عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

عامر عبد زيد: النخبة ومشكلة الدولة

من بناء المؤسسة إلى الاستحواذ عليها

لا يمكن فهم أزمة الدولة العراقية من خلال ضعف مؤسساتها فقط، ولا من خلال عجزها الإداري أو كثرة الأزمات التي مرّت بها، لأن المؤسسة لا تعمل في فراغ، وإنما تتحرك داخل شبكة من المصالح والقوى التي تحدد اتجاهها ووظيفتها وحدود استقلالها. ومن هنا يصبح السؤال عن الدولة سؤالًا عن النخبة التي تديرها، وعن طبيعة العلاقة التي أقامتها هذه النخبة مع مؤسساتها. فالدولة قد تكون، في تصورها النظري، مؤسسة عامة تجسد الإرادة المشتركة للمجتمع، لكنها قد تتحول في الممارسة إلى مجال تتنافس داخله النخب على الموارد والمواقع والنفوذ.

وهذا التناقض بين الدولة بوصفها مؤسسة عامة، والدولة بوصفها مجالًا للاستحواذ الخاص يمثل أحد المفاتيح الأساسية لفهم التجربة العراقية الحديثة. فمنذ نشأة الدولة العراقية الحديثة لم تكن عملية بناء المؤسسات منفصلة عن صراعات السلطة والمصالح والتكوينات الاجتماعية والسياسية. وقد تشكلت الدولة في العهد الملكي في سياق شديد التعقيد، تداخلت فيه عملية بناء المؤسسات مع الدور البريطاني، ومع إعادة تشكيل البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، الأمر الذي جعل الدولة منذ بداياتها فضاءً تتفاعل فيه مشاريع متعددة للسلطة والمجتمع والهوية.

أولاً: من بناء الدولة إلى الصراع على الدولة

إن الدولة العراقية الحديثة لم تولد بوصفها مؤسسة مكتملة، وإنما كانت نتيجة عملية تاريخية متدرجة لإنتاج السلطة والمؤسسات والشرعية. فقد ارتبط تأسيس الدولة عام 1921 بإقامة النظام الملكي وبمحاولات بناء جهاز إداري وعسكري وتشريعي قادر على إدارة مجتمع شديد التنوع. ويشير عديد داويشا إلى أن النخبة الحاكمة العراقية واجهت منذ البداية ثلاث مهام متلازمة: توطيد مؤسسات الدولة، وإنتاج شرعيتها، وبناء هوية وطنية جامعة.

لكن بناء المؤسسات لا يعني بالضرورة ترسيخ الدولة الحديثة بالمعنى المؤسسي. فالمؤسسة تكون دولة عندما تصبح قواعدها أكثر قوة من الأشخاص الذين يشغلونها، وعندما يصبح المنصب العام وظيفة في النظام لا ملكية سياسية لمن يتولاه. أما حين تتحول المؤسسات إلى أدوات في يد جماعات أو أفراد، فإنها تفقد تدريجيًا صفتها العامة، حتى وإن بقيت هياكلها القانونية والإدارية قائمة.

وهنا تظهر إحدى المفارقات المركزية في التاريخ السياسي العراقي: قد تتوسع الدولة مؤسسيًا، بينما تضعف الدولة سياسيًا. فقد تزداد الوزارات والدوائر والهيئات والوظائف، من دون أن تزداد بالضرورة قدرة المؤسسة على العمل بصورة مستقلة ومحايدة. وبذلك يصبح نمو الجهاز البيروقراطي مؤشرًا على حجم الدولة لا على قوتها المؤسسية.

وقد أظهرت دراسة عراقية حديثة عن آليات بناء الدولة في العهد الملكي أن المؤسسات الجديدة لم تقطع بصورة كاملة مع البنى الاجتماعية القديمة، بل تداخلت الأنماط الجديدة مع القديمة، وأصبحت بعض الجماعات قادرة على استخدام مؤسسات الدولة لتحسين موقعها الاجتماعي والسياسي . وهذا يعني أن الدولة لم تكن دائمًا قوة مستقلة عن المجتمع، بل كانت في أحيان كثيرة ساحة لإعادة توزيع القوة بين الجماعات.

ومن هنا يمكن إعادة صياغة المشكلة على النحو الآتي: لم تكن المشكلة العراقية في غياب الدولة، وإنما في عدم اكتمال انتقال الدولة من كونها مجالًا لتوزيع النفوذ إلى كونها مؤسسة مستقلة عن شبكات النفوذ.

