عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

منى الصالح: هل المرأة عدوة المرأة حقًا؟

القهر المستبطن للنساء

كثيرًا ما تتداول النساء المقولة الشهيرة: "المرأة عدوة المرأة"، وهي مقولة طالما رفضتها؛ لأنها تبدو لي اختزالًا مخلًا لعلاقة إنسانية بالغة التعقيد. فهل نحن أمام نزعة فطرية تحكم التنافس البشري؟ أم أن ما نشهده أحيانًا من قسوة امرأة على أخرى هو نتاج عوامل بيئية وثقافية ونفسية وتاريخية تراكمت عبر الزمن؟

ما لمسته في تجاربي المتواضعة أثار دهشتي، ودفعني أحيانًا إلى استنكار بعض المواقف التي تصدر عن النساء أنفسهن. أتذكر، مثلًا، اتصال امرأة بنا لتكيل الاتهامات إلى نادٍ يضم شابات كن يناقشن قضية رفع الوصاية الذكورية عن المرأة؛ لأن مثل هذه النقاشات، في رأيها، قد تدفع الفتاة إلى الخروج عن طاعة أخيها أو عمها.

وكذلك حين استمعنا إلى خطيب مسجد يندد بالرجال الذين يسمحون لزوجاتهم أو بناتهم بالخروج من دون إذنهم، مستشهدًا بقوله تعالى: "قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة" (التحريم: 6)، وجدت المستمعات يتلقين هذا الخطاب بالرضا؛ فلم تعترض واحدة منهن أو تشعر بالإهانة، وإنما قابلنه بالابتسام والاطمئنان، وكأن هذا الوضع هو الأمر الطبيعي الذي لا ينبغي مساءلته.

هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:

 لماذا تبدو المرأة أحيانًا أكثر قسوة على امرأة أخرى؟ ومتى يحدث ذلك؟ ومن المستفيد من استمرار هذه الصورة؟ والأهم من ذلك: ما الذي مرت به المرأة عبر تاريخها حتى أصبحت بعض النساء يعِدن إنتاج القيود المفروضة عليهن، مع أنهن عانين منها؟

ربما تساعدنا بعض أفكار علم النفس والاجتماع والفلسفة على الاقتراب من فهم هذه الظاهرة. ذكّرني هذا السؤال بما قرأته في علم النفس والاجتماع عن علاقة المقهور بالقاهر، وبحالات تاريخية كان فيها بعض العبيد، وإن لم يكن ذلك قاعدة عامة، يخشون التحرر أو يعجزون عن تخيله. يقدم مارتن سليغمان، في نظرية "العجز المتعلم"، تفسيرًا نفسيًا مهمًا؛ فعندما يتعرض الإنسان طويلًا لأوضاع مؤلمة لا يستطيع التحكم فيها، قد يتعلم تدريجيًا أن أفعاله لن تغير شيئًا. وحين تتغير الظروف لاحقًا، ويصبح التغيير ممكنًا، قد لا يحاول؛ لأنه اعتاد الاعتقاد بأن المحاولة بلا جدوى، وأن عجزه قدر لا يمكن تجاوزه.

 وهنا أتذكر الحكاية الشائعة عن الفيل الذي يربط منذ صغره بحبل صغير، فيتعلم أن مقاومته لا جدوى منها، ثم يظل، بعد أن يكبر ويصبح قادرًا على قطع الحبل، أسيرًا لحدود لم تعد موجودة إلا في وعيه. أحيانًا لا تبقى القيود خارج الإنسان، وإنما تنتقل إلى داخله.

عاشت المرأة، عبر تاريخ طويل، في مجتمعات وحضارات مختلفة، ضمن تصورات تحدد لها أدوارها وترسم حدودها، وتحصرها في الإنجاب والمنزل والطاعة والرعاية والامتثال لما يقرره الآخرون لها. لم يقتصر ذلك على الثقافة العربية أو الإسلامية، فقد ظهرت تصورات مماثلة في حضارات ومجتمعات كثيرة. في الفلسفة اليونانية القديمة، مثلًا، نجد لدى أرسطو تصورًا هرميًا للعلاقة بين الذكر والأنثى؛ إذ عد الرجل صاحب سلطة طبيعية، ووضع المرأة في منزلة الخضوع له. لم تكن المسألة مجرد قوانين تكتب، وإنما كانت منظومة متكاملة تصوغ صورة المرأة عن نفسها.

