قضايا
مصطفى دحماني: الدين والسياسة والحرب الأهلية
السياسة بين الحضور والغياب
التاريخ العربي/الإسلامي هناك مفارقة غريبة جدا، وهي أن السياسة كانت هي الحاضر الأكبر كممارسة على مستوى بناء الدول وتشييد الممالك وتوسيع الأمبراطوريات، وكانت حاضرة كذلك من خلال الصراع المحموم على السلطة في سقيفة بني ساعدة، و كانت متواجدة بقوة في الحرب الأهلية التي اندلعت بعد اغتيال الخليفة الثالث عثمان بن عفان وتجدر الإشارة إلى أن الحرب الأهلية في الإسلام المبكر تمثلت في ثلاث أحداث تاريخية لها دلالة، معركة صفين ومجزرة كربلاء وضرب الكعبة بالمنجانيق، كما تمظهرت السياسة في التاريخ في تلك العلاقة التسلطية بين السلطان والرعية والتي أدت في النهاية إلى تجذر الإستبداد وتكريس نظام دولة السلطان/ وليّ الأمر، كما تجلت الممارسة السياسية كذلك في تلك الثورات السياسية والإنتفاضات الإجتماعية ضد السلطة المركزية في المدينة ودمشق وبغداد والقاهرة، والسلطة الحاكمة ومهما كانت الصفة التي تحملها، كانت دائما خائفة من الرعية من المعارضة، ومن هنا كان الجمع بين الشرعية الدينية وشرعية القوة . ولا ننسى أنه كان للسياسة دور كبير “ تكوين العقل العربي “ وفي تشكيل النظام المعرفي العربي وفي ذلك الإنتاج الثقافي الضخم، في الفقه والتصوف والبلاغة والفنون والفلسفة والعلوم . ومع ذلك ورغم كل هذا الحضور الطاغي للسياسة، إلا أنها كانت هي الغائب الأكبر على مستوى الرعية والناس والأمة، أي بلغة العصر غابت المشاركة السياسية وغاب الشعب في إدارة شؤون الدولة، وبعبارة اخرى تم استبعاد الشعب من العمل السياسي وتم اقصاء النخب الفكرية والعلمية من المجال العام.
الفتنة .. والخوف من الفتنة
إذ سادت ظاهرة غريبة هي العزوف ليس فقط التعوذ من السياسة وعدم مخالطة الساسة والإبتعاد عن السلطة وعدم الكلام في السياسة وعن المشاركة في شؤون الحكم، بل حتى الإمتناع عن التفكير في الشأن العام والتوقف عن إنتاج الأفكار ذات الصلة بالسياسة وحتى في مناقشة مفاهيم هي من صميم السياسة والعمل السياسي، بإعتبار السياسة فكر وفعل وممارسة، مثل مفاهيم السلطة والدولة والخلافة . ومن هنا لا نستغرب أن يغيب الفكر السياسي بالمعنى العميق وأن لا يتجاوز عدد المفكرين السياسيين أصابع اليد الواحدة، وأن لا نجد أثرا لفلاسفة السياسة في الإسلام، ماعدا الفيلسوف محمد أبو نصر الفارابي في كتابه" أراء أهل المدينة الفاضلة ". والغريب في الأمر أن هذه الأمة التي أبدعت في كل شيء، في الأداب والفنون والعلوم والفكر والفقه والقانون، قد أصيبت بعُقم في مجال التنظيّر السياسي وفي إنتاج الأفكار السياسية وفي تطوير المفاهيم السياسية مثل مفاهيم الشورى وأهل الحل والعقد والبيعة والعدل. ومن تحصيل الحاصل القول بأن غياب الكلام في السياسة له مبرراته ودوافعه أو بلغة علماء أصول الفقه له أسباب نزول تتمثل خاصة في الإستبداد السياسي أو كما سمَّاه الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو بالإستبداد الشرقي الضاربة جذوره في أعماق التاريخ، بالإضافة الى الصدمة النفسية الكبيرة التي ولدتها أحداث الحرب الأهلية القاسية أو كما تسمى بالفتنة الكبرى في نفوس ووجدان الأفراد والجماعات، و التي بقيت راسّخة في الذاكرة الجماعية، حيث مشهد النهايات الدامية لكبار الصحابة ولثلاثة من الخلفاء الراشدين، إذ طال العنف السياسي كما أشرنا سابقا عدداً من الأفراد والجماعات، من بينهم صحابة كبار وشخصيّات كانت فاعلة في تاريخ الإسلام قبل الهجرة وبعد الهجرة، البعض منها من يعتبر من أبرز الأبطال في تاريخ الإسلام بل