، أَمْ اَلثُّلْثِ، أَمْ اَلرُّقْعَةِ؟

هَلْ خَطُّ اَلْكُوفِيِّ، أَمْ اَلدِّيوَانِيِّ، أَمْ اَلْعَجَمِيّ؟

أَتْظَلُّ خُطُوطِيَ غَارِقَةً

بِهُمُومٍ تَنْضَحُ أَسْئِلَةً

وَهْيَ تُرَدِّدُ بَاكِيَةً

مَنْ يَسْبِقُ مَنْ؟

***

شعر: خالد الحلّي

(قصائر)

سَئِمتُ التَجاعيدَ في وجهي

فثمّةَ إنسانٌ آخر

تحتَ جِلدي

يَعودُ الى الوَراء

رُغمَ أنفي

**

2

بَعدَكِ

بحَثتُ كثيرًا عن بيتٍ مَهجُور

لأجعَلَ خّدي

لا يستَنكِفُ الدَمع

**

3

يا للهُزْء

محظورٌ أن أنطقَ اسمكِ

ويذكرُهُ غيري..

بلا عاقبة

**

4

يا فَرَحي المُحتَجِب

جِدْني

لعلّي لم أعدْ أستحِقُ الرَجم

والجَنّةُ خَلفي..

بلا أبواب

**

5

عندَما تهَدّلتْ أيّامي

كغَيري

أُسرِعُ الى شَيءٍ فأنساه

كأنّي أُبْدِلُ اليومَ بالأمس

وأعود..

ببَسمةٍ بلهاء

**

6

لم أجدْ في لِحيَتهِ المُهذّبة

بالكثيرِ من العِناية .. والنِفاق

سوىٰ رَغبةٍ في البَقاء

طافيًا..

على ماءٍ آسِن

**

7

كثَورِ الحِراثة

كلُّ ما أحظىٰ بهِ

دلوٌ منَ الماء

وقبضَةٌ من حَشيش

كي أعيش

في وطَني

**

8

فلتَعبُري معي ذلكَ النَهر

طالما يَجري بهِ الحُبّ

سيَغمُرنا الوحلُ .. يا حبيبتي

إذا انحسَر

**

9

النجومُ ذاتُها كلّ مَساء

أمعِنُ فيها

أجهَلُ السبَب

ربّما أبحثُ عن موطِنٍ

بلا عَبيد ..

ولا جُنود

**

10

أيَمكنُ لكلّ تلكَ الذكريات

وأكوامِ السِنين

أن تختَفي

بطَعنةٍ واحدة

**

11

يَخالُ الحِكمةَ في عِمامَتهِ

جلَسَ يَستَشفي تَمرُّدي

بأدعيةِ المَساء

لم أرَ فيهِ سوى شِفاهٍ ..

تحتَسي الهَواء

**

12

أنتِ..

سورةٌ في كتابٍ مُقدّس

أقرَأُ عَينيكِ في خُشوع

كلّما تيَممتُ للصَلاة..

لكنّ غادراً..

حَطّمَ المِحراب

**

13

ما أتعسَ الحَياة

تحدّثَ كثيرًا على مَسمَعي الشارِد

وفي الخِتام

شَكرتُهُ ..

على الهَذَيان

**

14

بلا ملَل

أعيدُ كلَّ ليلةٍ دُعائيَ الأبتَر

سأنامُ في الليلةِ التالية

كي أبرّرَ الأرَق

**

15

ألهو بالكلماتِ التي أهمَلَها البَشَر

كمَن يَستَلقي على أحرفٍ شاردة

يمنحُني هذا لذّةً..

بالوحدة

**

عادل الحنظل

 

في جوفِ الأرضِ

ثمةُ مملكةٌ تُخطِّطُ لِمَا فوقها،

نملٌ صغيرٌ

يخبّئُ أسرارَ الطين

ويُرمّمُ فوضى الحقول

بحكمةٍ لا يفهمها

إلّا من جَرَّبَ أن يُنصِتَ

إلى خشخشةِ الوجود

حين يَحْتَكُّ بجلدِهِ.

*

أفكّر ،

هل نحنُ مثلهم ،

نحملُ أثقالَ أرواحِنا

إلى جُحورٍ ضيّقةٍ

صنعناها بأيدينا؟

هل نمشي في السطرِ نفسه

الذي خُطَّ لنا

قبل أن نعرفَ

أنّ الخطى تُكتبُ

كما تُكتبُ الأحلامُ المبتلّةُ بالخوف ...

*

يا لغرابةِ ما يدور!

النملُ يَرتِّبُ الفوضى

ونحنُ نُرتِّبُ الخراب،

النملُ يحرسُ

«بقاءَهُ البسيط»

ونحنُ نهدمُ

«معنانا العميق».

***

مجيدة محمدي

الجزء الأخير من رواية الحرز

تمتمت بهمسة خرجت من عتبةٍ كانت تخاف الاقتراب منها:

"حان الوقت.. لأعرف".

مدّت

يدها

نحوه

ببطءٍ

حَذِر،

كأنها تخشى أن تستيقظ الأرواح النائمة بين ثناياه.

تناثرت الأوراق التي في داخله واحدةً تلو الأخرى، رقيقة كأجنحة فراشات ذابلة، مرقَّمة بأناة تنحدر من الواحد إلى العشرة...

كأن حياةً كاملة أُفرِغت في هذا الترتيب الغريب.

التقطت إيفا الورقة الأولى بأطراف أصابعها المرتجفة، ثم فردتها ببطء، وكأنها تخشى أن تتمزّق الذاكرة ذاتها.. وبدأت

القراءة...

الورقة الأولى

كانت حياتنا قبل مرض أبي هادئة كجدولٍ صغير ينساب بين بيوت الفقراء، بسيطة، مطواعة، لا تُفاجئ أحدًا. كان أبي يعمل سائقًا في الميناء، رجلاً لين الملامح، طيب الطبع، يملك من الصبر ما يجعل صوته دائمًا منخفضًا حتى وهو يواجه قسوة الدنيا.

كنتُ ابنته الوحيدة.

طفلة في العاشرة، أعيش في كنف والداي كزهرةٍ لا تعرف من الرياح سوى النسائم، فأنا موضع دلالهما رغم ضيق الحال، وكانا يشيّدان لي في كل يومٍ حلمًا صغيرًا يعوّضني عن كل ما ينقصنا.

لكن الربو الذي لازم أبي سنينًا طويلة بدأ يتحوّل إلى ذئبٍ ينهش أنفاسه نهشًا. لم يعد سعاله عارضًا عابرًا، بل صار يتردّد في صدره كطبول حرب تقرع في ليلٍ بلا نجوم.

ومع تدهور صحته اضطر لترك العمل، او لأقل سرح منه.

حصل بعد جهدٍ مُرهِق على تقاعدٍ هزيل لا يكاد يسد الرمق.

بدأت أمي تُخفي دموعها في المطبخ، وأصبح وجه أبي أكثر انطفاءً، وكأن الهواء الذي يستنشقه لم يعد يكفي لبقائه في هذا العالم.

وحين ضاقت السبل، اضطر أبي إلى استدعاء أخيه.

كان عمي ــ ذلك الرجل الذي لا يأتي إلا إذا احتاج ــ يعمل في سلك الشرطة، ويتاجر في الظلام بكل ما يمكن بيعه أو تهريبه.

جاءنا بزيه الرسمي، مسدّسه يتدلّى عند خاصرته كتهديدٍ صامت، وحضوره يملأ البيت رائحة خوفٍ لم أعرفها من قبل.

سأل أبي عن قدرته على إيصال بعض "الصناديق"، كما فعل في مرةٍ سابقة.

ولم يجد أبي بُدًّا من الموافقة، فالعوز كان شرسًا، ينهش في نبرة صوته ورجولته.

منذ ذلك اليوم صار بيتنا مخزنًا لعلبٍ مبهمة ولفائف غامضة، صناديق مُحكمة الإغلاق لا يجرؤ أحد على السؤال عمّا بداخلها.

كان عمي يكلّف أبي بنقلها وحده، مريضًا كان أم على حافة الإغماء، لا يهمّ.

كان يكلّمه من علٍ، يوزّع كلماته وكأنه يرمي صدقاتٍ على متسوّل.

أما أنا، فكنت أرتجف كلما دخل البيت بحذائه الملطّخ وعينيه الزائغتين؛ كنت أشعر، على صغري، أن حضوره يطفئ شيئًا من نورنا.

زاد عمل أبي مع عمي مرضًا فوق مرض.

صار فراشه ضيقًا عليه، وأنفاسه كخشبٍ يابس يشقّ طريقه نحو الاحتراق.

وحين أخبرنا الطبيب بأن أيامه صارت معدودة، انكمشت أمي كظلّ يُسحب من عنفوان نهاره، بينما لم يكلّف عمي نفسه حتى بالسؤال عنه.

كنتُ أذهب إلى المدرسة بخطواتٍ متردّدة، أختبئ خلف صديقاتي، أستعرِض وجوههن لأتأكد أن أحدًا منهن لا تعرف بصدقات الجيران التي صارت أمي تقبلها مُكرهة. كنت أخجل، بل كنت أشعر بأن العالم كلّه ينظر إليّ بعينٍ تُشفق وتدين في آنٍ واحد، وكنت أبكي سرًا حين أسمع أمي تستقبل زوّارًا يحملون لنا ما يسد رمقنا.

وبعد اشهرٍ قصيرة وثقيلة، رحل أبي.

رحل وكأنه اعتذر عن الحياة، وتركنا معلّقتين في هواءٍ ملتبس لا نعرف كيف نتنفسه.

