عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

حكيم السلطاني: النصر عراقياً.. سردية النصر في خطاب المرجعية العليا

ليس السؤال في هذه المقالة من ساعد العراق عسكريًا في حربه على داعش هل هي جمهورية إيران الإسلامية أم التحالف الدولي بقيادة أمريكا؟ فهذا سؤال واقعي لا يمكن لأحد أن ينكر ما قدمته إيران من دعم ومساندة ولا ما قدمه التحالف الدولي من إسناد جوي. إنما السؤال الذي يعنينا أكثر هو كيف مثّلت المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف حرب داعش في خطابها لصياغة سردية النصر؟ ومن جعلته فاعلًا في الدفاع والتحرير والنصر؟ ومن سمّته حين وزّعت أدوار البطولة والتضحية؟ ومن غاب اسمه عن النص، على الرغم من حضوره في الواقع الميداني والعسكري؟

هذا السؤال يكتسب أهميته من كثافة الخطاب المرجعي خلال سنوات الحرب؛ فنحن لسنا أمام بيان عابر يمكن أن يكون الغياب فيه سهوًا أو اختصارًا، بل أمام سلسلة ممتدة من الخطب والبيانات والتوجيهات، بدأت مع سقوط الموصل سنة 2014، ورافقت التعبئة والقتال والتحرير، وانتهت بخطبة النصر ثم بنصوص استذكار ذلك النصر بعد سنوات. ومع كل هذا الامتداد ظل البناء الخطابي ثابتًا بصورة لافتة.

العراقي هو مركز الفعل، والقوات العراقية هي أداة الدفاع والتحرير، والشعب العراقي هو صاحب التضحية، أما الخارج فلا يظهر إلا في دائرة المساندة العامة تحت عبارة يتيمة واحدة (الأشقاء والأصدقاء). من دون ذكر حتى اسم جمهورية إيران الاسلامية ولو لمرة واحدة بوصفها صاحبة فضل في التحرير، فضلا عن صاحبة الفضل الأكبر.

منذ اللحظة الأولى للأزمة، جاءت خطبة المرجعية في 13 حزيران 2014 التي صدرت فيها فتوى الدفاع الكفائي، لتبين أن التهديد لا يمثل خطرًا على مكوّن مذهبي بعينه، بل بوصفه خطرًا على العراق وشعبه. ووجّهت المرجعية الخطاب إلى أبناء القوات المسلحة وسائر الأجهزة الأمنية، وانتهت إلى دعوة القادرين على حمل السلاح إلى التطوع للانخراط في القوات الأمنية[1]. وهذا البناء واضح في جميع النصوص التي أُحصيت في هذه المقالة، مما صدر عن المرجعية العليا خلال حرب داعش وما أعقبها، على امتداد أكثر من ثلاث سنوات؛ إذ حافظ خطاب المرجعية، مع تعدد مناسباته ومراحله، على مركزية الفاعل العراقي في الدفاع والتحرير وصناعة النصر. وربطت الفعل العسكري بالمؤسسة الأمنية العراقية.

وفي خطبة 20 حزيران 2014 جاءت عملية تثبيت هذا الإطار بصورة أشد وضوحًا. فقد أكدت المرجعية أن الدعوة موجهة إلى جميع المواطنين وأنها ليست ذات منطلق طائفي، ثم صححت مبكرًا إحدى أكثر الصور التي ستصبح ملتبسة لاحقًا: (الفتوى لم تكن دعوة إلى إنشاء قوة مسلحة موازية، بل إلى الانخراط في القوات الأمنية الرسمية، مع التشديد على ضرورة حصر السلاح بالدولة)[2].

هذه نقطة مهمة في تحليل الخطاب؛ لأن المرجعية لم تصف الحرب بوصفها حرب (محور شيعي) ضد داعش، مع أن إيران وفصائل من المقاومة العراقية كانت حاضرة في سوريا منذ 2011، 2012 وكانت تقاتل بعنوان الدفاع عن مرقد السيدة زينب ع، وتم انسحابهم من سوريا إلى العراق عندما اجتاح داعش الموصل، وإنما وصفت المرجعية الحرب بوصفها دفاع دولة ومجتمع عراقي عن ذاته. وتكرر الحقل المعجمي نفسه: المواطنون، العراقيون، القوات الأمنية، الجيش، الدولة، البلد، الشعب. أما الخارج فلم يمثل مركزية التبئير -كما عند جيرار جينت- في سردية خطابها.

