نصوص أدبية

نصوص أدبية

(أسفارُ الماءِ في ظِلِّ الرُّوحِ)

أَمْضِي إِلَيْكِ بِثَبَاتٍ، وَكُلُّ نَافِذَةٍ

تُبْكِي شَكَايَا النَّهَارِ عَلَى فَمِ الشَّجَرْ،

وَيَفِيضُ مِنْ كَفِّ الغِيَابِ عَلَى يَدَيَّ

رَحِيقُ ظِلَالٍ تُرَدِّدُ مَا انْطَفَى،

وَتُذَكِّرُ النَّاسَ بِالأَمْسِ البَعِيدِ

2

وَيَمِيلُ لَيْلٌ كَانَ يَحْرُسُ خُطْوَتِي،

وَيَفُكُّ عَنْ قَلْبِي مَفَاتِيحَ السَّفَرْ،

وَيُعِيدُ مِنْ نَبْضِي حِكَايَةَ مُهْجَةٍ

ضَلَّتْ، فَنَادَتْ ضَوْءَهَا يَوْمًا ظَهَرْ

3

وَيَمُدُّ فِي صَدْرِي الظَّلِيلَ نَدَاهُ،

حِينَ ارْتَوَى قَلْبِي، وَبَاحَتْ سِرَّهُ،

وَتُفِيقُ مِنْ لَحْنِ الغِيَابِ حَكَايَةٌ

كَانَتْ تُخَبِّئُ فِي النُّشُورِ قَدَرَهَا

4

أَمْضِي إِلَيْكِ بِثَبَاتٍ،

وَفِي ظِلَالِكِ تَفْتَحُ الأَنْهَارُ أَسْئِلَةً،

وَيُشْعِلُ جَفْنُكِ المَطَرَ الأَخِيرَ

عَلَى جِرَاحِ المُنْتَظَرِ، فَتَنْزَوِي

5

وَيَجِيءُ مِنْ عَيْنِ السَّمَاءِ مَسَافِرٌ

يَرْفُو خُطَايَ إِذَا تَبَدَّدَ نُورُهَا،

وَأَرَى فِي الأَفْقِ البَعِيدِ مَآذِنًا

تَتْلُو هُدُوءَ الرِّيحِ، تَرْعَى سِرَّهَا

6

وَأَمْضِي بِصَمْتٍ،

فَيَصْعَدُ فِي دَمِي وَجَعٌ

كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ جِرَاحِ المُنْحَدَرْ،

وَيَعُودُ صَوْتُكِ فِي دَمِي مُتَأَلِّقًا

كَالوَتَرِ يَبْتَغِي غِنَاءَهُ إِذِ انْحَدَرْ،

وَتُفَاجِئُ الرُّوحَ ارْتِعَاشَةُ نَفْسِهَا

حِينَ ارْتَفَعْنَا فَوْقَ أَوْهَامِ البَشَرْ

7

هٰذَا السَّفَرُ الطَّوِيلُ

يَسْتَخْرِجُ الأَحْلَامَ مِنْ أَعْمَاقِنَا،

وَيُعِيدُ لِلرُّوحِ انْفِعَالَ شُعُورِهَا،

حَتَّى إِذَا اخْضَرَّ المَدَى فِي نَبْضِنَا،

قَامَتْ غُيُومٌ تَسْتَبِيحُ حُضُورَهَا

8

وَأَمْضِي بِثَقَةٍ،

وَحَتَّى الرَّمْلُ يَحْمِلُ خُطَايَ

كَأَنَّهُ اعْتِذَارٌ ضَاعَ فِي تَرَنُّحِي،

وَحَدَائِقُ القَمَرِ المُضَرَّجِ تُدَوِّي

بِأَنَاشِيدِ الحَنِينِ وَالسُّوَرْ

9

كَمْ كَانَ فِي عَيْنَيْكِ مَاءٌ يُوقِظُنِي

إِذْ جَفَّ فِي صَدْرِي البَقَايَا وَانْحَسَرْ،

قَدْ كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْكِ فِي خُطُوَاتِ مَا

ضَاعَتْ، وَرَجَّعَ صَوْتَهَا شَيْءٌ سُمِرْ،

قَدْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يُقِيمَ سَمَاؤُنَا

سَفَرًا يُعِيدُ إِلَى النُّجُومِ مَنِ انْحَدَرْ

10

يَا لَيْلُ، يَا صَهْدَ السِّنِينَ الطَّوِيلِ،

تَمَدَّدَتْ فِي صَدْرِي الغُيُومُ،

فَصِرْتُ غَيْمَةً أُخْرَى،

وَصَارَتْ رُوحِيَ الخَضْرَاءُ تُرَتِّلُ دَمْعَهَا

وَتَرِفُّ كَالنُّجُومِ المُشْرِقَاتِ إِذَا دَجَى،

وَتُصْغِي لِلْوَتَرْ

11

يَا غَيْمَةً خَضْرَاءَ، يَا نَفْسًا

يَصْعَدْ كَأَنَّ ضِيَاءَهُ مِنْ رُوحِنَا انْفَجَرْ،

إِنِّي أَرَى سِرًّا يُلَوِّحُ فِي يَدَيْكِ، فَهَلْ

أَخْفَيْتِ مِنْ وَقْتِ المَحَبَّةِ مَا سَطَرْ؟

إِنِّي سَمِعْتُ خُطَى المَدَى تَتَفَتَّحُ

كَيْ يَرْفَعَ الحُزْنَ الَّذِي فِينَا اسْتَقَرْ

12

لَوْ كُنْتِ لِي دُونَ النَّاسِ،

لَخَبَا التَّبَثُّرُ فِي دَمِي،

وَلَصِرْتُ وَجْهًا يَسْتَعِيدُ نُشُوءَهُ،

وَأَمْطَرَتْ فِي يَدَيْكِ تَفَاؤُلَهْ

يَمْشِي عَلَى كَتِفِ القَدَرْ

**

الكودَا

وَيَعُودُ مِنْ رِحْلِي نَشِيدٌ آخَرُ،

يَرْفَعُ فِي دَمِي الضِّيَاءَ إِذَا حَضَرْ،

فَأُرَتِّلُ الأَحْلَامَ فِي رِئَتَيَّ،

وَأَمْشِي فِي غَيْمِكِ سَاكِنًا

حَتَّى يَسْكُنَ الوَتَرْ

***

د. سعد غلام

 

لم يكن في القرية شيء يستحق أن يُروى فالبيوت متقاربة كأنها تتّخذ من بعضها سنداً كي لا تسقط والطرقات ترابية يمرّ عليها الزمن كعادته… ببطءٍ ثقيل ولكنّ الليل، في تلك البقعة كان يملك لغته الخاصة، لغـةً لا يسمعها إلا من وُلد بقلبٍ لم يُطفئه التعب.

سالم كان واحداً منهم

منذ صغره كان مختلفاً، يبقى مستيقظاً حين ينام الجميع يفتح نافذة غرفته الطينية ويحدّق في الحقول التي تحوّلها العتمة إلى بحارٍ سوداء وكان يشعر بأن الليل ليس ظلاماً فقط… بل كياناً يتنفّس، ينتظر من يقترب منه.

وفي إحدى الليالي، قبل سنوات، سمع سالم الصوت لأول مرة وكان خفيفاً، مثل دقاتٍ بعيدة على جدارٍ مكسور، ثم صار أعمق… كأنّ أحداً يُزاحم الهواء ليصل إليه ولم يخبر أحداً فهو يعرف أنّ القرية لا تؤمن إلا بما تراه. وما لا تراه… تنكره وتخافه.

مرّت الأيام، والصوت يقترب شيئاً فشيئاً حتى صار يوقظه كأنّ أحداً يهزّ كتفه برفق.

كان يقول له: "اسمعني…"

دون أن ينطق حرفاً واحداً.

وسالم يسمع… ولا يجرؤ على الرد.

في تلك الليلة التي تغيّرت فيها حياته، كان القمر مختفياً، والهواء بارداً يلامس عظامه. جلس كعادته قرب النافذة، ولكن الصوت لم يكن خارجاً هذه المرة من الظلام وكان يأتي من داخله… من أعماق صدره، من مكانٍ لم يعرف أنه موجود.

وفجأة، أحسّ أن البيت ضاق والجدران تقترب والسقف ينخفض.

فنهض، وخرج دون أن يلتفت واتجه نحو الساقية القديمة. كانت جافة منذ عشر سنوات، تحوّلت إلى شقّ في الأرض تجمع فيه أوراق الخريف وغبار الصيف ومع ذلك… كان يشعر بأنها لم تمت تماماً وكانت تنتظر شيئاً.

وحين وصل، رأى الظلّ لم يكن رجلاً، ولا شبحاً، ولا شيئاً يسهل وصفه كان شكلاً يتحرّك، كأنّ الليل قرّر أن يصنع جسداً من نفسه ولم يشعر سالم بالخوف أولاً؛ شعر بالدهشة، بالرهبة بشيءٍ يشبه الاعتراف.

قال الظلّ بصوتٍ لا يُسمع بالأذن بل بالقلب:

"تأخرتَ يا سالم."

ارتجف جسده وحاول أن يتكلم، لكن الكلمات علقت في حلقه.

تابع الظلّ:

"أعرف صمتك… أعرف صوتك الذي تخبئه منذ سنوات أعرف الحكاية التي لم تجرؤ على قولها."

تراجع سالم خطوة.

اقترب الظلّ خطوة أخرى.

"كل الناس يخافون أصواتهم يا سالم… أنت لست وحدك."

قال سالم بصوتٍ خافت:

“من أنت ؟”

أجاب الظلّ:

"أنا ما لم تقله… وما كان يجب أن تقوله."

شعر سالم كأنّ أحداً فتح باباً في داخله. تذكّر كلّ شيء:

تذكّر وجه أبيه حين كان يصرخ فيه: “اخرس !”

تذكّر المرات التي أراد فيها أن يدافع عن نفسه ولم يستطع.

تذكّر الأحلام الصغيرة التي وئدت قبل أن تكبر.

تذكّر الظلم الذي شاهده وسكت عنه وتذكّر صوته… الذي لم يسمعه أحد.

قال الظلّ بنبرة حادة:

"هل تريد أن يسمعك العالم ؟"

نعم… أراد ذلك وأراد أن ينطق بكل ما كتمه بكل ما ابتلعه خوفاً.

قال:

“أريد… أريد أن يسمعني أحد.”

ابتسم الظلّ، وكانت الابتسامة كشقٍّ في العتمة.

"إذن… أعطني صوتك."

مدّ يدَه وكانت يداً ليست من لحمٍ ولا من نور… شيئاً بينهما.

وضع سالم يده في يده دون أن يفكر.

وفجأة… شعر ببرودةٍ تضرب حلقه.

كأن شيئاً يُنتزع منه.

كأنّ صوته يتحوّل إلى دخان… يتصاعد… ثم يختفي.

حاول أن يصرخ، فلم يجد صوته.

حاول أن يهتف، فلم تخرج ولو همسة.

كان الشيء الذي أدخله الظلّ في جسده أكبر من الكلمات.

كان يحدث داخله زلزالاً… يهدم شيئاً ويبني شيئاً آخر.

وحين فتحت عيناه، كان الظلّ قد اختفى…

وكأنّه لم يكن يوماً.

عاد سالم إلى بيته.

فتحت أمّه الباب، وقالت بقلق:

“وين كنت ؟!”

فتح فمه ليرد…

ولا شيء.

رفع يده إلى حنجرته، كأنّ صوته عالق هناك لكنه لم يجد سوى الصمت… صمتٍ كثيفٍ يشبه حجراً.

وفي تلك الليلة، حين نامت القرية كلها، حدث شيء لم يحدث من قبل:

صوتٌ عميق خرج من الساقية الجافة.

صوتٌ يشبه صوت سالم تماماً…

لكنه ليس صوتَه.

كان الصوت يروي… يصرخ… يبكي… يحكي كلّ ما لم يقله سالم يوماً.

ومن تلك الليلة، قيل إنّ كل من مرّ قرب الساقية يسمع صوتاً يحكي حكايات لا يعرف أحد مصدرها.

حكايات عن الألم والقهر والرجال الذين فقدوا أصواتهم.

حكايات كان سالم يخفيها…

والآن أصبحت تخرج من مكانٍ آخر.

أما سالم…

فبقي ينظر من نافذته كل ليلة، يريد أن يقول شيئاً

لكن لا شيء يخرج.

فقد صوته…

وكسب الليل صوتاً جديداً

***

د. رافد القاضي

لاحت الاطيار من فوق الربا

تهزج الالحان ترجو مطلبا

*

ونسيم كان أذكى في الصبا

ذكريات بان فيها ما خبى

*

وبصرت الزهر فيها معجبا

كل بوح من قرين معجبا

*

وندي الفجر أرشى نسمه

من ندى أشفى علينا واصبا

*

غرد العصفور في أشجارها

اي تغريدة عزف طاربا

*

جنة المعبود أزجت ضرعها

ما أراد الله ما حق ربى

*

ينزل الطير فيدنو رزقه

كجموع وسم حب تصطبى

*

تسعد الاطيار في أبساقها

ضج صبحا ما ترى أن  يغربا

*

جالت الأنفاس ترجو طيفها

يا لشعري أين عمري والصبا

*

ما شفاني الحب أني متعب

ما دهاني صار عمري مركبا

*

ما عساني بعد هذا أبتغي

غير كأس من شفاه راضبا

*

ما لقيت اليوم هذا ضيعتي

ليس سرا قد أتاني مخصبا

***

د. علي جبار الاسدي

 

إسْتبشريْ خيرًا أنا الرجلُ الذي

أحْبَبتِهِ ما حِدْتُ عنهُ فَتيلا

*

واسْتغفريْ فأنا الذي فضَّلتِهِ

دينًا بحِفظيْ اللهُ كانَ كَفيلا

*

آياتُهُ ما انفكّ يتلوها الهوى

ذاكَ الذي اخْتارَ الفُؤادُ رَسولا

*

وأنا الذي أوجدْتُ قدسَكِ قِبلةً

والدّهْرُ غضٌّ يجهلُ التَّنزيلا

*

في القلبِ منكِ أقمْتُها هذا الذي

ما انفكَّ يُقصَدُ للسّماءِ دَليلا

*

فامتدَّ ذِكْرًا ظلُّها لجِوارها

والكونُ يسْمعُ حمدَهُ مَذْهولا

*

وكمِ امتَرىْ فيما رأى حتّى رأىْ

القرآنَ فيهِ يحضُنُ الإنْجيلا

*

و جرَىْ دَمي العَربيُّ فيهِ مُفصِّلًا

وجهَ السّما في وجههِ تَفْصيلا

*

فغدوتِ قُدسًا حولَ قُدسٍ عنْ ثرا

ها لستُ أقبَلُ ذي الحياة بَديلا

*

الرّوحُ روحُكِ أنتِ والقلبُ الذيْ

أنّبتهِ بكِ لمْ يزَلْ مَأْهولا

*

العينُ ذاتُ العينِ والدّمعُ الذيْ

أجْريتِهِ ما انفكَّ يَجري نيلا

*

الحرفُ ذاتُ الحرفِ والشّعرُ الذيْ

أنْطقتِهِ بكِ لمْ يزلْ مَشغولا

*

الخطوُ نحوَكِ ذاتُهُ حتّى وإنْ

شاخَ المُخلّصُ أو بدا مَعْلولا

*

الفعلُ أجْلَكِ لا لغيْركِ كلُّهُ

أُعْربتُ فاعلَهُ أمِ المفْعولا

*

والطّينُ طينُكِ هلْ نسيتِ بأنّني

مِنهُ ابْتُدِعْتُ مُفَضَّلًا تَفضيلا؟!

*

حَشَدَتْ ليَ الدُّنيا وقدْ كانَ السّلا

مُ معِ الوَرى نَفَسَ المُريحِ قَليلا

*

حتّى سألتِ ولمْ أَجِدْ فحَلَفْتُ ألّا

أرتَضيْ مهْما أُجِبْتُ حُلولا

*

فشُغِلتُ عنْكِ بها لأجلكِ إذْ أبىْ

عِشقيْ البَقاءَ بصَبرِهِ مَكْبولا

*

حَربي وما حاربتُ إلّا في هوىً

كم شئتُ كيْ يحْيا الرّجوعَ قَتيلا

*

سيْفى! وفي غيرِ الهَوىْ ما اسْتُلَّ سيـ

فٌ في سبيلكِ لم يزلْ مَسْلولا

*

زمَني وإنْ حاطَ الزّمانُ بهِ علىْ الـ

أزْمانِ يبْقى لو نظَرتِ طَويلا

*

ودَمي يَصوغُ الكونَ كيفَ أردْتِهِ

حتّى وإنْ غمَرَ البلادَ سُيولا

***

أسامة محمد صالح زامل

وأنا أسيرُ ككلّ يومٍ للعملْ

برتابةِ المألوفِ من أيامنا حيثُ المللْ

أبصرتُ لافتةً تقولُ: (إلى اليمينِ مدينةُ الألعابِ)

نادتني الطفولةُ قلتُ: أدخلُ ولْيمتْ في غيظِه ذاك المديرُ

وصِحتُ: حيَّ على الكسلْ

وأتيتُ شُبّاكَ التذاكِرِ

قال لي: هيَ للكبارِ بلا نقودٍ

يا إلي هل كبِرتُ!

دخلتُ والأطفالُ كالعشبِ المبللِ بالندى

وأنا أراني مثلَ فاكهةٍ تأخّرَ قطفُها فتيبّسَتْ

كالبرتقالةِ إذ تدلّتْ تشبهُ المشنوقَ والأغصانُ حبلُ المِشنقةْ

قد كنتُ يوما شرنقةْ

وركبتُ دولابَ الهواءِ

رأيتُهم ضحكوا عليَّ

ورحتُ أصعدُ في السماءِ فلا أحسّ برهبةِ الأطفالِ

يا ويلي تُرى كم قد كبِرتُ !

وظلّ يصعدُ ثُمّ ينزِلُ ثم يصعد ثم ينزل

والبيوتُ كأنها قد لوّحتْ بمدامعِ الأضواءِ

صاحَ بيَ المشغِّلُ: إن دورَكَ إنتهى فانزلْ

ولكني بقيتُ معلّقاً عندَ الهواءِ

عرَفتُ أين الشمسُ تذهبُ في المغيبِ

لحِقتُ سِرْباً من طيورٍ هاجرتْ

ولمستُ أحجارَ النجومِ براحتيّ

***

عبد الله سرمد الجميل شاعر وطبيب من العراق

مُدَامُ اللَّيْلِ، لِلرُّوحِ الغَرَامُ،

وَحُبِّي فَوْقَ مَا يَصِفُ الكَلاَمُ.

*

إِذَا أَحْبَبْتُ، زُفَّتْ لِي الثُّرَيَّا،

وَصَلَّى لِلْهَوَى، البَدْرُ التَّمَامُ.

*

وَأَلْقَى النُّورَ، مِنْ عَلْيَاءِ عَرْشٍ،

عَلَى مَنْ أَدْمَنُوا عِشْقِي، وَهَامُوا.

*

فَأَرْسَوْنِي، عَلَى مِحْرَابِ شَوْقٍ،

يُؤَذِّنُ فِيهِ قَلْبِي، لا يَنَامُ.

*

وَلَمَّا لَاحَ، فِي العَشَّاقِ نُورِي،

تَنَادَوْا: هَا هُوَ الْهَادِي، إِمَامُ!

*

وَحَتَّى العَاشِقَاتُ، عَرَفْنَ أَنِّي

قَصِيدٌ، لَا يُعَاتِبُهُ المَلَامُ.

*

فَصِرْتُ المُفْرَدَ، الجَمْعَ المُعَنَّى،

بِوَجْدٍ، لَا تُحِيطُ بِهِ الأَنَامُ.

