عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

وسام حسين العبيدي: استنزاف الوعي في معارك الرموز

ليس من طبيعة المجتمعات أن تتفق على كل رمز أو موقف، فالاختلاف حول الشخصيات والرموز والصور أمر مألوف في مختلف الأمم. غير أن المشكلة تبدأ حين تتحول القضايا الرمزية إلى مركز الاستقطاب العام، بينما تتراجع إلى الهامش الأسئلة التي تمس حياة الناس اليومية، كالفقر، والبطالة، والخدمات، والتعليم، والصحة، ومكافحة الفساد.

وتُروى عن فترة الاستعمار البريطاني للهند قصة مفادها أن إثارة المقدسات الدينية كانت، في أحيان كثيرة، كافية لتحويل أنظار الناس عن القضايا الوطنية الكبرى وإشغالهم بصراعات داخلية بين أبناء البلد الواحد. وبغض النظر عن مدى دقة هذه الرواية من الناحية التاريخية، فإن فكرتها العامة تؤكدها تجارب سياسية عديدة؛ إذ يكفي أحيانًا حدث رمزي واحد حتى ينقسم المجتمع إلى معسكرين متقابلين، بينما تتوارى الملفات التي تمس حياة المواطنين وتحدد مستقبلهم.

ولعل ما شهده العراق أمس يقدم مثالًا يستحق التأمل. فخلال ساعات قليلة تصدرت واقعة إنزال صورة واجهة النقاش السياسي والإعلامي، وانقسم الرأي العام بين مؤيد ومعارض، وتعالت المطالبات بالإدانة والعقوبات، حتى بدا وكأن هذه الحادثة أصبحت القضية الأولى في البلاد، بينما غابت عن الواجهة الملفات التي تثقل كاهل العراقيين منذ سنوات. وهنا لا يتعلق الأمر بإدانة الفعل أو الدفاع عنه، فلكل موقف منطلقاته، وإنما يتعلق بالسؤال الأعمق: لماذا تمتلك الأحداث الرمزية هذه القدرة الاستثنائية على احتلال المجال العام؟ ولماذا تصبح أكثر قدرة على استنفار القوى السياسية والإعلامية من قضايا الفساد، وتعثر الخدمات، والبطالة، وتراجع التعليم، وسائر الملفات التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة؟

إن التأمل في طبيعة الخطاب السياسي يكشف أن بعض الفاعلين يجدون في مثل هذه الوقائع فرصة مثالية لإعادة تقديم أنفسهم بوصفهم حماةً للمقدسات أو المدافعين عن الهوية، بينما لا يظهر القدر نفسه من الحماس حين يتعلق الأمر بإصلاح مؤسسات الدولة، أو مكافحة الفساد، أو تحسين الخدمات، أو حماية المال العام. وهكذا تتحول الرموز، في كثير من الأحيان، إلى مساحة مريحة للمزايدة السياسية، لأنها تستثير العاطفة أكثر مما تستدعي المحاسبة.

وفي علم الاتصال السياسي تُعرف هذه الظاهرة بما يُسمى "سياسة الإلهاء"، وهي فكرة ارتبطت في الوعي العام باسم نعوم تشومسكي، وإن كانت تمثل ممارسة سياسية وإعلامية أوسع من أن تُنسب إلى شخص بعينه. وتقوم هذه السياسة على نقل اهتمام الرأي العام من القضايا الجوهرية التي تتطلب حلولًا معقدة إلى أحداث أكثر قدرة على إثارة الانفعال والاستقطاب. فبدل أن ينشغل الناس بأسئلة الكهرباء، والتعليم، والصحة، والبطالة، والاقتصاد، يصبح النقاش منصبًا على صورة، أو تصريح، أو شعار، أو حادثة رمزية تستأثر بالمشهد كله. وفي مثل هذه الحالات لا يكون السؤال الأهم: من بدأ الأزمة؟ بل: من المستفيد من استمرارها؟ لأن بقاء الجدل محتدمًا حول قضية رمزية يعني، في المقابل، تراجع الملفات الثقيلة تلقائيًا إلى الصفوف الخلفية، حيث يقل الضغط الشعبي وتتراجع المطالبة بالإصلاح الحقيقي.

ولا تبدو هذه الظاهرة غريبة عن المشهد العراقي. فما إن يقع حدث يمس رمزًا دينيًا أو سياسيًا حتى تستنفر المنابر، وتشتعل وسائل التواصل، ويتسابق بعض السياسيين إلى تسجيل المواقف ورفع سقف الخطاب، وكأن اللحظة أصبحت فرصة لإثبات الولاء أو استعادة الحضور الإعلامي. وفي خضم هذا الضجيج يغيب السؤال الذي يفترض أن يبقى حاضرًا دائمًا: ماذا تحقق في مكافحة الفساد؟ ماذا أُنجز في قطاع الكهرباء؟ ماذا عن البطالة، والتعليم، والصحة، وفرص العيش الكريم؟

إن المجتمعات التي تُستنزف باستمرار في معارك الرموز قد تجد نفسها تؤجل، مرة بعد أخرى، معارك بناء الدولة، وترسيخ سيادة القانون، وتحقيق العدالة، وتحسين حياة الناس. والخطورة لا تكمن في وجود الاختلاف حول الرموز، فذلك أمر طبيعي، وإنما في أن تتحول هذه الرموز إلى البديل الدائم عن النقاش في القضايا التي تمثل جوهر العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن.

فحين يصبح الجدل حول صورة أعلى صوتًا من الجدل حول مستشفى، أو مدرسة، أو مشروع تنموي، أو محطة كهرباء، فإن المشكلة لا تعود في الصورة نفسها، بل في ترتيب الأولويات داخل المجال العام. عندها تنتصر الضوضاء على القضايا الحقيقية، ويحل الانفعال محل التفكير، ويتراجع الإصلاح أمام الاستقطاب؛ ولذلك، فإن وعي المجتمعات لا يُقاس بقدرتها على صناعة الجدل، بل بقدرتها على التمييز بين ما يستحق أن يكون في صدارة الاهتمام وما يُراد له أن يحتل تلك الصدارة. فالقضايا الرمزية قد تستحق النقاش، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى ستار يحجب عن الناس الأسئلة التي يتوقف عليها مستقبلهم. وعندما ينجح حدث عابر في إزاحة قضايا الدولة والمجتمع من واجهة النقاش، فإن الخاسر الحقيقي لا يكون طرفًا من أطراف الجدل، بل تكون الأولويات الوطنية نفسها.

***

د. وسام حسين العبيدي

في المثقف اليوم