آراء

زهير الخويلدي: الصراع في الأمة العربية

والحلول الحضارية للاستمرارية التاريخية والبقاء الوجودي بين العوامل الداخلية والخارجية

مقدمة: تشكل الأمة العربية، بتاريخها العريق وتراثها الحضاري الغني، محورًا أساسيًا في التاريخ الإنساني. منذ العصور القديمة، ساهمت في بناء الحضارات، من خلال الإنجازات العلمية، الثقافية، والفلسفية، كما في عصر الدولة الأموية والعباسية. ومع ذلك، تواجه الأمة العربية اليوم صراعًا وجوديًا يهدد استمراريتها التاريخية وبقاءها ككيان حضاري متماسك. هذا الصراع ينبع من تفاعل معقد بين عوامل داخلية، مثل التقسيمات الطائفية والاقتصادية، وعوامل خارجية، مثل التدخلات الاستعمارية والضغوط الجيوسياسية. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل هذا الصراع من منظور حضاري، مستندة إلى مقاربة تجمع بين التحليل التاريخي والثقافي، مع اقتراح حلول تعزز الاستمرارية والحيوية. المقاربة الحضارية هنا تعتمد على فكرة أن الحضارة ليست مجرد تراكم مادي، بل نظام متكامل يشمل الجوانب الفكرية، الاجتماعية، والاقتصادية، كما أكد عليه ابن خلدون في نظريته عن العمران.  سنقسم الدراسة إلى أقسام رئيسية: العوامل الداخلية، الخارجية، التحليل الحضاري، والحلول المقترحة ونظرية ابن خلدون في الموضوع.

العوامل الداخلية المؤدية إلى الصراع

تعاني الأمة العربية من عوامل داخلية تؤدي إلى تحللها الحضاري، مما يهدد استمراريتها التاريخية. من أبرز هذه العوامل:

الفكرية والمفاهيمية: يشمل ذلك تشويه المفاهيم الأساسية مثل الجهاد، والجمود الفكري، والابتعاد عن العلم التجريبي. هذا الجمود يؤدي إلى تقزيم التصورات وفقدان هوية المشروع الحضاري، كما في حالة الاعتماد على الفكر القدري السلبي الذي يعيق الابتكار. الاجتماعية والأخلاقية: تتمثل في أزمة الأمة بالاعتماد على الغير، والطبقية، وغياب الكرامة الإنسانية، بالإضافة إلى فساد العلاقات الاجتماعية بالعنصرية والطائفية. هذه العوامل تؤدي إلى ضعف أخلاق الحامية والترف، مما يعمق التقسيمات الداخلية كما في الصراعات الطائفية في العراق وسوريا.

السياسية والاقتصادية: تدهور النظم السياسية، ضعف المؤسسات، والاعتماد على الموارد العارضة مثل النفط، يؤدي إلى اختلال الهيكل الاقتصادي. في الدول العربية، يظهر ذلك في البطالة العالية (14.5% في 2012)، والفقر (أكثر من 1/5 السكان)، والفساد الذي يعيق التنمية.  كما أن غياب النظرة الاستراتيجية يعمق التبعية الداخلية، مما يهدد البقاء الوجودي. هذه العوامل الداخلية تؤدي إلى انهيار بنيوي، لكنها لا تنفي استمرار الحيوية الحضارية، كما في الإبداعات الثقافية مثل الشعر والأدب.

العوامل الخارجية المؤدية إلى الصراع

تكمل العوامل الخارجية التحديات الداخلية، حيث تؤدي إلى تحلل الحضارات من خلال الهيمنة والاستعمار:

الاستعمار والهيمنة: فرض السيطرة الخارجية، كما في اتفاقية سايكس-بيكو، يحول المناطق إلى أسواق استهلاكية، مما يعيق النهضة العربية. هذا يظهر في الخضوع لدول المركز والشركات العابرة للقارات، والفجوة المعرفية مع الغرب.

التغيرات الجيوسياسية: تغير ميزان القوى العالمي، والمشاريع الأجنبية مثل المشروع الصهيوني المدعوم غربيًا، يعمق الصراع. في السياق العربي، يؤدي ذلك إلى احتلال أراضٍ مثل فلسطين والجولان، وفوضى في اليمن والسودان. العولمة والصراع الحضاري: في عصر العولمة، تبرز التوتر بين الاعتماد الاقتصادي والحفاظ على الهوية الثقافية. الحضارة العربية تواجه تهديدات من الغرب، مما يؤدي إلى مقاومة هوياتية، لكن دون تكامل يؤدي إلى عدم استقرار أمني. هذه العوامل الخارجية تحول الصراع إلى صراع حضارات، كما في أطروحة هنتنغتون، التي أصبحت أداة سياسية لتبرير التدخلات الغربية.

