عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

سامي عبد العال: حروب السرديات (3)

السرديات لا تتوقف عن الحركة، بل تتطور مع وقائع الحروب هادفةً إلى نبرةِ التعميمِ. فبالرغم من كونّها في مقدمةِ الصراع، إلا أنها تتحوّر (مثل التحوّرات الجينية للفيروسات). أي ستُغير "جلدّها البرّاق" مع حرق المراحل التي تقطعها، ولاسيما أنَّ صائغ السردية يقبعُ في حالةٍ من الغموض المرغُوب. الغموض مادة دسمة من تداعيات الحروب، حتى ولو كانت الأخيرةُ واضحةً. الأمر الذي قد يدفع (مُنتج السردية) لأنْ يُوسّع نطاق السرد، وما إذا كان عليه - أثناء الحرب - التقهقر أو الخداع أو محو الآثار أو التسلل خلف خطوط السياسة. ولكن الفعل الأهم عقب انتاج السردية هو: كيفية إدارتها لا انتظار آثارها فقط. لا تقل " إدارة السرديات " عن عملية جراحية دقيقة ضمن آفاق المتابعين والامساك بتلابيب الأفكار والعبارات وإنتاج المشاهد. وأنْ يتم تعقب الآثار فيما يجري من أعمالٍ وعلاقاتٍ.

وبالوقت ذاته، سيحتاج الوضع إلى توليد سرديات صغرى Micro-narratives(قصص وروايات محددة كما يحكي دونالد ترامب حول زعماء ورؤساء العالم)، وذلك لكي يتابع ملاحقة عباراته الكبرى Macro phrasesعلىى مداها البعيد. الأمر ليس معركة عابرة، بل حرباً ضروساً. السرد سيبررُ السرد دون توقف، والكلمات تجر الكلمات كعربة حربية منطلقة من جوف التاريخ. ثم هناك برجماتية استعمال العبارات كرأس حربة تجاه الآخرين. مما يجعل سيولة الكلام إطاراً يغرق فضاء الحرب كلما جفت حركته.

تضفير وترقيع

أبرز الأشياء في الحرب (الامريكية الايرانية) هو تضفير الحكي والتعليقات مع جسم الوقائع وداخل حمأة الاحداث. جنباً إلى جنب، يمشي الخيط السردي مع عمليات القصف بتدخل من أعلى المستويات في الأنظمة السياسية!! كأنَّ التضفير لون من الترقيع وحياكة النسيج السردي. هناك وقائع بسيطة مثل سقوط طائرة مسيرة أو خبر فيك fake new حيث يتدخل ترامب للتعليق عليه أو إضعاف آثاره. وقد يردد شيئاً عابر اً مثل (كون المضادات الكويتية أسقطت لأمريكا ثلاثة صواريخ باتريوت بالخطأ). في محاولة ضمنية إلىى القاء بعض التبعات هنا وهناك تاركاً إساءة استعمال قرار الحرب قيد الريح.

وذلك تمهيداً لجولات جديدة من السردية طالما تتلون وتجد لها رواجاً. في الحرب الامريكية الايرانية، تحورت حبكة السردية على التوالي: بداية " لن نترك إيران تمتلك أسلحة نوويةً" وتم العزف على هذا النغم السياسي، ثم أصبحت: " ايران امبراطورية الشر" كتمثيل هوليوودي مدبلج. ثم أضحت: " نحن نحارب مجموعةً من المختلين عقلياً"، لتغدو: " لن نترك ايران تُدمر منطقة الخليج" إلى أنْ أمست: " لقد دمرنا كلَّ شيء ولم تبق هناك أهداف"، حتى باتت: "يمكننا التفاوض شريطة فتح مضيق هرمز" في لحظات الذروة السردية.... والعنوان الأخير مفتاحٌ عولمي للطاقة والاقتصاد الدولي. هكذا تنزلق السردية بوعي المتابعين مع الكلمات من مرحلةٍ إلى غيرها. لا تقف عند حدود مؤجلة. الحدود هي خطوط الادعاء والضربات الخطابية المتتابعة.

