عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

محمد سيف: مع الفيلسوف الألماني هيرمان هسّه والتجربة الذاتية في الحياة

جَرت العادة على التصاق بضعة مفاهيم عريضة بكل فيلسوف، يُعرَف بها رائدًا ومنظّمًا، والفيلسوف الألماني هيرمان هسّه ليس بِدْعًا عن هذه العادة الجارية، ولعل أبرز مفهوم التصق به هو الفردانيّة في الحياة، على أنه تأثّر أيّما تأثّر بعالم النفس التحليلي كارل يونغ، كما أشار إلى ذلك الدكتور (Emanuel Maier) في ملخص أطروحته في الدكتوراه عن توظيف الفيلسوف الألماني هسّه مفاهيمَ التحليل النفسي لكارل يونغ، في نصوصه الأدبية [رابط الملخص العلمي في الهوامش]،(1) حيث ذكر أن هسّه خضع لجلسات علاج نفسي مع تلميذ يونغ، ولاحقا خاض مع يونغ شخصيا نقاشات معمقة، بل إنّ روايته الفلسفية النفسية دميان (Demian) كُتِبت بالألمانية في سياق التأثير المباشر لجلسات التحليل النفسي عام 1917.

إنّ مقالي يجلب إلى بؤرة الضوء جدلية التحرر من القوالب الجمعية من خلال التجربة الذاتية عند هسّه، ولعلي - في هذا السياق - أستهِلُّ بأشهر اقتباس في رواية دميان، بل وقد عَنْوَن به فصلها الخامس (الطائر يكافح للخروج من البيضة): "الطائر يكافح للخروج من البيضة، البيضة هي العالَم، والذي يريد أن يُولَد عليه أن يدمّر عالَمًا"(2).

هل ظل الشجرة خال من الشجرة؟ أم هل هو نتاج خالص للشمس؟ لا شكّ عندي أنّ الشجرةَ كامنةٌ في ظلها، وهكذا هي المعارف والمفاهيم المكتسبة - ضوء الشمس - هذا إذا كانت المعرفة عميقة ودقيقة، فما بالك إذا كان المصدر (المعرفة) ليس شمسا بل مصباح شارع؟! وهكذا هي حالتنا الوجودية (الظل) هو أثرٌ مباشر لتجربتنا الذاتية - الشجرة - فإذا كان ذلك كذلك فإنّ الحياة بالنسبة للواحد منا ليست مفاهيم مجرّدة تُكتسَب، بلا إعمالٍ لفردانيّتنا، بل مخاضٌ مستمر بيننا جِيئةً وذهابا في أروقة الحياة، في تجربة ذاتية خاصة بنا كبصمتنا التي لا يمتلك اثنان البصمة ذاتها، تجربة تعترف بدوائر أنفسنا المتناقضة ظاهرا، المتكاملة باطنا، هذه التجربة الذاتية هي التي تقود للفردانيّة، الحالة الوجودية من النضج والوعي المستقل عن المحيط ولكن ليس منفصلا عنه.

إن الفردانيّة تكرّس فينا قيمتَنا الوجودية التي تنبع من دواخلنا لا من اعتراف خارجي،  ومن هنا لم تكن التجربة الذاتية حقا مشروعا فحسب، بل طريقة وجودية حتمية لمن وجد نفسه في مسرح الحياة! وهذا يُفْضي إلى حقيقة أنّ ما يجول حولنا من مفاهيم وأفكار وعادات وموروث ومسلّمات ورؤى، ليست الغاية منه تلقّيه والتقَوْلب به والارتهان لإكراهاته وتشذيب أغصاننا بمِقْراضه، بل لاختباره في معترك مجريات حياتنا، لنكتشف ما يجدي منها لنا، فنأخذه، وما لا يتساوق وطبيعةَ ذواتنا وتطلّعاتها، فَنَذَرُه، وبفعل ذلك نكون نسيجا مجتمعيا واعيا من النسخ المتفرّدة، وليس نسخا تتنافس أيها يضرب أروع الأمثلة في التكرار.

إن الفَرخ ما كان ليكون طيرا لولا أنه كسر قشرة بيضته، وتحرر من حدودها، ليحلّق عاليًا في أرجاء السماء، تَقْدِمَةٌ يجب أن نسفك دمها على المذبح، موتٌ يجلب حياةً، وتدميرٌ يعقبه بناء، فالعنقاء تخرج من الرماد! وهكذا إذا كنّا نسعى للفردانيّة علينا أن نخوض تجربتنا الذاتية بكل ضفافها، نهرا يجري إلى مستقر يليق به، وبكل أزقّتها مدينةً تشيّد حضورَها بأنفاسها، وهذا يقتضي منا تفكيك المفاهيم التي نشأنا عليها، وتقويض تصوّر العالَم الذي ترعرعنا عليه، فـ"الذي يريد أن يُولَد عليه أن يدمّر عالَمًا" أما الاسْتِرْواح إلى ما يحيط بنا من إملاءاتٍ جمعية، وحصر التجربة في قوالب المسموح والممكن، فنحن نئدُ احتمالات نسختنا الوجودية باسم وعي زائف، ودوافع واهية، تخدم ذوي المصلحة من بقائنا مستهلكين لتجربة واحدة محددة سَلَفًا!

القراءة لوحدها لا تكفي، والاستماع لوحده لا يجدي، والنظر لوحده لا ينفع، بل يجب أن نلقي بأنفسنا في الحراك الوجودي بكلّ ما فينا، بكل حواسّنا ووجداننا، فاعلين ومنتقِين، جادّين وشرسين، على أننا بحكم تكويننا البشري متأثّرون كما أننا مؤثّرون، ومستهلكون كما أننا منتجون، ولكن أن نكتب على أنفسنا حصرية التأثّر والاستهلاك فهذه جريمة شنيعة بائسة بحق الذات، ولذا فنحن بحاجة ماسّة إلى إشاعة ثقافة صنع تجربتنا الذاتية، بدءًا من أبنائنا الذين لطالما حرمناهم من التجربة بحجة ابتغاء المصلحة.

إنّ الفردانيّة التي تتمخّض عن تجربة ذاتية أصيلة هي امتدادٌ لقميتنا الوجودية على هذه الأرض، وأي نداءاتٍ بالتقليد، وتبنّي المفاهيم السائدة بغير هدى، وتصدير النموذج الإنساني المثالي بالأكثر التزاما بالتعليمات، لا تعدو أن تكون دعوات جوفاء تسلبُ منّا وجودنا وإنْ كنّا مكتظّين بالأنفاس!

الإنسانُ السويّ هو المُرتمي في أحضان التجربة الذاتية بكل أنحاء اتّساعها وطيّات ارتداداتها وصخب تناقضاتها، ليجد نفسه بنفسه، لا من طريق وسيط يتمثّل الحياة عبْرَه - أيًا كان - بل من اختبار فردي ليكونَه، يكونَه هو، كما يريد هو، وكما اختبره هو، وبما يليق به هو، وبما يتلاءَم معه هو، وعندئذٍ يشرق الوجود في فردانيّتنا، ونولد من جديد!

***

محمد سيف

...................

الهوامش:

(1) رابط الورقة العلمية:

https://hesse.projects.gss.ucsb.edu/papers/maier.pdf

(2) دميان، هيرمان هسّه، ت: ممدوح عدوان، ص87 ، الطبعة الأولى 1998، دار منارات للنشر، الأردن.

في المثقف اليوم