التحليل الحضاري: التأثير على الاستمرارية التاريخية والبقاء الوجودي

من منظور حضاري، يُعرّف الصراع كأزمة في الهوية الأخلاقية، حيث يؤدي تفكك الأنظمة القيمية التقليدية إلى تعدد أخلاقي يضع الأفراد في مواجهة مستمرة مع مصادر قيم متعارضة.  الاستمرارية التاريخية تعتمد على أربعة أنظمة كما عند ابن خلدون: الاقتصادي (الاحتياجات المادية)، الثقافي (الأخلاقي)، السياسي (الحكم)، والتربوي (التنشئة). العوامل الداخلية تؤدي إلى تدهور داخلي، بينما الخارجية تعزز التبعية، مما يهدد البقاء الوجودي. ومع ذلك، تظل الحيوية الحضارية موجودة من خلال التراث المشترك (اللغة، الدين، التاريخ)، والإبداعات الثقافية.  في العولمة، يبرز الصراع كتوتر بين الاعتمادية والحفاظ على الهوية، مما يستدعي تكاملًا حضاريًا لتحقيق الأمن المستدام.

الحلول المقترحة: مقاربة حضارية

لحل الصراع، يجب اعتماد مقاربة حضارية تركز على الوحدة والإحياء:

التكامل الاقتصادي والسياسي: إكمال GAFTA، وإنشاء اتحاد جمركي، يؤدي إلى نمو الناتج المحلي بنسبة تصل إلى 3.1%، وتقليل البطالة والفقر.

 يشمل ذلك تعزيز الحريات الثلاث: حماية الحقوق، تحرير الإنتاج، وفك قيود الثقافة.

الإحياء الثقافي والتعليمي: إعادة إحياء التراث العربي-الإسلامي، مع التبادل العالمي، وتعزيز اللغة العربية عبر الإعلام الرقمي والتعليم. يتطلب ذلك إصلاح التعليم ليشمل التفكير النقدي والابتكار.

الإصلاح السياسي والاجتماعي: مواجهة الاستبداد من خلال ثورات سلمية، وتشكيل حرس ثوري لحماية الثورة، مع تسليح السكان وطرد السفارات الغربية.  يجب تجاوز الحدود الاستعمارية، والتركيز على الوحدة الأممية فوق القومية.

المواجهة الخارجية: بناء مواقف موحدة ضد التهديدات، مثل الاحتلال الإسرائيلي، وتعزيز الاعتماد الذاتي لمواجهة العولمة.

نظرية ابن خلدون: مقاربة في علم العمران البشري والعصبية

يُعد عبد الرحمن بن خلدون (1332-1406م) أحد أبرز المفكرين في التاريخ الإسلامي والإنساني، ويُعتبر مؤسس علم الاجتماع الحديث قبل ظهور أوجست كونت بقرون. في كتابه الشهير "المقدمة"، الذي يشكل الجزء الأول من "كتاب العبر"، يقدم ابن خلدون نظرية شاملة لفهم تطور المجتمعات البشرية، مستنداً إلى الملاحظة التاريخية والتحليل العقلي. يركز على مفهوم "العمران البشري" كعلم جديد يدرس أحوال الناس في أوضاعهم الاجتماعية، الاقتصادية، والسياسية، مع الابتعاد عن الروايات الخرافية والتحيزات الشخصية.  تهدف هذه الدراسة إلى توسيع في نظريته، مع التركيز على المفاهيم الأساسية مثل العصبية، دورة الحضارات، والعوامل المتداخلة، مستندة إلى تحليل أكاديمي يربط بين النظرية والواقع التاريخي. سنقسم الدراسة إلى أقسام رئيسية: مفهوم العمران، العصبية، دورة الدول، العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتطبيقات معاصرة.

مفهوم العمران البشري

يشكل "العمران البشري" النواة النظرية لفكر ابن خلدون، وهو علم مستحدث يهدف إلى دراسة تطور المجتمعات من البداوة إلى الحضارة. يقسم ابن خلدون العمران إلى نوعين رئيسيين: العمران البدوي (الذي يعتمد على التنقل والحياة القاسية) والعمران الحضري (الذي يتسم بالاستقرار والتطور المدني). يرى أن نشأة العمران تبدأ بالحاجة الإنسانية الأساسية للتعاون، حيث يقول: "الإنسان مدني بالطبع"، مستلهماً أفكار أرسطو لكنه يطورها في سياق إسلامي.  العمران ليس مجرد بناء مادي، بل نظام متكامل يشمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، ويؤثر فيه البيئة الجغرافية والمناخ. على سبيل المثال، يؤكد أن المناطق القاسية تولد مجتمعات قوية، بينما المناطق الخصبة تؤدي إلى الترف والضعف. في "المقدمة"، يقسم ابن خلدون دراسته إلى ستة فصول تغطي العمران على الجملة، البداوة، الدول والملك، الحضر، المعاش والصنائع، والعلوم. هذا التقسيم يعكس منهجاً علمياً يهدف إلى تمحيص الأخبار التاريخية واستخراج القوانين العامة، مثل قانون العرض والطلب في الاقتصاد، الذي سبق به الاقتصاديين الحديثين.  العمران، إذن، هو عملية ديناميكية تتطور مع زيادة الكثافة السكانية، مما يؤدي إلى تخصص العمل وزيادة الإنتاج، لكنه يحمل بذور انحلاله الداخلي.

