عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

سامح مرقس: الطبقة البرجوازية والدين

يناقش المقال العلاقة بين الطبقة البرجوازية والدين في اوروبا والعالم العربي مع اعطاء مساحة خاصة لتاثير الدين علي الطبقة البرجوازية المصرية التي ينتمي اليها كاتب المقال.

ظهرت الطبقة البرجوازية في اوروبا نتيجة للتحولات في البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية منذ أواخر العصور الوسطى، مع انهيار النظام الإقطاعي وبروز المدن، والتجارة، ثم الصناعة.

تسيطر البرجوازية على وسائل الإنتاج، وتستمد قوتها من رأس المال، وتشكل القوة الدافعة للاقتصاد الحديث. ولذلك، اعتبرها كارل ماركس الطبقة الحاكمة اقتصادياً، التي تستغل الطبقة العاملة لتحقيق الربح.

تميل الطبقة البرجوازية إلى دين يشجع على الطاعة واحترام القانون وتقدير العمل ونبذ الفوضى وحماية الملكية. كما يوفر الدين الاستقرار الاجتماعي، وهو أمر ضروري لازدهار التجارة والصناعة. ولذلك، دعمت الطبقة البرجوازية في القرون الماضية المؤسسات الدينية لترسيخ سلطتها السياسية، واستخدمت الدين كخطاب أخلاقي لتبرير النظام الاقتصادي.

تحولت البرجوازية الأوروبية تدريجياً إلى العلمانية عندما أصبحت قوية ولم تعد بحاجة إلى الشرعية الدينية، لكن الدين استمر في الوجود خارج المجالات السياسية والاقتصادية.

تختلف البرجوازية العربية عن البرجوازية الأوروبية لكونها طبقة تشكلت في ظل دولة ريعية، واقتصاد غير صناعي. وهي طبقة هجينة تجمع بين رأس المال التجاري والريعي أكثر من رأس المال الصناعي، وتتمتع بعلاقات سياسية قوية ومناصب إدارية رفيعة. تحصل البرجوازية العربية على امتيازاتها من خلال السلطة، وتعتمد على قربها من النخب السياسية؛ لذا فهي برجوازية تابعة سياسياً، وليست مستقلة اقتصادياً.

تتعايش الطبقة البرجوازية في العالم العربي مع الدين، مستخدمةً إياه كمصدر للشرعية الاجتماعية والسياسية، خاصةً ان طبيعة هذه الطبقة تستلزم خطابًا دينيًا محافظًا يضمن الاستقرار والطاعة واحترام السلطة، ويبرر الفوارق الطبقية. لذا، لا يوجد صراع بين البرجوازية العربية والدين، بل تحالف وظيفي؛ فالدين ينظم المجتمع، والبرجوازية تستفيد من الاستقرار، وتشجع خطاباً دينياً يحمي حقوق الملكية، ويرفض الفوضى، ويشجع العمل دون المطالبة بأجور عادلة أو مساواة اقتصادية.

قد يصبح الوضع متوتراً إذا دعت الأديان إلى تغيير جذري اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي، مثل حركة "لاهوت التحرير" في أمريكا اللاتينية، التي أعادت تعريف دور الدين في المجتمع، وجعلت الدين قوة سياسية وأخلاقية لتحرير الناس من الظلم، وقدمت قراءة جديدة للكتاب المقدس كنص منحاز للفقراء ومشروع للعدالة الاجتماعية.

تتميز البرجوازية المصرية بتاريخها العريق الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، وبتنوعها الكبير الذي يجمع بين الصناعة والتجارة ورأس المال الحديث، إلى جانب جهاز إداري قوي. بعد ثورة يوليو 1952، تضاءل نفوذ البرجوازية التقليدية، وبرزت برجوازية بيروقراطية مؤلفة من موظفي الدولة والعسكريين. ثم جاء عهد التحرير الاقتصادي في ظل حكم السادات، وبرزت طبقة برجوازية من رجال الأعمال والتجار وأصحاب الشركات الخاصة. واستمر هذا الوضع دون تحولات جذرية خلال عهد مبارك.

تميل الطبقة البرجوازية المصرية إلى دين محافظ يضمن الاستقرار الاجتماعي. وهي طبقة ليست علمانية تماماً ولا متدينة تماماً. تستخدم الدين عندما يخدم مصالحها، وتتجاهله عندما يقيد السوق أو يهدد السلطة.

يمثل ظهور جماعة الإخوان المسلمين علاقة معقدة بين الدين والطبقة البرجوازية المصرية. فقد تمكنوا من بناء شبكتهم البرجوازية الخاصة داخل الاقتصاد المصري، والتي نمت بشكل ملحوظ بفضل التبرعات المالية المنتظمة من أعضاء الجماعة ومن مصادر خارجية، وخاصة من دول الخليج، بالإضافة إلى أنشطتهم التجارية، مما جعلهم قوة اقتصادية كبيره.

