قضايا

أمين اليافعي: الوحدة العربية.. حلمٌ بلا هندسة ولغةٌ للاحتراب

ثمة مفارقة لافتة تطبع تاريخ الفكر العربي الحديث وهو أنّ فكرة الوحدة نشأت قبل أن تنشأ الدول التي يُفترض أن تتوحد. فحين كان المفكرون العرب في مطالع القرن العشرين يتداولون مشاريع النهضة والوحدة، لم تكن فكرة الدولة الوطنية قد ترسّخت بعد في الوجدان الجمعي، ولم تكن الحدود قد رُسِمَت بخرائطها النهائية. وهكذا وُلِدَت الفكرة في فراغ مزدوج: فراغ الدولة من جهة، وفراغ الشعب المتخيَّل كوحدة سياسية واعية من جهة أخرى. وهذا الفراغ المزدوج هو ربما أصل المعضلة الذي لم تتجاوزه الفكرة حتى اليوم.

وغنيٌّ عن القول بأن مشروع الوحدة العربية لم يكن فكرةً عابرة أو ترفاً ثقافياً، بل كان استجابةً لتحدياتٍ كثيرةٍ وضاغطة أبرزها لاستعمار الأجنبي الذي جثم على صدر المنطقة عقوداً طويلة، وكان في الوقت ذاته محاولة لاستدعاء ماضٍ مُجيد يُستأنس به في مواجهة الحاضر المأساوي. غير أن ما بُني على الاستجابة الثورية والانفعالية، أياً كان مشروعيته الأخلاقية، يظل رهين انفعاليته، عاجزاً عن تحويل الحلم إلى هندسة عقلانية منضبطة ومتراكمة تؤدي إلى إنتاج سيرورة توحيدية حقيقية وملموسة.

اللغة... رحِم الفكرة أم مقبرتها؟

يُشكّل التساؤل عن دور اللغة في الوحدة العربية عقدةً حقيقية في قلب هذا الجدل. فالقائلون بمركزية اللغة يستندون إلى أن العربية ليست وعاءً للتواصل فحسب، بل هي نسيج الهوية وذاكرة حضارية ومستودع القيم المشتركة. وقد ذهب ميشيل عفلق، المؤسس الأيديولوجي لحزب البعث، إلى أبعد من ذلك حين جعل اللغة روحاً حيّة تسري في العروبة كما تسري في الفرد روحه، فكتب: "اللغة ليست أداةَ تعبير فحسب، بل هي العقل ذاته الذي يفكر به الشعب ويحسّ بوجوده."

بيد أن هذا الطرح يصطدم بإشكالية واقعية جوهرية وتبدو إلى حد اللحظة غير قابلة للحل أو التجاوز. فالصراعات الأيديولوجية بين التيارات العربية التي عصفت بالمنطقة كثيراً ما اتخذت من اللغة سلاحاً خطابياً لضرب خصومها لا أداةَ حوار وفهم وتواصل. فتحولت اللغة إلى سلاح ذي حدين. نعم؛ "الناس يفهمون بعضهم"، لكن هذا الفهم المباشر جعل من الفضاء العربي ساحة سهلة ومكشوفة للاحتراب الإعلامي والأيديولوجي.

وعندما تقوم أحد الأطراف بمهاجمة طرف آخر بناء على خلافات سياسية أو إيديولوجية، كانت اللغة المشتركة تضمن وصول الشتائم والتحريض والتعبئة الأيديولوجية إلى كل بيت عربي، بسهولة فائقة، دون الحاجة إلى ترجمة. لقد خلقت اللغة مجالاً عاماً واحداً، ولكنه مجال مأزوم ومحتقن، حيث أصبحت القضايا الخلافية عابرة للحدود على نحوٍ فوري وتلقائي، مما جعل اللغة عامل "استقطاب وتفريق" أكثر من كونها عامل توحيد وتوافق، فتم تسخيرها في سبيل كل أنواع الصراعات.

