قضايا
غالب المسعودي: فلسفة التوجس الأمريكي.. فخ الاحتمال وبنية الهوية
مفارقة السلوك الإمبراطوري
تطرح السياسة الخارجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط معضلة فلسفية وسياسية بالغة التعقيد؛ حيث يتأرجح السلوك الإمبراطوري لواشنطن بين نزعة الهيمنة المطلقة وبين الانكفاء الحذر الذي يتبدى في شكل توجّس إستراتيجي وتردد بنيوي. إن هذا التوجّس لا يمكن تفكيكه بوصفه أداءً تكتيكياً عابراً أو تراجعاً ظرفياً، بل هو تجلٍّ أصيل لمقاربة فلسفية سياسية تنطلق من إدارة المخاطر وحسابات المصالح المتغيرة في بيئة إقليمية شديدة السيولة والاضطراب.
في هذا السياق المعرفي، تبرز إشكالية العلاقة الجدلية بين هذا التوجّس الأمريكي والأزمات الهيكلية التي تعصف بالدولة الوطنية في المنطقة. ويثور هنا التساؤل الجوهري: هل يشكل هذا السلوك الإمبراطوري المتردد استثماراً نظامياً وعقلياً في مأزق "عجز الوطنية المحلية المعاصرة"، أم أنه يمثل تصالحاً نفعياً براغماتياً مع المنظومات التقليدية السائدة من قبلية وطائفية بهدف إدارة الفوضى وتدويرها بأقل التكاليف الحمائية؟
من الهيمنة المباشرة إلى التوازن المتردد
تأسست السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، من الناحية التاريخية، على إدارة مصالح واضحة المعالم إبّان الحرب الباردة، تمثلت حصراً في محاصرة النفوذ الشيوعي وتأمين التدفق الحر لمصادر الطاقة الحيوية. وقد أُديرت هذه المصالح بكفاءة نسبية عبر إستراتيجية "التوازن من وراء البحار"، بالاعتماد على ركائز إقليمية وثيقة كـ "العمودين التوأمين"، ثم الانحياز الوظيفي للعراق إبّان حربه مع إيران. بيد أن تحول النظام الدولي نحو الأحادية القطبية الفظة بعد حرب الخليج الثانية دشن مرحلة التخلي الفعلي عن هذا التوازن الحذر لصالح سياسة "الاحتواء المزدوج" لكل من العراق وإيران، وهي سياسة افتقرت في جوهرها للمسوغات الإستراتيجية العميقة، نظراً لحالة الإنهاك الشامل التي أصابت الدولتين جراء الحروب المستمرة.
أدى هذا التحول لاحقاً، وتحديداً في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، إلى تبني عقيدة "الهيمنة العالمية الشاملة"، التي أعادت تعريف الإرهاب بوصفه تهديداً وجودياً يبرر التدخل العسكري المباشر، وتغيير الأنظمة الحاكمة، وإعادة هندسة المجتمعات المحلية قسرياً وفقاً للنموذج الغربي. غير أن هذا التورط العسكري المباشر سرعان ما اصطدم بحقيقة صلبة: وهي قصور القوة التكنولوجية الفائقة والآلة العسكرية الضخمة عن قهر الجغرافيا الطبيعية المعقدة، والتركيبات البشرية الثقافية المتجذرة للمجتمعات المحلية في المنطقة.
أنتج هذا الإخفاق المدوي نقاشاً فكرياً وسياسياً محتدماً داخل النخب الأكاديمية الأمريكية؛ حيث دعت مدرسة "الواقعية السياسية" إلى ضرورة الانكفاء الفوري والعودة لإستراتيجية التوازن من وراء البحار. يجادل دعاة هذا التوجه بأن تقليص الوجود العسكري المباشر كفيل بخفض النفقات الدفاعية الهائلة التي تستنزف الخزينة الأمريكية، فضلاً عن تحفيز القوى الإقليمية على تحمل مسؤولية أمنها الذاتي، والحد من الارتدادات العنيفة والعمليات الانتحارية التي يذكيها الوجود العسكري الأجنبي، كما حدث تاريخياً بعد التمركز الأمريكي في الجزيرة العربية عام .1990
في المقابل، يحذر نقاد هذا التراجع من كونه يخلق فراغاً إستراتيجياً مفاجئاً يفضي إلى مضاعفة عدم الاستقرار، وتآكل الهيبة الإمبراطورية الأمريكية، وتهديد المصالح الحيوية المتعلقة بأمن الطاقة، وحظر الانتشار النووي، وحماية الحلفاء التقليديين. يعود التوجّس الأمريكي البنيوي في جوهره إلى حقيقة أن الولايات المتحدة تُصنف في أدبيات العلاقات الدولية كـ "موازن متردد"؛ ويرجع ذلك بالدرجة الأولى إلى ما يُعرف بـ "قوة مياه البحار الكابحة". فهذه الحصانة الجغرافية الفريدة تجعل التدخل العسكري المباشر خياراً خاضعاً دائماً للتجاذبات السياسية الداخلية المعقدة وغير مضمون النتائج، مما يدفع واشنطن إلى تفضيل البقاء وراء البحار واستخدام القوى المحلية كخطوط دفاع أولى في مواجهة الأزمات.
