من ينصب نفسه حارسا على أبواب السماء.. يوزع صكوك الصواب والخطأ، ويمنح الآخرين حق الوجود أو يسلبهم إياه وفق ما يوافق يقينه أو يخالفه. في المسافة الفاصلة بين الإيمان وادعاء امتلاك الحقيقة، تتشكل واحدة من أعمق أزمات الوعي البشري: تلك اللحظة التي يتحول فيها الاعتقاد من تجربة شخصية تمنح صاحبها معنى لحياته، إلى سلطة متعالية تطلب من الجميع الخضوع لها، لا بوصفها رأيا قابلا للنقاش، بل باعتبارها الحقيقة الوحيدة التي لا يحق للعقل أن يسألها أو للإنسان أن يراجعها
ما الذي يحدث للعقل حين يتحول الإيمان الشخصي إلى حكم كلي على البشرية كلها؟
وكيف ينتقل المرء من القول: «أنا أؤمن بهذا الدين» إلى تقرير مصائر معتقدات الآخرين، واختزال تجاربهم الروحية والفكرية في كلمات الإدانة والتبخيس؟
من حق كل إنسان أن يعتقد أن دينه هو الحق، وأن يرى في عقيدته طريقا للخلاص والمعنى والطمأنينة. لكن هناك فرقا جوهريا بين حق الاعتقاد وادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة. الأول حرية شخصية ينبغي حمايتها، أما الثاني، حين يتحول إلى سلطة على الآخرين، فيصبح مدخلا إلى إقصائهم وتجريدهم من حقهم في تعريف أنفسهم وفهم العالم من منظورهم الخاص.. فهي جريمة
والسؤال الذي ينبغي أن يواجه كل من يعلن احتكاره للحقيقة هو: ما المعيار الذي تستند إليه حين تجعل قناعتك الخاصة حكما نهائيا على البشرية؟
وصف هذا الكائن معتقدات الآخرين جميعا بالشركيات والوثنيات والإلحاد ليس مجرد اختلاف في الرأي الديني إنه، في دلالته الخطابية، اختزال لتاريخ طويل من التجارب الروحية والفلسفية والثقافية في حكم واحد يصدره من موقع يتوهم فيه أنه يمثل الحقيقة النهائية.
ايها الناس البشرية ليست كتلة واحدة من العقول والضمائر، ولا يمكن اختزال تراثها في تصنيف يصدر عن جماعة دينية أو مذهب أو فرد.
لقد عرفت الحضارات أسئلة الوجود والمعنى والموت والأخلاق قبل ظهور كثير من الأديان المعروفة اليوم، وأنتجت تقاليد فلسفية وروحية متباينة، كما أنتجت أنماطا مختلفة من التفكير الديني وغير الديني. ومن حق المؤمن أن يختلف مع هذه التقاليد، لكن ليس من حقه أن يتعامل مع أتباعها باعتبارهم كائنات أدنى مرتبة في سلم الكرامة الإنسانية.
أي معنى أخلاقي يبقى للإيمان إذا تحول إلى ذريعة لاحتقار الإنسان؟
وأي قيمة للحقيقة إذا كان الطريق إليها يمر عبر إهانة من لا يعتنقها؟
المشكلة ليست أن يعتقد شخص أن الإسلام هو الحق، أو أن يعتقد مسيحي أن المسيحية هي الحق، أو أن يرفض إنسان آخر الأديان جميعا. المشكلة تبدأ حين يريد أي منهم تحويل اعتقاده إلى معيار عام لفرز البشر
ولنفترض أن إنسانا يمتلك يقينا لا يتزعزع بأن عقيدته هي الحقيقة المطلقة؛ فهل يترتب على هذا اليقين أن يصبح أرقى أخلاقيا من غيره؟
وهل يمنحه حقا في احتقار المختلفين أو الانتقاص من إنسانيتهم؟
فقد يكون المرء شديد اليقين بعقيدته، لكنه قاسي في معاملته للناس وقد يكون هناك آخر مختلف دينيا وعقائديا لكنه أكثر عدلا ورحمة واحتراما لحرية الآخرين.
