آراء
عبد الحسين شعبان: أين مشروع اليسار العربي؟ (3)
كنت قد اكتفيت بحلقتين من مقالتي الموسومة "أين مشروع اليسار العربي؟"، لكن ورود الكثير من التعليقات والتساؤلات حولها، بل المطالبات بتوضيح ما جاء فيهما، جعلني أخصّص حلقة ثالثة، علمًا بأنني سبق أن عالجت الموضوع من زوايا مختلفة، سواءً في كتابي "تحطيم المرايا في الماركسية والاختلاف"، أم في كتابي "الحبر الأسود والحبر الأحمر – من ماركس إلى الماركسية"، أم في محاضرتي في جامعة النهرين – بغداد الموسومة "اليسار: أزمة الفكر ومعضلة السياسة"، وأحلت العديد من الأصدقاء إلى كتابات سابقة، خصوصًا كتابي "المثقف وفقه الأزمة"، وكذلك مقابلات كان قد أجراها معي الصحفي المختفي قسريًا توفيق التميمي، ونشرها في كتاب عنوانه "المثقف في وعيه الشقي"، فضلًا عن سلسلة مقالات سبق أن نشرتها جريدة الزمان العراقية حول فصول من تاريخ الحركة الشيوعية العراقية، وكذلك مقابلات تلفزيونية عديدة تناولت فيها جوانب أخرى من أزمة اليسار العربي.
كتبتْ لي إحدى الصديقات اللبنانيات تقول: اليسار العربي لم "يقع" فجأةً بالسكتة القلبية، بل تآكل ببطء حتى صار ظلًّا لفكرة أكثر منه مشروعًا حيويًا، وأضافت: نشأ اليسار كصوت للتحرّر والمساواة (كما جاء في المقالة)، لكنه انتهى إلى تكرار لغته، حتى فقد المعنى. مشكلته لم تكن بالقمع المزمن فقط، بل في عجزه عن تجديد أدواته ومخاطبة مجتمعات تغيّرت جذريًا من حوله. وهكذا تحوّل من حركة تحريضية إلى مشهد ثقافي هامشي، ومن صوت نقدي إلى حنين سياسي في زمن لم يعد موجودًا.
وتتفق مع ما جاء في المقالة من أن اليسار أخطأ في قراءته للهويّة والدين، فبدلًا من أن يرى فيهما فضاءً للقيم المشتركة والعدالة، تعامل معهما كخصم فكري، وترك الميدان خاليًا لتيارات أخرى احتكرت اللغة الأخلاقية (تقصد التيارات الإسلامية والإسلاموية والقومية والقوموية)، فاستبدلت خطاب العدالة بخطاب الغلبة، وظلّ اليسار العربي متمترسًا في أبراج عاجية يردّد مقولات ماركسية (وتقصد ماركسوية) عفا عليها الزمن ولم تعد تلقى آذانًا صاغية، خصوصًا من الشابات والشبان.
وعلى الرغم من قولها إنها لم تكن في أي يوم من الأيام يسارية أو تُحسب على ملاك اليسار، ولاسيّما الماركسي، لكنها تعترف بالحاجة إلى اليسار، وعلى هذا الأخير ألّا يرفع الشعارات القديمة، بل يصوغ رؤية واقعية جديدة تعيد لقيم الحريّة والمساواة والعدالة الاجتماعية ألقها، بعيدًا عن الأدلجة والانغلاق العقائدي. إنها تدعو إلى يسار يمثّل الضمير الاجتماعي، وليس بديلًا سلطويًا، بل صاحب مشروع تنموي إنساني يتجاوز منطق الخصومة الأيديولوجية (ومثل هذا الرأي ورد على لسان صديق تونسي كان يُحسب على تيار إسلامي أيديولوجي، لكنه تجاوزه إلى تيار انفتاحي غير أيديولوجي).
