تمتلك كثير من المجتمعات العربية نخبة علمية متقدمة في مختلف المجالات المعرفية. لا تنفك الجامعات العربية عن التقدم في التصنيفات الدولية للجامعات مقارنة بنظيراتها الإقليمية والدولية. في حين ينشط نخبة من الأطباء والمهندسين والعلماء في العالم العربي على مستوى عال ومتقدم. بل وينجح الكثير من العلماء العرب الذين ترعرعوا في العالم العربي بشق طريقهم فيي مختلف مختبرات ودول العالم. لكن الواقع ليس بهذه الإيجابية. تصدر الولايات المتحدة الأميركية وحدها (حوالي 349 نسمة) سنويّا أبحاثا علمية أكثر من ثلاث وعشرين دولة عربية مجتمعة (حوالي 450 نسمة). هناك الكثير من الأسباب والعوامل التي تؤدي إلى هذا الضعف الكبير بالإنتاج العلمي. هنا، سنركز على أحد العوامل المساهمة والمهمة وهو الخطاب العلمي العربي وكيف يساهم تدريس العلوم باللغات الأجنبية في ضعضعة مكانة المعرفة في المجتمعات العربية.
المعرفة العلمية بوصفها خطابًا
لشرح مفهوم المعرفة العلمية، سنلجأ للمؤرخ والفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو وكيف ميز بين الجملة والعبارة. الجملة العلمية لا تصبح معرفة لمجرد أنها صحيحة على الصعيد النحوي واللغوي. تحتاج الجملة لتصبح عبارة إلى مؤسسات معترف بها ومتكلمين مخولين التكلم بمثل هذا خطاب. المؤسسات هي مراكز الأبحاث والجامعات والأشخاص هم الأكاديميون والعلماء. يعتمد الخطاب العلمي على مجموعة من المناهج والمفاهيم المتوافق عليها والبنية التحتية المادية كالمجلات والكتب وقواعد البيانات.
سأعطي مثالا من مجالي البحثي على ذلك. ان الجملة "أعيد تعيين هذا الكودون" هي جملة صحيحة نحويًّا. في علم الأحياء الجزيئية الناطق بالانكليزية، تنتمي هذه الجملة إلى شبكة كثيفة من المفاهيم والممارسات تخولها لتصبح عبارة معرفية في الخطاب العلمية. نستطيع ترجمتها إلى العربية، كما فعلت أعلاه، لكن الترجمة وحدها لا توفر لها البنية الخطابية المحيطة التي تجعلها سهلة الفهم والتدريس ولا تمنحها القدرة على انتاج معرفة جديدة. إذا، إن وجود المفردات، لا يعني بالضرورة وجود خطاب علمي.
ضعف الأرشيف العلمي العربي
الأرشيف عند فوكو هو النظام التاريخي الذي يحدد إن كان أي من العبارات هي ذات معنى علمي. يحدد الأرشيف ما يمكن حفظه وتصنيفه في مرحلة معينة من تاريخ الخطاب العلمي. ويعود ضعف الأرشيف العلمي العربي ليس إلى غياب المصطلحات العربية القادرة على توصيف العلوم، فاللغة العربية لغة علوم أيضا كما كانت في عصور العرب الذهبية، بل إلى ضعف الشبكة المؤسسية التي تتداول هذه المصطلحات داخلها. أوجه الغياب تتجلى بغياب كتب دراسية علمية باللغة العربية، غياب صحافة علمية جادة، وغياب ترجمة علمية مؤسسية. إن الترجمات المتفرقة لا تغن ولا تسمن من جوع ولا تصنع أرشيفا علميا. المفاهيم العلمية تكتسب عمقها الاجتماعي من التكرار والنقد والتطبيق والارتباط بمفاهيم أخرى.
العلم بوصفه معرفة أجنبية وبعيدة اجتماعيًا
تلقي العلم باللغات الأجنبية في الدول العربية يحدث شرخا في الصورة الاجتماعية للعلم. عندما تصبح اللغات الأجنبية كالانكليزية لغات الأدلة والمختبرات والخبرات، بينما تبقى العربية لغة المجتمع والحياة اليومية والسياسية والدينية والثقافية، فد يبدو العلم خارجا عن المجتمع. هنا ينشأ انقسام ضمني، العربية تعبر عن الهوية الاجتماعي، بينما تعبر الإنكليزية عن الواقع العلمي. في هكذا مجتمع، قد يحظى العلم باعجاب الكثيرين دون أن يصبح مملوكا اجتماعيا.
