عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

عبد الحق طوع: العزلة المقدسة

كافكا: العزلة طريقة للتعرف على أنفسنا.

ويضيف:

أحيانا قد تتاح لك فرصة.. كن هناك.. لست في حاجة لمغادرة غرفتك، إجلس حيت أنت، إلى طاولتك.

إجلس بجلال خشوع مهيب ولتكن أذنك رفيقة لجلوسك.

بل أنت لست في حاجة إلى الإنصات.

ببساطة: إنتظر.

لا ولست في حاجة إلى الإنتظار.

أنت في حاجة إلى تعلم فن الإحتفاظ بصمتك.

دع الهدوء يجلل جلوسك ويعطرعزلتك.

دعه يعيش الحلول في دواخلك.

يؤكد نيتشه على تجربة العزلة: هي مرحلة ضرورية لتركيز قوى الذات وتجميعها وللحفاظ على الوعي الفردي لان بقاء الفرد بصورة مستمرة مع الصخب يشتت وعيه.

أما مؤسس علم النفس التحليلي كارل يونغ يرى في العزلة: السبيل الى الالتقاء مع النفس. لكننا لا نجرؤ على ذلك بفعل الخوف، ونستعيض عن ذلك بالهرب إلى الناس والأحداث.

**

عن محنة العيش مع الضوضاء يحدثنا شوبنهاور:

(إن ضوضاء صغيرة مستمرة تقلقني وتبدد أفكاري، وكل ما أحس به هو زيادة الجهد في التفكير وكأنني أحاول المشي بثقل. )

ويعلو النغم:

(أعتقد أن طاقة الإنسان على تحمل الضوضاء من غير أن يضيق بهما ؛ دليل على مقدرته العقلية ومقياس لها، إن الضجة والجلبة تعذيب للمثقفين والأذكياء الذين يعملون بعقولهم، لقد سببت لي الضجة والجلبة الناجمة عن الطّرق والدّق عذاباً يوميّاً طيلة حياتي).

إن الضوضاء لا تتعلق فقط بالصوت الذي يلوث حاسة السمع، إن الضوضاء تسكن النصوص التي تدعي الخلق والإبداع وَوُجبِبَ نسفها لأنها تضربالذوق ولا تساعد على التفكير، يقين يدَّعي إمتلاك الحقيقة، إمتلاك وصْفَةَ جوابٍ لكل الأسئلة، التي شغلت العقل البشري في الماضي، الحاضر

والتي سيطرحها إنسان المستقبل.

هنا ىشوبنهاور يقصف ثبات رأسٍ عقاربه تدور في الفراغ، تماما كفراغ رفوفه: لا كتب.

لهذا السبب فارغ الرأس لايزعجه الضجيج، الطرقُ، القرع، الصخب، الصراخ والزعيق. ولاينتبه إلى أضراره، آثاره الصحية والنفسية.

الرأس الفارغ، يجد راحته في الضوضاء.

ترعبه العزلة، لن يطيق صبره برودتها، هو يبحث الدفء من خلال الكلام والكلام في كل شيء ولا شيء، مع القهقهات البليدة.

مفتون بصناعة الشر ويطربه ما تقترفه يده من خراب وتدمير. مآسي وأهوال، الرعبُ والجوع.

مهووسٌ برؤية فظاعة الحروب وويلاتها، يبهجه وتسحره رائحة الدخان، تفحم أجساد الأبرياء العزل وبالدماء يستحم ويروي عطشه.

ممسوسٌ بالإنصات إلى أنين من تعثروا وسقطوا وعلى حشرجةِ إحتضارهم، يتضاعف فرحه وتساعده الأقدام على القفز والرقص.

يقارن ىشوبنهاور بين سلوك البعض من البشر، بحشرة غريبة ساعة دخولها في حرب مع نفسها، يولد العدو منها يعض الرأس الذيل ويقاوم الذيل بشراسة ويصفع بكل قوته الرأس وتستمر المعركة إلى أن يتمكن الرأس من الذيل بأسنانه وينفصل جسد هذه الحشرة إلى نصفين، ويواصلُ النصفان المقطوعان

في مهاجمة بعضهما، إلى أن تتجمد الدماء في عروقهما، ويسقطان، يأتي النمل بعد أن متَّع نفسه وهو يراقبُ من بعيد، هذه المعركة الرعنَّاء البليدة ويترقّبْ خاتمة السقوط.

