عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

اشرف منير رمزي: حراسة الوهم.. الحالة الدونكيشوتية وسؤال القيم

تُعدُّ رواية دون كيشوت واحدة من أهم الاعمال الروائية الطويلة عبر التاريخ الأدبي الإنساني. ولأنها نص عظيم الثراء فإنه مفتوح على الكثير من التأويلات الفكرية، وكثيراً ما يلفت نظر الباحثين صراع دون كيشوت مع طواحين الهواء، وهو صراع مبني على خيالاته المريضة ضد أعداء يسكنون وعيه ولكنهم غير موجودين في الواقع.

ولكن هناك أسئلة أكثر عمقاً نحتاج أن نطرحها هل القيم التي يدافع عنها صالحة لزمانه؟!! وهل أدرك كيشوت أن شروط تحقق هذه القيم متوفرة؟!! وهل النظام الاجتماعي والسياسي الذي أنتج قيم الفروسية مازال باقياً؟!!.

وعلينا أن نطرح هذه الأسئلة على المثقف الذي يُقدِّم نفسه كفارس نبيل يدافع عن القيم والاخلاق والهوية لذلك يتحصن هذا المثقف داخل بنية معرفية صالحة لإنتاج أوصياء على العقل والضمير والمجتمع.

قدم الفيلسوف اللبناني دكتور على حرب نقداً للمثقف الذي يحرس الأفكار لأنه في هذه الحالة تتحول الأفكار إلى أصنام ويتحول المثقف من شخص حر مُبدع للأفكار الجديدة إلى عبد لوثن الافكار القديمة.

بناءًا على هذه الرؤية نحن نناقش معاً هذه البنية المعرفية لدى هذا التيار الثقافي في مجتمعنا المصري الحالي.

أولاً: الاعتداد بالتفوق التاريخي على الغرب

يعيش هذا التيار على إستدعاء سياق تاريخي قد رحل، كان فيه السلوك الإستعماري الإمبراطوري أداة الامم والشعوب في السيطرة على الموارد الاقتصادية والطرق التجارية مع فرض ثقافة الأمة التي تمتلك أدوات القوة العكسرية ويحالفها الحظ في الانتصار علي الامبراطورية التي تسبقها في إحتلال الشعوب.

ومن داخل هذا السياق ظهرت قوة جديدة في القرن السابع الميلادي هى القوة العربية الإسلامية التي تمكنت من هزيمة الجيش الروماني في الكثير من أجزاء الدولة البيزنطية شرقاً وغرباً، كما أستطاعت أن تقتطع أجزاء من تحت سلطة الامبراطورية الفارسية.

فأحتلت الدولة العربية الإسلامية الوليدة مكان الدول الكبرى، ولم تعمل الدولة الإسلامية على تغيير البنية الإدارية المُستقِرة في تلك البلدان، بل على العكس تماماً إستاعنت بالكفاءات الإدارية من أهلها.

فلم تكن سمة الإمتداد الجغرافي تخص الدولة الإسلامية وحدها، بل كانت سمة الإمبرطوريات القديمة كلها، ونظرة سريعة للتاريخ تُثبِتُ لنا ذلك.

إذن هل الإستناد على الإمتداد الجغرافي والسياسي والعسكري للدولة الإسلامية كفيلاً أن يخلق حالة من الإعتداد بالذات لدى المثقف والشعور بالتفوق على الغرب؟!!

أم إنه واجب على المثقف أن ينظر إلى السياق التاريخي ويفهم شروط النجاح والفشل لكي يقدم قراءة موضعية للتاريخ بدل الإنحياز العاطفي؟!!

وهل يصلح إستدعاء سياق تاريخي قديم داخل السياق المعاصر، لإشباع النفس بشعورٍ زائف من التفوق على الغرب؟!!

ثانياً: تبني هوية مُغلَقة

يسعى هذا التيار إلى فرض هُوية مُغلَقة على المجتمع المصري، تحت مُسمى (الهوية الحضارية الإسلامية) وهذا التوجه يفرض نمط معرفي أحادي، لأن ركائز هذه الهُوية هى (الدين، واللغة، والتاريخ) وإذا أمعنا النظر سنجد أن هذه العناصر ليست سوى أدوات الجماعات المتطرفة لإستنساخ العقول.

أما الدين فبالضرورة هو الدين الإسلامي لأن الهوية الحضارية المُبتغاة هى إسلامية. وهذا يفرض سؤالاً كيف تتم معاملة غير المُسلِم داخل هذه البنية الهوياتية؟!!

حتماً قد تخطى المجتمع فقه أهل الذمة ولكن ستُنتِج هذه الحالة تمييزاً إجتماعياً داخل بنية العلاقات اليومية، لأن تغذية الشعور الجمعي للأغلبية بإمتيازها الديني يجعل الأغلبية تمارس الإستعلاء الديني على الآخر ومظاهر هذا الإستعلاء كثيرة.

أما اللغة فتكتسب قوتها داخل هذه المنظومة من كونها لغة القرآن الكريم، لهذا تصبح هذه اللغة مُقدَسة ويكتسب المُتحدِث بهذه اللغة قيمة أعلى داخل هذه المنظومة. وهذا ما رأيناه بوضوح عند جميع الجماعات المتطرفة التي يتحدث أفرادها باللغة العربية تفاخراً وإستعلاءاً.