"التضفير والترقيع " يظهران أكثر ما يظهران في خطاب اسرائيل، إذ تحاول رفع الروح المعنوية للمجتمع الصهيوني. لم تخلو إحداثية سواء نتيجة هجمات اسرائيل على إيران أو تلقيها ضربات ايرانية إلاّ وتلون الجو العام بــ" جُمل وظيفية Functional". خرجت المتحدثة باسم الجيش الصهيوني لتقول : "..يالها من وحشية ضد الانسانية !!!" على إثر الضربات الايرانية لمدينة ديمونة. وكأن ما فعلته اسرائيل بإبادة غزة كانت دفاعاً عن النفس، ولم تكن تدميراً لكل كائن حي. وكأنَّ تاريخ الخراب الحاصل منذ تأسيس اسرائل هو حدائق غناء وجنات النعيم في منطقة الشرق الأوسط. ويرقع نتنياهو السردية متسائلاً: " أنه لا يعرف لماذا يكرهنا الايرانيون وبعض دول العالم دون أسباب؟". بجرة استفهام يمحو كل ما فعله الكيان الصهيوني. مع كونه يردد طوال الحرب أنه يوجه ضربات ماحقة للدولة الايرانية، وأنه سيجعلها دولةً بلا معالم فوق الأرض.

انفجار السياسة

بقدر ما تمس الحرب المصالح الحيوية، سيكون انفجارُها غير متوقع. تقفز السردية إلى فضاء الحرب تحت مبررات أبرزها: أنه فضاء مفتوح لمن يستطيع الهيمنة. فهي تصطاد العقول بين مخالب السيطرة، وتعطي أصحابها قدرةً في وضح النهار لمراوغة الأطراف الاخرى. كلام دونالد ترامب " كلام دائري " لا بسبب تعذر الفهم، بل لأنه المرجعية الوحيدة لأقواله، يرى الأحداث ويحدد الأعداء وفقاً لرؤية القوة الأمريكية. فانطلاقاً منها ابتداءً وعودةً إليها حتماً، لا تُوجد مسافة لتقييم مزاعم أمريكا. هناك ضغوط تمارسها على الأطراف الأخرى طوال الوقت. بجانب كون المزاعم منطوية على كم وافر من الانحراف. وهذا من شأنه أتاحة الفرصة أمامها لتُلقي ما تزعم كأنها قنابل متفجرة. فمع أن أمريكا بمعايير القانون الدولى استباحت سيادة المنطقة العربية، إلاَّ أنها لا تُقابل بأية معارضةٍ كبيرةٍ.

أمريكا هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا تقف خارج ذاتها. هي تتحصن داخل وجودها الخاص، دائماً ترى في الخارج شيئاً غير ذات قيمة، تقول بلسان الوجود: أنا في الخارج والداخل في الآن نفسه. أمريكا هي المقولة السياسية المعبرة عن" امبراطورية الحضور " في التاريخ السائل. أي تجيد صناعة التاريخ الحي في المكان والزمان الآن. تحتل فكرة " الآن now " كل موروثات أمريكا السياسية من فرانكلين رزفلت إلى دونالد ترامب مروراً بجورج بوش الأب والابن. وهي التدخل الفوري الذي يعطي القوة حيوتها السياسية. لا يغرب عنا قول باراك أوباما مخاطباً الرئيس المصري حسني مبارك إزاء أحداث 25 يناير ألفين وأحد عشر. حين أراد الأخير اجراء ترتيبات سياسية: الآن.. يعني الآن Now.. means now ، يجب أن تبدأ عملية انتقال سلمي للسلطة.

ومن ثمَّ يتمثل ترامب" دور رجل الآن القوي powerful now "، من اليوم الأول وهو يستدرج الدول العربية ويستنطق القوى الاقليمية لصالح ما يدّعي. لئن كانت إيران عدواً، فلا مانع أنْ يقول: كانت عقبةً تأخرنا كثيراً عن محاربتها. ليأخذ مسئول أمريكي(بحجم وزير الخارجية) طرف الخيط: " كان على أمريكا أنْ تستأصل الارهاب الايراني قبل بلوغه هذه المرحلة". أي يجب مواصلة الحرب حتى آخر نفس، وأن المستقبل ينتظر أمريكا نصراً ظافر اً بالثروات الايرانية!!

