عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

علي عمرون: الدرس الفلسفي في الجزائر.. تشخيص بنيوي ومقترحات للتجاوز

فرش اشكالي: في بلدٍ تُدرَّس فيه الفلسفة حفظاً، ويُختبر فيه المقال الفلسفي بقالبٍ جاهز، يصبح الحديث عن تدريس الفلسفة وهما والحديث عن اصلاحها اكذوبة ، فنحن امام طقسٍ بيروقراطي يُعيد إنتاج نفسه تحت غطاء تحرير العقل، طقس يحوّل الفلسفة في الواقع من فعل حرّية ومقاومة إلى أداة امتثال وعبودية، ومن سؤال مفتوح وسفر في عوالم الدهشة إلى إجابة معلّبة تباع في دكاكين الدرس اللصوصي مشهد مخيف ومذل كأننا نُعيد ما حذّر منه نيتشه من ان غاية تدريس الفلسفة في الأنظمة الحديثة هي تكوين مواطنين مطيعين ونافعين لا بناء عقول حرة مستقلة قادرة على النقد .

لطالما عُولجت أزمة الدرس الفلسفي في الجزائر كمشكل تقني: بداية من تغيير طريقة التدريس من الاهداف الى الكفاءات، وتعديل نموذج الامتحان من الأسئلة الجزئية الى المقال الفلسفي، والوصول الى الحديث عن تكوين الأساتذة. لكنّ كلّ هذه المحاولات، اصطدمت بجدار أعمق. فجذر الازمة ليس في ضعف تكوين الأساتذة، أو كثافة البرنامج، أو صعوبة الامتحان، أو محدودية الزمن المدرسي، بل في بنية العلاقة التي تربط الفلسفة بالسلطة والثقافة السائدة: ثقافة شعبوية تريد حذفها، وسلطة دينية تتنافس معها على تربية الضمير، وسلطة أكاديمية حوّلتها إلى مهنة إدارية ،هذه الأزمة إذن ليست أزمة درس بقدر ما هي انفصام بنيوي مزمن بين الغاية المعلنة للفلسفة (بناء المواطن النقدي القادر على أن يقول مع كانط: «تجرّأ على استخدام عقلك» وبين آليات إنتاجها وتداولها الفعلية: الحفظ، القولبة، والقمع الرمزي).

هذا الانفصام ليس ظاهرة ثانوية يمكن تداركها بتعديل بسيط في البرنامج او حذفها من شعب محددة او دحرجتها. إنه هيكل يمتدّ من الجامعة التي تُنتج موظفي فلسفة، إلى المجتمع الذي يُصاب بما سمّاه أحد المفكرين «كراهية الحكمة»، مروراً بالامتحان الذي تحوّل إلى سرير بروكروست. وفي قلب هذا الهيكل يقف الأستاذ: ضحية وجلّاد في آنٍ واحد، يمارس البروكروستية وهو نفسه نتاج تكوين لم يُعلّمه أن يكون فيلسوفاً، بل علّمه أن يجتاز الامتحان ويحصل على الوظيفة.

في هذا المقال نحاول، انطلاقاً من هذا التشخيص، أن نفكّك هذا الهيكل عبر ثلاثة محاور: علاقة الفلسفة بموضوعها (الإنسان الحي الذي غاب عن الدرس)، وآليات إعادة الإنتاج (الامتحان كأداة قمع رمزي)، والبيئة الحاضنة (الجامعة والمجتمع كعوامل تسميم). ثم ننتقل دون وهم بالحلول السحرية إلى اقتراح مداخل عملية للتجاوز، لا تبدأ من مكتب الوزارة، بل من الفعل الفلسفي نفسه

حيث لم يعد السؤال كيف نُصلح الدرس الفلسفي؟ بل: كيف نُعيد اختراعه كفعل حرّ، في مجتمعٍ لا يزال يخاف من حرّية العقل؟

