قضايا

غالب المسعودي: أنطولوجيا الخيانة الوجودية.. جدلية الفوضى الخلاقة واغتراب الكائن

إعادة تعريف الخيانة في الشرط الإنساني الراهن

في خضم التحولات الجذرية التي تعصف بالوعي البشري المعاصر، لم يعد مفهوم "الخيانة" قابلاً للاختزال في سياقاته التقليدية الضيقة، سواء تلك المتعلقة بنقض العهود الاجتماعية أو الانحرافات الأخلاقية المعيارية. إن سبر أغوار الشرط الإنساني الراهن، بعيداً عن السرديات الدينية أو اللاهوتية، يستدعي تفكيكاً وإعادة بناء جذرية لهذا المفهوم ليلامس جوهر الكينونة؛ تلك اللحظة الفارقة التي يتنكر فيها الكائن البشري لبنيته البيولوجية، وللشروط الفيزيائية التي تحكم انتظامه ضمن نسيج الكون، وللإمكانات العصبية والإدراكية التي تميز نوعه.

إنها خيانة لا تُقترف ضد "آخر"، بل ضد "الذات" في مستواها الوجودي (الأنطولوجي) الأعمق، وضد "الحياة" كصيرورة ديناميكية تتطلب التوتر الخلاق للبقاء بعيداً عن سكون الموت. ننطلق هنا من فرضية مفادها أن الإنسان المعاصر، عبر انغماسه في بيئات مصطنعة تتسم بـ "الفوضى الخلاقة" و"سعة الخيارات" و"الترهل"، يمارس تدميراً ممنهج لأسس وجوده. إن التردد في مقاربة هذه الحقائق، أو الخوف من مواجهة هذا العطب التكويني في الحضارة الحديثة، هو بحد ذاته خيانة لوجود ذات الباحث، حيث يتحول الصمت المعرفي إلى تواطؤ مع آليات الفناء.

الفيزياء الحيوية للوجود.. مقاومة العدم

لفهم "الخيانة الوجودية" كظاهرة كونية قبل أن تكون إنسانية، يتحتم علينا الانطلاق من القوانين الأساسية التي تحكم المادة والطاقة. فالإنسان، والمجتمع الذي يشكله، ليس سوى تجلٍّ معقد لأنظمة فيزيائية تخضع لصرامة القانون الثاني للديناميكا الحرارية. هذا القانون، الذي ينص على أن "الإنتروبيا" (ميل النظام نحو العشوائية والاضطراب) في أي نظام مغلق تميل دائماً إلى الزيادة، يشكل الخلفية التي يمكننا من خلالها فهم الوجود ليس كحالة ثابتة، بل كمقاومة مستمرة لجاذبية العدم.

قدم الفيزيائي والكيميائي الحائز على جائزة نوبل، إيليا بريغوجين، إطاراً ثورياً لفهم الأنظمة الحية من خلال نظريته حول "الهياكل المبددة للطاقة". وفقاً لهذا الطرح، فإن الكائنات الحية والمجتمعات البشرية هي أنظمة مفتوحة تعمل "بعيداً عن التوازن". إن البقاء على قيد الحياة، والحفاظ على التعقيد الحضاري والبيولوجي، يتطلب تدفقاً مستمراً من الطاقة والمادة والمعلومات من البيئة المحيطة، ومن ثم طرد العشوائية (الإنتروبيا) الناتجة عن العمليات الحيوية إلى الخارج.

تتجسد "الخيانة الوجودية" فيزيائياً في اللحظة التي يتوقف فيها النظام عن العمل كهيكل مبدد فعال. عندما يستسلم الكائن لما يمكن تسميته بـ "الترهل الديناميكي"، فإنه يكف عن استهلاك الطاقة اللازمة للحفاظ على تنظيمه الداخلي، ويبدأ في الانجراف نحو "التوازن الحراري". وفي لغة الفيزياء، التوازن الحراري هو مرادف للموت؛ حيث تتساوى درجات الحرارة، وتتوقف الحركة، وتتلاشى الفوارق. إذن، فإن الراحة المطلقة التي يسعى إليها الإنسان الحديث تحت شعارات الرفاهية هي، في جوهرها الفيزيائي، سعي حثيث نحو الموت الحراري، وخيانة للشرط الأساسي للحياة الذي يقتضي العمل الدائم ضد تيار الفناء.