اعتمدت جماعة الإخوان قوتها الاقتصادية لنشر أفكارها، التي تبنت القيم الاجتماعية المحافظة، والالتزام بالدين، ورفض القيم الحديثة، وأكدت على الانضباط والطاعة.

استخدمت جماعة الإخوان المسلمين التعليم المدرسي والجامعي للتأثير على المجتمع، ونجحت في التغلغل في نظام التعليم الحكومي وإنشاء مدارسها الخاصة التي تقدم التعليم بأسعار منخفضة. لم يهتم تعليم الإخوان بالإبداع والتفكير النقدي والعلوم الحديثة والفنون والفلسفة، بل ركز بدلاً من ذلك على تفسير العلوم تفسيراً دينياً، ودمج الدين في جميع المواد الدراسية، وعرض التاريخ من منظور ديني، وتعزيز الهوية الإسلامية على حساب الهوية الوطنية.

نجحت جماعة الإخوان المسلمين ايضا في استخدام الجامعات لإنشاء كوادر سياسية واجتماعية منذ سبعينيات القرن الماضي من خلال السيطرة على اتحادات الطلاب، وتقديم الندوات الدينية، والخدمات التعليمية مثل مجموعات الدروس الخصوصية، والكتب المخفضة، والدعم المالي للطلاب المحتاجين، مع الترويج لخطاب يربط الدين بالسياسة ويقدم الدولة ككيان يجب إصلاحه بالدين.

تراجع هذا التأثير بعد عام 2013، لكنه ترك بصمة طويلة الأمد على وعي الطبقة الوسطى.

كان هدف الإخوان المسلمين هو إقامة دولة ذات أساس ديني وفرض نظام يستمد قوانينه من الشريعة الإسلامية، من خلال بناء قاعدة اجتماعية واسعة، والسيطرة على النقابات والجمعيات والتعليم، مع توفير الخدمات الاجتماعية لبناء شبكات الدعم في الطبقة الوسطي.

وللتوضيح، يعتبر المؤلف "الطبقة الوسطى"، التي تعتمد على دخل ثابت من الوظائف المهنية والتعليم وتشكل قاعدة الدولة الحديثة، جزءًا من "البرجوازية المصرية"، على الرغم من الاختلاف الاقتصادي بينهما واعتماد البرجوازية على ملكية رأس المال وامتلاك النفوذ الاقتصادي والسياسي.

واجه مشروع جماعة الإخوان المسلمين تناقضات سياسية واجتماعية بسبب إنكارهم لقواعد الدولة الحديثة، التي تقوم على فصل الدين عن السياسة، بالإضافة إلى فشلهم في تقديم رؤية واضحة لشكل الدولة، والنظام الاقتصادي، ودور المرأة، والحريات الفردية، وطبيعة المواطنة في مجتمع متنوع.

يمكن تلخيص فشل حكم جماعة الإخوان المسلمين في تمسكها بأيديولوجية تتنافى مع مبادئ الدولة الحديثة، القائمة على المواطنة، وسيادة القانون، والمؤسسات القوية، وفصل السلطات، والحريات الفردية. يرتكز مشروع الجماعة على السلطة الدينية والولاء التنظيمي، ويتسم بالغموض الفكري، والازدواجية التنظيمية، وتجاهل التجارب السياسية والاقتصادية للعالم المتقدم. وقد أثبتت هذه التجارب أن الازدهار الوطني مرتبط ببناء المؤسسات، وتراكم المعرفة، وحرية الفكر، وسيادة القانون. فالدولة ليست مسؤولة عن خلق الفضيلة، أو مراقبة الضمائر، أو الانشغال بالهوية الدينية للأفراد.

كذلك، يرتكب الخطاب الديني السياسي خطأ فلسفيا عندما يتجاهل أن السياسة قابلة للمراجعة والتصحيح، وأن كل سلطة تخضع للنقد، وأن كل حاكم قابل للاستبدال، وأنه لا توجد حصانة دينية أو حماية للسلطة باسم المقدس.

أثرت المسيحية في الطبقة البرجوازية المصرية من خلال تشجيع التعليم والقضاء على الأمية، مما رفع مستوى تعليم الأقباط ويسّر صعودهم إلى الطبقة العليا. كما برع الأقباط في مجالات الإدارة والمالية منذ عهد محمد علي، مما جعلهم جزءًا مهمًا من الطبقتين الوسطى والعليا.

قبل عام ، 1952 كانت الطبقة البرجوازية القبطية جزءًا من النخبة المدنية والسياسية في مصر، ومثّلت ثورة 1919 ذروة الاندماج الوطني مع رفع شعار الهلال مع الصليب.

وللتوضيح، يُستخدم مصطلح الأقباط لوصف المجتمع المسيحي الأرثوذكسي، الذي يشكل غالبية المسيحيين في

***

بقلم استاذ دكتور سامح مرقس

في المثقف اليوم