منهم من كان على رأس قائمة المبشرين بالجنة، كما تمثل العنف السياسي في حروب الردة التي أعلنها الخليفة الأول أبي بكر الصديق ضد المتمردين في بعض مناطق الجزيرة وخاصة في اليمن وعمان والبحرين. ويمكن القول بأن ما كان يسمى في التاريخ الإسلامي بالصحابة، وهم بلغة السياسة المعاصرة رجال الرئيس، كانت تشكل ما سمى اليوم بالطبقة السياسية، أو بالمعنى الأرسطي الأليغارشية الحاكمة في عهد النبوة والطبقة الحاكمة في عهد الخلفاء الأربعة الذين تولوا مسؤولية إدارة الدولة بعد النبي مباشرة، ومن بين رجالات الرسول الذين أصبحوا فيما بعد خلفاء أي تربعوا على سدة الحكم، نذكر منهم ثلاثة خلفاء كلهم من قبيلة قريش، تعرضوا للإغتيال السياسي. والحقيقة التي لا نقاش فيها أن الإغتيال السياسي يمثل ذروة العنف السياسي، وبالتالي عندما قَضى ثلاثة خلفاء وبطريقة درامية، و هم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، فهذا دليل إثبات على أن هناك خلل في النظام السياسي القائم، لأن هؤلاء الذين اغتيلوا غدراً، كانوا في الصف الأول من الصحابة، أي كانوا في مركز صنع القرار، وبعبارة أخرى كانوا يشكلون الطبقة السياسية الحاكمة في يثرب/المدينة في زمن النبوة، وبعبارة أصح كانوا في السلطة عندما اشتعلت نار الحرب الأهلية وتحركت آلة القتل في كل اتجاه ودارت عجلة العنف والعنف المضاد، العنف الغاشم من طرف السلطة والعنف المفرط من طرف المعارضة سواء بسواء.
طاعة وليّ الأمر.. واجبة شرعًا !
ومن هنا كان خوف الناس وتوجُّس المؤمنين خِيّفة طوال التاريخ الإسلامي من السلطة ومن السلطان ومن الدولة السلطانية ومن السلطنة والتسلط من ناحية، ومن ناحية أخرى كان خوف الناس وتوجس المؤمنين خيفة أشّد من إيقاظ الفتنة ومن نشوب الحرب الأهلية من جديد ومن عودة الإقتتال الداخلي، لذلك سادت في الفقه السياسي والسياسة الشرعية وفي الفكر الإسلامي والفكر السياسي الإسلامي عموما والخطاب الديني الوسيط خصوصا ظهرت مقولات ورفعت شعارات تحذر من الفتنة وشرورها ومن إشعال جذوة الحرب الأهلية، من هذه المقولات والشعارات نذكر " سلطة جائرة ولا فتنة دائمة " و" ملك غشوم ولا فتنة تدوم " و" الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها " وفي نفس الاتجاه وكما ورد في نصوص أبي الحسن الماوردي وأحمد بن حنبل وأحمد ابن تيمية وابن عبد ربه وابن جماعة تم تمرير مقولات تُمجد السلطان ولو سلطان ظالم وتقدس الحاكم المستبد من قبيل عبارة ابن جماعة الشهيرة التي تدعو للإمثتال للحاكم القوي الذي استولى على السلطة بالقوة " من اشتدت وطأته ..وجبت طاعته " أو القول بأن السلطان هو " حمى الله في بلاده وظله الممدود على عباده " وبأن " الحاكم ظل الله على الأرض " والأغرب من ذلك، الربط في القداسة بين الحاكم والله مثل قولهم " طاعة الأئمة من طاعة الله وعصيانهم من عصيان الله " وهناك مقولات تبرر الظلم والتسلط وتدعو الرعية لتحمل الظلم والصبر، بل وتطلب منهم شكر السلطان على عدله – إذا عدل ؟- كأن يقال " إذا كان الإمام عادلاً، فله الأجر وعليك الشكر، و إذا كان الإمام جائرًا فله الوزر وعليك الصبر " وهناك عبارات تؤكد على ضرورة وجود الحاكم حتى ولو كان جائرا، وحاكم ظالم خير من عدم وجوده " إن الحاكم الظالم خير من انعدامه أصلا " وأن الطاعة واجبة ..خوفا من انقسام الأمة ..و اضطراب الأمور " و" أن الحاكم ولو كان ظالما، لخير من الفتنة وانحلال الأمة " وأن على الرعايا طاعة الحكام، فذلك من حقوقهم المشروعة، أما حقوق الناس فهي حقوق مؤجلة إلى يوم الحساب "أدوا إليهم حقهم..و اسألوا الله حقكم ".