الحرب الراهنة هي لحظة انفجار اللاوعي السياسي، لحظة الحقيقة. لا مكان فيها للمداراة. أي شيء سيكون على الملأ أمام عيون العالم. كل طرف إمّا أنْ ينتصر أو ينهزم. لا أحد ينتصر وينهزم في الوقت عينه. المزيف والمخادع سيخسر إلى حدٍ بعيد، لحظة الحقيقة ستجر مواقفه إلى الفشل. اللاوعي السياسي يقول: أفشى ترامب كل الأسرار والخفايا. حزمة واحدة من تصريحاته كانت كفيلة بإظهارها. فالحرب مواجهة عنيفة للنفس وللشعوب وللوقائع أمام تاريخها. ماذا سيفعل ترامب مع كل هذا التداعي السردي؟!

أغلب تصريحات ترامب عن الحرب نتيجة انهيار السياسة سلباً وايجاباً. لحظة الانهيار كيوم القيامة لا تُبقي ولا تذر مع قدرات العنف. أمام الانكشاف لا يوجد خيار ، هناك ثنائية: الحياة أو الموت. وحتى التبادل بين الجانبين، لم يعد ذا بال للسردية الامريكية. لأنَّ هناك تجاوزاً للحدود غدا من صميمها الحي. إن عبارات ترامب تمثل حالة من اللاوعي السياسي المفرط، لأنها تشكل أفعالاً في حالة انكشاف وتعري. ليست متماسكة ولا قادرة على التريث، بل تضرب في كل الاتجاهات. هي شكل من أشكال " الاستربتيز السياسي الشبقي " دون وجل ولا تراجع. أي لون من الافتضاح على الملأ. الحروب هي شبق القوى المنحرفة مثلما أن السرديات هي شبق الرغبة في التجلي واثبات الحضور الحي.

في حين تشكل عبارات نتنياهو اللاوعي المقموع طوال تاريخ بني اسرائيل. نوع من البلاغة المسلحة لمخزون من السيناريوهات تجاه المنطقة. هناك " الوعود التوراتية " في كل ممارسات اسرائيل، وهناك" الأطماع الجيوسياسية" التي تتكشف سردياً، وهناك "التحالفات الاقليمية" لتطويق المصالح الاستراتيجية، وهناك" التدخلات غير البريئة " في مشكلات الدول المجاورة لخنق قدراتها الحيوية. يتكلم نتنياهو بصيغة ماضوية دائماً، ويظن أنها تشكل صيغ الحاضر.

ضمن الثقافة اليهودية، يعد هذا انجازاً للأفكار بأثر رجعي. ثقافة اليهود تحفر في الماضي لترى المستقبل. يعيش الشعب اليهودي الزمن الآتي في قالب ماضٍ انتهى أمره. وهذا سبب الدجما اليهودية التي تحكم اغلاق الصهيونية. لأن اسرائيل الحالية أو القادمة ليس بمكانها أن تقدم جديداً. ستكرر سرديات الاسلاف دون تفاوض على شيءٍ مختلف. التفاوض يظل عشرات العقود مع الشعوب المناوئة لبني اسرائيل. ولن ينال هؤلاء أيَّ شيءٍ من قبضتهم. اطلقت اسرائيل على الحوارات مع الفلسطينيين عملية المفاوضات Negotiations process بلا أدنى سقف زمني. تظل عقوداً، تظل قروناً، تظل آلاف السنوات، فلتكن كذلك دون نهاية.

أمّا انفجار السياسة عند حاضر العرب، فهي سياسات الخوف. الشجب والاستنكار وإلقاء التهم المتبادلة. ليس ذلك من صميم الفعل المؤثر، لكنه نتيجة التواجد على هامش الأحداث. هذا ما كان يجب ألّا يحدث، ولكن الحرب طُهيت في كواليس أمريكية واسرائيلية. المهم أن ذلك ربما يكون مؤشراً على شيء آخر سيكشفه المستقبل. أنَّ أطراف الحرب (امريكا واسرائيل وايران) ليسوا راغبين في تواجد العرب قبل الحرب ولا بعدها. فالعرب منطقة عبور قصوى لأهداف أخرى. العرب مساحة عبور أمريكي للنفط الايراني. والعرب مساحة عبور لاسرائيل كي تصبح مركزاً لإدارة الشرق الأوسط ومحوراً لاتفاقيات ابراهيمية مرتبطة بالثمار السياسية والاقتصادية. والعرب مساحة عبور لايران لنشر الايديولوجيا اللاهوتية المسيسة ولحقن خريطة العالم العربي بمناطق الموالاة والانتماء (محور المقاومة).