وفي 4 تموز 2014 ذهب المرجعية إلى (ضرورة تنظيم عملية التطوّع وإدراج المتطوّعين ضمن تشكيلات الجيش والقوات الأمنية الرسمية وعدم السماح بحمل السلاح بصورة ٍ غير قانونية، وفي هذه المناسبة نجدّد الشكر والتقدير للقوّات الأمنية ومن التحق بهم من المتطوّعين الذين يخوضون معارك ضارية ضدّ الإرهابيين الغرباء من اجل الحفاظ على بلدنا وشعبنا بجميع مكوّناته وطوائفه)[3]. ثم في 11 تموز 2014، أعادت المرجعية القول بـ(ضرورة تنظيم عملية التطوع وإدراج المتطوعين في ضمن القوات العسكرية والأمنية العراقية الرسمية وعدم السماح بوجود مجموعات مسلحة خارج الأطر القانونية تحت أي صفة وعنوان، إنّ هذا مسؤولية الحكومة وليس لها أن تتسامح في القيام بها)[4].

ليس التكرار هنا اعتباطيًا. ففي تحليل الخطاب، التكرار ليس مجرد إعادة لفظية، بل وسيلة لترسيخ إطار إدراكي: من يدافع عن العراق؟ العراقيون. أين يعملون؟ داخل المؤسسات العراقية. ولأي غرض؟ حماية العراق والعراقيين بمختلف طوائفهم. وبهذا كانت المرجعية منذ البداية تستشرف خطر الارتباط بين الحرب على داعش وبين تحويلها إلى هوية خارجية أو صراع مذهبي عابر للحدود.

وفي نصائح وتوجيهات للمقاتلين في ساحات الجهاد الصادرة عن مكتب السيد السيستاني في شباط 2015، ينتقل الخطاب من تعبئة المقاتلين إلى تقنين سلوكهم أخلاقيًا وفق الفقه الإسلامي: حرمة الدم، وحفظ أموال الناس، وحماية غير المسلمين، وعدم الغدر أو التمثيل، وعدم التكفير، وعدم البدء بالعدوان. ويصل النص إلى عبارة شديدة الدلالة في البعد الوطني: (من ظن غريبًا أنصح له من أهله وعشيرته وأهل بلده ووالاه من دونهم فقد توهم)[5].

ثم تأتي خطبة 7 آب 2015 لتنتقل من الفاعل العام (العراقيين) إلى تسمية القوى التي تتحمل الحرب ميدانيًا (أبناء العراق الميامين في القوات المسلحة بتشكيلاتها المختلفة وكذلك المتطوعون الأبطال وأبناء العشائر الغيارى)[6]. ويلاحظ هنا أن الخطاب كان قادرًا على التفصيل والتسمية. ولذلك تصبح دلالة عدم تسمية الدول الخارجية أكثر وضوحًا؛ فالأمر ليس خطابًا مقتضبًا يعجز عن تعداد الأطراف.

وتزداد هذه الدلالة قوةً في معركة تحرير نينوى سنة 2016. فالمرجعية تعدد بصورة دقيقة: (في هذه الايام الخالدة حيث يخوض رجال العراق الابطال في الجيش والشرطة الاتحادية وقوات البيشمركة وجحافل المتطوعين وابناء العشائر الغيارى .. معارك العز والشرف والكرامة دفاعاً عن الارض والعرض والمقدسات)[7]، ثم تخاطبهم: (يا من ليس لنا من نفتخر بهم غيركم)[8].

وهذه واحدة من أهم المحطات في المدوّنة؛ لأن حرب الموصل كانت في ذروتها، وكانت مساهمات دولية وإقليمية قائمة على الأرض وفي الجو، ومع ذلك ظل إسناد الخطاب للنصر متمركزًا في الداخل العراقي. بل إن الخطبة نفسها تنتهي إلى التحذير من أن يسمح العراقيون (للأجنبي باستغلال خلافاتهم للتدخل في شؤونهم الداخلية وخرق سيادة بلدهم بذرائع مختلقة)[9].