وطالبني صديق تركي بإلحاح أن أستكمل الموضوع بمسلسل حلقات أخرى لتوضيحه وشرحه وتفسيره، وكنت قد أحلته، كما أحلت العديد من الأصدقاء والقرّاء إلى عدد من المصادر والكتب والمقالات والمحاضرات التي سبق أن أدرجت بعضها في مقدمة هذه المقالة، وقد ترجم هذه المقالة إلى اللغة التركية، ونشرها في الصحافة اليسارية التركية.
وجاء في سؤال على الإيميل لأحد القرّاء العراقيين: أين اليسار الذي تحدّثت عنه وعن مشروع الثورة الذي كان على الأبواب؟ وكان ردّي أن اليسار الحقيقي ليس الذي يعيش في الماضي أو على ذكرياته العزيزة، بل يحاول استلهام تجاربه الناجحة لصالح الحاضر والمستقبل، ولا بدّ من قراءة الواقع وفقًا لمنظور جديد، كما يحتاج الأمر إلى امتلاك الشجاعة في تقديم نقد ذاتي ومراجعة أخطائه على الصعد الفكرية والعملية والتنظيمية والأخلاقية، والتخلّص من نظرته المسبقة في ادّعاء الأفضليات واحتكار الحقيقة، وعليه أن يبدأ من الإنسان ومن كرامته ومن حاجاته وقدرته على التفكير والمشاركة والمساءلة. وكما تقول صديقتنا في بداية هذه المقالة، المجتمع الذي يستعيد حسّه النقدي يستعيد أيضًا معنى اليسار ذاته، لا كتيار سياسي، بل كفكرة للعدالة والمساواة والكرامة في زمن اختلطت فيه الشعارات بالمصالح.
وجاء في رسالة لأحد اليساريين الكرد قوله أنت تتحدّث عن اليسار العربي فأين اليسار الكردي من هذه المعادلة؟ وكيف انشطر حزب اليسار إلى حزبين شيوعيين على أساس قومي؟ وتدريجيًا ضاقت سبلهما، فأحدهما تحالف من أدنى مع التيار القومي الغالب في كردستان، والآخر تنقّل في تحالفات بين إسلاميين وولائيين وموالين لإيران وآخرين مؤيدين لواشنطن واحتلالها للعراق، فأين هذا اليسار الذي تتحدّث عنه؟ ويختتم رسالته بالقول: لعلّك تعيش في عالم مثالي بعيدًا عن الواقع واكتفيت بالتنظير؟
وكان جوابي: على اليسار أن يستعيد هويّته الوطنية وينقّيها ممّا علق بها من شوائب ويصحّح مواقفه بشجاعة، سواء نظرته القاصرة خلال الحرب العراقية – الإيرانية، أو خلال فترة الحصار الدولي الجائر، فضلًا عن تحالفاته ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، ومشاركته في مجلس الحكم الانتقالي، وتأييده للدستور القائم على المحاصصة والزبائنية السياسية والحصول على المغانم.
إن مثل هذه المراجعة تشكّل مدخلًا مهمًا لمراجعة فكرية أشمل للنصوص القديمة والكليشيهات المترهّلة والنظر إلى الواقع بكلّ ما يختزنه من متغيرات جديدة، فلم تعد الطبقة العاملة الآن حتى في الغرب، مثلما هي في خمسينيات القرن المنصرم، فما بالك في بلدان تعيش على الريع؟ لا بدّ هنا من التوقّف جديًّا عند تحولات العمل والاقتصاد والمعرفة. وعليه أن يبتكر خطابًا مناسبًا لعصر العولمة والذكاء الاصطناعي، ولا يبقى أسيرًا لمفردات الصراع الطبقي الكلاسيكي.
لقد كان اليسار جسرًا سالكًا وأمينًا بين مختلف القوميات والأديان والطوائف، أو هكذا يُنظر له، بعيدًا عن الانحيازات الضيقة، مترفعًا عنها، منطلقًا من فكرته الوطنية الصافية ونظرته الجامعة، حيث كان الجميع ينظرون إليه كمرجعية وجدانية، حتى وإن أخطأ.
