عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

مراد غريبي: أكرهك إذن أنا موجود.. الإنسان مكمن الأضداد!!

"الغضب والكره يُضرمان النار في قلبك أنت، لا في قلب من تكره" شمس التبريزي

هناك ظاهرة عجيبة تستحق التأمل في زمننا هذا: أن الكره لم يعد متواريا خجلاً في تفاصيل النفس البشرية، بل أصبح يتبجح في الفضاء العام بكل وقاحة واستكبار، متجلببا بشعارات الحق والدين والمذهب والوطن والأمة والعروبة والهوية. لم يعد الإنسان يخجل من كرهه، بل صار يفتخر به ويبشّر به ويستقطب المريدين إليه، كما لو أن الكراهية أضحت صكا من صكوك الغفران الأخلاقية، وبطاقةً تعريف الانتماء الصادق لجماعة ما، وما أكثر الكونتونات في هذا الزمان التي لا يجمعها شيء سوى ما تكرهه.

هذه الظاهرة تعيدنا إلى السؤال الذي يطرحه الدكتور عبد الجبار الرفاعي في مقاله الثري "أكرهك" بصمت مضمَر وعمق فلسفي نادر: كيف يمكن لكائن وصفه الرفاعي بأنه "ساحة تلتقي فيها الأضداد، وتتنازع فيها الرغبات المتعارضة" أن يختزل نفسه في موقف واحد جامد هو الكره؟ وكيف يمكن أن ينزلق هذا الكره، بحسب زيغمونت باومان -فيلسوف السوائل الفلسفية- من حالته الصلبة التي تجسّدت تاريخياً في مؤسسات وأنظمة وأيديولوجيات واضحة، إلى حالة سائلة تتسرب في شرايين الحياة اليومية دون أن يُشعَر بمصدرها أو يُحاسَب عليها أحد؟ هذه الأسئلة المتشابكة هي ما يسعى هذا المقال إلى تشريحه من أبعاد متعددة: نفسية وعرفانية وفلسفية وسوسيولوجية.

سيكولوجيا الكره

هناك مبدأ جوهري يُؤسّس عليه الدكتور رفاعي تحليله: أن "شخصية الإنسان مركبة تتألف من طبقات متعددة، لا يمكن فهم دوافع سلوكه أو تفسير أفعاله بعامل واحد أو سبب بسيط". وهذا المبدأ، في ظاهره فلسفي أنثروبولوجي، بينما هو في ضمنيا تحذير أخلاقي من كل من يدّعي ملكية التفسير الأوحد والنهائي لسلوك الآخرين ودوافعهم. فالكره في بنيته يقوم نظامه كله على عكس هذا المبدأ تماماً: إنه يختزل الإنسان في صورة واحدة جامدة ويُصدر عليه حكماً قاطعاً لا يقبل المراجعة أو المناقشة أو التفاوض.

وحين يُعبر الأستاذ الدكتور الرفاعي بأن الإنسان "يحمل في داخله تاريخاً من الخبرات والتجارب والآلام والرغبات، وتتراكم في وعيه ولاوعيه صور متعددة للعالم ولنفسه وللآخرين، وهذه التراكمات الخفية تشارك في توجيه سلوكه بقدر ما يشارك وعيه الظاهر"، فإنه يقدم لنا منهجية لفهم الكره نفسه: الكره في جوهره العميق ليس معرفةً بالآخر، بل هو إسقاط لما لا يستطيع الإنسان احتماله في نفسه عليه، فيجعل من الآخر وعاءً لكل ما يرفضه من ذاته. والكره الحماسي الذي يُفيض بيقينياته النارية على المنابر والمنصات الرقمية هو في أغلب الأحيان إنسان تتقدّم فيه -بتعبير المفكر الدكتور الرفاعي- طبقة "الغلظة والعدوان" وتتراجع طبقة "الشفقة والرحمة"، لا لأن طبيعته تبدّلت، بل لأن تراكماته الخفية من جروح ومخاوف وخيبات لم تُعالَج وجدت في الكره مهرباً من مواجهة الذات.