السلطة والحرب الاهلية
ونحن نعتقد إعتقادًا جازمًا بأن ما يسمى في التاريخ العربي /الإسلامي بالفتنة الكبرى والتي تمثلت خاصة في مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان هي في حقيقة الأمر شكل من أشكال الإنتفاضة الشعبية وهي أيضا ترمز للصراع الضاري على السلطة بين أجنحة الطبقة السياسية التي وتوزعت بين المدن الثلاث المدينة والكوفة ودمشق، كما كانت هذه الفتنة وإن جاز التعبير أول ثورة إجتماعية في الإسلام من ناحية أولى، وثورة على الفرز الطبقي وعلى سوء توزيع الثروة من ناحية ثانية، وتعبيراً مكثفا عن التطاحن السياسي على الكرسي أي على السلطة والحكم والملك عقب شغور منصب القائد السياسي والرمز الروحي، المتمثل في محمد بن عبد الله( ص). ومن المعروف أن الفتنة الكبرى وبعبارة العصر تلك الحرب الأهلية الدامية قد مرت بثلاث جولات، الجولة الأولى من هذا الصراع المحموم على السلطة، كانت قد بدأت وقائعها في مؤتمر سقيفة بني ساعدة، عندما تقابل الأنصار مع المهاجرين وجها لوجه وعلى طاولة حوار جدول أعمالها في نقطة واحدة هو من يكون خليفة الرسول وبعبارة أدق من يحكم المسلمين بعد أن أصبح كُرسيّ الرئاسة شاغرا، أقصد كُرسي النبوة بعد وفاة النبي محمد بن عبد الله( ص)، وقد تم حسم مسألة الخلافة لصالح قبيلة قريش، و رغم أن مقترح الأنصار بتقاسم السلطة وفق مقولة "منا أمير ومنكم أمير "، حيث تم تعييّن أبي بكر بن قحافة . ثم كانت الجولة الثانية من الصراع، إذ مرَّت الأحداث الدرامية عاصفة، عندما حاصر " الثوار " و" المتمردون " الخليفة الثالث عثمان بن عفان لمدة أربعين يوما، وانتهت بمقتله، أما الجولة الثالثة والأخيرة في سياق الحرب الأهلية، فقد كانت أكثر درامية وأكثر قسوة بل وأكثر دموية، إذ شَهِدت الجزيرة العربية حربًا ضروسًا بين أبناء العم أي صراع داخل البيت القبلي /القرشي، بين بني هاشم من وبني أمية، و هي الحرب التي وصلت الذروة بإغتيال الخليفة الرابع علي بن أبي طالب وتصفية الهاشميين وإزاحتهم من المشهد السياسي فيما بعد. وعلى إثر هذا الحدث الدراماتيكي أُسدِل الستَّار على حقبة الخلفاء الراشدين وهي من أكثر الحقب مثالية في المخيال الإجتماعي للمسلمين والأكثر تهييّجا للمشاعر من الناحية العاطفية، لكنها كانت في حقيقة الأمر الأكثر اضطرابا من الناحية السياسية. والمفارقة العجيبة أن حقبة الإسلام المبكر هي الفترة الزمنية التي تكونت فيها الجماعة الدينية، و فيها توحًّد المسلمون وشَكلُّوا أمَّة واحدة، ولكنها كذلك هي الفترة التي انقسم فيها المسلمون، ثم إزدادوا انقساما بعد ذلك على المستوى السياسي وعلى المستوى الديني في كل التاريخ العربي /الإسلامي، إذ ظهرت عدة خِلافات (من الخلافة) أي قامت عدة ممالك وإمارات وفي أمصار مختلفة. ورغم ذلك فإن حقبة الخلفاء الأربعة الذين تولوا الحكم مباشرة بعد عهد النبوة، الحقبة التي رسمت في أذهان المسلمين طوبى الخلافة واحتفظت في الذاكرة الجماعية بالقيم الأخلاقية السامية، فهي بالنسبة لجموع المسلمين هي مدينة الله أي المدينة الفاضلة وبالتالي هي المعيار وهي النموذج و" التاريخ المثالي " الذي يقاس عليه كل التاريخ فيما بعد. والجدير بالذكر أن زمن النبوة وعهد الخلفاء الراشدين التي يقدمها خطاب الإسلام السياسي اليوم بأنها العصر الذهبي للإسلام، وبالتالي هي الاطار المرجعي وهي القالب الذي يجب أن تبنى عليه الدولة الإسلامية، دولة الإيمان والعدل والحرية. وغني عن البيان القول أن هذه الحقبة التاريخية هي الرأسمال الرمزي الذي وظفته جميع الفرق وكل الجماعات السياسية /الدينية، سواء أكانت في المعارضة أم في كانت في السلطة، كورقة من أوراق اكتساب الشرعية، إما من أجل الوصول إلى السلطة أو بهدف البقاء فيها. وللتذكير فقط أن أساس شرعية وجود الدولة في التاريخ العربي- الإسلامي هو سياسة الدنيا وحراسة الدين، وسياسة الدنيا لا تكون إلا بالشوكة والكفاية، الشوكة هي صد الهجوم الخارجي والكفاية هي منع الفتنة الداخلية، أما حراسة الدين فلا تكون إلا بتطبيق الشريعة (القانون الاسلامي) . ولسنا في حاجة إلى شرج كبير للقول بأن هذا النموذج الطوباوي في إدارة شؤون الدولة ونظام الحكم، كان حتما سينتهي سريعا بطريقة أو بأخرى، وبالفعل انتهت هذه الحقبة بقيام الدولة الأموية، دولة الأمر الواقع، الدولة السلطانية، دولة السُلالات، دولة الملك العضوض والتي كان مبدأها منذ عام 661 م وحتى عام 1924 هو أن الوصول إلى السلطة لا يكون إلا بالقوة والغلبة والعصبية، و كذلك البقاء فيها لا يكون إلا بالقوة والغلبة، و العلاقة بين الحاكم والرعية، هي علاقة فوقية قائمة أساسا على طاعة الرعية للحاكم القوي، أو كما قال ابن جماعة " من اشتدت وطأته وجبت طاعته " . وهكذا استولى معاوية بن أبي سفيان بالمكر والدهاء، ومعه عشيرة بني أمية على السلطة واستمرت سلالة بني أمية في الحكم بالسيف والدهاء، بعد أن أزاحوا عن طريق السلطة عشيرة سلالة بني هاشم، بعد مقتل الإمام الحسن بن علي بالسم وقطع رأس الإمام الحسين بن علي . ولكن غياب الفكر السياسي والعزوف عن الممارسة السياسية والإمتناع عن الكلام في السياسة، لا يعني غياب الإهتمام بالسياسة ولو من وراء الأبواب الموصدة وفي الغرف المُقفلة أو الكلام في السياسة في شكل قصص وحكايات ولو على لسان الحيوانات. وما نبغي قوله أنه لا توجد جماعة بشرية، سواء أكانت عشيرة أو قبيلة أو أمة، لم تهتم بمسائل السياسة وأصول الحكم وصلاحيات الحاكم ومهام المنوطة بالسلطة وإدارة شؤون الملك، ولا يوجد مجتمع عبر التاريخ لم يناقش علاقة الدين بالدولة، ولا توجد دولة في التاريخ العربي – الإسلامي لم تطرح فيها قضايا الشريعة والقانون وناقشت كل ما يتعلق بقضايا الحكم والدولة والشعب والمدينة والجماعة والإجتماع السياسي. غير أن السمة الغالبة على الجماعات والفرق والطوائف وكل الحركات السّرية في صدر الإسلام وخاصة بعد قيام الدولة الأموية، هو كثرة الكلام في الشؤون السياسية ولكن في الغرف المغلقة وكثافة التعبير في السياسة وبكل أدوات التعبير المتاحة وذلك بإستخدام جهاز ضخم من المعاني والرموز والمجاز والقصص والحكايات الخيالية وحتى الأساطير .
***
د. مصطفى دحماني
باحث في الفكر السياسي الإسلامي / الجزائر