ويجرون الغنيمة إلى مساكنهم.

يَسْخَرْ شوبنهاور لهذه العلاقة التي تجمع الإنسان بأخيه الإنسان ويصفها بحياة القنافذ في أيام المطر والبرد، تتجمع رغبة في الدفء وساعة الإقتراب، يتقاسمان محنة آفة آلام وعذاب وخز أشواكها الشبيهة بالإبر ويبتعدان.

ويلسع البرد جلودهما ويقتربان، وتمشي حياتهما على هذه الوتيرة، المداومةُ على طلب الدفء والملازَمة على الإبتعاد. ومع شرور الوخز وهو المعلمُ الذي فتح أعين هذه القنافيذ، إتخذت لنفسها مسافة، كحل وسيط، بين سلامة تضمن لها الدِّفْء المعتدل.

وألم من الممكن تحمله أوجاعه.

شوبنهاور بدوره يرفض مهزلة تكرار مهزلة اللعب بالنارينِ، الترثرة في الحانات والقهقهات البليدة.

شوبنهاور كان يتناول وجبة الغذاء في مطعمٍ يتردد عليه بعض الضباط من الإنجليز. وهو يأكل يخرج من جيبه دينارا ذهبيا ويضعها أمامه وبعد الوجبة يعيده إلى جيبه.

وسأله خادم المائدة عن هذا السلوك الغريب.

أجاب: لقد وعدت نفسي إن كف هؤلاء الإنجليز عن الحديث عن الخيل، الكلاب والنساء.

سيكون لأول شحاد قد أصادفه في طريق عودتي إلى منزلي.

ولأن النغمة هي وحيدة، فمكانه محفظة نقودي.

**

فضل شوبهاور الإقامة في روحه، عزلة مثمرة وخلاَّقة، القراءة، الكتابة والتفكير ويسمي إبتعادهُ عن أذى الآخرين: مسافة السلامة.

ويعلو النغم مع نيتشه:

أيتها العزلة أنتِ وطني.

يا وطن الأرواح المتعبة.

في فضاء العزلة، يحضر الأنيسُ المرغوب فيه، خذ شهيقا من الأنف ودعْ بطنك ينتفخ بالهواء. أخرج الهواء عبر أنفك. قفْ في مكانك، لاتتحرك إرفع رأسك وأنظر في عينيه بدون أن ترمش والآن تكلَّم وضع بين يديه ولاحرج وخجل، تكلَّم عن ما يحزن نفسك ويلقي بها في يَمِّ الإضطراب

، الشتات، الفوضى والضجر ويحرمها من نعيم السكينة ونِعمة الهدوء، تخلص من مهزلة قيود بكل الأحجام، الأوزان والألوان. قيود معدنها لايصدأ وغير قابلٍ للكسر في حالة الواحد، تتكسّرْ إن بقوة الكل. قيود تجرك من عنقك إلى الهاوية.

قيود صانعها عقل لا يزعجه الطرق ساعة إعداد الجديد منها والقديم، إن سهوا تكسرَّتْ، قيود يورثها الأب لإبنه وإن شك في صلاحيتها وعَبَثَ تقديسها وتخصيص يوم عيدٍ، شاي وخمر يدور وموسيقى وأغاني كلماتها، تَشِدُ بقوة سلطة القيود ولها منه

هدايا وصلاة طويلة، ومع سجوده، يدعو لها وجهرا بِطُولِ عُمْرِالقيود.

ولها بأجْمَلِ القرابين.

ومن فكرَّ في مطرقة وذهب ضد وجودها، بقيوده يخنقُ.

عقلٌ مُحَنَّطٌ بالأوهام، المشاعر الباردة والعواطف المهزوزة، المشتتة، الشاردة. عقلٌ ثابت، جامد، سجين دائرة وقد تعفن من طول دورانه حول نفسه، تأكله من الداخل شر الأمراض.

أسحق العار.

