قضايا
ماهر عبد المحسن: من الست أم كلثوم إلى السيد مراد وهبة
في أخلاقيات نقد الرموز ومحنة الوعي الثقافي العربي
في خلال شهور قليلة تعّرض الوعي العربي لتحديين ثقافيين هامين، لكنه، للأسف الشديد، سقط سقوطا مدويا عندما أصرّ على أن يتعامل مع الأمور بمنطق انفعالي تقليدي لا يتناسب وأهمية الحدث!
أما عن التحديات فقد تمثلت في عرض فيلم (الست) الذي يدور حول حياة كوكب الشرق أم كلثوم، ووفاة المفكر مراد وهبة أحد رموز التنوير في الثقافة العربية المعاصرة. ففي كلتا الحالتين ثار جدل كبير حول الشخصيتين، تحول سريعا إلى نوع من التراشق بين أطراف متعارضة ومتصارعة. أطراف مؤيدة وأخرى معارضة، وهي السمة المميزة لكل خلاف يبرز في المحيط الثقافي العربي.
وكان أساس الخلاف هو رفض الطرح الذي قدمه الفيلم حول شخصية أم كلثوم، مبرزا فيه بعض السلوكيات والمواقف السلبية، التي من شأنها أن تعمل على تشويه الصورة المثالية التي يحتفظ بها الجمهور لكوكب الشرق. وكذا رفض التهمة السياسية التي نسبتها دكتورة يمنى طريف الخولي للدكتور مراد وهبة، على صفحتها بالفيسبوك، كاشفة عن انحيازه للجانب الإسرائيلي في الصراع العربي الإسرائيلي.
والملاحظ أن ردود الأفعال ضد صناع الفيلم والدكتورة الخولي كانت أكثر عنفًا وشراسة من الأفعال النقدية التي مورست ضد الشخصيات الرمزية موضوع النقد. ولعل أسوأ ما في ردود الأفعال هذه هو التحول من مناقشة الفكر إلى النيل من الشخص. وهنا تتبدى لنا تلك الآفة التي تهيمن على العقل العربي بحيث يتحول كل خلاف في الرأي فرصة للاقتتال، وكل مساحة للتفكير إلى ساحة للحرب!
ويظل منطق مباريات الكرة سائدًا في ميدان الفكر كما في ميداني السياسة والاجتماع. فدائما هناك انحياز أعمى لطرف وعداء غير مبرر لطرف آخر مقابل!
إن المسألة جد خطيرة، وتحتاج إلى إعادة نظر. فمازلنا نفتقر إلى شجاعة الاعتراف بالخطأ والجرأة على قبول الآخر!
في هذا المقال نحاول أن نمضي في طريق مختلفة لا ننحاز فيها إلى طرف ضد طرف، ولا نسعى للانتصار في أي معركة. فقط نحاول أن نقرأ المشهد في ضوء أكثر منهجية، وفي سياق فكر غربي تجاوز ما نعانيه من أزمة، ونجح في أن يضع قضاياه في حجمها الطبيعي، دون تطاول على شخص أو هجوم على فكر.
مضينا في هذا الطريق لا من أجل تفسير الظاهرة فحسب، لكن أيضا من أجل البحث عن مبادئ عامة تصلح أساسًا لبناء نوع من الأخلاقيات النقدية التي تمكننا من التعامل مع رموزنا الثقافية دون الوقوع في شرك التقديس الأعمى أو الانزلاق إلى حلبة وهمية من صراع لا وجود له، إلا في مخيلة وحشية، وعقل طفولي لم يتجاوز نزق البدايات!
ومن أجل تحقيق هذا الهدف كان علينا أن نستعين بالأدوات النظرية التحليلية المناسبة، وكذا النماذج الغربية الحية من مجالات الفكر والفن والأدب.
الرمز حين يتحوّل إلى منطقة محرّمة
يرى تيودور أدورنو أن أخطر ما يمكن أن يحدث للثقافة هو أن تتحوّل رموزها إلى أيقونات محصّنة ضد السؤال. فحين يتوقف النقد، لا يُصان الرمز، بل يُفرَّغ من معناه، ويُعاد إنتاجه بوصفه سلعة عاطفية أو أداة أيديولوجية.
