تَعَرَّضنا في المقالةِ السابقةِ لملابساتِ ظهور الفيلمِ وعرْضِهِ، وتحليل الجدلِ الذي دارَ حوله، وفي هذه المقالةِ، نتناولُ جوهرَ ما وردَ في الفيلم، وما ينطوي عليه من مضمون.
إن جزئيات الفيلمِ المطروحة داخله متعددة لو تتبعنا كلَّ جزئيةٍ على وجه التفصيل، غير أنني أريدُ تناولَ جوهر الرسالة التي كانت من الأهداف الرئيسة للفيلم، ألا وهي: فكرة تقبُّلِ المُلْحِدِ والتعايش معه، كما أقرَّ بذلك مؤلِّفُ الفيلمِ نفسه (١).
الفيلمُ يبدأ بحدثٍ درامي، حينما يأتي الشابُّ المُلحد (والذي يعيشُ في أسرة يمثلُ والدُه الركن المنغلق المتزمت فيها) ليرفضَ زواجَ أخته القاصر، الذي كان على وشْكِ الإتمام، ثم يُعلن بعد ذلك أنه «كَفَرَ»، وكانت هذه صدمةٌ لوالده المنغلق، حيث كان هذا الشاب يعيشُ في البيتِ مع والده وهو مُلحد، ولكنه يخفي إلحادَهُ عن والده، ولكن أتت اللحظةُ التي اعترفَ فيها بذلك، كما ذكَرنا.
- حَدُّ الرِّدَّةِ:
بمجرد إعلان الشاب عن إلحاده؛ شَرَعَ والدُه في عَقْدِ جلسات استتابة له، للعودة عن هذا الإلحاد، وإلا كان مصيره القتْل! وهنا أضعُ يدي على نقطةٍ رئيسةٍ، أريدُ مناقشتَها في هذا الصدد، وهي: تتبع النص القرآني المُقدَّس -أولًا- لنلتمسَ فيه وجود حدٍّ للردة مِن عدمه.
بدايةً، فإنه لا توجَد آيةٌ واحدةٌ مِن القرآن تتحدثُ عن قتْل المرتد؛ بل على النقيضِ من ذلك، توجد بعضُ الآياتِ التي تؤكد نفْي أي وجود لحدٍّ على مَن يرتد عن دينه، وأسوقُ هذه الآيات على النحو التالي:
في قوله تعالى: «إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ٱزۡدَادُوا۟ كُفۡرࣰا لَّمۡ یَكُنِ ٱللَّهُ لِیَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِیَهۡدِیَهُمۡ سَبِیلَۢا». [سورة النساء، الآية: ٣٧]. دليلٌ واضحٌ على إمكانية تكرر تَرْكِ الدينِ دون الإشارةِ إلى أيَّةِ حدود على ذلك الفعل، فمعنى هذه الآية: «أن الذين "تكررَ" منهم الارتداد، وعُهِدَ منهم ازديادُ الكفر والإصرار عليه؛ يُستبعَد منهم أن يُحدِثوا ما يستحقون به المغفرة...وليس المعنى أنهم لو أخلصوا الإيمان بعد تَّكْرارِ الرِّدَّةِ، ونصحتْ توبتُهم لم يُقبل منهم ولم يُغفر لهم» (٢).
فالزمخشريُّ، في نصه السابق، يشيرُ إلى إمكانية «تكرُّر» الارتداد، كما وضعتُها بين قوسيْن في النص المُقتبَسِ، حين قال: إن الذين «تكررَ» منهم الارتداد، وهذه دلالةٌ واضحةٌ على عدم وجود حد للردة، لأنه إن كان موجودًا؛ لَمَا كان هناك إمكانية من الأساس لتَكْرارِ الارتداد؛ إذ بمجرد أن يرتد سيتم قتْلُه.
