في أواخر يوليو/تموز 2026، بلغ سعر صرف الين حوالي 164 ينًا للدولار. وفي 31 يوليو/تموز، قامت الحكومتان الأمريكية واليابانية بتدخل منسق، وهو أول تدخل من واشنطن لدعم الين منذ الأزمة المالية الآسيوية عام 1998.أنفقت وزارة المالية اليابانية ما يُقدّر بـ 75 مليار دولار لشراء الين، بينما ساهمت وزارة الخزانة الأمريكية بمبلغ أقل، يُقدّر بـ 5-10 مليارات دولار. انخفض الدولار من حوالي 164 ينًا إلى حوالي 155-156 ينًا مباشرة بعد الإعلان. في وقت مبكر من صباح الاثنين، بعد الإعلان الرسمي عن التدخل، انخفض الدولار بنحو 1% إلى 156.34 ينًا. التدخل الأمريكي حاله حال تدخل أمريكا السابق لصالح العملة الأرجنتينية والاماراتية فاجأ الأسواق.
يعانى الين الياباني من ضعف منذ سنوات عديدة. فقد بدأ انخفاض قيمة الين في عام 2021 تقريبًا، وتسارع بشكل كبير بعد عام 2022. وكان السبب المباشر هو التباين الكبير في أسعار الفائدة بين اليابان والولايات المتحدة. بينما رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة بقوة من الصفر تقريبًا إلى 5.5% لمكافحة التضخم الذي أعقب الجائحة، أبقى بنك اليابان سعر الفائدة عند الصفر أو دونه لمدة ثماني سنوات، ولم يبدأ في تشديد السياسة النقدية إلا تدريجيًا في عام 2024. من جهة أخرى، رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة. مما زاد الفارق في أسعار الفائدة بين الولايات المتحدة واليابان إلى 5%.
أدى هذا الفارق إلى ازدهار تجارة الفائدة(Yen Carry Trade:) حيث اقترض المستثمرون بالين بأسعار فائدة منخفضة لشراء أصول بالدولار ذات عائد أعلى، مما خلق ضغط بيع متواصل على العملة اليابانية. وبحلول منتصف عام 2024، وصل سعر صرف الين إلى 160 ينًا للدولار، وهو مستوى لم يُشهد منذ نحو 40 عامًا. في أبريل 2024، انخفض الين الياباني إلى أدنى مستوى تاريخي له عند 160 ينًا للدولار. واستمر هذا الضعف في عامي 2025 و2026، حيث لامس الين ما يقرب من 164 ينًا في يوليو 2026 قبل التدخل الأخير. وقبل أواخر الأسبوع الماضي، كان الدولار يتداول فوق 163 ينًا، مسجلًا أعلى مستوياته في 40 عامًا.
طبعا، لا يقتصر ضعف الين على الفارق في أسعار الفائدة فحسب، بل يعكس اختلالات هيكلية عميقة في الاقتصاد الياباني. حيث يتجاوز الدين الحكومي الياباني 200 ٪ م من الناتج المحلي الإجمالي وهو يعتبر الأعلى في الدول الغنية. ولمنع هذا الدين من ان يصبح خارج السيطرة، يضطر بنك اليابان الى وضع حد اقصى لعوائد السندات الحكومية طويلة الاجل من خلال عمليات شراء ضخمة للسندات، حيث يمتلك نصف اجمالي السندات الحكومية. هذا الحد الأقصى للعائدات يمنع بنك اليابان من رفع أسعار الفائدة، مما يبقى الين ضعيفا. ان اليابان في الواقع نقلت مشكلة ديونها من سوق السندات الى سوق العملات .
لقد أدى فرض سقف للعائد على السندات الى نقل تداعيات ضعف ديناميكيات الدين من سوق السندات الى ضعف العملة.
اليابان تستورد معظم احتياجاتها من الطاقة من الخارج، فان ضعف الين يؤدي الى ارتفاع أسعار الواردات. وقد أدى الى تضخم في الفترة الأخيرة وخاصة ان الأجور الحقيقية قد انخفضت لمدة 26 شهرا متتالية حتى منتصف 2024 مما أدى الى تراجع حاد في استهلاك الاسر، في مايو، انخفض الاجر الحقيقي بنسبة 1.4 ٪ مقارنة بالعام السابق.
اليابان تواجه تباطؤ في نمو الإنتاجية، واستثمار الشركات حذر، وقوى عاملة متقدمة في السن ومتقلصة، واتجاها متزايدا لدى الشركات اليابانية لإعادة استثمار ارباحها في الخارج بدلا من تحويلها الي الين. كل هذه الأسباب أدت الى ضعف الين. ويرى معظم المراقبين ان الين لن ينتعش من تلقاء نفسه عندما تخف الضغوط الخارجية فقد اصبح الضعف هيكليا.
كان قرار واشنطن التدخل في سوق الصرف يخدم أسباب عديدة، فحسب بعض المصادر فان الخزانة الامريكية باعت اليورو الاوروبي لتشتري الين. ومن ناحية أخرى قرار التدخل جاء ليمنع اليابان من بيع اذونات الخزانة الامريكية والمعروف ان اليابان هي الدولة الأولى في الاستثمار في سندات الخزانة الامريكية. واذا باعت اليابان كميات كبيرة من هذه السندات فان على الخزانة الامزيكية جذب مستثمرين جدد وذلك برفع أسعار الفائدة الامريكية طويلة الاجل، مما سيزيد من تكاليف خدمة الدين الأمريكي. كما ان الإدارة الامريكية تتخوف ان انخفاض الين بشكل غير منتظم سيزيد الضغط علي العملات الاسيوية، بما في ذلك اليوان الصيني، وهذا قد يؤدي الى تقلبات أوسع في الأسواق الاسيوية. وهذا الانخفاض في العملات الاسيوية بالضرورة سيؤدي الى اتساع العجز التجاري الأمريكي. كما ان ضعف هذه العملات سيلغي تماما مفعول التعرفة الجمركية التي فرضها ترامب. طبعا هناك جانب سياسي، الإدارة الامريكية تعتبر هذا التدخل هو لصالح اصدقاء أمريكا فهو يعتبر ردا للجميل او هكذا يزعم الرئيس ترامب .
فحسب مقال الاقتصادي اسوار برساد في النيويورك تايمز، بتاريخ 6 اغسطس، فان اقتصاد أمريكا واقتصاد اليابان في وضعين مختلفين، لكن يجمعهما مشكلة واحدة كبيرة: مستويات الدين الحكومي المرتفعة بشكل غير مستدام. يُعدّ تدخل طوكيو وواشنطن في سوق العملات محاولة يائسة لتجاهل التحذيرات الصاخبة من الأسواق المالية. في نهاية المطاف، من غير المرجح أن تتمكن أي من الحكومتين من تجاوز انضباط قوى السوق في الحد من تراكم الديون غير المقيد. ربما حان الوقت لكي يتعلم البلدان درسًا من الأرجنتين.
***
علي الرئيسي
باحث في قضايا الاقتصاد والتنمية








