آراء
فارس عبد الكريم: الخيانة من وجهة نظر الطاغية والشاعر
الخيانة عند الطاغية أو الديكتاتور (1) ليست هي خيانة للوطن بالمفهوم السياسي الأكاديمي او المفهوم الدستوري والقانوني، ولا هي مجرد فعل اجرامي كما هو الأمر في القوانين العقابية او نقض للعهد أو مخالفة للأمانة بالمعنى الأخلاقي المتعارف عليه.
بل هي أداة سياسية ووجودية تُستخدم لإعادة تشكيل الوعي الجمعي وإخضاع الشعوب.
فالطاغبة يرى نفسه بأنه "الوطن" و"الرمز"،
وبعد ان يحاول ان يلصق نفسه بنسب تاريخي او ديني، فإن أي مخالفة لرأيه، أو انتقاد لسياساته، أو محاولة للإبتعاد عن مزاجه وافكاره، هي كفر ومؤامرة وخيانة عظمى.
وعلى هذا النحو فإن الخيانة من وجهة نظر الطاغية او الديكتاتور هي مفهوم سياسي واسع ومرن يخلقه جزافاً لتثبيت أركان الحكم الاستبدادي ليس إلا، ولا يعبر عن مفهوم الخيانة كمصطلح سياسي او قانوني او اجتماعي.
شخصنة الخيانة: الطاغية او الديكتاتور لا يميز بين مصلحته الشخصية ومصلحة الدولة
فهو يختزل الوطن والدولة في شخصه، وبناءً على ذلك، فإن خيانته تعني خيانة الوطن، ومعارضته تعني التواطؤ مع الأعداء.
فالمعادلة هنا؛ ان الخيانة = معارضة النظام
فتتحول الخيانة من جريمة ضد المصلحة العامة إلى جريمة شخصية ضد الحاكم نفسه. فالخائن هو من لا يُظهر الولاء المطلق لشخص الطاغية او الدكتاتور.
وبالتالي فإن تهمة الخيانة التي تجد لها صدى واسع في العقل الجماهيري الجمعي هي في الواقع أداة للإقصاء والتخلص من الخصوم.
وتُستخدم تهمة الخيانة كذلك كذريعة تحمل صفة قانونية (وغالباً ملفقة) لشرعنة تصفية المعارضين السياسيين، المفكرين، أو حتى الحلفاء السابقين الذين اضحوا يمثلون تهديداً لقبضته على السلطة.
وغالباً ما يتشدق الطاغبة بأنه يعتبر الخيانة كـ "عار أبدي" لتكميم الأفواه ولخلق حالة من الخوف الجماعي والترهيب في المجتمع وتشويه سمعة المعارضين.
شعوذة الطاغية:
وقد يصل هوس الخيانة بالطاغية الى الإستعانة بالسحرة والمشعوذين والدجالين، لكشف الخونة والمتأمرين!!!
وتفسير ذلك ان الطاغية يعيش في حالة رعب دائم من الانقلابات، المؤامرات، أو الثورات الشعبية. هذا الخوف يدفعه للبحث عن "أمان" خفي أو حماية غير منظورة توفرها له التعاويذ، (2) والسحرة، مثل اولئك السحرة الذين خدعوا الطاغية لكتابة القران بدمه، بداعي ان دمه سيحرم على النار، وكذلك ربط الشرعية السياسية بالرموز الدينية. (3)
المفهوم النسبي للخيانة:
ومع ذلك فان للخيانة لدى الطغاة مفهوم نسبي انتقائي: يتغير بحسب الحاجة والموقف، فقد يكون العمل وطنياً في وقت ما، ثم يتحول إلى خيانة إذا تغيرت موازين القوى أو المصالح أو صفة القائم بالفعل، فقد يشنق ابناء العامة عند هروبهم من المعركة مثلاً، ولكنه يتغاضى عن ذلك اذا كان الهارب من عائلته او منسوبيه ومحسوبيه
ومن المعتاد تاريخياً ان يكرم الطاغية القادة والادباء والفنانين الذين يوالونه ويدينون له بالطاعة بأرفع النياشين والهدايا القيمة والرواتب الضخمة ولكن احياناً ولأسباب تافهة يتحولون من وجهة نظره الى خونة ويعلقون على المشانق او يقتلهم قتلة بشعة وينثل بجثثهم.
فالخيانة عند الطغاة هي "أي تصرف يضعف القبضة الحديدية للنظام أو يهدد بقاء الحاكم في السلطة". ومع ذلك فإن نسبية مفهوم الخيانة تسمح بالقول ان الخونة من وجهة نظر الطاغية قد يراهم الشعب أبطالاً.