كما أن الآية بنفسها واضحةٌ دون التفافات، إذ تقول: إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا، وأنا أسألُ: كيف سيتحقق الإيمانُ ثم الكفر، ثم الإيمان ثم الكفر، ثم الازدياد في الكفرِ لو كان هناك حد للردة؟ الآية تشيرُ بقوةٍ إلى إمكانية حدوث الإيمان ثم الارتداد أكثر من مرة، ثم لا تُخْتم بأية إشارة إلى حد ردة على هذا الارتداد، وإنما تُختم بقوله تعالى: لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلًا. هذه هي العقوبة، ولا إشارة بالمرة إلى عقوبة بالحد، بل على النقيض من ذلك، نجد الزمخشري يشيرُ، كما في الاقتباس السابقِ له، إلى أنه ليس المراد أن الله أغلقَ في وجوههم بابَ التوبة، أي رغم كل هذا الارتداد، إلا أن الله لو وجدَ فيهم مَن تَحسُن توبته، لقَبِلَها.
وهناك آيةٌ أخرى، يقول تعالى: «وَمَن یَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِینِهِۦ فَیَمُتۡ وَهُوَ كَافِرࣱ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةِۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ». [سورة البقرة، مِن الآية: ٢١٧]. فتَذْكُرُ الآيةُ حالَ الارتداد، ثم تقول: «فَيَمُتْ وهو كافرٌ»، ولم تَقُلْ: «يُقْتَل»، وهناك فارق بين الموت والقتْل، كما نصَّ الباري على ذلك في قوله تعالى: «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولࣱ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِی۟ن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰۤ أَعۡقَـٰبِكُمۡۚ». [سورة آل عمران، مِن الآية: ١٤٧]. فتُفرِّقُ الآيةُ بين الموت والقتل؛ وعلى ذلك تُصبح الآية التي تقول: «ومَن يرتدد منكم عن دينه فَيَمُتْ وهو كافرٌ»، دليلًا على انتقاءِ حد الردة تمامًا من آيات القرآن الكريم، وأن هذه الآيات تشيرُ إلى عقوبات أخروية فقط، بينما يبقى هذا المرتد في مجتمعه له حرية الإيمان أو نقيضه، كما كَفَلَها له الباري عزل وجل، بقوله: «فَمَن شَاۤءَ فَلۡیُؤۡمِن وَمَن شَاۤءَ فَلۡیَكۡفُرۡۚ إِنَّاۤ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّـٰلِمِینَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ». [سورة الكهف، مِن الآية: ٢٩]. فدلالة الآية تَسند إلى العبد مشيئةَ اختياره للكفر أو الإيمان، ثم تأتي العقوبة بعد هذه الكلمة بقوله تعالى: «إنَّا أعتدنا للظالمين نارًا»، أي نسبَ العقوبة لنفسه، يقوم بها في حق مَن يكفرُ بها عن عناد واستكبار بعد تيقنه من الحق.
وبعد تتبُّع هذه الآيات؛ يتبيَّنُ عدم وجود أي حد للردة في آيات القرآن الكريم، وإنما الذي يوجد على النقيض من ذلك؛ ينفي حد الردة، ويَكْفُلُ حقَّ الاختيارِ للإنسان، لأن الإسلام لا يريد منافقين فيه نُبْقيهم بجد السيف والتهديد بالقتل في حال الردة؛ فالمرتد الصريح الذي يُعلن ذلك أقل خطرًا من المنافق الذي يكون بين صفوف المسلمين، بينما هو في قرارة نفسه لا يؤمن بأي مما يؤمنون به.
- حديث حد الرِّدَّةِ:
فرغنا من تناول النصوص قطعية الثبوت: القرآن الكريم، والتي هي نصوص مُقدَّسة، ولكن الإشكال يتمثل في الانتقال إلى الاستدلال بالحديث الشهير في حد الردة، والذي جاء فيه: «أن عليًّا حَرَّقَ قومًا، فلما بلغَ ابنَ عباسٍ قال: لو كنتُ أنا لم أحرِّقْهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تعذِّبوا بعذاب الله، ولَقَتَلْتهم، كما قال النبي، صلى الله عليه وسلم: مَن بدَّلَ دينَه فاقتلوه» (٣).