الكره بوصفه ذبح للكرامة

يكشف الفيلسوف الألماني أكسيل هونيث، في نظريته المحورية عن "الصراع من أجل الاعتراف" أن الكره لا يُفهَم بمعزل عن البُعد الاجتماعي لتكوّن الهوية، أي أن الإنسان لا يتشكّل إنساناً كاملاً إلا حين يُعترَف به؛ اعترافاً عاطفياً في الحب، واعترافاً قانونياً في الحقوق، واعترافاً اجتماعياً في التقدير والكرامة. وحين يُنتهَك هذا الاعتراف، حين يُهمَّش الإنسان أو يُحتقَر أو يُنفى وجوده الرمزي، تنشأ في أعماقه جرحٌ نرجسي عميق لا يُسمّى أحياناً، لكنه يتحوّل تدريجياً إلى وقود للكره.

هونيث يجعل الكره أثراً لا سبباً: فالمجتمعات التي تُنتج كارهين متطرفين هي في الغالب مجتمعات أخفقت في توزيع الاعتراف بعدالة، مجتمعات فيها فئات تشعر بأنها لا تُرى، ولا يُعترَف بتضحياتها ولا بهويتها ولا بمعاناتها. والمتطرف الديني أو السياسي أو الطائفي أو القومي أو الاثني، في كثير من أحواله، ليس شيطاناً نزل من عالم مجهول، بل هو إنسان جُرِح اعترافه في مكان ما، فوجد في الأيديولوجيا الكارهة جماعةً تعترف به وتُعلي من شأنه وتمنحه هوية راسخة في مقابل أن ينظم إلى ناديها للكره معها. وهذا يتقاطع مع ما يقوله الدكتور الرفاعي عن الطبقات الخفية الموجِّهة للسلوك: الكره في هذا السياق هو "طبقة الاعتراف المخذول" حين تتقدم وتتحوّل إلى اعتداء.

الكره بوصفه حجاباً عن الحقيقة

ربما التراث العرفاني والصوفي الإسلامي كان سابقا للفلسفة المعاصرة في تشخيص جذر الكره من زاوية مغايرة. فعند أبي حامد الغزالي في "إحياء علوم الدين"، الكره الذي يُضمَر في القلب ويُغذيه المرء بالحقد والضغينة ليس مجرد خطيئة أخلاقية، بل هو أولاً وقبل كل شيء آفة تُعمي القلب وتحجبه عن رؤية الحقيقة. أي الكره، في الكشف الصوفي، هو أشد أشكال التعلق بالنفس الأمارة بالسوء، لأن صاحبه يجعل من كرهه مرجعاً ثابتاً لفهم الآخر بدلاً من أن يُفرغ نفسه من هذا التعلق.

وعند ابن عربي في "فصوص الحكم"، تبلغ هذه الرؤية ذروتها العرفانية: فمن يرى الوجود كله تجلياً للحق لا يستطيع كرهاً مطلقاً، لأن الكره المطلق يعني رفض أحد وجوه التجلي الإلهي، وهو ما يناقض الرؤية العرفانية في صميمها. كما يُصوّر جلال الدين الرومي في المثنوي كيف أن "النفس الكارهة" هي نفس تعيش في السجن الوهمي للانفصال، ترى الآخر غريباً وعدوّاً، بينما الحقيقة أن ما يبدو تعدداً في الظاهر هو وحدة في الجوهر. الكره إذن، في الرؤية العرفانية، هو الحجاب السميك والأثقل والأشد إيلاماً: إنه يحجب صاحبه ليس فقط عن فهم الآخر، بل عن فهم نفسه.

وهذا يتقاطع مع ما أشار إليه المفكر الرفاعي حين أكد أن "ما يظهر من سلوك الإنسان ليس سوى الوجه الخارجي لما يختبئ في أعماقه". فالعارف بالله لا يرى في الإنسان الآخر، مهما اختلف عنه، سوى ذلك الكائن المركب الذي وصفه الرفاعي، الحامل لتاريخ من الخبرات والآلام والرغبات، والمستحق لأن يُرى في تعقيده لا أن يُختزل في صورة واحدة يسهل كرهها.

