عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

غالب المسعودي: الشرق الأوسط ونزاعات الاستنزاف المفتوحة

تفكيك فلسفي لجيوبوليتيك الهدْر واستلاب الوعي النقدي

ديناميات الصراعات المفتوحة وسرديات اللانتيجة

تتسم التحولات السياسية والاجتماعية الراهنة في منطقة الشرق الأوسط بظاهرة مركبة وبالغة التعقيد، تتجاوز في طبيعتها أطر التوصيف العسكري الكلاسيكي. تتمثل هذه الظاهرة في اندلاع متوالية ممتدة مما يمكن تسميته "النزاعات بلا سقف"، وهي حروب وصراعات مستمرة لا تتبع المنطق الحربي التقليدي القائم على السعي نحو الحسم الإستراتيجي، وإخضاع الخصم، وفرض واقع سياسي جديد ومستقر. بل تتدفق هذه الصراعات بوصفها مسارات دائرية مغلقة تسيل فيها الدماء، وتُهدر من خلالها الثروات والمقدرات البشرية والمادية، دون أن تفضي إلى تسويات تاريخية قارة أو مخرجات تنموية تعيد بناء المجتمعات المنكوبة. وبدلاً من أن تكون الأزمة حالة استثنائية طارئة تسعى الأطراف إلى تجاوزها، يجري تكريسها وتثبيتها لتغدو بنية هيكلية وظيفية مستدامة، مهمتها إدارة حالة الفوضى القائمة وإعادة إنتاجها على نحو ممنهج.

تبتعد هذه النزاعات ابتعاداً جذرياً عن النموذج الكلاوزفيتشي الكلاسيكي، الذي طالما نظر إلى الحرب بوصفها "امتداداً للسياسة بوسائل أخرى"؛ أي بوصفها أداة عقلانية موجهة لخدمة أهداف سياسية واضحة ومحددة زمنياً ومكانياً. وبدلاً من ذلك، تلتقي صراعات الشرق الأوسط الراهنة مع التفكيك المعاكس الذي بلوره ميشيل فوكو، ومفاده أن "السياسة ذاتها قد استحالت استمراراً للحرب بوسائل مغايرة". ففي هذا السياق المأزوم، تُصمم الدبلوماسية، والتحالفات الإقليمية، والإجراءات الاقتصادية، والخطابات الإعلامية، لغرض وحيد هو تأبيد حالة النزاع، ومنع الوصول إلى لحظة السلام الحقيقي، وإبقاء المجتمعات في حالة استنفار دائم يُغذي السلطات القائمة ويضمن استمرار هيمنتها على مقاليد الحكم والمجال العام.

يقودنا تفكيك هذه الصراعات، استناداً إلى المنظور النقدي لجاك دريدا، إلى إزاحة الستار عن التناقضات العميقة التي تقوم عليها خطابات السيادة ومنظومات العنف المشرعن في النظام الدولي المعاصر. ففي الوقت الذي تدّعي فيه القوى الكبرى والمنظومات الإقليمية سعيها لفرض الاستقرار ومكافحة الإرهاب وبناء الأمن، تُظهر الممارسة العملية أن آليات إدارة حروب الوكالة ليست سوى إدارة واعية لسياسة "اللاحسم". إن الإبقاء المتعمد على الصراعات معلقة في منطقة برزخية رمادية،تقع بين الحرب الشاملة والسلم المفقود،يمنع تشكل أي عقد اجتماعي وطني جامع، ويحول دون بناء مؤسسات دستورية تحمي الحريات وتصون كرامة الأفراد وحقوقهم الأساسية.

جدلية الصلابة والسيولة: مأزق الاستنزاف الهجين

شهدت العقيدة القتالية في المنطقة تحولاً جذرياً يتمثل في التخلي التدريجي عن فكرة "المعركة الحاسمة" لصالح إستراتيجيات الإنهاك المتواصل والتعطيل البنيوي الشامل. ويتأتى هذا المأزق نتيجة تقاطع غير متكافئ بين نمطين من التفكير العسكري:

النمط الأول يمثل الجيوش النظامية وحلفاءها، وهي قوى تعتمد على التفوق التقني والكثافة النارية الصارمة؛ والنمط الثاني تمثله القوى غير النظامية والفاعلون الهجينون، الذين يوظفون أساليب الحركة السائلة، والمراوغة، وتجنب الصدام الجبهوي المباشر، والتواري في النسيج العمراني والاجتماعي.