ثانياً: الدولة بوصفها مجالاً للتنافس على الموارد والنفوذ

ترتبط الدولة الحديثة بالموارد ارتباطًا وثيقًا؛ فهي تملك الموازنة العامة، والوظائف، والتعيينات، والعقود، والتراخيص، والخدمات، والأراضي، والأجهزة الأمنية، فضلًا عن قدرتها على إنتاج القواعد القانونية. ولذلك فإن السيطرة على الدولة تمنح النخبة قدرة واسعة على توزيع الموارد وتحديد المستفيدين منها.

وتزداد أهمية هذه المسألة في العراق بسبب الاقتصاد الريعي الذي جعل الدولة المركز الأساسي لتوزيع الثروة النفطية وتوفير الوظائف والخدمات. وقد أشار تحليل تشاتام هاوس إلى أن الدولة العراقية خلال القرن العشرين أصبحت، بفعل الريعية النفطية، المزود المركزي للدخل والخدمات، الأمر الذي جعل علاقة المواطن بالدولة ترتبط بدرجة كبيرة بالوظيفة والدخل والخدمات التي تقدمها. .

وهنا تنتقل الدولة من كونها مؤسسة لإنتاج الصالح العام إلى كونها موردًا للتوزيع السياسي. فالسياسي الذي يسيطر على موقع مؤثر داخل الدولة لا يمتلك سلطة القرار فقط، وإنما يمتلك القدرة على إعادة توزيع الموارد بما يخدم شبكته السياسية والاجتماعية.

وهذا ما يجعل مفهوم المحسوبية السياسية أكثر أهمية من مفهوم الفساد الفردي وحده. فالفساد الفردي يفترض أن شخصًا يستغل موقعه لتحقيق منفعة خاصة، بينما تشير المحسوبية السياسية إلى شبكة منظمة من العلاقات المتبادلة التي تربط السلطة بالموارد والولاء. وفي هذه الحالة يصبح الحصول على الوظيفة أو العقد أو الموقع الإداري جزءًا من عملية بناء النفوذ السياسي.

ومن هنا يمكن التمييز بين شكلين من الفساد:

الفساد داخل الدولة، حيث يستغل الفرد المؤسسة لمصلحته الخاصة؛

والفساد الذي يعيد تشكيل الدولة، حيث تصبح المؤسسة نفسها منظمة وفق شبكات المصالح.

والثاني أخطر؛ لأنه لا يفسد بعض الموظفين فقط، بل يغيّر منطق عمل المؤسسة.

ثالثاً: المحاصصة وتحول الدولة إلى بنية لتقاسم النفوذ

بعد عام 2003 أخذت هذه المشكلة شكلًا أكثر وضوحًا مع نشوء نظام سياسي قائم على تقاسم السلطة بين القوى السياسية على أساس هوياتي وطائفي وإثني. ولا يعني ذلك أن كل أشكال التمثيل الاجتماعي أو التعدد السياسي تمثل مشكلة في ذاتها، وإنما تكمن المشكلة عندما يتحول التعدد من تمثيل للمجتمع داخل الدولة إلى تقاسم للدولة بين الجماعات السياسية.

وهنا يظهر الفرق الدقيق بين مفهومين: التعددية السياسية والمحاصصة السياسية. التعددية تعني أن المجتمع متعدد القوى والاتجاهات، وأن هذه القوى تتنافس داخل قواعد مؤسسية مشتركة. أما المحاصصة فتجعل الانتماء إلى الجماعة السياسية أو الهوياتية وسيلة لتوزيع المناصب والموارد.

وقد خلصت دراسات حديثة إلى أن ترتيبات تقاسم السلطة بعد 2003، التي صُممت في الأصل لتوفير الاستقرار بين المكونات، ساعدت عمليًا على نشوء اتفاق نخبوي مكّن الأحزاب السياسية من اختراق المؤسسات الرسمية وإضعاف استقلالها.

وبذلك لم تعد المشكلة مجرد وجود نخبة قوية، وإنما نشوء نخبة موزعة على شبكات مصالح متعددة تتشارك في السيطرة على أجزاء من الجهاز العام. ويصبح الوزير، أو المسؤول، أو المدير العام، في بعض الحالات، مرتبطًا بالجهة السياسية التي أوصلته إلى موقعه أكثر من ارتباطه بالمنظومة المؤسسية التي يعمل داخلها.

وهنا تتغير وظيفة المنصب العام: بدل أن يكون المنصب تكليفًا مؤسسيًا يصبح امتدادًا لشبكة سياسية.