ما معنى ذلك؟ المعنى ضرورة أن يبحث العرب عن" فضاء رابع" بقدر بحثهم عن أسباب الحياة، عن استراتيجية نهضوية تقوي جهاز المناعة الحضاري والثقافي. وتنحت لهم وجوداً مستقلاً مع الافادة من التجارب الحضارية المغايرة. ولا يعني ذلك القطيعة، بل الاستقلال وعدم وضع البيض في سلة واحدة. ما وقع فيه العرب من أخطاء: أنهم وضعوا كل البيض في سلة أمريكا واسرائيل. مما أعطى الاخيرتين فرصة ذهبية لنصب مسرح الرعب أمام الدول العربية. يجسدون على خشبته أشباح ايران كأنها تحيط بالعرب من كل جانبٍ، أي تخرج الاشباح والعفاريت والشياطين من كهوف إيران لكل مَنْ هو عربي فقط.

الهدف من ذلك ليس مقاومة الاحتلال الصهيوني لفلسطين التاريخية، بل الهدف هو احتلال كل الدول العربية. الشيء المهم أنّ العرب مثلما كانوا "طرفاً وظيفياً " في سيناريوهات الحرب الراهنة، سيكونوا "طرفاً مستنزفاً " من كل الأطراف في الغد. أي لو اتفقت (أمريكا واسرائيل وايران) اليوم (على انتهاء الحرب)، سيتفقوا غدا على التهام ثروات العرب. لأنّ الوسيط (العرب) في صراع المصالح سيكون هدفاً في حد ذاته. وبخاصة أن الصراع كان على المنطقة العربية بصورة تبدو محايدة إلى درجة الخداع. وأمر بلا جدى: أن نطالب أطراف الحرب بأن يكونوا محايدين. كأننا نطالب من الثدييات أن تستحيل إلى طيور أو برمائيات!!

إله الحرب: الخيال والسرد

الخيال هو نسيج السرد النابض بالحياة، وهو كذلك وقود الحروب الفتاك. يشترك الاثنان في هذه القاعدة التي تهيئ الشروط وتستحضر الصور وتحفزها. الخيال أخطر ما في السياسة بأشكالها: (التفكير – التمثيل – الصراع – الخطاب– الاستراتيجية– القوى الناعمة – المناورات....). الخيال مرعب، الخيال مهول، الخيال صادم لدرجة الادهاش التام. ليست التقنية أكثر الأسلحة فتكاً التي يمتلكها الإنسان ولكنه الخيال.

أمريكا – اسرائيل هيّئا مسرح الخيال كثيراً لاستقبال المعارك. الخطابات الأولية تمارين على اثارة الخيال وتجويعه لمزيد من الاحداث. وحتى اللحظة، يثير ترامب ونتنياهو نهم الخيال لآثار وظواهر الحرب الناشبة. الخيال في الحروب، يتبلور في شكل السردية وقدراتها. أنواع الصواريخ والأسلحة والخطط والمناورات وعمليات القصف كلها أنواع من التخييل الحر.

تقع دلالتها المرعبة في روع المتلقي بجانب وقوعها في المعارك. عندما يقول ترامب سنعيد إيران إلى " العصر الحجري"، هنا يستحيل تجنب اثارته للخيال الإنساني. بل يضغط على الذاكرة البشرية لاسترجاع مظاهر الابادة والصراعات الطاحنة والحياة البدائية المتوحشة المميزة لهذا العصر. لا قدرات، لا تطورات، لا صناعة، لا تجارة ، لا مظاهر حضارة هناك. كل ذلك حدث بضربة تخييل من عبارة دونالد ترامب.

