قضايا

راشيل دونالد: الأنوثة والمواطنة

بقلم: راشيل دونالد

ترجمة: د. صالح الرزوق

***

حوالي منتصف الصيف من هذا العام، سنرحب أنا وشريكي بطفلنا الأول في عالمنا. فكرت طويلا وبتأن إذا ما كان علي أن أتكلم هنا عن الموضوع، لأكسر قانون الخصوصية. لكن في النهاية أصبح من الصعب وبالتدريج أن أتابع الكتابة بدون الإشارة لما عزمنا عليه، لأنه لا يؤثر على تفكيري فقط ولكن أيضا على بحوثي. في الصيف الماضي بدأت بتكوين فكرة عن الاقتصاد التوليدي reptoductive (*إعادة الانتاج) بالمقارنة مع الاقتصاد المنتج profuctive: اقتصاد يعطي الأولوية للعمل التوليدي، ولاستطاعة كل شخص في المساهمة توليديا. العمل التوليدي، لا يعني أبدا إعادة إنتاج الجينات. ولكن أعني خلق الظروف المناسبة ببن الكائنات البشرية وروابط الدم المتينة بما يكفل الازدهار. وربما كان لاوعيي دائما يسبقني بخطوتين، لأنه قبل عدة أسابيع قليلة أدركت أنني لم أعد أخاف من الأمومة. وبحوثي التي تهتم بالطريقة التي نحمي بها جسم الأرض، تحولت إلى رغبة في رعاية وتطوير هذا الجسم، ثم إلى حاجة عميقة لرعاية وتطوير الأجسام التي أحب. وهذا يفسر كل العلاقات التي أقيمها، ويجهزني لبلورة هذه العلاقة الرائعة والجديدة التي في تتحكم في حياتي. إدراك أهمية العمل التوليدي، هو البوابة التي تدعم الحياة، وتنفي المخاوف الجياشة السابقة من فقدان الشخصية أو الوقت أو الحرية بسبب الأمومة. هذا ساعدني على فهم مقدار تورطنا في العمل التوليدي، ورعاية الأصدقاء والعائلة وحراثة التربة. وساعدني على الإحساس بالهدف من تلك العلاقات المتداخلة. ولكن في الحقيقة تسبب الحمل بوجهة نظر أضيق: ووتر العلاقة بين الأمومة وحركة تحرير المرأة. يفهم العديد من أنصار الأنوثة وهم أقلية أن الدخول في الاقتصاد الإنتاجي أحد طرق تحرير المرأة. ولكن إذا كانت الإنتاجية هي المفتاح - يكون الانحياز الضمني المتستر بالإيديولوجيات بدءا من الرأسمالية وحتى شيوعية الرفاهية المبرمجة كليا - هو الذي يؤدي دور العمل التوليدي الضروري لدعم مجتمع "الرفاه"؟. حتى في "شيوعية الرفاه المبرمج بالكامل" والذي يعمل على تحرير كل الشعب من عبودية العمل ويوزع على قدم المساواة المصادر بواسطة طبقة روبوتات، قد لا يخفي العمل التوليدي هرمية الجندر أو العرق على فرض أن العمل تؤديه امرأة لا نراها، ولكنه سيبقى مخفيا بسبب انتهاك جسم الأرض. كيف إذا نقدر العمل التوليدي عوضا عن البحث عن طريق للهروب؟.

تاريخ موجز للأقلية الأنوثية

الأنوثة الأقلاوية مخصصة باستمرار - وعلى نحو حرج - لتحرير النساء من العبودية التوليدية. وتأخذ العبودية التوليدية أشكالا مختلفة حول العالم (وهي الآن تحقق عودة مذهلة في الولايات المتحدة) ولكنها انتهت إلى سيطرة الرجال على أجساد النساء باعتبار أنها توليد وعمل يقود إلى إنتاج المجتمع. هذا يشير لما هو أبعد من مجرد ولادة الأطفال. فالرأسمالية تعتمد بالوراثة على استجرار العمل الحر من جماعات محددة، وبهذه الطريقة تتحرر جماعات أخرى، وتتحول إلى حصيلة إنتاج اقتصادي موجهة لمصلحة الاقتصاد. ببساطة: العمل التوليدي هو عمل غير مرئي يحافظ على حياة الناس، ليكون بمقدورهم الخروج إلى العالم وكسب النقود. وتقدم سيلفيا فيدريشي، التي أجريت معها مقابلة، تفاصيل ممتازة في كاليبان Caliban وويتش Witch عن الكيفية التي قادت جماعات العمل التوليدي في العصور الوسطى إلى محاكمة الساحرات، وإلى التسبب بتراجع هائل في استقلال المرأة: بالنسبة للنخبة أن تكون رأسماليا، يعني أن أجور معظم الرجال تضعهم في مرتبة العبيد، بينما تكون كل النساء في طبقة العبيد ذاتها. خلال ما يزيد على الخمسمائة عام الماضية، عانينا من التقابل بين العمل الإنتاجي والعبودية التوليدية. ونحن نفهم على نحو جيد لماذا سعت الأقلاوية الأنوثية منذ البداية إلى تحرير النساء من العبودية. على كل حال كان تحليلهم تاريخيا جدلا. فالأقلية المؤنثة دمجت العمل التوليدي مع العبودية التوليدية، والعمل الإنتاجي مع المؤسسة. وربما حصل ذلك لأن النساء اللواتي كتبن عن الأنوثة في القرنين الــ 18و19 كن أيضا ينتمين إلى طبقة النخبة التي وظفت الآخرين لأداء العمل التوليدي بالنيابة. ويمكن رؤية ذلك على أنه شيء يجب الهروب منه (ولا يزال ذلك هو الوضع حتى أيامنا هذه في عدد من الدوائر والحلقات). وفي هذا المناخ كانت سيمون دوبوفوار، عرابة الأنوثة الحديثة، تكتب. وقد مهد كتابها الشهير "الجنس الثاني" الطريق لكل من موجة الأنوثة الثانية، وحرفيا، نظرية المثليات queer التي قدمت لنا الكثير من أفكار الأقلية المؤنثة خلال العقدين المنصرمين. لم أنتهي بعد من قراءة حصيلة دوبوفوار، ولا يزال هناك وجهات نظر صحيحة ولفتات كتابية جميلة، وغالبا ما كشفت لي عن عدائها للمرأة والمقنع بحجاب رقيق. فهي تصف النساء بأنهن الأكثر هشاشة بين صف الإناث، وحذرت من أن تبقى النساء "مشوهات" بسبب الحمل، ونظرت إلى تطور الأجنة وكأنه عصيان وثورة للجسم. ولم يكن هذا مفيدا للمرأة. والأهم أن دوبوفوار لم تقارن فقط بين الإنتاجية والتوليدية، ولكنها وقفت ضد التوليدية على انفراد. وادعت أساسا أن جسم الأنثى هو وعاء يؤكد الجسم المذكر على نفسه أمامه، ولاحقا مجمل النوع، وهكذا تمر النساء بتجربة استسلام متطرفة. ونظرت إلى فضيلة المرأة على أنها نفي لمتطلبات شكلها، وهي متطلبات تعكس رغبة المجتمع، كما ألحت دائما، كما لو أن المجتمع وجسم الأنثى أقاما علاقة شراكة متينة تقمع معنى "المرأة" المحتمل والانتفاع منه. كما أنها ذكرت: أن النساء تعرضن خلال مسيرتهن في الحياة للتغريب عن أجسادهن حتى لحظة خروج دم الحيض منهن، وهنا "تتحرر من عبودية المؤنث... ولا تكون بعد ذلك فريسة سلطة تقلل من مكانتها: إنها الآن متصالحة مع نفسها". كانت دوبوفوار واضحة في فلسفتها طيلة حياتها. فقد رفضت مؤسسة الزواج والأمومة، وكتبت كثيرا كيف أن الطرفين كفلا عبودية النساء للرجال وعلى نحو أوسع للنوع. ومع عشيقها سارتر كانت تحمل النظرية الوجودية التي تزعم على نحو واسع أن حياتنا بلا معنى أو هدف باستثناء ما يمكننا التوصل إليه. ولكن برأيها إن خلق المعنى بواسطة الأمومة عرضة للتساؤل والشك: ففي أوقات العبودية الإنتاجية الحقيقية سألت نفسها هل كان إنجاب المرأة للأولاد بنتيجة خيار حر؟. بالتأكيد الأفضل دائما أن ينتمي الإنسان لفرديته المطلقة لينتج حياة تستحق أن يعيشها، كما فعل سارتر ودوبوفوار . وهذا الكلام عبارة عن استمرار أنيق لفلسفة الأنوار والتي وضعت ثقافة الإنسان فوق أي اعتبار، ورفضت حدود الأشكال الفيزيائية والتي نتغلب عليها في كل عقد بالقفزات التكنولوجية التي ضمنت للأوروبيين السيطرة التامة على بيئاتهم. ففي هذه البيئة فقط ولدت الوجودية، وهي فلسفة غلفت علاقة الكائنات البشرية مع العالم بإنجازات التصنيع، حتى تحققت كل احتياجات الأفراد، بحال أن الفرد غني بما فيه الكفاية، وذلك عبر العمل التوليدي، وأمكن "للعقول العظيمة" أن تتخطى البيولوجيا والمجتمع، حتى أصبحت هي نفسها القبطان الأول على متن سفينة المغامرات المعروفة باسم الحياة، المبحرة نحو شواطئ الأهداف والغايات المجهولة. استمرت هذه العقلية طيلة ثاني موجة من حركات أنصار الأنوثة، حيث كفل مكان العمل تحرير المرأة من الجو المنزلي. وبالتأكيد تحررت في عالم الأقلية العديد من النساء من أسر المنزل في ظل سياسات التجارة العالمية واقتصاد النيوكلونيالية، وضمن كلاهما تدفقا ثابتا للبضائع والعمالة الرخيصين. لكن هذه الحركة لم تحرر النساء من العبودية التوليدية - بل حولت ذلك إلى عمال مخفيين في عالم الأغلبية، وهكذا تمكنت النساء في عالم الأقلية من الدخول إلى القوة العاملة وخلق حصيلة اقتصادية. فالنساء الفقيرات والمصنفات عرقيا لسن الضحايا الوحيدات: لأنه تم غزو جسم الأرض أيضا، كي توفر لنا ما لا نملك وقتا لنوفره بأنفسنا. وهكذا استنزفت لتصنع الحضارة، مثلما استنزفت النساء للمحافظة عليها.

ضرورة أنصار الأنوثة الآن

الحضارة أسطورة لا تموت، وسياسة تحرير الأنوثة، وهي في عالم الأقلية، تعمل على وصول المرأة إلى كل زاوية من العالم لتحريرهن من دور الجندر، ولجعلهن مواطنات مشاركات وتتمتعن بالمساواة. وهذا يصدق أيضا على اقتصاد - الأنوثة. هناك اقتصاد أنوثي يتبع علاقات ميتافيزيقية بين المرأة والأرض لأجل توفير الرعاية والأمومة، فهما صفتان أساسيتان لدى أنصار البيئة. ويوجد هؤلاء الكتاب وهذه النشاطات غالبا في عالم الأغلبية، مثل فاندانا شيفا. من طرف آخر اقتصاد الأقلية الأنوثية والذي يرفض هذا الظرف لأنه اقتصاد أمومي، ولأنه حصيلة أفكار جنسية عن مكانة المرأة في المجتمع. في "ما بعد أمنا الأرض" تصر الباحثة شيرلين ماكروغير على أنه عوضا عن التركيز على مناقشات "تحتفي برعاية النساء للشعب والكوكب" علينا أن نحدد هوية سياسية جديدة، "مواطنة بيئية أنوثية". لهذه الهوية "إمكانيات تخولها كي تكون هوية سياسية إيجابية تسمح للنساء بالتعبير عن الاهتمامات المتعلقة بالجندر لأجل تحسين نوعية البيئة ولكن ذلك لا يربط النساء إلى الأبد (على وجه العموم) بفضاء الرعاية الخاص وبفضائل الأمومة". وأعتقد أن مقالة ماكرو غير الموجهة ضد ربط النساء الدائم "بفضاء خاص قوامه الرعاية وفضائل الأمومة" له دعامات وركائز. لكن المشكلة التي أواجهها هنا أنها تفترض أن الرعاية تتبع لفضاء خاص وحده. بهذه الطريقة هي تقابل بين العمل التوليدي والمواطنة، وتجعل الاثنين يبدوان كأن أحدهما يستبعد الآخر - وهذا استمرار ذكي لتأكيد دوبوفوار أن فردانية النساء كانت في النهاية وبشكل مطلق محدودة بمتطلبات العمل التوليدي. لكن هذه الفكرة لا ترى الغالبية العظمى من الوجود الإنساني، ولا تلاحظ أنه لا يمكن احتواء العمل التوليدي في جانب واحد من المزدوجة الجنسية. قبل اللامساواة البنيوية، كان عمل الجميع توليديا، وهو عند الجميع يشترك على نحو فعال في رعاية بيئاتهم، والحفاظ على علاقاتهم، وتطوير ثقافاتهم. من يصيد ومن يجمع* أصبح مشكلة غير هامة لأن كل عمل يهدف أساسا لرخاء المجتمع وبقائه. وربما هنا يجب فرض الانقطاع في المزدوجة الجنسية: ليس محو الفروق ولكن تناسق الغايات، فكل شخص يدلي فعليا بما يمكنه لبقاء مجتمعه المحلي وبيئته. وبالنسبة لي هذه هي الأنوثة التوليدية - أو لنلعب قليلا بمفهوم الاقتصاد التكويني، هذه هي الأنوثة التكوينية regenerative feminism وأعتقد أن استعادة العمل التوليدي أمر حرج لتحرير المرأة والأرض من متطلبات الإنتاج البطريركي. تابعت بفضول مستفيض انحياز النساء الشابات إلى اليمين وهجران الأنوثة، ربما لأنهن وجدن شيئا اغترابيا في الخطاب الأنوثي. وتكلمت مع أمهات يساريات وجدن أمامهن مكانا ضيقا للتماهي السياسي مع ما يعتقدن أنه واجب مهم في حياتهن: وهو تربية أطفالهن. وفتح عيوني شريكي، منذ أول لحظة، حين اعتبر أن المزدوجة الجنسية للعمل التوليدي، فعالة، وبنى قناعاته على أب كانت ثقافته تعتقد أن الرجال يؤدون كل أعمال الطهي والتنظيف. وخلال مناقشاتنا رأيت أن ما يقدمه كل منا بصفته أحد الأبوين متشابه ومتطابق. واعتبار الأبوة أنها عمل توليدي تراكمي - ومشترك ليس بيننا فقط ولكن مع أصدقائنا وعائلتينا - أصبحت فكرة الأمومة والأبوة توسع المجال عوضا عن أن تضيقه. وحينما أطلقت "موقع الكوكب: مقاربة نقدية"، لم أتمكن من تخيل زراعة وحصاد طعامي أو إمكانية الحياة في جماعة محلية، ناهيك عن أن أصبح أما. بدا كل ذلك العمل محكوما بالفضاء والوقت، وكان يبدو كأنه مطلب كبير جدا، ويحدد ما أثمنه كثيرا، وهو حريتي. والآن أحرص أن أكون قريبة من جسم الأرض، ومن أجسام أولئك الذين أحبهم. وأتطلع الآن لتخصيص أيامي من أجل تنمية تلك الأجساد وعقولها كذلك. ولذلك لا أرى أي خلاف بين تلك الرؤية وعملي. في الواقع بحوثي في مضمار الأنوثة الراديكالية هو ما قادني إلى هنا: وأكبر عمل يمكننا القيام به الآن هو توفير ظروف الازدهار حتى يتمكن من نحب، ومعهم العالم الأوسع، أن يعيشوا حياة لها معنى ورصيد. وهكذا عوضا عن وضع الإناث بمواجهة المواطنين، ماذا لو أصبح العمل التوليدي للجميع أساس المواطنة؟. وماذا لو أصبحت الهوية السياسية الجماعية ترتكز على تكوين متجدد لمجتمع موفور الصحة ومتكامل؟. وماذا لو أن نظرنا لم يكن في الاقتصاد الإنتاجي، الذي يضمن استقرار مستقبل جماعاتنا المحلية، وضمنا تلك التي هي أكثر من مجرد قرابة يحكمها الانتماء لبشرية واحدة؟. هناك مكان واسع للمتابعة الثقافية في عالم من هذا النوع، كما بينت لنا سياسة المجتمعات الأصلية المتساوية. وهناك مجال واسع للأدب والفن، والطب والرحلات. وهناك أيضا مجال لحركات الدفاع والتمرد. لكن ما ليس له مكان هو الضغط والهيمنة والاستنزاف. لا مكان للربا، ولا للتحيز والتمييز. وعلاوة على ذلك لا مكان لأوهام الفردانية: نحن لا نكون أنفسنا بمبادرة من طرف واحد، فقد أصبحنا معا كتلة واحدة. فالتحرير يوجد في الروابط التي توحدنا.

***

.......................

* عبارة تدل على التخصص في المهام والعمل حسب الجنس. فالرجل يصيد والمرأة والأولاد يجمعون الفواكه والنباتات.

** راشيل دونالد Rachel Donald صحافية مهتمة بشؤون البيئة والكوارث. تحرر موقع "الكوكب: مقاربة نقدية". الترجمة من موقع زد نيت وورك.

في المثقف اليوم