لم تمضِ أيام حتى أدركنا أن موت أبي لم يكن نهاية العذاب..

بل بدايته.

فقد أصبحنا تحت رحمة العم، ذلك الذي كان ظلّه وحده كفيلًا بأن يصادر الدفء من البيت.

كنت طفلة،

نعم...

لكنّ قلبي كان يرى ما لا تراه أعين الكبار. كنت أعلم، بيقينٍ يشبه حدس الجياع، أن الأيام المقبلة ستختبر قدرتي على البقاء.. وأن الخوف الذي يسكن البيت لن يغادر بسهولة.

الورقة الثانية

لمّا انطفأ وجه أبي إلى الأبد، وبات اسمه يُتلى همسًا في أركان الدار، حلّ عمّي في حياتنا كظلّ ثقيل لا يُرى منه سوى سواد الطمع ونتانة السلطة.

كان يأتي بصفة المعيل،

يحمل في يده ما يشبه الرحمة،

وفي قلبه ما يشبه الخراب.

يزورنا بحجّة السند، بينما كانت نظراته تفصح عن نوايا لا تخفى على من ذاقت الفقد وعرفت مبكرًا ألوان الخديعة.

كنتُ يومها طفلة، لكنّي أحمل في داخلي قدرًا من فطنة مبكرة، تلك التي تمنحها المآسي لأصغر أبنائها. كنتُ أرقب خطواته وهو يدخل غرفة أمّي، يغلق الباب وراءه، ثم يخرج بعد ساعات بنفَس متثاقل، وأمّي تلوذ بجدار المطبخ تنتحب، تشتم حظّها وتدفن وجهها في راحتيها كأنها تحاول إخفاء ما لا يُخفى.

أدركت،

دون أن يخبرني أحد...

أنّه كان يراودها عمّا لا حق له فيه،

وأنه يلوّح بقطع المعونة إن رفضت،

بل...

يتجرّأ على ضربها إن نهضت كرامتها لتقف في وجهه.

ومنذ تلك اللحظة، انفتح في صدري بئرٌ من الكراهية لا قرار له.

كنت أراه نجسًا يمشي على قدمين، وأتحاشاه كما يتحاشى الطاهر كل ما يدنّس روحه. صرت أختبئ في زوايا البيت، خلف ستارة متهالكة، تحت السرير، أو قرب سطح الدار حيث لا يصعد أحد.

لكن عينيه كانتا تلاحقانني أينما حللت، كأن حضوري يوقظ فيه شرًّا آخر.

يسأل أمّي دائمًا عن غيابي، وحين يعلم أنّني في الدار يطلب أن أقدّم له الطعام والشاي، مكرسًا من وجودي خادمة أبدية من حقه المكتسب.

كم كرهتُ تلك اللحظات. يدٌ صغيرة ترتجف وهي تحمل طبقًا أكبر من قدرتها، ونظرات متوحّشة تترصّد كل خطوة. وحدث غير مرة أن انزلقت يدي وسقط الطبق على الأرض، فيستشيط غضبًا، ينهال عليّ ضربًا وشتماً، ثم يعاقبني بعقوبة كانت أشدّ قسوة من الألم ذاته: حرماني من المدرسة، التي كانت نافذتي إلى العالم، ومهربي الصغير من رائحة الخوف في البيت ومن نظراته التي تغتال لحظات الطمأنينة المتلألئة بالامان.

مرّة، وحين تكدّست المرارة في صدري، قلت لأمّي

إنني أريد قتله.

كنت أقولها بصدق طفلة وصلت إلى منتهاها. وضعت أمّي يدها على فمي بسرعة، كمن يخشى أن تستيقظ العواصف، وقالت بصوت مبحوح، هادئ ولكنه حازم:

"لا تكرّري هذا أبدًا، يا حياة..

إن علم بما نويتِ سنُدفن معًا دون أثر.

عليكِ أن تكوني لطيفة معه..

فلا تظهري نفورك".

لكن كيف لطفلةٍ أن تجامل وحشًا؟

قلت لها: إنني أكرهه، ولا أطيق حضوره في بيتنا، ولا أحتمل إهانته لنا.

كنت أقول ذلك وقلبي يخفق بخوف وتمرّد لا يعرف شكلاً ولا مخرجًا.

لكن...

بلغني في المدرسة، همسًا بين الطالبات، أنّ عمّي يريد الزواج من أمّي، وأنه سيصير "والدًا" لي. كانت الفكرة وحدها كفيلة بإصابتي بالغثيان. نفيتُ الأمر..

لا بل رفضته بكل ما أوتيت من قوة الرفض... كأنها نبوءة شرّ لا يجوز أن تتحقق.

لكن اليوم الذي خشيتُه جاء، ولم يكن بإمكاني صده.

جلس عمّي أمامنا، بعينين لا تعرفان الحياء، وقال إن علينا الانتقال إلى بيته لتوفير الإيجار، وإنه ينوي الاقتران بأمّي "سترًا لها... لنا".

يا للسخافته!

كان

يمنّ

علينا

بما

سرقه

من

طمأنينتنا.

اقتاد أمّي إلى أقرب مأذون، وكأنها صفقة يجب إنهاؤها بسرعة.

عادت تلك الليلة صامتة، كأن صوتها نُزع منها.

عيناها تحملان أثر معركة خاسرة.

تم الزواج في يوم واحد، وكأن القدر استعجل الوجع كي يستقرّ في صدورنا.

وفي صباحٍ كالح، حملنا ما تبقّى من متاعنا القليل، وانتقلنا إلى بيت عمّي، تابعين اياه كمقادين لا حول لهم، كخراف تُساق إلى جزار الجديد.

كنت أسير باتجاه الشاحنة التي اقلتنا، وأنا أصر على اسناني وأضغط على يدي حتى تترك أظافري أثرًا في جلدي، كأن ذلك الألم الخفيف يُساعدني على احتمال ألم أكبر.

كنت أحسّ بأن الطفولة تُسلب مني، وأنني أدخل عالمًا غريبًا لا مكان فيه لضحكة، ولا لكتاب، ولا لسماء نظيفة. كل شيء كان ثقيلًا:

الطريق،

الهواء،

نظرة أمّي الشاردة،

وصمتها الذي يشبه استسلامًا مجبَرًا لا قبولًا رضيًا.

ومع ذلك، في داخلي كانت هناك شعلة صغيرة، لا أعرف من أين جاءت، ربما من ذكرى أبي، أو من شيء دفين في روحي، شعلة تقول إنني سأكبر يومًا، وإن هذا الظلم، مهما تمدّد، لن يبتلعني كاملة.

كانت الطفلة في داخلي ترتجف..

نعم، لكنها لن تركع.

وكل خطوة نحو بيت عمّي كانت تُعمّق عزيمتي على أن أحيا بطريقة لا تشبه قسوته، وأن أظلّ، رغم الخوف، حياة:

تلك الصغيرة التي لم يسمح لها القدر أن تكون طفلة،

لكنها أقسمت أن تحفظ ما تبقّى من نورها في قلبها، ولو سرًا.

الورقة الثالثة

منذ اللحظة الأولى لخطونا عتبة بيت عمّي، أدركتُ أنّ البيت ليس بيتًا، بل فخٌّ متقن نصبه القدر، وأُجبرتُ أنا وأمّي على الإقامة فيه كقطعتين زائدتين في معادلة لا ترحم.

خصّص لنا غرفة ضيقة، جدرانها رطبة، لا تُمسك سرًّا ولا تحفظ خصوصية.

وزاد الطين بِلّة أنّه انتزع المفتاح وأخفاه في جيبه، ليقتحمها متى شاء، في أي ساعة، وبلا استئذان، كأنه يختبر مدى ضعفنا حين تُفتح الأبواب قسرًا.

هناك، بدأتُ أتعلم مفردات الخوف المتواصل كما يتعلم الطفل الحروف الأولى.

تسلّل القلق إلى روحي كما تتسلل الرطوبة إلى جدار يتجمع نزيز الماء تحته، لا تُرى في البداية، ثم تُترك ندوبًا لا تُمحى.

كنت أقضم أظافري حتى ينضح الدم، أنتزع شعرات رأسي بعد أن أعقدها بين أصابعي بإلحاح، أجرح ساعدي بأي شيء حادّ يقع تحت يدَي.

لم أكن أفعل ذلك رغبةً، بل استجابة غامضة يفرضها خوف نامٍ في صدري، خوفٌ جعلني أتمنّى، في لحظات يأس مضاء بكراهية، أن أتحوّل في عيني عمّي إلى وحشٍ يخشاه، لا طفلة يستسهل دهسها.

وتعلّقتُ بأمي كتعلّق ظلّ بجسدٍ خائف.

كنت أرافقها أينما ذهبت... في المطبخ، في الفناء، وحتى حين تتهيّأ للنوم.

أعرف أنها لا تستطيع حمـايتي، لكن قربها كان يمنحني شيئًا الطمأنينة والأمان...

بقايا حضنٍ لا يحول دون الشرّ، لكنّه يخفف وخزه، ويبعد عواقبه.

ولهذا كنت أحمل معي دائمًا شيئًا خفيًا:

مسمارًا صغيرًا، حجرًا بحافة حادة، قطعة حديد صدئة، شوكة..

أي شيء يمكن أن يتحوّل في لحظة إلى أداة دفاع أو ربما إلى تميمة تمنحني وهم القوة كالحرز الذي شدته امي على ساعدي في اول يوم ذهبت به الى المدرسة ولازالت احمله.

لم نكن نعرف لمزاجه توقيتًا.

