قضايا
محمد رزيق: في أثر الخيال
تطرح موضوعة الخيال أمام الباحث عدة أسئلة، خصوصاً في الحقل الفلسفي؛ إذ يتبادر إلى الذهن سؤالٌ أوّلي مفاده: هل الخيال، باعتباره مفهوماً فلسفياً بله جمالياً، متأثل في الثقافة العربية أم أنّه وافد من حضارات الجوار؟ بالعودة إلى المعجم العربي بوصفه الوعاء الذي يضم كل الخزانة اللغوية التي نطق بها العرب في جاهليتهم قبل التقائهم بشعوب الجوار، وأخصّ الحضارة الإغريقية الرومانية، أي قبل الاطلاع على التراث اليوناني خلال فترة الترجمة والتدوين التي عرفتها دولة الخلافة الإسلامية. نجد هذا الوعاء المعجمي يتناول عبارة الخيال ويحدّد لها جملة من المعاني والدلالات التي يتقاطع فيها مع عبارات ومفاهيم كثيرة من قبيل: الطيف والتوهّم والظنّ والتشبّه والتصوّر والتوسّم والتفرّس وعمّا يدور بخَلَد الإنسان أو ما يشبّه له سواء أكان في اليقظة أم في النوم، أو ما يوهم بوجود شيء واقعي وهو غير موجود إلا في الذهن. والملاحظ أنّ كل هذه العبارات ترتبط في جوهرها بالصور الحسية التي تحصل عن طريق الإدراك الحسي؛ أي أنّ المتخيّل هي صورة ذهنية حاصلة عن طريق حاسة البصر في أغلب الحالات.
ما يتأكد من خلال هذا الوعاء المعجمي أن العرب عرفوا الخيال وما يتقاطع معه من معاني، سوى أنّ المعنى الذي رافقه لم يعرف انزياحاً عن دلالته التوهّمية. تتجه هذه الدلالة إلى أنّ الخيال هو استحضار صورة الشيء المتخيَّل بعد غيابه. من جهة أخرى، أكدت جل الدراسات الإثنوغرافية والأنثروبولوجية وكذلك الدراسات والأبحاث التي أفضت إليها العلوم الاجتماعية والإنسانية أن كل الجماعات البشرية لها خيالها ومتخيلها. يعمل هذا الخيال الجمعي على تحديد هوية الجماعة ثم يساعدها على إثبات وجودها داخل المجتمع الإنساني؛ إذ نستطيع أن نقول بأنّ الخيال هو مفهوم كوني إنسانيّ، وبالتالي فإنّ الإنسان كائن خيالي Homo imaginatus.
حين حصل الاحتكاك بشعوب الجوار ونشطت ترجمة الفلسفة اليونانية، كان بديهياً أن تنتقل مفاهيم ونظريات إلى الثقافة العربية مما أنتجه فلاسفة الإغريق في مختلف المجالات ومنها موضوع الخيال. لقد انضاف إلى المفاهيم السابقة للخيال معنى جديداً حيث صار الحديث عن الخيال بوصفه ملكة وقوة لدى الإنسان تعمل إلى جانب باقي الملكات الإدراكية في تحصيل المعرفة. حول هذه القوة الإدراكية "المُتخيِّلة" ودورها في تحصيل المعرفة وبلوغ الحقيقة؛ نجد رأيَيْن بارزيْن رسما تاريخ الخيال حتى يوم الناس هذا.
الاتجاه الأول: تزعمه أفلاطون الذي قلّل من شأن الخيال واعتبره لا يوصل إلى حقيقة، وأنّ كل معرفة صادرة عنه فهي زائفة ومغلوطة. فكان من نتائج هذا الرأي، طرد أفلاطون الشعراء والفنانين ومَن يتعقب خطاهم من الجمهورية، وجعل على رأسها زعيماً يحكمها من الفلاسفة؛ مع لفت الانتباه أن أفلاطون غفَل أو تغافل عن دور الخيال الذي قاده إلى تصوُّر جمهورية على مقاسه والتي لم تتحقق في الوجود، لا في زمانه أو في الزمان الذي جاء بعده. فظل ذلك الأمل يراود الفلاسفة والمفكرين إلى يومنا هذا في تخيّل يوتوبيات لم توجد إلّا في الخيال.
أما الاتجاه الثاني: فتزعمه أرسطو تلميذ أفلاطون، هذا الذي اعتبر الخيال والمخيلة عنصراً من العناصر الموصلة إلى الحقيقة وتحصيل المعرفة. أجد أن أصحاب هذا الرأي على جانب قوي من صحة رأيهم.
ظلّ الخيال، منذ زمان أفلاطون وأرسطو، في جدلية دائمة يتجاذب أطرافها هذان الرأيان حتى تقدم البحث العلمي في الفترة المعاصرة ليؤكّد على أهمية الخيال في المساهمة في تحصيل المعرفة والتحفيز عليها. مجمل القول إنّ الخيال يرتبط بالوجود الإنساني وهو كونيّ من دون شك. وما دامت الجماعات البشرية في حل وترحال وحركتها دائبة لعدة أسباب، إن على المستوى الفردي أو المستوى الجماعي، وخلال هذه الحركة يحدث بين الشعوب أخذ وعطاء ومقايضة مادية وفكرية، وبالتالي فإن الخيال يعبر من هنا، وتحصل المثاقفة بين الجماعات، مع إلباس المفاهيم المنقولة بلباس بلد الاستقبال. يجدر القيام بالتنقيب والبحث في الخزانة العربية للوقوف عن كيفية تعامل المفكر العربي مع مفهوم الخيال وذلك من خلال الانكباب على إعداد موسوعة عربية همُّها رصد الخيال ومرادفاته مع تحديد تجلياته على المستوى الفكري والمعرفي ومدى تأثيره في تشكيل المتخيل العربي والإسلامي.
***
بقلم: محمد رزيق/ الدار البيضاء