معالم الازمة

أولاً: غياب الموضوع

الفلسفة، في أصلها، ليست «مادة» تُدرَّس كالرياضيات أو الفيزياء. هي، كما قال أرسطو، دهشة أمام الوجود، انها في جوهرها علاقة حية بين العقل والواقع المعاش. لكن ما الذي حدث في الجزائر؟ لقد تحوّل الدرس الفلسفي إلى فلك مغلق يدور حول ذاته، في عالم موازٍ تماماً لعالم التلميذ. بينما يعيش هذا الأخير هموماً حقيقية: البطالة، التفكير في الهجرة، هدر الوقت، مغريات منصات التواصل، ثقافة التفاهة.... يجد نفسه محاصراً في قسم يُدرَّس له «العلاقة بين الإحساس والادراك» و«الشعور ودرجاته واصل المفاهيم الرياضية...» يخاطبه بصيغة المجهول والمفعول به، لا كانسان في وجوده المشخص.

لقد فقدت الفلسفة في ثانويتنا صلتها بما سمّاه هيدجر قدسية الوجود البشري، لتحلّ محلّها «قدسية الامتحان» الجاف والمسموم. واضحى التلميذ اسير احكام ساذجة ومبتذلة لا يُسأل: عن معنى أن تكون حراً ؟ لا يناقش ازمة المجتمع وبناء الدولة ...، بل يُطلب منه أن يتسلح للامتحان بأسلحة صدئة قديمة عديمة النفع، بقالب جاهز محفوظ حول مهنة أستاذ الفلسفة الى بائع اوهام وخرافات.

وما يُفجع حقاً أن هذا الغياب ليس عرضياً، بل منهجي. فالبرنامج الرسمي، بكل مكوناته المبتور من جهة تداوله وتنفيذه، يُصمَّم في كثير من الأحيان لينتج «تلميذا طائعاً» لا يفكر في شيء، بل لإعادة انتاج الرداءة عبر استنساخ ما يسمى «المقدمة والعرض والخاتمة»، لكنه يظل عاجزاً عن مواجهة سؤال واحد يُربكه في حياته اليومية، هذه الحماقات حذّرنا منها مالك بن نبي حين قال:" الحماقة التي تقال تذهب مع الريح، أما الحماقة التي تكتب فلا تمر سريعا، بل تتحد مع التفكير وتتحول إلى مُسَلَّمة تعرقل التفكير والعمل في آن واحد"

ثانياً: الامتحان كسرير بروكروست

إذا كان الغياب الأول هو غياب الموضوع، فإن الغياب الثاني — وهو الأشدّ وطأة — هو غياب الحرية. فالامتحان، الذي يفترض أن يكون لحظة الحقيقة والكشف عن قدرة التلميذ على التفكير المستقل، تحوّل في الجزائر إلى طقس لإعادة إنتاج الطاعة.

لنأخذ «المقال الفلسفي» نموذجاً. في أصله هو جواب مؤسس يكتبه التلميذ عن سؤال يفهم في بعده الاشكالي، أي ان المقال الفلسفي أداة لتنظيم الفكر الشخصي الحر، يُعبّر من خلالها التلميذ عن رؤيته الخاصة لمشكل فلسفي. لكن ما يحدث في الواقع؟ ان المقال أصبح سرير بروكروست: كل فكر لا يتناسب مع النموذج الجاهز أي المقالات المعلبة المتداولة يُبتَر أو يُمدد حتى ينسجم مع القالب وهنا أصبح التلميذ عن كتابة ما يفكر فيه، بل هو يكتب ما يتوقعه المصحّح. والمصحّح، بدوره، لا يقرأ فكراً حيّاً، بل يُطابق ورقة بشبكة تقويم منجزة مسبقاً.

هذا التحوّل أنتج ما يمكن تسميته «فوضى الدال وعقم المدلول»: بدليل اننا نستخدم كلمات فلسفية كبيرة (الدولة، العدالة، الحق والواجب، الغير، الحقيقة...) تُستخدم في أجوبة التلاميذ بكثافة، لكنها فارغة من المعنى الحي. والأستاذ تراه يكتب «الإنسان حرّ» وهو لا يجرؤ على التعبير عن رأيه الحقيقي داخل القسم. والتلميذ يكتب «الفلسفة تسعى إلى الوصول الى الحقيقة» وهو يعلم أن الحقيقة الوحيدة التي تُحسب في الامتحان هي مطابقة النموذج. هنا نستعيد تحذير فتغنشتاين الشهير: «حدود لغتي هي حدود عالمي». فما دام عالم الامتحان لا يتسع إلا للقالب الجاهز، فإن لغة وتفكير الأستاذ تظلّ سجينة، وعالم التلميذ الفكري يظلّ ضيّقاً.