كان يخرج في ساعات مبكرة، ثم يعود فجأة في منتصف النهار، أو يدخل علينا ليلًا بعينين حمراوين تفحان شرّا، كأنّ الليل نفسه يتجسّد في موعد عودته.

وهكذا عشنا في ترقّب دائم، في توترٍ يشدّ الأعصاب كما يشدّ القوس وتره.

ثم بدأت تحرّشاته، واضحة، مقززة، لا يغطّيها حياءٌ ولا تسترها بذرّة رحمة.

كان يسحبني من ذراعي بعنف لأجلس قربه، يتعمّد مراقبة فتحة صدري الصغيرة، يمدّ يده إلى أردافي حين يعلم أنني نائمة، أو يفتح باب الغرفة لحظة تغيير ثيابي استعدادًا للمدرسة.

كانت عيناه تُعلن ما في نفسه قبل يديه. وكنتُ أعرف، بحدس طفلة خُدشت براءتها مبكرًا، أنّه ينتظر اللحظة المناسبة لارتكاب ما هو أفدح من اللمس.

ولم يكن لديّ مخرج. فكرتُ أن أهرب إلى بيت عمّتي، لكنّها كانت نسخة أخرى من أخيها: بخلٌ، وجشعٌ، وخوفٌ أعمى من سطوته، فلا ملاذ هناك.

حاولتُ التفكير بمن يمكن ان يصدقنا من الناس، معارف، اقرباء، جارة عجوز، معلمة في المدرسة، لكنّ الجميع كانوا يتجنبونه كما يُتجنَّب الوباء.

وحتى لو كلمتهم، فلن يصدّقني أحد.

بل ربما يُتهم جسدي الصغير بالعار، ويُلقى بي في أول مكبّ نفايات كما تُرمى الأشياء المكسورة.

كان عمّي يُذكّرنا، كلما سنحت له الفرصة، بأنه "سترنا" من الشارع، وأنّ فضل وجودنا فوق أرض بيته يعود له وحده.

يلوّح بالمهانة دائمًا كما يلوّح الظالم بسيفه، يريدنا ممتنّتين لظلمه، لاهجتين بمعروفه، ومدينتين لقهره حتى آخر العمر.

وحين كنت أدفع يده عني أو أرفض الجلوس قربه، كان يهددني بحرماني من المدرسة، ذلك الملاذ الذي لم يبقَ لي سواه.

يقول إنه سيحبسني في البيت، وإن عليّ أن أطيعه.

وحين تتدخل أمي، راجيةً، يزداد غضبه حتى يكاد يفقد صوابه، ينهال علينا شتمًا وضربًا، كأن وجودنا خطيئة تُستوجب العقاب.

ليالي كثيرة، كان النوم يجافيني خوفًا، فلا يغمض لي جفن إلا بعد أن أسمع وقع خطواته تغادر البيت.

حينها فقط كان جسدي يرضى أن يستسلم للنوم تَعِبًا.

كنت أدعو، بلسان طفلة لا تعرف سوى البكاء والدعاء، أن تحلّ به مصيبة تبعده عنا، أن يضلّ الطريق، فلا يعود أبدًا.

لم تكن أمنية مبطنة بالحقد فقط، بل كانت محاولة للنجاة، محاولة يائسة للبقاء.

كنت أتحيّن كل لحظة كي أتفادى ما قد يحدث، أنسلّ مبتعدة عن طريقه، أخفي جسدي في الظلال، وأتعلم، ما استطعت، أن أغدو أصغر ما يمكن، كأن الوجود يصير عبئًا يجب أن يُخفى. ومع ذلك، كانت هناك شرارة صغيرة في داخلي، لا تزال تقاوم.

الورقة الرابعة

مرّت

الشهور

ثقيلةً

كحجارةٍ تتدحرَج فوق صدري، أتحاشى وجودي في حضرته كما تتحاشى الظلالُ نوراً يحرقها.

كنت أتقن فنّ التواري والاختفاء، أختبئ خلف جدران الصمت وأبواب غرفتي، أحسب أن العزلة قادرة على أن تُعمي عين الشرّ المتربّصة بي.

لكن الشرّ يعرف أين يختبئ الخوف.. ويعرف كيف به يتربص.

حلّ يوم ميلادي الحادي عشر، يومٌ ما كان ينبغي له أن يكون سوى فرح صغير لطفلةٍ تُطفئ شمعة وتسرح بخيالها.

لكن السماء في تموز كانت قاسية، ترسل حرَّها فوق رأسي حتى شعرتُ أن وجهي يحمرّ كخبزٍ خرج تواً من فم التنور.

عدتُ من المدرسة أجرّ قدميّ المتعبتين، وركضت إلى المطبخ لأسكب ماءً يُطفئ جمراً يشتعل في صدري قبل وجهي.

وحين استدرتُ لأصعد إلى غرفتي وأستبدل ملابسي، وجدته يقف في باب المطبخ، يسدُّه بجثته كما يسدّ الغادرُ طريق نجاةٍ أخيرة.

كانت عيناه تنضحان بالدناءة، بريقٌ خبيث فيهما كأنهما ثقبان يقذفان شواظًا اسواداً.

تجمّدتُ مكاني وسألته بصوتٍ مرتعش:

ـ عمي.. أتريد ماء؟

لم يُجب. كان الصمت على لسانه أشدَّ رعباً من أي كلمة.

تقدّم نحوي خطوةً بعد أخرى، كذئبٍ يقترب من فريسته وهو واثقٌ أن لا خلاص لها. صرخت: "ماما!" فارتدّ الصوت عليّ كأنه ضائعٌ في بئر مهجورة.

قال ببرودٍ يُشبه برد المقابر:

ـ أمُّك ليست في البيت.. اهدئي وكوني عاقلة.

كنت أرتجف، لكن، ليس من الماء الذي بللت به يدي ووجهي، بل من شيءٍ أعمق:

من إدراكٍ مفاجئ بأنني وحيدة تماماً. قلت له محاوِلةً أن أستجمع بقايا شجاعتي:

ـ إذن.. اسمح لي أن أمرّ.

ـ سنخرج معاً.

ـ لا.. أريد غرفتي.

كنت قد خططت في داخلي أن أهرب إلى الشارع، إلى أي ضوءٍ يحميني من هذا الظلام الذي يقف أمامي الآن.

لكنّه لم يتركني أفكر طويلاً.

قبض على ساعدي بقوة، يده كانت خشنة كيد جلاّد.

لم أجد سلاحاً سوى كأس الماء إلى جانبي، فرفعتُه وضربتُ يده بكل ما في ذراعي الصغيرة من غضبٍ ويأس.

صرخ، شتمني، رفع يده وصفعني صفعةً أطاحت روحي قبل جسدي.

نهضتُ

كالغريزة،

لا كالقوة.

دفعته بكل ما فيّ من رمق نجاة، ركضت نحو باب البيت، كنت أسمع دقات قلبي أعلى من صراخي.

أصرخ لعلّ الشارع يسمعني، لعلّ العالم يسمع طفلةً تُستباح.

لكنه التقطني من شعري، سحبني كما تُسحب دمية قذرة.

كنت أتلوّى تحت قبضته، مستعدةٌ أن أفقد شعري كله ولا أفقد نفسي.

كان بكائي يثير فيه وحشاً كامناً. فقلت له وأنا أرتجف كعصفور مبتلّ:

ـ عمي.. أرجوك..

أنا حياة، ابنة المرحوم أخيك.

أستحلفك بالأخوّة..

بالدم..

لا تؤذني. أنا ابنتك أيضاً..

أرحمني.

لكن الرحمة لم تكن ضمن معجمه القذر...

رماني، وانا لا زلت اصرخ، في زاوية غرفته كما يُرمى جرمٌ لا قيمة له، ثم أغلق الباب وأخفى المفتاح. التفت إليّ وقال بابتسامةٍ منتهكة للإنسانية:

ـ ومن قال إنك ابنة أخي؟

اسألي أمك عن نطفتك..

أنتنّ بلا أصلٍ ولا نسب، ولولاي أنا، لكانت الشوارع مأواكنّ.

كانت كلماته أغلالاً تُلقى على روحي.

حاولتُ أن أبحث عن شيءٍ أدافع به عن نفسي، حجر، قلم، أي شيء، لكنّه انقضّ عليّ ككلبٍ مسعور.

مزّق ثيابي، يده تهوي عليّ ضرباً، وأنا أضغط أظافري في جلده، وأعض أي جزء منه في متناولي، أردّ الضرب بالضرب، كمن يدافع عن آخر نفسٍ في صدره.

دفعني بقوّة على حافة السرير، اصطدم رأسي بخشبةٍ بارزة منه، ورأيت العالم يُصبح ضباباً.

ظلّه يقترب، يشتم، يربط يديّ بعمود السرير كأنني جارية في زمنٍ مظلم.

وفي تلك اللحظة..

مات شيءٌ كبير في داخلي.

لم تكن مجرد لحظة اغتصاب..

كانت لحظة موت.

وحين انتهى، سحب جسدي كما تُسحب الجثة، ورماني خارج الغرفة.

كنت دماً بلا روح، أنفاساً متقطعة لروحٍ أُنهكت حتى النهاية.

ذلك اليوم..

لم أنتهِ فقط. بل بدأتُ أفهم أنني أصبحت "عاراً" في عينيه، وأن سيف الموت قد ينهال عليّ في أي لحظة بذريعة غسل العار.. فقط لأنني قاومتُ وصرخت.

الورقة الخامسة

لم أعد قادرةً على الحركة، كأن جسدي كله استحال حجراً يابساً طُرِح على أرضٍ باردة. انقطع صوتي عن البكاء، وتيبّست دموعي فوق وجهي كأثرٍ أخير لروحٍ كانت تقاوم ثم خارت.

لم أعد طفلةً في تلك اللحظات، بل شبحاً ينظر إلى الدنيا من وراء زجاجٍ معتم.

وبينما كنت غارقةً في وجعي وخوفي، سمعت صوت المفتاح يلتفّ في الباب كما لو أنه يفتح قبراً.

فتحت أمي الباب. وما إن وقعت عيناها عليّ حتى صرخت كأن شيئاً انتُزع من قلبها.

لم تسأل، لم تحتج إلى سؤال...

كانت الأم تعرف بعينها ما تعجز عنه لغةُ البشر.

هرعت إليّ، تنوح وتولول، تحاول أن تفهم أين يبدأ جرحي وأين ينتهي.

ساعدتني على النهوض، وأنا أثقل من أن تحملني ذراعاها الضعيفتان.

ساقتني إلى الحمّام، وأجلستني تحت الماء.

كانت تغسلني بدموعها قبل الماء، تمرر يديها المرتعشتين على وجهي وكأنها تحاول محو ما لا يُمحى.

كنت أسمع من خلف الباب صراخاً متقطّعاً، شتائمَ كالسهام، صوتَ ارتطامٍ غاضب.

كان عمي، ذلك الوحش الذي يتنفّس بين جدراننا، يهدّدها ويقذفها بالإهانات، يتوعدنا بالطرد والتشريد إن هي فتحت فمها أو حاولت أن تحميني منه.

كان صوته طعنةً أخرى، تُذكّرني بأنني لم أكن ضحية للحظةٍ واحدة، بل ضحية لقدرٍ جائر يحيط بي من كل الجهات.

مكثت أسبوعًا طريحة الفراش.

جسدي لم يعد جسدي، روحي معلّقة في مكانٍ لا أعرفه، لا أرض ولا سماء.

أمي كانت تجلس عند رأسي، تحاول أن تنطق بكلمة مواساة، فأصدّها بنظرةٍ هاربة. لم أرد شيئاً...

لم أعد أريد الحياة نفسها.

كانت فكرة الانتحار تمرّ بخاطري كما تمرّ السحابة بالسماء، لا تلبث أن تغادر، لكنها تُظلّل القلب بظلامها قبل أن تمضي.

كنتُ ضائعة في عالمٍ لا يرحم طفلةً كُسرت قبل أن تفهم معنى الكسر.

توقفت عن الذهاب إلى المدرسة. لم أُعدّ حقيبتي، لم أمسك قلماً، لم أودّع أحداً.

خرجت من عالم الطفولة كما تخرج الروح من الجسد: بلا عودة.

وحين بدأت أستعيد وعيي شيئاً فشيئاً، شعرت بوخزة في ذراعي.

لمست المكان فإذا به “الحرز”، ذاك التميمة التي ربطتها أمي حول ساعدي منذ صغري، وقالت إن فيها بركةً تحفظني من الشرور.

تأملتُه طويلاً، وفي داخلي مرارة لا تشبه أي شيء.

هذا الشيء، الذي كان يُفترض أن يحميني، خانني في اللحظة التي احتجت فيها إليه أكثر من أي وقت.

نزعته بغضبٍ وبكيت، كأنني أقتلع خيبةً عالقة في جلدي.

رمَيتُه بعيداً..

لكن شعوراً غريباً شدّني إليه. كأنه يناديني بصوتٍ خافت:

"صحيح أني خذلتك.. لكني ما زلت قادراً على أن أحفظ أسرارك".

ترددتُ،

ثم

التقطته

ثانيةً.

بوضعٍ ما، كان الحرز الشيء الوحيد الذي لم ينظر إليّ بعين إدانة، لم يجرحني، لم يلوّح بيدٍ قادرة على البطش. كان كصندوق صغيراً.. وفي داخله مكانٌ يصلح أن يحتضن وجعي.

فتحتُه...

كان يحوي بعض الأوراق القديمة الملفوفة.

أخرجتها، طويتها بهدوء ووضعتها في حقيبتي، ثم جلبت أوراقي الشفافة.

شعرتُ بأنني بحاجة إلى أن أُفرغ كل ما يثقل صدري.

أن أرسم جراحي بكلمات، أن أضعها على الورق علها تكفّ عن مطاردتي في الظلام.

لم أكن أبحث عن عزاء، كنت أبحث عن نجاة:

نجاةٍ روحية، خيطٍ رقيقٍ يربطني بما تبقّى مني.

وبدأت

أكتب..

كان قلمي يرتجف كقلبي، لكنّه يكتب.

يكتب ما لم أستطع قوله لأمي، ما لم يسمعه الشارع حين صرخت، ما لم يفهمه أحد.

كلما كتبتُ سطراً، شعرت أن قطعةً مظلمة داخلي تتلاشى وبصيص ضوء واهن يتنفس.

لم يختف الألم، لكنه صار قابلاً لأن يُلمس دون أن أموت مرةً أخرى.

وحين انتهيتُ من أول ورقة، طويتها طيّاً محكماً، وأخفيتها في الحرز، ثم ربطته حول ذراعي من جديد.

كان الربط أشبه بميثاقٍ جديد، كأنني أعيد بناء ذاتي بخيطٍ من الحبر والورق.

لم يكن الحرز هذه المرة تعويذةً ضد الشرّ، بل صندوق الريح الذي يحمل صوتي، سرّي، حكايتي..

التي لن تُدفن بعد اليوم.

ومع كل ورقةٍ أكتبها، كنت أشعر أن "حياة" ـ تلك الطفلة التي ظننت أنها ماتت ـ ما زالت في مكانٍ ما داخلي، تنفض غبار الانكسار، وتتهيأ ببطءٍ شديد للعودة إلى الضوء.

في مكانٍ عميقٍ داخلي، ظلّ جزء صغير من حياة..

يرفض أن يموت.

جزءٌ خافت، صغير جدا، لكنه موجود..

ينتظر يوماً ينهض فيه من بين الركام فينتقم.

الورقة السادسة

مضت

سنتان..

سنتان ثقيلتان كدهرٍ يجرّ أذياله على كتفيّ النحيلين، وأنا أبحث، في صمتٍ عميق يشبه خفوت الأنفاس، عن مخرجٍ آمن من عتمتي، عن نافذةٍ لا تطل على الهاوية.

لم أكن أفكّر بالخلاص بقدر ما كنت أبحث عن معنى أن أظلّ على قيد الحياة.

في داخلي كانت النار تشتعل، ورغم هشاشتي كنت أعي تماماً أن في قدرتي، لو أردت، أن أقتله.

غير أنّ الفكرة نفسها كانت تسقط من قلبي كحجرٍ في بئرٍ بلا قرار.

أيُّ عدالةٍ تلك التي ستُنقذني لو رفعتُ عني حاجز الخوف وطعنته بخيبتي؟

هل سأفلت من العقاب؟

أم سأُلقى في غياهب سجنٍ لا تنتهي لياليه، وتلاحقني لعنات مجتمعٍ يتقن قلب الحقائق؟ مجتمعٍ يرى في الجلاد ضحيةً بيضاء، وفي الضحية مجرمًا يستحق القصاص؟

في بلدٍ تحكمه شريعة الغاب، والعشائر، والأعراف التي تجعل المرأة مذنبة قبل أن تنطق، متهمة قبل أن تُسأل، عاراً يمشي على قدمين..

وإن كانت هي المكسورة الجناح.

كان عمي لا يملّ من التهديد.

صوته يأتيني كل ليلة كصفعةٍ جديدة:

ـ لا تنكشفي..

إن عُرفت الفضيحة فلن يكون لي حلٌّ سوى غسل العار.

كانت كلماته تتردد في داخلي كناقوس موت.

تعلّمتُ معها أن الصمت ليس اختياراً بل نجاة، وأن الرضوخ ليس ضعفاً بل محاولة يائسة لأن أبقى حيّة، ولو على حافةٍ ضيقة من الظلّ.

انطويتُ على نفسي. لم أعد أخرج من البيت، ولا أستقبل أحداً.

اختفت حياة من العالم، وبقيت «حياة» أخرى، ساكنة، تتنفّس في داخلي بشيءٍ يشبه الاحتضار.

غير أنّ السكون كان وهماً؛ فداخلي لم يكن خامداً كما يظنّ من يراني.

كان بركاناً صغيراً، يكتم غليانه في النهار ويستفيق ليلاً.

في النهار كنتُ أتحرك في البيت كأنني خيالٌ مدجَّنٌ، ألبي طلباته، أقوم بشؤون المنزل، أتعمد أن أبدو منحنية، صامتة.

ربما، لو رآني مكسورة يزهد في إيذائي، أو لعلّ انكساري كان درعاً أرتديه لأمضي يومي بحدٍّ أدنى من الألم.

ومع ذلك، كنت أشعر بثِقَل نظراته عليّ، كأنها يدٌ خفية تمسح على ظهري بنصل سكين بارد.

وفي الليل..

كان لي عالم آخر.

عالمٌ ضيق، لكنه العالم الوحيد الذي أتنفس فيه.

أجلس قرب نافذتي الصغيرة، تلك التي لا تكشف إلا قطعةً من السماء، وأرافق أوراقي كما ترافق الروحُ ظلَّها الأخير.

كنت أفتح الحرز، وأخرج أوراقي الشفافة، وأكتب وأمزق، واعود وأكتب بحمى، كأن الكلمات هي الهواء الوحيد الذي أستطيع أن أبتلعه دون أن أختنق.