من الديناميكا الحرارية إلى الاجتماع.. ميكانيكا التفكك

تنتقل مفاهيم الفيزياء الإحصائية بسلاسة لتفسير الظواهر السوسيولوجية عبر "نظرية الإنتروبيا الاجتماعية" التي طورها باحثون مثل كينيث بيلي. وفقاً لهذه النظرية، فإن المجتمع حالة غير طبيعية من النظام تتطلب جهداً مستمراً لصيانتها. وعليه، فإن "الترهل الاجتماعي" هو الحالة الافتراضية التي يؤول إليها المجتمع إذا تُرك لنفسه دون تدخلات تنظيمية واعية. وتتجلى "خيانة الوجود الاجتماعي" في المظاهر التالية:

تآكل المعنى: عندما تفقد الرموز الاجتماعية (اللغة، الفن، الثقافة) دقتها، وتتحول إلى ضجيج، يزداد مستوى العشوائية. المجتمعات التي تستهلك "التفاهة الإعلامية" تمارس خيانة لذاكرتها ولمستقبلها، إذ تستبدل المعلومات المنظمة ببيانات عشوائية لا تبني وعياً.

فقدان التمايز الوظيفي: تعتمد الأنظمة المعقدة على التخصص، بينما يعيد الترهل المجتمع إلى حالة من التجانس البدائي حيث يفقد الأفراد أدوارهم المميزة ويذوبون في كتلة جماهيرية غير متمايزة. هذا يسهل ظهور الأنظمة الشمولية التي تملأ الفراغ الناجم عن الفوضى بوعود زائفة عن النظام، مما يعد خدعة تسرع من عملية الانهيار بدلاً من علاجها.

العزلة والتذرّر: إن زيادة الإنتروبيا تعني تفكك الروابط بين جزيئات النظام. اجتماعياً، يعني هذا تحول المجتمع إلى أفراد مبعثرين فاقدين للقدرة على العمل الجماعي، وهو ما يمثل خيانة للطبيعة الاجتماعية للإنسان.

خيانة الطبيعة والاغتراب الجيني

إذا كانت الفيزياء تضع الإطار العام لقوانين الوجود، فإن البيولوجيا التطورية تقدم التشخيص الدقيق للمأزق البشري. إن "خيانة الوجود" هنا تأخذ بعداً مادياً ملموساً يتمثل في التنكر للتاريخ التطوري الطويل الذي صاغ أجسادنا وعقولنا، مما ينتج عنه ما يُعرف بـ "عدم التطابق التطوري"

خيانة الحركة: الجسد المصمم لقطع عشرات الكيلومترات يومياً يُجبر الآن على الجلوس خلف المكاتب لساعات طويلة. هذا ليس مجرد تغيير في العادات، بل هو إرسال إشارات كاذبة للخلايا تؤدي إلى اضطراب التمثيل الغذائي والأمراض المزمنة.

خيانة النظام الهرموني: يمثل التعرض للإضاءة الصناعية وتجاهل دورات الليل والنهار خيانة لهرمونات تنظيم الإيقاع الحيوي (مثل الميلاتونين)، مما يؤدي إلى اضطرابات النوم والاكتئاب.

فخ المحفزات الفائقة: أحد أخطر أشكال الخيانة الوجودية يتمثل في الاستسلام لما أسماه عالم سلوك الحيوان نيكولاس تينبرجن بـ "المحفزات الفائقة". لقد قام الإنسان الحديث بهندسة بيئته لتمتلئ بمحفزات صناعية تفوق الواقع (كالوجبات السريعة المهندسة لتجاوز حد الشبع، أو المواد الإباحية التي تستبدل الشريك الواقعي)، مما يؤدي إلى "اختطاف" دوائر المكافأة في الدماغ، وتوجيه الطاقة الحيوية نحو أهداف زائفة تدمر الكائن بدلاً من خدمتهز.

البالوعة السلوكية ومصير المدن

في واحدة من أكثر التجارب العلمية إثارة للجدل، قدم عالم السلوك جون كالهون نموذجاً تجريبياً لمصير المجتمعات التي تتوفر فيها كل سبل الرفاهية وتغيب فيها التحديات، فيما عُرف بتجربة "الكون 25". قام كالهون ببناء بيئة مثالية للفئران (غذاء وفير، لا أمراض، لا مفترسات). النتائج كانت مرآة قاتمة لواقع المدن الحديثة:

ظهور "الجميلون": برزت فئة من الذكور انسحبوا تماماً من المنافسة الاجتماعية والتكاثر. كان اهتمامهم الوحيد الأكل والنوم وتنظيف فرائهم، فبدوا بصحة مظهرية رائعة لكنهم ميتون اجتماعياً ووجودياً. يرى المراقبون تشابهاً مذهلاً بين هؤلاء وبين ظواهر حديثة مثل "الهيكيكوموري" (الانسحاب الاجتماعي) في اليابان، والانغماس النرجسي في ثقافة الصورة والمظهر الخارجي مع خواء داخلي تامز

