أولت المجتمعات الحديثة المعلم عناية فائقة واهتماما ملحوظا باعتباره عنصرا رئيسا ومؤثرا في العملية التعليمية، وذلك من خلال تعدد وتنوع الصيغ والإحداثيات التعليمية في تأهيله وتكوينه وإعداده، على اعتبار أن فاعلية المؤسسة التعليمية ونجاحها تعتمدان بصورة مباشرة على كفاءة العاملين بها. ولقد صادف عملية إعداد المعلم وتكوينه الكثير من التطوير والتحديث عبر سنوات طويلة، لذا تغيرت طبيعة وماهية استراتيجيات عملية الإعداد، وسلكت المجتمعات المختلفة وفق رؤاها التربوية ودرجة نموها التعليمي وطبيعة مشكلاتها الاجتماعية والثقافية، ودرجة تقدمها الاقتصادي ومستوى نظرة هذه المجتمعات للمعلم وتحديد أهمية دوره في منظومة التعليم مسلكا جديدا مغايرا لما سبق.
ولعل الاهتمام بتكوين المعلم وتأهيله يرتكز على قناعة مفادها أن المعلم وكفاءته يؤثران بشكل واضح ومباشر على نجاح العملية التعليمية؛ باعتباره دعامة أصيلة في المشهد التعليمي، فإن رفع كفاءة إعداده وتكوينه يسهم في تحسين فاعلية النظام التعليمي برمته وتحقيق مخرجات التعلم ونواتجه بصورة جيدة. ولا شك أن مهمة إعداد معلم متميز جدير بمهنة التدريس إحدى أبرز المشكلات المستدامة المرتبطة بمنظومة التعليم الجديدة، كما أن المحافظة على جودة الأدوار التي يقوم بها المعلم في ظل تطورات اجتماعية وثقافية واقتصادية متسارعة ومتصارعة مسألة شائكة ومعقدة.
وفي ضوء التغيرات المتواترة على الصعيد التربوي والتعليمي بشدة فإنه ينبغي على مؤسسات إعداد المعلم بصورة وجوبية تزويده وإكسابه القدرات والمهارات والكفايات اللازمة لا المناسبة فحسب التي تمكنه من مواجهة هذه التغيرات القائمة والمتوقع حدوثها، وهذا يتطلب من كليات التربية إعداد معلم المستقبل اعتمادا على مراجعة مخرجاتها وعملياتها ونواتج التعلم المقصودة والأخرى المرغوبة؛ لتصبح مناسبة ومتوافقة مع متغيرات العصر، بل ومواكبة الإعداد لكل جديد وافد وطارئ على المنظومة التعليمية، من أجل تشكيل معلم قادر على المشاركة والمنافسة والتأثير.
وقضية إعداد المعلم لمهنة التدريس لها أهمية كبرى وخاصة في القرن الواحد والعشرين الذي لم يعد يقتصر دور المعلم فيه على نقل المعلومات والمعارف وتوصيلها بالتلقين المباشر، وإنما يتجاوز ذلك للقيام بمهام من شأنها إعداد نشء قادر على الإبداع وامتلاك مهارات التعلم مدى الحياة، لذا فإن عملية إعداد المعلم لاسيما معلم اللغة العربية عامل رئيس لنجاح منظومة متكاملة تحتاج إلى بذل الكثير من الجهد في تأهيله وتكوينه.
وإذا كان إعداد المعلم وتأهيله يحظى بأهمية واهتمام رسمي وآخر مجتمعي، فإن إعداد معلم اللغة العربية للمستقبل يحظى وينال مكانة مرموقة في الاهتمام لاسيما في الوطن العربي، والدول الأجنبية التي تهتم بتعلم اللغة العربية وتنشئ معاهد ومراكز متخصصة لتعليمها؛ ليس لكونه معلما فحسب، بل معلما للغة القرآن الذي يعد إتقان حفظه وتلاوته ومعرفة ألفاظه ومعانيه ودلالاته البليغة مدخلا ضروريا لتعلم كافة العلوم المكتوبة باللغة العربية، مما يفرض عليه- المعلم- أدوارا ومسئوليات أخرى إلى جانب مهامه الأساسية، فهو مطالب بأداء مهام لغوية تتناسب والعصر الراهن، ومهام استشرافية تتزامن مع تحديات ومتطلبات المستقبل المتجددة.