وقد وثق تشاتام هاوس هذه الظاهرة فيما يتعلق بالتعيينات في الدرجات الخاصة، حيث تنافست الأحزاب السياسية على تعيين شخصيات في المناصب العليا داخل الجهاز الإداري، بما يسمح لها بالتأثير في موارد الدولة ويضعف المساءلة المؤسسية.

رابعاً: من الدولة المؤسسية إلى الدولة الشبكية

تؤدي المحاصصة وشبكات المصالح إلى إنتاج نوع مختلف من الدولة؛ دولة تبدو مؤسساتها قائمة، لكن آليات القرار الفعلية لا تعمل دائمًا من خلال المؤسسات الرسمية وحدها. فهناك، إلى جانب الوزارة والبرلمان والقضاء والإدارة، شبكات غير رسمية من الأحزاب والمصالح والعلاقات الشخصية والاقتصادية والاجتماعية.

ومن هنا يمكن وصف الدولة العراقية في بعض مراحلها بأنها دولة شبكية؛ أي دولة تتداخل فيها البنية الرسمية مع شبكات غير رسمية لممارسة السلطة.

وتكمن خطورة هذا النمط في أنه ينتج ازدواجية بين:

الدولة القانونية التي تظهر في النصوص، والدولة الفعلية التي تعمل من خلال شبكات القوة.

فقد توجد قواعد قانونية واضحة للتعيين والمساءلة، لكن القرار الفعلي قد يتأثر بعلاقات سياسية خارج القاعدة القانونية. وقد توجد مؤسسة رقابية، لكن قدرتها على مساءلة أصحاب النفوذ تكون محدودة إذا كانت النخب نفسها قادرة على التأثير في آليات الرقابة.

ويصف ريناد منصور هذا الوضع باعتباره مشكلة الاستحواذ على الدولة؛ إذ تستطيع النخب النافذة السيطرة على آليات المساءلة والمؤسسات البيروقراطية، ثم تستخدم المواقع العليا لبناء شبكات ولاء تجعل الجهاز الإداري أقل قدرة على أداء وظيفته المستقلة.

وهنا تتحول الدولة من جهاز قادر على ضبط الشبكات الاجتماعية إلى دولة تخترقها الشبكات.

خامساً: الاستحواذ على المؤسسة وإعادة إنتاج الضعف

إن الاستحواذ على المؤسسة لا يعني بالضرورة إلغاءها. وهذه نقطة مهمة في فهم الحالة العراقية. فالنخبة لا تحتاج دائمًا إلى تدمير المؤسسة حتى تسيطر عليها؛ يكفي أن تعيد تشكيل آليات عملها بحيث تصبح المؤسسة قائمة شكليًا، لكنها خاضعة عمليًا لمنطق النفوذ.

ومن هنا يمكن تحديد ثلاث مراحل في علاقة النخبة بالمؤسسة:

المرحلة الأولى: بناء المؤسسة.

تعمل النخبة على تأسيس المؤسسات وإنتاج القواعد والأنظمة التي تجعل الدولة أكثر قدرة على العمل.

المرحلة الثانية: استخدام المؤسسة.

تبدأ النخبة في توظيف المؤسسة لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية خاصة.

المرحلة الثالثة: الاستحواذ على المؤسسة.

تتحول المؤسسة نفسها إلى جزء من شبكة المصالح، فتعمل ليس وفق منطق الدولة العام، وإنما وفق توازنات القوى التي تسيطر عليها.

وعند هذه المرحلة لا تعود المؤسسة قادرة على إصلاح نفسها بسهولة؛ لأن القوى المستفيدة من ضعفها تصبح هي نفسها القوى القادرة على تعطيل إصلاحها.

وهذا ما يفسر لماذا تبدو بعض الإصلاحات في العراق وكأنها تبدأ ثم تتعثر. فالمشكلة ليست دائمًا في نقص المعرفة الفنية بالإصلاح، وإنما في تضارب الإصلاح مع مصالح القوى المستفيدة من الوضع القائم. وقد خلصت دراسة تشاتام هاوس حول إصلاح القطاع العام العراقي إلى أن عدم الاستقرار السياسي شجع النخب الحاكمة على التفكير قصير الأمد، وعلى تفضيل بناء شبكات المحسوبية من خلال الوظائف على الاستثمار طويل الأمد في الخدمات والبنية التحتية.

وبهذا يصبح ضعف الدولة قابلًا لإعادة الإنتاج: ضعف المؤسسة يولد الحاجة إلى الوساطة، والوساطة تقوي الشبكات، والشبكات تضعف المؤسسة، ثم تؤدي المؤسسة الضعيفة إلى زيادة الاعتماد على الشبكات.

