قضايا
غالب المسعودي: آليات الهيمنة واستراتيجيات التحرر
دراسة مقارنة بين الأنظمة الشمولية والسياسات الاستعمارية
تشريح بنى السلطة في الفضاء النفسي: يُمثل التداخل بين الفلسفة السياسية وعلم النفس النقدي أحد أخصب الحقول المعرفية لتفكيك بنى السلطة في العصر الحديث. فعند تأمل أساليب إدارة الحكم في الأنظمة الشمولية وفي سياسات الاستبداد الاستعمارية، يتضح أن القاسم المشترك الأكثر عمقاً وجوهرية يتجاوز مجرد القهر المادي أو الهيمنة الاقتصادية المباشرة؛ إنه يتجسد في استخدام "السياسة النفسية" بوصفها أداة حكم غير مرئية تستهدف استعمار الحيز الوجداني للأفراد والجماعات. إن هذه السياسة، التي تتخذ أشكالاً متباينة بين التوجيه الخفي والبرمجة الفكرية الشاملة، تهدف بالدرجة الأولى إلى إنتاج رعايا مستلبين يتماهون طوعاً مع سرديات السلطة القمعية. وفي المقابل، يبرز السؤال الملح حول كيفية صياغة استراتيجيات مقاومة فعالة لا تسقط في فخ إعادة إنتاج آليات السيطرة ذاتها. هنا، تتبدى "ما وراء الواقعية" وتفعيل "وعي اللاوعي" كأدوات نقدية وجمالية بالغة الأهمية لتجاوز الاستلاب النفسي.
من ترويض الأجساد إلى استعمار النفوس
تعتبر السياسة النفسية التحول الجذري الأبرز في آليات السيطرة السلطوية المعاصرة والتقليدية على حد سواء. فبينما كانت الأنظمة الانضباطية القديمة تركز على الأجساد وتطويعها في الفضاءات المادية، مثل السجون والمدارس والمصانع، اكتشفت السلطة الحديثة القوة الإنتاجية للنفس البشرية. لقد انتقلت الهيمنة من مستوى "السياسة الحيوية" التي تضبط الأجساد وتراقب المؤشرات الحيوية للسكان، إلى مستوى "السياسة النفسية" التي تحكم الوعي وتدير الرغبات.
في ظل الأنظمة الشمولية، تصبح السلطة أكثر نفاذاً وتأثيراً كلما عملت في صمت ودون جلبة. إن "السلطة الذكية" لا تلجأ بالضرورة إلى الإكراه الخشن، بل تتودد إلى النفس وتدفع الأفراد باستمرار إلى الإفصاح والمشاركة ومشاركة أسرارهم وتفضيلاتهم تحت مسميات "الحرية" و"التواصل". هذا النمط من السلطة يقلب مفهوم الحرية رأساً على عقب؛ حيث تصبح الحرية ذاتها أداة لتحقيق أهداف الهيمنة، ويتحول الفرد إلى مراقب ذاتي لنفسه، فيصبح سيداً وعبداً في آن واحد، في عملية استغلال ذاتي متواصلة تؤدي إلى الانهيار النفسي والاغتراب الكامل.
المقاربة الفانونية والتحليل النفسي للظاهرة الاستعمارية
على الجانب الآخر من معادلة السياسة النفسية، تبرز إسهامات فرانز فانون كأحد أهم المرجعيات في كشف الأبعاد النفسية للاستعمار. فانون، الذي انطلق من خلفيته كطبيب نفسي ومناضل ثوري، بيّن أن الاستعمار ليس مجرد احتلال عسكري أو نهب اقتصادي، بل هو بنية ممرضة نفسياً تستهدف تدمير الكيان المعنوي للشعوب. لقد أوضح كيف تنتج بنى الاستعمار ذواتاً ممتثلة من خلال زرع "عقد النقص" التي تبدأ كحاجة اقتصادية ثم تتحول إلى شعور بالدونية العرقية والوجودية.