آليات "فخ الاحتمالات" وتفكيك سيكولوجيا التوجّس
ينشأ "فخ الاحتمالات" الإقليمي من طبيعة التردد الأمريكي الكامن في إستراتيجية التوازن عن بُعد. فلأن واشنطن ترفض تقديم التزام أمني مطلق وثابت، وتفضل التحرك كموازن في الملاذ الأخير فقط، فإن سلوكها يصبح محكوماً بالظرفية والاحتمالية الرمادية. يتجلى هذا بوضوح في حالة التنافس الإقليمي المحموم مع إيران؛ إذ لا يمكن للقوى المحلية أن تتنبأ بيقين بمدى استعداد الولايات المتحدة لخوض مواجهة عسكرية كبرى لحمايتها، نظراً لأن هذا القرار يرتبط بتوازنات سياسية واقتصادية داخلية أمريكية متقلبة وغير مضمونة العواقب.
يؤدي هذا الغموض الإستراتيجي المتعمد إلى إنتاج سلوكيات أمنية بالغة الخطورة على مستوى الإقليم، يمكن تفكيكها عبر آليتين رئيستين:
المخاطرة الأخلاقية والاندفاع غير المحسوب: حيث تندفع بعض الأنظمة المحلية الحليفة لواشنطن إلى تبني سياسات خارجية عدوانية وتصعيدية ضد خصومها الإقليميين، مدفوعة بافتراض واهم بأن الولايات المتحدة ستتدخل حتماً لإنقاذها لحماية هيبتها إذا حانت لحظة الحقيقة والمواجهة الشاملة.
سيكولوجيا الارتياب والاعتمادية المفرطة: في المقابل، تعيش هذه الدول في هلع مستمر من احتمالية التخلي الأمريكي المفاجئ، مما يدفعها إما إلى الهرولة نحو مسارات تطبيعية وتحالفات أمنية بديلة تفتقر للحاضنة الشعبية والشرعية التاريخية، أو الاستمرار في رهن سيادتها ومواردها بالكامل للإرادة الأمريكية طلباً للحماية المؤقتة.
وبذلك، يتحول التوجّس الأمريكي من نقطة ضعف إلى أداة تضبط بها واشنطن إيقاع الصراعات الإقليمية دون حسمها، مكرسةً بيئة إقليمية قائمة على توازن الضعف المستدام واستنزاف الطاقات الذاتية لجميع الأطراف.
أزمة الدولة المشرقية وفشل الاندماج العقلاني
لا يمكن عزل فاعلية التوجّس الأمريكي عن الأزمة الهيكلية العميقة التي تعصف بالدولة الوطنية في المشرق العربي. يرى فلاسفة السياسة المؤرخون للمنطقة أن التعريف البنيوي الدقيق للدولة التاريخية لا ينطبق بالمعنى العلمي إلا على كيانات محدودة، في حين تظل بقية الكيانات المعاصرة مجرد دول وفقاً للتعريف القانوني الدولي، عاريةً من أي تماسك مؤسسي أو مجتمعي حقيقي.
تتبدى هذه الأزمة، التي يمكن وصفها بـ "مأزق الوطنية المحلية"، من خلال عدة تمظهرات بنيوية وتاريخية:
أزمة الشرعية وسلوك النخب: ترتبط الأزمة مباشرة بفشل النخب الحاكمة في تحقيق قيم المواطنة المتساوية وسيادة القانون. لقد تحولت الدولة الوطنية المعاصرة في كثير من الأحيان إلى أداة قهرية لنهب الموارد، وتجويف الطبقة الوسطى، وتدمير الوسائط الاجتماعية لصالح نخب تسلطية تحكم بالقوة والإقصاء.
التناقض الفلسفي بين الشكل والمضمون: يظهر هذا التناقض في تبني الشكل الخارجي للدولة الحديثة ببيروقراطيتها وقالبها القانوني القائم على سيادة الحدود، مع الاحتفاظ بباطن تقليدي يقوم على أنماط السلطة الأبوية والعصبيات الخلدونية المحدثة. وعند حدوث أي اهتزاز سياسي أو اقتصادي، يتلاشى هذا القشر الحداثي الهش ليطفو المضمون التقليدي (الطائفي والقبلي) كبديل وحيد لحماية الأفراد.