*

نُجُومُ اللَّيْلِ، حِينَ دَنَا جَنَاحِي،

تَضَوَّعَ حَوْلَهَا نُورٌ، وَقَامُوا.

*

وَمِنْ فَيْضِ الرُّؤَى، انْكَشَفَتْ دُجَاهَا،

وَفِي الأَحْدَاقِ، انقشَعَ الظَّلَامُ.

*

أَرَانِي، رَايَةً تَهْفُو إِلَيْهَا،

قُلُوبُ العِشْقِ، يَحْضُنُهَا الْمَقَامُ.

*

مَزَارُ العِشْقِ، صِرْتُ لِكُلِّ حُرٍّ،

وَفِي الأَرْجَاءِ، يَحْتَفِلُ الغَرَامُ.

***

بقلم: سليمان بن تملّيست

تونس - 2025/11/30

 

بَـعـد طول اِنـتـظـارٍ يَـجُودُ الـقَـدرْ

قدِمت تَـرفُل مِـن بَـعـيد السّــفـرْ

*

شَـوقُـها قَـد دَعَـا مَا ثَناها خَـطـرْ

في شَهيلٍ شَوى أو بسَـيْـلِ المطرْ

*

وعـدت أنـجـزت رب وعـد لـحُــر

مــثـلــهـا درة مـن بــديــع الــدُرر

*

عند شمس الضّحى أقبلت في حَذرْ

لا رقـيــبٌ رأى فـسريــعًـا تــمُــرْ

*

رَفرفت خَطْوَها كالشّـذى قد عَـبـرْ

وردةٌ أيْــنـعَــت والرّبــيع ازدهــرْ

*

حُـسنُــها فـائــقٌ بَـهـجـةٌ لـلــنّـظـرْ

بِـــقَـــوام بَــــدا مائــسًـا كالـزَّهَـــرْ

*

مِـن سَـنـا وجهِـها الـبَـهاءُ اِنـتشـرْ

فسَبحـنـا الصفا وسَلونا الــكـدَرْ

*

وارتقـيْنا السَّما فـوق دُنـيـا البـشـرْ

فمشيْنا النّـجـومْ وعَـدوْنـا الـقـمـرَ

***

سُوف عبيد - تونس

 

ثلاثون يوماً أعادت لي ترتيب وقار فكري حين وجدت نفسي في محيط إختبارات الحياة الأكثر ألما... أدركت إن كثيرون يكبرون بعد موتهم، ثقل رحيلهم، وغيابهم الخاطف يعيد إلينا شريط ذكريات حتى الفرح منها يدخل في إنهيار بكاء، وإنكماش نفس ....

هل تعلم الجهد الذي أبذله في هذه اللحظة وأنا أكتب غيابك الذي كان بمثابة وقع الدهشة بعد تلك الإرتدادات، والهزات التي لا تقاس حتى على مقاسات أرضية؟!

ليس سهلاً علي أن أرثيك في سطور الورق بعد أن كنت الحياة في حياة ممتلئة بك، ومعك....

  ليس سهلاً أن أعيد توازن نبضي بعد فاجعة رحيلك حين كان القدر يعده على مهل، وأنت ترقد على شراشف المشفى الباردة وعلى تلك الأجهزة الصوتية ....

كأنها حلم مرت ثلاثين يوماً دونك، ودون صوتك، ونبضك ...

أصبح مكانك خاليا منك سريرك الأبيض، وكل أشياءك التي شاخت معك حتى السبعون فصلاً، ونحن تتغير ملامحنا حين كنا ننظر إليك وأنت تذبل بعد أن كنت كنخل شامخ يقف في وجه تغيرات الحياة ومزاجياتها المتقلبة .

***

مريم الشكيلية / سلطنة عمان....

عشر ساعات مضت وأنا مقيمة على طاولة المكتب، أقلب وريقات ملفات أبحث عن حقيقة ما جرى في تلك الليلة التي سبقت راس السنة بفترة، البرد يتنفس على زجاج نافذتي الكبيرة التي تطل على حديقتي الخلفية.. ولولا ان مدفئتي مضاءة تدفع بأنفاسه بعيدا لتجمدت أوصالي، على أية حال وجدتني أنهض الى ماكينة القهوة لأحضر لي فنجان من البن العربي الذي تلقيته هدية من صديقة لي عربية الاصل تعمل معي في مكتب تحليل الجرائم تدعى مريم، أعلم حين تقرأ أسم مريم قد تستغرب كونها عربية وإسمها على أسم العذراء مريم... هذا ليس محور الاحجية التي بين سطور الاوراق هكذا هم العرب المسلمون يحبون العذراء مريم ويقدسونها مثلما يقدسون أبنها عيسى المسيح النبي لا الرب... إرتشفت من قهوتي رشفة كأنها أعادت رصف افكاري التي بعثرها إستطكاك أسناني من شدة البرد وبعثرة بقيتها على الطاولة هناك وهناك.. لا أدري لم طلب مني المدعي العام أن احلل هذه القضية التي شاركتني في تحليلها صديقتي مريم التي في الحقيقة لها الفضل الأول في ترسيم الخطوط الأولية للقضية ومجرد ان أسألها تقول إنها مسألة وقت حتى تنكشف حقيقة أي غموض ثقي بذلك سارة، كانت لارا وهي الفتاة التي قتلت في تلك الليلة خنقا بحزام رداء روب النوم الذي كانت ترتديه بعد أن تلقت لطمات على وجهها وبعض من جسدها هذا ما قالته الدكتورة في المشرح حين فحصت الجثة وقد صورت الكدمات التي تحولت الى زرقاء بعد ان ركد الجسد عن الحراك والى الابد، رشفة ثانية وكأني تلقيت ومضة بإسترجاع جملة قالتها لي مريم بإن التحدي الحقيقي لعقل الإنسان يعود الى التخيل واسترجاع الماضي فيه والبحث ما بين تفاصيل السطور المركونة في البعيد من العقل خاصة عندما يتصور الأحداث كأنها شريط سينمائي لموقع الجريمة من خلال الصور بشكل معكوس، لحظتها فقط يستنطق الصور التي تتحدث كي يمسك بتلابيب أذيالها وحتى يشعر أنه أمسك طرف حل اللغز.. في تلك اللحظة كنت أمسك بتقرير المشرحة الذي يقول كان موتها خنقا على شكل انتقام منها فلقد ضربت  لارا بعد موتها ضربا مُبَرِحا لإطفاء غليل حقد دفين.. في ذلك الأثناء أخذت الجريمة منحى آخر لقد كانت جريمة تصفية حسابات إذن لابد من تضييق حلقة البحث الى حلقات الاصدقاء من الابعد الى الأقرب.. وفعلا وأنا أبحث عن مفقود وأسترجع ما جمعته الشرطة من تحقيقات الذي إستدعتهم للإدلاء بأقولالهم إنصب إهتمامي على أثنين ولد وفتاة فهما المقربان الحميمان من لارا بشكل يكاد يجعلهم لا يفارقون بعضهم البعض..

يا إلهي إن البرد قارس جدا صفير الهواء لا ينفك يدعو أوصالي للإرتجاف.. فوجدتني أتجه إلى المدفأة كي أزيد من قطع الشجر المقطع الى فمها كي تستمر بإلتهام طعامها ثم يدفع بحرارة ما تأكله كي أتدفئ عليه وأنا احرك جذم الحطب بملقط  حديد، شيء ما خالجني أو ليس هناك ضربة في ساق لارا كان مكانها في كعب قدمها.. تركت ملقط الحديد مقلب الجذم وسارعت الى ورقة كان أحد المحققين قد ذكر فيها أن لارا قد تلقت ضربة على عقب قدمها أو ربما شخص ما أمسك بها فتعثرت قرب الأريكة التي قتلت عليها... فعدت الى تقرير الطب الشرعي فوجدت عبارة أصيبت لارا بقدمها من جراء آلة حادة على شكل عقفة... أخذت اوراق التحقيق وقارنتها بملقط محرك الجذم ... أدركت أن هناك شخص ما قد أمسك بقدمها في محاولة منها الى الهرب... تابعت تقارير المحقق لكني لم أجد ذكرا الى ذلك الملقط في مسرح الجريمة.. ملقط محرك جذم النار... من فوري إتصلت بصديقتي مريم التي كانت مستيقضة بدورها، أخبرتها بما وجدت وطلبت منها أن تتأكد من حدسِ الذي أعتقد أنه مفتاح القضية كلها.. لا أدعي الذكاء لكن الشرطة والمحققين قد يصادفهم هفوات بسيطة وهم في خضم معمعة وجلبة موقع الجريمة.. ساعة من زمن وإذا بالهاتف يرن وقبل أن أردد بألو.. سمعت تنهيدة حزينة تخرج من جوف مريم كأنها تفزر وجعا كان جاثيا على صدرها.. فقلت :

- مابك عزيزتي مريم؟؟ فردت..

- إن حدسك في مكانه سارة كانت هناك قاعدة معلق عليها ملقطين للمدفأة في زاوية لم تكن محسوبة للعين خاصة أن النار في المدفأة كانت طافية كما في الصور وكما هو مذكور عندك في تقرير المحقق جون، لعلك راجعته وعلمت عنه من خلال حدسك...

- باغتها بنعم.. نعم رغم  الحرج فأنا لم لم اقرأ عن تلك المعلومة.. لكني أردفت حسنا مريم ثم ماذا فعلت بعد ذلك عزيزتي مريم

- سارة لقد ذهبت بتلك الملاقط الى مقر الطب الشرعي كي أتحقق فيما إذا كان هناك بصمات عليها غير بصمات لارا، وخلال ساعة من الآن ستخرج النتيجة وها أنا أنتظر في الردهة حال ظهور النتيجة سأبلغك بها ومن ثم أحضرها اليك..

- شكرا لك عزيزتي مريم على سرعة تلبيتك ما طلبته منك.. أعتقد النتيجة تحسم أمر كل شيء

- أظن ذلك سارة.. لا بل أجزم بذلك فلقد تصورت وأنا أبحث وأحلل الاوراق والصور والبيانات والتحقيقات واقوال الشهود اصدقاء لارا حضر الى ذهني ما تبادرك لك ايضا... ( القلوب عند بعضها ) هذا مثل عربي نقوله بيننا حين تتحدث بحدس القلوب القريبة الى بعضها البعض كأنها قلب ونبض واحد...

- معك حق عزيزتي مريم .. الواقع كنت حاضرة معي بإتقاد ومضات عقلك الذي كنت حين أقرأ وأحلل تسبقني جمل كنت تقولينها لي عندما تحدثنا فيما بيننا على تحليل مفردات وصور وحقائق الجريمة.. سأبقى في انتظار نتيجة التحليل مريم الغالية

ساعتين من زمن رن الهاتف وإذا بصوت سارة يقول: لقد هناك بصمات سارة على المقبض واحدة لديفيد وأخرى الى شارلي.. اقصد شارلين أخت لارا الاكبر

- يا للرب!!! كيف يمكن ان تكون تلك هي الحقيقة... في فجر الصباح من تلك الليلة الباردة كنت قد ارتديت ثيابي وذهبت الى المدعي العام وبصحبتي مريم بعد ان وضعت جميع ما توصلنا إليه أنا ومريم بخصوص مقتل لارا ولولا نبضة متقدة من مريم وحدس كنت قد تيقنت منه ما كان لنا الامساك بديفيد وشارلين اللذان قاما بإرتكاب جريمة القتل نتيجة الغيرة التي كانت تضمرها شارلين لأختها في حبها لديفيد الذي استمالته شارلين وأوقعته في فخها وخيانة حبيبته نكاية بالجميلة اختها لارا التي علمت بخيانتهما.

***

القاص والكاتب

عبد الجبار الحمدي

 

قالت وما بيننا بونُ من الحججِ

ما هزكَ الحسنُ في اطلالةِ الغنجِ

*

كنُا التقينا ولا وعدًا يجمعُنا

كنُا التقينا على قربٍ من الدرج ِ

*

قالت وقد عدلت من شالِها عمدًا

ماذا تقولُ بهذا الشالِ والوهجِ

*

ماذا أقولُ سؤالُ ظلَ يصرعني

موجٌ دهاني وموجٌ جاءَ في لججِ

*

حتى افتقدتُ الى عزمٍ ألوذُ بهِ

وشطَ عني جوابٌ يدعي حججي

*

فاخضرَ ما بيننا صمتٌ فأرقني

حتى ابتسمتُ فكانت ذروةَ الحرج ِ

***

عبد الهادي الشاوي

 

ولدتُ في حُلكَةِ الشرقِ

أَعْزفُ لحنَ النور

أشْدو أُغنيَةَ الأمل

أَتَمايَلُ على إيقاعاتِ الروح

فيسكر الموَّال في جنوني.

أَنا اِبتِداءٌ  و نهايَةٌ

الأولى وقد رحلت

الأُخرى وقد دَنت

وانْبعاثُ سُنونوتَينِ

ضحِكاتي رنينٌ الصَدى

ونزيفي عَميقٌ عَميقْ

لكنَّ الهدفَ أَسْمى وأغْلى

كنت وَسَأَبْقى غجريَّةَ اَلحريَّة

يَقْطُرُ البنَفسَجُ دماً في ذاكرَتِي

أَحْتَرقُ شَمعاً في أَرض الظلام

تَعبتُ منَ النفاق

مَلَلتُ مِنْ حِكاياتِ اَلجَهلِ

وأسطُواناتِ الضَّياعِ

أُريدُ العودةَ إلى دِيارِي

إِلى ديارٍ يَسودُها اَلصَفاءُ

ويَنامُ اَلحنانُ  في عُيونِ الأَطفال

أَتَنَهَّدُ بحُرِيَّةٍ .. أَحلُمُ بلا حُدود .. أَغْفو بأَمانٍ  ..

أَتَودُّ الرَّحيلَ معي أَيُّها العاشِقُ ؟

أَمْ أتْرُكُكَ بقايا إنْسانٍ على قارعَةِ الطَّريقِ

تَتوهُ بين الزَّوايا الميِّتة في مَدائن اَلِإنتِحارِ؟

نَفَدَ صبريَ، واهْتزَّتْ مَراكِبِي

سَقطَتْ عَروسُ اَلبَحرِ

وَتلاشت اَلآفاقُ الوردِيَّة

من سحر الغروب

عَصَفَتْ رياحُ أَيْلولَ تَمَرُّداً

ودارت الأَيَّامُ

لتُزهرَ براعمُ الحُبِّ وتَتَلألأَ الدُّرَرُ

يبتسم اَلسوسنُ

يعقد زهرُ الليمون شَوقاً للشَمسِ

ويرحَل ربيعٌ ويزهِرُ ربيعٌ

ونَرحَلُ وتَبقْى الحياةُ حُبَاً

وَالحُبُّ حَياةً .

***

سلوى فرح - كندا

 

كالنار في مهب الريح

يصيرني الحنين إليك

أحن إلى شرفاتك الوارفة

وهي تطل على ذكريات العمر

رمادا يصيرني الهجر

كما تشتهي النوارس

والموانئ ..

والمساءات..

خفيفة.. شفيفة

كالريشة تمضي روحي إليك

طنجيست يا ملهمة الشعراء

يا دهشة الغريب

يا شرفتي الأندلسية

التي يطل منها الفؤاد

على المراكب الهائمة

ولوعة الغياب

أما زلت هناك طنجيست

متاهة..

وغواية..

وقمرا..

وبحرا للغرباء؟

***

عبد الرزاق اسطيطو

 

 

(في مراسيم عبيق الورد)

[الدَّلال]

خَسِرْتُكِ

وَالدَّلالُ يَمُدُّ ضِياءَهُ المَطْمُوسَ فِي دَمِي

وَيَخُطُّ فِي لَيْلِي خُطُوطًا مِنْ نَدًى مُنْفَلِقٍ

وَيَرُشُّ فَوْقَ جُرُوحِ رُوحِي نُورَهُ الأَوَّلْ

صَوْتُكِ إِذْ يَسْقُطُ فِي عُتْمَةِ الذِّكْرَى

يَصْعَدُ مِثْلَ نَجْمٍ فِي السَّرَائِرِ

ثُمَّ يَتَّقِدُ

*

[مَرَاسِيمُ الكَظْم]

خَسِرْتُكِ

وَالكَظْمُ يَرْفَعُ مِنْ تَرَاتِيلِ المَسَاءِ

مَا نَسِيَتْهُ الرُّوحُ فِي خَوْفٍ مُعَتَّقِهَا

أَنْتِ الَّتِي أَوْقَدْتِ فِي أَغْوَارِ أَحْلَامِي

أَسْرَارَ لَهْفَةِ غَيْمَةٍ مُتَرَقْرِقَةٍ

حَتَّى تَبَدَّدَ وَصْلُنَا

وَتَبَدَّدَتْ خُطَاكِ فِي مَدَارِي المُنْفَطِرِ

*

[خَرِيطَةُ الدَّم]

خَسِرْتُكِ يَا مَنْ كَانَ يَنْبُوعُ الرُّؤَى

يَجْرِي بِوَقْعِكِ فِي شُرَايِينِي

أَنْتِ الَّتِي نَزَلْتِ عَلَى طِينِي

كَنُقْطَةِ نُورٍ تَنْشَقُّ مِنْ سِرِّ الْخَلَائِقِ

حَتَّى مَضَى الدَّمُ يَرْسُمُ اسْمَكِ

فِي طُرُقٍ لَا تُرَى

وَيَرُقُّ حِينَ يَمُرُّ فِي حَافَّاتِ أَحْزَانِي

*

[سُهُولُ الوَرْد]

خَسِرْتُكِ

يَا ظِلَّ وَرْدٍ يَسْرِي فِي أَسْرَارِ مَائِي

وَيُشِيعُ فِي أَرْجَاءِ رُوحِي بَهْجَةً أُولَى

أَنْتِ نُشُوءُ اللَّوْنِ

أَنْتِ بَدَاءَةُ الطِّيبِ

أَنْتِ سِرٌّ كَانَ يَنْسَجُ حُلْمَهُ فِي قَاعِ نَفْسِي

لَيْتَ مَا سَرَقَ الدَّلَالُ مِنَ الْمَوَاسِمِ

لَمْ يَسْرِقِ الْأَيَّامَ مِنِّي

وَلَيْتَ وَقْتَكِ لَمْ يَصِرْ غَيْمًا يُبَدِّدُنِي

*

[سُكُونُ اللَّيْل]

خَفَقَ اللَّيْلُ وَالنَّجْمُ فِي عُمْقِهِ سَاكِنُ

وَالصَّمْتُ يَحْمِلُ مِنْ صَوْتِكِ مَا يُؤَلِّفُهُ

أُسَرِّبُ عَطْرَ الذِّكْرَى فَتَنْبَعِثُ عَاطِرَةً

تُعَانِقُ خَافِقِي فَيَنْثَنِي لِلرَّجَاءِ مُنْكَسِرُ

*

[بُعْدُ الغَيْم]

غَادَرَتْ عَيْنَاكِ سُهُولَ صَدْرِي فَاسْتَوْلَى عَلَيَّ

بُعْدُ الغَيْمِ وَالْأَمْطَارُ تَصُكُّ نَافِذَتِي

وَأَنَا أُقَاسِي وَحْشَةَ اللَّيْلِ الطَّوِيلَ حَتَّى

يَعُودَ صَدَاكِ فِي أُذُنِي مُتَعَبِّدًا مُهجّدًا

*

[رَجَاءٌ عَابِر]

رُبَّ لَمْسَةِ يَدٍ فِي الظُّلْمَةِ تُشْعِلُ نَجْمَةً

تُرَاوِغُ قَلْبِي فَأَرْتَدُّ إِلَيْكِ مُسْتَجِيرًا

وَأَبْعَثُ فِي جَوِّ اللَّيْلِ دُعَاءً مُتَوَاضِعًا

لَعَلَّ عَبِيرَكِ يَعُودُ وَيُعَطِّرُ مَدَامِعِي

*

[خَاتِمَةُ وُجْد]