تدخل الهجمات الحربية في تشكل الخيال على ايران، فترامب منذ أن قال إن الضربات العسكرية مدمرة تماماً، وأن ايران أصبحت بلا قدرات بحراً وأرضاً وجواً، غدت السردية حكاية مهمة للقوة الامريكية. ولم تعطي الأخيرة فرصة لرؤية الأشياء كما هي. في عملية التخييل، يأتي الواقع مشحوناً بكل دلالات الغسق، نهاية العالم. يبدو أن النهايات تخرج من مصادر حربية عتيدة في ذاكرة البشرية. ليتدخل الرئيس الايراني مؤكداً: أنَّ الزعم بإعادة ايران إلى العصر الحجري هو إعلان حرب عن ابادة جماعية لمظاهر الحياة الايرانية!!

خرج في الاثناء سرد نتنياهو : " إن أرض بلاد فارس هي أرض الأجداد ". وهو يرمي بالخيال إلى أقصى نقطة وإحياء للمعتقدات التوراتية الشعبوية في اسرائيل. كل أرض تطؤها أقدام اليهود وكل شعب يعادي بني اسرائيل سيكون مصيره الموت. دولة الأجداد ليست من الفرات إلى النيل كما تقول الكتابات التوراتية، بل قفزت إلى ماوراء العراق. والرئيس" بيبي" لا يمل كلما دخل في صراع حربي أنْ يحوله إلى " خيال لاهوتي" قح. وقد حوّله إلى ملحمة تستعيد حروباً لبني اسرائيل القدامى. ربما من أكثر الأمور وضوحاً: هذه الأساطير الحربية التي تزحف من واشنطن وتل أبيب إلى طهران والعكس.

سردياً رد الرئيس الايراني: " كيف يتحدث نتنياهو بلسان كيانه الذي لا يتجاوز الثمانين عاماً عن الدولة الضاربة في أعماق التاريخ(يقصد ايران) ". والسرد الايراني يري في اسرائيل كياناً مختلقاً للقوى الكولونيالية. ولد في حقب الاستعمار بصورة غير شرعية تجعله قميناً بالمحو من الجذور. ورد الرئيس الايراني كذلك على ترامب بالأسلوب نفسه. أمريكا هي الدولة الطارئة مقارنة بعراقة الحضارة الفارسية الموجودة في العالم من آلاف السنين. والمفارقة أنَّ التاريخ يكشف النكاية في مشاهد سياسية مختلطة بالأخيلة. ولكن الحروب تصنّع منها أعمالاً متخيلة وملفوفة في كم وافر من الأوهام وإنْ تحققت.

من سوء الطالع بالنسبة لاسرائيل اللاهوتية أن اصطدمت بايران اللاهوتية أيضاً، ولتتحول ساحة المعارك إلى ساحة قتال المعتقدات. فكلتا الدولتيتن لديهما تصورات جذرية عن لاهوت الأرض. ليست الأرض منفلتة من عقالها في فلك الجغرافيا، بل هناك مدارات خيالية لصيقة الصلة. والخيال الجغرافي اللاهوتي مهم جداً خلال تلك المرحلة، هو "نقطة عبور وإلتقاء" بالوقت نفسه. نقطة عبور بواسطة نقل الصراع إلى أرض الطرف الآخر. " أرض الاجداد " تعبير يعلن صراحتةً عن معارك مشروعة في أرض العدو. والعكس: يحمل مصطلح الكيان الصهيوني عدم مشروعية وجوده من الأساس. والخيال نقطة إلتقاء حين يجمع التاريخ مع الجغرافيا بجانب السياسة واللاهوت في بوتقة واحدة.

ليس سهلاً فك شفرة السرديات، لكونها تتكون من أطياف مختلفة. ولكن المفارقة أن تكون السردية بهذا العمق الثقافي والتاريخي. وهو ما يوضح زخم السرد في كل مرة يطل برأسه، حتى ولو كان مجرد عبارات أو مشاهد بسيطة. السرد يعبر عن وجود أناس مغروسون في الثقافة التي تشكل حاضنةً لمآربهم. وكيفية بناء سردية تحملهم إلى حيث يريدون، وأن تكون منسوجة ومطبوعة بما يفكرون. لأنَّ السرد هو نمط الحياة في العالم والتمتع بالقدرات على توظيفها.