ولقد أصبح تمكن معلم اللغة العربية للمستقبل من مهارات الأداء التدريسي ضرورة ملحة إذا ما رغب المعلم- نفسه- في تحقيق الفاعلية من تدريسه، وهذا ما أكدته نتائج الدراسات والبحوث التربوية التي اهتمت بقضية إعداد معلم المستقبل من أن تنمية مهارات الأداء التدريسي لمعلم اللغة العربية بخاصة ركنا أساسيا في جوانب إعداده علميا وعمليا في ظل تحديات متسارعة تواجه ملامح العملية التعليمية، فالمستجدات التعليمية المعاصرة جعلت عملية تأهيل المعلم وإكسابه مهارات تدريسية لازمة ومناسبة يتعاظم دورها وأهميتها لتحقيق التوازن بين الإعداد والمهنة سواء باكتساب المعرفة والفهم، أو بالتطبيق والتحليل، وأخيرا بتأمل فعل الأداء التدريسي نفسه من أجل تجويده مستقبلا.
وبرز مفهوم الأداء التدريسي التأملي بصورة واضحة منذ مطلع القرن الواحد والعشرين نتيجة فرضية ممارسة المعلمين للتأمل تمكنهم من تحسين ممارساتهم التدريسية، وتمكنهم أيضا من توظيف المعارف والمعلومات والبيانات التي يرصدونها عن أدائهم التدريسي في الحكم عليه وتطويره للأفضل. وأشارت كتابات التربويين المعاصرين إلى أن المعلم الذي يفكر في أدائه التدريسي بطريقة تأملية يدرس التحديات التي تواجهه بالفعل والأخرى التي قد تعترض سبيله الصفي فيما بعد، ومن ثم التوصل إلى مداخل وطرائق مناسبة للتفاعل معها بإيجابية، فضلا عن تمكين المعلم من تحسين الأداء التدريسي وتعزيز الاتجاه الإيجابي نحو المهنة وتدعيم المشاعر الأكاديمية لدى تلاميذه.
ولقد ظهرت بوادر الاهتمام بالأداء التأملي للتدريس نتيجة المستويات المتدنية في أداء المعلمين وفكرة البحث عن استراتيجيات تسهم في استمرارية النمو المهني لديهم، والتي أبرزت ضرورة الاستغراق والاندماج في التقويم الذاتي للممارسات التدريسية باعتباره- التقويم الذاتي- مفتاحا للتنمية المهنية المستدامة لتطوير الوعي بالذات.
وركزت التربية المعاصرة على التخلي عن فكرة التدريب الروتيني للطالب المعلم وتلقينه مجموعة من الأساليب التدريسية الجامدة، وتشجيعهم على التفكير التأملي الناقد فيما يقومون به من ممارسات تدريسية ليبتكروا ما يرونه مناسبا من استراتيجيات تدريس ومواد تعليمية، وأصبحت الممارسة التأملية للأداء التدريسي من المداخل المثالية لإعداد المعلم؛ إذ تتطلب من المعلمين تطوير أنفسهم لأنهم يحللون ممارساتهم التدريسية ويقيمونها ذاتيا.
وتعد الممارسة التأملية للأداء التدريسي ذات أهمية كبيرة للمعلمين؛ لأنها تساعدهم في تحسين واقع أدائهم الصفي، حيث يستطيع المعلم من خلالها دمج المعرفة الحالية بالمعرفة السابقة وتعديلها للوصول إلى معرفة جديدة أكثر رسوخا، كذلك لا يمكن الوصول إلى تحقيق أهداف التربية والتأكد من إيجابية نواتج التعلم لدى الطلاب إلا أن اكتساب كفايات التدريس في حد ذاتها غير كفيلة بتحقيق الأهداف التعليمية إلا إذا تمكن المعلم من مراقبة أدائه وتأمله سلوكياته الصفية المتعلقة باستخدامه لمهارات التخطيط والتنفيذ والتقويم.
