عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

محمود محمد علي: قراءة في كتاب الفكر الديني والمرجعيات الدينية بين مالك بن نبي وماجد الغرباوي

للأستاذة علجية عيش

هناك سيل من الكتب قذفت بها المطابع إلى السوق، بعضها ولد ميتاً من دون أي انتباه، وبعضها قُرئ كالطعام البائت، وبعضها الآخر عاش قليلا من الوقت ثم اختفى، وبعضها أثار المعارك وظل عالقاً في مفاصل الثقافة جيلاً بعد جيل، وبعضها لا يزال يلاحقنا حتى اليوم. وبعضها مر بسلام إلى القارئ، وبعضها أدخل صاحبها التاريخ بجدارة.

من الكتب التي أتوقع أن يكون لها مستقبلاً، كتاب "قراءة في كتاب الفكر الديني والمرجعيات الدينية بين مالك بن نبي وماجد الغرباوي للأستاذة علجية عيش"، وقد جاء هذا الكتاب ليشارك في نقاش فكري يتجاوز حدود العرض التاريخي لأفكار المفكرين، ويتجه إلى مساءلة المرجعيات التي يتشكل من خلالها الوعي الديني، واستكشاف الصلة بين إصلاح الفكر وإمكانات النهوض الحضاري، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخري جاء ليمس موضوعه واحدة من القضايا الجوهرية في الفكر العربي الحديث والمعاصر، كما تنبع من اختياره شخصيتين فكريتين تنتميان إلى تجربتين مختلفتين، لا تنتمي أعمالهما إلى مشروع واحد تتطلب قدرًا من الدقة المنهجية؛ إذ لا يكفي أن يلتقيا عند كلمات مثل الإصلاح والنهضة والتجديد حتى يصبحا متفقين في المقدمات والنتائج. فالمقارنة الجادة لا تبحث عن التشابه وحده، وإنما تكشف أيضًا الاختلافات التي تساعد على فهم كل مشروع في خصوصيته، وتحدد المجالات التي يمكن أن يتحاور فيها مع المشروع الآخر.

وهنا تظهر أهمية كتاب علجية عيش؛ فهو يضع أمام القارئ موضوعًا يسمح بإعادة التفكير في العلاقة بين المرجعية والإصلاح، وبين نقد الموروث واستعادة الفاعلية الحضارية. كما يفتح المجال أمام بحث العلاقة بين البعد المعرفي للفكر الديني والبعد الأخلاقي والاجتماعي له؛ فالأفكار لا تظل حبيسة الكتب، وإنما يمكن أن تتحول إلى تصورات عن الذات والآخر، وإلى مواقف من الحرية والاختلاف، وإلى ممارسات تؤثر في شكل الحياة المشتركة.

وعلى هذا الأساس، يمكن النظر إلى موضوع الكتاب بوصفه مدخلًا إلى سؤال أوسع: كيف يصبح الفكر الديني عنصرًا في بناء الإنسان بدل أن يتحول إلى أداة لتعطيل قدرته على التفكير؟ وكيف يمكن للمرجعية الدينية أن تحافظ على وظيفتها الروحية والأخلاقية من غير أن تتحول إلى سلطة تمنع الاجتهاد؟ وما الشروط التي تسمح بالتوفيق بين الخصوصية الدينية ومقتضيات العيش المشترك في مجتمع تتعدد داخله المرجعيات والتصورات؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تتطلب موقفًا دفاعيًّا أو هجوميًّا من الدين، بل تتطلب تحليلًا فلسفيًّا يراعي تعدد مستويات الظاهرة الدينية، ويكشف العلاقة بين المعرفة والسلطة، وبين الاعتقاد والممارسة، وبين القيم والواقع. ومن هنا فإن الجمع بين منظور النهضة عند مالك بن نبي ومنظور نقد المرجعيات عند ماجد الغرباوي يتيح مجالًا خصبًا للتفكير في الإصلاح بوصفه عملية متعددة الأبعاد، تتداخل فيها المعرفة والأخلاق والعمل الاجتماعي.145 eljiaaysh