كنت أكتب عن خوفي، عن قهري، عن البيت الذي يشبه قبراً، عن رجلٍ يعيش تحت سقف واحد معنا ولا يشبه البشر.

أكتب عن أمي التي تذبل كل يوم قليلاً، وتخفي ضعفها بقوةٍ مصطنعة، وعن تلك اللحظة التي تبدلت فيها حياتي إلى ما لن يعود.

وأحياناً..

كنت أكتب عن انتقامي.

لم يكن انتقاماً من لحمٍ ودم، بل انتقاماً من القدر الذي سلمني بيديه لطفولةٍ مُزقت قبل أوانها.

كنت أتخيلني أقف يوماً ما أقوى، أطول، لا يقدر أن يرفع صوته عليّ.

كان المشهد يشبه حلماً يتكرر، أحفظ تفاصيله: أنا واقفة أمامه، لا أرتجف، أقول له كلمة واحدة فقط، كلمة تشبه صفعة... كفى! تلك الكلمة وحدها التي كانت تعني لي القدرة على استعادة نفسي.

مرّت الليالي وأنا أكتب في الظلام، أدفن أوراقي في الحرز كما يُدفن سرّ في صدر الزمن. كنت كلما طويت ورقة شعرت أن جزءاً صغيراً مني يلتئم، وأنني أبني، ببطءٍ مؤلم، جداراً خفياً يحمي ما تبقّى من روحي.

مع كل كلمة، كنت أتعلم أن الخوف لا يُقاوم بالصراخ، بل بالبقاء..

بالبقاء حيّة رغم كل شيء.

لكن شيئاً آخر كان يتشكل داخلي..

شيء يشبه القوة.

قوةٌ لا تشبه العنف ولا الصراخ، بل أشبه بنبتة صغيرة تشقّ الصخر التماسًا للضوء.

لم أعد تلك الطفلة التي ماتت في الورقة الأولى.

كنت الآن الفتاةً التي تعرف عدوّها، تعرف ضعفها، وتعرف

ـ وهذا الأهم

ـ أنها يجب ان لا تبقى طويلاً على هذه الحال.

كان الليل صديقي الوحيد، والكتابة اليد التي تنتشلني من الغرق.

ورغم الصمت الذي يحيطني، كنت أعلم أنه ليس نهاية..

بل بداية لشيء ما يتشكل، ينمو، يكبر، وسيأتي يوم يخرج إلى النور.

الورقة السابعة

كأن البلاد قد انفجرت من داخلها، كجرحٍ ظلّ يخفي نزفه طويلًا ثم انفلت فجأة.

خرج الناس إلى الشوارع يصرخون بالعدالة، يطالبون بإطلاق المسجونين، يهتفون ضد القهر، حتى بدا أن الهواء نفسه صار يحتجّ.

وما هي إلا أيام حتى سقطت جدران النظام مثل غبار تهاوى تحت المطر.

انتشرت الفوضى كحريقٍ يتغذى من اليأس، تتقاذفها عصاباتٌ، وولاءاتٌ جديدة، وكلٌّ يمدّ يده ليقتطع نصيبه من الخراب.

في هذا الانهيار تغيّر عمي..

لا، بل تكشّف.

كانت لحيته التي نبتت فجأة لا تشبه التديّن، بل تشبه ستارًا يُخفي شيئًا أعمق من الدناءة، وأشدّ ظلمة من الخسّة.

صار يتجوّل في الحي وخلفه رجال مسلّحون، يرفعون شعارات الدين على أكتافٍ تلطخت بالغنائم.

يتحدثون عن الشرع، شرع الله، كما يتحدث اللص عن مفاتيحه.

وعندما يعودون إلى البيت، كان المكان يضيق بأنفاسهم، بأصواتهم الثقيلة، بضحكاتهم التي تجرح جدران الليل.

تحوّل بيتنا إلى وكر، لا يكاد يخلو من السلاح والرجال.

أمّي

وأنا

نخدمهم كأننا غبارٌ في طريقهم.

العيون "آه تلك العيون" لم تكن تنظر، بل تنهش.

رغم حجابي، رغم محاولتي الانكماش في ظلٍّ أصغر من جسدي، كانوا يرونني.

يرون اللحم الصغير الذي صار عبئًا عليّ، يرون خوفًا يحلو لهم أن يروه لأن الخائف يسهل امتلاكه.

لم يكن عمّي يومًا رجلًا رحيمًا، لكنّ البلاد حين احترقت، احترقت معه ذرة إنسانيته.

كان قد هتك طفولتي وأنا في العاشرة، سرق براءتي ثم أخفاها كما يُخفى جرمٌ مُحكم الإغلاق.

كنت أظنه يومها ذئبًا واحدًا منفردًا، لا يتكاثر، لكني كَبُرت لأكتشف أن الذئاب تتوالد حين ترى الفوضى وتمعن في الطراد والاغارة، وأن الوحش الذي مزق جسدي في صغري صار اليوم قائدًا لقطيعٍ جائع.

وما عاد يخفي رغبته في بيعي لهم، واحدًا تلو الاخر، باسم "الزواج" و"الشرع"، كفضيلةٍ تُهدى، لا كطفلةٍ تُذبح.

كنت في الرابعة عشرة، لكنني أشعر أن عمري صار ضعف ذلك.

كأن السنوات التي سُرقت مني أثقلت ظهري قبل أن يشتدّ جسدي الذي بدأ يتغير، يتفتح على أنوثةٍ لم أطلبها، ولم تحتملها روحي، بل صارت نذيرًا لما ينتظرني.

وكنت أخشى الليل أكثر من النهار، لأن الليل يحرر وجوههم من الأقنعة.

يضحكون كثيرًا حين يذكرون “التزويج”، يتهامسون عن “الليلة المباركة”، كأن الشرّ حين يُعطى اسمًا دينيًا يصبح نعمة.

في تلك الليالي، حين يدوّي الرصاص في الخارج، كنت أشعر أن الحرب كلها تتواطأ علينا. البيت يهتز، الشوارع تعوي، لكنّ خوفي الحقيقي لم يكن مما يجري للبلاد، بل مما يجري لجسدي، لروحي التي تختنق كلما ورد اسم “الزواج” على لسان عمي.

كنت أعرف أنه لا يقصد بي إلا الصفقة، إلا البيع، إلا أن يُسَلّمني لأول رجل من عصابته يرفع يده.

كنت أعرف أنني سأُعرى من كل شيء، من أمي، من نفسي.

أمّي

كانت ترى وتخاف،

لكنها عاجزة..

مكسورة..

تنظر إليّ أحيانًا وكأنها تعتذر عن الحياة كلها، ثم تخفض عينيها قبل أن يفضحها البكاء.

كنا نغرق معًا، لكنها كانت تخشى أن تسبح، وأنا كنت أخشى أن أموت دون محاولة.

الورقة الثامنة

وفي إحدى الليالي التي انشقّ فيها الظلام عن أصوات اشتباكٍ قريب، عاد عمي متجهمًا، غارقًا برائحة البارود والتعب.

دخل غرفته ثم ناداني بصوتٍ ملغوم.

كان صوته وحده يكفي ليعيد إليّ كل الكوابيس التي سجنتني منذ العاشرة.

ترددت لحظة عند الباب.

تساءلت:

ماذا بقي لي بعد أن سفك طفولتي؟

ماذا يمكن أن يأخذ أكثر؟

دخلت.

كان يجلس في عتمةٍ لا يضيئها إلا خيط من نور متعب.

لم يكن ينظر إليّ كطفلة، بل كشيءٍ يُسوَّق. قال لي بهدوءٍ شرس:

"غدًا.. سيأتي من سيتزوجك.

شرع الله، ولا اعتراض."

شرع الله..

كم من الجرائم تُرتكب حين يتوارى الله ويُترك الشرع بين أيدي الوحوش.

تجمدت.

شعرت كأن الأرض انكمشت حتى غدت حافة هاوية.

وعندما اقترب مني، خطوة بعد خطوة، نهض شيء في داخلي، شيء لم أعرفه من قبل. ربما هو الظل الأخير من إنسانيتي، ربما هو ما تبقى من طفلةٍ لم تمت بعد رغم كل شيء.

تراجعت.

قال غاضبًا:

"لا ترفعي عينيك عليّ هكذا والاّ!"

لكنّني

رفعت

عيني.

ثم صرخت..

صرخة خرجت من عمقٍ لم ألمسه أبدًا من قبل.

وركضت...

وركضت نحو حضن امي...

ركضت كأن الأرض تشتعل تحت قدمي، كأن صرختي كانت أول نسمة حريةٍ عرفتها.

لم أنتصر بعد.

ما زلت في بيتٍ تحكمه البنادق، وتديره الذئاب.

لكني في تلك الليلة أدركت أمرًا واحدًا، يكفي لأن يُبقيني واقفة:

إن الروح، مهما ضُيّقت عليها الجدران، تظل قادرة على أن تتمرد..

وأن تحيا...

الورقة التاسعة

لم تعد الغرفة غرفةً بعد ذلك اليوم؛ صارت كهفًا مظلمًا، وسجنًا بابه يقف على صريرٍ مرعب يمكن أن يُفتح في أي لحظة بيد رجلٍ يظن نفسه “مشتريًا” لجسدي.

كل زاوية فيها..

صارت فخًا، كل ظلّ..

احتمالًا لهجوم، وكل دقيقة..

انتظارًا لطاغٍ جديد يقتحم عالمي الصغير باسم:

الصفقة،

الشرع،

والمال.

كنت أعيش في تلك العتمة كعصفورٍ جريح، لكنه رافضٌ أن يُمدّ له أحدٌ يدًا تُقص جناحيه.

