عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

بدر الفيومي: ولادة علم الكلام من رحم الفتنة

انتقال الصراع من السيف إلى صراع العقل.. اللقاء الرابع

تحدثنا في لقائنا السابق عن مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان -رضي الله عنه- بوصفه نقطة الانفجار الأولى التي عصفت بوحدة الأمة، وكيف مثّل ذلك الحدث الجلل، وما تلاه من صراع مرير وحمل للمصاحف على أسنة الرماح في موقعة صفين، شرخاً عميقاً في جسد الأمة كسر الإجماع السياسي، وحوّل الخلاف إلى تعددية قسرية.

أما عن المرحلة التي تلت تلك الأحداث العاصفة، وتحديداً السنوات الممتدة من أواخر القرن الأول الهجري إلى منتصف القرن الثاني الهجري (680م 750م تقريباً)، نجد أننا نقف أمام تحول أعمق وأخطر في بنية العقل الإسلامي؛ ألا وهو انتقال الصراع من بريق السيف إلى عمق المفهوم، ومن ساحات المعارك المضمخة بالدماء إلى صخب الأفكار.

والأمر الذي يفرض نفسه هنا بقوة، ولا يمكن لأي باحث منصف أن يتجاوزه، هو أن علم الكلام الإسلامي لم يولد في فراغ نظري، ولم ينشأ بوصفه ترفاً عقلياً أو رياضة ذهنية محضة تلهى بها بعض المتفقهين والمثاقفين في مجالسهم الرغيدة، بل وُلد من رحم الفتنة القاسية، وتخلق استجابةً لأسئلة حارقة أحدثتها الحرب الأهلية والهزيمة الداخلية التي زلزلت يقينيات المجتمع.

فلم يعد السؤال المركزي الشاغل للناس من هو الخليفة الأحق؟، بل انزاح مركز الثقل نحو أسئلة أشد تجريداً وأعمق أثراً، ليتساءل الناس؛ هل الإنسان مسؤول حقاً عن أفعاله أم أنه مسير؟، وهل القاتل والمقتول من أبناء الأمة الواحدة كافران أم فاسقان؟، وهل ما جرى من سفك دماء الصحابة هو قدر إلهي نافذ لا راد له، أم أنه محض فعل بشري آثم؟، وأين يتجلى العدل الإلهي في خضم هذا التشظي والانهيار؟. هذه الأسئلة الكبرى هي التي دفعت بقوة نحو نشوء علم الكلام بوصفه محاولة لإنقاذ الوعي الجمعي من الانهيار.

وإذا ما حاولنا تفكيك هذا المشهد المعقد عبر غرابيل التحليل التاريخي والفلسفي، بعيداً عن قراءات المجتزئين الذين يقطعون الأفكار من سياقاتها، فإننا سنصطدم أولاً بظهور الاتجاه الجبري في أواخر القرن الأول الهجري، وهو اتجاه لم يكن بريئاً من التوظيف السياسي. فقد ارتبط القول بالجبر المطلق، والذي نُسب إلى الجعد بن درهم (ت 724م تقريباً) وبعض من تبعه، بمحاولة المؤسسة السياسية تفسير الأحداث الكبرى والهزائم الداخلية بوصفها قدراً إلهياً لا مدخل لإرادة البشر فيه.

ويبدوا جلياً للمتأمل أن القول بالجبر كان، في سياق الفتنة وتثبيت دعائم الحكم، أداة ناجعة لتخفيف وطأة المسؤولية البشرية عن المظالم. فإذا كان كل شيء يجري بقدر صارم لا فكاك منه، فإن ما وقع من قتل واقتتال واستيلاء على السلطة إنما هو تنفيذ لمشيئة عليا لا يجوز معارضتها. وقد رويت في هذا السياق نصوص وأخبار عن بعض الأمراء الأمويين تؤكد هذا المعنى، حيث كانوا يبررون استئثارهم بالسلطة وما يقع من بطش قائلين إن ما جرى هو قضاء الله وقدره الذي لا يُرد.

وهذا الخطاب لا يمكن قراءته إلا بوصفه نهجاً سياسياً براغماتياً يستتر بلبوس الدين لحماية الشرعية السياسية من النقد والمساءلة، وتخدير لوعي الجماهير وإسكات لمعارضيهم. وهنا يتجلى لنا كيف يتحول مفهوم عقدي دقيق إلى أداة سياسية طيعة، وكيف يُمارس التجديف المبطن حين يُنسب الظلم البشري إلى الإرادة الإلهية، وهو ما يستهوي عادة بعض المتأولين الذين يسخرون النصوص لخدمة السلطان، ويستميلون بعض شبيبة الأمة الغضة بشعارات التسليم والرضا بالقضاء لضمان طاعتهم العمياء.