والأسوأ من ذلك أن التلميذ اصبح يُدرَّب على «الغش الفكري» قبل أن يُدرَّب على أي غش مادي. يتعلّم أن النجاح لا يتطلب الحقيقة، بل يتطلب حسن توقّع ما يريده الآخر. وفي هذا المعنى، يصبح الامتحان، كما وصفه ميشيل فوكو في تحليله للامتحانات الحديثة، ليس مجرّد أداة قياس، بل تقنية للانضباط وإنتاج الذوات المطيعة.

ثالثاً: البيئة المسمومة

لا يمكن فهم أزمة الدرس الثانوي دون النظر إلى منبعها الأعمق: الجامعة الجزائرية. فالأستاذ الذي يمارس البروكروستية في القسم هو نفسه نتاج نظام جامعي لم يُعلّمه أن يكون فيلسوفاً، بل علّمه كيف يجتاز الامتحانات ويضمن الوظيفة. ان الجامعة عندنا بدل أن تكون مشتلاً للتفلسف وبناء فيلسوف الغد، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى مصنع لـموظفي الفلسفة: ملزمون بتنفيذ البرنامج، يحفظون المقالات، يجتازون الامتحان، ثم يُعاد إنتاجهم في الثانوي ليُعلّموا الدورة نفسها.

هذا الفقر الفلسفي الجامعي ليس مجرّد لامبالاة فردية. إنه هيكل مؤسساتي. يتجلى في غياب البحث العلمي الحقيقي، والانحباس في صراعات مفاهيمية عقيمة، والتقزّم الأكاديمي الذي يحوّل الأستاذ الجامعي إلى موظف إداري داخل خانة ضيقة... كلها عوامل تجعل الجامعة عاجزة عن أن تكون ضمير الدرس الفلسفي أو سنده. بل هي، في حالات كثيرة، تُعيد إنتاج الأمراض ذاتها التي تُعاني منها الثانوية. ولقد نبهنا ابن خلدون الى هذا الخطر حين لاحظ أنّ «العلم يفسد إذا صار مجرّد صناعة للمعاش». فالفلسفة حين تتحوّل إلى مجرّد مهنة إدارية تفقد روحها، وتفقد قدرتها على أن تكون نقداً حراً.

لكن الأزمة لا تقف عند باب الجامعة. فالفلسفة تسبح ضد تيار ثقافي أوسع. في مجتمع يُصاب بما وُصف بـ«كراهية الحكمة»، حيث يتحوّل المتفلسف إلى مادة للسخرية أو للريبة، ويصبح «وليّ» الدروس الخصوصية هو المنقذ الحقيقي في نظر كثير من الأسر... في مثل هذا المناخ، يصعب على الفلسفة أن تزدهر. إنها تُحاصَر بين وصاية تريد ترويضها وتحويلها إلى أداة ديماغوجية، وتربية دينية تتنافس معها على احتكار الضمير، وثقافة شعبية تقدّس الوصفة السحرية وتستخفّ بالسؤال المفتوح.

هذا العائق الثقافي هو التربة التي تنمو فيها كل الأمراض الأخرى. فكيف يمكن أن يُحترم السؤال الحرّ في بيئة لا تقرأ بما فيه الكفاية، ولا تُقدّر النقد، وتفضّل طمأنينة اليقين على قلق السؤال؟ وكما تقول الحكمة الغزالية: «من لم يشكّ لم ينظر، ومن لم ينظر لم يُبصر، ومن لم يُبصر بقي في العمى». ونحن، في كثير من ممارساتنا التربوية والثقافية، ما زلنا نخشى الشكّ أكثر مما نخشى العمى.