خُذْ ممْحَاة وأمسحْ كل ما قيل لك عن السماء، حكاية ثمارتلك الشجرة المحرمة العصيان، العري، وقصف أوراق تلك الشجرة وإخفاء عضوهما الجنسي، غضب الرب وذل السقوط.

مع سيرة الأبناء والأحفاد الدموية، وإنتشار الجشع، التسلط، الفساد وإتساع رقعة الحروب المتوحشه وسباق الأقوياء على إحتلال أراضي الضعفاء وطردهم من منازلهم، تعذيبهم، تجويعهم وتشريدهم ومن تحركت كرامته وذهب ضدهم عجلوا بشنقه، وعيون أهله وعشيرته تتابع حركة يد منفذ

الإعدام وهو يلف الحبل حول عنق من قال كلمته في حق الوجود الحر والمستقل، تتابع خروج روحه ومشهد الريح وهي تلاعب بجسد البطل.

مع سيرة الإنسان المتغطرس، الظالم، السارق والقاتل، وحده الشيطان صديق الله القديم الرابح في المشهد، عِلمه أتبث أن الإنسان متوحش بفطرته.

ربح الشيطان الرهان.

أما الله شعر بخيته وخيانة الإنسان له.

صعد إلى السماء وأغلق بابها والنوافذ وبإحكام.

وترك الكل يأكل بعضهم بعضا.

تَجَدَّد ْلكي ترى هذا الأنيس، هو لك بالمنصت اللطيف، الظريف، الخفيف، الرَشيق، الأنيق، وفي دواخلك يقيم.

إشارة منك ويتحقق اللقاء.

ضع بين يديه كل أسرارك وأبدا يفشيها ولو لظلك.

وكلما شعرت بغيابك، بثقل الأقدام وهي تخمش حرّ، قرّ، ثبات مكان، لك منه: خفة أجنحة.

وإذا ما حضر عقرب ضجر، ارتفع صوته بالغناء:

لا..

لاتمت الآن.

كن يقظا ولك منها: خراج حديقة، أزهارها أبدا تشيخ، تموت، تنحل وتتبدد.

بل تنمو وتتعاظم.

جذورها:

ظلمة غار،

فرن صحراء،

فيافي،

وقمم جبال.

قد يكلمك (الله)

وأنت: لسانه.

جوهرالوجود، أو الكون إن شئت: صمتٌ.

وحدها اللغة كلمته.

لغة الأسطورة، لغة الفلسفة، لغة الدين.

لغة العلم، لا يتوقف دورها على وصف هذا الصمت. بل يحول هذا الكلام إلى شيء تتلمسه اليد، يشمه الأنف وتراه العين ولنا منه حياة جديدة. حياة تدهش العقل.

إن لغة العلم زلزال يهز أوتاد الفهم التقليدي القديم، المبني على الخرافات والحكايات.

ويوقظ من نومنا ويلقي بنا في العراء، نحتاج إلى زمن طويل، لنخلق ألفة مع هذا الجديد ونستسلم لسطته.

إنها زلزال كوبرنيكوس صاحب نظرية دوران الارض والكواكب حوال الشمس وعلى اساسها انبنى علم الفلك.

لغة نيكولاوس كوبرنيكوس، لغة البراهين والحسابات الرياضية، لغة كشفت عن جهل لغة الدين وهو يكلِّم هذا الصمت، هدَّم سقف المسكن القديم وترك أهله في العراء، تركهم في حالة صرع وصدمة.

عبيد النقيق، قيل وقال، إضطربات مشاعر، أحاسيس مهزوزة وباطلة، هذيان المحمومين، فساد فهمٍ وضلال وكل فريق متعصب لرأيه، بل يذهب بهم التعصب الأعمى والجهل المقزز، القذر، الحقير إلى المقاتلة والقتال المتوحش بعضهم بعضًا، ويدعون أنهم أقرب البشر من الله ولهم حق الكلام

والحكم، ومن سار على هداهم له مفتاح الجنة. وأن فكر الآخر سفسطة، زندقة وخروج عن الطريق المستقيم.

سجناء دائرة مُغلقة لا يُنهيها سوى الموت.

بل تفننوا في تعذيب من سلبهم حق الحياة في قبره وتخيلوا صراخه في أحط مقام في جحيم دانتي.