من زاوية أخرى، لا يحُول الخيال السردي دون أن يتعشق النمط في صور متناقضة، بيد أنها ضرورية لتشغيل فضاء الحروب. ليس غريباً أن أقام دونالد ترامب صلوات جديدة لتكريس اللاهوت والجغرافيا والسياسة. الصلاة من أجل مساندته سياسياً، قال القس والمبشر الأمريكي فرانكلين جراهام Franklin Graham: " دعونا نصلي، يا أبانا أنت تخبرنا في سفر أستير أنَّ الفرس – الإيرانيين- كانوا يريدون قتل كل يهودي، وأن يفعلوا ذلك كله في يوم واحد، واليوم يريد الإيرانيون، والنظام الشرير لهذه الحكومة، فعل ذلك بنيران ذرية، لكنكم رفعتم الرئيس ترامب إلى السلطة". وفي هذا السياق، يُصوّر سفر أستير الإمبراطورية الفارسية (الإيرانية القديمة) كقوة عظمى مترامية الأطراف، تحت حكم الملك «أحشويروش» (غالباً هو خشايارشا الأول) من عاصمته "شوشن". يبرز السِفر ثقافة البلاط الفارسي القائم على الولائم، شرب الخمر، القوانين الصارمة التي لا تُرد، وتأثير المستشارين (مثل هامان) على قرارات الملك.

" صلاة جيوسياسية مقدسة " بالأصالة، خليط غرائبي على شرف المعارك وأعمال القصف. والصلاة ذاكرة وجودية تجمع بين طقوس اليهودية والمسيحية. فترامب أصولي مسيحي أبعد من اليمين المتطرف الذي يوظف الدين لمآربه السياسية. هو يمين اليمين رغم كونه يحكم أكبر ترسانة مسلحة في العالم، ترسانة وليدة ذروة الحداثة والعلمانية الغربيتين. وقد صور القس جراهام الموضوع كصراع قديم قدم اخبار الرب لشعبه بنوايا الفرس. الحرب جاءت قصاصاً سردياً مؤجلاً وقد آن الآوان لكي تخرج إلى الوجود.

كل صاروخ وكل طائرة مقاتلة قد انطلقت بأوامر الرب منذ فجر المسيحية. كانت الإرادة الفارسية تصر على قتل جميع اليهود، إذن فليبارك الرب تحت عباءة القسيس جراهام حرب اسرائيل- أمريكا لهذه الدولة القاتلة. الفرس قتلة قدامى كانوا سيفعلون ذلك مع شعب الرب خلال يوم واحد. إبادة جماعية بأثر رجعي وفقاً لمصطلحات القانون الدولي المعاصر. وهم أنفسهم الفرس الذين يحاربون أمريكا.

وبخيال لاهوتي سياسي نادر، يستحضر القس إرادة النظام الفارسي اليوم (نقطة الالتقاء)، فهو بموجب التاريخ يحمل النيه الشريرة للاجهاز على كل يهودي معاصر. وإذا كان الرب قد أفشل أفعالهم قديماً، فالموروثات لم تذهب سُدى. مازالت حية في حواشي الدولة الفارسية. ولم يكن ذلك خبط عشواء، بل أعدت فارس الأسلحة النووية للقتال. يا لها من سردية لافتة تلك التي تجمع ذاكرة سحيقة الزمن مع حاضر يعلن استمرار ها. والسردية فوق ذلك تلتقي مع تقارير البنتاجون والمخابرات المركزية الأمريكية بشأن تخصيب اليورانيوم الايراني. القس جراهام عالم باللاهوت وعالم بالذرة كذلك، وقد صوّر المشهد تصويراً ضبابياً رغم وضوحه!! ولكن كيف يمكن الخلاص من شرور بلاد فارس الشيطانية؟!