بهذا المعنى، فإن الجدل الذي صاحب فيلم "الست" عن أم كلثوم، ثم عاد في صيغة أخرى مع رحيل المفكر العربي مراد وهبة، ليس جدلًا عرضيًا، بل علامة على أزمة بنيوية في علاقتنا بالرموز. لماذا نخاف من نقد من نحبهم؟ ولماذا نخلط بين المساءلة المعرفية والهدم الأخلاقي؟ وهل الوفاء للرموز يمرّ عبر الصمت، أم عبر التفكير؟
باستعارة أدوات ميشيل فوكو، لا يمكن فهم أم كلثوم خارج شبكة الخطابات التي أنتجتها وأعادت إنتاجها. فهي لم تكن صوتًا استثنائيًا فحسب، بل جسدًا رمزيًا اشتغل في تقاطع الفن، والدولة، والإعلام، والهوية القومية.
فوكو يعلّمنا أن السلطة لا تعمل بالقمع فقط، بل بالإنتاج: إنتاج الذوق، والانفعال، والذاكرة. ومن هذا المنظور، فإن مساءلة علاقة أم كلثوم بالسلطة الناصرية لا تُنقص من عظمتها الفنية، بل تكشف شروط تشكل رمزيتها.
غير أن الوعي العربي يميل إلى تجميد هذه الرمزية، وتحويلها إلى كيان متعالٍ على التاريخ. وهنا يتحوّل الدفاع عن أم كلثوم إلى دفاع عن صورة للذات الجماعية، لا عن فنانة بعينها.
على مستوى الفكر، يحتل مراد وهبة موقعًا موازياً. فهو أحد أبرز المدافعين عن العقلانية والتنوير في الثقافة العربية المعاصرة، مستلهمًا الإرث الكانطي في تعريف التنوير بوصفه خروجًا من القصور العقلي.
غير أن استدعاء يورغن هابرماس هنا ضروري. فالتنوير، عند هابرماس، ليس خطابًا تقريريًا من أعلى، بل عملية تواصلية داخل المجال العام. ومن هنا ينبع التوتر في تجربة مراد وهبة: هل ظل مشروعه التنويري مفتوحًا على الحوار الاجتماعي؟ أم انزلق أحيانًا إلى عقلانية معيارية تُصدر الأحكام بدل أن تُنتج النقاش؟
هذا السؤال لا يُضعف وهبة، بل يُدرجه داخل محنة التنوير العربي نفسه، حيث يتقاطع العقل مع السلطة، والنقد مع المؤسسة.
مراد وهبة والقضية الفلسطينية: حين يُمتحن التنوير سياسيًا
إذا كان نقد مراد وهبة يظل ناقصًا دون مساءلة علاقته بالسلطة الثقافية، فإنه يصبح مبتورًا إن تجاهل موقفه من القضية الفلسطينية، لا بوصفها قضية سياسية فحسب، بل بوصفها اختبارًا أخلاقيًا ومعرفيًا للمثقف العربي المعاصر.
لقد أثار انضمام مراد وهبة إلى ما عُرف بـ "مجموعة كوبنهاغن للحوار العربي–الإسرائيلي" موجة واسعة من الغضب والاستياء في الأوساط الثقافية المصرية والعربية، ليس فقط بسبب فكرة “الحوار” ذاتها، بل بسبب السياق غير المتكافئ الذي جرى فيه هذا الحوار، وبسبب ما اعتُبر انحيازًا واضحًا للسردية الإسرائيلية، أو على الأقل تجاهلًا لبنية الاستعمار والاحتلال.
هنا لا نتحدث عن اختلاف سياسي عابر، بل عن مأزق بنيوي في خطاب التنوير العربي حين يُفصل العقل عن العدالة، والنقد عن التاريخ.