والتدريس التأملي هو منجزٌ ناجِمٌ عن ترجمة المعرفة النظرية وتطبيقها إلى مهارات وعمليات وأداءات إجرائية وذلك من خلال الممارسة الإجرائية العملية والتطبيقية لنظريات التدريس، وتتحقق تلك الممارسات من خلال الخبرات الشاملة المكتسبة في مجال تخصص المتدرب، وتتم هذه الممارسة وفق ضوابط ومعايير إجرائية محددة يؤدي توافرها إلى تحقيق الجودة الشاملة في التنمية المهنية المستدامة. وهذه السلوكيات التدريسية يمكن ملاحظتها وقياسها، ويتوقف مستوى الأداء التدريسي على الخلفية المعرفية والنظرية للمعلم، فضلا عن أن هذه الممارسات جزء أصيل من المكونات الرئيسة للمهارة، ومن ثم لا يمكن قياس المهارة إلا في ضوء هذه المؤشرات والممارسات الجزئية.
ويعد التدريس التأملي استجابة تربوية لمتطلبات معلمي المستقبل كما يوضح (Souto & Dice,2007) من أن أهم مقتضيات التنمية المهنية والأكاديمية الاعتماد على الممارسات التأملية في أثناء التدريب على التدريس قبل الخدمة، والتي تؤدي بدورها إلى المساهمة في تغيير السلوك التدريسي والمواءمة بين النظرية والتطبيق. وهذا ما دفع (Boxley,2016) للتأكيد على أهمية الممارسة التأملية للمعلم وضرورة تدريب معلمي قبل الخدمة عليها؛ حيث إنها تكسب المسئولية وتحقق الالتزام الذاتي الذي يستهدف تطوير الشخصية التدريسية وتحسينها. لذلك تمثل الممارسة التأملية للتدريس فرصة يحصل من خلالها الطالب المعلم على تحليل أنشطته التعليمية لتحسين وتجويد أدائه التدريسي في المستقبل، وتمكينه من فهم تصرفاته الصفية التي تحقق ذاته المهنية، وتلك الممارسات بمؤشراتها الإجرائية تسهم في مساعدة الطالب المعلم في تبسيط أنشطة التدريس، وتعتبر الممارسة التأملية عجلة دفع رئيسة للتطوير المهني للتدريس.
ويرى (Brent,2010) الأداء التدريسي التأملي " القدرة على التأمل والتفكير الناقد الإيجابي الذاتي والمستمر للممارسات والإجراءات التدريسية التي ينفذها المعلم؛ بهدف تحسين وتطوير هذه الممارسات والإجراءات"، ويقصد به أيضا " مجموعة السلوكيات والأداءات التدريسية التي يظهرها معلم اللغة العربية في نشاطه التدريسي أثناء تنفيذه لدروس اللغة العربية نتيجة مروره بمجموعة من الأنشطة والخبرات والممارسات التي يتعرض".
وتعتبر الممارسة التأملية للتدريس التي يقوم بها الطالب المعلم عبر ملاحظته ومراجعته وتقييمه المستدام لممارساته التدريسية في أثناء تأهيله وتكوينه بمؤسسات إعداد المعلم للعمل على تحسين هذه الممارسات باستخدام آليات تنفيذية معاصرة أكثر أهمية وذات ضرورة، وهذا ما أكدته المعايير العالمية للمعلم (Indiana Department of Education , 2004) من خلال التنبيه على ضرورة الممارسة التأملية للمعلم كمؤشر من مؤشرات التنمية المهنية المستدامة، في حين أن وزارة التربية والتعليم المصرية ضمنت في معاييرها القومية للتعليم أهمية ممارسة المعلم للأداء التدريسي التأملي؛ حيث نص المؤشر الأول من مؤشرات معيار التنمية المهنية للمعلمين على أن " يتأمل ويقيم المعلم أفعاله وممارساته للارتقاء بأدائه.