ثم تأتي خطبة النصر في 15 كانون الأول 2017 بوصفها النص الأكثر صراحة وحسمًا في تحديد صاحب النصر. تبدأ الخطبة بالنداء: (أيها العراقيون الشرفاء)، ثم يأتي الفعل مسندًا إليهم مرارًا: (انتصرتم)، (بإرادتكم)، (بعزيمتكم)، (بتضحياتكم). وعندما تنتقل إلى المقاتلين تقول المرجعية إنّها (لا ترى لأحد فضلاً يداني فضلكم ولا مجداً يرقى الى مجدكم في تحقيق هذا الانجاز التاريخي المهم)[10]، ثم تبلغ العبارة ذروتها الدلالية. (فالنصر منكم ولكم وإليكم وأنتم أهله وأصحابه، فهنيئاً لكم به، وهنيئاً لشعبكم بكم، وبوركتم وبوركت تلك السواعد الكريمة التي قاتلتم بها وبوركت تلك الحجور الطاهرة التي ربّيتم فيها. أنتم فخرنا وعزّنا ومن نباهي به سائر الامم. ما أسعد العراق وما أسعدنا بكم لقد استرخصتم أرواحكم وبذلتم مهجكم في سبيل بلدكم وشعبكم ومقدساتكم)[11].

وعندما استذكرت المرجعية العليا التضحيات ودعت لهم بمزيد من البركات وخير جزاء المحسنين، ذكرت (شهداءنا الابرار الذين روّوا ارض الوطن بفيض دمائهم الزكية)، واستذكرت عوائلهم الكريمة، واستذكرت بعزة وشموخ الجرحى ووصفتهم بـ(الشهداء الاحياء)، واستذكرت بإكبار وامتنان (جميع المواطنين الكرام الذين ساهموا في رفد ابنائهم المقاتلين في الجبهات بكل ما يعزز صمودهم)، ثم المفكرين والأطباء والإعلاميين، وأخيرًا تأتي عبارة واحدة للخارج (كما نقدم الشكر والتقدير لكل الأشقاء والأصدقاء الذين وقفوا مع العراق وشعبه... وقدموا له العون والمساعدة)[12].

والمفارقة أن المرجعية حين أرادت شكر الخارج، لم تذكر جمهورية إيران الاسلامية، ولم تذكر التحالف الدولي أو أي دولة منفردة، بل عمدت إلى التعميم المقصود (الأشقاء والأصدقاء). وهذا التعميم يمنع احتكار دولة بعينها لرأسمال النصر الرمزي، ويجعل المساعدة الخارجية جمعيّة وهامشية قياسًا إلى مركزية الفاعل العراقي.

وهنا يظهر الفارق بين الإسناد والمساندة. فالنصر يُسنَد إلى العراقيين، أما الخارج فيُسند إليه العون والمساعدة. الأول فاعل الإنجاز، والثاني فاعل مساعد. وهي ليست مسألة رتبة فحسب، بل بناء دلالي كامل يحدد مركز الثقل في سردية النصر لخطاب المرجعية.

ولا يعني هذا البناء الخطابي إغفال دور جمهورية إيران الإسلامية أو دور التحالف الدولي، بقدر ما يكشف عن إرادة واضحة في إبقاء مركز الفعل داخل الوطن نفسه؛ فالشعوب في تصور المرجعية، لا تنقذها إرادة الخارج ما لم تبدأ هي بالفعل، ولا يصنع الآخرون نصرها نيابةً عنها. إنما تأتي المساندة حين تنهض الأمة بأبنائها وتتماسك مؤسساتها، أما حين تضعف وتتفرق وتنتظر خلاصها من الخارج فإنها تصار الى التفرقة والمهلكة.