لقد رفع الرب ترامب إلى السلطة الأمريكية وإلى سلطة الهيمنة على العالم من أجل (حماية شعب الرب). ربما كان ترامب موجوداً ضمنياً منذ بداية المسيحية، ولكنه ظهر في الوقت المناسب حالياً. وهي فكرة (الآن now) مرةً أخرى التي طبعت تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الحروب. ويواصل القس جراهام القول في صلاته لدونالد ترامب: " أبانا احمِ ترامب، نصلى هذا باسم يسوع". فليحمِ الرب ترامب وجيوشه وتحالفاته وربيبته الصهيونية من أجل أن ينفّذ أوامرك. ترامب الذي ذُكر أكثر من ثلاث آلاف مرة في وثائق جيفري ابستين وكان مشاركاً أساسياً في كل مغامراته القذرة. فليحصن وجوده الرب رغم كل الكوارث الاخلاقية التي ارتكبها. بل أصبح هو صوت الرب تجاه صراعات الشرق الأوسط. تم غسيل ساحته وغداً مبعوثاً إلهياً كبطل أسطوري أمام الفرس الأوغاد!!

ومن باب الرحمة المباركة في السردية، دعا القس لشعب إيران المظلوم، فهو من صميم معتقداته: " شعب يريد الحرية من هؤلاء المجانين الإسلاميين"، كما وصف الموقف السياسي اللاهوتي. وأيضاً جاء الوصف مطابقاً لمحاولات أمريكا في الربيع العربي عندما كانت أرادت انشقاقاً داخلياً بين الشعوب والأنظمة السياسية. إذ تطرق على " المساحة الرخوة" بين الحكم السياسي القابض على إدارة الدولة والشعوب. وليس أقرب إلى زيادة الهوة من وصف الشعوب بأنها شعوب باحثة عن الحريات، ولكن لا تجدها، شعوب متطلقة إلى الحياة، ولكن لا تعثر عليها. وذلك يمثل خلع للنظام السياسي من تربة المجتمع مثل خلع النبات من جذوره، زيادة الفجوة حتى يُسهل الرب مهمة ترامب.

أخذت القسيسة بولا وايت كين Paula White-Kaneطرف السرد، المستشارة الروحية للرئيس ترامب منذ فترة طويلة، لتشبّه حياة ترامب السياسية بما تعرض له يسوع المسيح من آلام واضطهاد وملاحقة، قائلة: " لقد علمنا يسوع دروساً كثيرة من خلال موته ودفنه وقيامته". والتماثل لا تعوزة التحديدات، فالقداسة التي تخلع من المسيح على ترامب واسعة لتغطية فضاء العالم كله لا الحرب فقط. وتفسح فضاءات السرد دون حدود. وليس التداخل بين يسوع وترامب شيئاً بسيطاً، ولكنه امتزاج اللاهوت بالناسوت في مبادلة جديدة على عملية التجسد. ترامب هو صورة إله الحرب الذي يناطح الأشرار ويحكم العالم ويحرك التاريخ ويقوم من تحت الركام وبإمكانه أن يُعجل بالقيامة. الأساطير السردية جزء لا يتجزأ من القصص الأمريكية السياسية. أساطير تصنَّع في البيت الأبيض عن طريق قساوسة الرئيس وبواسطة القوات العسكرية المشاركة في الحرب على ايران.

وجهت "بولا وايت كين" سردها إلى دونالد ترامب: " سيدى الرئيس، لم يدفع أحد الثمن مثلما دفعت أنت، لقد كاد أنْ يكلفك حياتك. لقد تعرضت للخيانة والاعتقال والاتهام زُوراً. إنه نمط معروف أظهره لنا مُخلصنا وبسبب قيامته نهضت أنت، ولأنه كان منتصراً، كنت أنت منتصراً ". العبارة تشكل " فتيل السردية الأمريكية" بملء الكلمة. لأن الخيال السردي يخلع جميع استعارات الرب وآلامه ومسار حياته على كيان ترامب. إنه التوحُد الأسطوري بين رئيس أمريكا والرب بمعناه المطلق والوجودي. هذه الحكاية الخرافية التي لم تنته من ذاكراتنا البشرية. والتي لطالما ستُستعاد مرات كثيرة طالما يوجد تقمص الفعل السياسي للفعل اللاهوتي والعكس.