يولد هذا التصادم بين الصلابة العسكرية والسيولة الميدانية مسرحاً واسعاً من الضبابية القاتلة. فلا القوة النارية الهائلة قادرة على سحق المقاومة وإنهاء التمرد، ولا التشكيلات الهجينة تمتلك القدرة أو الرؤية لبناء دولة حديثة وضمان التنمية والاستقرار. والنتيجة الحتمية لهذا التعادل السلبي هي تحول مساحات شاسعة من الشرق الأوسط إلى ميادين لهدر الطاقات، واستنزاف الموارد الحيوية، وتآكل الطبقة الوسطى، وتحويل حياة المجتمعات إلى جحيم يومي مستدام لا يحمل أي أفق زمني للخلاص.

تفكيك بنيات السيادة وسلطة الإماتة

يُشكل مفهوم "حالة الاستثناء" لدى الفيلسوف جورجيو أجامبين مدخلاً نظرياً جوهرياً لتفكيك تحولات السلطة السيادية في المنطقة. يرى أجامبين أن السيادة في الدولة الحديثة لا تتحدد بمدى قدرتها على تطبيق القانون والعدالة، بل في قدرتها المطلقة على تعليق العمل بالقانون وإعلان الطوارئ الدائمة. وفي هذا الفضاء السيادي المعلق، يُجرد الإنسان من صفته كمواطن يحمل حقوقاً وواجبات، ليتحول إلى "حياة عارية"؛ مجرد جسد بيولوجي مستباح يجوز إلحاق الأذى به أو قتله دون أن يترتب على ذلك ارتكاب جريمة معترف بها في النظام القضائي، ودون أن تتوفر له أدنى حماية دستورية.

وفي امتداد لهذه الرؤية، يطور المنظر السياسي أشيل مبيمبي أطروحة "السياسة الحيوية" لينقلها إلى مفهوم "سياسات الموت" أو "سلطة الإماتة". يرى مبيمبي أن التعبير الأقصى عن السيادة والهيمنة المعاصرة لا يكمن في تنظيم الحياة وتنميتها، بل في امتلاك القدرة والجاهزية لتحديد من يحق له أن يحيا ومن يُحكم عليه بالفناء والتلاشي.

تخلق هذه السياسات ما يسميه مبيمبي "عوالم الموت"، وهي فضاءات اجتماعية يُدفع إليها ملايين السكان عبر الحصار المطبق، وتدمير مصادر الطاقة والمياه، وقصف المشافي، وتعطيل البنية التحتية للحياة. في هذه العوالم، لا تتوقف سلطة الموت عند حدود القتل المباشر بالرصاص والصواريخ، بل تتسع لتشمل "الإهلاك البطيء"؛ وهو القتل التدريجي الناتج عن التلوث، وانعدام الدواء، وتفشي الأوبئة، وتجفيف سبل العيش الكريم، حيث تغدو الأجساد البشرية أرقاماً هامشية لا قيمة لها في حسابات الساسة.

من القهر السياسي إلى الهدْر المجتمعي الشامل

يقدم المفكر وعالم النفس الاجتماعي مصطفى حجازي في كتابه التأسيسي "الإنسان المهدور" تشخيصاً سوسيولوجياً ونفسياً بالغ العمق للتحولات التي أصابت الإنسان في البيئة العربية ومجتمعات النزاع. يرى حجازي أن مفهوم "القهر"،الذي ركز سابقاً على كبت الحريات ومصادرة الرأي من قبل الأنظمة التسلطية،لم يعد كافياً لاستيعاب عمق الكارثة الراهنة. لقد انتقلت المجتمعات المأزومة من مرحلة القهر إلى مرحلة (الهدْر الشامل).

إن الهدر، بحسب هذا التفكيك، هو أقصى درجات إنكار الإنسانية؛ إذ لا يكتفي بإسكات صوت الإنسان، بل يُلغي قيمته الوجودية بالكامل، ويتعامل معه بوصفه كائناً زائداً عن الحاجة، ولا يستحق أي رعاية أو اعتراف. لا يقتصر الهدر على إراقة الدماء في المعارك، بل يمتد ليطال:

هدر العقل والوعي: من خلال تدمير المؤسسات التعليمية والأكاديمية، وإفراغ المناهج من الحس النقدي.

هدر الطاقات والكفاءات: بدفع العقول المبدعة والشباب نحو الهجرة القسرية أو الاستسلام للبطالة والإحباط.

هدر الزمن والتاريخ: بإغراق المجتمع في أزمات معيشية تافهة ومفتعلة تبتلع طاقته اليومية وتمنعه من التفكير في مستقبله وبناء مشروعه الحضاري.