ومما يعزز ضرورة الاهتمام بتنمية الأداء التدريسي التأملي لدى الطلاب المعلمين أن من أبرز مقتضيات التدريس المعاصر الجيد تغيير السلوكيات وتعديل الاتجاهات لدى المعلمين، ليس فقط من خلال تزويده بمعارف ومعلومات وحقائق عن طبيعة التدريس ونظرياته، بل من خلال تبصيره بالأساليب والطرائق التي تمكنه من تحقيق التنمية المهنية المستدامة عن طريق ملاحظة أدائه، ونقده لممارساته التدريسية ومعتقداته عنها، وبقدر أهمية امتلاك الطالب المعلم للمعرفة الدقيقة بمادة تخصصه الأكاديمي وما يتصل بها من معارف أخرى، وكفايات تتعلق بقدرته على التخطيط للدرس وتنفيذه وتقويمه، بقدر أهمية الممارسة التأملية للعناصر السابقة بالإضافة إلى تأمله لإدارته الصفية واتجاهاته نحو المتعلمين داخل الفصل.
ولقد تعددت الدراسات والبحوث التي تناولت متغير الأداء التدريسي التأملي وتنوعت بتنوع غرض التناول من حيث الكشف عن مدى توافر مهاراته لدى المعلمين، أو تقييم مستوى الأداء التأملي لديهم، أو من خلال إعداد برامج تدريسية وتدريبية لتنمية مهاراته، ويمكن تحديد أهمية ممارسة التأمل في الأداء التدريسي في النقاط الآتية:
1- وضع الحلول المناسبة للتحسين المستمر في عمليتي التعليم والتعلم.
2- زيادة الوعي بحاجات الطلاب والإمكانات التعليمية المتاحة.
3- الانفتاح والاطلاع على الأفكار والأساليب التدريسية الجديدة.
4- التنويع في استخدام أساليب التعليم والتعامل مع الطلاب داخل غرفة الفصل.
5- الإحساس الكبير بالقدرة على تصريف الأمور داخل الفصل بكفاءة ومرونة.
6- حث المعلم على التقييم الذاتي لأدائه بعد التطبيق العملي للنظريات المتعلقة بمفاهيم التعليم والتعلم.
وإذا كانت الممارسة التدريسية التأملية ممارسة تلازم المعلم الذي ينبغي أن يتحلى بسعة الأفق والإخلاص وتحمل المسئولية وتتيح له فرص التأمل بصورة منفردة أو من خلال المشاركة مع الأقران، فإن هذه الممارسة تتجلى بوضوح في تسجيل المعلم لملاحظاته ووصفه لأدائه الصفي كتابة؛ لأن الكتابة ومراجعتها تتيح له تعميق التجربة وربطها بخبرات سابقة وأخرى جديدة للوقوف على مستوى أدائه الراهن والمستقبلي مما يساعده على الاحتراف المهني، كما أن الكتابة تعد إحدى تطبيقات الأداء التدريسي التأملي كونها تجسد انطباعات المعلم حول أدائه الصفي ومعالجته للمشكلات وعرضه للتفاصيل التي تحدث في أثناء تفاعله مع الطلاب وتحليلها.
ويذكر (Pollard) أن من وسائل تنمية الأداء التدريسي التأملي للمعلم استخدام الكتابة المتمثلة في أكثر من صورة منها التقارير الذاتية Self Reports التي يعدها المعلم بعد الانتهاء من عملية التدريس، وتتضمن انطباعات وأفكار ورؤى المعلم حول مدى جودته في إعداد مخطط التدريس الصفي ومدى مناسبة المحتوى والأنشطة التعليمية التي تم تقديمها للطلاب، وكذلك إعطاء تفسيرات لما قام به من خلق بيئة صفية محفزة لهم، والمشكلات التي تعرض لها في أثناء إدارته للصف، كذلك يوميات المعلم Teacher Diary وهي المذكرات التي يقوم المعلم بكتابتها بشكل يومي عن عمليات التدريس ومواقفه التي مر بها خلال يومه المهني.