القيمة الأخلاقية للإنسان لا تقاس بمجرد ما يعلنه من معتقدات، وإنما تتجلى في سلوكه، وفي قدرته على مقاومة الظلم، واحترام الكرامة الإنسانية، والاعتراف بأن الآخرين ليسوا نسخا من ذاته ولا مطالبين بأن يعيشوا وفق تصوره الخاص للعالم.
أنا لا أرى أن قيمة الإنسان تبدأ من انتمائه إلى دين بعينه، ولا أن كرامته تمنح له بعد اجتياز اختبار عقائدي. الإنسان يستحق الاحترام لأنه إنسان، لا لأنه يعتنق ما أعتنقه أو يكرر ما أؤمن به
وإذا كانت الأديان تقدم لأتباعها تصورات مختلفة عن العلاقة بين الإنسان والمطلق، فإن المجال العام ينبغي أن يتسع للجميع، بمن فيهم من لا يؤمن بأي دين.
وأكثر ما يقلقني في خطاب احتكار الحقيقة ليس اختلافه مع عقائد الآخرين؛ فالاختلاف حق، والنقد ضرورة، والجدل الفكري أحد شروط تطور الوعي. ما يقلقني هو تلك النبرة التي يتحدث بها صاحب اليقين كما لو أنه قد تسلم مفاتيح الحقيقة النهائية، وأصبح مخولا بإصدار الأحكام على البشرية،
من أعطى هؤلاء هذه الوكالة؟
ومن قال إن شدة اليقين دليل على صحة الاعتقاد؟
وكم من يقين في تاريخ البشر كان ستارا للظلم والاستبداد، وكم من سؤال بدا عصيانا في زمنه، ثم أصبح بداية لتحرر العقل من أوهامه
فليؤمن كل إنسان بما يشاء، وليدافع عن إيمانه بالحجة، وليختلف كما يشاء؛ لكن لا أحد يملك أن يجعل من يقينه الخاص حكما نهائيا على ضمائر البشر، أو أن ينصّب نفسه قاضيا على مصائرهم.
أيها البشر اتركوا للسماء أسرارها، وللآخرين حقهم في أن يروا العالم بعيون مختلفة. لا تنصبوا أنفسكم حراسا على أبواب الحقيقة، ولا تتوهموا أن الله، إن كان في السماء، قد منح أحدا صك الوكالة عنه على الأرض.
عيشوا بسلام، فالحياة قصيرة، والعمر أقصر من أن نهدره في صراعات العقائد ومعارك اليقين، وأقصر من أن نحمل فيه كل هذا الكراهية لكل من لا يشبهنا. تصالحوا مع اختلافكم، واتركوا للآخرين حقهم في الحياة
آمنوا كما تشاؤون، واختلفوا كما تشاؤون، لكن لا تجعلوا من إيمانكم سيفا على رقاب الآخرين، ولا من يقينكم سجنا لعقولهم
دعوا السماء لأسرارها، والأرض لأهلها، والحياة لاتساعها، ولنتعلم أن نكون بشرا فقط بشرا قبل أن نتنازع حول من يملك الحقيقة.
تواضعوا، فليس في هذا الكون إنسان امتلك الحقيقة كلها، ولا عقل أحاط بأسرار الوجود، ولا يقين أغلق أبواب الأسئلة إلى الأبد. تذكروا أن ما تؤمنون به اليوم قد يكون موضع تساؤل غدا، وأن عقول البشر، مهما بلغت، تظل محدودة أمام اتساع المجهول
احذروا هؤلاء الذين يوزعون صكوك النجاة والهلاك، ويصنفون الضمائر، ويحاكمون النوايا، وينظرون إلى المختلفين عنهم من اعلي. هؤلاء يرغبون في تحويل يقينهم إلى سلطة على عقول الآخرين وحرياتهم
احذروا كل من يطلب منكم إلغاء عقولكم كي يطمئن إلى إيمانه، ومن يريدكم أتباعا لا بشرا، ونسخا متشابهة لا ذواتا حرة.
***
ابتهال عبد الوهاب