تدجين الوعي وإنتاج الإنسان ذي البعد الواحد

يستكمل التحليل النقدي المعاصر أطروحة الفيلسوف هربرت ماركوزه حول "الإنسان ذو البعد الواحد"، مبيناً كيف تُسخّر آلات الدعاية والتقنية الحديثة في مناطق النزاعات بلا سقف لتطويق الوعي وتدجينه. يُوظف الإعلام التعبوي لخدمة الخطاب الحربي وشحن الغرائز الطائفية والقبلية، وتُفرغ المفاهيم السياسية والأخلاقية من معانيها الحقيقية؛ فتتحول مفردات مثل "التحرير"، و"المقاومة"، و"الصمود"، و"السيادة" إلى أصنام لغوية وشعارات فارغة تُستخدم حصراً لتبرير استمرار الخراب وتسكين النقد والمساءلة.

يُنتج هذا التضليل المنظم حالة من "الاستلاب الشامل للوعي النقدي". يعتاد الأفراد مشاهد الموت والدمار اليومي حتى تصبح جزءاً من الطبيعة العادية للأشياء، وتتلاشى قدرتهم على تخيل بدائل سياسية واجتماعية خارج منطق البندقية والاصطفاف الأيديولوجي الأعمى. يتراجع حضور المثقف النقدي والمفكر المستقل، ويُفسح المجال واسعاً للمروجين والشعبويين الذين يقتاتون على إدامة النزاع، الأمر الذي يُجهض أي فرصة لولادة وعي تنويري يمتلك الجرأة على تفكيك بنية التسلط ومساءلة صناع الحروب المفتوحة.

مستويات التفكك البنيوي في متوالية اللاحسم

إن النزاعات بلا سقف في الشرق الأوسط تولد تفاعلات متسلسلة تعصف بكافة البنى المجتمعية، وتنتظم في أربعة مستويات رئيسية تكشف عمق الأزمة البنيوية:

المستوى الجيوسياسي والإقليمي: يتجلى عبر تدويل النزاعات وتنامي حروب الوكالة القائمة على مذهب اللاحسم الممنهج، الأمر الذي يفضي بنيوياً إلى تآكل سيادة الدول الوطنية، وتحويل أراضيها إلى مسارح اشتباك مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية دون سقف زمني أو سياسي.

المستوى السيادي والقانوني: يتمثل في الإعلان الدائم لحالة الاستثناء، وممارسة سياسات الإماتة بحق الفئات المستضعفة، مما يؤدي إلى تقويض المنظومات القانونية والدستورية، وتجريد المواطنين من حقوقهم الإنسانية، وتحويلهم إلى كائنات مستباحة في فضاءات تفتقر للعدالة والمساءلة.

المستوى السوسيولوجي والإنساني: ينعكس في التحول الشامل من ممارسات القهر والتسلط التقليدي إلى منظومة الهدر المعمم، مما يسفر عن تعطيل التنمية الإنسانية، واستنزاف رأس المال البشري، وتحويل الإنسان من فاعل في التاريخ إلى عنصر فائض ومهمل.

المستوى الفكري والرمزي: يتبدى في توظيف الأجهزة الإعلامية والتقنية لتزييف الوعي وصناعة الفرد الأحادي البعد، وهو ما يؤدي إلى تراجع العقلانية، واختفاء الحوار الديمقراطي، وتكريس خطابات التكفير والتخوين التي تسد آفاق التنوير والتغيير.

نحو استعادة الفاعلية والوعي النقدي

تُبرهن القراءة التفكيكية الفلسفية على أن نزاعات الشرق الأوسط ليست مجرد تعثرات عسكرية أو إخفاقات سياسية آنية، بل هي تعبير مكثف عن هيمنة "العقلانية الأداتية" الصلبة، التي تحول البشر والأوطان إلى وسائل وأدوات لتحقيق مصالح ضيقة ومكاسب نفوذ مجردة من أي بعد أخلاقي. لكسر هذه الحلقة المفرغة ووقف متوالية الهدر، تبرز الحاجة الفكرية والوجودية إلى التأسيس لـ "عقلانية تواصلية" وفق ما نظّر له يورغن هابرماس. تقوم هذه العقلانية على إعادة الاعتبار للغة الحوار غير المشروط، وإحياء المجال العام ليكون فضاءً للتداول الحر، وبناء التوافقات المجتمعية بعيداً عن القهر ولغة السلاح والإكراه.

كما يتطلب التحرر الفعلي مأسسة "أخلاقيات الاعتراف" كما صاغها أكسل هونيث، والتي تقتضي الانتقال الحاسم من علاقات الإقصاء والاحتقار والاستباحة إلى أفق يعترف بالقيمة الوجودية والكرامة الذاتية لكل إنسان. إن استرداد الوعي النقدي يمثل نقطة البداية لتفكيك سرديات التبرير الحربي، وإعادة تعريف السيادة لتكون نابعة من إرادة الإنسان وحمايته، ولتصبح الكرامة والحرية والحياة غايات عليا لا تقبل المساومة على مذابح النزاعات المفتوحة.

***

غالب المسعودي

في المثقف اليوم