وحين دخل أولهم..

كان يجرّ أذيال رائحةٍ كريهة من التديّن المزيف، يتمتم باسم الله وهو يتنحنح كمن يتهيّأ لخطيئة يريد لها غطاءً من السماء.

لم يخجل من نظراتي، ولم يتردد لحظة.

أنا وحدي التي كنت أتردد بين الهرب والصراخ والقتال.

تجمّدت في زاوية الغرفة، أرتجف غضبًا، لا خوفًا.

قال بصوتٍ خشن:

"لقد دفعت لعمّك.. وسأصلي قبل كل شيء."

كم من الجرائم تبدأ بالصلاة حين يفقد الناس معنى الله!

قلت له، وأنا أشعر بصوتي يتحول إلى سيف:

"لكنني لم أوافق على الصفقة."

اقترب خطوة، وفي عينيه تلك الوقاحة التي تتغذى من الفوضى، وقال ببرود:

"دفعتُ.. وهذا يكفي."

أجبته، واقفةً رغم رجفة ركبتي:

"اخرج الآن.. لن تلمسني إلا على جثّتي."

ابتسم ابتسامة مستترة بالسخرية:

"ليس هناك وقت للجدال.. ولم أكن الوحيد الذي سيدخل هذه الغرفة."

كانت تلك اللحظة شرارة.

اندفعت نحو الباب بكل ما بقي في جسدي من قوة، لكنّه كان أسرع، قبض على ذراعي بقوة ذئب، ثم ضرب ظهري بمقبض رشاشه.

سقطتُ، غير أن القدر وضع بجانبي أحد الكراسي الخشبية.

أمسكت قائمته بكلتا يديّ، وصرخت صرخةً خرجت من أعماق السنوات التي سرقوها مني، ثم هويتُ بالكرسي عليه.

لم يكن يتوقع أن تنهض صبية مكسورة في وجهه.

ترنّح، ثم انقضّ كحيوان يُدرك أن فريسته قاومته.

التقط الكرسي من يدي، رفعه عاليًا ثم هشّمه على كتفي وظهري، تتناثر أجزاؤه في الغرفة كأنها شظايا من حياةٍ تتكسر.

الألم لم يشلّني، بل أشعل شيئًا داخلي.

شيء يشبه صمود شجرةٍ ضربتها العاصفة فلم تنحنِ.

ثارت ثائرته، وراح يضربني بعقب الرشاش على رأسي، مرارًا، وهو يصرخ:

"ستطيعن! غصبًا!"

لم أُطع.

لم أصرخ طلبًا للنجاة، بل صرخت لأردّه عني.

وعندما سقطت إحدى شظايا الكرسي قرب يدي، قبضت عليها، ونهضت مترنّحة، كأنّي أنهض بآخر قطرة كرامة تسري في عروقي.

وباغتّه بضربةٍ على زند ذراعه.

صرخ، ثم استدار وصفعني صفعةً كادت تخلع روحي من جسدي، وأسقطني أرضًا.

انقضّ عليّ بعدها بوحشيةٍ عمياء، يفترسني وكأنه ينتقم لرجولته التي هزمتها فتاةٌ، لم يتوقع مقاومتها.

لم يكن في ضرباته سوى الحقد، ولا في أنفاسه سوى الغلّ.

وحين انتهى من وحشيته، بصق على وجهي..

بصقة كانت أقسى من الضرب.

ثم خرج، يصرخ ويشتم، كأنه هو من تعرّض للظلم.

تركني جثةً ممدودة، نصف واعية، نصف طافية فوق الألم.

كنت أشعر بدمي يسيل على الأرض، بدقات قلبي تتثاقل، وبجسدي كأنه ليس لي.

أضربت عن الطعام والشراب، حتى أمّي..

لم أعد أريد رؤيتها.

ليس لأنها مذنبة، بل لأنها عاجزة، ولأن عينيها حين تلمحانني تحملان ألمًا لا أحتمله.

لم تمرّ سوى ساعات، حتى فُتح الباب مرة أخرى..

صوت ثقيل، خطوات خشنة، ظل رجل آخر يملأ المكان. لم أعد أميّز الوجوه، صرت أرى كل رجل وحشًا بوجهٍ واحد.

حاولت أن أصرخ، لكن الصوت خرج خافتًا، كأن حنجرتي ترفض العودة للحياة.

حاولت أن أزحف بعيدًا، لكن جسدي لم يعد يستجيب. شعرت ببرودة المكان تحاصرني، ثم عتمة ثقيلة طاشت فوق رأسي.

لم أعرف كم اجتمع حولي من الذئاب.

كانوا يتداولون الغرفة كأنها مسرح مُظلم يُعاد فيه المشهد نفسه، وأنا جثةٌ لا تقاوم إلا بعينيّ حين تفتحان لثوانٍ وتحدّقان فيهم بحقدٍ يرفض الموت.

كنت أرى فيهم ذئاب مفترسة، تأكل فتاةً مرمية على حافة الحياة.

لم أصحُ إلا على صوت أمّي وهي تبكي وتصرخ:

"حياة.. حياة! تنزف..

بُنيّتي تنزف! ..

يمكن أنها ماتت!"

لكنني لم أمت.

كنت معلَّقة بين الحياة والموت، لكن شيئًا داخلي ــ ككل مرة ــ رفض أن يستسلم.

كانت روحي، رغم كل ما جرى، تُمسك بي وانا اتدلى من حافة الهاوية وتقول:

اصمدي.. لم يبقَ إلا أنتِ لكِ.

ورغم أن الجسد كان منكسرًا، كانت الإرادة ما تزال، كجمرةٍ صغيرة في عمق الركام، ترفض أن تنطفئ.

الورقة العاشرة والأخيرة

لم تكن الورقة العاشرة شبيهةً بأخواتها.

لم تكن مشغولة بالسطور، ولا ممهورة بجملٍ تفيض وجعًا كما اعتدتُ.

كانت ورقةً مجعدة، متعبة، كأنها جسد حياة نفسها وقد انكمش من فرط ما تحمّل.

لم تُطوَ بعناية كغيرها، ولم تُرتَّب في الحرز بحرص يدٍ تعرف الخوف.

كانت منفلتة،

منفردة،

تتقدم الأوراق وكأنها تريد أن تُرى أولًا، أو تُقرأ أخيرًا.

كانت الورقة خالية من الكلمات..

إلا من بصمة.

بصمة إبهامٍ صغيرة مغموسة بدمٍ لم يجف.

كانت حمراء قاتمة،

منطبعة على الصفحة البيضاء كختمٍ نهائي،

كصرخةٍ لا تحتاج إلى حروف.

وقفتُ أمامها طويلًا..

أحسست أن حياة، حين وضعت إصبعها على الصفحة، لم تكن تسجل حضورًا عابرًا، بل كانت تجمع في تلك اللمسة خلاصة عمرها القصير، تختصر كل ما كُتب قبلها، وتشهد على ما لم تستطع قوله.

كانت الورقة، رغم فراغها، صاخبة كأنّ عليها صدى كل الليالي التي صرخت فيها ولا أحد سمع او استجاب، وكل محاولات المقاومة التي خاضتها بجسدٍ صغير وروحٍ كبيرة، لم تفشل في تؤكيد جراءتها ومقاومتها وعزة نفسها.

ربما لم تعد حياة قادرة على الكتابة في لحظتها الأخيرة.

ربما كانت يداها ترتجفان من النزف، أو ربما كانت عيناها تفقدان الضوء، فجعلت الدم حبرًا أخيرًا لخبر أخير..

وربما..

ربما أرادت أن تقول ما لا تحتمله الكلمات، ولا تستوعبه اللغة.

كانت البصمة،

وحدها كافية..

لتفتح أمامي أبواب المعنى.

أول ما خُيّل إليّ أن حياة لم ترد أن تكون ضحية صامتة تُطوى أوراقها وتُنسى.

كانت تريد أن تترك جزءًا منها، قطعةً من دمها، من لحمها، من حقيقتها، كشاهدٍ لا يُكذّب. ولعلّها أرادت أن تُثبت للعالم أنّ ما جرى لها ليس خيالًا ولا مبالغة.

الدم وحده

لا يكذب.

ثم خطر لي أنها ربما أرادت شيئًا آخر. كأنها تقول:

“أنا هنا.. كنت هنا.. ولن يستطيع أحدٌ محوي.”

كانت تلك البصمة أشبه بصرخة انتصار أخيرة. ليس انتصارًا بمعناه الظاهر، الملموس.

لقد كانت حياة في لحظاتها الأخيرة، منهكة جسدًا وروحًا، لكن انتصارًا من نوع آخر، انتصار الروح التي ترفض الاستسلام حتى وإن انكسرت العظام وتخاذلت العضلات.

كلما حدّقتُ في الورقة، شعرت أن حياة لم تكتب للشفقة، ولا لطلب الرحمة، ولا لتسجيل مصير مأساوي.

كانت رسالتها صلبة، حادة، تشبه حدّ السكين الذي يقطع الظلام.

كانت رسالة لكل فتاةٍ اغتُصبت، ولكل جسدٍ حاول أحدهم أن يدوس عليه، ولكل طفلٍ ظنّ أن العالم بلا سماوات.

كانت تقول:

“ليس الخطأ فيكِ.. ولا الخطيئة لكِ.. ولا العار يسكن جسدكِ، بل يسكن أيدي من اعتدى عليك. قاومي.. ولو لم يبقَ منكِ إلا نفسٌ واحد.”

لم تكن حياة تحلم بالنجاة وحدها. كانت تحلم بالمعنى.