التفتت والعنف العبثي: في ظل ما أسماه كالهون "البالوعة السلوكية"، انهارت الأعراف الاجتماعية؛ تخلت الأمهات عن صغارهن، وانتشر العنف العشوائي. تشير الدراسات إلى أن الاكتظاظ مع غياب الخصوصية والهدف في المدن الحديثة يعيد إنتاج ظروف هذه البالوعة، مما يجعل تراجع معدلات الخصوبة في المجتمعات المرفهة نوعاً من الاستجابة البيولوجية لبيئة لم تعد توفر الأمان الوجودي.

ويمكن ربط ذلك بما طرحه عالم الأنثروبولوجيا جوزيف تينتر حول "انهيار المجتمعات المعقدة"، حيث يجادل بأن المجتمعات تزيد من تعقيدها لحل المشاكل، حتى تصل إلى نقطة "تتناقص فيها العوائد الحدية". هنا، يصبح الحفاظ على الوضع القائم مكلفاً جداً، ويغدو "الانهيار" استراتيجية اقتصادية عقلانية للتخلص من عبء التعقيد الذي لا يطاق.

 عبء الحرية وشلل الإرادة

تعتبر "سعة الخيارات" إحدى سمات الحداثة، لكن العلم يكشف عن وجهها المظلم؛ فهي تتحول إلى عبء عصبي يؤدي إلى شلل الإرادة.

تصاعد التوقعات والندم: مع كثرة الخيارات، يرتفع سقف التوقعات نحو "الكمال". أي نقص في الخيار المُتخذ يولد ندماً مضاعفاً، مما يخلق حالة من "التعاسة المزمنة".

إرهاق القرار: في عالم يضطر فيه الفرد لاتخاذ مئات القرارات اليومية، يستنفد مخزونه من الإرادة. عندما يحين وقت القرارات الوجودية الكبرى، يكون الدماغ في حالة إنهاك، فيلجأ إلى "الوضع التلقائي" ومسار المقاومة الأقل. هنا تحدث الخيانة: ليس لأن الفرد "سيء"، بل لأنه مستنزف عصبياً.

نحو "بطولة اليأس"

بعد هذا الطواف العلمي، نعود لتأصيل المفهوم فلسفياً. إن "خيانة الوجود" ليست مجرد عطب بيولوجي، بل هي موقف وجودي يتخذه الإنسان تجاه عبثية العالم. في عالم تحكمه الصدفة التطورية، يواجه الإنسان فراغاً لا يبالي بوجوده. إن الخروج من دائرة الخيانة هذه لا يكون بالعودة المستحيلة إلى الماضي، ولا بالاستسلام للترهل الذي هو انتحار بطيء. الحل يكمن فيما يمكن تسميته "التكيف الواعي مع الفوضى" وامتلاك "شجاعة اليأس". هذا يعني الاعتراف بأننا كائنات "غير متطابقة" مع عالمنا، وأن صناعة المعنى هي فعل مقاوم للإنتروبيا. المعنى لا يُكتشف جاهزاً، بل يُبنى عبر الانخراط في "أنظمة مبددة" فعالة كالإبداع والفن والعلم. إن الوفاء للوجود هو الجهد المستمر والشاق للسباحة عكس تيار العدم، حتى وإن كان هذا التيار حتمياً في النهاية.

***

غالب المسعودي

......................

المراجع (للاستزادة والتوثيق)

Prigogine, Ilya, and Isabelle Stengers. Order Out of Chaos: Man's New Dialogue with Nature. Verso Books, 1984. (المرجع الأساسي لنظرية الهياكل المبددة والفوضى الخلاقة).

علم السلوك والاجتماع (تجربة الكون 25):

Calhoun, John B. "Death Squared: The Explosive Growth and Demise of a Mouse Population." Proceedings of the Royal Society of Medicine, vol. 66, no. 1 Pt 2, 1973, pp. 80-88.

Tainter, Joseph A. The Collapse of Complex Societies. Cambridge University Press, 1988. (المرجع الخاص بتناقص العوائد الحدية).

Schwartz, Barry. The Paradox of Choice: Why More Is Less. Ecco, 2004. (المرجع الخاص بعبء الخيارات وشلل الإرادة).

Gluckman, Peter, and Mark Hanson. Mismatch: Why Our World No Longer Fits Our Bodies. Oxford University Press, 2006. (حول نظرية عدم التطابق التطوري).

في المثقف اليوم