يتشكل الخطاب العلمي فقط لدى الاكاديمين والخبراء العلميين في برجهم العاجي المتقن للغة الأجنبية ولا يحظى المتكلم العربي العادي إلا بفتات ترجمات متفرقة. في هذه الحالة يطلب من الجمهور قبول وفهم نتائج من دون المشاركة الكاملة في الخطاب الذي أنتجها. إضافة إلى ذلك، تصبح اللغة الإنكليزية ليست مجرد مهارة تواصل فحسب، بل تصبح شرطًا للدخول إلى التعليم العلمي وإلى مواقع السلطة المعرفية. بذلك تخلق فجوة أكبر بين المؤسسات العلمية والجمهور الأوسع.
النتائج على الفهم العام للعلم
إن كل ما سبق أعلاه لا يعني أن الناس يعرفون معلومات أقل. الأهم ن ذلك أن المجتمع قد يمتلك قدرة أضعف على الوصول إلى الممارسات المفهومية للعلم. تسيء عامة المجتمع فهم القواعد الأساسية للعلم كمفاهيم الدليل وعدم اليقين والسببية والاختلاف العلمي المشروع. خذ مفهوم عدم اليقين كمثال، فالكثير من الناس يظنون أن فكرة عدم اليقين تعني أن العلم غير قادر على إرساء قواعد ثابتة وإجابات حقيقة بدون أن تتغير بعد فترة من الزمن. وهذا غير تقدير خاطئ حول آلية تقدم العلم. تمكن العلم عبر تاريخه من إرساء حقائق علمية ثابتة نعتمد عليها يوميا في مجالات الطب والهندسة والزراعة.
قد يفهم العلم نتيجة لذلك كسلطة لا تناقش وبوصفه فرضا أجنبيا، لا ثروة إنسانية. الثقافة العلمية الناضجة تتطلب من المواطنين أن يناقشوا كيفية تبرير الادعاءات، لا أن يتلقوا النتائج فقط من المتخصصين.
الأمر ليس أمر مشاعر قومية أو صراع هوية
إن تدريس العلم باللغة الأجنبية يمنح العلماء والمتعلمين ميزة الانخراط السريع والفعال في المجتمع الأكاديمي الناطق باللغة الإنكليزية. أما إذا درّس العلم باللغة العربية، فسيخسر هؤلاء هذه الميزة. وفي مجال علم الأحياء، أستطيع أن أرى من تجربة شخصية أن الكثير من العلماء المتمرسين يعانون من ضعف قدراتهم باللغة الإنكليزية.
والأمر ليس اتهاما بأن اللغة العربية غير قادرة على احتواء العلم. فاللغة العربية تمتلك القدرة التعبيرية اللازمة للعلم، لكن هذه القدرة تحتاج إلى دعم مستمر عبر التعليم والنشر والتواصل العلمي والاستخدام العام. والأمر ليس تعصبا أعمى للغة الأم. إن تعلم العلم باللغة العربية ممكن إذ أن اغلب الدول الأوروبية المتقدمة علميا تدرس العلم بلغاتها المحلية. وإن كانت الحجة بصعوبة الانتقال من اللغة العربية إلى الإنكليزية، فالصين واليابان، بما يمثلون من مكانة علمية دولية مرموقة، يدرسون العلم بلغاتهم البعيدة كل البعد عن الإنكليزية.
الخاتمة: جعل العلم قابلًا للقول من داخل المجتمع
إن ضعف الخطاب العلمي العربي هو في الوقت نفسه عرض من أعراض هامشية العلم اجتماعيا وآلية تعيد انتاج هذه الهامشية. لا ينبغي أن يكون الهدف هو عزل العلم العربي عن اللغة الإنجليزية وما تشكله من مركز ثقل الخطاب العلمي المعاصر، بل بناء ثقافة علمية ثنائية اللغة: تصل فيها الإنجليزية الباحثين بالعلم في مختلف ارجاء العالم، بينما تصل العربية العلم بالمجتمع. يصبح العلم قوة اجتماعية حقيقية لا حين تُترجم نتائجه فقط بشكل متناثر، بل حين يستطيع المجتمع أن يسائلها ويناقشها ويدرّسها ويعيد صياغتها بلغته الخاصة.
***
فضل فقيه – باحث
.......................
قراءات إضافية:
Foucault, M. The Archaeology of Knowledge and the Discourse on Language (Pantheon Books, 1972).








