عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

مراد غريبي: الفيلسوف والأدب (5)

مدخل: ليس الأدب مجرد زينةٍ للفكر، ولا هو ملحقٌ لطيفٌ يجاوره من بعيد، بل هو المجال الذي يختبر فيه الفيلسوف حدود يقينه، عندما يدخل الفكر إلى الأدب، لا يدخل إلى فضاءٍ مريح، بل إلى منطقةٍ تكشف أن الحقيقة لا تُعطى في صورة واحدة، وأن الإنسان أعقد من أن يُختزل في تعريف، وأن اللغة نفسها ليست أداةً شفافة بقدر ما هي كائنٌ حيّ، مراوغ، ومفتوح على أكثر من معنى..

 لهذا ظلّ الأدب بالنسبة إلى الفلسفة سؤالًا لا ينتهي، هل يكشف عن العالم أم يربكنا فيه؟ هل يضيء الوجود أم يضاعف غموضه؟ وهل الفلسفة، حين تقرأ الأدب، تفسّر نصًا فقط، أم تكتشف في النص ما يعجز خطابها عن قوله؟ من هنا تبدأ المغامرة الفكرية الحقيقية، عندما يدرك الفيلسوف أن الأدب لا يجمّل الحقيقة، بل يعرّيها، ولا يقدّمها مطمئنة، بل يضعها في حالتها الأكثر حيوية وقلقًا وانفتاحًا على التأويل.

فمنذ أفلاطون، ارتبط الأدب بسؤال الحقيقة والتمثيل، وكأن الفلسفة كانت تختبره بقدر ما كانت تخشاه، ثم جاء أرسطو ليحوّل هذا التوتر إلى فهمٍ أعمق لطبيعة العمل الأدبي، بوصفه بناءً يشتغل على الفعل والاحتمال والانفعال لا على النقل الحرفي للواقع. ومع نيتشه صار الأدب أقرب إلى قلب الفلسفة من هامشها؛ إذ كشف أن اللغة ذاتها ليست وعاءً شفافًا، بل قوةً خالقة للمنظور، وأن الحقيقة لا تُمنح دفعة واحدة، بل تُصاغ في أساليب القول. بينما هايدغر فقد رفع الشعر إلى مقام الانكشاف، كأن الوجود لا يُفهم كاملًا إلا حين يصغي الفكر إلى ما تقوله القصيدة..

بينما دريدا يؤكد أن النصوص الفلسفية والأدبية معًا لا تقيم خارج البلاغة، وأن كل قراءة هي دخول في شبكة من الأثر والاختلاف والتأجيل.

 الفيلسوف لا يفكر في الأدب بوصفه ترفًا جماليًا أو ملحقًا ثانويًا للمعرفة، بل بوصفه إحدى الصيغ التي يتشكل فيها فهم الإنسان لذاته وعالمه.. فالأدب ليس مجرد كلام جميل، وإنما طريقة في إظهار التجربة وهي تتكثف في لغة، وتتحول إلى صورة، وتكتسب معنى يتجاوز العبارة المباشرة، حتى صارت العلاقة بين الفلسفة والأدب علاقة قديمة ومتوترة في آن، توترٌ بدأ مع أفلاطون، ومرّ بأرسطو، واشتد مع نيتشه، ثم صار أكثر عمقًا مع هايدغر ودريدا..

الأسئلة الخمسة

لعل أول ما يشغل الفيلسوف في الأدب هو سؤال الحقيقة، فالأدب، منذ البدايات، وُضع في مواجهة الحقيقة أحيانًا، أو على الأقل في مواجهة تعريفها الضيق، عندك أفلاطون الذي رأى في الشعر محاكاةً قد تُبعد النفس عن الأصل، لكنه في الوقت نفسه لم يستطع أن يستغني عن الأسطورة والحوار والمشهد، لأن الفلسفة نفسها احتاجت إلى شكل سردي لكي تقول ما تريد قوله.. في حين أرسطو، فقد حرّر الأدب من موضع التهمة، حين فهمه باعتباره فعلًا له منطق داخلي، لا مجرد نسخ للواقع.

فمنذ ذلك الحين صار الأدب يُنظر إليه لا باعتباره نقيض الحقيقة، بل باعتباره أحد طرق بلوغها، خاصة حين تتعلق الحقيقة بالتجربة الإنسانية لا بالصيغة المنطقية المجردة.

ثم يأتي سؤال اللغة، فالفيلسوف لا يرى في اللغة وعاءًا محايدًا، بل قوةً تصنع المعنى وتشكله، إذ الأدب يفضح هذه الحقيقة بوضوح، لأنه يكشف أن الكلمات ليست مجرد أدوات تسمية، بل حقول توتر وإيحاء وانزياح.. هنا يلتقي التفكير الفلسفي الحديث مع الأدب لدى نيتشه الذي هاجم وهم الشفافية اللغوية، ثم عند هايدغر الذي رأى أن اللغة ليست أداة خارجية بل موطنًا للوجود، وكذا دريدا الذي أظهر أن كل نص يحمل داخله أثرًا من البلاغة والاختلاف والتأجيل. الأدب، بهذا المعنى، لا يعلّم الفيلسوف كيف يكتب فحسب، بل يعلّمه أن المعنى نفسه لا يستقرّ في صياغة واحدة نهائية..

