عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

مصطفى دحماني: خدعة رفع المصاحف (3)

نهاية التاريخ.. والمُسلّم الأخيّر

كنا أشرنا في ختام المقالة السابقة، أن جماعات الإسلام السياسي رفعت شعار " الإسلام هو الحل " بدعوى أن كل الإيديولوجيات الليبرالية والإشتراكية " المستوردة " قد سقطت، وأن كل الأنظمة الحاكمة الثورية والقومية، بما في ذلك النظام الناصري في مصر والنظام البومديني في الجزائر والأحزاب البعثية في سوريا والعراق، قد انتهت إلى طريق مسدود وبعبارة أخرى الدولة الوطنية، دولة ما بعد الإستعمار قد فشلت فشلاً ذريعاً، فالحل الإسلامي هو أخر الحلول، والإسلام السياسي هو أخر الإيديولوجيات، هو نهاية التاريخ، والإسلامي هو المسلم الحقيقي، هو المسلم الأخير! ويُشخّص دعاة " الحل الإسلامي " إخفاق الأنظمة الوطنية الحاكمة التي تبنت إيديولوجيات " مستوردة " وطبقت تجارب "غربية " وأهملت الاسلام “الصالح لكل زمان ومكان “في المجالات التالية:

1- إخفاق في مجالات التنمية البشرية وفي الحد من الفوارق الطبقية وفي مكافحة الفقر والبطالة.

2- إخفاق في قضايا الحريات والحقوق وحتى في ضمان السلم الإجتماعي وفي تحقيق الإستقرار السياسي.

3- والإخفاق الأكبر كان في العجز عن تحرير فلسطين، كل فلسطين، من النهر إلى البحر.

4- والفشل الذريع في مجال تسيير الشؤون الدينية وفي ترقية الجوانب الروحية وفي إدارة الأوقاف.

5- الإخفاق التام في قطاعات التعليم والتربية والصحة والعدالة.

6- فشل في مجال تحقيق أي شكل من أشكال التضامن الإسلامي (الأمة الإسلامية) وفي أي صيغة من صيغ الوحدة العربية (الأمة العربية).