من منظور إدوارد سعيد، لا يمكن لأي خطاب عقلاني أن يدّعي الحياد وهو يتعامل مع واقع استعماري قائم. فالحياد، في حالات الاختلال الجذري في موازين القوة، ليس موقفًا عقلانيًا، بل شكل من أشكال التواطؤ الرمزي. إدوارد سعيد لم يرفض الحوار من حيث المبدأ، لكنه رفض الحوار الذي يتجاهل واقع الاحتلال، ويساوي بين الضحية والجلاد، ويحوّل الصراع إلى “سوء تفاهم ثقافي”.
ومن هنا، فإن موقف مراد وهبة، حين دافع عن الحوار مع إسرائيل دون تفكيك البنية الاستعمارية للصهيونية، بدا لكثيرين تنويرًا منزوع التاريخ، أو عقلانية مجردة من الحسّ السياسي.
في السياق نفسه، ربط كانط التنوير باستقلال العقل، لكن فرانز فانون ربطه بتحرير الإنسان المقموع من بنية الاستعمار. وبين هذين القطبين، يُختبر المثقف في العالم الثالث. حين يتبنّى المثقف خطابًا عقلانيًا لا يرى في الاستعمار إلا “نزاعًا”، ولا في الاحتلال إلا “قضية قابلة للتفاوض الثقافي”، فإنه – من حيث لا يدري – يُعيد إنتاج عقل المستعمِر، لا عقل التحرر.
وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة في تجربة مراد وهبة: مفكر نذر مشروعه لمواجهة "العقل الغيبي"، لكنه وقع في فخ العقل الأداتي الذي يفصل التفكير عن المعاناة المادية للناس.
هنا تستعيد المقارنة الغربية أهميتها.
جان-بول سارتر لم يُحاسَب فقط على مواقفه النظرية، بل على صمته السياسي. وصمته عن الستالينية ظل وصمة نقدية في تاريخه، رغم مكانته الفلسفية. وبالمثل، فإن موقف مراد وهبة من القضية الفلسطينية سيظل نقطة توتر لا يمكن تجاوزها بالتكريم أو الرثاء.
لكن – وهنا جوهر الحجة – هذا لا يعني شطب منجزه الفكري، بل إدراجه داخل تناقضه. إدخال موقف مراد وهبة من التطبيع داخل قراءة منجزه لا يهدف إلى: التشهير، ولا تصفية الحساب، ولا اختزال الرجل في موقف واحد، بل يهدف إلى: فضح وهم التنوير المحايد، وإعادة ربط العقل بالسياق، وتحويل الرمز من أيقونة إلى موضوع معرفة.
بهذا المعنى، فإن نقد موقفه من فلسطين هو وفاء للتنوير نفسه، لا خيانة له. ليس الخطر في أن يخطئ المفكر، بل في أن يتحول خطؤه إلى منطقة صمت، وأن يُطلب من الثقافة أن تغفر باسم العقل، ما لا يجوز غفرانه باسم العدالة.
لذلك كان الغضب العربي مبررًا. فغضب المثقفين والجمهور من موقف مراد وهبة لم يكن تعبيرًا عن "عداء للتنوير"، كما صُوِّر أحيانًا، بل عن إحساس عميق بالخيانة الرمزية. فالمثقف العربي، بخلاف نظيره الغربي، لا يتحرك في فضاء مجرد، بل في سياق: احتلال، هزائم، ذاكرة استعمارية حيّة. وعندما يتحدث مفكر عربي عن "السلام" و"الحوار" دون تسمية الاحتلال، فإنه لا يبدو عقلانيًا، بل منفصلًا عن شرطه التاريخي.
ومن منظور فرويدي–لاكانـي، يمكن قراءة الغضب الشعبي من نقد الرموز بوصفه قلقًا هوياتيًا. فالرمز الثقافي لا يمثل شخصًا فقط، بل يعمل كـ مرآة جماعية، وأي خدش فيها يُستقبل بوصفه تهديدًا للذات. لاكان يذكّرنا بأن "الأنا" تتشكل عبر التماهي، وحين نتماهى مع أم كلثوم أو مراد وهبة، فإن نقدهما يُشعرنا لاشعوريًا بأننا نحن من يُنتقَد.
هنا يصبح النقد فعلًا صادمًا، لا لأنه غير علمي، بل لأنه يكسر وهم الاكتمال.