سَأَظَلُّ أُغَنِّي لِصَوْتِكِ فِي اللَّيْلِ مُعَتِّقًا

حُلْمًا يُقَاتِلُ عُيُونَ الصَّبْرِ حَتَّى تَثُوبَا

وَإِنْ غِبْتِ عَنِّي فَذِكْرَاكِ فِي دَمِي تَجْرِي

كَمَا يَجْرِي فِي عُرُوقِ الْوَرْدِ دَمْعُ السَّحَائِبِ

*

[كُودَا - سِفْرُ الطِّينِ وَوَشْمُ الْمَاءِ]

فِي الطِّينِ أَسْرَارٌ لَمْ تَقُولِيهَا

وَفِي الْمَاءِ أَسْمَاءُ الظِّلَالِ الَّتِي

مَرَّتْ عَلَى خُطَاكِ وَلَمْ تَرْجِعْ

وَحْدَهُ الْحُلْمُ - إِذَا سَقَطَ فِي عَيْنِ اللَّيْلِ -

يَرْسُمُ لِي مَسَافَاتِكِ

وَيَجْعَلُنِي أَتَعَلَّمُ

كَيْفَ يَنْطِقُ الطِّينُ بِمَاءِ الغِيَابِ

وَكَيْفَ تَجُرُّ الْوُرُودُ عَلَيْهِ

نَبْضًا يَخْفِقُ كَأَنَّهُ أَنْفَاسُكِ

***

د. سعد غلام

 

بمتاهاتِ لغةٍ

أخفتْ مكرُها

بزينتِها

وبشفرةِ

تفاهةِ اسرارِها

وبإلوانِ مساحيقِ

أساطيرِها

ودهاليزِ أكاذيبِها

صَدِئتْ كلماتي

فأسلمَتني أفكاري

لألدْ أعدائي

*

طردتِني مدينتي

كشريدٍ يتسكعُ

في أزقتها الخاويةِ

تناستْ بذرةُ جنوني

التي نمتْ ثمرةً على

أغصانِ أوهامها

*

أنكرني حتى نهرُها

الذي علمني العومَ

بين ضفتيه

*

ملوكُ مدينتي

مبجلون

موشحون بالأرجوان

لكنهمْ

مرابون وعشارون

متوجونَ

بأكاليلِ العارِ

أيديهم عضباء

لكنها طويلة

تمتدُ حتى الأقدام

تلتقطُ فُتاتَ الدراهمِ

*

لصوصُ مدينتي

مقنعون بالبراءةِ

وبنصوصٍ غير مقدسة

مسطورةٍ على

رقمٍ طينيةٍ

منقوشةٍ بإقدام خرافيةٍ

*

مدَّ أحدُهم يداً

عضباء

فسرقَ عشبةَ الخلودِ

نفحهُ جلجامشُ

قطعةَ نقودٍ

بحجمِ كسرة فخارٍ

فأستردها

فصار خالداً

*

في سوق الوراقين

تتسولُ الكتبُ

كسرةَ خبزٍ

تخشى متسولاً

يخطفها

ويلوذُ بها فاراً

***

صالح البياتي

الجزء (3) من رواية الحرز

حين هدأت ضجّة الألم في عروقها، وهي تستند برأسها إلى الوسادة كما لو أنّها تستند إلى آخر ما تبقّى لها من يقين في هذا العالم. سحبت الغطاء حول جسدها النحيل، تلفّه وكأنها تحتمي به من غدر الليل، ثم أغمضت عينيها ببطء يشبه انسحاب الروح إلى صمتها الداخلي. كانت تسمع أنفاسها تتهادَى، تتراجع من فوضى الاضطراب إلى همسٍ متقطّع يوحي بأن جسدها يحاول أن يعقد هدنة قصيرة مع التعب.

غير أنّ يدها لم تفلت القلم؛ ظلّ مربوطًا بكفّها كما لو كان شريانًا من إرادةٍ لا تريد أن تنطفئ. كان القلم سلاحها الوحيد، صديقها الأخير، والنبض الذي تتذكّر به أنّها لا تزال في قيد الصراع. حتى وهي تغفو بين يقظةٍ وسبات، كانت أصابعها تمسّكه بتوتر يشبه اليقظة على حافة الخوف.

تداخل الوعي بالحلم، وتمازج اليأس بالخوف، وومضت في روحها خيوط ضئيلة من أمل لم تعد تعرف مصدره. ربما كان ذلك الأمل آخر ما يتمسّك به الإنسان حين تتكالب عليه الحياة من كل الجهات. تسربت الساعات أو الدقائق، لم تعد قادرة على التمييز، كأنّ الزمن أصبح ماءً يتسرّب بين أصابعها.

وفجأة، اخترق سكون الغرفة انتزاعٌ عنيف لشيء ما من يدها، شعور مباغت جعلها تجفل وترتجّ ارتجافًا كمن سقط في غياهب بئر. فتحت عينيها على عتمة معتمة، وإذا به، هيكل عمّها المقيت، ينهض من الظلّ بوجهٍ غارق في السواد، يدور حول سريرها بقلقٍ وحركةٍ متوترَة توحي بنيّةٍ خبيثة.

أرادت الصراخ. أرادت أن تستنجد بمن يمكن أن يسمعها خلف جدران المستشفى الساكن، لكن صوتها اختفى مثل ريحٍ انطفأت فجأة. حاولت أن تستعيده، خنقت المحاولات حنجرتها، فخرج الصمت يجلّل الموقف برعب أكبر.

قرب وجهه منها، وعيناه تقدحان بما يَشي بما هو آتٍ. مدّ ذراعيه نحوها، يريد حملها كما تُحمل الغنيمة. همست روحها بالرفض قبل أن يهمس فمها، فرفعت يدها لتدفعه، وركلته بكل ما تبقّى فيها من قوة يائسة. لكنها بدت كعصفورة تصفع حجراً.

انقضّ عليها بغلظة، وضرب رأسها بيده الثقيلة ضربة أراد منها أن تطفئ وعيها كما تُطفأ شمعة في ليل بلا رحمة. ترنّح الألم في رأسها، لكن شيئًا ما في أعماقها رفض السقوط، رفض الاستسلام، رفض ذلك المصير الذي يحاول أن يسوقها إليه.

ولأن الروح حين تُحاصَر تُخرج أنيابها، امتدت يدها تحت الغطاء، التقطت القلم كما يلتقط المرء آخر رمحٍ في معركة غير متكافئة. وفي لحظة خاطفة، تلاقت يداها مع حدّ الغضب، فغرست القلم بقوة في وجهه. صرخة ألم غليظة انطلقت منه، وظهر الدم يغلي على خده الأيسر، يشقّ طريقه من الجلد إلى طرف فمه، لينزف بغزارة أربكته ودفعته إلى الترنّح كمن فقد توازنه أمام زلزال داخلي.

اغتنمت اللحظة. دفعت نفسها إلى حافة السرير محاولة الهرب، محاولة النجاة ولو بفرصة ضئيلة. لكن جسدها لم يتجاوز السرير.. رأته ينتزع المسدس من حزامه، بحركة يأس وحقد تفوّقا على الألم الذي سبّبته له.

لم تنتظر روحها سوى ثانية واحدة لتفهم المصير.

انطلقت ثلاث رصاصات كصفعات قدرٍ لا يتردّد.. اخترقت صدرها، شعرت بأن العالم ينكمش حولها، وأن دفء الحياة ينسحب من بين أضلاعها كما ينسحب الضوء من آخر النهار. سقطت فوق فراشها، والدم يلوّن الغطاء بلون الحقيقة الأخيرة.

لكن عينيها ظلّتا مفتوحتين. لم تنكسر. لم تستسلم. ظلت تحدّق في قاتلها بصلابة لا يمتلكها سوى من خاض معركته حتى النفس الأخير. تحدّق فيه وكأنّها تقول: "حتى ولو قتلتني، فقد هزمتك."

اقترب منها، والغضب يعمي ملامحه، والدم المتجلّط على وجهه يزيده وحشية. رفع سلاحه مرّة أخرى، وصوّبه إلى عينيها مباشرة، إلى آخر منفذين تتنفس منهما روحها. وأطلق الرصاصة الأخيرة، كأنّه يحاول أن يطفئ التحدّي قبل أن يبرد.

ثم استدار، تاركًا الغرفة بظلّه المتعجّل، متّجهاً إلى السيارة التي كانت تنتظره، بينما بقيت هي هناك… لا جسدًا وحسب، بل شهادةً على شجاعةٍ لم تُمنحا الحياة، لكنها منحَتها لحظتها الأخيرة.

6

كان صوت انفجار الرصاص مزلزلًا، وجافًّا كحدّ السيف: اهتزّت الجدران الهادئة لهذا المكان المكرَّس للحياة، وكأنّ نبضه الخاص توقّف لحظةً قبل أن يستعيد دفقه المرتبك. لم تنتظر إيفا تفسيرًا أو أمراً من أحد؛ اندفعت راكضة، تتبعها خطى الممرّضين والأطباء الذين خرجوا من غرفهم كأنهم يركضون نحو فاجعة يعرفونها دون أن يروها. كانت إيفا تشعر بأن الهواء أصبح أثقل من أن يُستنشَق، وكأن كل خطوة تطأها تعجّل وصولها إلى كارثة لم تكن مستعدة لها مهما بلغ استعدادها، وعندما أوشكت أن تبلغ باب غرفة حياة، تسارعت دقّات قلبها في صدرها حتى ظنّت أنّها تسمعها بأذنيها. دفعت الباب الموارب بعنف، بهتت... ثم تجمّدت…

هناك، على تلك الأرضية البيضاء الهادئة، تساقطت براءة الحياة الموعودة. رذاذًا أحمرًا لوّن أجناب السرير. كأن الرصاصة لم تخترق جسد فتاة فحسب، بل اخترقت قدسيّة المكان نفسه، ذلك المكان الذي يُفترض به أن يحرس أنفاس المحتاجين، لا أن يشهد توقفها.

شهقت إيفا شهقة انطلقت من الأعماق، من مكان لم تكتشفه في نفسها من قبل؛ مكان يجمع الرعب والعجز ولوم الذات في قبضة واحدة. ثم ارتفع صوتها صارخاً، صوتاً بدت نبراته أقرب إلى صوت أمٍّ فقدت وليدها منها إلى صوت ممرضة محترفة. ومع الصرخة، خذلتها قدماها، فسقطت بجانب الباب كمن يسقط من قمّة الوعي إلى قاع لا قرار له. أغمي عليها، وقد ظلّ صدى صرختها يهتز في الغرفة كارتجاف جناح مذعور.

لم تكن إيفا بالنسبة لحياة مجرّد ممرضة تراقب جهازاً طبياً؛ كانت ظلّها الحاني، وكانت قد حملت على عاتقها وعداً شخصياً لم يسمعه أحد سواها: أن تحمي هذه الروح الصغيرة من قسوة العالم، طالما بقيت هي قريبة منها.

كانت حياة بالنسبة لها ابنةً لم تنجبها، ونافذةً على معنى أعمق للمهنة التي اختارتها. ولذلك، حين رأت الدم يمتدّ من الفراش الى البلاط، شعرت أنّ ذلك الوعد قد انكسر في يديها كزجاج هشّ.

ساد الارتباك المكان. دهشةٌ وذهولٌ تلبّسا وجوه الجميع: الأطباء الذين اعتادوا مواجهة الموت، والممرضات اللواتي خبرن أصوات الاحتضار، جميعهم وقفوا مشدوهين أمام مذبحة وقعت في قلب حصنٍ يُفترض أنّه مُحرّم على الرصاص. كانت الصدمة أكبر من قدرتهم على الكلام...

كأنّ الأفواه نسيت اللغة.

لم يخرق هذا الصمت سوى صوت زميلة إيفا الأقرب، تلك التي كثيراً ما شاركتها نوبات الليل الطويل، همسات الخوف، وأحلام الهروب من هذا البلد الذي طالته يد العنف. كانت تعرف إيفا معرفة تكاد تبلغ حدّ قراءة الروح، ولذلك كانت أسرعهنّ إلى الانحناء فوقها. هزّت كتفيها برفق أولاً، ثم بقلق يتصاعد، هتفت تستدعي المساعدة:

"ساعدوني! إيفا لا تستجيب! نحتاج لإنعاشها فوراً"!

تدفّق الجميع نحوها، كأن صيحتها أعادت إليهم وعيهم. انقسموا في لحظة إلى فريقين: فريقٌ ركع إلى جانب إيفا يحاول استعادة وعيها، وآخر اندفع إلى خارج الغرفة لإبلاغ الإدارة، بينما تولّت طبيبة الطوارئ إغلاق الستائر وحماية ما تبقى من كرامة الجسد المسجّى.

كانت إيفا في عالم آخر.

عالم معتم،

لكنّه ليس ساكناً؛ كان يعجّ بالخوف. رأت في ذلك الظلام وجهاً تعرفه: وجه حياة، يبتسم لها كما كانت تفعل وهي تتحدّث عن شهيتها التي بدأت تعود، وعن رغبتها في الحياة رغم قساوتها، حاولت إيفا أن تمدّ يدها نحوها، لكن المسافة كانت تتسع، وتزداد برودة بينهما. سمعت صوتاً خافتاً، يشبه الهمس:

" لماذا تركتِني؟"

كانت تلك اللحظة أقسى من كل ما اختبرته في حياتها. لم يكن السؤال حقيقياً، لكنها شعرت كأن ضميرها هو من ينطق به.

وفي الخارج،

كان الهرج ينتشر كدخانٍ كثيف في الممرات. أفراد الأمن توافدوا متأخرين، قلقهم مضاعف لأنّ المكان الذي وُصف دائماً بأنه "محمي" انكشف على حين غرّة. أحد الأطباء، شاحب الوجه، تمتم:

"كيف يدخل مسلّح هنا؟ ... كيف؟"

لكن لا أحد يمتلك الجواب، السؤال بدا أكبر من مجرد خرق أمني؛ بدا كأنه سؤال عن زمن بأكمله، زمن صار فيه الموت أجرأ من الحياة.

بدأت ملامح إيفا تستعيد لونها شيئاً فشيئاً، بعد ان كثف زملاءها من الفريق الطبي عملهم على إنعاشها. ارتجفت جفونها أولاً، ثم تحركت شفتيها بحركة بالكاد تُرى. وعندما فُتحت عيناها أخيراً، لم تر سوى السقف الأبيض، وهو يسبح أمامها بلا تركيز. احتاجت ثوانٍ لتتذكر أين هي، ولتجتاحها الحقيقة من جديد كصفعة باردة.

أخذت نفساً مرتجفاً، ثم تمتمت بصوت مبحوح:

"حياة… أين هي؟"

كان السؤال كجمرٍ على لسانها. وحين لم يجبها أحد مباشرة، أدركت، قبل أن تسمع الكلمات، أن الجرح الذي انفتح في روحها لن يندمل سريعاً. لكنها، رغم ذلك، أغمضت عينيها قليلاً، وكأنها تستجمع ما تبقى من قوتها، قوة ستحتاجها لتقف مرة أخرى في هذا المكان…

مكان وُجد ليحمي الحياة،

لا

ليشيّعها.

7

مدّت إيفا يدها المرتجفة إلى جيب مئزرها الأبيض، ذلك الجيب الذي صار في الأيام الأخيرة

 أثقل

من

قلبها

نفسه.

كانت تبحث عن الحرز، ذلك الكيس الجلدي الصغير الذي تركته حياة بين يديها في آخر ليلة مضاءة بالأمل، وأوصتها به وصيّة تشبه الرجاء أكثر مما تشبه التوديع. قالت لها يومها، بابتسامة تُخفي قلقاً عميقاً:

"إذا متُّ يا إيفا… فهو لكِ. لا ترميه، أرجوكِ، فهذا… عمري."

تذكّرت إيفا العبارة كما لو أنّها تُقال لها الآن، بنفس النبرة التي كانت تجمع عتبات العمر كله في صوت فتاة تحلم بغدٍ لم يمهلها القدر الوصول إليه. وحين قبضت أصابعها على الحرز داخل الجيب، شعرت وكأنّ حرارة حياة تتدفّق منه، حرارة جسدٍ غادر، لكن أثره ما زال يسكن الأشياء.

أخرجته ببطء... ببطء يشبه انحناءة شخصٍ يلتقط بقايا قلبه من الأرض. ما إن رأته حتى انهمرت الدموع من عينيها؛ دموع خفيفة في البداية، ثم ثقلت كأنها تنزل من عمق الروح لا من محض جفنٍ مثقل بالسهر والتفجع. رفعته إلى شفتيها، وقبّلته قبلة من يحمل في يده آخر أثر لإنسانٍ لم يكتمل وداعه، وكأنها في تلك القبلة تعيد لروح حياة شيئاً من السلام الذي لم تجده في يومها الأخير.

همست وهي ممسكة بالحرز بين كفيها:

"رجوتني أن أحتفظ به، ووعدتكِ ألا يضيع… وها أنا أُجدّد العهد، يا صغيرتي".

راودها فضولٌ عميق أن تفكّه، أن ترى ما الذي اعتبرته حياة عمرها كله، ما الذي كانت تخاف ضياعه أكثر من خوفها من موتها نفسها. لكن حين حاولت أن تفك العقدة الصغيرة، تسلّلت رعشة عبر أصابعها، رعشة لم تكن برداً ولا انفعالاً، بل كانت شيئاً آخر… شيئاً يشبه خشية مواجهة حقيقة لم تستعد لها بعد.

تراجعت، وأغلقت كفها عليه من جديد، كمن يصدّ ظلّاً يقترب. قالت لنفسها:

"ليس الآن… ليس وأنا بهذا الاضطراب".

ظل الحرز يشغل بالها أياماً كاملة. كلّما حاولت التركيز في عملها، تسلل طيفه إلى ذهنها، يذكّرها بأن جزءاً من حياة ما يزال ينتظر أن يُكشَف عنه النقاب. وفي الليالي التي لم تستطع فيها النوم، كانت تستعيد اللحظات الأخيرة التي جمعتها بالفتاة: ضحكتها الخافتة، خوفها المكتوم، والأسئلة التي لم تجرؤ أي منهما على طرحها.

ومع ذلك، بقي الحرز مغلقاً. بقي سرّاً يتحرك معها في كل خطوة، كلما تسلّلت إليه يدها تبحث عن طمأنينة، زاد وجيب قلبها اضطراباً.

كان موعد إجازتها السنوية يقترب، تلك الإجازة التي وعدت عائلتها في السويد بها، ووعدت نفسها بأنها ستكون فرصة لالتقاط أنفاسٍ أثقلتها سنة كاملة من العمل في المستشفى، بين رائحة المعقمات وصوت الأجهزة وصدى الأرواح التي تعبر نحو المجهول في بلد تأكله الحرب والفوضى.

لكنها كانت تعرف في أعماقها أن هذه الإجازة، إن ذهبت، لن تُقضى كما تخيّلت. ثقل الحرز وحده كان كفيلاً بأن يسافر معها أكثر من حقائبها.

وقفت في غرفتها الصغيرة بالمستشفى، قبل ساعات من مغادرتها، تنظر إلى الحرز وكأنه مخلوق صغير يتوسّد كفّها ويطلب منها اليقين. شعرت للحظة أنّ حياة تقف خلفها، كما كانت تفعل حين تستجدي منها وعداً بأن تبقى قربها حتى تستعيد عافيتها.

همست إيفا، بمزيج من لوعة وحنان:

"سآخذك يا حياة… سآخذك إلى بيتي. ستسافرين معي".

ولم يكن القرار بسيطاً؛ كان أشبه بمصالحة مع وجعها. شعرت، لأول مرة منذ رحيل حياة، بنبرة دفء تتسرّب إلى صدرها: إحساس بأنّ حمل أثرها معها ربما يمنحها القدرة على مواجهة الغياب، لا الهرب منه.