وتعد الكتابة التفسيرية من أكثر أنواع الكتابة انتشارا في حياتنا التعليمية المعاصرة تحديدا فيما يتصل بأداء المعلم حيث إنها تعطي له الفرصة في الوصف أو إعطاء معلومات تتعلق بالموقف التدريسي، ومن خلالها يسعى المعلم أن يقدم مجموعة من المعلومات والبيانات والمفاهيم التي تدور حول أدائه التدريسي متضمنة- الكتابة- رؤيته حول نظريات التدريس المستخدمة وتنبؤاته التدريسية واستنتاجاته، لذلك فهي عملية ذهنية معقدة تتكون من مجموعة من العمليات التي تحدث وتجري في وقت متزامن تستهدف وصف الأفكار والحقائق والأداءات الصفية سعيا إلى تفسيرها وتحليلها.
ولأهمية الكتابة التفسيرية للمعلم بوصفها منتجا تحليليا لأدائه التدريسي، فقد أكدت اللجنة الوطنية للكتابة The National Commission on Writing (2003) على أهمية إعادة التفكير في مهارات الكتابة المستخدمة والتأكيد على ضرورة طرح مبادرة " ثورة الكتابة في المدارس العامة والكليات"
Writing Revolution in Public Schools and Colleges ،
ومن ثم اقترحت إطارا لممارسة الكتابة التفسيرية بغرض إنتاج مقال وصفي يمتاز بالتماسك وتقديم أفكار محددة في ضوء الثوابت المنطقية، وهذا يقتضي من جميع المعلمين التدريب بوقت كافٍ على مهارات الكتابة التفسيرية، وتطوير تقنيات جديدة لتحسين آليات تدريس الكتابة وتقييمها. كما أشار المركز القومي للإحصاء التعليمي (NAEP,2002) إلى أهمية زيادة الوقت المخصص لممارسة الكتابة التفسيرية في نطاق مواقف موجهة، وتوظيف الأفكار والحقائق والنظريات في بناء نصوص تفسيرية سردية.
ومع تزايد الاهتمام بقضايا التطوير المهني لأداء المعلم، ظهرت في الآونة الأخيرة توجهات ومداخل تدريسية وتدريبية أكثر فاعلية، تهدف إلى إكسابه المعارف والمعلومات والمهارات التي تتناسب مع متطلبات المشهد التعليمي الراهن واحتياجاته بكل متغيراته وضوابطه وتساعده على التخلص والقضاء من التحديات والمشكلات التدريسية، ومن هذه المداخل المعاصرة شديدة الصلة بالأداء التدريسي والكتابة التفسيرية مدخل التعلم القائم على السيناريو Scenario Based Learning. وفي ظل الجهود العالمية في تطوير برامج إعداد المعلمين بكليات التربية وبرامج التطوير المهني المدرسي، ظهر أنموذج التعلم القائم على السيناريو كتجربة تستند إلى مبادئ التطوير المهني القائم على النظرة الشاملة والمتكاملة لواقع الممارسات التدريسية من خلال التأمل في التدريس، وتطوير المعتقدات والكفايات التدريسية بناء على نتائج التحليل النقدي الذاتي وفق أطر شاملة.
ومدخل التعلم القائم على السيناريو SBL مدخل دينامي غير خطي تحدث فيه عملية التعلم من خلال السياق الذي يتضمن الحصول على المعارف واكتساب المهارات، وهو مدخل يسمح للمشاركين باستنتاج المشكلات التي ربما تواجه الطالب المعلم في حياته المهنية المستقبلية داخل الفصل، وتجريب طرائق التعامل مع هذه المشكلات والتحديات.
وظهر مفهوم التعلم القائم على السيناريو بسبب عدم الاقتناع بالنظرية السلوكية في التعليم الموجه فقط إلى تمارين الاستجابة للتحفيز والذي نجم عنه وجود انخفاض جودة مخرجات التعلم والتي اتسمت بعدم قدرة معظم المتعلمين على ربط ما تعلموه عن طريق التطبيق في حياتهم، وهذا الأنموذج يعتمد على النظرية البنيوية التي تؤكد على أن معرفة الفرد هي بناء له والمعرفة عي نتيجة لبناء المعرفة للعالم الحقيقي من خلال الأنشطة وهياكل المعلومات اللازمة.