جمود وثَبات وفكر كهذا مصيره الإنقراض، كما إنقرضت كائنات لم تواكب حركة ثورة الطبيعة. إستسلمت وتساقطت وعلى جثمانها مرَّ قطار الزمن في ولادة جديدة وبأفكارجديدة. جمعوا العظام وتحولت إلى فرجة في المتاحف. العقل الديني الجامد والتابثة أقدامه في الماضي، يرى في

ما يؤمن به الحق الذي لايطعن في قامته، يُكَفِرُّ الشخص المخترع، فليتبوأ مقعده من النار يوم القيامة والحساب، كراهية وحقد ولا يحق مصافحته، الجلوس والكلام معه والأكل من طعامه، وفي نفس الوقت منبهرٌ بمنجزات خراج عقل هذا الكافر من صناعة بكل أنواعها وأشكالها، مهمتها وفوائدها، يدفع من عرق جبينه ليقتني وإن سقط مريضا يحلم بطبيب وسرير ودواء، يخلصه من أوجاعه ويدفع من عرق جبينه، ليقتني آخرما يخرج في أسواقهم من إختراعات وساعة الحصول عليها، يتباهى بالمنتوج أمام السائر على نهجه وإيمانه.

الإنفصام في أقصى مستوياته، حدته وأضراره.

لغة الفلسفة، لغة الذهاب ضد الصمت وأبدا تأخذ دور المتفرج ؛بل كما أكد فرانسيس بيكون: تبدأ الفلسفة حيث ينتهي العلم.

تزن لغة الفلسفة نتائج العلم وتفكر في الإنسان والارتقاء به إلى فن العيش الكريم، ولا تتعب من الحفر إنها حركة تساؤل مستمر.

وهي أهم من الأجوبة، كما يصرِّح كارل ياسبرز: حيت يصبح كل جواب سؤالا جديدا.

سلاحها الشك الصحي السليم، يصدقها العقل ساعة التحقق من النتائج، يدركها ويتعقلها. يزعجه.. يزعجه سلوك القطيع المبطح، ليس من حقه النقد والنقض، دوره التسليم، الصمت والطاعة العمياء لما يخرج من فم الجالس على منبرمن كلام، تحذير ووعود وأن المتكلم مالك الحقيقة

و اليقين. كلام معسول، يعزف على أوتار المشاعر ويسافر بالعقول إلى تخوم السماء والكارثة العظمى، يتقن فن الإثبات والنفي في آن واحد، إن خالف كلامه المعطى من واقع حال الزمن، الزمن الذي يتدفق نهره، يتغير لونه وطعمه، سرعة جريانه ويعد دوما بالجديد في منجزات العلم

المبهرة، لغته في إنسياب وخلق وأبدا تتعب من طرق باب صمت هذا الوجود، وتطرقه بابه المسدود، اللغز المحير بسلطان العقل هو عربة للسفر خارج قبة هذا الكوكب.

قال راهب إسباني في حق هذه الإختراعات التي نقطف ثمارها الآن وهنا:

التقدم التكنولوجي في توَالُدٍ مُسْتَمِرٍ. لا محطة نهايةٍ لسفره ولاضفاف لإبحاره في عالم الإختراع والإبتكار. تحوَّل الإنسان إلى آلة، إلى عبدٍ لشراهة جشع الإستهلاك والإغراء، تأكل التُخمة عقله. يشتري في نهاره إختراع ما يبهرهُ، يَفرحُ به طوال ليله، يحضنه ساعة نومه

ومع ولادة فجره، تظهر أعجوبة جديدة.

إنه يتطور بشكل سريع، أسرع مما نتخيل. الأشياء التي كانت تدهشنا بالأمس تحولت إلى سجينة في المتاحف.

متاحف ستشدنا الأقدام إليها في مستقبل قريب، بدافع الحنين إليها ونحن نتجول بين أروقتها، سنُطيل الوقوف أمامها، ننظر إليها نتبسَّم بعين ميزان مقارنة: كيف كانت وكيف تحولت وصارت.

ستتحول إلى أثرٍمن الماضي.