الجدل الفكري وخريطة الانقسامات

لم يكن الفكر العربي بمنأى عن هذه التعقيدات، بل كان مرآتها الأكثر شفافية. فقد دار داخله جدل عاصف حول طبيعة الوحدة ومشروعيتها وشروطها. ذهب التيار القومي التقليدي، في نسختيه البعثية والناصرية، إلى أن الوحدة حتميةٌ تاريخية وجغرافية وثقافية، وأن التفرّق هو الاستثناء الناجم عن عوامل خارجية بحتة (الاستعمار).

وفي مقابل هذا الموقف، انتهى عدد من المفكرين النقديين، كعبد الله العروي وهشام جعيط وجورج طرابيشي، إلى أن الوحدة ليست قدراً محتوماً، بل هي مشروعٌ ينبغي بناؤه، وبناؤه يستلزم أولاً بناء الدولة الوطنية المتماسكة التي تكون نقطة انطلاق لا نقطة تجاوز. وقد أشار العروي في "مفهوم الأيديولوجيا" إلى أن القومية العربية تعاني من خلل بنيوي: أنها تريد أن تقفز فوق مرحلة التحديث الداخلي إلى الوحدة الكبرى، وكأنها تريد بناء السقف قبل أن يُرسى الأساس.

أفرز الواقع التعديلَ التدريجي للفكرة، فتحوّل الخطاب من "الوحدة" بمعناها الاندماجي إلى "التضامن" أو "التكامل"، وهو تحوّلٌ يعكس ضمناً اعترافاً بمعوقات المشروع في صيغته الأولى. وقد تجلى ذلك في تبدّل مفردات الخطاب الرسمي العربي من "الوحدة القومية" في خمسينيات القرن الماضي وستينياته، إلى "التكامل الاقتصادي" في السبعينيات والثمانينيات، إلى ما لا يكاد يُسمى شيئاً في واقع اليوم.

وقد شهد العالم العربي منذ نهايات القرن العشرين تحولات كبرى أعادت رسم خريطة الممكن والمتخيَّل في سياق فكرة ومشروع الوحدة، لعل أبرزها:

النزعة الوطنية: أفضى الفشل المتكرر لمشاريع أو محاولات الوحدة من جهة، وصعود الدولة الوطنية وترسّخ نخبها وبيروقراطياتها ومصالحها، من جهةٍ أخرى، إلى ما يمكن تسميته بـ"الوطنية المضادة" لمشروع الوحدة التقليدي. فتحوّلت "القطرية"، وهو ما يرادف "الهوية الوطنية" من مصطلح أقرب إلى شتيمة أو إرهاص هوياتي في قاموس خمسينيات وستينيات من القرن الماضي القومي إلى التعريف الأسبق والأعمق في قائمة الهويات/الانتماءات عند كثير من مواطني الدول العربية.

صعود الهويات البديلة: بالتوازي مع تراجع الخطاب القومي العروبي، صعدت الهويات البديلة والمنافسة. الإسلام السياسي الذي يُعيد تعريف الجماعة على أساس ديني لا لغوي، والهويات الإثنية والطائفية التي كان الخطاب الوحدوي يحاول إسكاتها تحت الغطاء الأيديولوجي. فتبيّن أن الغطاء كان يُخفي لا يُذيب، وأن ما خُبّئ تحته لم يتوقف عن التراكم (والملاحظة التي لا تخلو من طرافة أن كثيراً من أشياع التيارات القومية المعاصرة اندست في عباءة الإسلام السياسي أو انسحبت إلى خندق الهوية الإثنية/الطائفية، وهناك من وزّع دم انتمائه بين الاثنين وبكل سلاسة ويُسر).