ولا يعني هذا الخطاب أن المرجعية أنكرت ما قُدِّم للعراق من إسناد خارجي في مواجهة تنظيم داعش؛ بل تكشف نصوصها اللاحقة عن إقرار واضح ببعض تلك الأدوار، ولكن في حدود الوظيفة التي أدّتها في الدفاع عن العراق. فعقب الضربة الأميركية قرب مطار بغداد في 3 كانون الثاني 2020، وصفت المرجعية ما جرى بأنه (اعتداء غاشم) و(خرق سافر للسيادة العراقية)، وقالت إنه أدّى إلى استشهاد (عدد من أبطال معارك الانتصار على الإرهابيين الدواعش)، باستعمال (من) التبعيضية، من غير أن تسمّي في هذا البيان الشهيدين قاسم سليماني أو أبا مهدي المهندس، فضلا عن قولها إنهم قادة النصر. ثم بعث سماحة السيد السيستاني (دام ظله) بعد ذلك برسالة تعزية إلى سماحة المستطاب آية الله السيد علي الخامنئي خصّ فيها اللواء العظيم قاسم سليماني بالذكر، وأشار إلى (الدور الفريد) الذي أدّاه في سنوات الحرب مع داعش في العراق، مؤكداً أن ما تحمّله في هذا المجال لا يمكن أن يُنسى. وتزداد دلالة هذا النسق وضوحاً في بيان مكتب المرجعية عند رحيل السيد حسن نصر الله سنة 2024؛ إذ لم يقتصر البيان على الإشادة بدوره في لبنان وفلسطين، بل نصّ صراحة على أنه (ساند العراقيين بكل ما تيسر له في تحرير بلادهم من الإرهابيين الدواعش).

وبذلك يبدو أن خطاب المرجعية يجمع بين مستويين لا ينبغي الخلط بينهما: الاعتراف بمن أسهم في إسناد العراق في لحظة الخطر من جهة، والإبقاء على النصر ضمن سردية عراقية وطنية قوامها فتوى الدفاع، وتضحيات العراقيين، ومؤسسات دولتهم، من جهة أخرى. فالإقرار بالمساندة لا يتحول في هذا الخطاب بمجرده، إلى تبنٍّ للمشروع السياسي أو الإقليمي للجهة المساندة، ولا يلغي مركزية الدولة والسيادة والقرار الوطني العراقي.

وبعد مرور خمس سنوات على الفتوى، عاد نص مكتب السيد السيستاني في 14 حزيران 2019 إلى الصيغة نفسها. (فهب رجال العراق الابطال شيبا وشبانا ومن مختلف الشرائح الاجتماعية واندفعوا الى ساحات القتال بحماس منقطع النظير وهمة لاتوصف، وخاضوا لأزيد من ثلاثة أعوام عشرات المعارك الضارية بكفاءة عالية تجلت فيها البطولة بأروع وأسمى معانيها وقد قدموا في هذا الطريق عشرات الالاف من الشهداء وأضعاف ذلك من الجرحى والمصابين، انقاذا للوطن الغالي وفداء للحرمات والمقدسات)[13]،  ثم أضاف في مرتبة لاحقة (بالاضافة الى تعاون الدول الشقيقة والصديقة ومساهمتهم الفاعلة في دحر الارهاب الداعشي)[14]. وكان يمكن للخطاب أن يخصّ إيران بإشادة مستقلة أو دور مميّز، لكنه آثر إبقاء المساندة الخارجية في إطارها الجمعي العام.

وفي الوقت نفسه لم تعوزها الجرأة في انتقاد بعض الأطراف التي تمسك بزمام الأمور وبحثها عن مغانم شخصية، بقولها: (ولكن بعد أن وضعت الحرب أوزارها وتحقق الانتصار المبين وتم تطهير مختلف المناطق من دنس الارهابيين دب الخلاف من جديد معلنا تارة وخفيا تارة أخرى في صفوف الأطراف التي تمسك بزمام الأمور وتفاقم الصراع بين قوى تريد الحفاظ على مواقعها السابقة وقوى أخرى برزت خلال الحرب مع داعش تسعى لتكريس حضورها والحصول على مكتسبات معينة ولايزال التكالب على المناصب والمواقع)[15].

وفي عام 2022، بعد أن ابتعد الحدث زمنيًا وأصبح قابلاً لإعادة السرد التاريخي بعيدًا عن حرارة الحرب، بقيت الصيغة نفسها. ففي بيان استقبال رئيس فريق الأمم المتحدة للتحقيق في جرائم داعش، استذكر السيد السيستاني الانتصار الكبير الذي حققه العراقيون، وأشاد بتضحيات أبنائهم من المقاتلين الأبطال بمختلف عناوينهم في إنجاز ذلك النصر[16].