لماذا نكره؟

تمثل أطروحة الدكتور الرفاعي عن "الطبقات المتبادلة المواقع" في الشخصية الإنسانية استنارة في مقاربة السؤالَ الذي سعى المفكر البحريني الدكتور نادر كاظم إلى الإجابة عنه بعمق: لماذا نكره؟ فالكره ليس مجرد انفعال فردي خاص ينبثق من طبقة معيّنة في الشخصية، بل هو في كثير من الأحيان منتَج اجتماعي تصنعه الجماعة وتقنّنه وترسّخه. نكره لأن جماعتنا التي ننتمي إليها تُعلّمنا ماذا نكره ومن نكره، وتُكافئنا على هذا الامتثال وتُعاقبنا إن خالفناه. والكره في هذا الإطار ليس اختياراً حراً بقدر ما هو ثمن الانتماء وبطاقة الانخراط والانحطاط في الجماعة.

وهنا يُنبّه الدكتور الرفاعي ينبه إلى الخطورة في ذلك حين يقول إن "الإنسان يندفع أحياناً بدافع الرحمة والتعاطف، ثم ينقلب في موقف آخر إلى القسوة أو العنف"، إذ تستغل الجماعة الكارهة هذا الانقلاب وتُديمه وتُضفي عليه طابع الواجب الديني أو الوطني أو الأيديولوجي أو المذهبي أو العقيدي. فيصبح من يرفض الكره خائناً أو مرتداً. ومحل السخرية، أن هؤلاء أنفسهم يصنّفون أنفسهم في خانة "المحبة"؛ يقولون إنهم يكرهون دفاعاً عن القيم، ويكرهون خدمةً للحق والدين والعقيدة والأمة، يكرهون لأنهم يُحبون الله أو الوطن أو الأمة أو النبي والأئمة والصحابة. وهي مقولة تستحق وقفة تأملية: أيّ إله يحتاج إلى كراهيتنا لينتصر؟ وأيّ وطن يُبنى على الضغينة والإقصاء ويصمد؟ وأي نبي يؤزر بالكراهية والبغضاء والشحناء؟ وأي أئمة وصحابة يدافع عنهم بالسوء والفحشاء والمنكر؟ !

محنة الكره في زمن السوائل

يُقرّ الدكتور الرفاعي بصراحة فيلسوف لا يخشى الحقيقة المؤلمة: "لن يختفي الشر الأخلاقي ما دام الإنسان إنساناً، ما دام يكذب ويراوغ وينافق ويكيد ويمكر ويسفك الدماء. تنشأ هذه الأفعال من طبقات عميقة في الطبيعة البشرية حيث تتصارع النزعات المتضادة في النفس". هذا بيان رفض الوهم الأيديولوجي الذي يدّعي إمكانية بناء مجتمع بلا شر بالقوة والإكراه، ويلتقي التقاءً عميقاً مع ما أضافه زيغمونت باومان في مرحلته الفكرية المعنونة بـ"السيولة".

فإذا كان الشر الصلب في القرن العشرين قد تجسّد في أنظمة شمولية ومعسكرات إبادة ومؤسسات عنف منظَّم يمكن نظرياً محاصرتها وتفكيكها، فإن الشر السائل في عصر الحداثة المتأخرة بات خبيثاً بطريقة مغايرة: إنه لا يسكن في مؤسسة واحدة يمكن محاصرتها ولا في أيديولوجيا واحدة يمكن تفنيدها، بل يتسرب -تماماً كما تتسرب "التراكمات الخفية" التي يتحدث عنها الدكتور الرفاعي في لاوعي الفرد- في الفراغات الاجتماعية والتفاعلات اليومية والمنصات الرقمية. والحقل الرقمي يجسّد هذه السيولة في أبهى صورها؛ إذ حوّلت الكره إلى عمل جماعي هوائي رشيق يحتاج منك لا أكثر من إصبع يضغط دون أن تفكّر ودون أن تشعر بالمسؤولية، فيما الخوارزميات تتكفّل بإيصال كرهك إلى أكبر عدد ممكن من البشر مكافئةً إياك بنقرات الإعجاب التي تُشعل دوبامين الانتماء في دماغك.

