قضايا
ابتهال عبد الوهاب: كافكا وميلينا.. الحب بوصفه مقاومة
احب قراءه رسائل كافكا الي ميلينا.. قرأته عشرات المرات. في رسائل كافكا إلى ميلينا لا نقرأ قصة حب بالمعنى المألوف، بل نلج مختبرا داخليا للروح، حيث تتحول اللغة إلى اعتراف، والكتابة إلى نجاة مؤقتة من ثقل الوجود.
كان كافكا يكتب لا ليخبر ميلينا بما حدث، بل ليطمئن إلى أنه ما زال موجودا، وأن صوته، رغم ارتعاشه، يجد صدى في قلب آخر. هذه الرسائل ليست مراسلات بين عاشقين، بل حوارا بين ذات منكسرة ونفس تحاول أن تفهم نفسها عبر الآخر.
كافكا، الذي ضاقت به الحياة حتى صارت أشبه بقفص، وجد في ميلينا نافذة يتنفس منها، لا لأنها وعدته بالخلاص، بل لأنها قبلت أن تسمع هشاشته كاملة دون أن تطلب منه أن يكون أقوى أو أكثر اتزانا. أمامها فقط تخلّى عن أقنعته، وسقطت عنه صرامة الكاتب، ليظهر الإنسان العاري من أي بطولة.
كان يخاطبها كما لو كان يخاطب أعماقه. يكتب عن يومه، عن أرقه، عن خوفه من المرض، عن ضيقه من العالم، كأن التفاصيل الصغيرة هي آخر ما يربطه بالحياة. وفي هذا البوح اليومي تتجلى مفارقة كافكا الكبرى: الرجل الذي شيد في أدبه عوالم كابوسية مغلقة، كان في رسائله كائنا شفافا، شديد الرقة، يتألم من تأخر رسالة، ويغار، ويعاتب، ويحتاج إلى طمأنة بسيطة كي يستعيد توازنه. ثورته حين تتأخر ميلينا في الرد ليست نزقا عاطفيا، بل خوفا وجوديا من الانقطاع.
الصمت بالنسبة لكافكا لم يكن فراغا، بل تهديدا. لذلك كان عتابه رقيقا، طفوليا أحيانا، كأنما يقول لها: لا تتركيني وحيدا في هذا العالم الذي لا أفهمه. وحين يصف نفسه بتلميذ ميلينا، فهو لا يمارس تواضعا عاطفيا، بل يعترف بأن الحب عنده معرفة، وأنها كانت معلمته في كيفية الاقتراب من الحياة دون أن يفترسه رعبها.
قراءة هذه الرسائل تكشف امتدادا خفيا لشخصية كافكا، امتدادا لا تمنحه لنا نصوصه الإبداعية وحدها. ففي الروايات والقصص نرى القلق وقد تحول إلى بناء فني محكم، أما في الرسائل فنرى القلق وهو ما يزال خاما، نابضا، يتنفس بين السطور. نرى إنسانا يحاول أن يحتمي بالكتابة من نفسه، وأن يجعل من الحب شكلا من أشكال المقاومة.
ميلينا لم تكن خلاص كافكا، ولم يكن هو خلاصها. كانا يعرفان، في العمق، أن هذا الحب محكوم بالاستحالة: المسافات، المرض، الزواج، هشاشة كافكا الوجودية نفسها. ومع ذلك استمرا في الكتابة، كأن الحب لا يقاس بما يتحقق، بل بما يمنحنا من قدرة على الاحتمال. كانت ميلينا القلب الحنون الذي يمنع العالم من الانهيار دفعة واحدة، وكانت الرسائل هي الخيط الرفيع الذي أبقى كافكا متماسكا أمام هاوية العدم.
كافكا وميلينا… حب لم يكتب له أن يكتمل في الواقع، لكنه اكتمل في اللغة. حب لم يعاش بالجسد، بل عاش بالكلمات، وربما لهذا السبب كان أكثر صدقا، وأكثر إيلاما، وأكثر خلودا. ففي هذه الرسائل لا نقرأ فقط حكاية رجل أحب امرأة، بل نقرأ إنسانا وجد في الحب لحظة صفاء نادرة، سمحت له أن يقول: أنا خائف، أنا ضعيف، وأنا حي… ما دمت أكتب إليك.
وفي النهاية، لا تبقى رسائل كافكا إلى ميلينا مجرد أثر عاطفي في تاريخ الأدب، بل شهادة إنسانية نادرة على أن الحب قد يكون أعمق أشكال المعرفة، وأن الكتابة ليست ترفا جماليا بل ضرورة وجودية. لقد كتب كافكا لأنه كان يخاف، ولأنه كان يحب، ولأن العالم من حوله لم يمنحه سببا كافيا للبقاء سوى هذه الرسائل.
إن هذا الحب، الذي لم يكتمل، يعلمنا أن القيمة لا تكمن في النهاية السعيدة، بل في الصدق الذي نعيشه ونحن نكتب ونحب. وأن بعض العلاقات لا خلقت لتستمر، بل لتنقذنا مؤقتا من السقوط الكامل.
هكذا بقيت ميلينا مركز عالم كافكا، وبقي كافكا شاهدا على أن الإنسان، حين يحاصر بالعدم، قد يجد خلاصه الوحيد في رسالة… وفي امرأة جعلت الوجود محتملا، ولو بالكلمات
***
ابتهال عبد الوهاب