إن النظام الاستعماري يمارس نوعاً مبكراً من السياسة النفسية عبر إجبار الإنسان المستعمر على تبني نظرة المستعمر الدونية إليه. وفي هذا السياق، انتقد فانون بشدة الطب النفسي التقليدي الذي يحاول تكييف المريض مع بيئته المريضة، معتبراً أن الشفاء الحقيقي يقتضي تدمير البنية الاستعمارية ذاتها. فالتحرر عند فانون يتطلب نضالاً مزدوجاً: نضال مادي ضد المستعمر، ونضال داخلي في "لاوعي" الإنسان المستعمر للتخلص من الأنماط الوجودية المفروضة عليه.
تأصيل الوعي النفقي وتأثير "الأعشاش القبلية"
هنا نصل إلى مفهوم "الأعشاش القبلية" وتشكيل "الوعي النفقي". تمثل دراسة التشكيلات الرمزية والمكانية مدخلاً لفهم الكيفية التي يتموضع من خلالها الكائن البشري في الوجود. إن سعي الإنسان لتأثيث حضوره ومقاومة قوى التلاشي يدفعه إلى بناء ملاذات مادية ومعنوية. الوعي النفقي هو حالة تنشأ عندما تتعرض هذه "الأعشاش" لضغط خارجي هائل، مما يدفع الذات الجماعية إلى الانكفاء من "ثغور" المبادرة والاشتباك المعرفي، إلى "جحور" الانغلاق والتحصن السلبي.
في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر، نلاحظ أن الفشل في بناء دولة وطنية جامعة أدى إلى ارتداد الأفراد نحو "أعشاشهم" الأولى. هذا الارتداد لم يكن عودةً للطبيعة، بل كان حفراً في بنية الوعي لإنتاج مسارات "نفقية" لا تَرى من الحقيقة إلا ما يسمح به قطر النفق القبلي أو الطائفي. إن الانتقال من "الثغور" إلى "الجحور" يمثل استراتيجية انكسار للوعي؛ حيث تتحول المقاومة من فعل "تثغير" إلى فعل "تجهير" الغوص في باطن الانغلاق. في الوعي النفقي، يفقد الكائن قدرته على الإبصار الشمولي، ويصبح أسير الرؤية الأحادية، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج الهوية بشكل مشوه وقائم على الخوف من الفضاء المشترك.
سيكولوجية الإنفاق وتحطيم جدران النفق
إذا كانت الأنفاق تؤمن للذات حضوراً متمركزاً حول الحفظ، فإن حركة الإنفاق والتبديد تأتي كفعل انفجاري ضروري لكسر هذا الانغلاق. هنا تبرز إسهامات جورج باتاي الذي قلب موازين الفهم الاقتصادي التقليدي من خلال تقديمه لمفهوم الاقتصاد العام ونظرية الإنفاق غير المنتج. يرى باتاي أن الكائنات الحية تحوز بطبيعتها على مصادر طاقة تتعدى حاجتها للبقاء، وهذا الفائض لا يمكن استخدامه باستمرار في النمو بسبب الحدود الفيزيائية.
بناءً على ذلك، يصبح التبديد أو البذخ أو الإتلاف حاجة ملحة للتخلص من هذا الفائض. في سياق الوعي النفقي، يمثل الإنفاق المحاولة المستميتة للذات للخروج من "جحرها" عبر فعل التضحية أو البذخ الروحي والقيمي، لاستعادة سيادتها الضائعة في حسابات الربح والخسارة التي فرضها العقل الأداتي الحديث. إن كسر "القصور الذاتي" للكتل النفسية المترسبة يتطلب بذل جهد واعٍ ومستمر يتناسب مع حجم الصدمات والبرمجيات القديمة.
مدرسة أمريكا اللاتينية وآليات الإصلاح الفكري الشمولي
ما أسسته مدرسة "علم نفس التحرر" في أمريكا اللاتينية، خاصة أطروحات إغناسيو مارتين-بارو الذي طالب بأن يكون علم النفس خدمة فعالة للأغلبيات المقهورة. وفي قلب هذا المشروع يبرز مفهوم "التوعية النقدية" لباولو فريري، وهو السيرورة التي يصبح من خلالها الأفراد أكثر وعياً بكيفية تشكيل الواقع الاجتماعي لاضطهادهم.