لذلك جاء التعلم القائم على السيناريو كاستجابة سريعة لسد الفجوة بين النظرية والتطبيق؛ لأنه يعتمد على توفير مواقف تعليمية تجريبية تتضمن مشكلات العالم الحقيقي بشكل منظم، تسمح للمتعلمين بتطبيق وتوظيف معارفهم ومهاراتهم لحل المشكلات والتحديات التي تواجههم بشكل تعاوني وفي بيئة آمنة، مما يحقق التعلم النشط وإتقان المهارات ذات الصلة وتعميق تعلم الطلاب.
ولقد استخدم مصطلح السيناريو Scenario لأول مرة من قِبل الروائي وكاتب النصوص السينمائية Leo Rosten عندما وجد مجموعة من الفيزيائيين تفتش عن اسم يصف البدائل للكيفية التي يمكن أن تتصرف بها الأقمار الصناعية، وكلمة سيناريو Scenario كلمة مترجمة من الإيطالية تعني وسيلة للتخطيط الاستراتيجي الذي يستخدمه الفرد أو المجموعة لإعطاء مرونة لخطط طويلة الأمد، وتعني التكيف والتعميم للأساليب التقليدية بربطها بالحاضر والمستقبل، والسيناريو عملية إدراك للمشكلات والقدرة على صياغة فرضيات جديدة والتوصل إلى ارتباطات جديدة باستخدام المعلومات المتوفرة، والبحث عن حلول وتعديل الفرضيات وإعادة صياغتها عند اللزوم ورسم البدائل المقترحة، ثم تقديم النتائج في آخر الآمر. وتتطلب هذه العملية التساؤل والبحث عن الغموض، والتقصي والخيال لتجسيد التفكير في صورة ذهنية أو رسوم أو أفكار، حيث " تتم ملاحظة الماضي واسترجاع آثاره لدراسة الحاضر، واتخاذ ذلك نقطة بدء لدراسة المستقبل ".
ويمثل التعلم القائم على السيناريو نظرة متسقة مع أجزائها ومكوناتها لما يمكن أن يكون عليه المستقبل، لذا فهو نتيجة مستقبلية محتملة يمكن تطوير الأداء المهني في ضوئها، وهذا المدخل عبارة عن قصة تتضمن محتوى تعليميا موجها ومقصودا يتم تقديمه بعناية يتصل بالمعلومات والحقائق ذات الصلة بتخصص المتعلم، ويرى (Go&Higuchi,2006) أن السيناريو التعليمي كمدخل يتكون من أربعة مكونات رئيسة وهي (A,B,G,E)؛ بحيث يشير الحرف (A) إلى الجهات أو الأشخاص المنفذين أو الفاعلين Actors، ويشير الحرف(B) إلى مجموعة المعلومات الأساسية Background Information، ويشير الحرف (G) إلى مجموعة من الأهداف Goals، بينما يشير الحرف (E) إلى مجموعة الأحداث المتضمنة في السيناريو.
يعتبر مدخل التعلم القائم على السيناريو شكلا من أشكال التعلم الخبراتي Experimental Learning الذي يعتمد على وضع المتعلم في موقف تعليمي حقيقي يؤثر على قراراته المهنية، حتى يتمكن من اكتساب المعرفة اللازمة والمهارات التدريسية كما هو الحال في المواقف الصفية داخل حجرة الدراسة.