وفي مقابل هذا النسق الجبري التبريري، كان لا بد من ظهور رد فعل أخلاقي وشرعي يعيد الأمور إلى نصابها، فظهر تيار القدرية الذي نُسب تاريخياً إلى معبد الجهني (ت 699م) ثم إلى غيلان الدمشقي (ت 743م). حيث أدرك هؤلاء أن الاستسلام لمقولة الجبر يقود إلى زيغ خطير ينسف أسس التكليف والعدالة، فأكدوا بقوة ووضوح على مسؤولية الإنسان الكاملة عن أفعاله. وقد نقل الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه المرجعي (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين) أن القدرية قالوا(إن الله لم يخلق أفعال العباد)، قاصدين بذلك أن العبد هو الخالق لأفعاله الاختيارية استقلالاً ليصح الحساب عليها.

وهذا القول، حين نضعه في سياقه التاريخي الملتهب، يعيد تحمل المسؤولية كاملة إلى الفاعل البشري. فلا يمكن وفق هذا المنظور تبرير القتل وسفك الدماء ونهب الأموال بأنه قدر محتوم كتبه الله في الأزل وأجبر العباد على تنفيذه، بل هو فعل بشري آثم ومستقل يُسأل عنه صاحبه ويُحاسب عليه أمام الله وأمام التاريخ. وهذا الأمر الذي نؤكد عليه يجعلنا ندرك بوضوح تام أن الجدل العنيف حول القضاء والقدر لم يكن مجرد مسألة معلقة في سماء التجريد، ولا ترفاً فكرياً يلوك به المجترئين في مجالسهم، بل كان رد فعل صميمياً على سؤال العدالة الملتهب بعد أن شربت الأرض من دماء المسلمين.

وإذا تأملنا هذا الصراع الفكري الشرس بين دعاة الجبر ودعاة الاختيار، نجد أنه يعكس في حقيقته انقساماً جذرياً في تفسير الهزيمة التي حلت بالأمة بين عامي 656م و661م؛ فبينما يرى الجبرية أن ما وقع هو قدر إلهي لا يُسأل عنه أحد، تصر القدرية على أن الإنسان مسؤول مسؤولية تامة، وأن العدل الإلهي المطلق يقتضي المحاسبة الصارمة. وقد أشار القاضي عبد الجبار المعتزلي في موسوعته الخالدة (المغني في أبواب التوحيد والعدل) إلى أن إثبات العدل الإلهي وتنزيه الله عن الظلم يقتضي بالضرورة إثبات حرية الإنسان وقدرته على الفعل والترك.

فهذا الصراع المحتدم يؤكد أن علم الكلام نشأ في جوهره كمحاولة مستميتة للدفاع عن صورة الله سبحانه وتعالى في الوعي الجمعي المأزوم بعد الهزيمة، وتنزيه ساحته جل وعلا عن أن يكون ظالماً أو مجبراً لعباده على المعاصي ثم يعاقبهم عليها. فعندما تُهزم الجماعة وتتصدع من الداخل، يُطرح سؤال حاد وقاسٍ؛ كيف يسمح الله بهذا الانقسام المريع؟، وأين تجليات العدل الإلهي في تقاتل خيرة الصحابة ومقتلهم لبعضهم البعض؟، في هذه اللحظة الفارقة، يتحول القضاء والقدر من كونه مجرد مسألة إيمانية عامة تُتلقى بالتسليم، إلى آلية تفسيرية وأداة أيديولوجية تُستخدم في معترك الحياة.

وقد استُدعي في هذا الخضم قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)، بوصفه تأطيراً قرآنياً للهزيمة وللتغيرات السياسية ضمن سنن التداول الكوني. لكن السؤال الفلسفي المعضلة ظل قائماً ومحفزاً للعقول؛ هل هذا التداول هو قدر غيبي لا يُسأل عنه البشر؟، أم أنه نتيجة حتمية لقصور الأفعال البشرية وتخلفها عن أسباب النصر؟. وقد أدى هذا الجدل العميق والمستمر حول القدر إلى تشكل نهوج كلامية ومدارس فكرية كبرى لا تزال آثارها باقية، بل وتمتد إلى حاضرنا المعيش لتشكل وعينا ورؤيتنا للعالم. حيث برزت المعتزلة كتيار عقلاني جارف يؤكد على حرية الإنسان المطلقة دفاعاً عن كمال العدل الإلهي، وجاءت الأشاعرة لاحقاً في محاولة عبقرية للتوفيق والتركيب عبر ابتكار (نظرية الكسب) التي تحفظ لله خلقه للأفعال وتحفظ للعبد مسؤوليته عنها، بينما مال أهل الحديث والأثر إلى تفويض الأمر لله مع إثبات النصوص كما وردت دون الخوض في التأويل الفلسفي.

