عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

سعد عبد المجيد: المهاجرون بين وقود الصراعات وضحاياها

شهدت العقود الأخيرة تزايداً في الهجرة من البلدان العربية والإسلامية إلى الدول الغربية، مدفوعةً بأسباب متعددة، منها الحروب والاضطرابات السياسية وانعدام الأمن، فضلاً عن البحث عن فرص العمل والتعليم وتحسين مستوى المعيشة والحصول على الحريات والاستقرار.

وتزامن ذلك مع سياسات اتبعتها دول غربية عديدة لاستقطاب المهاجرين واستقبال اللاجئين، استجابةً لحاجتها إلى الأيدي العاملة في قطاعات اقتصادية ومهنية مختلفة، ولمواجهة بعض التحديات الديموغرافية، فضلاً عن التزاماتها الإنسانية والأخلاقية تجاه الفارين من الحروب والاضطهاد، وتوفير الحماية لهم.

وتنوعت فئات المهاجرين بين أصحاب الكفاءات العلمية والمهنية الذين استقطبتهم الجامعات والمؤسسات وسوق العمل، وعمال من ذوي المهارات المحدودة، وأفراد اضطرّتهم الظروف إلى مغادرة أوطانهم طلباً للأمان والحياة الكريمة. وبينما استطاع كثيرون بناء حياة ناجحة والإسهام في مجتمعاتهم الجديدة، واجه آخرون صعوبات في اللغة والعمل والاندماج، ولا سيما حين لم يمتلكوا المهارات اللازمة لمنافسة العاملين في تلك المجتمعات.

ومن هنا تبرز أهمية فهم تفاوت تجارب المهاجرين، والظروف التي تحكم اندماجهم، وكيف يمكن أن تتحول بعض تحدياتهم إلى عوامل إحباط قابلة للاستغلال في صراعات اجتماعية وسياسية.

وأعادت الاحتجاجات والاضطرابات التي شهدتها فرنسا خلال أكتوبر 2026 قضايا التهميش الاجتماعي، وغلاء المعيشة، وأوضاع الشباب، إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي. وشهدت بعض الاحتجاجات مواجهات مع الشرطة وأعمال عنف وتخريب، في حين بقيت مسيرات عديدة سلمية. وقد أثارت هذه الأحداث نقاشاً حول أسباب الاحتقان الاجتماعي، وحدود الاحتجاج المشروع، وكيفية التعامل مع أعمال العنف من دون تعميم المسؤولية على فئات اجتماعية بأكملها. وتبرز هذه الوقائع أهمية التمييز بين المطالب المشروعة، والمسؤولية الفردية عن التجاوزات، ومحاولات توظيف الاضطرابات في الصراعات السياسية. ولا تعني الإشارة إلى هذه الاحتجاجات أنها كانت مرتبطة بالهجرة أو بالمهاجرين بوصفهم فئة اجتماعية، وإنما تأتي في سياق تناول كيفية استثمار الاضطرابات الاجتماعية، أياً كانت أسبابها أو الجهات المشاركة فيها، في الصراعات السياسية والإعلامية.

أصبح موضوع الهجرة إلى البلدان الغربية قضية ديموغرافية وثقافية وسياسية شديدة الحساسية. ومع تزايد أعداد المهاجرين، ومن بينهم المسلمون، برزت أسئلة تتعلق بقدرتهم على الاندماج، ومدى التزامهم بقوانين البلدان التي تستضيفهم، وطبيعة العلاقة التي ينبغي أن تقوم بينهم وبين المجتمعات التي اختاروا العيش فيها.

ومؤخراً برزت مسألة أكثر خطورة: كيف يمكن استثمار مشاعر الإحباط لدى بعض المهاجرين الشباب وتوجيهها نحو الاحتجاج والصدام؟ وقد يترتب على ذلك نتائج تتجاوز هؤلاء الأفراد لتؤثر في مستقبل الهجرة ومكانة الأقليات في المجتمعات الغربية.