لكي ندرك حجم التحدي، يجدر بنا استعراض الآليات الدقيقة التي تستخدمها الأنظمة الشمولية في عمليات "غسيل الأدمغة". حدد الطبيب النفسي روبرت جاي ليفتون معايير لإعادة صياغة الشخصية، منها السيطرة على البيئة، والتلاعب الغامض بالمشاعر، والمطالبة بالنقاء المطلق، وتقديم العقيدة فوق الذات. هذه السيطرة النفسية المطلقة تجد تجلياتها الأدبية في رواية "1984" لجورج أورويل؛ حيث تسيطر مبادئ النظام على أدق تفاصيل الحياة. إن مقاومة هذا الاستبداد تتطلب وعياً بأن التنويم المغناطيسي للجماهير هو نتيجة لعزلة الفرد وقلقه؛ لذا فإن بناء فضاءات للتأمل والتفكير المستقل هو الحصن الأول لاستعادة الحرية.
إستراتيجيات الحضور وميتافيزيقا التفكيك
في سياق مقاربة هذه الأنماط فلسفياً، نجد أن المنهج التفكيكي لجاك دريدا يفسر هذه الحركات ببراعة. لقد نقد دريدا "ميتافيزيقا الحضور" التي تسعى لتثبيت المعنى والوصول إلى يقين مطلق. تتقاطع هذه الإستراتيجيات بقوة مع أطروحاتنا؛ فالأعشاش القبلية هي محاولة لتثبيت حضور الهوية، والإنفاق يمثل الخرق الضروري الذي يهدد هذا الحضور المكتمل ويفجره من الداخل لمنع التراكم القاتل.
نحو أفق تحرري شامل
إن السياسة النفسية، بوصفها القاسم المشترك بين الشمولية والاستبداد، تمثل التحدي الأكبر لكرامة الإنسان لأنها تزرع القيود في عمق الوجدان. ولمواجهة هذا الغزو النفسي المنظم، تتبدى "ما وراء الواقعية" كممارسة جمالية ترفض الاستسلام لواقع مشوه، وتطرح بدلاً من ذلك هندسة نفسية تستثمر وعي اللاوعي لإعادة بناء الذات. يبقى تعزيز الوعي النقدي عبر سيرورات التحرر النفسي هو البوابة الحقيقية التي يعبر منها الفرد من رتبة "التابع المستلب" إلى رتبة "الفاعل التاريخي". إن رهن التغيير المادي بالتحرر النفسي والروحي هو الرؤية الأكثر شمولاً التي تركتها لنا مدارس التحرر لنهتدي بها في مواجهة قوى الاستبداد الشامل.
***
غالب المسعودي
...........................
مرجعيات مقترحة
فانون، فرانز. (1961). معذبو الأرض. ترجمة سامي الدروبي. بيروت: دار القلم.
فوكو، ميشيل. (1975). المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن. ترجمة علي مقلد. بيروت: مركز الإنماء القومي.
هان، بيونغ تشول. (2017). السياسة النفسية: النيوليبرالية وتقنيات السلطة الجديدة. (مرجع لمفاهيم السلطة الذكية).
باتاي، جورج. (1949). الحصة الملعونة: رسالة في الاقتصاد العام. (مرجع لسيكولوجية الإنفاق).
مارتين-بارو، إغناسيو. (1994). كتابات من أجل علم نفس التحرر. تحرير أدريان نيل وآخرون.
فريري، باولو. (1970). تعليم المقهورين. ترجمة يوسف نور عوض. بيروت: دار القلم.
ليفتون، روبرت جاي. (1961). الإصلاح الفكري وسيكولوجية الشمولية: دراسة في غسيل الأدمغة في الصين.
أورويل، جورج. (1949). 1984. (رواية - مرجع أدبي للشمولية).
دريدا، جاك. (1967). الكتابة والاختلاف. (مرجع لميتافيزيقا الحضور والتفكيك).
المسعودي، غالب. (2024). تأثير الأعشاش القبلية في تشكيل الوعي النفقي. (دراسات ميدانية ومقالات فلسفية).