 فهل كانت المرأة قادرة على أن تضع اسمها تحت قصيدتها بالجرأة نفسها التي يضع بها الرجل اسمه؟ أم أن كثيرًا من النساء اضطررن إلى الاختباء خلف اسم رجل، أو قريب، أو اسم مستعار، حتى يسمح لصوتهن بأن يسمع؟

إذا نشأت المرأة في بيئة تردد على مسامعها باستمرار: "هذا ليس لك"، و"لا ترفعي سقف طموحك"، و"لا تكوني جريئة"، و"ماذا سيقول الناس؟"، و"هذه حدود المرأة"، فقد تتعلم تدريجيًا أن تجاوز هذه الحدود غير ممكن أو غير آمن. وعندما تأتي امرأة أخرى وتحاول تجاوزها، قد لا يكون رد فعلها نابعًا من كراهية شخصية، بقدر ما يكون دفاعًا عن العالم الذي اعتادت العيش داخله: "لماذا تتجاوزين الحدود التي التزمنا بها جميعًا؟".

القهر المستمر، كما تشير نظرية "العجز المتعلم"، يفقد الإنسان ثقته بقدرته على التغيير، ويزرع فيه الخوف من المحاولة وتحمل المسؤولية ومواجهة المجهول. من اعتاد أن تكون قراراته بيد شخص آخر قد يخشى امتلاك قراره، فتقول المرأة التي استبطنت القيود المفروضة عليها: "لقد عشت هكذا، فلماذا لا تعيشين مثلي؟". وهنا تكتسب أفكار باولو فريري في كتابه "بيداغوجيا المقهورين" أهمية خاصة؛ فالمقهور قد يستبطن صورة القاهر وقيمه، فلا يكتفي بقبول النظام الذي قهره، وقد يعيد إنتاجه ويفرضه على الآخرين. وإلا فما الذي يدفع امرأة عانت من هيمنة النظام الذكوري في المنزل والعمل، ومن التهميش في مختلف مجالات الحياة، إلى ممارسة القهر ذاته على زميلاتها حين تتولى منصبًا ما؟

لا يعني هذا أن كل امرأة مقهورة ستصبح قاهرة، أو أن المرأة مسؤولة عن النظام الذي قيدها، لكنه يفسر كيف يستمر القهر بعد غياب القاهر المباشر، وكيف يمكن أن يتحول السجين إلى سجان. المرأة التي عاشت داخل منظومة تحدد قيمتها وفق معايير صنعها المجتمع، قد تتحول مع مرور الوقت إلى حارسة لهذه المعايير، فتكيل الاتهامات إلى امرأة أخرى لأنها أكثر استقلالًا وجرأة، أو مختلفة في مظهرها، أو اختارت طريقًا غير مألوف، أو رفضت الدور التقليدي، أو قالت "لا" حين اعتادت نساء كثيرات قول "نعم".

 هنا يصبح القهر أعمق من القيد الخارجي؛ لأنه ينتقل إلى وعي الإنسان، فيغدو ما فرض عليه جزءًا من تعريفه لما هو طبيعي وصحيح، ولما ينبغي أن تكون عليه الحياة. لماذا تخاف امرأة من حرية امرأة أخرى؟ والسؤال الأعمق: لماذا تدافع امرأة دفاعًا مستميتًا عن قيود اجتماعية استطاعت امرأة أخرى تجاوزها؟ ربما لأن المرأة الحرة تضع أمامها سؤالًا لم تكن تريد مواجهته: "إذا استطاعت هي، فلماذا لم أستطع أنا؟".

المرأة التي تختار طريقًا مختلفًا لا تعيش حياتها فقط، وإنما قد تصبح، من دون أن تقصد، مرآة تكشف لنساء أخريات إمكانات لحياة لم يجرؤن على التفكير فيها. ويمكن هنا الاستعانة بـ "نظرية تبرير النظام" التي ارتبطت باسم عالم النفس الاجتماعي جون جوست؛ إذ تشير إلى أن البشر قد يميلون إلى تبرير النظام الاجتماعي القائم، حتى حين لا يكون في صالحهم؛ لأن الاعتقاد بأن العالم منظم، وأن ما يجري فيه يستند إلى مبررات، يمنحهم قدرًا من الاستقرار النفسي، ويخفف شعورهم بالفوضى والعجز.

ولهذا قد تصبح المرأة التي تكسر القاعدة مصدر إزعاج، لا لأنها آذت أحدًا، وإنما لأنها تزلزل اليقين الذي عاش عليه الآخرون، فوجودها يقول، من دون أن تتكلم: "كان يمكن أن تكون حياتنا مختلفة". وهذا الاحتمال وحده قد يكون مخيفًا. فهل يمكن أن تكون الحرية مخيفة إلى حد يجعل المرأة تفقد ثقتها بنفسها، وتتشوه صورتها في نظر ذاتها، وتظل أسيرة السعي إلى رضا زوج ذي سلوك نرجسي، رافضة الاستقلال والخروج من العلاقة المؤذية؟

 هنا أجد نفسي أعود إلى إريك فروم في كتابه "الخوف من الحرية"، فالإنسان حين يتحرر من القيود الخارجية لا يصبح بالضرورة أكثر سعادة؛ لأن الحرية تعني أيضًا المسؤولية والاختيار والقلق واحتمال الخطأ وتحمل نتائج القرار. لهذا قد يهرب الإنسان أحيانًا من الحرية إلى التبعية؛ لأنها تمنحه شعورًا بالأمان والانتماء، حتى إن كان ثمن ذلك استقلاله. وهذا يفسر، جزئيًا، لماذا قد تتمسك امرأة بعلاقة مؤذية. إذا تعلمت منذ طفولتها أن قيمتها مرهونة برضا الآخرين عنها، فقد لا يكون التحرر بالنسبة إليها مجرد باب يفتح، وإنما مواجهة عالم كامل لم تتعلم كيف تعيش فيه.