سيكولوجية الحشود: من الإحباط إلى التعبئة

منذ أواخر القرن التاسع عشر، حاول عدد من المفكرين تفسير سلوك الجماعات حين تتحرك تحت تأثير العاطفة والقيادة والتأثير المتبادل. ومن أبرزهم عالم النفس الاجتماعي الفرنسي غوستاف لوبون، الذي تناول في كتابه «سيكولوجية الجماهير» (1895) دور الإيحاء والعاطفة والشعارات في تشكيل سلوك الحشود.

ومع أن بعض أفكار لوبون تعرضت لنقد علمي واسع، فإن السؤال الذي طرحه بشأن تأثير الجماعة في قرارات الفرد ما زال جديراً بالاهتمام. فقد أظهرت الدراسات الحديثة أنه من غير الممكن تفسير سلوك الحشود بأنه مجرد أفراد فقدوا وعيهم أو استقلالهم؛ إذ تتدخل فيه الهوية الجماعية، والشعور بالظلم، والعلاقة بالسلطات، وطبيعة الخطاب الذي يوحّد المشاركين حول قضية معينة.

وهنا تكمن خطورة استثمار الإحباط. فالشاب الذي يشعر بأنه عاجز عن تحقيق طموحاته، أو أنه لا يحظى بالمكانة التي كان يتوقعها، قد يصبح أكثر قابلية للاستجابة لخطاب يمنحه تفسيراً بسيطاً لمعاناته، ويحدد له مسؤولاً عنها، ويعده باستعادة كرامته من خلال المواجهة. وإذا اقترنت هذه المشاعر بخطاب تحريضي يضخم المظالم ويبرر الاعتداء على الآخرين أو الممتلكات، فقد ينتقل الاحتجاج من التعبير المشروع عن المطالب إلى العنف والتخريب، أو إلى أشكال من المواجهة تتجاوز المطالب الأصلية. ولا يعني ذلك أن كل حركة جماهيرية تقف وراءها جهة خفية؛ فالمظالم قد تكون حقيقية، والاحتجاج السلمي حق مشروع، لكن بعض الأطراف قد تسعى إلى استغلال الاحتجاجات أو توجيهها لتحقيق أهداف سياسية، أو إلى استغلال المشاعر الجماعية لتحقيق أهداف لا يدرك المشاركون جميع أبعادها.

المهاجر الشاب بين وعود المستقبل وصعوبات الواقع

يصل كثير من الشباب إلى البلدان الغربية وهم يحملون توقعات مرتفعة، وتصورات عن فرص العمل، والرفاه، والحرية، والعدالة. لكن هذه التوقعات لا تتحقق بمجرد الانتقال إلى مجتمع جديد؛ فاللغة، والاختلاف في أنظمة التعليم والعمل، وعدم الاعتراف ببعض الشهادات والخبرات، وصعوبة بناء العلاقات الاجتماعية، كلها عوامل قد تجعل الاندماج أبطأ وأكثر تعقيداً مما كان متوقعاً.

وتزداد معاناة المهاجر حين يكتشف أن العودة إلى وطنه لم تعد خياراً سهلاً، بعد أن أنفق مدخراته، أو استدان، أو استثمر كل ما استطاع جمعه في سبيل الهجرة. وقد يجد بعضهم أنفسهم أمام واقع لا ينسجم مع آمالهم، فتتسلل إليهم مشاعر الإحباط وخيبة الأمل، وقد يصل الأمر لدى قلة منهم إلى اليأس والشعور بانسداد الآفاق.

وتؤكد البيانات المتاحة حجم هذه الفجوة؛ فقد أشار تقرير «مؤشرات اندماج المهاجرين 2023»، الصادر بالاشتراك بين منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والمفوضية الأوروبية، إلى استمرار فجوات في معدلات التوظيف والاستفادة من المؤهلات العلمية بين بعض فئات المهاجرين والسكان المولودين في البلدان المضيفة، مع تفاوت النتائج بحسب البلدان ومستويات التعليم ومدة الإقامة وأسباب الهجرة.