نقد الرموز في الثقافة الغربية
في الغرب، لم يكن نقد الرموز خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة معرفية. أدورنو لم يتردد في نقد شونبرج، وهابرماس واجه هايدغر، وألان باديو كتب عن التناقض بين عبقرية فاجنر ومواقفه السياسية.
الفكرة المحورية هنا، كما يوضح باديو، أن: "الفكر لا يُقاس بنقاء صاحبه، بل بقدرته على فتح إمكانات جديدة للحقيقة".
وهذا ما نفتقده عربيًا: نحن نربط الحقيقة بالسيرة، والعبقرية بالأخلاق، فنخسر الاثنين معًا. إن إدخال أم كلثوم ومراد وهبة في أفق النقد لا ينتقص من مكانتهما، بل يحرّرهما من الاستخدام الأيديولوجي. فالثقافة التي تخاف من نقد رموزها، كما يقول فوكو، ليست ثقافة ضعيفة الرموز، بل ثقافة ضعيفة الثقة بنفسها.
من هنا، فإن الوفاء الحقيقي للست وللسيد، ليس في الصمت، بل في التفكير، وليس في الحراسة، بل في الفهم، وليس في التقديس، بل في النقد المسؤول.
تتضح المسألة أكثر إذا انتقلنا إلى ميدان الأدب. فقد كان جان-بول سارتر المثال الأوضح على ازدواجية الرمز الأدبي في الثقافة الغربية. فهو الكاتب الذي نظّر لـ الأدب الملتزم، ودعا المثقف إلى تحمّل مسؤوليته التاريخية، لكنه في الوقت نفسه: التزم الصمت طويلًا إزاء جرائم الستالينية، واعتبر أن نقد التجربة السوفيتية قد يخدم “المعسكر المعادي”.
هذا التناقض لم يؤدِّ إلى شطب سارتر من التاريخ الأدبي أو الفلسفي، بل إلى قراءة أعماله (مثل ما الأدب؟) في ضوء حدود الالتزام حين يتحوّل إلى أيديولوجيا. مساءلة مفهوم “الالتزام” نفسه: هل هو التزام بالحقيقة أم بالمعسكر؟ هنا يقدّم النموذج السارتري درسًا مهمًا للمقارنة العربية: الرمز لا يُلغى بتناقضه، بل يُفهم عبره.
في الجهة المقابلة، يقف ألبير كامو، الذي رفض العنف الثوري، واصطدم بسارتر بسبب موقفه من الثورة الجزائرية. كامو، الذي كتب "الإنسان المتمرد"، بدا في نظر كثيرين: إنسانيًا أخلاقيًا، لكنه سياسيًا “ملتبسًا”، بل متواطئًا بالصمت عن الاستعمار.
ومع ذلك، لم تُختزل تجربة كامو في هذا المأزق، بل جرى التعامل معها كنقطة توتر مركزية في فكره: هل يمكن الدفاع عن الإنسان دون مواجهة التاريخ؟ وهل الأخلاق الفردية كافية أمام عنف البنى الاستعمارية؟
هذه الأسئلة جعلت من كامو مادة نقدية حيّة، لا أيقونة معصومة.
ربما يكون لوي-فردينان سيلين المثال الأكثر حدة وإرباكًا. كاتب "رحلة إلى آخر الليل" أحدث ثورة أسلوبية في الرواية الفرنسية، لكنه كتب نصوصًا معادية للسامية، وعبّر عن تعاطف صريح مع النازية. الموقف الغربي من سيلين لم يكن موحدًا: لا تمجيد أعمى، ولا محو كامل، بل ساد اتجاه نقدي يفصل بين المنجز الجمالي، والسقوط الأخلاقي والسياسي.
في الثقافة العربية، غالبًا ما يُستخدم أي خطأ سياسي لإلغاء المنجز، أو يُستخدم المنجز لتبرير الخطأ، أما النموذج الغربي، فيسعى – رغم تناقضاته – إلى إدارة التوتر لا إنكاره.