وهنا تصبح القضية أكثر من مجرد غياب عرضي لاسم إيران أو التحالف الدولي. فنحن أمام انتظام خطابي يمتد من لحظة الانهيار سنة 2014 إلى لحظة التذكر سنة 2022: كلما جرى تحديد صاحب الفعل، أعادت المرجعية الخطاب إلى العراقيين؛ وكلما جرى تفصيل المقاتلين، ظهرت المؤسسات والقوى العراقية؛ وكلما حضر الخارج، ظهر بصيغة الجمع العام: الأشقاء والأصدقاء.

ومن زاوية تحليل الخطاب يمكن قراءة ذلك من خلال ثلاث استراتيجيات.

الأولى هي استراتيجية التبئير الوطني؛ إذ يوضع العراقي في مركز المشهد بوصفه صاحب الأرض والدم والتضحية والنصر. وهذه ليست وطنية لفظية فقط، بل تُبنى من خلال الإسناد النصي نفسه: انتصرتم، دافعتم، ضحيتم، حققتم.

والثانية هي استراتيجية الإدماج الداخلي؛ فالخطاب لا يجعل النصر شيعيًا، ولا حشديًا منفردًا، بل يعدد الجيش والشرطة والبيشمركة والمتطوعين والعشائر، ويصر منذ البداية على أن الخطر يستهدف جميع العراقيين. وبذلك يُنتزع الحدث من التأطير الطائفي ويعاد إلى إطار الدولة والمجتمع.

أما الثالثة فهي استراتيجية تعميم الفاعل الخارجي. فالخارج لا يُلغى؛ إذ تعترف المرجعية بأنه قدم العون والمساعدة، لكنها لا تمنحه اسمًا خاصًا ولا مركزية رمزية. وهذه نقطة ينبغي التعامل معها بحذر منهجي: لا يمكن الجزم من الصمت وحده بسبب نفسي أو سياسي محدد لدى المرجعية؛ لكن يمكن القول إن الأثر الخطابي الواضح لهذا الاختيار هو منع الخارج من أن يصبح مالكًا رمزيًا للنصر العراقي.

ومن هنا فإن غياب اسم إيران أو التحالف الدولي لا ينبغي أن يُحمّل أكثر مما يحتمل. لا يعني ذلك إنكار أن إيران ساعدت العراق، كما لا يعني نفي مساهمة التحالف الدولي أو غيره. المقالة لا تشتغل على سجل العمليات العسكرية بل على خطاب القول المرجعي. وعلى النصوص الرسمية الصادرة عن مكتب المرجعية العليا في النجف الأشرف المتعلقة بتحرير العراق من داعش، فقد ظهر أنه لم يذكر اسم الجمهورية الإسلامية الإيرانية ولا مرة واحدة بوصفها صاحبة فضل خاص في التحرير، فضلًا عن أن توصف بأنها صاحبة الفضل الأول والأكبر.

بل إن المفارقة النصية تكمن في أن المرجعية كانت تعرف تمامًا كيف تسمي إيران حين تريد الحديث عنها في سياقات أخرى. ومن ثم لا يمكن تفسير غياب الاسم في خطاب حرب داعش بعجز لغوي عن التسمية، بل نحن أمام غياب داخل حقل نصي كان قادرًا على التسمية حين يرى الحاجة إليه.

لهذا، فإن منح إيران (الفضل الأكبر) في تحرير العراق لا ينسجم مع خطاب المرجعية، ولا يجد ما يسنده بحسب النصوص الرسمية التي شملتها هذه القراءة. بل العكس هو الظاهر نصيًا: المرجعية صنعت سردية للنصر مركزها العراق، وفاعلها العراقيون، ومؤسساتها القوات العراقية، وشهداؤها عراقيون، بينما بقي الخارج - بما فيه إيران- في موقع المساند غير المسمّى.

ولعل العبارة الأكثر قدرة على اختزال هذه الرؤية هي تلك التي جاءت في خطبة النصر نفسها (لا ترى لأحد فضلاً يداني فضلكم ... فالنصر منكم ولكم وإليكم). فهذه العبارة لا تنفي عون الآخرين، ولكنها تحدد بوضوح من تمنحه المرجعية ملكية النصر الرمزية والتاريخية: العراقيون أنفسهم.