والتاريخ المقصود هنا هو التاريخ العربي الإسلامي بحيث يتم تقديم رموز هذا التاريخ كأبطال وأولياء صالحين وهنا يتعذر على الوعي الجمعي إدراك الأخطاء البشرية التي مارسها هؤلاء الابطال فيصبح التاريخ العربي الإسلامي مُقدَساً بالضرورة.

وهنا نسأل المثقف الذي يحرس هذا التصور الهوياتي، كيف يَصلحُ أن تُقبَلُ هوية إقصائية وتؤثر على السلام الإجتماعي؟!!

كيف يتماهى تصور المثقف مع رغبة المتطرف الإقصائية؟!!

ثالثاً: إنتاج خطاب مُناهِض للحداثة

ليست الحداثة أو منتوجاتها العقلية تحمل صفة القداسة، ولم يدّعي يوماً أحد من مفكريها أنه معصوم من الخطأ بل أكبر ما تتميز به الافكار الحداثية إنها قابلة للنقد لكي يمكن تطويرها لأن العقل الحداثي لا يعترف بالجمود المعرفي الذي يحوِّل الأفكار إلى دوجما.

ولكن أن يقوم التيار الثقافي الدجمائي بوصم الحداثة والعلمانية، بإنها أدوات الغرب في الحرب على الإسلام، وتهديد الهوية الحضارية الإسلامية، وإشاعة الفساد الأخلاقي فهذا ليس نقداً موضوعياً لأنها إتهامات بدون تقديم تحليل للبنية المعرفية التى أنتجت الحداثة والعلمانية. كما لم يتم تقديم تحليل للبنية المعرفية التي أنتجتها الحداثة.

ولكن تلقف هذا التيار حادثة (جزيرة إبستين) للهجوم على الحداثة وتقديم مسوغات رفضهم لها على أساس أن هذا الفساد الأخلاقي هو نِتاج الحرية التي ينادي بها الغرب وهذا أدى إلى الإنفلات القيمي والأخلاقي، ولهذا قامت الأبواق الإعلامية والثقافية التي تنتمي إلى هذا التيار بإتهام المفكرين المصريين الذين يدافعون عن حرية المرأة في مجتمع أصبح يراقب ويتجسس عليها ليضعها في إطار أخلاقي ماضوي، حتى أن ملبسها أصبح مثار نقاش وجدال ومنع، وتعالت صيحات منع الفتيات من الدخول إلى الجامعة بدعوى الكود الأخلاقي للمجتمع وقيم الحشمة وإحترام التقاليد والأعراف، وهذه جميعها أسباب تستدعي الوصاية على المرأة لحماية المجتمع من الإنحلال ولضرورة حفظ السلام الإجتماعي.

ولكن الحقيقة التي يخاف أن يقول بها هذا التيار أن وصايته على المرأة تأخذ سلطتها من تأويلات دينية وفقهية قديمة أُنتِجت داخل سياقات ثقافية وحضارية مغايرة تماماً للسياق الثقافي المُعاصر.

لذلك يتطوع مثقف من داخل هذا التيار الماضوي بإتهام الفلاسفة والمفكرين الذين دافعوا عن المرأة بإنهم يُنتِجون (خطابات العُري لتقويض السلام الإجتماعي) وإتهمهم بإنهم يتبعون خُطى الغرب لإفشاء العُري في المجتمع.

وفي الواقع لا يوجد مفكر مصري حر وفيلسوف أمين للعقل نادى بالعُري الجسدي، ولكن هم نادوا بالحرية الفردية والعمل على حماية الإنسان من الإستغلال ومحاولات التسليع الإستهلاكي، هؤلاء الفلاسفة يطالوب برفع الوصاية عن المرأة وهى دعوة قديمة بدأها قاسم أمين في نهاية القرن التاسع عشر من خلال كتابه الشهير (تحرير المرأة) ولم ينادي قاسم أمين بالعُري في كتابه ولكن طالته تهمة إنه يعمل على إفساد المجتمع أخلاقياً من أبواق التيار الماضوي الذي مازال يوزع نفس الإتهامات الجائرة والكاذبة على كل مفكر حر وفيلسوف حقيقي صاحب مشروع توعوي لإصلاح العقل المصري والعربي.

ولنا بعض الأسئلة هل حقاً ملابس المرأة المكشوفة تعمل على عدم الإستقرار المجتمعي؟!!

أليس هذا إختزال مُخّل لأسباب تقويض السلام الاجتماعي؟!!

أليس هذا إلهاء للعقل وتشتيت للانتباه بعيداً عن الأسباب الحقيقية لتقويض السلام المجتمعي؟!!

للاسف الشديد دائماً جسد المرأة وحياتها محط إهتمام ووصاية التيار الماضوي.

إذن نحن أمام تيار ايديولوجي يتدثر بثياب المثقفين لحراسة الافكار الماضوية التي هى أوهام تعيش في مخيلة هؤلاء فقط، وإنه لمن العجب العجاب هو تجاهل التجربة التاريخية الطويلة لهذه الافكار ولمنظومة القيم التى أنتجتها داخل سياقاتها التاريخية.

***

بقلم: اشرف منير رمزي

 

في المثقف اليوم