ويتألف الكتاب من مقدمة وخمسة مباحث، ويقع في160 صفحة وفق المعلومات المنشورة عن صدوره عن دار خيال للنشر والترجمة في الجزائر. وتتمحور مباحثه حول نشأة الأديان، والفكر الديني لدى مالك بن نبي وماجد الغرباوي، والمقارنة بين المشروعين، والمسألة الأخلاقية، وصراع الأصوليات.

وفيما يلي عرض تحليلي للمباحث الخمسة، ونبدأ بالمبحث الأول وعنوانه" تاريخ نشأة الأديان من العهد البدائي إلى العصر الإسلامي"، ويتناول هذا المبحث الخلفية التاريخية التي يمكن من خلالها فهم نشأة الظاهرة الدينية وتطورها عبر المراحل المختلفة من تاريخ الإنسان. وتكمن أهميته في وضع الفكر الديني داخل سياقه الإنساني والتاريخي، بدل التعامل معه باعتباره ظاهرة منفصلة عن تطور المجتمعات وأنماط التفكير والحياة.

أما المبحث الثاني: الفكر الديني عند مالك بن نبي وماجد الغرباوي، فيمثل المدخل المباشر إلى المشروعين الفكريين اللذين اختارتهما المؤلفة للمقارنة، وتتمثل أهميته في محاولة فهم الكيفية التي ينظر بها كل مفكر إلى الدين، وإلى دوره في بناء الإنسان، وإلى علاقته بالتاريخ والنهضة والقيم الأخلاقية. فمثلا ينطلق تحليل فكر بن نبي من ارتباط الدين بمشكلة الحضارة . فالفكرة الدينية، في تصوره الحضاري، ليست مجرد مضمون ذهني، وإنما يمكن أن تؤدي دورًا في توجيه الإنسان، وتنظيم علاقته بالعمل والزمن والمجتمع، وتحويل الإمكانات المتاحة إلى مشروع حضاري. بينما يتيح مشروع ماجد الغرباوي مدخلًا آخر إلى الإشكالية، يتمثل في نقد مرجعيات التفكير الديني، وفحص العلاقة بين النص الديني والفهم البشري له.

وإذا جئنا للمبحث الثالث، وهو يمثل مقارنة بين مالك بن نبي وماجد الغرباوي، حيث يمثل هذا المبحث مركز البناء المقارن في الكتاب؛ إذ ينتقل من عرض المشروعين إلى البحث في القواسم المشتركة والاختلافات بينهما وتذكر المؤلفة في تقديمها للعمل أن اختيار الغرباوي جاء بسبب وجود تقارب فكري بينه وبين بن نبي، على الرغم من اختلاف البيئة الفكرية التي نشأ فيها كل منهما.

ويتصل المشروعان بالسؤال عن أسباب تعثر النهضة في المجتمعات الإسلامية، وعن الشروط التي تسمح باستعادة الفاعلية الحضارية. غير أن معالجة هذا السؤال لا تتم بالضرورة من المنطلق نفسه؛ فبن نبي يركز على شروط بناء الحضارة، بينما يبرز لدى الغرباوي نقد أنماط الفهم الديني والمرجعيات التي قد تعوق التجديد. ويتيح هذا التقارب دراسة العلاقة بين بناء الإنسان الحضاري وإصلاح الوعي الديني، باعتبارهما مستويين يمكن أن يتكاملا في تفسير بعض أزمات المجتمع.

من جهة أخري تولي الكاتبة أهمية للقيم المشتركة بين المشروعين، وعلى رأسها التسامح والاعتراف بالآخر والوعي والتجديد.  وهذه القيم تتيح الانتقال من دراسة الفكر الديني بوصفه بناءً معرفيًّا إلى دراسة آثاره في السلوك والعلاقات الاجتماعية.