كانت تريد أن تُثبت أن المقاومة ليست حكرًا على الأقوياء، وأن الضعف نفسه يمكن أن يتحول إلى سلاح حين يرفض الانكسار.

عندما كانت تقاوم عمها والرجال الذين اقتحموا غرفتها واحدًا تلو الآخر، لم يكن لديها سلاح سوى جسدٍ مثخن وجدارٍ تتكئ عليه، وامل يتراءى بصيصه في البعيد.

ومع ذلك قاومت، قاومت حتى انفجرت حياتها كالشرارة الأخيرة في ليلٍ طويل.

ولأنها..

لم تستطع أن تكتب جملتها الختامية،

تركت دمها يقولها عنها.

الدم الأكثر صدقًا من الكلمات،

والأكثر قدرةً على البقاء.

الكلام قد يُزوَّر، وقد يُمحى، لكن الدم حين يجف على الورق يبقى أثره لا يُمحى إلا باحتراق الورقة كلها.

ولم تكن حياة، في تلك اللحظة، تفكر بالذين قتلوها، ولا بعمها الذي باعها، ولا بالرجال الذين ظنوا أنهم سيغسلون خطاياهم بالصلاة. كانت تفكر بمن سيأتي بعدها.

بالفتاة التي ستقرأ أوراقها ذات يوم، في غرفةٍ صغيرةٍ مشابهة، ربما مختبئة، ربما جريحة، وربما تحاول أن تفهم لماذا يُعامل العالم الأجساد الضعيفة كغنائم.

كانت حياة تقول لها:

“اكتبي..

قاومي..

اصرخي..

اتركي أثرًا...

لا تبقي سجينة لأحد.”

ولعلّ دمها، حين صبغ الورقة، لم يكن شهادة موت، بل شهادة حياة. كأنها تقول:

"جسدي رحل..

لكن قصتي تبدأ الآن".

أدركت وأنا أتأمل البصمة أن حياة لم تكن تبحث عن الخلاص، بل عن الخلود.

أرادت أن تُخلد لا كنبيه ولا كبطلة،

بل كصوتٍ انكسر ولم ينطفئ،

كجرسٍ خفيفٍ يدق في الظلام ليهدي غيره للطريق.

ولم تكن الورقة العاشرة مجرد نهاية لسردها، بل كانت بداية لرسالة لا تُقال، بل تُفهم.

ورغم أن الكلمات غابت عنها،

بقيت الورقة الأكثر امتلاءً بين كل الأوراق..

لأن الفراغ، حين يُخَتَم بالدم،

يتحول إلى صرخة كاملة.

وها أنا اليوم أقف أمام تلك الورقة الأخيرة، كأنني على تخوم حياتين:

حياةٌ رحلت، وحياةٌ أخرى تُولد من رمادها.

كلما تأملتُ البصمة الممهورة بدمها، شعرت أن حياة، في لحظتها الأخيرة، لم تكن تموت.. بل كانت ترفع إليّ وهجًا أثقل من الروح وأبهى من البقاء.

كانت تُسلّمني وصيتها الأعمق، شيئًا أكبر من جسدها المكسور وأوسع من سنواتها القليلة. كانت تمنح كل فتاةٍ اغتُصبت صوتًا، وكل امرأةٍ قُهرت جناحين، وكل طفلةٍ ارتجفت خلف بابٍ مغلق نافذةً صغيرة على الضوء.

لم تكن حياة تطلب النجدة يوم عانقت الموت، بل كانت تطلب الشهادة، أن يجد ظلمها من يروي تفاصيله، وأن تجد صرختها من يحفظ صداها.

وكانت البصمة وحدها، فوق صفحةٍ فارغة، كافية لأن تُسمِع العالم أجمع ما لم تستطع حروفٌ كثيرة قوله.

حين أطبقتُ أصابعي على الحرز الذي تركته لديّ، انطلقت دموعي بلا إرادة، دموعٌ ساخنة حملت كل ما شهدته في تلك الليالي التي كانت فيها مريضتي، وكل ما عرفته عن قلبها الشجاع الذي كان يخفق رغم الانكسار، وعن ذلك اليقين المرير الذي كان يسكن عينيها كمن يتوقع نهايته ويقرأ الغيب في تضاريس مصيره.

أتذكرها في أواخر أيامها حين همست لي بصوتٍ أرهقه النزف:

"إذا لم أخرج من هنا..

خبري عني

أنّي قاومت".

كانت تعرف..

كانت تستشعر أن النهاية أقرب من أي دواء، وأن يد الموت تمتد لها من خلف الباب، ومع ذلك لم تسأل عن نفسها، بل عن قصتها؛ عن تلك الأوراق العشر التي خبأتها بقلقٍ يليق بالأسرار، كأنها تخشى أن تُسرق حكايتها مرة أخرى كما سُرق منها حقّها في الحياة.

ولم أفهم سرّ إصرارها إلا الآن، لحظة وقوفي أمام وصيتها، لحظة شعوري بأن دمها على الورقة ليس علامة موت، بل توقيع حياةٍ جديدة تُولد من جسدها الغائب.

لوهلةٍ شعرت أن حياة لم تكن تكتب لنفسها، بل لكل من تم تجاهل أنينها وخنق صوتها ودفنت مأساتها في صمت البيوت.

فما حدث لها ليس قصة تُروى للدهشة، ولا مأساة فردية تنتهي بآخر صفحة.

ما جرى لحياة يمكن أن يحدث كل يوم، خلف جدران لا نرى خلفها، في غرفٍ مغلقة لا تسمع العالم، وفي بيوتٍ تُطفأ فيها الأرواح كما تُطفأ المصابيح عند آخر الليل.

حياة ليست استثناءً؛ إنها مرآة لآلاف الأجساد التي تُعذَّب بلا صوت، وعشرات الأرواح التي تُزهق بلا اسم، وأحلامٍ تُقمع بلا جنازة.

ولذلك، حين أكملت العشر ورقات، شعرت أنني لا أغلق قصة، بل أفتح عهدًا.

عهدًا أعقده مع فتاةٍ غابت جسدًا وبقيت أثرًا، أن قصتها لن تُدفن معها؛ أن صمتها لن يُبتلع مرة أخرى.

يا حياة:

أعدك

أنّي سأكتب قصتك كما أردتِ،

صدقًا بلا رتوش،

وعمقًا بلا تزييف،

وقسوةً كما كانت.

سأكتبها لتكون صرخة، لا أنينًا. نارًا، لا دموعًا.

وسأضعها أمام العالم كما هي:

حقيقةً لا خيالًا، قدرًا لا مبالغة، وجعًا يحدث كل يوم ولا يلتفت إليه أحد.

سأكتبكِ...

لأنك تستحقين أن تُكتبين.

وسأنشركِ...

لأن العالم يحتاج أن يرى ما يختبئ خلف أبواب مغلقة، وما يُرتكب في العتمة باسم العيب والخوف والصمت.

وسأخلّدكِ..

لا كمأساة تبكيها العيون ثم تنساها، بل كقوة. كجسدٍ قاوم حتى آخر نفس، كروحٍ رفضت الإنطفاء، كفتاةٍ علمتني أنّ الدم حين يختلط بالحقيقة يصبح شهادة لا تُمحى.

ها أنا، اليوم:

أكتب ..

اكتب، ليست نهاية حياة.

إنها بداية الصرخة التي تركتها خلفها.

بهذه البصمة..

بهذه الورقة الفارغة التي امتلأت بدمها..

بهذه الوصية التي سلّمتني إياها وهي تعبر من عالمٍ إلى آخر..

أعلن أن حياة لن تُنسى.

ولن تُدفن قصتها.

وما دامت كلماتها قد وصلت إليّ، فسأجعلها تصل إلى العالم كله.

سلامٌ لروحك يا حياة.

سلامٌ لدمك الذي صار حبرًا.

سلامٌ لصرختك التي تحولت رسالة.

وليعلم الجميع..

أن حياة...

وإن رحلت،

قد تركت أثرًا لا يزول.

***

سعاد الراعي - المانيا

عيونٌ كثيرةٌ

لكنّ التي تبصرُ الحياةَ

أضعفُ من شهقةِ موت!

2

لم يُصدق النخيلُ

كلُ هذا الرطب

والعراقيون في أفواهِهم

مرارةُ الكراسي !

3

شوقي يمدُّ النورَ

بالنبضِ يكتبهْ

وأنتِ كما أنتِ

سماءٌ غائبهْ

4

وحيدٌ ..مثل حرفِ جرٍ

لم يتورطْ بجملٍ خائنة

5

كبرت الفكرةُ ــ ثم انفجرت

صارَ العصفورُ طريقا

والكلماتُ حجر.

6

في الليلِ

يكونُ المنفى رملًا

والسريرُ عواصفَ تبكي.

7

حينَ يرحلُ المكانُ

يتركُ أثوابًا في الرأسِ

تسرقُ منهُ الجنةَ.

8

لم يكنْ طلقةً

بل كانَ نظرةَ طفلٍ يتيم.

9

لا زمانَ للحلم

لا مكانَ للحلم

أصابعُكَ أُغنيةٌ

أيُّها الواقفُ هناك.

10

أيُّها الجالسُ

في نهايةِ العشقِ

دقت النهايةُ

وما زلتَ تبحثُ عن حرفٍ

أصبحَ شيخًا.

11

ما أتعسَ تلك العاشقة

تغزلُ همسَ تأملِها

لتنامَ على بساطِ البردِ..

بساطٌ يغزلُها

في همسِ تأملِهِ.

12

أنا شعرُها المُشاكسُ

يحملُني قلمي

كي يكتبَ عنها.