و الحقيقة التي لا مراء فيها، هي أن الخطاب الديني المعاصر كان بالفعل وبالقوة يتغذى وينمو ويتكاثر من مسلسل الفشل والإخفاق الذي لازم الدولة الوطنية، منذ أن نشأت في عشرينيات القرن الماضي في مصر وسوريا والعراق والأردن والسعودية. وما يثير الإستغراب حقًا أنه من تراكم الفشل الذي ظهر جليًا في المجالات المتعلقة ببناء الإنسان، في مجال التنمية البشرية، وبالأخص في التعليم والصحة والعيش الكريم، كان الخطاب الديني يُفسّر الأزمات والوقائع والأحداث والهزائم والنكسات، وكل ما كانت تتعرض لها المجتمعات العربية - الإسلامية من أزمات. فلقد كانت الأحداث – ومازالت - ومهما كانت طبيعة هذه الأحداث، تفسر تفسّيرا دينيا غيبيا، فإن كانت هذه الأحداث إيجابية مثل الإنتصارات العسكرية تُفسّر بأنها بفضل الله وعنايته، فالإنتصار الوحيد الذي حققه العرب في عام 1973 نسبه الإسلاميون إلى الملائكة التي كانت تقاتل جنبا إلى جنب مع الجيوش العربية، وإن جاءت الأحداث سلبية يتم إرجاع السبب إلى البعد عن الله والإنحراف عن الطريق المستقيم، طريق الإسلام، طريق أهل السنة والجماعة. [1] وهكذا وبكل بساطة، تم إرجاع أسباب الهزائم العسكرية والحروب التي خاضتها الدول العربية في أعوام 1948 و1956 و1967، إلى سبب واحد ووحيد هو البعد عن الله وترك الصلاة وعدم صيام رمضان وتبرج النساء واختلاط الذكور بالإناث!! وفي نفس الإتجاه، اتجاه التأكيد على فشل سياسات الأنظمة الحاكمة وإخفاق الإيديولوجيات " المستوردة " فقد جاء في كتاب الشيخ يوسف القرضاوي " الحل الإسلامي.. فريضة وضرورة " ".. لقد فَشل الحلاَّن الليبرالي والإشتراكي في تحقيق نصر عسكري في قضية العرب والمسلمين الأولى.. قضية فلسطين أولى القبلتين وثالث الحرمين... " [2] وبالموازاة مع مسلسل الفشل الذي لازم المجتمعات والدول في النصف الأول من القرن العشرين، كانت التيارات السياسية الدينية قد بدأت بسحب البساط من تحت أقدام التيارات اليسارية والليبرالية، كما كانت الساحة السياسية العربية تتيهأ لإستقبال مولود جديد اسمه " الصحوة الإسلامية"! ولا غرو أن تشهد سبعينيات القرن الماضي مظاهر وتجليات الهَّوس الديني حتى في مؤسسات الدولة الوطنية، وأن تعرف كذلك المجتمعات العربية انتشار الجماعات الدينية في الشوارع والطرقات، انتشار النار في الهَشيّم، وهي الجماعات التي خرج بعضها من السجون وخرج بعضها الأخر من الكهوف، خرجت التنظيّمات الجهادية رافعة المصاحف على آسنة السيوف، وبذلك انتقلت جماعات الإسلام السياسي من الدعوة إلى الجهاد، ومن العمل السّري تحت الأرض إلى العمل العلني وفي وضح النهار، وتحت الرعاية السامية للأنظمة القومية والثورية الحاكمة التي كانت ترفع شعار الوحدة العربية و" الإشتراكية اختيار لا رجعة فيه "[3]. وفي بداية الثمانينيات، لم تتردد هذه الجماعات في الإعلان عن وجودها الرسمي، عندما قامت الحركات الإسلامية بمجموعة من الإستعراضات العنيّفة مثل المظاهرات الصاخبة في الشوارع وحرق قاعات السينما وتخريب الكنائس والإعتداءات المتكررة على الطلبة المنتسبين للتيارات اليسارية والليبرالية في المدارس والجامعات والهجوم على النساء غير المحجبات واغتيال عدد من المثقفين، حرق وتكسيّر الملاهي ومحلات بيع الخمور وأشرطة الفيديو والكاسيط ومنع الحفلات الغنائية وحتى منع إقامة الأفراح والأعراس. [4] ولن نأت بجديد إذا قلنا، أن هذه الجماعات التي خَرجت من السجون، أو بمعنى أصح أُخرجَت من السجون بقرار سياسي، في بداية السبعينيات والثمانينيات، شاهرة سيّف المقدس الديني من خلال رفع شعار " الإسلام هو الحل" كانت ترى في الإسلام، إسلام النصوص، سواء كان النص المؤسس أو نصوص الفقهاء، وبعبارة أدق تجد الحلول في الإسلام المعياري، حيث يردد الخطاب الديني المعاصر، بأن الإسلام يقدم كل الحلول ويتوفر على كل البدائل ولديه كل الأدوية التي سوف تعالج كل الأمراض الإجتماعية والإنحرافات الأخلاقية، وعلى نفس المنوال ينسج الإخوان المسلمين خطابا يرون فيه أن الإسلام نظام شامل يُحدّد للناس نمط حياتهم الإجتماعية والإقتصادية، وبالتالي على الإنسان المسلم بالمعنى الحقيقي للكلمة، أن يؤمن إيمانا عميقًا بأن الإسلام نظام شامل وكامل وكافٍ، فالإسلام وحده كافٍ يقول الشيخ حسن البنا في مذكرات الدعوة والداعية ".. نحن مسلمون وكفى، ومنهاجنا منهاج رسول الله وكفى، وعقيدتنا مستمدة من كتاب الله وسنة رسول الله وكفى... "[5] ولا يتوقف الأمر عند عبارة " الإسلام يكفينا"، بل يجب كراهية الحضارة المعاصرة، ويجب نصب العداء لكل النظم الفكرية ورفض العلوم الإنسانية، والحقد على النظم السياسية الحديثة مثل الرأسمالية والإشتراكية وشيطنة الفلسفة السياسية الحديثة وكل المنتوج الثقافي الحديث من فنون وآداب وفلسفات. [6] فالإسلام كما جاء في رسالة الشيخ حسن البنا في المؤتمر الخامس للجماعة المنعقد عام 1937 ".. نظام شامل متكامل بذاته، وهو السبيل النهائي للحياة بنواحيها... الإسلام قابل للتطبيق في كل مكان وزمان "[7] وليس هذا فحسب، بل أن الشريعة الإسلامية هي أفضل قانون يحقق العدل، وهي أحسن تشريع صالح لكل عصر وفي أي مصر، أو كما أطلق الشيخ الصحفي المصري علي يوسف في بداية القرن العشرين، عبارته الشهيرة " الإسلام صالح لكل مكان وزمان ". فالإسلام بالنسبة للكثرة الكاثرة من مفكر ي الإسلام في العصر الحديث، دين شمولي قد وضع نظاما للحياة، بل هو عند سيد قطب صاحب النصوص والمتون والإنتاجات الغزيرة التي كلها ترفض رفضًا قاطعاً الحضارة الأوروبية وتكره كرهًا مرضياً الثقافة الغربية، تقترح الحلول، فهو يعتقد أن في الإسلام العدالة الإجتماعية التامة والنهائية، ومادام الأمر كذلك فالمستقبل لهذا الدين ومعركة الإسلام مع الرأسمالية ستنتهي حتما بإنتصار الإسلام، وعندما يسود الإسلام سيتحقق