قضايا

مصطفى غلمان: جِيُوبُولِيتِيكُ الإِعْلَامِ.. اِقْتِصَادُ الاِنْتِبَاهِ وَالْهَيْمَنَةُ الصَّامِتَةُ

أضحى التنافس المحموم حول الكيانات الإعلامية جزءاً عضويا من الاستراتيجيات العميقة التي تعتمدها القوى الكبرى، انطلاقا من إدراكها أن إخضاع الوعي يشكل المدخل الأنجع لإعادة تشكيل المجال السياسي والرمزي. فالإعلام المعاصر يتموضع داخل منظومات اشتغال معقدة، تُصمَّم فيها خوارزميات دقيقة تستهدف إعادة هندسة البنيات الفكرية والانفعالية للجماعات، بما يجعلها أكثر قابلية للتطويع وأسرع استجابة لمنطق السلطة.

وتشتغل هذه المنظومات على إحداث تحولات صامتة في الإدراك الجمعي، حيث يُعاد إنتاج الخضوع في صورة قبول، والانقياد في هيئة اختيار، فتتآكل مناعة النقد تدريجيا، ويغدو الانحياز نتيجة تلقائية لمسارات مبرمجة سلفاً. وبهذا المعنى، تتحول السيطرة إلى فعل غير مرئي، يُمارَس من داخل الذهن، ويستمد فعاليته من اعتياده اليومي وتغلغله البطيء.

 في هذا السياق، يتخذ جيوبوليتيك الإعلام أبعادا سوسيولوجية مركبة، تتجاوز حدود التواصل والتأثير المباشر، ليغدو مجالا تتقاطع فيه السلطة والمعرفة والرمز، حيث تُدار الصراعات الكبرى عبر التحكم في أنساق المعنى، وصياغة السرديات، وتوجيه الأفق الإدراكي للجماعات، بما يجعل الهيمنة فعلا ذهنيا يسبق كل تجلٍ مادي لها.

أضحى لزاماً على خبراء الإعلام أن ينخرطوا في تفكير استراتيجي عميق يروم تجاوز مأزق التبعية الاتصالية والإعلامية، عبر استنهاض القابليات المواطِنة، وتوسيع أفق الوعي الجماعي نحو بناء إطار نسقي قادر على إنتاج شروط الاستقلالية. ويتم ذلك في سياق بالغ التعقيد، يتسم بتسارع التحولات، وتكثف تدفقات المعطيات، وتنامي التضليل، وتبدل أنماط التلقي والقراءة، بالتوازي مع صعود أدوات الذكاء الاصطناعي واتساع النقاشات المرتبطة بالحياد والمصداقية.

 ضمن هذا المشهد المتشابك، تنكشف وظيفة الإعلام بوصفها فعلا تأسيسيا يتجاوز الأداء التقني إلى أفقه القيمي، حيث تتجلى أبعاده الأخلاقية والمهنية باعتبارها مرتكزا بنيويا في تشييد الخصوصية الإعلامية. فامتلاك البرامج والخطابات ذات المحتوى المنهجي لا يتحقق إلا من خلال إعادة وصل الإعلام بسياقه المحلي والثقافي، بما يجعله تعبيرا صادقا عن الهوية العميقة، لا مجرد صدى لنماذج مستوردة أو استنساخٍ لخطابات مهيمنة.

 في هذا الإطار، لا يعود الإعلام مجرد وسيط بين الحدث والمتلقي، بل يتحول إلى بنية إنتاج للواقع ذاته، حيث لا تُنقل الوقائع بقدر ما يُعاد تركيبها داخل أنساق دلالية محكومة بموازين القوة. فالسرديات الإعلامية لا تنشأ في فراغ، وإنما تتغذى من منظومات مصالح، وتشتغل ضمن حقول تنازع رمزي، يُعاد من خلالها ترتيب ما يُرى وما يُحجب، وما يُقدَّم باعتباره مركزيا وما يُدفع إلى هامش اللامرئي.

وهكذا، يغدو التحكم في تدفق المعنى شرطا لازما لإعادة إنتاج الهيمنة، لا باعتبارها قهرا مباشرا، بل بوصفها انتظاما طبيعيا للواقع في وعي الأفراد. ومن زاوية أعمق، يندرج هذا التحول ضمن ما يمكن تسميته بـ"عقلنة السيطرة"، حيث تُستبدل أشكال الضبط الخشنة بأنماط أكثر نعومة وفعالية، قوامها التوجيه غير المباشر، والتكييف الإدراكي، وصناعة الإجماع الصامت. ففي ظل اقتصاد الانتباه، تصبح السيطرة رهينة بالقدرة على احتلال الزمن الذهني للفرد، وتوجيه انتباهه، واستنزاف طاقته التأملية، بما يقلص إمكانات المساءلة والتفكير النقدي. وبهذا المعنى، يتقاطع الإعلام مع آليات السوق، ويتحول المعنى نفسه إلى سلعة تخضع لمنطق العرض والطلب. ويتضاعف هذا التعقيد مع صعود الذكاء الاصطناعي، الذي لا يكتفي بتسريع إنتاج المحتوى، بل يشارك في إعادة تشكيل شروط المعرفة ذاتها. فالخوارزميات، بما تحمله من افتراضات مضمَرة ومعايير غير محايدة، تسهم في إعادة ترتيب الأولويات، وتصنيف الأفراد وتوجيه أذواقهم، بما يجعل الحياد الإعلامي مفهوماً إشكاليا أكثر من كونه حقيقة قابلة للتحقق.

 وهنا تتجلى خطورة التحول من إعلام يصنع المعنى إلى أنظمة تصنع أنماط التفكير ذاتها، وتحدد مسبقا مسارات التلقي والاستجابة. أمام هذا الوضع، يكتسب سؤال الاستقلالية الإعلامية بعدا معرفيا وسياسيا في آن واحد، إذ لا يمكن اختزاله في امتلاك الوسائل أو التحكم في الأدوات، بل يتأسس على القدرة على إنتاج رؤية للعالم تنبع من السياق التاريخي والثقافي للمجتمع. فالتحرر من التبعية الاتصالية يفترض بناء ذات إعلامية واعية بذاتها، قادرة على تفكيك الخطابات المهيمنة، وإعادة مساءلة المسلمات، واستعادة الفعل التواصلي بوصفه ممارسة مواطِنة لا مجرد استهلاك رمزي.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف الوظيفة الاجتماعية للإعلام، باعتباره فضاءً عموميا للنقاش العقلاني، ومجالا لتداول المعنى، لا مجرد منصة للتأثير أو التوجيه. فالإعلام الذي يستمد شرعيته من المجتمع، ويغتني بتعدديته الثقافية واللغوية، يصبح قادرا على إنتاج سرديات بديلة، توازن بين الكوني والمحلي، وتؤسس لخصوصية لا تنغلق على ذاتها، ولا تذوب في نماذج وافدة. في المحصلة، يتحدد الرهان الحقيقي لجيوبوليتيك الإعلام في الانتقال من منطق التبعية إلى أفق السيادة الرمزية، حيث تُستعاد الكلمة من قبضة الخوارزمية، ويُعاد الاعتبار للمعنى بوصفه فعلا إنسانيا حرا، مرتبطا بالمسؤولية الأخلاقية، وبقدرة المجتمع على أن يروي ذاته بذاته، لا أن يُروى نيابة عنه.

***

د مصطفى غَلــــمَــان

 

في المثقف اليوم