سادساً: من النخبة التي تبني الدولة إلى النخبة التي تعيش على ضعفها

تظهر هنا المسألة الأكثر عمقًا: هل تحتاج النخبة إلى دولة قوية فعلًا؟

قد يبدو السؤال متناقضًا، لأن النخب السياسية يفترض أن تكون المستفيد الأول من الدولة القوية. لكن الدولة القوية مؤسسيًا قد تحد من قدرة النخب على التحكم في الموارد، لأنها تجعل الوصول إلى الوظيفة والمنصب والقرار خاضعًا للقواعد لا للعلاقات.

أما الدولة الضعيفة مؤسسيًا، فقد تمنح النخب مساحة أوسع للمناورة. ولذلك قد تصبح بعض النخب مستفيدة من الدولة الضعيفة ولكن الغنية بالموارد: دولة تمتلك النفط والميزانية والوظائف، لكنها تفتقر إلى مؤسسات مستقلة قادرة على فرض القواعد على الجميع.

وهذا يفسر المفارقة العراقية: الدولة قد تكون قوية في مواردها، لكنها ضعيفة في استقلال مؤسساتها.

فالضعف هنا ليس غياب القوة المادية، وإنما ضعف القدرة على تحويل الموارد إلى مؤسسات مستقرة وقواعد عامة. ولذلك فإن زيادة الإنفاق الحكومي أو عدد الموظفين لا تعني بالضرورة زيادة قوة الدولة. بل قد تؤدي، في ظل شبكات المحسوبية، إلى توسيع المجال الذي تتحرك فيه النخب السياسية.

وقد بينت تحليلات تشاتام هاوس أن توسع القطاع العام بعد 2003 ترافق مع توظيف سياسي قائم على المكاسب السريعة وبناء شبكات الولاء، في وقت تعثرت فيه الاستثمارات العامة طويلة الأمد.

خاتمة

تكشف دراسة علاقة النخبة العراقية بالدولة أن أزمة الدولة ليست مجرد أزمة مؤسسات ضعيفة، وإنما هي قبل ذلك أزمة في طبيعة العلاقة بين السلطة والمؤسسة. فالمؤسسة تصبح ضعيفة عندما لا تكون القواعد العامة أقوى من المصالح الخاصة، وعندما يتحول المنصب العام من وظيفة لخدمة الدولة إلى موقع لإنتاج النفوذ.

ومن ثم فإن المحاصصة ليست مجرد آلية لتوزيع المناصب، بل يمكن أن تتحول إلى منطق لإعادة تعريف الدولة نفسها؛ من دولة تقوم على المواطنة والمؤسسة إلى دولة تقوم على التوازن بين شبكات النفوذ. وفي هذه الحالة يصبح المواطن تابعًا للشبكة بدل أن يكون مواطنًا يتمتع بحقوقه بواسطة مؤسسة الدولة.

لكن المشكلة الأعمق تكمن في أن النخبة التي تستحوذ على المؤسسات لا تكتفي باستغلال ضعف الدولة، بل قد تصبح قادرة على إعادة إنتاج هذا الضعف؛ لأن إصلاح المؤسسة يعني بالضرورة تقليص مساحة النفوذ غير المؤسسي.

وعليه، فإن الانتقال من الدولة المأزومة إلى الدولة المؤسسية لا يتطلب إصلاح القوانين والهياكل الإدارية فقط، بل يتطلب إعادة بناء العلاقة بين النخبة والدولة. فالهدف ليس إقصاء النخبة من المجال السياسي، وإنما تحويلها من نخبة تستمد قوتها من السيطرة على الدولة إلى نخبة تستمد شرعيتها من قدرتها على بناء الدولة.

وهنا تتحدد المسألة الأخلاقية والسياسية للفصل كله: الدولة لا تُصلح نفسها ما دامت القوى المستفيدة من ضعفها تملك القدرة على التحكم في مسار إصلاحها. ولذلك فإن إصلاح الدولة العراقية يبدأ من إعادة تعريف معنى السلطة العامة نفسها: السلطة ليست امتيازًا للاستحواذ على المؤسسة، بل مسؤولية عن حمايتها، وليس معيار نجاح النخبة مقدار ما تحصل عليه من موارد الدولة، بل مقدار ما تتركه للدولة من مؤسسات أقوى وأكثر استقلالًا مما وجدته.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

في المثقف اليوم