ومن هنا، قد يجد بعض الشباب أنفسهم أمام مفارقة مؤلمة: فهم يعيشون في بلدان توفر حقوقاً وحريات وفرصاً قد لا تتوافر لهم في أوطانهم الأصلية، لكنهم لا يستطيعون الاستفادة منها بالقدر الذي تمنوه وتوقعوه. وقد تتفاقم هذه المفارقة حين يقارنون واقعهم بتوقعاتهم السابقة، أو بما يشاهدونه من صور الثراء والنجاح لدى مواطني البلد المضيف أو لدى مهاجرين آخرين استطاعوا تحقيق الاستقرار وبناء مكانة اجتماعية ومهنية لهم.

وحين يستمر الشعور بالتهميش أو الإقصاء من دون معالجة، فقد يتحول إلى استياء متراكم، يصبح مدخلاً لبعض الخطابات التي تختزل المشكلات المعقدة في وجود عدو واحد، سواء أكان المجتمع المضيف أم الدولة أم جماعة أخرى. وعندئذ قد يجد المحرّضون فرصة لاستثمار الإحباط الفردي وتحويله إلى غضب جماعي، من خلال تغذية الشعور بالمظلومية، وتوجيه النقمة نحو الآخرين، بدلاً من البحث عن حلول واقعية للمشكلات القائمة.

ومع ذلك، ينبغي ألا نغفل أن الكثير من المهاجرين ينجحون في تجاوز هذه العقبات، فيتعلمون ويعملون ويساهمون في اقتصاد البلدان التي يعيشون فيها ومجتمعاتها. كما أن التمييز والإقصاء، حين يقعان، قد يزيدان صعوبات الاندماج ويحدّان من فرص النجاح. ومن ثم، فإن فهم هذه الظاهرة يقتضي النظر إلى تفاعل عوامل متعددة، من دون تحميل المهاجر وحده المسؤولية، أو إعفاء سياسات البلد المضيف من دورها في تهيئة فرص الاندماج.

الحرية الدينية وواجبات المواطنة

توفر بلدان غربية عديدة مساحة واسعة لممارسة الشعائر الدينية، وتكفل قوانينها حقوقاً مدنية وسياسية، وإن اختلفت درجة الحماية والتطبيق من بلد إلى آخر. وهذه الحقوق مكسب إنساني ينبغي احترامه، لكنها تقترن في الوقت نفسه بواجب احترام القانون وحقوق الآخرين والنظام العام.

ومن حق المهاجر، كما هو حق المواطن، أن يعترض على سياسة حكومية، وأن يتظاهر سلمياً، وأن يدافع عن معتقداته ومصالحه. وليس من العدل اعتبار كل احتجاج تمرداً، أو كل مظاهرة تهديداً للمجتمع. لكن الاعتداء على الأشخاص، وتخريب الممتلكات، وترهيب المخالفين، لا يمكن تبريره بالحرية الدينية أو السياسية أو بالشعور بالظلم.

الصورة التي تصل إلى الجمهور وأثرها السياسي

تتشكل مواقف المواطن الأوروبي العادي تجاه قضايا الهجرة من خلال الأخبار والمشاهد التي يتابعها، والتجارب التي يعيشها، والخطابات التي يسمعها. وحين تتكرر أمامه صور الاعتداء والتخريب والصدام، فقد يميل إلى تعميم سلوك مجموعة محدودة على جماعة أوسع، ولا سيما عندما يرافق ذلك خطاب إعلامي أو سياسي يربط بين هذه الحوادث وهوية مرتكبيها.

وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل؛ إذ قد يسعى بعض المحرّضين إلى دفع فئات من الشباب، مستغلين إحباطهم أو أوضاعهم المادية الصعبة، نحو سلوكيات استفزازية أو تخريبية، فتكون النتيجة إضعاف موقف المهاجرين أنفسهم، وزيادة الريبة تجاههم، وتعزيز الأصوات المطالبة بتقييد الهجرة أو تشديد شروط الإقامة واللجوء. وهنا يبرز تساؤل مشروع حول ما إذا كانت معاناة بعض الشباب وحاجتهم إلى المال او شعورهم بالإحباط قد استغلت لتوجيههم نحو المواجهة أو التخريب، بما يخدم اهدافاً تتجاوز مطالبهم الاصلية.