ان عدم الولاء هو الخيانة بعينها: ومن وجهة نظره بجب ان تكون الشعوب بلا إرادة، صامتة، ومنقادة، وأي محاولة للإبداع أو الحرية تعتبر خيانة لـ "النظام".
باختصار، بالنسبة للدكتاتور، الخيانة ليست فعلاً واقعياً بقدر ما هي مفهوم مرن يتشكل حسب الظروف والملابسات لإدامة السلطة وترسيخ الولاء المطلق وفرض الطاعة العمياء وقتل الفكر والثقافة عدوا الطغاة في كل زمان ومكان.
الخيانة في شعر احمد مطر
أحمد مطر، المعروف بـ"الشاعر الثائر"، يسخر من الواقع السياسي العربي، معتبراً أن الخيانة ليست مجرد فعل فردي، بل هي سياسة ممنهجة يمارسها الحكام ضد شعوبهم.
تتمحور الخيانة في شعر أحمد مطر حول خيانة الحكام والأحزاب للقضايا الوطنية والقومية، مستخدماً لغة ساخرة وجريئة في "لافتاته". يصور مطر الخيانة كصفة متأصلة في الأنظمة التي ترهن أوطانها، داعياً المواطنين إلى "خيانة" هذا الواقع المقلوب، ويعتبر السكوت عنه هو الخيانة الحقيقية.
أبرز مظاهر الخيانة في شعر أحمد مطر:
خيانة الحكام:
يصورهم كـ"رهائن" للغرب أو مراهنين على كراسيهم، ويصف أوطانهم بأنها سجون وأرضهم كمائن.
عربٌ ولكن لو نزعت جلودهم/ لوجدت أن اللب أمريكان".
خيانة القضية الفلسطينية: يسخر من "القمم العربية" التي تكتفي بالصور والتصريحات الرنانة، داعياً إياهم للصمت ورفع أقلامهم عن خيانة القضية.
نموذج "عباس": يمثل شخصية الحاكم الذي يدعي الحرص بينما هو يتقاعس ويفسح المجال للعدو، في قصيدته الشهيرة "عباس وراء المتراس".
قلب المفاهيم: يقلب مطر المعادلة، ففي ظل وطن أصبح حظيرة دواجن، تصبح الخيانة للوطن "المزيف" فضيلة، وموالاته رذيلة.
***
فارس حامد عبد الكريم
بغداد - 2026
.............................
دعوة للخيانة
هل وطنٌ هذا الذي
حاكمهُ مراهنٌ وأهلهُ رهائنْ؟
هل وطنٌ هذا الذي
سماؤهُ مراصدٌ وأرضهُ كمائنْ؟
هذا الذي
هواؤهُ الآهاتُ والضغائنْ؟
هذا الذي
أضيقُ من حظيرة الدواجنْ؟
هل وطنٌ هذا الذي
تكونُ فيه عندما
تكونُ غير كائنْ؟!
يا أيها المُواطنْ
خنهُ وخنهُ ثم خنهُ ثم خنهُ،
بُوركت خيانةُ الجرَّاح للبراثنْ.
يا أيها المُواطنْ
إن لم تخُن
فأنت حقًّا خائنْ!
***
احمد مطر
....................
(1) الفرق الأساسي بين الديكتاتور والطاغية يكمن في طريقة ممارسة السلطة والهدف منها؛ تلديكتاتور هو حاكم مطلق يستأثر بالسلطة (غالباً سياسياً) لإدارة الدولة بقبضة حديدية.
بينما الطاغية هو من يتجاوز الحد في الاستبداد والظلم لخدمة أهوائه ومصالحه الشخصية بقسوة مطلقة. يمكن أن يكون الديكتاتور منظماً، لكن الطاغية يدمّر الفضاء المدني.
(2) ضعف الشخصية والجهل: رغم مظاهر القوة والبطش، غالبًا ما يمتلك الطاغية شخصية مهزوزة نفسيًا، ويؤدي الجهل وقلة الوعي إلى تصديق أن السحرة يمكنهم تغيير الواقع أو التحكم في مصائر الناس.
وقد يستخدم الطاغية هؤلاء المشعوذين لإضفاء هالة من "القدسية" أو "القدرات الخارقة" على شخصه، لإقناع العامة بأنه مؤيد بقوى غير طبيعية.
(3)وُصفت العملية بأنها مخالفة شرعية (كتابة القرآن بالدم) وتسببت في وضع ديني معقد، حيث يمنع تدنيس المصحف، مما جعله "شاهداً على بشاعة" الحقبة بحسب بعض الآراء.