السلام العالمي والإسلام وحده القادر على حل كل مشكلات الحضارة والإسلام قد وضع معالم في الطريق. ولسنا في حاجة إلى شرح كبير للقول بأن كتابات سيد قطب هي رد فعل على الفكر الأوروبي الحديث وهي متأثرة بطريقة أو بأخرى بالفكر الإشتراكي والفلسفة الليبرالية، فلو لا مفاهيم ومقولات الفلسفة السياسية الحديثة، ما استطاع سيد قطب وغيره من المفكرين الإسلاميين تناول موضوعات العدالة الاجتماعية ومسائل الديمقراطية وقضايا الدستور ومفاهيم المواطنة والدستور، كما كان الأمر مع الخطاب السياسي النهضوي، الذي لولا حملة نابليون على مصر عام 1798 ما تمكن من اكتشاف مفاهيم الدولة والحرية والدستور، ومع ذلك فإن سيّد قطب يرفض حلول الحضارة الغربية المادية/العلمية، ويعتقد مائة في المائة أن ".. البشرية تقف اليوم على حافة الهاوية.. لا بسبب التهديد بالفناء المعلق على رأسها.. فهذا عرض للمرض وليس هو المرض.. ولكن بسبب إفلاسها في عالم القيم التي يمكن أن تنمو الحياة الإنسانية في ظلالها نموا سليما وتترقى ترقيا صحيحا، وهذا واضح كل الوضوح في العالم الغربي، الذي لم يعد لديه ما يقدمه للبشرية من "القيم ".. بل لم يعد لديه ما يقنع ضميره بإستحقاقه للوجود، بعدما انتهت " الديمقراطية " فيه إلى ما يشبه الإفلاس.. " [8 ] والنتيجة التي يصل إليها سيد قطب أن الحل الوحيد لأزمات البشرية هو الحل الإسلامي، المتمثل في الرجوع إلى المنهج الرباني، على أساس أن الإنسان مهما يكن شأنه، يظل عاجزا عن أن يضع النظام الدقيق الكامل لممارسته حياته اليومية وحياته العامة، والقادر على ذلك هو المولى سبحانه وتعالى فهو القدير، وهو العليم الحكيم، وهو الخبير البصير. المنهج الرباني ولا منهج غيره، هو منهج الحياة للبشرية كلها، وتضل البشرية وتعيش في جهالة عمياء، إن هي مضت في حياتها على منهج غير المنهج الرباني. [9] والمنهج الرباني من منظور سيّد قطب هو المنهج الأمثل ليس فقط للمجتمعات الإسلامية، بل للبشرية جمعاء، لأن البشرية اليوم وتحت قيادة النظام، قد أفلست أو على الأقل أوشكت على الإفلاس".. إن قيادة الرجل الغربي للبشرية قد أوشكت على الزوال.. لا لآن الحضارة الغربية قد أفلست ماديا أو ضَعُفت من ناحية القوة الإقتصادية والعسكرية.. ولكن لآن النظام الغربي قد انتهى دوره، لآنه لم يعد يملك رصيداً من "القيم" يسمح له بالقيادة.. " [10] ما يلاحظ على الخطاب القطبي، هو أنه لا يرى فقط أن الحل الإسلامي والقيم الدينية والمنهج الرباني، هو الحل الأمثل ليس فقط للمسلمين والعرب، بل هو الحل الشامل والنهائي " هو " نهاية التاريخ " وبالتالي فإن الإنسان الأصولي هو " الإنسان الأخير " وخطاب الإسلام السياسي، هو أخر الإيديولجيات! والإسلام وحده – الذي يملك هذا الحل وتلك القيم وذلك المنهج، والحقيقة أن سيّد قطب لا يكتفي بعرض الحل الإسلامي. بل ويرشح الإسلام والأمة الإسلامية بعد أن تتخلص من " جاهلية القرن العشرين " وتلتزم بالحاكمية لقيادة الإنسانية وممارسة الأستاذية على العالم. [11] نستنتج من ذلك أن المنهج الإسلامي، وحسب وجهة نظر سيّد قطب، وهو منهج رباني قد تمت صياغته لتقديم حلول للمشكلات وللأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وخاصة المشكلات الثقافية والفكرية، التي تتخبط فيه المجتمعات والإسلامية القائمة اليوم، وهي بالمناسبة ومن منظور سيد قطب كذلك مجتمعات غير إسلامية، وبالتالي المنهج الإسلامي لا يصلح لها ولن يكون " الدواء الرباني " ناجعا معها ولن يفيدها في تقديم حلول لمشكلاتها وأزماتها، إلا إذا أصبحت مجتمعات إسلامية، بالفعل وبالقوة، أي إلا إذا حدث تطابق بين الإسلام المعياري مع الإسلام الإجتماعي. وبالتالي، ومن منظور حسن البنا وسيد قطب ويوسف القرضاوي ومحمد الغزالي وسعيد حوا ومصطفى السباعي وغيرهم كثير، فإن المنهج الرباني، منهج كامل متكامل، ومن هنا رفعت شعارات في سلسلة من الثنائيات، من قبيل بل أن الإسلام " دين ودنيا، " دين ودولة " " عبادة وقيادة " " مصحف وسيف " " ومنهج وشريعة ". وبإختصار الإسلام، كما يفهمه الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، نظام شامل كامل، نظام ولد كاملاً في القرن السادس الميلادي. واضح أن هذا القول يهدر البعد التاريخي ولا يلتفت للتحولات التاريخية ولا يدرك أن أي نظام فكري أو سياسي أو اجتماعي يولد أولا ثم ينمو ويتطور ويتحول عبر الزمن، فلا شيء ثابت كما يقول الفيلسوف اليوناني هيراقليطس. وغني عن البيان القول، أن النص الديني عندما مَر على مطحنة خطاب الأصولية الدينية تحول إلى ايديولوجية شمولية مثلها مثل الإيديولوجيات الشموليات التي عرفها النصف الأول القرن العشرين أي الفاشية في ايطاليا والنازية في ألمانيا والستالينية في روسيا. ومن المبادئ التي أرساها الشيخ حسن البنا في جماعة الإخوان المسلمين هي التأكيد على أن ".. النظام الديني الإلهي الذي يجب على كل مسلم أن يمارس الحياة على أساسه، وألا يستبدل به غيره مهما تكن الظروف والمناسبات، من حيث أنه النظام العام الدائم الصالح لكل زمان ولكل مكان، وليس مسلما من يعرض عن هذا النظام، ويستبدل به غيره مما هو من صنع البشر، فالله اعلم بمصلحة عباده، وقد وضع لهم النظام الذي إن ساورا عليه تحققت لهم السعادة، ومَنَّ الله عليهم بالخير وبالأمن والرخاء، وإن أعرضوا عنه أصابهم الشر والنكر والبلاء.. " [12] معنى هذا الكلام أن الشعوب العربية- الإسلامية، عندما تخلت عن قيم الإسلام، وأهملت شرائع الإسلام، وفقدت مبادئ الإسلام أصابها الهوان وتكالب عليها الأعداء وجاءها الغزاة من كل حدب وصوب، بل وعاشت سنوات الضياع! وهكذا نستنتج أن الإسلام، سواء على مستوى التاريخ أو على مستوى الاجتماع، كان دائما هو بؤرة الصراع، ولهذا لا نندهش من هذا الصراع حول الإسلام.. وعلى الإسلام.. وبالإسلام!