الجذور الاستعمارية المعطلة: يمتد هذا العجز إلى سياق تاريخي عطل فيه الاستعمار والتدخل الخارجي المسار الطبيعي لتطور المجتمعات نحو دول وطنية متكاملة. لقد احتفظ الغرب بالقواعد الدولية للسيادة لنفسه، وحرم بقية العالم منها، فارضاً حدوداً وكيانات هشة تفتقر للاندماج العقلاني والشرعية الداخلية.
تستثمر السياسة الأمريكية بذكاء في هذا العجز البنيوي؛ فالضعف الذاتي وغياب التكامل الإقليمي والعقلاني للدول يجعلها هشة أمام الضغوط الخارجية، وفريسة سهلة للمشروعات الإمبراطورية المتصارعة. وفي هذا السياق، تكف برامج الإصلاح السياسي المطروحة من الخارج عن كونها أداة للتحديث، لتصبح وسيلة للتدخل وابتزاز النخب الحاكمة الفاقدة لشرعيتها الشعبية.
الاستثمار الإمبراطوري في الهويات الفرعية
تأسيساً على المقاربة النقدية الفلسفية، لا يمثل التصالح الأمريكي مع المنظومات التقليدية من قبلية وطائفية مجرد قبول بأمر واقع، بل هو إستراتيجية إمبريالية واعية لإدارة التنوع المجتمعي بما يخدم أهداف الهيمنة. لقد استخدمت القوى الكبرى التعددية العرقية والمذهبية بانتظام كآليات للحكم والسيطرة غير المباشرة.
إن الصراعات الطائفية المعاصرة ترسم حدوداً اصطناعية وتنتج جماعات متخيلة بهدف الاستئثار بالدولة أو الصراع عليها، مستغلةً عجز الدولة الوطنية وفشلها في دمج مواطنيها على أساس المواطنة المتساوية.
هذا التطييف الممنهج واختراع مسميات جغرافية طائفية لم يكن تعبيراً موضوعياً عن تنوع المجتمع، بل كان إسقاطاً وتأويلاً إمبراطورياً أُعيد إنتاجه قسرياً على أرض الواقع عبر صياغة دستور ونظام سياسي يرسخ الانقسام البنيوي.
إن تصالح واشنطن مع هذه البنى التقليدية يوفر لها أدوات مثالية لتطبيق إستراتيجية التوازن من وراء البحار. فبدلاً من تحمل كلفة الوجود البري المباشر لمواجهة قوى وطنية موحدة، تسهم مأسسة الطائفية والقبلية في توجيه طاقات المجتمعات نحو صراعات بينية وأهلية مستدامة، مما يحول دون نشوء هويات وطنية جامعة أو محاور إقليمية مستقلة قادرة على تهديد المصالح الإمبراطورية أو الإخلال بتوازن القوى الملائم لواشنطن.
تحدي الوعي والبديل الصادم
إن الحقيقة الصادمة التي يتهرب العقل السياسي الإقليمي من مواجهتها هي أن "التوجّس الأمريكي" ليس دليلاً على تراجع الإمبراطورية أو قرب أفولها، بل هو المظهر الأكثر دهاءً لذكائها الإستراتيجي؛ إنها مهندسة الفوضى التي تدير العالم بالرماد لا بالحديد. إن الرهان المستمر للأنظمة والنخب العربية على تبدّل أمزجة البيت الأبيض، أو البحث عن مظلة حماية بديلة في الشرق أو الغرب، ليس سوى استمرار صريح في العيش داخل "صومعة الغفلة التاريخية".
إن المعضلة الحقيقية لا تكمن في غدر الإمبراطوريات، بل في قابلية المجتمعات لـمأسسة التجزئة، وفي هذه البنى الهشة التي تستمرئ دور الضحية وتتطوع للعب دور "فئران التجارب" في مختبرات الإستراتيجيات الدولية. إن التحدي الفلسفي والوجودي الذي يواجه المنطقة اليوم يتجاوز مجرد المطالبة بإصلاحات سياسية شكلية أو ترقيعية لكيانات سايكس بيكو الهرمة؛ إنه تحدٍّ يفرض قطعاً إبستمولوجياً ومعرفياً كاملاً مع بنية الدولة التابعة برمتها.
إن الشرق الأوسط لن يخرج من "فخ الاحتمالات" إلا إذا تجرأت نخبه وشعوبه على تفكيك هذه "الهويات المتخيلة" والانتقال الصارم نحو عقلانية سياسية سيادية. وما لم تتأسس شرعية الحكم على عقد اجتماعي داخلي متين وعابر للولاءات الضيقة، فإن المنطقة ستبقى مجرد جغرافيا مستباحة، ومخزنٍ للموارد، وهامشٍ منسيٍّ تضبط إيقاع احتضاره البطيء حسابات التوجّس الأمريكي من وراء البحار.
***
غالب المسعودي