ولقد ارتبط مصطلح السيناريو بداية بالعمل الفني بشكل عام سواء كان للسينما أو المسرح، وهو في مفهومه العام الفني يمثل الحبكة الدرامية للقصة أو الرواية بتسلسل أحداثها والتصرفات المصاحبة لكل حدث، والمشاهد التي تبرز الحدث أو المفهوم أو الدرس المطلوب توصيله إلى الجمهور. ولقد ظهر المفهوم في صورته التعليمية في أواخر الثمانينيات على يد Roger Schank أحد خبراء الذكاء الاصطناعي وهندسة المناهج النفسية وبناء بيئات التعلم، وقام بتأسيس شركة متخصصة Socratic Arts قامت بتصميم وتنفيذ مبادئ التعلم القائم على السيناريو والتعلم بالممارسة في بعض المدارس والجامعات التعلم بالممارسة، والسماح للمتعلمين والمعلمين بارتكاب الأخطاء في بيئة تعليمية آمنة مع تصويبهم، وقامت الشركة بالعديد من عمليات المحاكاة للمعلمين مدعومة بالقصص والسيناريوهات التنبؤية التي قد تحدث داخل الفصول.
ويعتمد التعلم القائم على السيناريو على الفلسفة البنائية التي تؤكد أهمية ميول المتعلمين وخبراتهم السابقة، وعلى أن المتعلم هو محور الموقف التعليمي والتدريبي، وأن عملية التعلم تحدث عندما يقوم المتعلم ببناء معرفته بنفسه، فالتعلم يقوم على ما يصنعه الطالب من روابط بين ما اكتسبه من معارف ومعلومات، وتطبيقاتها الحياتية، ويذكر (Ultay , 2012) أنه عند ربط المعرفة الجديدة بالمعرفة السابقة للمتعلم وربط المعرفة بسياقات الحياة اليومية يصبح التعلم ذا معنى ويكتسب المتعلمون المعرفة من خلال الاكتشافات والاستنتاجات من خلال عملية الربط.
وتتمثل فوائد استخدام أنموذج التعلم القائم على السيناريو في قدرته على تحقيق جملة من النتائج الإيجابية بالنسبة للطالب المعلم منها تفعيل المنحى التكاملي من خلال الربط بين المعارف والنظريات والحقائق والسياقات الواقعية، ودعم عملية اتخاذ القرار الاستراتيجي للأداء في المستقبل واستكشاف النتائج والآثار المحتملة والسياسات التدريسية المستقبلية ، وترقية مهارة المتعلمين على تطوير المهارات والكفايات الاتصالية وممارستها بصورة وظيفية، وتشجيع المعلمين على التطوير المهني الشخصي والأكاديمي والاندماج في بيئة التعلم، وأخيرا خلق بيئة تعليمية تفاعلية وتعاونية يعمل فيها الطلاب في وضع واقعي تتيح لهم إدارة الوقت بشكل جيد مع زيادة فرص التغذية الراجعة لهم..
ويعد استخدام مدخل التعلم القائم على السيناريو أكثر مناسبة للطلاب المعلمين الذين تتوافر لديهم بعض الخبرة السابقة والمتطلبات القبلية بالموضوعات والمفاهيم والمهارات المطروحة أمامهم بغرض الاكتساب والاستخدام، وهو يختلف عن التعلم التقليدي ليس فقط كونه يعتمد على الأنشطة التعليمية فحسب؛ بل لأنه يهتم بتدريس الموضوعات غير الروتينية التي تتطلب من المتعلمين البحث والتجريب ومراجعة المعتقدات الذهنية المرتبطة بعملية التدريس نفسها في سياقات حقيقية، وعملية المراجعة هذه تتيح لهم إنتاج تصورات جديدة وأفكار قابلة للتطبيق تساعدهم في على المشكلات التي تعترض عملهم المستقبلي.
كما أن التعلم القائم على السيناريو يتيح للطالب المعلم الخبرة الواقعية الاستكشافية من خلال خوضه لتجارب ومواقف وسياقات تعليمية مقصودة وموجهة ومخططة تماما مثلما يتعرض لها في الواقع الصفي ويقوم بتحليلها وجمع الحقائق والمعلومات والبيانات بشأنها، ومن خلال عمليات الجمع والتحليل والربط بينها وبين خبراته السابقة يمكنه اتخاذ قرار تدريسي سليم وصياغته بصورة دقيقة.