وهذا الحديث في رأيي يتضاد مع آيات القرآن الكريم قطعية الثبوت، التي ذكرناها سابقًا؛ إذ ينطقُ بنقيض مدلولها في إمكانية تكرر الارتداد أكثر من مرة لا مرة واحدة، ثم لا تُقرر الآية أي حد لهذا، على الرغم من أن الله قد نصَّ على أشياءَ في القرآنِ بلفظ: «تلك حدود الله»، فكيف بحد كحد الردة يترتبُ عليه إهدار دم الناسِ لا يُذكَر، رغم تعرُّضِ بعض الآيات للارتداد؟ كما أن بداية الحديث بها ما يشير إلى اضطراب وضعف هذا الحديث، إذ يَرِد في بدايته أن الإمام علي بن أبي طالب، عليه السلام، أحرقَ جماعةً من الناسِ بالنار، ثم استدرك عليه ابنُ عباس عند علمه بهذا الخبر، فأقولُ: أولًا: كيف للإمام علي أن يُقْدِمَ على هذا الفعل الشنيع؟ وهل فات الإمام ما انتبه إليه ابن عباس؟! مع أن الإمام معروف بالعِلم والفقه في الدين، كل هذه مؤشرات مصاحبة تدل على بطلان هذا الحديث، الذي يتخذه بعضُهم ذريعة لإجبارِ غيرهم على دينهم، وخَلْق حالة من النفاق الاجتماعي، لا الإيمان الراسخ العميق عن قناعة بالله.
الإلحاد والمجتمع
ثم نأتي إلى نقطة أخرى، وهي قول بعضهم إنه -الإلحاد- خطرٌ على المجتمعِ، وسيشكِّكُ الناسَ في معتقداتهم، وردًّا على هذا الأمر، أقولُ: إن مَن يكون بهذه الخشية مِن أفكار دائمًا يقول عنها إنها باطلة؛ سيكون بذلك ضعيف الإيمان؛ إذ ما الإيمان الذي يهتز في قلبِ صاحبه بمجرد إطلاق بعض التشككاتِ حوله والنقاشات لمبادئه؟ هذا لن يكون إيمانًا عميقًا؛ وإنما ضعفًا وهشاشة، يخشى أصحابُها مِن أقل الشبهات، وحينئذ لا يحق لهم أن يصفوا إيمانهم بالقوة ولا الرسوخ؛ فبعضهم في أقل نقاش يتساقط إيمانُه.
غير أن الإشكال الذي على الفيلم، أنه طرَحَ الإلحادَ بشيء من الاختزال، وهو حَصْر الإلحاد في «أسباب نفسية»؛ فالشاب المُلحِد في هذا الفيلم كان إلحاده يستند إلى أساس نفسي، وذلك بعد أن حدثت له صدمة عندما شاركَ والدَه وهو طفل في قتل معلمته، التي كانت جارتهم في المنزل، وكان والد الشاب الملحد قد تدخلَ في شؤونها الخاصة، واقتحمَ عليها الشقة، متهمًا إياها بعدم الالتزام، وشارك ابنُه الطفل (الذي ألحدَ بعد ذلك) في قتْل هذه المعلمة، ودفْعها من شقتها إلى الأسفل، كما كان يعاني هو ووالدته من تشدد والده؛ وبهذا يكون المستند الرئيس لإلحاد هذا الشاب هو «الحالة النفسية/أسباب نفسية»، بينما الإلحاد لا ينحصر كله في هذا الجانبِ النفسي؛ إذ هناك مَن يكون إلحادُه مبنيًّا على موقف فكري فلسفي، أو على موقف علمي، كالاستناد مثلًا إلى نظرية التطور لـ تشارلز داروين، أو نظرية «الانفجار العظيم».