حين تصبح المعايير الاجتماعية جزءًا من تعريفها لذاتها القيمية، ولما يعني أن تكون "امرأة محترمة"، و"امرأة جيدة"، و"امرأة مقبولة"، و"امرأة صابرة"، و"امرأة مضحية"، تظهر أهمية مفهوم "العنف الرمزي" لدى بيير بورديو؛ فالعنف لا يمارس دائمًا بالقوة المباشرة، وقد تصبح علاقات القوة مألوفة إلى حد يتعامل معها الناس على أنها طبيعية، ويعيدون إنتاجها من دون حاجة إلى إكراه ظاهر.

 هكذا قد تتحول المرأة من ضحية للمعايير إلى حارسة لها، ومن متلقية للقواعد إلى من تفرضها على بناتها. الأم التي عانت من أب ذكوري قاسٍ حرمها كثيرًا من حقوقها، قد تصبح أكثر قسوة على ابنتها، لا لأنها تكرهها بالضرورة، وإنما لأنها تعتقد أنها تحميها. فهل تكفي إزالة القيود كي نصبح أحرارًا؟ ربما تقودنا هذه الأسئلة إلى "جدلية السيد والعبد" عند هيغل. العلاقة عند هيغل ليست مجرد علاقة بين شخصين؛ فهي علاقة بالاعتراف والوعي بالذات والاعتماد المتبادل أيضًا.

من هنا يمكن فهم أن الانتقال من التبعية إلى الحرية لا يتحقق بمجرد إزالة القيد الخارجي؛ فالإنسان يحتاج إلى إعادة بناء وعيه بذاته، واكتشاف قدرته على الاختيار. وهذا يقودنا إلى السؤال الأهم: هل يكفي أن تمنح الإنسان الحرية حتى يصبح حرًا؟ قد تفتح له الباب، لكن هل يستطيع الخروج؟ وقد تزيل القيد، لكن هل يستطيع تصديق أنه لم يعد موجودًا؟ قد تقول للمرأة: "أنت حرة"، لكن ماذا لو أصبح صوت المجتمع جزءًا من صوتها الداخلي؟

هنا أتذكر إيمانويل كانط ومقالته الشهيرة "ما التنوير؟"، حين ربط الخروج من حالة الوصاية بامتلاك الشجاعة لاستخدام العقل بصورة مستقلة. الوصاية ليست دائمًا شخصًا يقف فوق رأس الإنسان ويأمره؛ إذ قد تتحول إلى صوت يسكن داخله. وهكذا يغدو التحرر أكثر تعقيدًا من فتح باب أو تغيير قانون؛ لأن الإنسان يحتاج إلى إعادة بناء صورته عن ذاته، واكتشاف أنه قادر على الاختيار، وأن ما اعتاده ليس بالضرورة ما ينبغي أن يستمر. فهل المرأة عدوة المرأة؟ ربما آن الأوان أن نتوقف عن استخدام هذه العبارة كأنها تفسير جاهز. المرأة ليست عدوة المرأة بطبيعتها، كما أن الرجل ليس بالضرورة عدوًا لها، غير أن المرأة قد تتحول، في بعض الظروف، إلى أداة في يد النظام الذي يقيدها، وقد تفعل ذلك وهي تظن أنها تحمي القيم أو الأسرة أو ابنتها أو حتى نفسها.

 لهذا لا تكفي محاسبة المرأة وحدها على إعادة إنتاج القهر. علينا أن نسأل: من علمها أن هذه القيود ضرورية؟ من أقنعها بأنها طبيعية؟ من أضفى عليها طابعًا بيولوجيًا، مع أنها نتاج اجتماعي؟ من ربط الشرف بجسدها؟ من جعل الطاعة فضيلة مطلقة، والتضحية معيارًا للحكم على صلاح المرأة؟ ومن أقنعها بأن المرأة "المحترمة" هي التي تصمت وتصبر وتطيع وتتنازل وتتحمل؟ وربما كان السؤال الأهم: ماذا يحدث حين تقتنع المرأة بأن القيد الذي فرضه المجتمع عليها جزء من طبيعتها، فتدافع عنه كأنها تدافع عن ذاتها؟

***

منى الصالح - كاتبة سعودية

في المثقف اليوم