وضعت الحرز في حقيبتها بعناية، كما لو كانت تضع طفلاً لا يريد أن يصحو. ثم جلست على حافة السرير، تستمع إلى السكون الثقيل الذي يسبق الوداع. كانت تعرف أنّ الرحلة لن تكون هروباً، بل بحثاً عن معنى لهذا الخيط الذي ربط بين حياتين" حياة انتهت، وأخرى ما تزال تبحث عن سبب يجعلها تمضي قُدُماً.

أغمضت عينيها للحظة طويلة…

ورأت حياة تبتسم من جديد.

هذه المرة، لم تبكِ.

هذه المرة، ابتسمت لها أيضاً.

8

كان شتاء البلاد، يوم عادت إيفا إليها، يتلألأ بضياء الأعياد، كأن الفجر قد نثر على السقوف نثاراً من فضّة باردة، والشوارع نفسها تستيقظ على أناشيد خفيّة تُعلي من شأن الطمأنينة. أضواء الميلاد كانت تومض بهدوء يشبه نبض مدينة آمنة لا يعرف قلبها الارتجاف، فتغمر كلّ مارٍ بإحساس مريح بأن العالم، ولو لوهلة، مكان يمكن الوثوق برحمته.

غير أن هذا السكون البهيّ كان يوقظ في أعماق إيفا شروخاً غير مرئية، ذكريات تنسلّ إليها مثل ظلّ طويل خلفها.

فهناك،

في بلد آخر،

على الضفّة التي تركتها وراء ظهرها، كان الناس يواجهون ليالٍ لا تُضاء بأي عيد، وأياماً تتشظّى فيها الأرواح تحت وطأة حربٍ لا يعرف أحد علامَ تُقاتل ومن أجل مَن تُسفك الدماء.

تذكّرت وجوهاً انطفأت ملامحها تحت رماد القصف، وأمّهات يرتجفن من كل دويّ، وأصدقاء لم يعد لهم وطن سوى صورة في جيب أو قبرٍ بلا اسم. كانت تفكّر في أولئك الذين خسروا كل ما هو عزيز دون أن يُمنحوا شرف اختيار التضحية، بل زُجّ بهم في نزاعات تحرّكها شهية لا تشبع من الأطماع.

حين وطأت عتبة بيتها، بدا لها الدفء المتسلّل من الداخل كيدٍ تمتدّ نحوها بعد غياب طويل. اجتمع حول الطاولة أبناء الأسرة وأحفاد صغار لم يسبق لعينيها أن احتضنتهم من قبل، فأخذت تحدّق في تفاصيلهم بحنينٍ يلمع في عينيها كدمعة مُمسَكة. كانت كمن يعيد اكتشاف جذوره، وكمن ينفض عن قلبه غبار الغربة. ضحكاتهم الطازجة تشقّ السكون، وتلوّن ملامح الأمّ التي لم يفلح الزمن في انتزاع رقتها.

امتدّ العشاء ساعات طوال، تبادلت خلالها إيفا مع الحاضرين قصص الغياب وأخبار السنوات التي حملتها بعيداً. نقّبت ألبومات الصور كأنها تنقّب عن ذاتٍ ضاعت في دهاليز الزمن، تلمس الصور بأطراف أصابعها كأنها تتحسس حياة أخرى كانت لها يوماً. وفي كل ضحكة، وفي كل حكاية، كان هناك ظلّ رقيق لحزنٍ لا يريد أن يختفي، حزنٌ يسكن عمق ابتسامتها منذ رحيل زوجها المفاجئ، ذلك المصاب الذي اقتلعها من حياتها الهادئة وزجّ بها في فوضى داخلية لم تجد لها مهرباً سوى عملها في بعثات الصليب الأحمر الطبية.

لشدّ ما كان ذلك العمل أشبه بقارب نجاة تُبحر به عبر جرحها المفتوح، محاولة لتملأ الفراغ القاسي الذي خلّفه رحيله. لم تكن تهرب من ذكراه بقدر ما كانت تحاول أن تبقيه حيّاً في شيء من خير تؤديه. كانت تؤمن أن كسرها يمكن أن يصير نافذة تتسرّب منها رحمة إلى الآخرين.

وحين انفضّ الجمع بعد العشاء، وخفَتَ صخب الأصوات، عاد البيت إلى هدوئه المألوف كأن الضحكات لم تزل ترفرف فيه. غير أن إيفا شعرت بأن السعادة التي كانت تعمّ المكان ليست سوى بُقعة ضوء صغيرة فوق بحيرة من الأسئلة التي ترفض أن تغفو داخلها.

توجّهت إيفا نحو مكتبها بخطواتٍ هادئة تشبه تلك اللحظات التي يختلط فيها التعب بالحاجة إلى السكون. كانت تحمل كوباً من شاي النعناع الساخن بين كفّيها كما يحمل المرء شيئاً يعوّل عليه لتهدئة ما يعجز عقله عن كبحه. كان بخار الشاي يتصاعد أمام وجهها في خطوطٍ رقيقة، كأنه يحاول أن يربّت على أفكارها المضطربة، أو أن ينسج حولها حجاباً من الطمأنينة التي افتقدتها طويلاً.

الغرفة كانت غارقة في نصف عتمة، ذلك النوع من الظلمة التي لا تُخيف، بل تُهيّئ الروح للاقتراب عما تهرب منه. وحده المصباح الأصفر على زاوية المكتب كان يصرّ على البقاء يقظاً، يلقي ضوءه الدافئ على الكتب المتراكمة

جلست أمام المكتب كما لو أنها تجلس أمام بوّابةٍ سرّية، بوّابة تقودها إلى فصلٍ آخر من حكايتها، فصلٍ لم تُقرّر بعد إن كانت مستعدّة لقراءته أم لا.

مدّت يدها إلى الحرز الموضوع فوق دفتر يوميّاتها، ذلك الكيس الصغير الذي رافقها منذ آخر مهمّة، منذ تلك الليلة التي انطفأت فيها حياة حياة وتركت خلفها هذا الأثر المربك. ما إن لامس النسج الخشن أصابعها، حتى شعرت باهتزازٍ خفيف في يدها، رعشةٌ لم تأت من البرد، بل من الذكرى.

قلّبته

بين

أصابعها

بحذر...

وكأنها تخشى أن ينفرط السرُّ المكبوت فيه بمجرد لمسة.

في تلك اللحظة أدركت إيفا أن اضطرابها لا يتعلّق بالحرز وحده، بل بكل ما ظلّت تدفعه إلى زوايا مظلمة لا تريد التفكير فيها. كان الخوف أول تلك الأشياء، ذلك الخوف الكامِن الذي يتسلّل إليها كلما استدعت ذاكرتها صورة حياة المسجّاة على سرير المستشفى. كانت ترى وجه الفتاة الشاحب، الجسد الخارج للتوّ من حياة قصيرة، والطلقات التي صادرت ما تبقى من حلمها.

كانت تسمع، في أعمق نقطة من الذاكرة، صدى الرصاص.

لم يكن مجرد صوت…

كان، كأن الزمن نفسه انشقّ في تلك اللحظة، وانسكبت منه الهشاشة التي صارت ترافقها منذ ذلك اليوم.

رفعت إيفا الحرز أمام عينيها كمن يزن بقلبه لا بيده ثِقَلاً خفيًّا لم يتجسّد بعد في لغة، لكنه يضغط على الروح كما تضغط الذكرى على جفنٍ مُرهَق. لم يكن الحرز مجرد قطعة جلد قديم، بل كان نافذةً صغيرة تُطل منها على روحٍ لم تهدأ، وعلى مسالك مُعتمة حفرتها الأيام في صدرها فلم تعد تدري أين يبدأ الخوف وأين ينتهي الفقد. حدّقت في خيوطه المعقودة، ثم شعرت وكأن صمت الأشياء حولها يسعى لفضح ما تخبّئه هذه اللفافة الضئيلة من أسرار.

تساءلت، بصوتٍ لا يسمعه أحد سواها:

"أهو تذكارٌ تركته حياة كي لا يبتلع النسيان أثرها؟

أم وصيّة أرسلتها من حدّ الغياب لتقودها إلى ما عَجِزَت عن رؤيته؟

أم لعلّه مرآة لروحٍ أُنهِك صوتها فصارت تستغيث بارتجافة خفيفة، تبحث عمّن يصغي قبل أن تسقط؟"

وضعت كوبها جانبًا، واستنشقت نفسًا عميقًا بدا كما لو أنه أول نفَسٍ تسترده من بين أنياب الماضي. تمتمت بهمسة خرجت من عتبةٍ كانت تخاف الاقتراب منها:

"حان الوقت… لأعرف".

مدّت

يدها

نحوه

ببطءٍ

حَذِر،

كأنها تخشى أن تستيقظ الأرواح النائمة بين ثناياه.

تناثرت الأوراق التي في داخله واحدةً تلو الأخرى، رقيقة كأجنحة فراشات ذابلة، مرقَّمة بأناة تنحدر من الواحد إلى العشرة...

كأن حياةً كاملة أُفرِغت في هذا الترتيب الغريب.

التقطت إيفا الورقة الأولى بأطراف أصابعها المرتجفة، ثم فردتها ببطء، وكأنها تخشى أن تتمزّق الذاكرة ذاتها… وبدأت

القراءة...

تابع

***

سعاد الراعي

أنا حائكُ السَّجَّادِ في السوق القديمْ

وورثت صنعتي الجميلة عن أبي

قد كان مشهورا يذيّل إسمه في كل سجاد من الصوف العميمْ

ويبيعه للباشواتِ وللملوك لكل ذي شأن عظيمْ

كانت زبائنه تقول:

لا لا يحل هنا الشتاءُ

ولا يطيب لنا الجلوس بأرضنا

إلا إذا افتُرشت بسجاد من الأصل الكريمْ

فهو الفِراش إذا ننامُ

هو البِساط إذا حلمنا سوف يرفعنا يطيرْ

كالسندباد الى بلاد من حريرْ

كانت زبائنه تقولْ:

سجادكم دفء وموسيقى المطرْ

لا لم تَحُكْه أناملٌ لكنما أوتار عود في السحَرْ

سجادكم ستر لأرض عاريةْ

سجادكم حبل الوصال يشد عائلة اذا اقتربت لتلك الهاويةْ

فتراهمُ يتجمعون لشاي هالٍ في الظهيرةْ

سجادكم نقش المجرة لا نسميه الحصيرةْ

انا حائك السجاد في السوق القديم

وورثت صنعتي الجميلة عن أبي

عد يا أبي

لترى الزمانْ

لا لم يعد مِنوالك الذهبي والفضي في هذا المكانْ

ذهب الكرام

أتى اللئامْ

والآلة ابتعلت يديكِ

وصار سجاد البيوت كأهلها خيطا ضعيفاً واهيا

والعُثَّة انتشرت وأفسدت المحافير العتيقةْ

***

عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

................

- المحافير بلهجة الموصليين هي الزوالي بلهجة البغداديين وهي السجاد

خـرجَ الـحـمـارُ بـبـرذعَـهْ

وأتـــى لــنـا بـمُـــــرقّـعَـهْ

*

نُـسِـجَـتْ فـأشـكَلَ نـسـجُها

لا يــدري أيـنَ مُـصَـنّـعَـهْ

*

والـفـاســدون تـهَـلّـلـوا

رفـعــوا الـــيـهِ الـقُــبَـعَـهْ

*

وعـدوهُ عـيـشًـا واعِـدًا

ورفـاهَـةً فـي الـمَـزرعَـهْ

*

لِـيَـعـيـشَ أكـرمَ عـيـشـةٍ

طـولَ الـفـصـولِ الاربـعَـهْ

*

لا هَــمَّ لا تـعــبًـا يـرى

وعــــدًا عـلـيـهِـمْ قـطَـعَـهْ

*

مِـنْ رُبـعِ قَــرنٍ هــكـذا

أبـو صـابـرٍ في الـمَـعـمَـعَـهْ

*

يَـمـضـي ويَـنـطِـرُ آمـلًا

مُـتَـأمِـــــــلًا مَـنْ خــدَعَـهْ

*

أبـو صــابـرٍ في حـالـهِ

يـبـقى حِــمـــــارًا إمّـــعَـهْ

*

والـبـرلـمـانُ حِـكــايَـةٌ

فـيـها الـفـصـولُ مُـنَـوّعَـهْ

*

مِـنْ رُبـعِ قَــرنٍ مَـنْ بـهِ

أعـمـــــــالُــهُ مُـــوزّعَــــهْ

*

في راتــبٍ وحِـمــايـةٍ

وحَـصــانَــةٍ مِـنْ زعـــزعَـهْ

*

وتـقـاعـدٍ عـنْ خـدمَــةٍ

قـدْ سُـجِــلَـتْ هي مَـضــيَـعَـهْ

*

ومَـعَ الـخِـتـامُ قـصـيـدتـي

سَــكَـبَـتْ حـروفي الـمُـوجَـعَـهْ

*

وبـهـا نَـثـرتُ مَـشـاعـري

حُـــبًّـا ونـفـــسـي مُــــولَــعَـهْ

*

في أنْ أقـولَ صـراحــةً

لا شــيء يُــــرجى لا دِعَـــهْ

*

مِـنْ بــرلــمـانٍ مَــنْ بــهِ

آتٍ لأجـــــلِ الـمَــنــفــــعَـهْ

*

والـكــلُّ فــيــه يــدّعـي

وطــنــــيّــةً مُــتَــصــــدّعَـهْ

*

وأرى الــعــراقَ بـشـعـبـهِ

وطــنًــا عُـــراهُ مُــخَــــلّــعَــهْ

*******

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / كوبنهاجن

الجمعة في 28 تشرين ثاني 2025

في حقل أخضر فسيح، كنتُ أركض كأن الأرض تُفتح لي طريقًا من ضوء. جدائلي الشقراء تتطاير خلفي مثل أثرٍ من موسيقى، وذراعاي تمتدان كجناحين طليقين، يصافحان الهواء ويستدرجان النسيم إلى لعبة سرّية. كان فستاني الصغير، المُزهر كحديقةٍ مصغّرة، يرتفع بخفّة كلما قفزتُ، كأنه هو الآخر يريد أن يطير.

*

لم أكن أعرف لماذا يلمع العالم كله بتلك الطريقة، ولا لماذا كان العشب يضحك تحت قدمي. كل ما كنت أعرفه أن شيئًا ما في روحي يتّسع، كما لو أن طفولتي تتحوّل إلى طائر يريد أن يفلت من قبضتي.

*

ثم رأيته.. خيطٌ طويل، يمتدّ بين العشب كأن الأرض تبوح بسرّها. انحنيتُ نحوه، لامسته برعشة دهشة، ثم بدأت أتتبعه. كان ينساب أمامي كنبضٍ خفيّ.. حتى انتهى فجأة إلى طائرة ورقيّة ترتجف في السماء. قبضتُ على الخيط بقوّة، ورفعتُ الطائرة أعلى.. أعلى.. كانت ترتفع كلما تشبّثتُ بها، وكأنها ترفعني معها، تجذبني إلى سماءٍ أعشقها، و أريد بلوغها..

*

وفي اللحظة التي شعرتُ فيها أنني أكاد أغادر الأرض، انقطع شيء ما.

فتحتُ عينيّ،

لم تكن السماء فوقي، بل سقفٌ أبيض باهت. ولم يكن الخيط في يدي، بل طرف لحاف سريرٍ بارد . أنفاسي تتردّد في صمت الغرفة، وأصوات أجهزة خافتة تطرق أذني كأنها خطواتٌ بعيدة.

*

نظرتُ إلى يدي المرتجفتين.. ما زالتا تقبضان عليه كما لو أنه آخر ما تبقّى من ركضي بين الأعشاب.

*

هناك - عند حافة الوعي - كانت الطائرة الورقيّة تبتعد، تتلاشى. وكنتُ أمدّ يدي نحوها، لا لأمسك بها، بل لأمسك بتلك الطفلة التي ركضت في الحقل ذات يوم.. الطفلة التي بدا لي، فجأة، أنني ما زلت ألاحقها منذ زمنٍ طويل.

*

طفولتي.. كانت هي الطائرة الضائعة. وأنا - هنا، على سرير المستشفى - لم أكن سوى امرأة تُحاول أن تستعيد خيطها الأخير قبل أن يضيع في الريح..

***

مجيدة محمدي

إنْ هيَ إلّا سنونُ قهرِ

فاسْتَرخِ وارمِ وراءَ ظَهْرِ

*

ألحيّ مُضحٍ بجوفِ قبرِ

والميْتُ فيها طويلُ عُمرِ

*

ألحرُّ باكٍ لنيلِ جُحرِ

والعبدُ لاهٍ بأمرِ قُطْرِ

*

ألفوزُ مِنها بعبِّ تمْرِ

يسْتلزمُ المْشيَ فوقَ جَمرِ

*

والأخذُ منها بغيرِ حصْرِ

ما كانَ إلّا دليلَ حقْرِ

*

ألصّفرُ معْها أجيرُ شطرِ

والشّطرُ يحيا أجيرَ عُشرِ

*

وما علا الصّفرَ دونَ أجرِ

بقاهُ رهنُ زكاةِ فِطْرِ

*

ألجهلُ فيها وزيرُ قَصْرِ

والعلْمُ مُلقىً وراءَ بحرِ

*

والقَولُ حصرًا لدارِ كُفْرِ

والسَّمعُ مِنْ شانِ دورُ ذِكْرِ

*

ألسّيرُ عنها افتتاحُ نصرِ

والمُكْثُ فيها ابتداءُ خُسرِ

*

أكلّمُ اللهَ كلَّ فجرِ

ألّا يرُدَّ يدًا لصَبْرِ

*

دعا عليها بقَصْر عُمْرِ

ليَشْتَفي صدرُ كلِّ حُرِّ

*

أمّا لهُ فبطولِ عُمرِ

حتّى يواسيَ كلَّ قَبْرِ

***

أسامة محمد صالح زامل

حدث ذلك في السليمانية… المدينة التي تعلّمت أن تدفع ثمن كرامتها بلا تردد، وأن تبقى صامدة بوجهٍ مرفوع. كان الفجر يتسلّل خجولًا على أطراف البيوت، والليل ما يزال يجرّ عباءته الثقيلة بين الأزقة، حين شقّ الصمت صوتٌ معدنيّ قاسٍ. هليكوبتر تهبط واطئة، تخدش بظلّها جدران المدينة، وتنفث من مكبّر الصوت صرخة آمرَة: "أيها المواطنون … يُمنع التجوال منعًا باتًا حتى إشعار آخر. سلّموا الخونة والمجرمين." ارتجف جسدي قبل أن تفتح عيناي وعيهما. كلمة "الخونة" كانت القناع الذي ترتديه السلطة كلما أرادت أن تستر خوفها من أي قلب يجرؤ على الرفض. شعرتُ أن النداء موجَّه إلي وحدي، وأن نبضات قلبي يمكن أن تُفهم كجريمة تستحق العقاب. لم أملك وقتًا للتفكير. أسرعت نحو كومة المنشورات الممنوعة. لم تكن مجرد أوراق؛ كانت شراراتٍ من الحقيقة تكشف وجه السلطة وتذكّر الناس بما سُلب منهم. لملمتها بيدي المرتعشتين، وهرعت إلى الحديقة الخلفية حيث شجرة الرمان العتيقة. حفرت تحت جذورها حفرة صغيرة، وضعت الأوراق فيها بحنانٍ كمن يُخفي أبناءه عن أنياب الذئاب، ثم عدت التراب كأنني أدفن جزءًا من روحي على أمل أن ينهض يومًا. كنت مختفياً منذ سنتين في بيتٍ مهجور يتقاطع مع بيت جيراننا الطيبين. بيتٌ متروك منذ سنين، أثاثه مغطّى بطبقة سميكة من الغبار، وصمته عابقٌ برائحة الغياب، كأنه لا يعرف معنى الحياة. الغرفة الوحيدة التي كنت أستخدمها… كانت تحمل أثر دفءٍ غامض، كأن أحدًا عاش بها زمنًا ثم اختفى. ولأنني كنت أعلم أن العيون تُفتّش في التفاصيل، قلبتُ ملامح الغرفة، ونثرت عليها مظهر الخراب حتى لا يظنّ أحد أن إنسانًا مرّ بها. ثم تسللت إلى المخبأ السري في الطابق السفلي. باب ضيّق مموه ببلاطات تشبه الأرضية لا يزيد عرضه على خمسةٍ وعشرين سنتيمترًا، وطوله خمسون، يفضي إلى فراغٍ بالكاد يكفي لزحف الجسد.

متر واحد ارتفاعًا… متران طولًا… قبرٌ بلا نافذة ولا سماء.

تسللت إليه وكأنني أعبر ولادةً بطيئة نحو عالمٍ بلا هواء. ظهر عند الباب الفتى ذو الملامح الهادئة—ابن الجيران، ابن السادسة عشرة — بعينين تجمعان براءة الطفولة وثقل الخوف. كان يعرف أن هذا البيت مهجور، وأن وجودي فيه يمكن أن يبتلع عائلته كلها في دوامة الانتقام. ومع ذلك أغلق الباب المعدني عليّ، ورتّب فوقه الفرشة والسرير الخشبي ليُخفي أثر المدخل، ثم اختفى… وبقايا طفولته ترتجف على كتفيه. كان حضوره وعدًا بأنني لست وحدي… وأن شجاعةً غير مرئية تحرس هذا القبر الضيق.

توقف الزمن. كل دقيقة تحولت إلى دهْر. وعند الحادية عشرة صباحًا، دوّى انفجارٌ عنيف.

ارتجّ المخبأ وسقط الغبار من السقف كأن البيت ينهار فوقي.

اقتحم رجال السلطة الدار… وقع أحذيتهم الحديدية يهزّ الأرض، وصوت أسلحتهم يطعن السكون.

سمعت صراخهم يأمر الفتى بالإجابة، وسمعت صوته الهادئ يردّ بثباتٍ عجيب… رغم أنه يعرف مكاني، ويقف فوق قبري الإسمنتي مباشرة.

امتد الخوف في عروقي كأفعى.

جفّ حلقي، وضاق صدري، وصارت الرئة تستجدي هواءً لا يأتي.

ولم يكن خوفي حينها من أن ينكشف أمري، فالموت كان يبدو أحياناً خلاصاً من هذا الرعب، بل كان رعبي كله على عائلة الفتى الطيب؛ كنت أعرف أن قبضهم عليّ تعني لهم هدم البيت وإبادة العائلة بأكملها، جزاءً على إخفائي. كلّ شهيقٍ وزفيرٍ مني كان فضيحةً تكفي لقتلي، كأنّ أنفاسي وحدها جريمة تستحق الموت، فكتمتها حتى كادت رئتاي تنفجران. وعندما خفتت الأصوات فوق رأسي، وساد صمتٌ مخيفٌ يوحي بالرحيل، دفعتُ باب المخبأ قليلًا، فتحت شقًا ضيقًا، ابتلعت جرعة هواء، ثم أعدت إغلاقه بسرعة. لم أكن وحدي تماماً في هذه العتمة، ففي الساعة السادسة مساءً، سمعتُ طرقاً خفيفاً على السرير الذي يغطي المدخل. كان هو، الفتى الصغير، يتسلل في صمتٍ يحمل في عينيه بشائر النجاة. همس لي بأن حظر التجوال قد رُفع، وأنهم أعلنوا ذلك في مكبرات الصوت. بساعديه النحيلين، اللذين حملا من الشجاعة ما يفوق الجبال، أزاح السرير والفرشة، وساعدني على الخروج من ذلك القبر الإسمنتي. نظرتُ إليه بعينين دامعتين، أدركتُ فيهما حجم الخطر الذي خاضه مرتين لأجلي، فصمتنا معًا كان أبلغ من آلاف الكلمات. كان جسدي مثقلًا بالغبار، وروحي مثقلة بما هو أعمق من الغبار والتراب. لكن المدينة لم تستقبلني. كانت مشدودة الأعصاب، يقطع صمتها صراخ الرصاص من جهة الحامية العسكرية، وكأن الغروب نفسه يُقاد إلى المقصلة.

لاحقًا عرفت حجم الفاجعة:

شبابٌ أبرياء فرّوا من جحيم الحرب العراقية–الإيرانية… أُعدموا بلا محاكمة. بيوت هُدمت.

عائلات اقتيدت إلى مصير مجهول… اختفوا كأنهم لم يولدوا.

وقفت في ذلك البيت الموحش، أتأمل الجدران التي احتضنت رعبي وصمتي.

ظننت أنني خرجت من المخبأ… لكن الحقيقة أنني لم أخرج منه قط.

مدينة مغلقة ببابٍ من إسمنت الوعود الكاذبة… بلا نافذةٍ تطل على الحرية.

***

قصة قصيرة

سهيل الزهاوي

 

حسناءُ يا نَفَسي تَفَـــــــاقَمَ ضِيقي

وكَوَى النَّوى حَرْفي وانضَبَ ريقي

*

وتـــوالت الأحــداث يحمِلُ بعضها

بعضًا وتعصِفُ لاعتِــرَاضِ طريقي

*

فَتُغُيرُ قـــــــــافيةُ اللئـامِ بجيشها

لِتُصِيبُ مِنِّي مَعَـــــــادني وبريقي

*

وتَصُبّ في سَمْعي سُعَار صدورها

كــي لا أَرَى ماذا يحِيـكُ صديقي!

*

أوْهَمْــتُ أقـــراني بــــــأني مَيِّتٌ

وبأنَّ سيـفي مـات مِنْ تَصديقي!

*

كي يَطْمَئنـوا ويشْتِمُــــوني لأنَّني

يومًـا كَفَــــرْتُ بِنَـــاعِقٍ... ونَهـيقِ

*

وغَسَلْتُ (سُلطاني) بوعيٍ طاهِرٍ

مِنْ رِجْسِهِـــــمْ وصَفَاقَة التلفيقِ

*

مـا أغنى عنهم جاههمْ وجيوبـهم

ولُهــــــــاثهم بقرائِــــــحٍ ونَقِيقِ!

*

إنَّ الرِّخَاص - وإنْ تَحَالَفَ رُخْصهمْ -

فقدوا (بَكَــــارَتهمْ).. بلا تَسويقِ !

*

أنا ربهمْ.. فليعبدوا (نَعــلي) الذي

بهِ أستَحِلُّ رِقَـــــابهمْ كـ(ـرقيقِ)!

***

محمد ثابت السُّمَيْعي

٢٠٢٥/١١/٢٠م

 

تؤرقك نظرات مفجوعة،

محفوفة بالحيرة، مشكوكة

مؤطرة بخيوط الزمكان،

منسوجة بتقلبات التضاد

وأنت تحدق فوق الأسوار،

ترى ما لايرون..

أيا عجبا

من به طرق

لا ينأى بنفسه عن نهم اللهفان،

وقهقهة المراق

تروم يا سنمار (١)

انشاء قفص للأحلام

فيه يغذي بدم الشعراء (٢) الغربان

ولو عادت الكرة وسنحت بالقيام

ستشرئب الى تلك القبة وسراديبها

وستشرب من نفس الأواني المكسورة

التي امتلأت بماء الحياة يوما

لتروي مليون برعم (٣)

اصطفت على ضفاف دجلة

منتظرا حليب جواميس ميزوبوتاميا

ألا تلفك حسرة الظمأ حين تراهم؟

وأنت تشاهد شقوق شفتي الفرات

سيول الدم تنزف وهي باقية على العهد

لا تنطق بحرف ولا توشي بأسرار العابرين

من ترح الأوباش الى مآتم وديان الجفاء

مبصرين، في أحضانها راقدون..

ها هو ابن الجرابعة (٤) يلوح من هناك

أمير، مسجون في قصرك

***

سوران محمد

.....................

احالات الرموز:

لا تكترث بهذه الحواشي (فطالب الحواشي  ما حوى شي)، فهناك من رأى: بأن الحاشية أخطر من الملوك وهي التي تستطيع ان تجعل الأسود في عين سيده أبيضا، كما قال د. علي الوردي: فاذا هاج الناس يريدون خبزا قالت الحاشية عنهم أنهم يريدون البقلاوة.

١- المهندس البيزنطي لقصر ذي الشرفات يقع في سنداد (القادسية) ناحية المناذرة، جنوب غرب حروراء.. سنمار، بكسر السين و النون وتشديد الميم. هنا تم التعاطي مع المثل (جزاٶه جزاء سنمار) من زوايا مغايرة، وتم استخدامه رمزا.

٢- الشاعر عبيد بن الأبرص، من فحول الجاهلية.

٣- رضع، قضوا حتفهم برأس قلم بتوقيع (أولبرايت ١٩٣٧-٢٠٢٢).

٤- عبد الرحيم الجرابعـة، الذي سود وجه يوم الأربعاء المصادف ٢٨/٥/٢٠٢٥.

مَرْيَمُ…

فَاكِهَةُ الأَقْدَارِ،

أَوَّلُ بَعْثٍ لِلْمَعْنَى،

آخِرُ حُلْمٍ

يَسْكُنُ دَالِيَةَ الأَشْعَارِ.

*

تُسْكِنُنِي فِي مُقْلَتِهَا،

تَحْضُنُنِي فِي دُمْيَتِهَا،

وَتَمْنَحُنِي لَحْنَ الأَوْتَارِ.

*

مَرْيَمُ… تَكْبَرُ فِي المَعْنَى وَتَسْأَلُنِي:

يَا أَبَتِي، كَيْفَ نُرَمِّمُ هٰذَا البَيْتَ—

بَيْتَ العَرَبِ المُنْهَارِ؟

*

أَتَعَرَّى مِنْ فَرَحِي،

يَرْتَبِكُ القَلْبُ… وَيَحْتَارُ.

أُقَلِّبُ أَوْرَاقِي،

أُجَمِّعُ أَشْلَائِي،

وَأَجْتَرُّ حُزْنِي المُخْتَارَ.

*

أَبْحَثُ فِي الآتِي، وَفِي الحَاضِرِ،

وَفِي الزَّمَنِ الغَابِرِ

عَنْ شَيْءٍ مَا…

عَنْ حَبْلٍ فِي فَوْضَى الغَارِقِ،

عَنْ نَفَسٍ فِي جُرْحِ الشَّارِقِ،

عَنْ قَبَسٍ مِنْ جَمْرٍ حَارِقٍ…

أَتَلَوَّى فِي الزَّمَنِ المَارِقِ،

يُدْمِينِي الصَّمْتُ البَتَّارُ.

*

يَا مَرْيَمَ… يَا قِبْلَةَ رُوحِي،

يَكْفِينِي الحُزْنُ الأَبَدِيُّ،

نَايَاتُ الغُرْبَةِ تَكْفِينِي

فِي هٰذَا الزَّمَنِ العَبَثِيِّ.

*

فَلْيُفْتَحْ قَلْبُكِ لِلْوَرْدَةِ،

لِتُعَطِّرْ دُنْيَا الأَطْفَالِ؛

فَالعَرَبُ اليَوْمَ بِلَا مَرْكَبٍ،

فِي لُجِّ اليَمِّ بِلَا مِجْدَافٍ،

أَعْجَزُ مِنْ عُصْفُورٍ

كَبَّلَهُ المُنْدَافُ.

*

مَرْيَمُ—مِنْ حَيْرَتِي—تَحْتَارُ،

وَتُعِيدُ الكَرَّةَ… تَسْأَلُنِي:

يَا أَبَتِي، مَنْ هَدَمَ الدَّارَ؟

أَالصَّمْتُ الرَّابِضُ يَا أَبَتِي؟

أَمْ زَمَنُ الخَيْبَةِ وَالعَارِ؟

أَمْ نَزْوَةُ بَعْضِ الأَشْرَارِ؟

*

أَتَلَعْثَمُ…

وَأَنَا المَخْنُوقُ بِمَا أَعْلَمُ.

وَأَقُولُ لِمَرْيَمَ:

يَا مَرْيَمُ…

*

الكُلُّ تَوَاطَأَ فِي زَمَنِي،

وَالفُرْقَةُ—

قَلْبُ الإِعْصَارِ.

***

بِقَلَمٍ: سُلَيْمَان بْن تَمَلِّيْسْت - تونس

..............................

ملاحظة: مريم المذكورة في القصيد هي ابنتي.

 

من سخريات القلم أن تجيد الكتابة عن هموم الآخرين، وما تنثره أيامهم في شارع الحظ السيء من بقايا أحلام وأماني ذابلة. لكن حين تغرف من قدر التعاسة مصابا أو نكبة أو جرعة هموم، فإن هامش الإفصاح يضيق؛ لاسيما إذا كنت ممن يأنفون الإقرار بأن فارس القلم قد يترجل، وأن شباك الهموم لا تميز الخبيث من الطيب!

أمي معلمة، لذا لا أخفيكم ضجري من تقليب صفحات المعجم حتى تولد حكايتي هاته مبرأة من كل خطأ إملائي أو زلة نحو؛ إلا ما اقتضته المشيئة من سهو. فنحن، أبناءَ المعلمين، موصوفون في الذاكرة الطفولية الهشة بالقرب من معين الضاد، والسلامة من التأتأة والفأفأة وعقد اللسان.

 كنت الابن الثاني الذي ركل أحشاءها في حجرة الدرس، ولم يشأ التريث حتى تتشرب العقول الصغيرة حكمة انفراد الله بالخلق. وفي بلدة لا تبلغ فيها سيارة الإسعاف موقع الحادث إلا بعد انفراج الأزمة، تولى عون حراسة نقلها إلى المركز الصحي على عربة، حين بلغ وجع المخاض أشده.

أمي تؤمن بأن أداء الواجب ممر سحري إلى السكينة، وإلى قلوب صبية يعولون عليك هنا للإفلات من الضنك. يغبطني بعضهم لأنني ابن معلمة، فأمثالي ممن يولدون وفي فمهم ملعقة فضة، لا يليق بهم أن ينحتوا الصخر لأجل لقمة العيش. وحدي كنت ألوك في الصدر مرارة لا يبدد غيمتها سوى جدة تولت مكرهة دور الحاضنة.

وجدتني، بعد أن لفظني الرحم الدافئ، مكورا على سرير أرجواني، بين أب ملّ من الترقب، وبذل وسعه لرشوة من يبدد لعنة الجغرافيا، وبين عجوز تلهج دبر كل صلاة بدعوات لرفع الكرب، والرأفة بزوجين لا تجمعهما غير خطوط الهاتف، أو عطل متناثرة كوميض برق في ليلة داجية!

تمضي الأيام باردة ورتيبة. لا يربك مألوفها غير وجه مدور ومشرب بحمرة خفيفة. يتطلع إلي بلهفة، وُيمطرني قبلا ودموعا ساخنة تبلل قماطي ثم يغيب.

أمي معلمة، لذا لن تستغربوا إصرارها على أن أحصد علامات جيدة في كل الامتحانات. ليس حبا في المعرفة بكل تأكيد، وإنما لجما للهمز واللمز، و"الطنز" الذي يجعل منها أضحوكة البلدة.

مرت طفولتي يابسة كعود قصب. لا روح فيها ولا شغب. بل حُرمت حتى النزق الخفيف الذي لا يسلم منه كل ابن مهذب. وحين يتملكني ميل جامح إلى العبث كأقراني بجر القطة من ذيلها، أو الركض نصف عار في الساقية المحاذية للمسجد، فإن الأوامر تصدر بحجزي في غرفتي حتى أذعن مجددا للسياج الشائك الذي يفصلني عن أبناء البسطاء.

 رجاء، لا يسئ أحدكم الظن أو يبصق على الأرض تشفيا، فأمي لم تخلق من صلصال العجرفة كزميلتها الفاسية التي تشبه عروس قصب؛ بل هي سليلة الكدح اليومي لعامل بناء آلى على نفسه أن يحشر صبيته الأربعة في سلك الوظيفة طوعا أو كرها. إذ لا قيمة للمرء برأيه، ولا صون لماء الوجه إلا بالدخول تحت معطف "المخزن". كل ما في الأمر أيها السادة أن لأمي حساسية مفرطة إزاء معالم "الزلط " الذي حضهم الجد على الفكاك من أسره.

صحوت اليوم على زغرودة وصلوات على حضرة النبي. الأب العائد للتو من العاصمة يفك أزرار قميصه، ويسحب من جيب سرواله منديلا ليمسح رقبته. ساورني شعور بالخوف وأنا أترقب ما ستنفرج عنه شفتاه من أنباء. تبسم وهو يفرك أذني بأصابعه ثم همس قائلا: - - بعد شهر ستنضم أمك إلى قائمة المعلمين بمدرستك. ما رأيك، أليس خبرا سارا؟

ندت عن الصدر زفرة مغبون ثم رفعت بصري إلى السماء لأهمس بما لا يجدر بالوالد سماعه:

-  يا الله ..رجاء .. مهلة أخرى.. لا تسمح لها بالمجيء الآن! 