مفهوم العصبية

العصبية هي المحرك الأساسي لنشوء الدول والحضارات في نظرية ابن خلدون، وتعني الروابط الاجتماعية القوية التي تربط أفراد المجموعة، سواء بالنسب أو الولاء أو الفكر المشترك. تكون العصبية أقوى في المجتمعات البدوية، حيث يفرض الواقع القاسي التعاون والدفاع المشترك، مما يمنحها القدرة على الغلبة على المجتمعات الحضرية الضعيفة.  يقول ابن خلدون: "العصبية هي الوازع الذي يردع العدوان"، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالقبيلة كوحدة أساسية. مع انتقال المجتمع إلى الحضر، تضعف العصبية بسبب الترف والانقسامات الداخلية، حيث يفقد الأفراد الشعور بالانتماء الجماعي. ومع ذلك، يمكن تعزيز العصبية بدعوة دينية، كما في حالة الفتوحات الإسلامية الأولى، حيث التحمت العصبية القبلية مع الدعوة الإسلامية لتشكل إمبراطورية واسعة.  العصبية ليست مجرد قوة عسكرية، بل عامل اجتماعي يفسر صعود وسقوط الدول، ويُقارن بمفهوم "التماسك الاجتماعي" في علم الاجتماع الحديث.

دورة الحضارات والدول

تصف نظرية ابن خلدون دورة الحضارات كعملية دورية تشبه مراحل حياة الإنسان: النشأة، الازدهار، والانحطاط. تبدأ الدولة بالعصبية القوية في الهامش (البداوة)، حيث تغلب على المركز الضعيف، ثم تنتقل إلى مرحلة الاستقرار والترف، وتنتهي بالفساد والانهيار بعد ثلاثة أجيال تقريباً.

 يقسم الأجيال إلى: الجيل الأول (البناة، قوي العصبية)، الثاني (المحافظون، يعتمدون على التراث)، والثالث (المفسدون، يغرقون في الترف).

هذه الدورة تتأثر بالعوامل الداخلية مثل الظلم والضرائب الثقيلة، والخارجية مثل الغزوات. يحذر ابن خلدون من أن الدولة تفقد شرعيتها عندما تتحول إلى استبداد، مما يدعو عصبيات جديدة للظهور.

 هذه النظرية تطبق على سقوط الدول الإسلامية مثل المرابطين والموحدين، وتمتد إلى حضارات أخرى، مما يجعلها نظرية عالمية.

العوامل الاجتماعية، الاقتصادية، والسياسية

العوامل الاجتماعية

تركز على التفاعل بين البدو والحضر، حيث يؤدي انتقال البدو إلى الحضر إلى ضعف العصبية وانتشار الترف. يرى ابن خلدون الدين كعامل اجتماعي يعزز العصبية إذا كان صحيحاً، لكنه يحذر من التحزب والانقسامات الطائفية.

 كما يدرس تأثير البيئة في تشكيل الشخصية الاجتماعية.

العوامل الاقتصادية

يُعد ابن خلدون رائداً في الاقتصاد السياسي، حيث يرى العمل مصدر القيمة، والعرض والطلب يحددان الأسعار. يحذر من الضرائب الثقيلة التي تقلل الإنتاج، مشابهاً لمنحنى لافر الحديث. يربط النمو الاقتصادي بالكثافة السكانية، لكنه يرى الترف يؤدي إلى الانهيار الاقتصادي.

العوامل السياسية

ترتبط السلطة بالعصبية والشرعية الدينية، حيث الخلافة المثالية تقوم على الشريعة. يسبق ابن خلدون ميكافيللي في تحليل السلطة، محذراً من الاستبداد الذي يؤدي إلى الثورات.

التطبيقات المعاصرة

تظل نظرية ابن خلدون ذات صلة في تفسير الصراعات المعاصرة، مثل سقوط الدول في العالم العربي بسبب ضعف العصبية وانتشار الترف. يمكن تطبيقها على العولمة كدورة حضارية جديدة، حيث تتحدى العصبيات المحلية الهيمنة العالمية.

خاتمة

يظل الصراع في الأمة العربية تحديًا وجوديًا، لكنه فرصة للنهضة الحضارية. من خلال التكامل والإحياء الثقافي، يمكن تحقيق الاستمرارية التاريخية والبقاء الوجودي. كما قال ابن خلدون، "الأمم لا تنهض إلا بالعصبية"، وهنا تكمن العصبية في الوحدة الحضارية. في الختام، تقدم نظرية ابن خلدون إطاراً حضارياً لفهم الاستمرارية التاريخية، مؤكدة أن "الأمم لا تنهض إلا بالعصبية"، وداعية إلى إحياء الروابط الاجتماعية لمواجهة التحديات الوجودية.

***

د زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

في المثقف اليوم