مرّةً أخرى أقول إن أخطاء اليسار ومثالبه لا تُلغي الحاجة إليه اليوم، بل إن هذه الحاجة تزداد أكثر فأكثر في ظلّ تفشّي الطائفية والنزعات العشائرية والاصطفافات القومية الضيقة في مجتمعاتنا. وكما أشرت يحتاج اليسار إلى وعي جديد ليمتلك نظرة جديدة خارج دوائر البرمجة الميكانيكية، خصوصًا حين تتحوّل فكرة النضال إلى برنامج أيديولوجي معطوب التشغيل، إذْ غالبًا ما كانت الأيديولوجيا أداة تفضيل بين الحريّة والخنوع وبين العدالة والظلم، وتحوّلت الأحلام الوردية من عالم خال من الاستغلال إلى المساواة بالقهر لا بالحقوق، وهو ما انتهت إليه تجارب البلدان الاشتراكية السابقة، وتجارب ما أطلقنا عليه بلدان التحرّر الوطني في أنظمة قومية سلطوية بما فيها في بلداننا العربية.
وثمة أكثر من رسالة من قراء عراقيين وسوريين وسودانيين مفادها: في لغتكم السياسية المبرمجة لا تتقبّلون تعدّد المبرمجين، إذْ أصبحت الواحدية والإطلاقية والشمولية ديدنكم، لدرجة صار "الكود" code عبارة عن تعليمات صارمة لا تقبل أي رأي غير رأيها، فمن ليس معنا فهو ضدنا، ومن لا يهتف يُلغى، ومن يسأل ويلحّ بالسؤال يُحاسب أو يُعاقب، وكنت قد استذكرت مع رفيق مغربي عتيق رواية جورج أورويل "مملكة الحيوانات" كيف يُحال إلى لجنة التحقيق الثورية. هكذا تحوّلت فكرة العدالة للجميع إلى ملف تنفيذي جديد اسمه "القيادة الحكيمة"، فهي تكتب الدستور والقوانين وتمحوها، وهي تصوغ النظام الداخلي وأول من يقوم بمخالفته، وهو ما ورد أيضًا على لسان الصديقة اللبنانية، وكنت قد اصطدمت بمثل هذا الرأي في السبعينيات.
لقد غذّت الأيديولوجيا المتخمة مفهوم السلطة عبر الخوف لا عبر العمل، ولو عاد أرويل اليوم لكتب مزرعة البيانات بدلًا من مزرعة الحيوانات، التي تتحكّم فيها الشركات التقنية بدلًا من إدارات الأحزاب، وتراقبنا الكاميرات بدلًا من الكلاب، وتوزّع المكافآت على من يطيع الخوارزمية لا الحزب القائد. ويقول صديق فلسطيني: لقد انتقل الاستبداد من المكتب السياسي والقيادة القُطرية وقيادة هذا الفصيل أو ذاك إلى شاشتنا الصغيرة، وما زلنا نصفّق، لكن بالاعجابات والورود والقلوب الافتراضية وإشارات النصر.
إن رواية "مزرعة الحيوانات" ليست عن الشيوعية بقدر ما هي ضدّ الاستبداد، بما فيه الاستبداد الرأسمالي ونموذجه الإمبريالي – الإسرائيلي، وما جرى في حرب الإبادة على غزّة خير دليل على ذلك، إذْ لم يكتف الطغيان بتدمير البشر والشجر والحجر، بل طلب من الضحايا أن يقدّموا الشكر والعرفان له على ما صنعه فيهم من جعل الحياة مستحيلة، وهذا أقسى أنواع الإذلال والظلم. إن مزرعة الحيوانات هي درس في السياسة والأخلاق والقيم الإنسانية، وهي شيفرة جديدة لليسار لرفع درجة الوعي وتقديم رؤية جديدة لما يجري داخله وحوله وفي العالم أجمع.
***
عبد الحسين شعبان - أكاديمي ومفكّر