ترامب هو كيان الرب، كان ترامب ومازال يدفع الثمن على خُطى الرب. وكما تحمل الرب كل هذه الآلام والشرور ليكفر عن خطايا البشر. سيتحمل ترامب الصراعات ليكفر خطابا الفرس والعرب في المنطقة. ولكن التكفير هو تكفير حربي ولابأس من أن ينهب ثروات فارس ويأسر الأطفال ويقتل التلاميذ ويدمر البنية التحتية. هل هناك من يعترض على غضب الرب؟! بالطبع لا يجرؤ أحد، كذلك لا يجب أن يعارض أحد غضب ترامب.

والتبشير السياسي لم يختف من الحالة السياسية الراهنة، فمثلما انتصر المسيح بعد الآلام وعدوان كارهيه، فسيكون ترامب منتصراً. منطق النبوءات الانجيلية التي ترسم آفاق السياسة وتحول البيت الأبيض إلى معبد ما بعد حداثي وتحول الحرب إلى طقوس وتعاويذ خلف الرئيس الأمريكي. إن كل الهزائم النكراء ستحدد مصير الأشرار في العالم، لأن صانع المعجزات الجديد (ترامب) سيأتي بالحرب المقدسة في كل مكان. ولا يهم العدوان الامريكي الصهيوني وانتهاك سيادة الدول، لأن أعمال ترامب الحربية بركه ما بعدها بركة.

وعقدت بولا كين طرف السردية لترامب تجاه العالم: " أعتقد أنَّ الرب قال لى أنْ أخبرك بهذا الشيء.. بسبب انتصاره، ستكون أنت منتصراً فى كل ما تضع يدك فيه ". والسرد اللاهوتي يجر سردية إيران إلى معركة خاسرة لا محالة. معركة مقدسة بالضرورة، ولكنها ستلحق الهزيمة بالفرس بالضرورة. والسيناريو الخاص بها مكتوب من الإله الحاكم للتاريخ والجغرافيا.

إله الحرب كما كان موجوداً في تراث الغرب اليوناني والروماني ثم أخذ رداءه السياسي الحديث في الامبراطوريات وانتهاء بدخوله في بنية أمريكا المعولمة. آريس (Ares) هو إله الحرب في الميثولوجيا الإغريقية القديمة، وابن زيوس وهيرا. ويمثل الجانب الدموي، العنيف، وغير المنضبط للحروب. الإله نفسه ينبعث في شخصيات راهنة. ومارس(Mars) هو إله الحرب وحامي روما في الميثولوجيا الرومانية، ويعد ثاني أهم الآلهة بعد جوبيتر. وعلى عكس نظيره اليوناني "آريس" المثير للصراعات، كان مارس يُعبد كحامٍ لهيكل الدولة، ومدافع عن التخوم، ودافع على النصر الحربي، بالإضافة إلى ارتباطه القديم بحماية الزراعة والخصوبة ودلالات الاثنين تجتمع في إله الحرب المعاصر بصيغة كولونيالية.

إله الحرب الغربي لم ينته عند عصر التنوير، استطاع الانبعاث في اهاب اللفياثان السياسي (بتعبير توماس هوبز)، وأستطاع أنْ يسكن أنظمة الدول المعاصرة. اسرائيل دليل على صدق النبوءة وصدق تبليغ الرب إلىى ترامب. فكما أن العهد القديم ينضم إلى العهد الجديد كتابياً، فكذلك تقف اسرائيل التوراتية بجانب جيش الرب الأمريكي الانجيلي إزاء مجانبين الاسلام. الحروب باسم الرب عادت مرة أخرى في سرديات لا تنتهي منذ العصور الوسطى، ولكنها تحورت لأجل افساح المجال أمام اسرائيل، وبقي يسوع المنتظر هو الاعلان الوجودي عن النصر القادم. لتكون السردية الامريكية دعوة مفتوحة لتحويل العالم إلى ساحات حرب. وتكون ثروات وحقوق الشعوب نهباً للرب الأمريكي ، قال ترامب عن درة التاج: " ربما سنهبط على جزيرة خرج الايرانية لنضع أيدينا على منابع النفط وسنحصل على ثروات طائلة".

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة