قضايا
حميد بن خيبش: التربيـة العلمية
لا شك أن مصير أي مجتمع اليوم رهين بالتحدي التربوي الذي فرضته الثورة المعرفية الهائلة التي يشهدها العالم في العقود الأخيرة، والانتشار الهائل لتكنولوجيا المعلومات. تحد يٌلزم بزيادة فاعلية المنظومة التعليمية، وإحداث تغيير نوعي لا يهم فقط المناهج والبرامج وأساليب التدريس والتقويم، بل يشمل كذلك تحرير الفرد من المعيقات الكامنة في الثقافة المجتمعية السائدة.
إن أهم ما يميز عصر المعرفة الذي نعيشه هو هيمنة العلم والمعرفة العلمية بكل اتجاهاتها المعلوماتية والتقنية على شتى مناحي الحياة. فقد كانت هذه المعرفة حتى الأمس القريب حكرا على نخبة العلماء في مجامعهم المغلقة ومراكزهم البحثية، لكنها اليوم تحتل واجهة الأحداث والعناوين الكبرى في وسائل الإعلام. أين هو إذن موقعنا نحن من هذا الحراك العلمي الهائل، وهل يكفي استيراد التكنولوجيا وتجهيز المرافق بالعدة المتطورة حتى نعلن عن رتق الفجوة المعرفية والحضارية بين عالمين؟
لم يُخف المسؤولون في منظومتنا التعليمية اعترافهم بضعف المردودية الكمية والكيفية للبحث العلمي، إلا أن الغايات المسطرة في هذا الشأن لم تلامس بعد أفق انتظار مجتمع يصبو لإيجاد موطئ قدم في عالم متحفز لفتح آفاق علمية جديدة. إذ ورد في الرؤية الإستراتيجية للإصلاح التي أعدها المجلس الأعلى للتربية والتكوين أن من ضمن غاياته الارتقاء بالمجتمع المغربي من مستهلك للمعرفة إلى منتج لها، عبر تطوير البحث العلمي والتقني، والابتكار في مجالات العلوم البحتة والتطبيقية والتكنولوجيا الحديثة وغيرها. أما تفعيل هذه الغاية فسيرتكز على تطوير النموذج البيداغوجي الحالي بالنسبة للتعليم الأولي والابتدائي ليَهم الاستئناس بالطرق العلمية والتجريبية. في حين تنص الرافعة الرابعة عشرة للإصلاح على "النهوض" بالبحث العلمي والتقني والابتكار.
استئناس.. ونهوض !!
لا حديث إذن عن تطوير مهارات التفكير العلمي باعتباره المدخل الحيوي لأي مشروع تربوي يروم التفاعل الجاد مع الثورة العلمية الحاصلة.
ولا حديث كذلك عن النهوض "النوعي " بالمعرفة العلمية باعتبارها ضرورة اجتماعية وتنموية حاسمة في مسار أمة، والعناية بالتثقيف العلمي للأجيال الناشئة عبر إغناء وسائط التنشيط العلمي وبثها بقوة في مفاصل المجتمع. فهل يكفي الاستئناس والتفتح والنهوض لتحقيق اندماج فوري في نظام عولمي يشهد تمازجا رهيبا بين الكشوفات العلمية وتطبيقاتها التكنولوجية، أم أننا بأمس الحاجة إلى تربية علمية تحدث تغييرا جذريا لا في فضاءات التعلم الخاصة بل في النسق الحياتي اليومي برمته؟
لاشك أن لتجارب السنوات الأولى من حياة الطفل دورها الآكد في نضجه العقلي والنفسي. وبالنظر إلى كون الأسرة هي الحاضنة الاجتماعية الأولى للطفل فإن ما تسعى لتمريره من اتجاهات وتصورات ينبغي أن يشكل النواة الأولى لتربية علمية قائمة على حفز التساؤل وملكات البحث والاستقصاء، وربط الظواهر الطبيعية والاجتماعية بمسبباتها الموضوعية، بعيدا عن أي مغالطات أو تفسيرات غير معقولة. ومن المؤسف حقا أن الأسرة العربية عموما لم تتحرر بعد من ذاك النسق المغلق من الخرافات والمخاوف والتبريرات الموروثة التي تشحن بها الأم عقل الطفل ووجدانه، وتكبح رغبته في الاستقلالية ومواجهة العالم بحس نقدي وتفكير علمي متجرد. وإذا انضاف إلى هذا الخلل الأسري جملة الإكراهات التي تحكم المدرسة العمومية في تعاطيها مع المعرفة العلمية، فإن الخلاصة المؤلمة التي سطرها الدكتور سعيد إسماعيل علي في مؤلفه (فلسفات تربوية معاصرة) تنتصب أمامنا على النحو الآتي:"يظل العلم إذن مسألة نظرية، لا يعالج واقع الطالب في العالم المتخلف، لا يتيح له فرصة التصدي له وتفسيره بشكل علمي. . إنه يلبس ثوب العلم في المدرسة، يتعامل بشكل لفظي محض مع العلم وقوانينه، بينما هو يتعامل مع واقعه بأسلوب انفعالي، خرافي، تقليدي ".
كما يستلزم مسار التربية العلمية في الوسط المدرسي تعزيز هذا الأخير بفضاءات خاصة تستوعب نشاطات البحث والاستكشاف العلمي خارج جدران الفصل الدراسي. ومما يُلاحظ في هذا الصدد أن الاهتمام بالبحث العلمي، في رؤى ومشاريع الإصلاح ببلادنا، مرتبط في الغالب بالمرحلة الجامعية، في حين أن مرمى المواكبة والاستدماج لتحولات العالم ومستجداته في مجال العلوم يستدعي خلق بنيات مماثلة لمراكز البحث العلمي في جميع الأسلاك، ترتقي عبرها إنجازية المتعلمين، وتتحقق الأهداف النوعية للتربية العلمية كتنمية التفكير العلمي، واكتساب المعارف والخبرات ونظم العمل. إنه الأمر الذي فطنت إليه اليابان حين بادرت إلى إحداث نوادي ومتاحف العلوم لتدريب التلاميذ على مهارات وأساليب تفكير، غير تلك المعلن عنها في المنهاج الخاص بالفصل الدراسي، ومنها:
- الرغبة في التوصل إلى الفهم والبحث عن العلاقات والتفسيرات.
- الاستمتاع بالاستقصاء واليقظة للأشياء غير العادية.
- الانتباه للأشياء غير الواضحة التي تحتاج إلى التركيز والقدرة على بناء المفاهيم.
- القدرة على تقويم الأدلة.
- الميل إلى الوعي والتحكم في توارد الأفكار.
كما تتيح هذه الفضاءات فرصة الاستخدام الحر للخامات والمواد المتوافرة في البيئة أو ما يسمى بالمواد التدريسية لتنفيذ مشاريع علمية (1).
ومن منطلق البعد التكاملي الذي يؤطر علاقة المدرسة بشركائها (القطاع الخاص، المجتمع المدني، الإعلام، المثقفون..)، فإن اندراجهم في نسق منظم، كما تنص على ذلك الرؤية الاستراتيجية آنفة الذكر، يعزز فرص احتكاك الطفل بالثقافة العلمية عبر وسائط متعددة يسهم هؤلاء المتدخلون في توفيرها وتمويلها وتيسير تفاعل الطفل مع المعطى العلمي المتجدد وأبرز قضاياه ورهاناته. وبودي هنا التشديد على دور الإعلام في تقديم معرفة علمية مبسطة ومحفزة للإمكانات المعرفية للطفل، عبر برامج ومناشط تربوية وتفاعلية موصولة بالتنشئة الاجتماعية ومنظومة القيم.
ولا يخفى كذلك دور المثقفين والأدباء في تعزيز الجهد المعرفي الرامي إلى تقريب المادة العلمية من الناشئة عبر ما يُعرف بأدب الخيال العلمي. هذا الجنس القصصي الهام الذي حقق إنجازات كبرى في القرن العشرين بإسهامه في تشكيل المفاهيم الأساسية للأطفال وهي: الزمان، والمكان، والتعبير، والتكيف، والتنوع، والترابط، والطاقة(2).
إن الإطار الانتهازي الذي يتحرك بداخله النظام العولمي لا يتيح المجال لمزيد من هدر فرص استثمار المنجز العلمي غير المسبوق للتفاعل الجاد مع الواقع الإنساني وكسب رهانات التقدم. لذا فإن إقرار إصلاحات عميقة في منظومتنا التربوية ينبغي أن يتخطى أسوار المدرسة صوب "المحيط" بكل مكوناته. فلا فائدة ترجى من انفتاح المدرسة على محيط لم يستوعب بعد أنها لُحمة النموذج التنموي وسداه !
***
حميد بن خيبش
..........................
1- د. عبد اللطيف فرج: طرق التدريس في القرن الواحد والعشرين. عمان 2005. ص69
2- د. عبد الله أبو هيف: التنمية الثقافية للطفل العربي. منشورات اتحاد الكتاب العرب. دمشق2001. ص136