***

حميد بن خيبش

 

إهداء الى أخي مهند الساعدي

***

تمادى فـــــي قســـــاوتهِ اغتــــــــرابُ

وقلبي فـــــي هوى وطنـــــي مُــــذابُ

يعذّبنـــــي حنيـــــــــــنٌ واشتيـــــــاقٌ

إلـــــى أهلــــي فهل يُنهـــى العــــذابُ

قصدتُكَ يــــا مهنّــــــدُ والليــــــــــالي

رمـــــــتْ بسهــــامها وأنا المُصــابُ

ألملمُ ذكـــــريــاتٍ مــــن زمــــــــانٍ

مضى عَجـِـلاً كمـــا يمضي السحابُ

وأبحثُ دون جـــدوى عـــن صحابي

لقـــــــد رحــــلوا وضمّهــــمُ الترابُ

أتيـــــــتُ لأستريحَ من المنافــــــــي

وكـــــــلُّ مُســافـرٍ ولـــهُ إيـــــــــابُ

لأنشــدَ لحــــــنَ غرّيــدٍ تخلّـــــــــى

عــــــن التغريدِ إذْ نعـَقَ الغـــــرابُ

وبي حُلُــــــمُ الطيورِ بروضِ عشقٍ

فروضُ العشقِ حـــلّ بهِ الخـــرابُ

أنـــــــا السكرانُ والاشواقُ خمري

فلا كـأسٌ هنـــــاكَ ولا شـــــــرابُ

كتـــــابُ العشـقِ مفتوحـــــاَ سيبقى

يصاحبني ولـــنْ يُطـــوى الكتــابُ

***

مهنّـــــدُ يـا أخــي أشكوكَ حـــالي

ومــا حـــالٌ تدومُ ولا شبــــــــابُ

وإنّ المرء بعــد الموتِ يحيــــــــا

بذكــرٍ ليسَ فيـــــهِ مـــــــا يُعــابُ

اتيتكَ والمشاعـــرُ جائشـــــــــاتٌ

ومن فرط الهوى فيّ اضطــرابُ

أحدّثُ شاردَ الافكــــــار نفســــي

كفــاكِ تغرّبــــا طـــالَ الغيـــــابُ

فـــلن ارضــى بأنْ احيا غـــريباً

وفــي روحي الى وطني انجذابُ

الى النجـــفِ المفدّى جئتُ أسعى

إلى ارضٍ تنوّرهـــــا القبــــــابُ

قبـــابٌ صرنَ تذكـــاراَ لقبـــــــرٍ

بــه ِ قدْ وُسّدَ الأســــدُ المُهــــابُ

علــــيٌّ ناصرُ الضعـفاءِ رمز الـ

ـعدالـةِ مـــنْ أشــادَ بهِ الكتـــــابُ

حكيــمٌ طلّقَ الدنيـــــا ثــــــــلاثاَ

حفظتُ كلامـهُ وهـــوَ الصـوابُ

نيــــــامٌ نحنُ نصحو بعدَ مــوتٍ

لندركَ أنَّ دنيــــــانا ســـــــرابُ

***

أجلـــــكَ يا أخي شهمـــاً كريماً

لــــهُ الأغيارُ تشهــدُ والصحابُ

ترفّعَ عــنْ مــديحٍ أو ثنــــــــــاءٍ

وإنْ وهَبـــتْ يداهُ فلا حســـــابُ

وهذا الجودُ طبــــعٌ فيكَ تُعطــي

وتكرمُ مثلمـا يهمي السحـــــابُ

فمـــاذا يـــا مُهنّـــدُ عنكَ أروي

وفضلكَ ليـــسَ يحصرهُ خطابُ

مزايـــــا فيكَ لو حدّثتُ عنهـــا

فلــنْ يكفــي لواحــــدةٍ كتـــــابُ

وجــدتُكَ فوقَ ما تصفُ القوافي

فأخرسَ مقولي العجـَبُ العجابُ

جميلك فــــاقَ تقديري وظنّـــي

وتقصيري تنوءُ بـــــهِ الهضابُ

ولستُ مُعاتبــاَ أحـداَ لعجــــزي

فمنْ نفسي على نفســــي عتابُ

تقبّلْ هــــذهِ الأبيـــات منــــــي

وأجْــرُكَ عندَ ربّكَ والثــــوابُ

وما لي غيـرأن أدعـــو بخيــرٍ

علـى أمــلٍ دُعــائي يُستجــابُ

***

جميل حسين الســـاعدي

مَسحورٌ بِهَمْسِ الرِّيحِ يَخترِقُ الْمَدَى

فَيَذوبُ صَوْتِي فِي الْفَضَاءِ مُسَافِرَا

وَأُمَدُّ لِلْأَنْوَاءِ نَافِذَةً تُشِعُّ،

فَيَعُودُ رُوحِي مِنْ خِطَابِ الْعَوَاصِفِ مُنَوَّرَا

2

أَنْقُشُ لِلْعِشْقِ انْبِعَاثَ حِكَايَتِي،

وَأَصُوغُ مِنْ شُعَلِ الضُّلُوعِ مَسَارَهَا

وَأَخُطُّ فِي لَيْلِ الْمَسَافَةِ نَبْضَنَا،

وَأُطْلِقُ النَّجْمَ الْبَعِيدَ مُبْتَدِرَا

3

يَغْتَسِلُ الصَّبْرُ الَّذِي شَاخَ الْأَسَى فِيهِ،

وَيَرْفَعُ حُلْمُنَا لِلْغِيَابِ أَعْتَابَهُ

فِي منْفَايَ يَصْعَدُ مِنْ دَمِي ضَوْءٌ،

فَيَمْحُو وشْلَ أَيَّامِي وَيَمْنَحُنِي سَبَبًا

4

أَمْلِكُ هُدُوءَكِ.. اسْكُنِي أَنْفَاسِيَا،

قَدَّسْتُ شَوْقًا فِي دُمُوعِي يَزْهَرُ

وَمَدَدْتُ رُوحِي فِي انْسِحَابِ حَنِينِهَا،

فَتَفَتَّحَ النُّورُ الَّذِي كانَ انْطَفَى ثُمَّ انْكَسَرَا

5

مَفْتُونُ نَبْضِكِ.. لَا أَرَى إِلَّا الضِّيَا،

تَتَصَدَّعُ الشَّمْسُ الْحَزِينَةُ فَوْقَ دَمِي

وَيَهِيمُ ثَعَبٌ فِي جِهَاتِ الرُّوعِ مُنْفَلِتًا،

وَيَمْشِي فِي شُرُوخِ اللَّيْلِ يَمْلَأُنِي نَغَمًا

6

أَبْسُطُ جَنَاحِيَ.. ثُمَّ أَلْثَمُ سُحُبَهَا،

وَأُمَدُّ ظِلِّي نَحْوَ سَهَرٍ مُقْمِرِ

تَحْتَ الْغَمَامِ يَنَامُ وَجْهُكِ سَاكِنًا،

وَيَفِيضُ لَيْلُكِ فِي الْفَضَاءِ كَمُنْبَعِ النَّوْءِ الْمُثْمِرِ

7

كُونِي سَكِينَةَ نَبْضِيَ الْمُتْعَبِ،

كُونِي طُيُوبًا تُسْكِرُ الرُّوحَ الْغَوَى

قُولِي لِقَلْبِي: "هَا أَنَا أَجِيءُ"،

فَإِنَّ دُخُولَكِ فِي الْمَسَافَةِ يَهْدِمُ الْمُنْحَدَرَا

8

قُولِي لِلْحُبِّ: "نَعَمْ".. أَوْ قُولِي: "هُوَ ذَا"،

فَالْمَدُّ يَخْمُدُ حِينَ يَغْتَالُ الْغِيَابْ

وَامْنَحِينِي حِينَ تَرْجِعِينَ حُظْوَتِي،

ظِلًّا يُعِيدُ لِلْحَيَاةِ تَعَبَهَا، وَالْعُودَ يَشْتَعِلُ اقْتِرَابًا

9

عَيْنَاكِ نَبْضُ النَّارِ فِي لَيْلِ الْهَوَى،

وَالْكَفُّ تَعْبُرُ فِي الْعَوَاصِفِ مُبْحِرَهْ

وَأَنَا الَّذِي مَا زَالَ يَسْتَوْقِدُ نَارًا،

تَأْتِي مِنَ الْغَيْبِ السَّمِيِّ وَتَرْفَعُ الرُّوحَ إِلَى مَجْرَاهَا

*

الكودا

يَا نَهْرَ رُوحِي.. أَيُّ وَجْدٍ أَلْهَمَا

فِي لَيْلِنَا نُورًا يُشِعُّ وَيَنْهَمِلَا

*

يَا سِرَّ عِشْقٍ فِي جَنَاحِ ضِيَائِهِ،

عَادَ الْجَزَعُ.. فَتَفَتَّحَتْ أَحْلَامُنَا وَانْبَهَلَا

*

هَذَا هُيَامِي.. لَا يُفَرِّطُ فِي النَّدَى،

وَيَسْقِينِي الشَّوْقُ الَّذِي لَا يَنْفَصِلَا

*

حَتَّى أَرَى رُوحِي تُحَلِّقُ نَاعِمًا،

فَوْقَ الزَّمَانِ، وَيَسْتَقِرُّ لَهَا السَّبِيلَا

*

نَهْرًا.. جَسَدًا.. قَصِيدَةً لَا تُفْنِي السّنَى،

تَبْقَى تُقَبِّلُ عُمْرَنَا.. وَتُعَطِّرُ الْأَبْدَ كُلَّهُ وَتَتَّصِلَا

***

د. سعد محمد مهدي غلام

يـا طِينُ، يا سِرَّ البِدايَةِ، عُدْتُ كَيْ

أَلْــقَـى بِـمَـكْنُونِ الـتُّـرَابِ يَـقِـينِي

*

كَـمْ ضِـعْتُ فِـي لُـغَةِ الـمَرَايَا باحِثًا

عَــنْ سِـرِّ مُـبْتَدَئيَ وَعَـنْ تَـكْوِينِي

*

الآنَ أُبْـصِـرُ مــا تَـغَشَّى خُـطْوَتِي،

وَأَرَى الـنِّـهَايَةَ فِــي مِـهَـادِ الـطِّينِ

*

أَنَـا ذَلِـكَ الإِنْـسانُ، ما حَمَلَتْ يَدِي

غَــيْـرَ الـسُّـؤالِ، وَمِـثْـلَهُ يَـحْـوِينِي

*

أَبْـصَرْتُ مَـوْتِي فِـي الحَيَاةِ، فَها أَنَا

أَحْــيَـا لِأَكْــتُـبَ لِـلْـفَـنَاءِ سِـنِـيـنِي

*

مــا كُـنْـتُ أَدْرِي أَنَّ سِــرَّ وُجُـودِنَـا

أَنْ نَـسْـتَـفِيقَ، وَنَـكْـتَـفِي بِـظُـنُونِ

*

أُلْقَى عَلَى وَجْهِ المَدَى، فَتَضُمُّنِي

رِيــحٌ، وَيُـنْـسِينِي الـغُـبارُ حَـنِـينِي

*

لَـكِـنْ، إِذا مــا أُوقِــدَتْ نــارُ الـرَّجَا،

عـادَ الـتُّرابُ يُـضِيءُ فَـوْقَ جَـبِينِي

*

يـا رَبَّ هذَا الوَهْمِ، عَلِّمْنِي الرُّؤَى،

وَاجْـعَلْ هُدُوئِي سَجْدَةً فِي الدِّينِ

*

قَـدْ أَيْـقَظَتْنِي الـنَّارُ، ثُـمَّ تَـبَسَّمَتْ

مِــثْـلَ الـعَـجُـوزِ، كَـأَنَّـهَـا تُـغْـرِيـنِي

***

عـبـدالـنـاصر عـلـيـوي الـعـبـيدي

تضيءِ القناديلُ بعضَ البيوتِ

وشارعَنا ذلكَ المنحني

وتجري بجرفِ النخيلِ المياهُ

سواقي بالحصر ِلا تنتهي

كأنّ مسارَ التراب ِ المزاحِ

على جانبيها بهِ تزدهي

فهبني نَسيتُ هبوبَ الرياحِ

وسطوتَها

في الزمانِ البهي

فإن بقايا الحروفِ انشراحٌ

تعوضُ جزءًا بما تشتهي

وتتركُ للشكِ وهم َالظنونِ

وتفتحُ أفقًا جميلًا بهي

كذلكَ (قالتْ لي الكائناتُ)

بأنا الي طينها ننتمي!!!

***

عبد الهادي الشاوي

 

حين خفّ هدير النزيف في جسد الفتاة، وهدأت الأجهزة إلى نبضٍ مُنتظم كأنها تستعيد إيقاع الحياة من حافة العدم، خرجت الممرّضة من الغرفة بخطواتٍ مترددة تحمل في جيب ردائها قلقًا كثيفًا، قلقًا لم يكن مما يُقال، بل مما يثقل الصدر كصخرةٍ صامتة لا يتبدّد ثقلها. كان الصباح يتأرجح بين سواد الليل وبياض الفجر، والممرّ الطويل يشبه مجرى نهرٍ هجره صوته، لا يُسمع فيه إلا أزيز خافت لأجهزةٍ تقاوم الصمت كما تقاوم الأرواحُ الهشّةُ الغرق.

في نهاية الممر، كانت امرأةٌ تجلس على مقعدٍ خشبيٍّ مُتآكل الحواف، تضمّ ذراعيها إلى صدرها كمن يحمي قلبًا يتشقق تحت وطأة الانتظار. وجهها شاحبٌ كأنما فَرَّ منه الدمّ إلى حيث لا رجعة، وعيناها الواسعتان لا تحملان سوى خوفٍ يتسلل منه الرجاء كما يتسلل الضوء من نافذةٍ مُغلقة. عرفت الممرّضة، دون أن تسأل، أنّها الأم؛ أمٌّ أنهكها الزمن وجرّح الانتظار في ملامحها خطوطه العميقة.

اقتربت منها بابتسامةٍ متعبة، تُخفي وراءها اضطرابًا لم يُفلح عقلها في تهذيبه، وقالت بكلماتٍ مقتضبة إن الحالة استقرت وإن الخطر تراجع قليلًا. لكنّها لم تذكر شيئًا عن الحرز. لم تستطع. ثمة يدٌ غامضة غير مرئية كانت تُغلّف الكلمات وتمنعها من الخروج. شعرت أن السر لم يعد ملكًا للفتاة وحدها، بل صار وديعة مشتركة بينها وبين قدرٍ مبهم، بين الرحمة التي تحاول أن تحيا، والمصادفة التي تضرب بلا إنذار.

أخرجت الاستمارة وبدأت تسأل الأم بالهدوء المعتاد في مثل هذه المقابلات:

– الاسم؟

– حياة عبّود.

– العمر؟

– أربعة عشر عامًا.

ثم أضافت الأم بصوتٍ يكاد ينكسر:

– متزوجة… ولم تُرزق بعد بأطفال.

توقفت الممرّضة لحظة، كأن الزمن انكمش حولها. أربع عشرة سنة فقط؟ كانت الجملة تتردّد داخلها كصفعة باردة. كيف تحمل طفلةٌ هذا القدر من الوجع؟ كيف يسع العالم أن يضع هذا الحمل في صدرٍ لازال غضًّا؟ تمتمت ببضع عبارات رسمية وانسحبت، لا تهرب من الأم، بل من الشعور الذي نما داخلها كشوكةٍ مسنونة.

* في غرفتها الصغيرة عند طرف المستشفى، حيث الليل ينسحب متثاقلًا كجسدٍ هرم، جلست الممرّضة ايفا أمام طاولتها وأخرجت من جيبها الحرز. كان قطعة جلدٍ باهتة تفوح منها رائحةٌ تشبه الغبار المختلط بأنفاس الذاكرة، وحولها خيوط خشنة كأنها بقايا خيطٍ تشبّث بالحياة قبل أن ينقطع. تأمّلته طويلًا. لم يكن محض تعويذة. كان فيه أثرُ نبضٍ قديم، أو ربما ظلُّ خوفٍ لامسته أصابع طفلةٍ تسلّلت إلى عالمٍ أكبر من قدرتها.

تساءلت في سرّها:

ما الذي يدفع طفلة على أعتاب المراهقة أن تتمسك بهذه القطعة كما يتمسّك الغريق بخشبةٍ متهالكة؟

أهو أثر أمٍّ غابت؟ أم عهدٌ صغير لقصّة حُب وأدها الزمن؟ أم خرافة تغزلها الروح حين لا تجد ما تسند به نفسها سوى قطعة جلدٍ ظنّها الآخرون بلا قيمة؟

لكنها لم تجرؤ على حلّ عقدته. شعرت أن فتحه دون إذن صاحبته خيانة لروحٍ أُنهكت بما يكفي. ضمّته بين يديها لحظةً، كأنها تمنحه بركتها أو تستأذنه أن يبوح لها قليلًا مما يُخفيه. وفي الوحدة التي لا يُسمع فيها إلا صرير قلمها، أدركت أن كل إنسان في هذا العالم يحمل حرزًا خفيًّا، لا يُصنع من جلدٍ ولا قماش، بل من ذكرى أو وجع أو وعدٍ لم يكتمل.

عند بزوغ الضوء، حين غسل الفجر وجوه الممرضات المتعبات، أعادت الممرّضة الحرز إلى جيبها بخفة، كأنها تعيد قلبًا إلى صدره. شعرت أن هذا الشيء الصغير صار جزءًا من عالمها، شاهدًا على هشاشة البشر، وعلى قدرة الألم في جعل أبسط الأشياء معنىً يُقاوَم به الموت.

* في صباح اليوم التالي، حين توقفت سيارة "جيب" عسكرية أمام بوابة المستشفى، بدا صوتها المبحوح وكأنها تحمل سرًا أسود لا يريد أن يُقال. نزل منها رجلٌ متجهّم، في وجهه قسوة الصحراء وريبتها، يشدّ على بندقيته كمن يشدّ على فكرةٍ مريضة بالسلطة. دخل بخطوات تتعالى فوق البلاط كأنها صفعات، واتجه نحو موظفة الاستقبال يطلب رؤية ابنة أخيه وأخذها إلى البيت.

اتصلت الموظّفة بالممرّضة المسؤولة، فجاء صوتها من آخر الممرّ متعبًا لاهثًا. ظهرت بعد لحظات أمام الرجل، وقالت بصوت تحاول أن تخفي ارتعاشه:

"الحالة ما تزال خطيرة جدًا… هناك تمزّق شديد في جدار المهبل، والنزيف عاد بقوّة، وربما نضطر إلى عملية عاجلة. كما أنها في شبه غيبوبة."

قطّب الرجل حاجبيه وقال بغلظة:

"حياة تتمارض. هي تعرف كيف تخدعكم جميعًا. سأعود غدًا لأخذها… ولو كانت على فراش الموت."

وغادر، تاركًا خلفه تهديدًا أثقل من الهواء.

أسرعت الممرّضة إلى الغرفة، فوجدت حياة ترتجف، جبينها مبللٌ بالعرق، عيناها نصف مفتوحتين تُحدّقان في الباب كما لو أنه فم جحيم. كانت قد سمعت كل كلمة. الاقتراب من صوته وحده يكفي ليعيدها إلى مقبرة الخوف التي نجت منها بالكاد.

حملت إيفا ثوبًا نظيفًا لتبدّله بثوبها الملطخ بالدم. وعندما عجزت حياة عن رفع ذراعيها من شدّة الإعياء، اضطرت إيفا مع زميلتها إلى القص. وما إن انفتح الثوب حتى انكشفت ملامحُ مأساةٍ لا تُحتمَل؛ كدماتٌ زرقاء وسوداء وجروحٌ تتناسل فوق بعضها، كأن جسدها خريطة وطنٍ مزّقته الحروب.

شهقت الممرضتان، ثم تماسكتا، وأخذتا تنظفان الجراح بالماء والقطن. في تلك اللحظة لم تعودا مجرّد ممرضتين؛ كانتا شاهدتين على قسوةٍ تجد لها في الظل ملاذًا، وعلى طفولة تُذبح.

بعد أن ألبستاها الثوب الجديد ورتبتا فراشها، جلستا إلى جانبها يُنصتان لآهاتها الخافتة. لم تكن الكلمات ضرورية، فالصمت كان أبلغ.

وفي الليلة ذاتها، حين أثقلها الخوف، بدأت كوابيسها تُهشم هدوء الجناح. كانت تصرخ وتشدّ شعرها كأنها تقتلع الوجع من جذوره. هرعت إيفا إليها، تفكّ أصابعها من خصلاتها وتقول لها بصوتٍ يبلسم الروح:

"اهدئي يا حياة… أنا هنا."

فتحت حياة عينيها وقالت بصوتٍ مكسور:

"ارجوك يا ايفا، لا اريد ان اسمع صوت عمي مجددا…. الموت أهون من رؤيته يفتح هذا الباب."

وفيما كانت إيفا تُمسك بيدها، استدعيت على عجل لحالة طارئة. وقبل أن تغادر، سقط من جيبها قلم معدني صغير على شرشف السرير.

لم تنتبه الممرّضة، لكن حياة انتبهت. التقطته سريعًا، شعرت ببرودته كأنها تمسك سلاحًا صغيرًا، ثم خبأته في جيب ثوبها.

كانت تعرف أن تهديد عمّها ليس مجرد كلمات. الرجل لا يعرف رحمة، ولا يتورع عن اقتحام المكان مهما كان.

جلسَت على السرير، تراقب الباب بعيونٍ تحرس نفسها من مصيرٍ يتربّص بها. الليل الثقيل يضغط على صدرها، والظلال تمتدّ حتى تصل إلى وجهها كأنها أصابع عمّها نفسه. أيُّ صوتٍ في الممرّ كان كفيلًا بأن يقفز قلبها بين ضلوعها: خفقة، صرير عجلات، صوت حارس بعيد… كلّها أصوات تتحول في خيالها إلى وقع أقدامه.

حين غلبها الإرهاق أغمضت عينيها قليلًا. فرأت الطفلة التي كانتها ذات يوم، في التاسعة من عمرها، تُساق إلى بيت العمّ كمن يُساق إلى سجنٍ بلا جدران، ولا يسمع العالم صراخها.

استيقظت بفزع على همس الريح قرب النافذة. نظرت إلى السماء المعتمة فلم تجد إلا نجمةً وحيدة تلمع. شعرت كأنها تقول لها:

"ما دام الليل طويلًا… فالفجر قادم."

رفعت القلم أمام عينيها، لامعًا تحت الضوء الخافت، وقالت في سرّها:

"لن أكون فريسة بعد اليوم… لن أعود إلى القبر الذي جئتُ منه حيّة."

يتبع

**

سعاد الراعي

إضحكوا ما تشاؤون منّا

فنحن بأعينكم مُضحكون

دغدغوا الخشبَ الصُلبَ

حتى يلينَ

فتنهضَ للرقص تلك الكراسي كما ترقصون

إفتحوا منفذاً للضفادع

كي تتحرّرَ من ظلمات البطون

علّقوا كالقرود بأعناقنا عُلَبَ التنكِ الفارغاتْ

وادّعوا أننا إذ نجوعُ

نبيعُ كرامتنا بالفتاتْ

أوهموا النائمين

بأنّا خرجنا كما الجنُّ من تحت أجفانهم

فاكتسبنا ملامحهم

ونَمَتْ من قروح الندوب أنوفٌ لنا وعيون

أطلقوا خلفنا في الدروب أرانبكم

تتقافزُ فوق مناكبنا

وتعيثُ بهيبتنا

أنهُ زمن القافزين

فأهلُ الحوافر من قبلُ قد أسلمونا لأهل القرون

**

أضحكوا ما تشاؤون منا

فنحنُ بأعينكم مُضحكون

ألسنا دُمىً إصطفاهى المُهرّجُ حيناً

ومن ثَمّ قد مَلّها فرماها كِسَرْ

أضحكوا

لا اعتراضَ لنا أيها الفائزون

ففي إختبار السعادة لم نكسبِ الفوزَ منذ قرون

سنُرجيءُ ضحكتنا لغدٍ

فأفواهُنا اليومَ مزمومةٌ بالإبرْ

ولكننا سوفَ نضحكُ

حينَ تبينُ دمامةَ أوجهكم

بعدَ أن يغسل الصِبْغَ عنها المطرْ

***

شعر: ليث الصندوق

حِينَ الهَديل يؤجِّج حَنينِي

الروحُ تتوق لأقصى مَداها

يَنهَمرُ قوسُ قُزَح في قلبِي

باحثاً عن ألوانٍ جديدةٍ تعكسُ أسرَارَه

يناديكَ جدول العبير الشامي

لسفرٍ نَجمِيٍّ إلى روضةِ العَرش

إلى الِلحاقِ بالأمل

بريقٌ جليديٌّ يتأهبُ في عينيكَ

أطلقِ الحبَّ المُطلَق بداخِلكَ

زفرةً زفرة

الحُبُّ يقظةٌ

لنْ يستيقظَ بِدُونِي

نظراتُكَ تُعرِّيني

توسَّدْ صدري

استَحِمَّ بِضُوئِي على ضِفافِ الحياة

ودَعْ حَمائِمَ الشَّغف تُحلِّقُ

*

في خَيالي ويَقيني

الحُلمُ والحَقيقة ..

تِلكَ حكايةُ أُنثى

استَهواها تَسلُّق الشُّعاع

فعادت فراشاتٍ ملونةً لكُلِّ الفُصول

أغوَاها عَبقُ السَّماء

فتَحوَلت نَجمةً

أغرَاها وفاءُ النَّدى

تَغفو في كُلِّ غَسقٍ بينَ شَفتَيه

حينَما يَتَسلَّلُ الأمانُ إلى مَعطِفِي

نُغَنِّي معاً.. نَطيرُ معاً..

***

سلوى فرح - كندا

 

معطّرَةٌ بالسّواد

أكُفُّ الحمام وأجنُحُها.

ومُوغِلةٌ في القتامةِ

أيْدي الضِّباعِ وأعيُنُها.

وهذي النّوافذُ

أتْرعَها وَرَقُ اللّيلِ  والْوَجَلُ.

وهذي المناضدُ

نَضَّتْ قَرَابِينَها،

وبين الْمَجامِرِ

ألْقَتْ عناوينها.

تَداعَى الذّبابُ إليها

يَلُوكُ  غُبارَ الْفُتاتِ على جمْرِها.

عليها هَوَى وَرَقُ التُّوتِ لمّا ذَوَى.

**

مُعَطَّرَةٌ بالسَّوادِ

أكُفُّ الْحَمامِ وأَجْنُحُها.

ومُوغِلةٌ في الْخَواءِ

مَآقي السّماءِ وأَضْلُعُها .

وكَعْبُ " أَخِيلَ "

بها تَتَلَهّى الْوَقَاوِقُ والْعَنْكَبُ.

وأنتِ هنا

يتَجَرَّعُ وجهُكِ

زرقَةَ بَدْرٍ ينامُ على الْقَرَفِ.

كأنّكِ مريمُ

تكتُبُ شوْقَ النَّخِيلِ بِطُهْرِ الْيَدِ،

وتغرِسُ في الطّينِ

مُضْغَةَ حَرْفٍ

يَنِزُّ ضياءً على الْخَزَفِ…

وتسألُ عن زكرِيَّاءَ نخلَتَها،

وتسألُ عنه جداولَ

يَمْتَشِقُ الْعنكبُوتُ منابِعَها.

**

كأنّكِ أختٌ لِهارونَ

تَنْأَى بِغُصَّتِها.

تُرَتِّبُ أنْفاسُها جُمَلَ النَّصِّ

في الْمُقَلِ.

ويَنْضُو بأَجْراسِها

صَدَأُ النَّضَدِ.

ومِنْ خَطْوِها

يتدَفَّقُ ماءُ الأساطير

في النُّجُدِ…

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي - تونس

 

ما كان لي ان أقف هذا الموقف، لكن شاءت الأقدار ان ألبس اساور من حديد، صدقوني لم يكن بيدي حيلة ولكني أعيش خارج قوسين عما يدور حولي.. فالمسالة أني مثل حبة حنطة طحنت برحى الزمن دون رحمة لأن مالكها لدية السلطة والقدرة على ذلك، فما كان عليه والدي هو السبب، لكن هي الحياة تلف بورق صحيفة كل وليد يولد في تلك المحلة البائسة.. سارعت خطاها الليالي ولفتني المساءات حتى بلغت من العمر ما جعل الرجل يتساقطون عند حذائي الذي ارتديه يتسابقون لنيل رضاي، لا اخفيكم كنت ملكة وأنا أراني ألطم هذا وأبعد ذاك وأزج بمن أريد الى خارج المكان.. حتى في ذات يوم سمعت ان والدي قد قُتل في صراع على قنينة خمر.. أو هكذا أُشيع، يا للعار قنينة خمر وجسد عاهرة، مرت مسألة قتله مثل فك رحى الأيام حين يدور تطحن كل ما يصل الى فمها هي الايام وديدن الكار الذي ولدت فيه، حزنت أم لم أحزن المسألة في داخلي ميتة في الأصل فلا مشاعر أبوة عشتها ولا أحاسيس بنوة تمتلكها نفسي غير أني اختليت لبضعة أيام مع نفسي فَصَلت لي حياتي كأنها أوقفتني على جبل أشاهد كيف كنت أحياها وأعيشها والنسيج الاجتماعي الذي ولدت فيه، فلا تعليم، ولا حلم، ولا شرف، ولا كرامة مجرد حياة نفاق وخراب وجريمة تدمير للانسان.. الإنسان همست نفسي ماذا تعرفين عن الانسان؟؟ وجدتني لا أفقه الرد فابتلعت لساني وراودتني فكرة الخروج الى العالم النظيف الآخر، كيف واتتني الفكرة؟ ولم طرأت في عقلي؟؟ لا أعلم السبب؟؟؟ سارعت في تلك الليلة وقبل أن أذهب جلست مرة ثانية أردد على نفسي مخاطر ما أنوي فعله وطلبه، غير أن هناك من يدفع بي للهروب الى خارج العالم الموبوء كما سمعتها تسميه نفسي بعدها ابتلعت التسمية غير عارفة بمعناها الحرفي، فذهبت الى صاحب الرحى الكبير الذي كان يحيط به كوكبة من رجال عصابته، رحب بي وحاول ان يواسيني بلعابه الذي يتساقد من فمه العفن بعدة كلمات، كنت أعلم بداخلي أنها كاذبة تصدر من منافق مرائي.. وما ان أفرغ بما على لسانه حتى قلت دون مقدمات أريد ان اعيش خارج هذه البيئة، أريد ان أرحل عن عالم الوضاعة والفساد والمومسات والجريمة.. فجأة صمت الجميع كأن على رأسهم الطير، الجميع يتطلعون الى ما يخرج من فمي وعلى لساني حتى أفرغت مافي جعبتي من مفردات لم أعي صداها أو شدة وجعها، فجأة دوت ضحكة منه التي كانت على شكل قهقهة عالية ثم تبعه قطيع الخنازير يضحكون على قهقهته وهو يترع من زجاجة الخمر ما يجعله يختنق بالخمر ولعابه المتطاير.. فرمى بها بعيدا وقد اصابت أحدهم فذهب يتلوى، فجأة!! أمسك بيدي وهو يقول:

أكملي يا حلوتي أو أعيديه ثم دعيني أسمع ما قلته قبل قليل.. أتريدين الخروج من عالمك؟ علم ابوك وقبله جدك ومن قبله امك وجدتك.. أي هراء هذا!! إنك يا فتاة مُلكي وأمر حياتك وحتى أنفاسك هي رهنا برغباتي، تركتك على سجيتك لأن عاهدت الحقير والدك أن لا اقترب منك إلا حين يموت.. كثيرا من الليالي كنت أتحرق وأنا أرك تنضجين كثمرة من التوت، صارعت رغبتي وطويتها الى أن فاض بي ومات أبوك الحقير، وقد مَنيت نفسي بك، ستكونين جارية بين يدي تنفذين رغبتي كيفما أشاء وأشتهي وها أنت تلقين بالترهات رغبة منك في ترك كارك وكارك اهلك القذرين.. اقسم لولا أن لي رغبة بجسدك لكنت قتلتك بيدي.. لا.. لا أوسخ يدي بل بيد أي خنزيز من هؤلاء..

جميع من يسمعونه يتحدث يبتلع لسانه دون أي يُحدث صوت زفير أو شهيق.. كان الحنق يغمر وجهه وهو يفرك أصابعة برأس الخنجر الذي في خصره.. لم أعي المشهد بكل السيناريو المكتوب عن القدر صرخت في وجهه.. ماذا تقصد يا ابن الكلب؟؟ هل أنت من قتلت والدي؟ كي تفرغ لك الساحة حتى تمتلكني؟

- أظنك فهمتي الآن، سنين وأنا اتجرع الشهوة سم زعاف، أرى الرجال يحيطون بك كالذباب وأنت تهشينهم بعيدا عنك، لكنهم يعاودون الطنين حولك.. كنت قوية جسورة حتى في ذات مساء حاولت وعرضت شرائك من والدك الذي رغم أنه كان سكرنا إلا أنه رفض بشدة وهددني إن أقتربت منك سيقتلني وقبل خروجه صفعني بقوة.. شعرت بالإهانة ولأول مرة في حياتي.. كانت رغبتي بقتله قوية وأجلتها، وأجلتها لأن والدك كان يدفع لي أتاوة كبيرة كي يبقيك على ما أنت عليه، قلت فليكن لوهلة لغرض في نفسي فهذا الحدث لم يعلم به سوانا أنا وهو.. إبتلعت مرارة الصفعة وشحنت الغريزة الى الدفع بأحدهم لقتله، وكان الأمر وها أنت بين يدي ملكا لي وتتحدثين بالترهات عن ترك بيئتك بعيدا عن رغبتي وشهوتي ومشيئتي أمجنونة أنت!!؟؟ أقسم سأقتلك وقبلها سأغتصبك إرضاء لنفسي وشهوتي.. أشار الى بعض رجاله بأخذي بعيدا الى غرفته التي لا يدخلها إلا من يريد أن يضاجعها.. بل يغتصبها حاولت الفرار من بين أيديهم لكن كيف وأنا بين رجال ديدنهم الجريمة وإطاعة الأوامر، سحبوني بقوة حتى أدخلوني غرفته، رموا بي على فراشه.. مر شريط حياتي فوجدتني أني لا زلت فتاة باكر، لم أعلم أن والدي كان يدفع أتاوة لحمايتي وبقائي فتاة عذراء.. جننت وصواعق الغضب تضربني وأنا أصرخ حقراء مجرمين سفلة.. لكن صراخ في حانة تدوي بالصخب والجلجلة.. دخل ذلك الشيطان وهو يمسك بقنية الخمر يلوح لي بالقول ستخضعين لي كالجارية، سأجعل منك ملكة لزمن ومن ثم سأحولك الى عاهرة من الدرجة الأولى أو ربما أبيعك الى أحدهم.. أظنهم سيدفعون لي بك مبلغا طائلا.. كانت ردة فعلي اني قمت بالتف في وجهه القذر والصراخ محاولة الهرب لكن أين للفريسة من هرب وهي في قفص المجرم المرتزق.. هجم علي تملصت منه، لكنه أمسك بي، عنفني وضربني حتى تراخت عضلاتي، أسلمت نفسي لواقعها كانت أنفاسه نتنة ورائحة جسده ينفر منها الخنزير، قاومت دفعت به في محاولة بائسة قاومت .. وقاومت لكن محاولاتي بائت بالفشل، شعرت ان خطيئة والدي ووأمي وتلك المنطقة قد دفعت بي كي أكون بذرة خطيئة، وها هي أنفاسي المتقطعة تشهد بذلك.. أفرغ جنون هوسه على جسدي بعد أن مزق ثيابي وجعلني عارية، كالحيوان سارع بنزع ثيابه ثم رمى بنفسه عليّ وأنا أشاهد وأسمع خنخته دون حراك أو ردة فعل بإرادة أو دون إرادة.. فجأة تلمست يدي الخنجر الذي كان في خصره قريب مني على الفراش فأمسكت به ودون تردد أو شعور بخوف، غرزته في خاصرته مرة وأخرى حتى تغطيت بدمه وانا أصرخ الى الجحيم بك أيها الخنزير الى الجحيم يا حيوان يا قاتل أبي..

- لم أعي بعدها إلا، انا اقف أمام ضابط شرطة مرتدية أساور الحديد، يحقق معي عن الجريمة التي إقترفتها لا عن الجرائم التي أقترفها من قتلت والبيئة التي كانت تحت العيون المغمضة للقانون.

***

القاص والكاتب: عبد الجبار الحمدي

كانَ فتىً مِنْ فتية الزُّقاقِ

الضَّيِّقِ ضيقَ قلبِهِ الخفَّاقِ

أيامَ كانَ الحبُّ مبنيّاً

على الصَّمتِ

ومرسوماً على الأوراقِ

بالوَلَهِ المحكومِ بالأطواقِ،

*

الفتى قيسُ البغداديُّ

كانَ يقفُ على رأسِ الطَرَفِ*

الحارِّ اللاهب لهيبَ قلبِه،

ينتظرُ مرورَ ستِ الحُسْنِ والجمال،

بعباءتها المُلتفَّة بقدِّها الممشوق

مثلَ الغزال،

والتفاتتِها الذكيّةِ العابرة

قاراتِ الشَّوقِ

سهماً.....

مارقاً خاطفاً

ترميهِ سلاماً..

بطَرفِ عينها النجلاء

فتطعنه طعنةً نجلاء

لا تُبقي في قلبهِ ولا تذر دَقةً

إلّا وجعلتْها شذرَ مذر،

تتسمَّر..

على جدرانِ بيوتِ الزُّقاقِ

المتصدِّعةِ،

لتتصدّعَ وتتشقّقَ

أكثرَ مما هي تحملُ بين طيّاتها

منْ قصصِ الحبِّ العذري

واللاعذري،

دونَ أنْ يرفَّ جفنٌ للعادياتِ

خلفَ الأخبار

الصَّاحياتِ

بعيونهنَّ الوسيعةِ

وآذانِهنَّ اللاقطاتِ

ليلَ نهارَ،

وألسنتُهنَّ مِذياعٌ عابرٌ للأزقةِ

والبيوتِ

بألفِ ألفِ قنبلةٍ شفهيّةٍ ....

*

الفتى قيسُ البغداديُّ

لم يكنْ يُعيرُ

للقنابلِ الشَّفهية انتباهاً،

فشفتُهُ متشقِقةٌ

منْ فرط حرارةِ الشَّوق

وجمرة التَّوق،

وهي في جفافٍ مُقيم،

*

الفتى قيسُ البغداديُّ

كانَ يحبُّ فريدَ الأطرش،

وصوتُهُ - سبحانَ الله -

كأنّهُ توأمُ الأطرش،

ولم يكُ قيسُ البغداديُّ

أطرشاً بالزفَّةِ أبداً

- معاذ الله -

فأذناهُ حسّاستانِ

تلتقطانِ

صوتَ الحبيبة

ووقْعَ خُطاها

منْ بدايةِ الزقاقِ...

حتى رأس الشارع الطويل

- شارعِ الكفاحِ -

منْ أجلِ قلبِه المُتيَّم بالحُسنِ

والعيونِ السُّودِ،

والعدلِ الضائعِ..

بين الأرجلِ....

والغيلان....

***

عبد الستار  نورعلي

نوفمبر 2025

...................

- الطَّرَف: بمعنى الزقاق بالعراقية

أتبعيني حيثما كنت أكون

أتبعيني وأكسري طوق السكون

*

وتماهي سير نجم في السما

حب ليلى منذ أسرى في العيون

*

كنت أهوى حب ليلى في العراق

فيض قيس ما تغنى في المجون

*

ما حلمتم كيف قس في الديار

أنا لم أخرج وللشرع حصون

*

ليس عدلا أنصف الهجر القضاء

كان وصبا ثم أشرى من سجون

*

أذكريها قول صدق من بعيد

أتبعيني وأكسري طوق الشجون

*

ليس زعما كل ما أشهى الغيود

لك حسن زاد من لسع العيون

*

وأرغميني ابلغ الروض هناك

بات عرفا وسرى عند القرون

*

همسة تزجيك لحنا في المساء

كان عزفا ليس عشقا قد يخون

*

وركضنا نجري في الوادي البعيد

ليس وصبا أنما نخشى الظنون

*

ورأينا عندما نهوى مساء

ذاب قربا هوى مع لعق الفتون

*

كم رجونا ثملا كأس الشراب

من سقاني كان للدفء حنون

*

دون رصد من ثقوب في المكان

يا لأمري غيث أرسى من هتون

*

أن لمسنا وصب برد في الشتاء

لا نبالي أنما الحب شؤون

*

بعد هذا ما دهاك من سؤال

ما كفاكم من سؤال عند دون

*

وأتينا نهمس الريح سؤالا

ريح ليلى أنبؤني من تكون

*

أذكريها كم طرقت من غياب

لك باب مد للكف الدجون

*

ليت ليلي  بعد هذا ما تريد

يا لشعري حب ليلي من يصون

***

علي جبار الاسدي

باللهِ قلْ ليَ: من منّا هوَ الحجرُ؟!

أراكَ حيّاً وموتى نحنُ نفتخرُ

*

اليومَ نكتبُ أشعاراً ولا أحدٌ

يصغي إلينا وقد يغتالُنا الضجَرُ

*

وأنتَ كنتَ إذا ما قُمتَ تُنشدُهم

أصغى إليكَ الندى والصخرُ والمطَرُ

*

أبا المعاني التي بِكْرٌ موارِدُها

ونحنُ أشعارُنا في جُلِّها هَذَرُ

*

لقد هدمتَ عَمودَ الشِّعرِ عن تَعَبٍ

ونحنُ نكسِرُ وزناً ثُمَّ نُشتَهَرُ

*

لم ترضَ معنى مُعاداً قطُّ في لغةٍ

فَرُحْتَ تنحِتُ من قلبٍ وتبتكِرُ

*

قلتَ: السفينةٌ بنتٌ للحديقةِ إذْ

لم تَمخُرِ البحرَ لولا أنّها شجرُ!