***

حسن رحيم الخرساني ـ السويد

ليس عندي

يا سؤالي

إلّاها

أسمْالي!

أسمْالي: رأسُ مالي...

يا سؤالي:

لا تَخَفْ أو تُخِفْ ودعْ:

(دع عنكَ  نَهْبًا صِيحَ في حُجُراته)...

نحنُ أبناء بني تَغْلُبَ إذا

(بلغَ الفطامَ لنا صَبيٌّ)...

يا سؤالي:

هات ردًّا يا سؤالي

لا يهولنّكَ هذا التعالي...

هذه الأحجام طُرًا محضُ وهمٍ

وخيالِ...

يا سؤالي:

لن يبلغوا منّي ولا عُجْبًا

أو غرورًا...

لن يبلغوا منّي

حُذْوةً من نعالي...

يا سؤالي:

أولسنا أهلَ حقٍ؟

فإذن لا تبالِ...

لا نبالي...

***

د. لطيف القصاب

 

في حضرةِ الألمِ العتيد تمزقت

وتبعثرتْ روحي كطيفٍ مبهمِ

*

خلعتْ يدايَ مسافريها مُذ رأتْ

ليلَ الأسى يمضي بِقلبي المُعتمِ

*

ومشيتُ حتى بانَ ظلّي في الدجى

وتهدّلتْ لغتي وضاعت في فمي

*

لا الحرفُ يُنقذُني، ولا صوتُ الندى

يشفي الجراحَ إذا تنامَت في دَمي

*

في حضرةِ الألمِ ارتديتُ تأمّلي

وتركتُ صوتي بين قبو مظلمِ

*

ومشيتُ نحو الليلِ وحدي هائمًا

أستفهمُ الظلماتِ عن وجهي الضّمي

*

سقطتْ ممالكي، وتاهتْ خطوتي

واختلَّ ميزانُ الشعورِ المُبهَمِ

*

كلُّ الحياةِ تحوّلتْ في ومضةٍ

لرؤىً تفرُّ من العيونِ وتسقمِ

*

يا من تُؤرّقني، وتقضي مضجعي

ما بينَ اجهارٍ وصمت محكمِ

*

هل كنتِ طيفا؟ أم شهابًا عابرًا؟

شقَّ الظلامَ ولم يُفارقْ أنجُمي

*

لكنني رغمَ انطفاءِ قصائدي

رغمَ انكساري رغم ذاك الألمِ

*

ما زلتُ أرجو من شتاتي لحظةً

تُحيي الفؤاد وتستفزُّ الأبكمِ

*

فانهضْ، وكنْ مثلَ الجبالِ شامخا

واصنع منَ اليأس طريقَ المُلهِمِ

*

واكتبْ على الجرحِ العتيقِ بلهفة:

من ها هنا كان.. انبثاق الحلمِ

***

جليل إبراهيم المندلاوي

بعد أن غسّلوه كفّنوه، ثم حملوا النعش بخفة إلى مسجد الحي للصلاة عليه. كبّروا أربع تكبيرات، تخللهن دعاء بأن الحاج يستحق من ربه ما لاعين رأت ولا أذن سمعت. وعلى الأكتاف مرة أخرى سارت به جموع المصلين إلى حفرته وديدانه، وما قدم في صحيفة أعماله.

تعشوا عشاء المفارق لخليله. بين اللقمة والأخرى تنهيدة واستغفار، وتحذير للعباد من الوثوق بدنيا بنت كلب. رددوا آمين بينما آذانهم تسترق السمع لهذا اللغط المتزايد في حجرة أخرى. لعلها قريبة تبدي لوعة الفراق، وتذكر محاسن الفقيد. بدا صوت ابنه البكر واضحا وهو يؤكد أن الوصية بخط يد المرحوم، لا شك في ذلك، لكنه لن ينفذ منها شيئا ولو على رقبته.

بعد أن تعشوا سار كل منهم إلى حال سبيله وهو يترقب انبلاج الصبح. خبر كهذا قد يصيب الحومة بالأرق، فنصف دورها من عرق الحاج وكدحه في الغربة. مربع سكني صار يعرف باسمه في مكاتب المقاطعة، ويلهج السماسرة بالثناء على ولد "ماما" الذي حل أزمة الكراء في ثلث البلدة، والسعيد من جاور دار الحاج العامرة.

إلى جوارهم طوت ماما عقدين من عمرها دون مشاكل. وحين أظهر رجولته يوما بركوب البحر إلى بلاد الصبليون، طمأنوه بأنهم الأهل والكنف إلى أن تستقر أحواله. يعانقها وتودعه كل صيف، لكنها تأبى غربة ثانية في بلاد لايعرفون الوضوء ولا القِبلة. يرجوها وترجوه ثم يفترقان. وفي عامه الثامن كان للحي الذي يوشك أن يتداعى، قصة أخرى مع ولد ماما.

أظهروا تأففهم من رزمة الأوراق التي يتأبطها ابنه البكر، متنقلا بين القيادة وسرية الدرك الملكي. عش نهار تسمع اخبار. وما هي إلا ساعات حتى ولجوا مقر الدرك للرد على اتهام بتزوير عقود كراء طويلة الأمد. تنهيدة واستغفار، ثم تنديد بقبح العالم الذي أخرج من ظهر الحاج فاسقا.

- هذا رزقكم، قال الحاج مصرا على أن يحضروا يومها إلى مكتب العدول. سومة كراء رمزية للأحباب الذين آنسوا وحشة "ماما"، وملأوا عليها الدار في غيابه. عليهم أن يكرموا جميله بالوقوف في وجه الورثة. تزوير؟ ألهذا الحد ترخص العِشرة والمودة؟ تريكة الصبليون، لا دين ولا مروءة. ارتسمت على شفاههم ابتسامة وهم يذكرون سخرية الحاج من حفاظات صغارهم:

- يحمل أحدهم غائطه، أعزكم الله، طوال اليوم حتى ترجع أمه من العمل. لاتسأل عن الروائح التي تحبس أنفاسك عند مدخل الزقاق، بينما يتمايل في مشيته كذكر البط.

انفجرت ضحكاتهم وهم يتخيلون ابنه البكر يلج مكتب القائد ليعطر المكان. استخرج كل واحد عقد الكراء وهو يتحقق للمرة العاشرة من توقيع الحاج. نعم إنه هو دون شك. ناموا ليلتها كالعائد من رحلة صيد، وفي الصباح كان اللغط يتزايد في ردهة المحكمة. تنهيدة واستغفار ثم جولة أخرى بين الحق والباطل.وعلى إبرة الميزان انتصب العدل معلنا بطلان الطعن في عقودهم.

عادوا وقد انكسر شيء بداخلهم. لايملك المرء إلا الحيرة أمام ما يُخلفه العدل من ندوب لا تشفى. حتى وإن كانت البيوت رزقهم فلن تعوض شيئا من لحظات السعادة التي عاشوها مع ماما. تبا لجيل لا يرى في الحياة غير صفقة. يرحل الطيبون ليستحوذ الشيطان على ما خلّفوه من غبار الذكريات.

انصرمت أسابيع قبل أن يتودد إليهم. حدثهم عن الديون التي خلّفتها مشاريع لم يكتب لها النجاح في العاصمة، بينما ارتسمت على وجهه ملامح غريق. ترحّم على الحاج الذي لازالت أفضاله تغمر الجميع فانتفضوا: أنت لا تعرف شيئا عن العِشرة وملح الطعام. كأنك اليأس يطرق باب الرجاء، فلا داعي لأن تخمش كالقطط وجه الحقيقة.

بدا عليه الضيق وهو يخطّ على ورقة صغيرة رقم حسابه البنكي. لم يبق في البلدة ما يغريه بالبقاء. سيقيم بالعاصمة ليلاحق فرصة أخرى تعوض ما خسره. يمكنهم إيداع مبالغ الكراء دون الحاجة لقدومه. دنيا بنت كلب، تمد لأحدهم طرف خيط وتوهمه أن السعادة في الطرف الآخر، فتنطفئ أيامه وهو يلهث خلفها. تنهيدة واستغفار، ثم تنديد بأرواح هائمة في دروب الغفلة والضياع.

***

حميد بن خيبش

 

مثنوياتٌ ورباعياتٌ عربية ..

رأيتُ سفينةَ خمرٍ بِعُرض المحيطْ

وقبطانها مدمنٌ مجرمُ

وطاقمها أخرسٌ أبكمُ

وموجٌ عنيفٌ بجدرانِها يلطمُ

**

الطيورُ اختفتْ حينَ هبَّتْ رياحْ

أدركتْ انَّ أظلمَ ليلٍ سيجلبُهُ اليومَ هذا الصباحْ

**

القناديلُ أرهقَها الليلُ حتى الذبالهْ

ولكنَّها تُدمنُ الضوءَ حتى الثمالهْ

**

نريدُ الفؤادَ الشجاعَ لكي يستمرَ الهوى

ونمضي الى الفاتناتِ قصائدْ

ونكتبُ بالماءِ شِعراً يُحيلُ النوى

وصالاً يرتِّبُ مِن ثمرِ الحُبِّ أحلى الموائدْ

**

تعالوا هنا فالموانئُ مجدبةٌ والجهاتْ

ظلامٌ، لأنَّ الرجاءَ خبا في عيونِ البناتْ

**

الدُمى في جيوبِ الرجالْ

والهتافُ الى الجوِّ طائرْ

فما سرُّ يُخفى وراءَ الستائرْ

وقدْ أحضرَ القادمونَ الحِبالْ

***

شعر: كريم الأسدي - العراق

 

في نصوص اليوم