وقد وصف الشهرستاني هذه الخلافات المعقدة بدقة متناهية في كتابه (الملل والنحل)، مبيناً أن أصل النزاع الأكبر والأخطر الذي أسال حبر العلماء ودماء المخالفين كان في مسألة (أفعال العباد) ومدى استقلالهم بها. ومن هنا يتضح بما لا يدع مجالاً للشك أن الفتنة الكبرى لم تنتج فقط انقساماً سياسياً وحروباً طاحنة، بل أنتجت سؤالاً عقدياً بالغ العمق والتعقيد حول علاقة الله عز وجل بالتاريخ البشري وحركة المجتمعات. حيث كان الإصرار من قبل بعض التيارات على ربط كل ما وقع بالقدر الغيبي وسيلة ناجعة، في نظرهم، لحفظ صورة الله من الاتهام بالظلم أو النقص، غير أن هذا التوجه، وكما نرى، قد يفضي في نهاياته العملية إلى تعطيل المسؤولية البشرية وتبرير التواكل والقعود والخنوع للمستبد.

وفي المقابل، فإن إثبات حرية الإنسان وقدرته المطلقة كان يحفظ العدل الإلهي ساطعاً لا تشوبه شائبة، لكنه في الوقت ذاته يُحمّل البشر وزر كل ما جرى من فتن ومآسٍ وتاريخ من الدماء. وهكذا أصبح مبحث القضاء والقدر، الذي هو من أصول الإيمان، آلية نسقية دفاعية تلجأ إليها الفرق لحماية أحد جانبي الصورة؛ إما صورة الله العادل المنزه عن العبث، أو صورة الإنسان الفاعل والمسؤول أمام خالقه.

ولذلك، حري بنا ونحن نستقرئ هذا التاريخ أن ندرك أن ولادة علم الكلام لم تكن أبداً استجابة لترف جدلي أو تأثراً محضاً بالترجمات الفلسفية اليونانية كما يحاول بعض المستشرقين والأغيار تصويره، بل كان محاولة أصيلة وعميقة لإنقاذ نسق العقيدة الإسلامية من الانهيار المعنوي أمام زلازل الفتنة.

فالهزيمة الداخلية، والسيوف التي التقت في صدور الإخوة، طرحت أسئلة مصيرية لم تكن مطروحة في عهد النبوة أو صدر الخلافة الراشدة بهذه الحدة والضرورة، كسؤال ما حقيقة الإيمان؟. ومن هو المؤمن حقاً ومن هو الكافر؟. وهل مرتكب الكبيرة كالقاتل في الحرب الأهلية يخرج من ملة الإسلام كما زعمت الخوارج، أم يظل مؤمناً كامل الإيمان كما أرجأت المرجئة؟. وكيف يمكن التوفيق بين كون الصحابة كلهم عدولاً وبين وقوع الاقتتال العنيف بينهم؟. وقد كان الجواب عن هذه الأسئلة يتطلب بناءً فكرياً جديداً ونسقية صارمة قادرة على استيعاب التناقضات الظاهرية دون التفريط في الثوابت.

وفي هذا السياق المحموم، انبرى قادة الرأي من مفكري الإسلام لصياغة إجابات تحفظ للأمة توازنها. ولعل الموقف الفذ لـ واصل بن عطاء حين اعتزل مجلس أستاذه الحسن البصري وقرر أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن مطلق ولا بكافر مطلق، بل هو في (منزلة بين المنزلتين)، يمثل ذروة هذا النضج الكلامي.

إن هذا الموقف العبقري لا يمكن بأي حال من الأحوال فصله عن سياق الحرب الأهلية ومحاولات رأب الصدع؛ فهو تسوية لاهوتية ذات أبعاد سياسية واجتماعية عميقة، تهدف إلى حقن الدماء عبر نزع سلاح التكفير الذي رفعه الخوارج، وتنزع في الوقت نفسه شرعية التبرير التي ركن إليها بعض طغاة السياسة وبعض المتأسلمين الذين استمرؤوا الفساد تحت غطاء الإرجاء.

وختاما بعد هذا الطواف التاريخي والتحليلي المعمق لمرحلة ما بين (680م 750م)، نجد أننا نقف أمام حقبة شهدت أضخم عملية تحول مفاهيمي في تاريخ الإسلام. حيث أفرزت الهزيمة الداخلية وانكسار الإجماع انتقالاً جذرياً للصراع؛ من حيز السيف والرمح في الميدان، إلى حيز النظر والبرهان في العقل. حيث كان نشوء الجدل العنيف حول حرية الإنسان والعدل الإلهي ضرورة تاريخية لولادة علم الكلام بوصفه الدرع الفكري المدافع عن النسق الإسلامي المستقر.

ولذلك فإن الهزيمة الداخلية المروعة التي عصفت بالأمة لم تُنتج فقط فرقاً سياسية متحاربة كالشيعة والخوارج والأمويين، بل أنتجت قبل ذلك وبعده بنية كلامية، فلسفية وعقدية، تظل تحدد مسار الفكر الإسلامي، وتشكل طريقة تعاطينا مع أسئلة الحرية والسلطة والعدالة لقرون طويلة، وستظل أشباحها حاضرة تسائلنا وتحاسبنا في كل أزمة نمر بها في حاضرنا ومستقبلنا.

للحديث بقية

***

د. بدر الفيومي

 

في المثقف اليوم