*

إذا مدحْتَ تمنّى الميّتونَ مُنىً

لو أنّهم طالَ فيهم ذلكَ العُمُرُ

*

لكي ينالوا مديحاً منكَ في غُرَرٍ

يفنى الجميعُ ولا تفنى هنا الغُرَرُ

*

وإنْ رثَيتَ تمنّى العائشونَ مُنىً

بأنْ يكونوا همُ الموتى ليَنتشِروا

*

وإنْ تغزّلْتَ في رُوْدٍ مُهَفْهَفةٍ

يكادُ يسقطُ من عليائِهِ القمرُ

*

عابوا عليكَ انتقاءَ اللفظِ مُعتَسِراً

وهل تُعابُ على أصدافِها الدررُ ؟!

*

يا أيُّها الطَّوْدُ يا أعلى الذرى أبداً

لقد نظرْنا وخِفْنا العُنْقُ تنكسِرُ!

*

لا البحتريُّ ولا الأعشى ولا ابن أتى

ولا ابن زيدونَ لا بشّارُ لا عُمَرُ

*

تُناطحُ المُتنبّي في ممالكِهِ

كلاكما ربَّةٌ للشِّعْرِ لا بشَرُ!

*

إيهٍ حبيبُ وعَمُّوريّةٌ زمناً

صارت فِلِسْطينَ والتاريخُ ينتظرُ

*

هل ثَمَّ مُعتصِمٌ فيكم يُحرِّرُها؟

فقد تبخَّرَ ماءُ الكأسِ والنُّذُرُ

*

يا آمنَ الدارِ لا تأمَنْ فما ولدَتْ

حياتُكَ الصَّفْوَ إلا التوأمُ الكَدَرُ!

*

اليومَ تُسبى فلسطينٌ وأنتَ غداً

من مأمَنٍ مُطمئنٍّ يُلدَغُ الحَذِرُ

*

ويا حبيبُ لقد حلَّتْ بمَوصِلِنا

مجازرٌ والضحايا نحنُ لا البقرُ!

*

كالمسرحيّةِ؛ دَورُ الموتِ كانَ لنا

ومخرجُ الحربِ عنّا كانَ يستترُ

*

أمّا الجماهيرُ كانوا أهلَ جِيرتِنا

وعاليا ضَحِكوا والطفلُ يُحتَضَرُ

*

وصارَ دجلةُ قبراً للجميعِ هنا

يا حافرَ الماءِ وَسِّعْ ضاقت الحُفَرُ

*

بالأمسِ قد هدَّموا تمثالَكَ الوَقَفَتْ

فيهِ العصافيرُ لمّا هدَّها السفرُ

*

رأى شُهودُ عِيانٍ منظراً عجَباً

أنَّ الفُتاتَ منَ الأحجارِ يَستعِرُ

*

وراحَ يُقذَفُ مثلَ الجمرِ مُلتهِباً

حتّى استقرَّ نجوماً ليسَ تندثِرُ

*

فيا حبيبي أبا تمّامَ مُدَّ يداً

وخلِّ كفّي بكفٍّ منكَ تَشتجِرُ

*

لعلُّ نُسْغَكَ يجري في عروقِ دمي

إذن سيَنْبُتُ من أشعاريَ الزَّهَرُ

*

أمامَ نُصْبِكَ إنِّي قد وقفتُ وكم

من كَرْمَةِ الشمسِ كانَ الظلُّ يُعتَصَرُ

*

وقفتُ أتلو عليكَ الشِّعْرَ يا مَلِكاً

فإنْ رضِيتَ أَجِزْني يَخلُدِ الأثرُ

***

عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

لا أدري كيف صعدت "لُوبانيّةُ" الطفولة

من قاع النسيان...

حلوى مطاطيّةٌ بيضاءُ

كانت تتدلّى من أصابع البائع المتجوّل

مثل خيطٍ من نورٍ

يُساقط على أفواهنا

ابتسامةَ الكون الأولى.

*

كنتُ أقفُ أمام المدرسة

وأرى العالمَ يُطوى

في تلك القطعة الناعمة،

قطعةٍ تلمعُ كروحٍ

لم تُمسّ بعدُ

بخدوش الحياة.

*

واليوم،

بعد عمرٍ يفيضُ بالظلال،

استدعيتُ مذاقَها إلى فمي -

يا للعجب -

كأنّها لم تغادرني يومًا،

كأنَّ ذاك البياضَ

ما زال يحرسُ طفولتي

من الصدأ.

*

ربّما لأنّها كانت حلوةً

كحلمٍ لا يعرف الخوف،

ورقيقةً

كالخطوة الأولى نحو ضوءٍ لا ينطفئ،

وناصعةً

كقلبٍ لم يختبر بعدُ

موتَ الكلمات.

*

وربّما…

لأنّ الإنسان، حين يشيخُ قليلًا،

يبحث في فمه

عن طعمٍ يعيد إليه إسمه،

ويعيد إليه تلك اللحظة

حين كان يظنّ

أنّ العالمَ

قطعةُ حلوى

تذوبُ ببطءٍ في القلب.

***

مجيدة محمدي

 

لم يكن مقتل الرئيس مجرّد حادثٍ سياسيٍ عابر، بل كان الشرارة التي أطلقت النار الكامنة في هشيم الوطن. ففي اللحظة التي سقط فيها جسده مضرجًا بدمه، سقطت معه هيبة الدولة، وتهاوت الأعمدة التي طالما أوهمت الناس بصلابتها. لم تمضِ ساعات حتى غادر أفراد عائلته خلسةً نحو الحدود، يتبعهم كبار المسؤولين كمن يهرب من طوفانٍ قادم. أمّا الشوارع، فقد امتلأت بغضبٍ يشتعل كوقودٍ أُريق منذ زمنٍ طويل ينتظر من يُشعل فتيله.

حينها انفتحت أبواب الجحيم على مصاريعها؛ خرج الغاضبون والمتمردون والناقمون من كل صوب، وسقطت لغة الخوف أمام هدير الحشود. حاول رجال السلطة أن يقاوموا بالسلاح، لكن الرصاص لم يعد يرهب أحدًا. سقط كثيرون في الطرقات، وتلطّخت الأرصفة بدماء المقهورين، حتى بات الموت مشهدًا عابرًا لا يثير الدهشة.

في ذلك الفراغ الذي خلّفه غياب الدولة، صعدت قوى الظلام من جحورها. تقاسمت العصابات المدن كما تُقسَّم الغنائم، يرسم كل فصيل حدوده بدماء الآخرين.

صار

الانتماء هو القانون...

العشيرة هي الوطن...

والسلاح هو القاضي الأعلى...

في كل زاويةٍ ولد تاجرُ حربٍ جديد، يبيع الخراب كسلعةٍ ثمينة:

سماسرةُ سلاح،

مهرّبو مخدرات،

تجارُ أجسادٍ...

يختبئون خلف شعاراتٍ جوفاء.

تسلّقوا الخراب بخفّة، حتى صار لكلّ منهم مملكة صغيرة تحرسها البنادق وتُغذّيها الرشوة والخوف.

استُبيحت المدن كما تُستباح الغنائم بعد معركةٍ طويلة. صار القتل وسيلةً لتصفية الحسابات القديمة، والخطف طقسًا يوميًّا لإذلال الآخرين. كانت النار تأكل البنايات التي حملت يومًا اسم "مؤسسات الدولة"، ولا يبقى منها سوى الرماد. النهب في وضح النهار. تُقتلع الأبواب والنوافذ ويُحمَّل البلاط من أرضيات القصور التي هجرها أصحابها أو قُتلوا داخلها.

لم يعد أحد يسأل: "لمن هذا؟"

فكلّ ما تقع عليه العين صار ملكًا للقويّ، وما لم يستطع حمله يتركه ليعود إليه لاحقًا مع مزيدٍ من الرجال والسلاح.

المهرّبون تنفّسوا، كما لو أُعيد إليهم الهواء.

تحوّلت الحدود إلى أسواقٍ مفتوحةٍ للمغادرين واليائسين، يُدفع فيها ثمن النجاة ذهبًا أو دمًا. بعضهم عبر إلى الضفة الأخرى، وبعضهم التهمته الصحراء قبل أن يبلغ الوهم الذي يسمّونه "أمانًا".

حتى المستشفيات، تلك التي كانت آخر ملاذٍ للضعفاء، لم تنج من الفوضى. اقتحمتها المجموعات المسلحة بحثًا عن الدواء كما يبحث اللص عن الغنيمة، اختلط أنين الجرحى بصيحات الناهبين. لم يبقَ من المراكز الطبية سوى مستشفى وحيد، يرفرف عليه علم الصليب الأحمر، تحرسه منظمةٌ دوليةٌ تتمتع بالحماية الدولية. كان ذلك المستشفى كجزيرة صغيرة وسط بحرٍ من الجنون، تحيط بها النيران من الجهات الأربع.

في ليلةٍ اختنق فيها الأفقُ بالدخان، حتى خُيِّل للناس أن القمر قد خُنق في مهده، توقّفت أمام بوابة المستشفى سيارة "جيب" عسكرية. كانت أضواؤها تشقّ الضباب كخناجر من نور، فيما تفوح من معدنها رائحة البارود، كأنها عادت تجرُّ أصداء معركةٍ خاسرةٍ على أطراف المدينة.

ترجّلت منها امرأتان؛ إحداهما صبية في مطلع عمرها، تنزف بغزارة، وقد غمر الدم الجزء الأوسط والأسفل من ثوبها، تتكئ على امرأةٍ تبدو ملامحها مشتعلة بالأمومة والوجل. كان في عيني الأمّ خوفٌ مكثّف، خليط من رجاءٍ وعجز، بينما ترتعش يداها محاولةً أن تُبقي ابنتها واقفة للحظاتٍ أطول.

ما إن بلغتا الباب حتى خارت قواهما، وسقطت الشابة على الإسفلت البارد، تفيض دماؤها كأنها تسقي الأرض العطشى بالوجع. التفّ حولهما طاقم المستشفى بسرعةٍ مشوبةٍ بالرهبة، فكلّ إنقاذٍ في زمن الحرب مغامرة. حملوها على نقالةٍ صدئة، جرى بها المسعفون نحو الداخل، فيما بقيت الأمّ تتبعهم بعينين غارقتين في الدمع والذهول.

تحرّكت السيارة التي أقلّتهما مسرعة، تلوّح فوهات الرشاشات من نوافذها المفتوحة، واختفت في عتمة الطريق كوحشٍ يبتلع نفسه في الظلام. بقي الصدى فقط، أزيز محركاتٍ وطلقاتٍ متقطّعة تتردد بين جدران الليل الذي لم يعرف بعدُ طريقه إلى الفجر.

هكذا...

بدأ زمنٌ جديد، لا هو سلمٌ ولا هو حرب. زمنٌ يتساوى فيه الموتى والأحياء، وتُختبر فيه إنسانية البشر عند حافة الانهيار. كان الجميع يبحث عن خلاصٍ صغيرٍ في عالمٍ لم يعد يُشبههم. وفي قلب ذلك الخراب، داخل المستشفى الوحيد، كانت حكايةٌ ما، حكايةٌ عن الوجع، عن البقاء، وعما يتبقّى من النور حين تُطفئ الحرب آخر مواقدها.

حين أُدخلت إلى غرفة الإنعاش في الطوارئ، كانت جسدًا ممدّدًا على حافة الغياب، غارقًا في صمتٍ ثقيلٍ يشبه آخر ما تبقّى من الوعي قبل السقوط في العدم. تحرّكت الأيدي بخبرةٍ آلية، أعدّوا قنينة المغذّي، جهّزوا ما يلزم لإيقاف النزيف، فيما ظلت الممرّضة تتفحّص ذراع المريضة بحثًا عن وريدٍ مطواع. وحين كشفت عن ساعدها، اعترض نظرها ما بدا لها شيئًا غريبًا: قطعة صغيرة من جلدٍ قديمٍ خُيطت بعنايةٍ رتيبةٍ، كما تُخاط الأسرار في الصمت، مربوطة بحبلٍ متينٍ حول زندها كأنها عهدٌ لا يُمسّ.. حرز؟ تميمة؟ دعاء قديم يختزن عمرًا من الخوف والرجاء؟

مدّت الممرضة يدها لتفك الرباط وتسمح بمرور الدواء، لكن يد الصبية الأخرى، رغم وهنها، انكمشت فجأةً كأنها تدافع عن حياتها الثانية. قبضت على كمّ ردائها بقوةٍ غريزيةٍ، وبدت تلك القبضة أبلغ من كل صراخٍ مكتوم، إذ تحمل رجاءً لا يُقال:

ـــ اتركيها، إنها لي

مالت الممرضة برفقٍ عليها، وبصوتٍ حاولت أن يجمع بين العطف والاحتراف:

ـــ لا تخافي، كل ما يخصّك سيكون محفوظًا تحت وسادتك. أنتِ في أيدٍ أمينة.

لكن الصبية فتحت عينيها بغتةً، بعينين متّسعتين من الفزع، تحدّقان كمن عاد من حافةٍ مظلمةٍ إلى ضوءٍ لا يعرفه. لمحَت في لهجة الممرّضة نغمة غريبة، فأدركت أنها أجنبية. تلفّتت حولها، بحثت عن مألوفٍ فلم تجد سوى جدرانٍ بيضاء لا تعرف الرحمة. بصوتٍ متهدّجٍ خرج من أعماقها قالت:

ـــ أرجوك... احتفظي به عندك. وإن متُّ... تصرّفي به، لكن لا... لا ترميه في سلة النفايات... إنه عمري...

ثم غابت ثانية في غيبوبةٍ كأنها سباتُ الطمأنينة الأخيرة بعد اعترافٍ موجع.

وقفت الممرضة لحظةً تتأمل الوجه المرهق، الشاحب، الذي كان رغم ذلك يحمل ملامح جمالٍ غامضٍ، كأن النور في أعماقه لا يريد أن ينطفئ. مدّت يدها بخفةٍ، ولفّت الحبل على الحرز برفقٍ، ثم دسّته في جيبها كمن يحتفظ بأمانةٍ مقدّسةٍ لا يجرؤ على خيانتها.

كانت الممرضة لا تدري ما الذي يدفعها لتلك الرقة المفرطة تجاه مريضةٍ لا تعرفها. ربما لأن في تلك القطعة الجلدية الصغيرة ما يشبه قصة حياةٍ بأكملها، أو لأن في لمحة تلك العيون الغارقة خوفَ إنسانةٍ ظلت طوال عمرها تدافع عن شيءٍ لا يراه سواها:

معنى،

ذكرى،

أو حبٍّ دفينٍ لا ينبغي له ان يموت.

**

يتبع

***

من رواية تحت الطبع

سعاد الراعي - المانيا

2025.11.23

لَنْ أُبارِحَ نَحْرَكِ…

فَرَشْتُ فَرْعَ المَسافَةْ.

أَيْنَ أَنْتِ؟ أَيْنَ أَنْتِ؟

أُريدُكِ… أُريدُكِ

بِحُرْقَةٍ،

وَذُبولِ قَرَنْفُلَةٍ

قَبْلَ سُقوطِ الغَسَقِ.

2

لَنْ أَبُوحَ،

وَحائِطُ السِّرِّ

صَمْتٌ… فَزَعٌ… يَبْعُدُ عَنِّي.

جِذْعُ النَّخْلَةِ الصَّلْعاءْ

شَغَفٌ يَعْلُو… وَشَبَقْ.

3

أَنْحَتُ نَرْجِسَةَ الشَّوْقِ

فَوْقَ جَبينِ صَباحِكِ،

وَفَراشَةُ كُحْلٍ تُضيءُ

بِلَهَبِ أَنْفاسِكِ الحارَّهْ.

4

قُبْلَةُ قِطارٍ عابِرَهْ

في زَمَنٍ يَجْري بِلا وَقْتٍ،

أَفْتَحُ نافِذَةَ اللَّيْلِ،

وَصَدْري مَكشوفُ الأَسْرارْ،

مُتَأَبِّطًا نَسَماتِ البَرِّ،

رِيحَ الشَّلَبِ،

وَرِيحَ الهُورْ.

5

أَقْتَبِسُ الآنَ رَنَّةَ شَوْقٍ،

وَالمَرْدِيُّ يَزِلُّ عَلى لَوْني،

تَتَوَكَّأُ روحي وَهْنًا،

وَأَدْفَعُ ظِلَّكِ مِنْ صَمْتي.

6

جَوْقَةُ قَمَرٍ تُرَتِّلُني،

وَتَدَحْرَجُ أَوْعِيَةُ الضَّوْءِ

فَوْقَ سَماءِ ظُهورٍ تَغْفو.

أُوَثِّقُ مَسْقَطَ مَطَرٍ

بِتَنَفُّسِ قَدّاحٍ يَعْلُو.

7

أَغْسِلُ ساقَكِ مِنْ وَهَنٍ،

وَأُنَشِّفُها بِشُعاعِ النَّجْمِ.

أَيْنَ أَنْتِ؟ أَيْنَ أَنْتِ؟

أُريدُكِ… أُريدُكِ.

8

بِنَبْضِ سَريرٍ يَجْرِي،

وَبِوَشْمِ عَبيرٍ يَتَضَوَّعُ،

وَبِنَمَشٍ يَرْتَفِعُ اللَّوْنُ

فَوْقَ ثَغْرِ السَّافانا.

9

أَيْنَ أَنْتِ؟

وَحضْني خاوٍ

يَجْمَعُ شَهْقَةَ فَقْدٍ جَرِيحًا.

أُريدُكِ… أُريدُكِ.

*

الكودا

أَسْكُنُ صَوْتًا مِنْ نَبْضِكِ

يَجْري في دَمِ هَوايَ الأَوَّلِ.

فَإِذا غِبْتِ تَفَتَّتَ لَوْني،

وَإِذا جِئْتِ عادَ النَّبْضُ.

فَالحُبُّ يَؤُمُّ خُطايَ إِلَيْكِ،

وَيُقيمُ صَلاةً

في جَسَدي

***

د. سعد محمد مهدي غلام

ما مرَّ ذِكرُكَ إلَّا عادَ يُنعِشُنِي

كَأنَّ وَجهَكَ عيدٌ لاحَ يبتَسِمُ

*

يا فرحةَ الرُّوحِ، كم بالحُسنِ ألهَمْتَها

حتَّى غَدَتْ بضياءِ القلبِ تَرتَسِمُ

*

سَكَنتَ نَبضِي، وَما غَادَرتَ ذَاكِرَةً

إلَّا وتَهمِسُ: مَن تَهوَاهُ يَلتئِمُ

*

إِن غِبتَ غَابَ سَنَا الأيَّامِ وَانطَفَأَتْ

شُمُوعُ دَهرِي، فَلا بِشرٌ وَلا نَغَمُ

*

وَإِن حَضَرتَ تَفَتَّحَ في دَمِي أَلَقٌ

وَزَهرَةُ الشَوقِ فِي أَعمَاقِنَا تَهِمُ

*

أَمضِي إِلَيكَ عَلى خَوفِي وَمَعذِرَتِي

فَالرُوحُ نَحوكَ بِالإِيثَارِ تَلتَزِمُ

*

كَم قُلتُ: مَا لِي سِوَى وَجدٍ أُحَاصِرُهُ

لَكِنَّ طَيفَكَ مَأنُوسٌ بهِ الكلِمُ

*

لَولاَ حُضُورُكَ مَا رَاقَ الهَوَى أَبَدًا

وَلاَ تَبَاهَى بِأَحلاَمٍ لهُ الحُلُمُ

*

يَا مَنْ هَوَاهُ لَدَيَّ العُمرُ أَجمَعُهُ

والقُربُ مِنكَ هَوىً فِي القَلبِ يَرتَسِمُ

*

تَبقَى الحَبِيبَ الذِي مَا زِلتُ أَحمِلُهُ

فَوقَ الجَوَانِحِ، لاَ يُبلَى وَيَنصَرِمُ

*

مَا كُنتُ أَعرِفُ مَعنَى العِشقِ فِي لُغَتِي

حتَّى نَطَقتُكَ، فَانسَابَ الهَوَى نَغَمُ

***

بقلم: سليمان بن تملّيست

تونس في 2025/11/22

في نصوص اليوم