الآخر المسلم نموذجاً للكره المُصنَّع

الشر السائل يبلغ ذروته المثيرة للدراسة حين يتضخم الكره ليتجاوز حدود الدين والعقيدة المشتركة، فيرفض المرءُ شريكه في الإسلام ويُكفّره ويُصوّره عدواً وجودياً. ولعل المواقف من الحرب على إيران في خطاب المتطرفين علمانيين ومطبعين وأصحاب التدين المغشوش، أبلغ نموذج معاصر على هذه الظاهرة. فمنذ قرابة خمسين عام والمشهد الإسلامي يشهد واحدة من أغرب تحوّلات الكره في التاريخ الديني المعاصر: مسلمون يكرهون مسلمين بحدة تتجاوز كرههم لغير المسلمين، ويُبيحون من العنف الرمزي والفعلي تجاههم ما لا يُبيحونه في وجه عدو معلَن.

والحال أن هذا الكره ليس نتيجة خلاف ديني عميق في أصول العقيدة وحسب، بل هو في جوهره كره مُصنَّع في المختبرات العالمية لـــ"فرق تسد" تحقيقا لـــــ"غاية في نفسها"، بحسب التعبير الدقيق. مراكز ومؤسسات وأنظمة تُموّل خطاباً دينياً يُضخّم الفوارق المذهبية ويُشيطن الآخر المسلم لحرف الأنظار عن مشاريعها الخفية أو عن إخفاقات شركائها في قرارات العالم العربي والإسلامي، وتيارات تجد في العدو المذهبي أداةً لتوحيد رعاياها خلفها وإسكات أصواتهم المعارضة. وهنا بالضبط يتجلى ما أنذر منه الدكتور الرفاعي من أن الشر "لا يختفي ما دام الإنسان يكيد ويمكر"، إذ يُحوَّل الدين، الذي يُفترض أنه من "القيم والثقافات التي تدعو للسلم"، إلى وقود للكره ومادة لتأجيجه.

والأخطر في هذه المعادلة أن الكره المذهبي يستعير من التراث الديني نفسه أسلحته، فيُلوي نصوصه ويُسقط من سياقاتها كل ما يدعو إلى الوحدة والأخوة الإنسانية والنظر في "التراكمات الخفية" للآخر وفهم دوافعه، ليُبقي فقط على ما يُغذي الصورة الشيطانية عنه. وهو ما يُذكّرنا بتحذير هونيث: أن الكره المُنتَج اجتماعياً هو أشد أنواع الكره مقاومةً للنقد، لأنه يُقدّم نفسه في ثياب الاعتراف المشروع بالهوية المظلومة، فيصعب فضحه دون أن يبدو الناقد متجاهلاً لمظالم حقيقية مختلطة بالكره المُصطنَع.

الكره ضدُ الكرامة الإنسانية

يُحذّر المفكر الدكتور الرفاعي بوضوح من أن "الحياة المشتركة بين البشر لا يحميها السلم من دون قوانين عادلة وعقوبات رادعة تضبط العلاقات بينهم، ومن دونها قد ينزلق الإنسان إلى أشكال من العنف تُفكك المجتمع وتُبدد الثقة والتضامن بين أفراده". عند التأمل في التناقض الصارخ الذي تجسّده الحركات الشمولية والأيديولوجيات المتطرفة: أنها تدّعي دائماً الدفاع عن كرامة الإنسان في الوقت الذي تدوس فيه هذه الكرامة بلا رادع وولا وازع. فــــالفاشية تكلّمت عن كرامة الأمة وهي تُعدم المختلف. والستالينية تكلّمت عن كرامة البروليتاريا وهي تُفني ملايين الأبرياء. وكثير من الحركات الدينية المتطرفة في عالمنا العربي اليوم تتحدث عن العدل الإلهي وهي تمارس أقبح أشكال الإقصاء والتكفير والتحريض والتسقيط.

هنا التحذير السابق ينال عمقاً مضاعفاً كون الجماعة الكارهة لا ترى في الآخر ذلك الكائن الذي وصفه المفكر الدكتور الرفاعي بأنه تلتقي في شخصيته "الرحمة والقسوة والسخاء والجفاء"، ولا ترى فيه "الساحة التي تلتقي فيها الأضداد"، بل ترى فيه عدو يجب ملاحقته لغاية استئصاله. ومتى اختُزل الآخر في هذه الصورة الشيطانية المجرّدة أصبح كل اعتداء عليه مشروعاً بل مقدساً. وهي بالضبط العملية التي يرصدها هونيث معكوسةً: بدلاً من الاعتراف بالآخر في تعقيده فتنمو إنسانيتنا، يجري "نزع الاعتراف" عنه فتتقلص إنسانيتنا نحن في المقام الأول.