أما المبحث الرابع: الفكر الديني والمسألة الأخلاقية، فتنتقل فيه الكاتبة إلى العلاقة بين الدين والأخلاق، وهي علاقة تتجاوز حدود البحث النظري في العقيدة لتصل إلى طبيعة السلوك الإنساني وشروط الحياة المشتركة، كما تكتسب المسألة الأخلاقية أهميتها من أن الفكر الديني لا يؤثر في تصورات الإنسان عن العالم فحسب، بل يمكن أن يسهم كذلك في تشكيل مواقفه من الآخرين، وفي تحديد ما يعتبره عدلًا أو ظلمًا، وقبولًا أو رفضًا، ومسؤولية أو تقصيرًا.

وأخير المبحث الخامس وقد جاء بعنوان" الفكر الديني وصراع الأصوليات": يمثل هذا المبحث امتدادًا نقديًّا للمباحث السابقة؛ إذ ينتقل من بحث المرجعيات الدينية والقيم الأخلاقية إلى تحليل الصراعات التي يمكن أن تنشأ عندما تتحول الاختلافات الفكرية والمذهبية إلى نزاعات مغلقة.

وفي ختام هذه القراءة لكتاب "الفكر الديني والمرجعيات الدينية بين مالك بن نبي وماجد الغرباوي"، يمكن القول إن الإشكالية التي يطرحها الكتاب تتجاوز حدود المقارنة بين مفكرين معاصرين، لتلامس واحدة من أهم القضايا التي شغلت الفكر العربي والإسلامي، وهي قضية العلاقة بين الدين والفهم البشري له، وبين المرجعيات الموروثة وإمكانات التجديد، وبين إصلاح الوعي الديني واستعادة القدرة على النهوض الحضاري. فالفكر الديني ليس مجرد منظومة من الأفكار والمعتقدات التي يتلقاها الإنسان، وإنما هو أيضًا مجال تتفاعل داخله النصوص والتأويلات والتقاليد الاجتماعية، وتتحدد من خلاله مواقف الإنسان من ذاته ومن الآخر ومن العالم الذي يعيش فيه.

وخلاصة القول إن كتاب "الفكر الديني والمرجعيات الدينية بين مالك بن نبي وماجد الغرباوي" يطرح موضوعًا ذا أهمية فلسفية ومعرفية، لأنه يجمع بين سؤال النهضة الحضارية وسؤال نقد المرجعيات الدينية، ويفتح المجال للتفكير في العلاقة بين إصلاح العقل وإصلاح المجتمع. وتتمثل القيمة التي يمكن أن تُبنى عليها قراءة هذا العمل في إبراز أن التجديد الديني والحضاري ليسا مسارين منفصلين بالضرورة، بل يمكن أن يتفاعلا حين تتوافر لهما أدوات نقدية واضحة وغايات أخلاقية وإنسانية محددة. وتظل هذه القيمة مرهونة بمدى قدرة المقارنة على احترام خصوصية كل مفكر، وتقديم حجج موثقة، وتجاوز أوجه التشابه الظاهرية إلى تحليل أعمق للمقدمات والنتائج.

وفي نهاية حديثنا عن "قراءة في كتاب الفكر الديني والمرجعيات الدينية بين مالك بن نبي وماجد الغرباوي "، لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة للأستاذة علجية عيش، والتي تستحق مني كل التقدير والإشادة لما قدمته في هذا الكتاب من إسهام فكري وعلمي يعكس جديّة الباحثة وعمق اهتمامها بقضايا الفكر والفلسفة، وحرصها على معالجة الموضوعات المعرفية والدينية بروح نقدية واعية، تجمع بين التحليل والتأمل، وبين احترام التراث والانفتاح على أسئلة الحاضر.

***

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

مفكر مصري

في المثقف اليوم