قضايا

أسمهان عبد القدوس: تمثلات الإحباط الإنساني في سياقات الانهيار القيمي

يُعد الإحباط الإنساني إحدى العلامات البارزة التي تكشف عن عمق الأزمة التي تعيشها المجتمعات المعاصرة في ظل انهيار منظوماتها القيمية واختلال مرجعياتها الأخلاقية، إذ لا يمكن النظر إلى الإحباط بوصفه حالة نفسية فردية معزولة عن سياقها الاجتماعي والثقافي، بل هو نتاج تفاعل معقّد بين الذات الإنسانية وواقع مأزوم يتسم بتراجع المعنى واهتزاز الثوابت التي كانت تؤطر علاقة الإنسان بالعالم وتمنحه الشعور بالاستقرار والجدوى. وفي هذا الإطار، يغدو الإحباط تعبيراً عن انكسار الأفق الوجودي للفرد، وعن عجزه المتنامي عن التوفيق بين طموحاته المشروعة وواقع لم يعد يتيح شروط التحقق أو الفعل المؤثر.

ينشأ الإحباط في سياقات الانهيار القيمي حين تفقد القيم قدرتها على أداء وظائفها التوجيهية والتنظيمية، فلا تعود الأخلاق مرجعية ناظمة للسلوك الفردي والجماعي، ولا يغدو الالتزام القيمي ضمانة لتحقيق العدالة أو الاعتراف الاجتماعي. ومع سيادة أنماط من السلوك النفعي والانتهازي، يشعر الإنسان بأن جهده لا يكافأ، وأن نزاهته تتحول إلى عبء بدل أن تكون مصدر قوة، وصدقه في التعامل يجعله ضعيفاً مستغلاً، الأمر الذي يولد شعوراً عميقاً بالخذلان واللاجدوى، ويقود إلى تآكل الثقة بالذات وبالآخرين على حد سواء.

وتتجلى تمثلات الإحباط الإنساني في هذه السياقات في أنماط متعددة من الاستجابة النفسية والثقافية، تتراوح بين الانكفاء على الذات والانسحاب من المجال العام، وبين التمرد والرفض بوصفهما محاولة أخيرة لاستعادة الفاعلية المفقودة. كما تظهر السخرية بوصفها آلية دفاعية يلجأ إليها الفرد لمواجهة عبث الواقع وتناقضاته، حين يعجز عن تغييره فعلياً، فيحول إحباطه إلى خطاب رمزي يخفف من وطأة القهر، وإن لم يفضِ إلى تجاوزه. وتكشف هذه التمثلات عن عمق الأزمة التي يعيشها الإنسان في زمن فقدت فيه الأفعال معناها، وأضحى فيه الصمت أو اللامبالاة بديلاً عن المشاركة الفاعلة.

ولا يقتصر الإحباط في سياقات الانهيار القيمي على بعده الفردي، بل يتخذ طابعاً جمعياً يعكس حالة من التوتر العام داخل المجتمع، حيث تتقاسم الذوات الإحساس ذاته بالفقد والخيبة، فتتشكل حالة من الوعي الجمعي المأزوم الذي يتغذى على سرديات الفشل وانكسار الأمل. وينعكس هذا الإحباط في الخطابات اليومية، وفي الإنتاج الثقافي والأدبي، الذي يغدو فضاءً لتمثيل الانكسار الإنساني وتفكيك أسبابه، كما يصبح وسيلة لفضح البنى القيمية المتهالكة التي أسهمت في إنتاج هذا الشعور الجماعي بالعجز والاغتراب.

كما يسهم تراجع الثقة بالمؤسسات الاجتماعية وغيرها من المؤسسات في تعميق الإحباط الإنساني، حين تفقد هذه المؤسسات مشروعيتها الأخلاقية، وتتحول من فضاءات للحماية والعدالة إلى أدوات للإقصاء أو الهيمنة. في مثل هذه السياقات، يشعر الإنسان بأنه كائن هامشي داخل نظام لا يعترف بإنسانيته ولا يصون كرامته، فيزداد اغترابه عن المجال العام، ويبحث عن بدائل رمزية أو فردية تمنحه الإحساس بالانتماء والمعنى، حتى وإن كانت هذه البدائل مؤقتة أو وهمية.

ويكشف الإحباط الإنساني، في ضوء ذلك، عن كونه مؤشراً ثقافياً عميق الدلالة على أزمة المعنى في المجتمعات المعاصرة، لا مجرد عرض نفسي عابر. فهو يعكس فجوة متسعة بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية، وبين الخطاب الأخلاقي السائد والواقع اليومي الذي يناقضه. ومن هنا، فإن مقاربة هذه الظاهرة تقتضي تجاوز التفسير النفسي الضيق، والانفتاح على تحليل اجتماعي وثقافي شامل، يربط الإحباط بسياقاته البنيوية والتاريخية، ويكشف عن علاقته بتحولات السلطة والاقتصاد والخطاب.

وفي الختام، يمكن القول إن تمثلات الإحباط الإنساني في سياقات الانهيار القيمي تعبر عن مأزق الإنسان المعاصر في بحثه الدائم عن معنى ثابت في عالم متغير، وعن قيم قادرة على ترميم علاقته بذاته وبالآخرين. ولا يمكن تجاوز هذا الإحباط إلا عبر إعادة بناء المنظومة القيمية على أسس أخلاقية وإنسانية أكثر عدلاً وشمولاً، وإنتاج خطاب ثقافي يعيد الاعتبار للفعل الإنساني بوصفه إمكانية للتغيير، لا مجرد استجابة سلبية لزمن البؤس والانكسار.

***

أسمهان عبد القدوس القره غولي

في المثقف اليوم