عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

أحمد فاتح محمد: مأسسة الرداءة

يمر العالم المعاصر بمرحلة تاريخية حرجة، يُعاد فيها تشكيل الفضاء العمومي وصياغة وعي المجتمعات وفق مقتضيات السوق ومصالح الرأسمالية العولمية. وفي هذا السياق المأزوم، لم تعد المعرفة تطلب لذاتها كأداة للتحرر وتوسيع آفاق الوعي البشري، بل جري تسييقها وتشييئها لتتحول إلى سلعة تضبطها قوانين العرض والطلب. ولعل أبرز تجليات هذا الانزلاق البنيوى هو صعود نجم ما يُعرف بمراكز البحوث والدراسات، التي غدت ذراعا أيديولوجيا وثقافيا للهيمنة النيوليبرالية، تنهض بمهمة مأسسة نموذج من الرداءة الفكرية. حيث يتراجع الفكر النقدى الأصيل أمام زحف معايير النمطية والتبسيط والابتذال الوظيفي. إن قراءة هذا التحول المعرفي تفرض علينا تفكيك المفاهيم التي يتأسس عليها هذا النظام الجديد، وعلى رأسها مفهوم "الخبير أو البروفيسور" الذي حل محل المثقف النقدى والملتزم أو أصحاب الفكر الرصين المهتم بقضايا مجتمعه. فإذا كان المثقف يسعى بطبيعته إلى الكشف عن المسكوت عنه، ومساءلة الشرعيات السياسية والاقتصادية القائمة، فإن الخبير أو البروفيسور في مراكز البحوث في هذا العصر هو محض تقني في معبد السوق. لا يمتلك تساؤلات وجودية أو مجتمعية، بل تقتصر وظيفته على تقديم حلول إجرائية للمشكلات التي يفرزها النظام نفسه، دون أن يجرؤ يوما على التشكيك في بنيته أو عدالته. إن المعرفة التي ينتجها هؤلاء الخبراء هي "معرفة غائية بالطلب"، تمولها الاحتكارات الكبري والمنظمات المالية الدولية، لتصوغ قرارات السياسة العامة في قالب علمي زائف يوحي بالحياد والموضوعية، بينما هو في حقيقته انحياز سافر لمصالح الأقليات المالية أو الشركات التجارية والتسويقية الكبري على حساب الأغلبيات الشعبية. تخدم هذه المراكز، في جوهر بنيتها التمويلية والسياسية، التحالف العولمي القائم بين الشركات العابرة للحدود والنخب السياسية الحاكمة التي تخلت عن دورها الاجتماعي والرعائي. أما أجندتها العميقة فتتمثل في نزع الطابع السياسي عن الفضاء العام وتحويل القضايا المجتمعية الكبرى إلى مسائل إجرائية محضة. إن الفقر والتهميش، وتمركز الثروة، لم تعد في أدبيات هذه المراكز نتائج حتمية للاستغلال البنيوى، بل غدت عثرات تقنية تعالج من خلال ما يروج له باسم الحوكمة والإدارة الرشيدة. يكمن الخطر هنا في أن هذه المفاهيم، المستعارة أساساً من معجم الشركات ومجالس الإدارة، تعمل على إلغاء السياسة بمعناها النبيل كفعل ديمقراطي جماعي، محولة الدولة إلى مجرد مجلس إدارة يرعى شؤون السوق، والمواطنين إلى زبائن ومستهلكين مسلوبي الإرادة. من جهة أخرى، تعمل هذه المراكز كحارس بوابات للوعي الجمعي، إذ تسعى جاهدة لفرض سقف معرفي محدد لا يمكن تجاوزه. ومن خلال الضخ المعرفي المستمر، والتقارير الإحصائية المعقدة، واللقاءات الإعلامية اللامعة، تصنع توافقاا عاما زائفا يوهم الجماهير بأنه لا خيار آخر سوى الاندماج في المسار النيوليبرالي القائم. إن أى تفكير يسعى للبحث عن بدائل اقتصادية واجتماعية أكثر إنسانية يصنف فورا ضمن خانة عدم الواقعية أو الشعبوية المعطلة للتنمية. وبهذا المعنى، فإن هذه المؤسسات تمارس رقابة ناعمة وخفية لا تعتمد المنع المباشر، بل تستخدم آليات التهميش المعرفي والإقصاء التمويلي لكل فكر يغرد خارج السرب، مما يجبر النخب الأكاديمية على الانصياع لشروط السوق وتدجين عقولهم لتتلاءم مع متطلبات النمطية السائدة. إن مراكز البحوث في العصر النيوليبرالي ليست سوي معامل لتزييف الوعي وإنتاج المسوغات الأيديولوجية للاستبداد المالي ومأسسة الرداءة المعرفية. إنها الأداة التي تحوّل الفكر الإنساني من قوة محركة للتاريخ وقادرة على التغيير، إلى تروس صامتة في آلة الإنتاج الرأسمالي الكبير. ولمواجهة هذه الهيمنة، يغدو لزاماً على العقل النقدى المعاصر التحرر من سلطة هؤلاء الخبراء الموجهين، والعودة إلى ينابيع المعرفة المستقلة التي تضع كرامة الإنسان وعدالته الاجتماعية فوق حسابات الربح والخسارة.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

في المثقف اليوم