مداخل التجاوز

إذا كانت الأزمة بنيوية كما حاولنا بيانها، فإن انتظار الإصلاح من فوق يبقى انتظاراً عبثياً في الغالب. فالمنطق الذي يفكر به رجل السياسة قصير المدى نادراً ما يُقدم على إصلاح قد يُنتج مواطنين نقديين يُشكّكون في الخطابات السائدة. والأكاديمي المستنزف داخل خانته الإدارية قلّما يغيّر هيكلاً يضمن له استقراره. والأستاذ الواقع تحت الإكراه المادي والمهني لا يملك، في معظم الحالات، ترف المقاومة الفردية الطويلة. إذن، من أين يأتي التغيير الممكن؟

الجواب لا يكمن في جهة واحدة، بل في فراغ يمكن أن تملأه حركة نقدية تتشكّل خارج المنطق المؤسساتي المعطوب، أو على الأقل على هامشه. هذا لا يعني رفض العمل داخل المؤسسة رفضاً مطلقاً، بل يعني أن التغيير الحقيقي يبدأ من فعل الكلام ومن الكتابة، ومن مقاومة يومية هادئة، ومن بناء بدائل موازية لا تنتظر إذناً مسبقاً.

بداية من تحرير الامتحان و كسر البروكروستية، لكن التحرير لا يعني تسهيل الامتحان أو تخفيفه، بل تحويله من طقس بيروقراطي إلى حدث فكري. ويكون ذلك عبر اعتماد أسئلة إشكالية حقيقية متجددة سنوياً تمنع التوقع المسبق، وتنويع التمارين (تحليل نص ذي صلة بأزمات واقعنا، تحليل ونقد حوار فلسفي، إعادة بناء حجّة مفككة...)، ووصولا الى فتح نقاش عمومي بعد كل دورة بكالوريا حول مواضيع الفلسفة، كما هو التقليد الفرنسي، ذلك ان تحويل الامتحان من سرّ مؤسساتي إلى حدث ثقافي علني هو في ذاته فضح للكذبة الممنهجة.

ولا تكتمل صورة الإصلاح الا ببناء فضاءات موازية فالأهم هو خلق فضاءات فلسفية خارج إكراهات البرنامج والتقويم مثل تقديم ورشات فلسفة للأطفال في المكتبات ودور الثقافة، على غرار التجربة التونسية، ونوادي فلسفية في الثانويات والجامعات تناقش قضايا تهمّ الشباب. ومنصات رقمية جادة تخاطب الجيل الجديد بلغته، وتخلق شبكة تربط بين الأستاذ الرافض لأن يكون سجّاناً، والأكاديمي الرافض للتقزّم، والتلميذ الجائع إلى السؤال. هذا ما يمكن تسميته، باستعادة مفهوم غرامشي وإعادة توجيهه، «تحالفاً نقدياً» يحول الجزر المعزولة إلى أرخبيل قادر على خلق أثر ثقافي متراكم.

ولابد أيضا من إصلاح التكوين الجامعي بإنشاء تخصص حقيقي في «تعليمية الفلسفة»، وورشات تكوين مستمر، وبعثات إلى الخارج... كلها خطوات ضرورية. لكنها لن تأتي تلقائياً، وستحتاج إلى ضغط معرفي وأخلاقي من داخل التحالف نفسه.

خاتمة

لقد حاولنا أن نبيّن أن أزمة الدرس الفلسفي في الجزائر ليست عارضاً تقنياً يُعالج ببترها ودحرجتها او بتبديل منهج أو تعديل نموذج امتحان. إنها انفصام بنيوي يمتد من قاع المجتمع إلى قمة المؤسسة. فلسفة فقدت موضوعها الحيّ، وقُيّدت بآليات تقويم تقتل الحرية، وتسبح في بيئة تُعيد إنتاج الامتثال... هذه الفلسفة لا تحتاج إلى «إصلاح» إداري بقدر ما تحتاج إلى استعادة قدرتها على أن تكون فعلاً حراً.

في النهاية، لعل الجواب الأصدق عن سؤالنا الافتتاحي هو أننا ما زلنا نسأل. ففي عالم يفضّل الإجابات الجاهزة والموظفين المطيعين، يبقى السؤال المفتوح والمُربك نفسه أقصى ما يمكن أن نقدّمه للفلسفة ولأنفسنا.

***

عمرون علي

في المثقف اليوم