وانطلاقاً من تلك الشكوك، ينبغي دراسة الكيفية التي قد توظّف بها أطراف سياسية مختلفة الاضطرابات لتحقيق مكاسب متباينة؛ فقد تستثمر بعض التيارات المناهضة للهجرة أحداث العنف لتبرير سياسات أكثر تشدداً، حتى عندما لا تكون الغالبية العظمى من المهاجرين مسؤولة عنها. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن كل تشديد في سياسات الهجرة يستند إلى خطة مدبّرة، أو أن كل اضطراب يصب بالضرورة في مصلحة طرف بعينه. فالسياسات المتعلقة بالهجرة تخضع لعوامل متعددة، من بينها الاعتبارات الأمنية والاقتصادية، والحسابات الانتخابية، واتجاهات الرأي العام، وقدرة الدول على توفير السكن والخدمات الأساسية.

التغير الديموغرافي والخوف من المستقبل

أدى استمرار الهجرة، والاستقرار العائلي للمهاجرين، وانخفاض معدلات الخصوبة في بعض البلدان الأوروبية إلى تغيرات في التركيبة السكانية لتلك البلدان. وقد أثارت هذه التغيرات نقاشات واسعة حول الهوية الوطنية، والتعددية الثقافية، ومستقبل المجتمعات الأوروبية. وبرزت مخاوف لدى بعض الأوساط من تنامي الدعوات إلى أسلمة المجتمع، أو المطالبة بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في الحياة العامة، الأمر الذي أثار القلق والريبة لدى بعض أفراد المجتمعات المضيفة، ولا سيما عندما يُنظر إلى هذه الدعوات بوصفها تحدياً لقوانين الدولة ومبادئها الدستورية.

إن زيادة أعداد المسلمين بحد ذاتها، لا تشكل اي تهديد ديموغرافي أو سياسي؛ فالتغيير الديموغرافي ظاهرة عالمية ناتجة عن الهجرة والخصوبة والتركيبة العمرية، لا عن دين بعينه.  المسلمون في الغرب ليسوا جماعة متجانسة، بل تختلف أصولهم وثقافاتهم وتوجهاتهم السياسية والاجتماعية، كما تتباين درجة اندماجهم وارتباطهم ببلدانهم الجديدة. ويشمل ذلك مواطنين وُلدوا في تلك البلدان، ومهاجرين حديثين، وأفراداً يتعاملون مع هوياتهم الدينية والوطنية بطرق مختلفة. كذلك، فإن الانتساب إلى الإسلام من حيث الهوية لا يعني بالضرورة الالتزام بتعاليمه أو ممارسة شعائره بالدرجة نفسها. لذلك، من غير الدقيق التعامل مع المسلمين بوصفهم كتلة واحدة تتشارك الأهداف والمصالح والتوجهات ذاتها.

وعليه، فان القضية الأساسية لا تكمن في وجود المسلمين أو نمو أعدادهم، وإنما في قدرة المؤسسات والمجتمعات على استيعابهم وإدارة التنوع، وتعزيز المواطنة، وضمان تكافؤ الفرص والعمل على تهيئة الظروف التي تتيح للجميع المشاركة في الحياة العامة، والحد من العزلة الاجتماعية التي قد تنشأ بفعل عوامل ثقافية أو اقتصادية أو تمييزية. وفي المقابل، تقع على المهاجرين مسؤولية تعلم لغة المجتمع المضيف، واحترام قوانينه ومبادئه الدستورية، والمشاركة في الحياة المدنية، وعدم اتخاذ الاختلاف الثقافي ذريعة لرفض قواعد العيش المشترك.