وأهمية عدم حصْر الإلحاد في أسبابٍ نفسية تتأتَّى من كوْن الطرف الآخَر: الإلحاد، يستطيعُ أن يُقابِلَ الإيمانَ بنفس هذه الاعتراض، وأنه قائم أيضًا على أسباب «نفسية»؛ وتوضيح بذلك بالقول: إن الذين يعممون الحُكْمَ على الإلحاد بأن أسبابه نفسية، غمْزًا للملاحدة وتلميحًا إلى عدم اتزانهم النفسي، وأن إلحادهم كان بسبب مواقف قاسية تعرضوا لها في حياتهم، ليأتي الطرف الآخر: الإلحاد، ويمكنه أن يتهمَ الإيمان بنفس ذات المنطق، وأن المؤمنين قد آمنوا، أو استقروا على إيمانهم لا عن اقتناع معرفي وعقلي؛ وإنما لأسباب نفسية، تتمثل في عدم تعرضهم لأزمات تَقُض مضجعهم، وأنهم مثلًا لم يشعروا بآلام الحياة وقسوتها، وإنما نالوا نصيبهم من الراحة المادية والمعنوية، ومِن ثَمَّ بَقوا على إيمانهم، ولو أنهم تعرضوا لمثل ما يتعرض له الذي يُلحد من قسوة الحياة ومواقفها؛ لكان مصيرهم مثله، وإذا قال المؤمنُ إنه لن يكون كذلك، واستشهدَ بحالاتٍ تعرضت لمواقف حياتية قاسية من فقر وغيره، ومع ذلك لم يُلحدوا؛ فللمُلْحِد أيضًا شواهد يستطيع أن يأتي بها، وأنه هناك أمثلة لم تُلحد بسبب فقر أو عوامل نفسية، ومِن ثَمَّ لا يحق لأحد أن يستأثر بالعامل النفسي ليتهم به غيره، ويُعرِّض به، ويشير إلى انتقاصِ عقله وشخصيته؛ حيث إن الآخَرَ أيضًا يستطيع ما تستطيعه، وبنفس المنطق الذي تحتج به، هذا كله مع عدم إنكارنا لدور العامل النفسي وأثره في سياق حياة الفرد وفكره، ولكننا ضد الاختزال في هذه الأمر أولًا، وضد التعميم ثانيًا.
ومِن الممكن أن يكون مؤلِّف الفيلم لم يسْعَ إلى تغطية كل جوانب الإلحاد وأسبابه، وإنما تناول شِقًّا واحدًا فقط منه، نظرًا لحاجة السياق الاجتماعي والثقافي إلى هذا الطرح، ولوجود إشكالات واقعية بالفعل، يُلحد أصحابُها بسبب عوامل نفسية تنشأ أحيانًا عن الاضطهاد الأسري والتزمت، كما لا يجب أن ننسى عوامل الرقابة على مثل هذه الأشياء، أي: على الفيلم، ونوعيته، التي تمثل اصطدامًا بالمؤسسات الدينية والرقابية.
***
بِقَلَم: محمد خليفة أحمد - باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم
.........................
هوامش المقالة:
(١) حلقة مقابلة «إبراهيم عيسى»، مع الإعلامية «نسمة السعيد»، في برنامج «بتوقيت مصر»، الدقيقة: 17. https://youtu.be/aKS8tg7t_PE?si=3XojKQNNKdsSyDb6
(٢) الزمخشري، «الكشَّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل»، اعتنى به: خليل مأمون شيما، (ط٣، بيروت، دار المعرفة، ٢٠٠٩م)، ص ٢٦٥.
(٣) البخاري، «الجامع الصحيح». اعتنى به: محمد فؤاد عبد الباقي، (ط١، القاهرة، دار ابن الجوزي، ٢٠١٠م)، كتاب الجهاد والسِّيَر، باب: «لا يُعذَّب بعذاب الله»، حديث رقم ٣٠١٧، ص ٣٥٩.