ومن يحِنُّ إلى أنفاس، إيمان وفكرِ أجداده من أجل الإسترخاء، التأمل والإشباع الروحي، سيطرق باب الكنيسة، يخرج محفظة نقود من جيب معطفه ويدفع ثمن تذكرة الدخول وهو هناك سيطلب الموظف الحارس على الأثار من الزائر الجلوس على مقعد ما، يطفيء أضواء بهو الكنيسة وللزائر

يعرض شريط سنيمائي يحكي عن ذلك الرجل وهو يشير بسبابته نحو الأرض ومن شدة الألم يصرخ ويردد: مملكتي ليست من هذا العالم.

قد يمسح الزائر دمعة وهو يغادر الكنيسة وهو يقدم للموظف الحارس على الأثار تحية الوداع وشُكرٍ والعين في العين، يشير بسبابته نحو محتويات الكنيسة ويردد: وأنا أيضا؛ مملكتي ليست من هذا العالم.

الذي أخافه أن يسيطر الذكاء التكنولوجي على الإنسان ويصبحُ هو السيد المتحكمُ ويحولنا إلى كلاب أليفة، يجرنا من أعناقنا بسلاسله، يلاعبنا ومن حين لحين يُفسِّحنا من أجل إستنشاق هواء إفتراضي.

في فضاء عالم سريع التغير هذا، الذي أخافه.. موت.. موت الله في قلوب أولادنا ويجد القس نفسه ساعة الصلاة في الكنيسة أمام كراسي فارغة.

دور الدين اليوم هو تعويض هذا الفراغ الثقيل القاس، الذي يخنق أنفاس الإنسان.

**

تنمو زهرة الفلسفة في حقل العزلة، هي فن للنظر والإنصات.

والعزلة هنا ليس بمفهومها، الإنغلاق والإبتعاد عن عالم البشر وأخذ دور الأخرس، الأصم والأعمى وعدم الإهتمام بما يجري على الأرض من هنات، زلات، أعطاب، سلب ونهب وعنف مجاني، غياب الأمن، الهجرة، الفقر، الحرمان من حق التعبير والإحتجاج ضد الفساد السياسي،

تسلطه وجشعه، الإختطاف والإعتقالات التعسفية في حق أحرار الرأي والفكر، التعذيب الوحشي في السجون التي فاضت بالمظلومين، الإحتلال وحرمان الغير من حقه في الحياة، الأوبئة، الأمراض، التلوث، الجوع وجرائم الحروب التي هي في تزايد، تأتينا الأخبار تدمي وتوجع مشاعرنا، العين بصيرة واليد قصيرة.

الإحتباس الحراري، إختناق رئة الأرض ودورانها بالمقلوب ولافصل يأتي في موعده.

أن تنزل إلى المستنقع، هذا لايعني، أنك تحمل أخلاقه وفكره، بل ينبغي أن تنزل، وكن لهم: اللسان.

لا أفهم، عمق وبعد الكتابة، إلا بهذا النزول.

ولك حق التحليق.

أفكر هنا، في أمنية ورغبة وحلم أفلاطون، تمنى أن يطوف العالم بعربة، ويطرق كل أبواب المدن والقرى ومن له مشكلة ما، ليلقيها في عربته. وهو يعود إلى بيته يغلق بابه ويسلم حقائب أتعاب السفر إلى معشوقته العزلته المقدسة، ومع أنغام موسيقى الهدوء وسحر الصمت، يهيء نفسه

للحلول في كل أوجاع، حيرة، حزن، أسئلة وقلق البشر.

هو يعرف حق المعرفة، وأستاذه العظيم السيد سقراط درَّبهُ وعلَّمه أن هذا الحلول سلالم صعود إلى ما يجدد فهمه للحياة بكل تناقضاتها وأعطابها، وكلما صعد درجا، تيقظت وأينعت في حقل نفسه نورالحكمة. حكمة ستساعده على الخروج من ما عتمة أحزانه، حكمة بها يقارن، يحلل، يدقق، تولد أسئلة جديدة وبحرقتها يعلو.