***

د. مصطفى دحماني

أستاذ الفكر العربي– الإسلامي/جامعة بشار /الجزائر

.......................

مصادر ومراجع

1.  محمد أحمد خلف الله: الصحوة الإسلامية في مصر، ورقة قُدمت إلى ندوة " الحركات الإسلامية المعاصرة في الوطن العربي". بيروت. مركز دراسات الوحدة العربية. ط2. 1989 ص 70

2.  يوسف القرضاوي: حتمية الحل الإسلامي 2.. الحل الإسلامي فريضة وضرورة. القاهرة. مكتبة وهبة. 1993 ص 7

3.  رفعت السعيد: الإسلام السياسي.. من التطرف إلى مزيد من التطرف. ضمن كتاب " الإسلام والسياسة " الجزائر، موفم للنشر 1995 ص 21

4.  المرجع نفسه ص 22

5.  حسن البنا: مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا. بيروت، دار القرآن الكريم بيروت 1974 ص 244 و247

6.  حسن البنا: المصدر نفسه ص 9

7.  سيد قطب: معالم في الطريق. بيروت، دار الشروق 2008 ص 5

8.  المصدر نفسه ص 6

9.  المصدر نفسه ص 8

10.  المصدر نفسه ص8

11.  حسن البنا ذكره محمد أحمد خلف الله: المرجع نفسه ص 49

12.  المصدر نفسه ص 49

في المثقف اليوم