قضايا

ابتهال عبد الوهاب: جدل القشور ومعارك الهامش

مقال في إهدار الوعي الجمعي

وكأن الزمن يمر بنا مرور الغريب، بينما نمكث نحن في تفاصيله الصغيرة، نختلف حول الصوت والهيئة والمشهد العابر، ونترك السؤال الأكبر معلقا: ما الذي نصنعه بمستقبلنا؟

لسنا متأخرين لأننا فقراء، بل لأننا نبدد أثمن ما نملك: وعينا. نقف على قارعة الزمن نختلف حول صوت ميكروفون، وحركة ساق في مقعد مترو، وبرنامج تلفزيوني موسمي، بينما تدور في مكان آخر من هذا الكوكب عقول لا تنام، تنقب في المجهول، تفكك الشيفرات، وتعيد تعريف حدود الإنسان..  ويتم صياغه خرائط المستقبل. بينما نحن نسأل: هل هذا الاختراع حلال أم حرام؟

هم يسألون: هل يخفف ألما؟

 هل ينقذ حياة؟

 هل يضيف معنى إلى الوجود؟

الإنسان هناك هو القيمة العليا، والكرامة البشرية هي المقدس الوحيد الذي تبنى حوله الفلسفات والسياسات والعلوم. أما نحن، فنستنزف طاقتنا في معارك رمزية، ننتصر فيها صوتيا وننهزم حضاريا. نقيم الدنيا لأجل تافهين السوشيال ميديا، ولا نقيمها لأن مختبرا أُغلق، أو لأن عقلا هاجر، أو لأن باحثا يائسا ترك حلمه تحت ضغط السخرية وقلة التقدير.

المشكلة في ترتيب الأولويات، حين تصبح لدينا  القشور قضايا وجود، ويغدو الهامش مركزا، ويتحول الجدل إلى بديل عن الإنجاز، ندرك أننا لم نخرج من التاريخ، بل خرج التاريخ منا.

للأسف هناك عقل يسابق المستقبل، وهنا عقل يحرس الماضي كأنه آخر حصون الهوية. نحن نصنع  من التفاصيل الصغيرة معارك كبرى، بينما المعارك الحقيقية  مع الفقر، والجهل، والمرض، والتراجع العلمي  مؤجلة دائما إلى إشعار آخر.

غرقنا في جدل لا ينتج سوى مزيدا من الدوران في الحلقة ذاتها

في مختبراتهم مثل معهد ماكس بلانك تفكك أسرار الحياة نفسها

بينما نحن ما زلنا نفكك نوايا بعضنا البعض.

عندما قال فرانسيس بيكون عبارته الشهيرة: «المعرفة قوة». لم يكن يقصد قوة السيطرة فحسب، بل قوة التحرر من الخرافة، ومن الخوف، ومن العجز. وقال إيمانويل كانط في تعريفه للتنوير: «لتجرؤ على استخدام عقلك». الجرأة هنا ليست تمردا أخلاقيا، بل شجاعة حضارية؛ شجاعة أن نخضع أفكارنا للفحص، وأن نخضع عاداتنا للسؤال، وأن نخضع أولوياتنا لميزان الإنسان لا لميزان الضجيج.

أما كارل بوبر فكان يرى أن المجتمع المنفتح هو ذاك الذي يسمح بالنقد، لأن النقد هو شرط التقدم. وفي المقابل، كل مجتمع يخشى السؤال، إنما يخشى التقدم ذاته. لقد عرفت أوروبا عصورا كاملة انشغلت فيها بمحاكمات الأفكار بدل تطويرها، حتى جاء زمن قيل فيه إن لا مقدس فوق الإنسان وحقه في المعرفة.

هناك تغيّر المسار. هناك انتقلت الأولوية من حماية الرمز إلى حماية الكرامة البشرية. للأسف نستنزف وعينا في معارك رمزية، ونترك المعارك الحقيقية بلا جنود:

معركة التعليم الرديء،

معركة البحث العلمي المهمل،

معركة العقل الذي يهاجر لأنه لم يجد بيئة تحترمه.

حين يصبح الإنسان هو القيمة العليا، يتغير ترتيب الأشياء.

يصبح السؤال: كيف نخفف الألم؟

كيف نمنح الطفل تعليما أفضل؟

كيف نحفظ كرامة المرأة والرجل معا؟

كيف نصنع معرفة تنتج قوة لا تبعية؟

الحضارة ليست مباني شاهقة،

ولا شاشات مضيئة،

بل قدرة على توجيه الطاقة الجمعية نحو هدف أسمى من الجدل.. هي أن يتحول القلق إلى بحث، والإيمان إلى عمل، والحرية إلى مسؤولية

ولنعلم ان أمةً تقدس الجدل أكثر مما تقدس الإنجاز، وتحاكم السلوك الفردي أكثر مما تحاكم الفشل المؤسسي، إنما تؤجل سقوطها وهي تظن أنها تدافع عن هويتها.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في المثقف اليوم