إن المعلم الحقيقي لهذا التلميذ المخلص للدروسه، بل تلك الصفعة التي أيقظته من سحر كلمات ذلك الحكيم المسكون بالسؤال والشك، الكأس، نعم محمول ذلك الكأس المسموم وهو يتابع شجاعة أستاذه وهو ينظر في عين الموت بشجاعة وسخرية، بل بحكمة وأن قول الحق بالحجة والدليل، يزعج

أهل الحكم، القوة والسلطة وأن الحقيقة المرة التي إكتشفها سقراط وقد جاءت متأخرة، أن القضاء لم ينصف هذا الرجل الذي أحبه خير شباب أثينا وساروا خلفه، فرحون بألق ساعة اللقاء به، يطهر أرواحهم ويولِّدُ في رؤسهم ذكاء الأسئلة، بها يكتشفون ذواتهم ويقفون على جهلهم

وهذا لا يقلق راحتهم، بل تتساقط كل الأحكام والمفاهيم القديمة وتولد من رحمها مفاهيم جديدة، قيم، فضيلة، الحق، العدال والأخلاق، الصدق، النبل، هذه الأشياء العظيمة التي تنقص حكام أثينا، ليعيش المواطن بكرامة وحرية.

يعلِّق نيتشه على موت سقراط:

(الحياة مرض).

ويخاطبه زرادشت:

(سارع إلى عزلتك، يا صديقي، فقد أورثك الصداع صخب عظماء الرجال، وآلمتك وخزات صغارهم. إن جلال الصمت يسود الغاب والصخور أمامك، فعد كما كنت شبيها بالدوحة التي تحب، الدوحة الوارفة الظل، المشرفة على البحر مصغية في صمتها إلى هديره).

هذا لا يعني أن نيتشه أغلق باب غرفته الباردة وقد أحكم إغلاق نوافذها، لأن أشعة الشمس كانت تحدث له ألما في عينيه، غرفة في ذلك الفندق في جبال إيطاليا وصمت إلى الأبد.

بل واصل الكتابة إلى أن تحطمت أعصابه من شدة التفكير في أمراض عصره وكانت الطبيعة رحيمة به، عندما دخل إلى ليل الجنون.

كان بصمته ينصت إلى أخته إليزابيث ومن كان يرافقها في صالون منزلها وهم يتحدثون عن الكتب.

تسللت دمعة من عين الفيلسوف، تبسم وخرج من صمته البارد الطويل وقاطعهم:

أنا أيضا كتبت كتبا حسنة.

**

المسيح وهو يشير بسبابته نحو السماء، نظرإلى تابعيه وقال:

لا تجهدوا أنفسكم في فتح هذا الباب، كل الذين حاولوا تاهوا وضاعوا، دعوا إيمانكم يقودكم إلى ربي.

من شدة الغضب، اكتست حمرة قاتمة ملامح نيتشه وكأنه ينادي على شخص بعيد، ارتفع صوته والكلمات وكأنها نبال تخرج من قوس فمه:

لا..

لا بريق يلمع في هذه النصيحة العرجاء البلهاء.

أتحذرهم من عظمة هذه المغامرة الشجاعة؟

تبا..

وتحرمهم من لذة البحث، الدهشة، الشك والسؤال؟

من أي معدنٍ أنت من البشر؟

خيرٌ لي:

أن أتيْ.

وتخونني الأقدام على المشي وتبتلعني هاويات ظلمات بحارٍ وأواصل البحث عن منارة وفي دواخلي: تقيم.

أقصد ما تحمله رفوف رأسي من كتب.

سيرة المعرفة بكل مشاربها، ألوانها، روائحها وطعمها.

لا يعلو بنا إلا القلق الجميل، لهذا لن أتعب من تكرار ما قلته في حق الحياة، عش في خطر، بل شيد بيتك فوق فوهة بركان فيزوف‌. اللعب على حافة الهاوية.

على المكوث في ضجر ثبات مكان.

قبرٌ ببرودة ظلمته وروائح تحلل أفكارك، يأخذ مكانه في رأسك.

قبل القبر، الذي ينتظر العبد والسلطان.

يزرعون جثمانك كحبة قمح عاقر في حفرة، يوارونها التراب:

اسم، لقب، تاريخ الولادة، يوم الوفاة.

ونسيان.

***

عبد الحق طلوع

في المثقف اليوم