ومن هنا يمكن القول إن خطاب المرجعية في حرب داعش لم يكن مجرد خطاب تعبوي عابر، بل كان أيضًا فعلًا في إنتاج الهوية السياسية للنصر: تحرير العراق لا يُقرأ بوصفه هبةً من دولة، ولا منّةَ محور، ولا انتصارًا لطائفة، بل بوصفه ثمرة مجتمع استعاد قدرته على الدفاع عن دولته حين كادت تنهار. وفي هذه المسافة بين (النصر العراقي) وبين اختزال مساندة الآخرين بـ(مساعدة الأشقاء والأصدقاء) يمكن فهم كثير من فلسفة مرجعية النجف الأشرف في علاقتها بالدولة والسيادة والخارج.

***

د. حكيم السلطاني

........................

[1] ينظر: خطبة الجمعة لممثل المرجعية الدينية العليا في كربلاء المقدسة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في (14/ شعبان /1435هـ) الموافق (13/6/2014م)، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

[2] ينظر: خطبة الجمعة التي ألقاها فضيلة العلاّمة السيد أحمد الصافي في يوم (21/شعبان/1435هـ) الموافق(2014/6/20م)، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

[3] خطبة الجمعة التي ألقاها فضيلة العلاّمة السيد أحمد الصافي في يوم (5/ رمضان/1435هـ) الموافق (4/ 7/2014م)، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

[4] خطبة الجمعة لممثل المرجعية الدينية العليا الشيخ عبد المهدي الكربلائي في (12/ رمضان /1435 هـ) الموافق (11/ 7/ 2014م)، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

[5] نصائح وتوجيهات للمقاتلين في ساحات الجهاد(12/2/2015)، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

[6] خطبة الجمعة لممثّل المرجعية الدينية العليا السيد أحمد الصافي في ( 21/ شوال /1436 هـ ) الموافق (7/8/2015)، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

[7] الخطبة الثانية التي القاها ممثل المرجعية الدينية العليا فضيلة العلامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في يوم الجمعة (19/ المحرم الحرام/ 1438 هـ)، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

[8] الخطبة الثانية التي القاها ممثل المرجعية الدينية العليا فضيلة العلامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في يوم الجمعة (19/ المحرم الحرام/ 1438 هـ)، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

[9] الخطبة الثانية التي القاها ممثل المرجعية الدينية العليا فضيلة العلامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في يوم الجمعة (19/ المحرم الحرام/ 1438 هـ)، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

[10] خطبة النصر من الصحن الحسيني الشريف لممثل المرجعية الدينية العليا في كربلاء المقدسة فضيلة العلاّمة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في (26/ربيع الأول/1439 هـ) الموافق (15/12/2017م)، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

[11] خطبة النصر من الصحن الحسيني الشريف لممثل المرجعية الدينية العليا في كربلاء المقدسة فضيلة العلاّمة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في (26/ربيع الأول/1439 هـ) الموافق (15/12/2017م)، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

[12]ينظر: خطبة النصر من الصحن الحسيني الشريف لممثل المرجعية الدينية العليا في كربلاء المقدسة فضيلة العلاّمة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في (26/ربيع الأول/1439 هـ) الموافق (15/12/2017م)، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

[13] نص ما ورد عن مكتب المرجع الديني الاعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله الوارف) في النجف الاشرف بمناسبة ذكرى فتوى الدفاع الكفائي. ألقاها سماحة السيد احمد الصافي اليوم الجمعة (14/6/2019)، موقع العتبة الحسينية المقدسة.

[14]  نص ما ورد عن مكتب المرجع الديني الاعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله الوارف) في النجف الاشرف بمناسبة ذكرى فتوى الدفاع الكفائي. ألقاها سماحة السيد احمد الصافي اليوم الجمعة (14/6/2019)، موقع العتبة الحسينية المقدسة.

[15] نص ما ورد عن مكتب المرجع الديني الاعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله الوارف) في النجف الاشرف بمناسبة ذكرى فتوى الدفاع الكفائي. ألقاها سماحة السيد احمد الصافي اليوم الجمعة (14/6/2019)، موقع العتبة الحسينية المقدسة.

[16] بيان مكتب سماحته (دام ظله) بمناسبة استقباله رئيس فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن جرائم داعش (19/ 12/ 2022م)، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

في المثقف اليوم