درس الهندسة الصبورة

قدّم الاتحاد الأوروبي تجربة تستحق الدراسة المعمقة. فأوروبا لم تنطلق من وحدة لغوية أو ثقافية، بل من تنوع لغوي وثقافي هائل، ومن تاريخ يزخر بحروب دموية طاحنة بلغت ذروتها في حربين عالميتين. ما أُنجز كان ثمرة مسار تدريجي متأنٍّ بدأ بالفحم والصلب في 1951 قبل أن يُتوَّج باليورو والبرلمان الأوروبي. الدرس الأبرز هو أن التكامل لم يبدأ بالوجدان القومي، بل بالمصلحة الاقتصادية المحسوبة، وبناء منظومة لإدارة الخلافات بصورة عقلانية، وإيجاد صيغة للتضامن المُلزِم وقت الأزمات. أما في العالم العربي، فقد جاءت محاولات الوحدة موازيةً لبناء الدولة، بل سابقةً عليه في أحيان كثيرة، فقد سعوا إلى إقامة الاتحاد قبل حتى قبل أن يكتمل بناء الدول ذاتها. ومع مرور الوقت لم يتم بناء منظومات فاعلة لتأسيس مصفوفة مصالح جماعية، ولمراكمة المشتركات، ولإدارة رشيدة للتباينات والاختلافات والتحديات المختلفة، بما ينتصر لروح العمل الجماعي.

نموذج آسيان (رابطة أمم جنوب شرق آسيا) يقدِّم هو الآخر درساً هاماً في هذا الصدد. فثمة تعدد ديني ولغوي وعرقي مذهل بين أعضائه، ومع ذلك حقق التكامل مستوى لافتاً في التعاون الاقتصادي والاستقرار السياسي على الرغم من كل التحديات المشتركة أو الخاصة بكل دولة. في هذا النموذج، تم التركيز على ما يجمع من مصالح اقتصادية وتنموية ملموسة بدلاً من الإغراق في الصراعات الأيديولوجية والهوياتية. لم يطرح آسيان على نفسه سؤال: "من نحن في الجوهر؟"، بل طرح السؤال الأكثر إجرائية: "ما الذي يمكننا بناؤه معاً؟". ولعل في النموذج درساً يمكن أن تستفيد منه التجربة العربية: أن الهوية المشتركة حين تتحول إلى سلاح أيديولوجي، تصبح مجالاً للمزايدات الساذجة، وعائقاً أمام التكامل لا رصيداً له.

نحو قراءة متجاوزة

ليس الغرض هنا بالطبع إثبات استحالة أي شكل من أشكال التكامل العربي، ولا الانتصار للتشرذم أو إضفاء عليه مشروعية فكرية. الغرض أن نقرأ الظاهرة بعيون نقدية مفتوحة على كل محطات التجربة وإرهاصاتها النظرية والواقعية.

ما تحتاجه المنطقة العربية اليوم ليس إعادة إحياء خطاب الوحدة في صيغته القومية الخطابية، بل طرح سؤال مختلف: ما هي المشتركات التي يمكن بناؤها على قاعدة المصلحة المحسوبة والمؤسسة القانونية وبما يُحقق ويُراكم المنافع المتبادلة واستقرار البلدان وازدهارها؟

اللغة العربية مشترَكٌ ثمين فعلاً، لكنه مشترَك في حاجة ماسة إلى تحريره من كل قيوده المُكبّلة، ورفع الوصاية الأيديولوجية عن الكلمة. فحين تُصبح اللغة فضاءً حراً للحوار والتواصل الإيجابي، لا أداةً في يد هذا التيار أو تلك الجماعة، عندها قد تُعيد اللغة مكانتها الفعلية كجسر عبور سَلِس لا كعصا غليظة تَشُق أو كسور يعَزِل.

ربما المأساة الحقيقية أن فكرة الوحدة العربية كانت صحيحة في مشاعرها خاطئةً في هندستها، سليمة في قلبها متوعكة في آليات تنفيذها. وهي دعوة للبناء من الداخل إلى الخارج، من المواطن إلى الأمة، ومن المؤسسة إلى الاتحاد. بخلاف ما كانت عليه طوال عقود: محاولة هبوط الوحدة من السماء على مجتمعات لم تُبنَ بعد.

***

أمين اليافعي

 

في المثقف اليوم