حتى الرموز التقدمية، في الثقافة الغربية، لم تسلم من النقد. فيرجينيا وولف، أيقونة النسوية الأدبية، خضعت لمساءلات حادة بسبب نزعتها النخبوية، وبعض المواقف العنصرية والطبقية في كتاباتها الخاصة. لكن النقد النسوي المعاصر لم يُلغِ وولف، بل أعاد قراءتها داخل سياقها الطبقي، وفصل بين مساهمتها المفهومية في تحرير الكتابة النسوية، وحدود وعيها الاجتماعي.
هذا النموذج بالغ الأهمية عند مقارنته بالجدل حول أم كلثوم: كيف يمكن لامرأة أن تكون رمزًا للتحرر، وفي الوقت نفسه جزءًا من بنية سلطوية أو نخبوية.
ويمكن أن نقول الشيء نفسه عن غونتر غراس، الحائز على نوبل، حين اعترف بانتمائه في شبابه إلى قوات الـSS النازية، لم تُسحب منه الجائزة، ولم يُشطب أدبيًا، بل فُتحت أعماله "طبل الصفيح" على قراءة جديدة، وجرى إدخاله في نقاش أوسع حول الذنب والذاكرة والاعتراف.
هذا النموذج يطرح سؤالًا غائبًا في السياق العربي: هل نملك ثقافة الاعتراف الرمزي؟ أم نفضّل الصمت، ثم التقديس، ثم الانفجار؟
نحو أخلاقيات لنقد الرموز
من خلال هذه النماذج الأدبية الغربية، يمكن استخلاص ثلاث ملاحظات محورية: الرمز ليس وحدة متجانسة، بل بنية متصدعة. النقد لا يعني الإلغاء، بل إعادة التملك المعرفي. الثقافة الحية هي التي تحتمل التناقض دون انهيار. وبالعودة إلى أم كلثوم ومراد وهبة، يتضح أن أزمتنا ليست في وجود تناقضات لديهما، بل في عجزنا عن إدارتها ثقافيًا.
في الغرب، يُدرَّس سارتر مع نقده. ويُقرأ سيلين مع التحذير منه، وتُناقش وولف مع مساءلتها. أما في الثقافة العربية، فنميل إلى أحد خيارين: إما الرمز الطاهر، أو الرمز المدان. وبين هذين الخيارين، تضيع المعرفة.
من هنا، فإن الانتقال “من الست أم كلثوم إلى السيد مراد وهبة” ليس انتقالًا بين شخصين، بل بين نمطين من الوعي: وعي يخاف من السؤال، ووعي يرى في السؤال شرط البقاء.
إن أي محاولة لتأسيس أخلاقيات لنقد الرموز ينبغي أن تنطلق من مبادئ عامة يتم استخلاصها من الممارسات الواقعية النقدية بنحو ما تبدت في النماذج التي أشرنا إليها سابقا. ولعل أبرز هذه المبادئ هي: التمييز بين المنجز والقيم الأخلاقية للشخص، فالرمز يمكن أن يُنتقد من حيث السياسة أو الأخلاق دون محو المنجز الفني أو الفكري. ربط النقد بالسياق التاريخي والاجتماعي، بمعنى أن أي تقييم يجب أن يأخذ في الاعتبار شروط إنتاج الرمز. إدراك المنطقة الرمادية ذات الدلالة: أي أن الوفاء للرمز لا يكون بالصمت، بل بالنقد المسؤول. الحفاظ على التوتر بين النقد والتقدير: فالنقد لا يلغي الرمز، بل يثري فهمنا له ويزيد من قيمته المعرفية.
هذا الإطار يتيح نموذجًا متكاملاً لفهم الرموز الثقافية والفكرية العربية: أم كلثوم ومراد وهبة ليسا مجرد أيقونات، بل موضوعات معرفية حية. النقد الواعي يعيد الربط بين القيمة الإبداعية والمسؤولية السياسية، ويفتح المجال أمام قراءة تاريخية وفلسفية متوازنة. وبهذا المعنى يصير النقد وفاءً بالرمز والمعرفة، لا خيانة له.
***
د. ماهر عبد المحسن