من المستفيد حين يخسر الجميع؟

يطرح بعض المتابعين سؤالاً حول المستفيدين من نتائج تحركات هذه الحشود؟ فالمهاجر الذي يشارك في أعمال التخريب قد يخسر فرص العمل والاندماج، وربما يواجه عواقب قانونية قد تؤثر في وضعه القانوني وحقه في الإقامة، بحسب طبيعة المخالفة وظروفه القانونية، لذلك يصعب تصور ان يجني من ذلك أي فائدة. كما قد يخسر المجتمع المضيف شعوره بالأمان والثقة، وتخسر القوى المعتدلة مساحة الحوار، بينما تستفيد الأطراف التي تقوم مشاريعها السياسية على الخوف والاستقطاب.

وقد تتحول حادثة محدودة إلى مادة للتعميم، ويتحول التعميم إلى موقف اجتماعي، ثم يصبح الموقف الاجتماعي ضغطاً على صانعي القرار لتبني سياسات أكثر تشدداً وقسوة. وإذا حدث ذلك، فإن من يدفع الثمن قد يكون المهاجر الملتزم بالقانون، والأسرة التي تسعى إلى حياة مستقرة، والجيل الجديد الذي وُلد في البلد المضيف ولا يعرف وطناً آخر.

ولا ينبغي أن ننسى أن المسؤولية عن هذا المسار، حين يقع، لا تقع على جهة واحدة بالضرورة. فالمحرّض الذي يدفع الشباب إلى العنف مسؤول عن تحريضه، ومن يرتكب الاعتداء مسؤول عن فعله، والسياسي الذي يستغل الخوف لتعميم الاتهام يتحمل مسؤولية خطابه، كما تتحمل المؤسسات مسؤولية معالجة أسباب الإقصاء والتمييز والفشل في الاندماج.

خاتمة: الوعي قبل الانقياد

تقوم المجتمعات المتحضرة على التوازن بين الحقوق والواجبات، وبين حرية الفرد واحترام القانون، وبين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على الآخرين. وعلى الشباب المهاجر أن يدركوا أن مستقبلهم لا يتحقق بالصدام مع المجتمعات التي يعيشون فيها، وأن الاحتجاج المشروع لا يبرر التخريب أو الاعتداء على حقوق الآخرين.

وفي المقابل، على المجتمعات الغربية ألا تسمح لحوادث يرتكبها أفراد أو مجموعات بأن تتحول إلى أحكام جماعية تطال ملايين البشر، وألا تجعل الخوف بديلاً عن العدالة، أو الهوية ذريعة للتمييز والإقصاء.

والمهاجرون، شأنهم شأن أي مجتمع، ليسوا كتلة متجانسة؛ فهم يختلفون في خلفياتهم الاجتماعية والثقافية، وطباعهم، ومستويات تعليمهم، ووعيهم. فمنهم المجتهد والمندمج والمساهم في بناء مجتمعه الجديد، ومنهم من قد يسيء التصرف أو يخالف القانون. ولذلك، يقتضي الإنصاف الحكم على الأفراد بأفعالهم، لا تعميم أخطاء بعضهم على الجميع؛ فالمسؤولية هنا فردية.

إن أخطر ما قد يتعرض له الشباب هو أن يتحولوا، بفعل الإحباط أو التضليل أو التحريض، إلى أدوات في صراعات لا يدركون أهدافها الحقيقية ولا عواقبها، فيسهمون بأيديهم في إغلاق الأبواب التي سعوا إلى فتحها حين غادروا أوطانهم بحثاً عن مستقبل أفضل. لذلك، ينبغي ألا ينجرفوا وراء الشعارات التي تدّعي الدفاع عنهم، وألا يسمحوا لمن يستثمر غضبهم بأن يحقق أهدافه على حساب مستقبلهم.

إن معاناة المهاجرين لا ينبغي أن تتحول إلى وقود للصراعات السياسية، كما لا ينبغي أن تكون ذريعة لتبرير التمييز ضدهم. فالخيار الأجدى هو معالجة أسباب الإحباط، وتعزيز فرص الاندماج، وترسيخ المواطنة، ورفض العنف والتعميم معاً؛ لأن الخاسر الأكبر، حين ينتصر التحريض على الوعي، قد يكون الإنسان الذي خرج بحثاً عن حياة أفضل، فإذا به يجد نفسه أسيراً لصراع لم يختر نتائجه.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

في المثقف اليوم