وتتمثل تطبيقات التعلم القائم على السيناريو في إعداد المعلم فيما يلي:
1- التعلم القائم على المشكلة Problem Based Learning: يتم في هذا التطبيق من التعلم توجيه المتعلمين إلى اكتساب المعرفة اللازمة لحل المشكلة، وقد تكون المعرفة الجديدة المكتسبة خلال حل المشكلة أكثر أهمية من المشكلة ذاتها، وهذا النمط يعد فرصة حقيقية مباشرة لاكتساب مهارات التفكير التأملي من خلال البحث عن المعلومات والبدائل والتحقق من الاحتمالات وتقييم النتائج.
2- التعلم القائم على المشروع Project Based Learning: يركز هذا النمط من التعلم على تقديم منتج نهائي، ويتم فيه التركيز على تطبيق واستيعاب المعرفة المكتسبة سابقا.
3- التعلم القائم على الحالة Case Based Learning: يتم في هذا النوع من التعلم تقديم حالات متعددة مرتبطة بموضوع الدرس إلى المتعلمين والتدريب عليها والتعامل معها عن قرب.
4- التعلم القائم على السياق Context Based Learning: يتم في هذا النمط تقديم المعرفة للمتعلمين والتدريب عليها من واقع حياتهم التي يعايشونها وبخبرات حقيقية يمرون بها، والمعرفة التي يتم بناؤها في الوقت الحاضر هي نتاج التفاعل والترابط بين المعلومات والنشاط الفعلي والأدوات المستخدمة والسياق والأسس الثقافية.
5- السيناريوهات القائمة على المهارات Skills Based Scenarios: تتطلب هذه السيناريوهات من المتعلمين إظهار معارفهم عمليا من خلال إنتاج أو تنفيذ مجموعة من الإجراءات والمهارات النوعية المرتبطة بتخصصاتهم الأكاديمية.
6- السيناريوهات القائمة على التخمين Guessing based Scenarios: وفيها يسمح للمتعلمين بإبداء الرأي وتكوين الفرضيات حول مجموعة من الأحداث الماضية أو الحالية أو المستقبلية من المعلومات المعطاة والتي تم البحث عنها. ويطلق على هذا النمط سيناريوهات التوقع Predictive Scenarios بحيث إتاحة الفرصة للمتعلمين بالتنبؤ للإجابة عن تساؤل (ماذا سيحدث لو؟).
تبدو الصلة وثيقة بعض الشئ بين استخدام مدخل التعلم القائم على السيناريو وتنمية مهارات الأداء التدريسي التأملي؛ كون اعتبار التأمل في السيناريو التعليمي المقدم للطلاب المعلمين على صورة مشكلة تدريسية تأملا مقصودا ومصمما بعناية لتحديد وتوضيح العناصر والمهارات التي سبق تعلمها من قبل، ويحتاج الطلاب المعلمون إلى الأخذ في الحسبان الارتباطات بين المشكلة موضوع السيناريو والمشكلات السابقة وكيف تختلف أو تتفق مع المواقف التي تعرض لها الطلاب وكيفية حلها.
وينبغي على الطلاب المعلمين في أثناء تفاعلهم مع السيناريو التعليمي أن يكونوا قادرين على الربط بين المعلومات الجديدة عن المعرفة التدريسية ومعارفهم وخبراتهم السابقة، واستخلاصهم للمفاهيم التدريسية بأنفسهم بصورة فردية وجماعية، كذلك ضرورة فهم عمليات التفكير والتعلم التي قاموا باستخدامها من خلال قيامهم بمهام كتابية وهو ما يحقق تنمية مهارات الكتابة التفسيرية والأداء التدريسي التأملي في وقت واحد. ومن خلال وضع الطالب المعلم في سياقات تعليمية حقيقية، يستطيع عن طريق التفاعل والمشاركة والتأمل في ممارساته في تفسير وإنشاء معارف وأفعال جديدة من تجاربهم الشخصية وهذا يتحقق عبر تحليل الافتراضات التدريسية السابقة له، والوعي السياقي بالموقف التدريسي الحالي.
***
أ. د. بليغ حمدي إسماعيل
أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية
كلية التربية- جامعة المنيا- مصر