متى يكون الكره مقدسا؟

أليس ثمة كره مشروع؟ أليس علينا أن نكره الظلم والطغيان؟ الجواب: نعم، بالطبع. غير أن ثمة فارقاً جوهرياً بين الكره بوصفه استجابة أخلاقية نقدية للفعل القبيح، وبين الكره بوصفه موقفاً وجودياً من إنسانية الآخر ذاتها. فالدكتور الرفاعي لا يدعو إلى القبول السلبي بالشر، بل يدعو إلى ما هو أصعب وأعمق: تهذيب الاستجابة تجاهه بالقيم والقانون والوعي لا بالكره المنفلت الذي "تتقدم فيه طبقة وتتراجع أخرى" دون أن يختار صاحبه شيئاً بوعي حقيقي. والإنسان المبتلى بالكره بشتى أشكاله، في حقيقته لا يريد حلاً للمشكلة التي يتذرع بها، لأن حلّها سيُفضي إلى انتهاء مبرر كرهه، فيبحث دائماً عن مظلمة جديدة لأن الكره صار هويته لا موقفه وبنيانه لا أداته.

نحو مضاد أخلاقي للكره

يُعلّمنا الدكتور الرفاعي، وهو يتأمّل الشخصية الإنسانية بوصفها "ساحةً تلتقي فيها الأضداد، وتتنازع فيها الرغبات المتعارضة، ويتكشف فيها التعقيد العميق للطبيعة البشرية التي لا تستقيم على صورة واحدة ثابتة ولا يمكن اختزالها في تفسير مبسط أو حكم قاطع"، أن الفهم الحقيقي لأنفسنا يبدأ بالقبول المؤلم بهذا التعقيد. وهونيث يُضيف أن هذا الفهم لا يكتمل من دون الاعتراف المتبادل الذي يُنمي كلاً منّا في الآخر. والتراث العرفاني يُذكّرنا بأن ما يُسمّيه الفلاسفة "الكره" هو في العمق "حجاب"، إذ لا يرى الكاره في الآخر سوى مشروع عدوّ، بينما يرى العارف فيه مرآة تعكس ما اختبأ من الحقيقة.

والشر السائل الذي حذّر منه باومان لن يتوقف عن التسرب إلا حين نأخذ تحذيرات الدكتور الرفاعي مأخذ الجد: بأن نُعيد بناء الفضاء العام على أساس الحوار الحقيقي لا استعراض الكره، وأن نُحيي تلك "القوانين العادلة والعقوبات الرادعة" التي طالب بها درعاً ضد انزلاق الإنسان نحو العنف الذي يُفكك المجتمع. وأن نُطالب كل خطاب ديني أو سياسي يستثمر في صناعة الكره المذهبي والطائفي بالمساءلة، لأنه يُنتج بالضبط ما أنذر منه الدكتور الرفاعي: "أشكال من العنف تُفكك المجتمع وتُبدد الثقة والتضامن بين أفراده."

الكره، أيها الأحبة، ليس دليل إيمان ولا شاهداً على صدق انتماء وولاء، بل هو في أحيان كثيرة ورقة التوت التي نُغطي بها تلك "الطبقات الخفية" من الخوف والضياع الداخلي التي تحدّث عنها الدكتور الرفاعي، وجرحَ الاعتراف المخذول الذي رصده هونيث، والحجاب الكثيف الذي حذّر منه الغزالي وابن عربي. وفي اليوم الذي يدرك فيه كل منّا أنه هو نفسه تلك "الساحة التي تلتقي فيها الأضداد"، وأن المختلف عنه في الدين أو المذهب أو الثقافة ليس عدواً بل مرآة تُكمل صورته الناقصة، قد نكون قد بدأنا أخيراً السعي في مضمار الحضارة.

***

مراد غريبي

في المثقف اليوم