ولدينا كذلك سؤال الخيال، وهو من أهم ما يلتفت إليه الفيلسوف في الأدب، حيث الخيال ليس هروبًا من الواقع، بل وسيلة لإعادة تنظيمه وفهم إمكاناته، كون الأدب يشتغل على ما يمكن أن يكون، لا على ما كان فقط، ولذلك فهو يفتح أفقًا للمعنى لا توفره المعرفة التجريبية وحدها، ضمن هذا السياق يكتسب السرد قيمة فلسفية، لأنه لا يصف الحدث بوصفه واقعة فقط، بل يعيد تشكيله في صورة يمكن للوعي أن يفهمها.. لذلك درست الفلسفة الحديثة الخيال لا كملكة ثانوية، بل كعنصر أساسي في المعرفة والتأويل وبناء التجربة..

وأعمق من ذلك كله هو سؤال الزمن، فالأدب يفكر في الزمن بطريقة لا تشبه العلم أو التاريخ أو الفلسفة المجردة، كونه يجعل الزمن محسوسًا: زمن الانتظار، والذكرى، والانقطاع، والتكرار، والندم، والتحول، في الرواية والاعتراف واليوميات، لا يكون الزمن خطًا فقط، بل تجربة معيشة تُعاد صياغتها في السرد، لهذا أضحى السرد، في كثير من الدراسات الفلسفية، وسيلةً لفهم الزمن الإنساني نفسه، لأن الإنسان لا يعيش الزمن كتعاقب مجرد، بل كخبرة تُنظَّم داخل قصة عن الذات والعالم..

ثم نصل إلى سؤال الذات، فالأدب من أقدر الأشكال على كشف تشظّي الأنا، وتبدلها، وتكوّنها عبر التجربة، لأن الفيلسوف يهتم بالذات بوصفها موضوعًا للإدراك، لكن الأدب يُريه الذات بوصفها كائنًا يتشكل في الحركة، والذاكرة، والعلاقة، والصراع الداخلي.. مما جعل الرواية، على وجه الخصوص، مختبرًا فلسفيًا ممتازًا، لأنها تُظهر الذات وهي تصنع نفسها عبر الحكاية، وقد اتسع هذا المنظور مع فلسفات الهوية السردية التي ترى أن الإنسان لا يكتشف نفسه إلا من خلال القصة التي يرويها عن حياته أو تُروى عنه..

بهذه الطبقات الخمس، يتحدد تفكير الفيلسوف في الأدب: فهو يسأل كيف يكشف النص عن الحقيقة، وكيف تعمل اللغة، وكيف يشتغل الخيال، وكيف يُعاش الزمن، وكيف تتشكل الذات، لكن هذه الأسئلة كلها تفضي في النهاية إلى نقطة مركزية واحدة، الأدب ليس مجرد موضوع للتأمل الفلسفي، بل شكل من أشكال التفكير ذاته، كونه يضع المعنى في حركة، ويجعل الوعي يختبر حدوده، ويمنح الحقيقة بعدًا إنسانيًا محسوسًا لا يتحقق في الجملة النظرية وحدها..

إذا أردنا أن نرى هذه الأسئلة الخمسة متجسدة في تراث ذي نفس فلسفي، وجدنا أنها تظهر منذ النصوص القديمة في صور مختلفة: عند أفلاطون في الحوار الذي يحوّل الفكرة إلى مشهد؛ وعند أرسطو في تحليل التراجيديا بوصفها فهمًا للفعل الإنساني؛ وعند أوغسطين في الاعترافات حيث تتحول الذات إلى سؤال عن الزمن والذاكرة والخطيئة؛ وعند ابن طفيل في حي بن يقظان حيث تتداخل الحكاية مع المعرفة والتأمل في نشأة الوعي؛ وعند المعري في شعره الذي يجعل الشكّ وجودًا لغويًا؛ وعند المتصوفة، من ابن عربي إلى جلال الدين الرومي، حيث يصبح الرمز والخيال لغةً للبحث عن المطلق، وفي العصر الحديث تتجدد الأسئلة نفسها مع كافكا وبورخيس وكالفينو وكامو، ثم في الكتابات التي جعلت السرد مختبرًا للهوية والعبث والمعنى، حتى صرنا أمام تراثٍ متصل يثبت أن الأدب لم يكن يومًا بعيدًا عن الفلسفة، بل كان في كثير من الأحيان الطريق الأكثر حساسية لقول ما تعجز المصطلحات عن احتوائه.

بالتالي، من هذه الزاوية، لا يعود السؤال الأساسي في المقال مجرد: كيف يفكر الفيلسوف في الأدب؟ بل: كيف يظل الأدب، عبر العصور، الشكل الذي يذكّر الفلسفة بأن الحقيقة لا تُرى من جهة واحدة، وأن الإنسان لا يُفهم إلا وهو يُروى؟ وهذا ما سنسلط الضوء عليه في المقالة القادمة- بإذن الله تعالى- عبر سؤال أكثر تركيزا: كيف يفكر الفيلسوف داخل الرواية؟

(يتبع)

***

مراد غريبي

 

في المثقف اليوم