دائما القيم الكبرى يسعى الإنسان الى التشبث بأهدابها، حتى لو كان واقعه وكيانه نقيضا جذريا الى تلك القيم الكبرى، إذ يسعى الجميع أفرادا وجماعات الى التجلبب بجلباب تلك القيم لما توفره تلك القيم من شرعية وسمعة طيبة، ومن تلك القيم التي يسعى الناس جميعا بمختلف طبقاتهم وشرائحهم وانتماءاتهم الى التجلبب بها أو التمسك بأطرافها وادعاء تمثيلها، قيمة الموضوعية، إذ أن الجميع يدعي أنه في سلوكه ومواقفه يجسد قيم الموضوعية، ويعتبر نفسه الإنموذج التطبيقي لها..
معنى الموضوعية:
وحتى لا نتوه في المصاديق الخارجية التي تدعي جميعا التمسك بكل عناصر الموضوعية في حركتها الشخصية والعامة، من الضروري أن نعرف مفهوم الموضوعية حتى نعتمد على هذا المفهوم كإطار نظري عند تقويماتنا الى الأمور والقضايا. وقد عرّف الموضوعية كتاب " المفاهيم والألفاظ في الفلسفة الحديثة " بأنها: حالة التصور الذهني وقد تمثل صياغة معينه تجعله في متناول إدراكات الآخرين. والموضوعية كمفهوم معرفي هي ضمان صحة كل علم، فهي التي تؤسس كل معرفة علمية خارج تغييرات أحاسيسنا وتخيلاتنا الفردية، فنجعل المعلوم مجرداً مقاما على قوانين ثابتة معترف بصلاحيتها من طرف الجميع.
وهذا يعني أن الموضوعية في حدودها العليا والقصوى هي عملية الاتساق والتناغم التام بين القيم والمبادئ التي يحملها الإنسان وواقعه الخارجي. فالإنسان الذى ينادي بقيمة العلم والمعرفة، ولكن واقعه الخارجي عبارة عن حروب مستمرة ضد كل ما هو علمي ومعرفي، هذا الإنسان بعيدٌ كل البعد عن مفهوم الموضوعية، لأن واقعه العملي والسلوكي لا ينسجم وقناعاته الذهنية والنظرية.
من هنا فإن الموضوعية تعني انسجام الفعل مع القول والمشروع العملي مع المشروع النظري وما ينبغي آن يكون مع ما هو كائن، لهذا فالموضوعية قيمة تحفز الإنسان باستمرار نحو انطباق الواقع مع المثال. وتأسيسا على هذا نقول: إن الموضوعية لا تعني " كما يزعم البعض " غياب أو ضعف الالتزام الأيدلوجي لدى الإنسان وإنما تعني أن تكون أحكامنا ومواقفنا معتمدة على الواقع الموضوعي الذى نعيشه حتى ولو كان هذا الواقع مرفوضاً على المستوى الأيدلوجي. فالأيدلوجية ليست حجاباً يمنع رؤية الواقع بعناصره كما هو، وإنما هي طاقة روحية وعقلية خلاقة تتجه الى حفز همم الإنسان وتوفير الشروط النفسية والعقلية المطلوبة لعملية تقويم الواقع وجعله عبر " العلم والعمل " منسجماً والقيم الكبرى في الأيدلوجية.
فالموضوعية تعنى: إبعاد الذات عن الموضوع والأشخاص عن الأفكار حتى يكون تقويمنا إلى الموضوع لا الذات، وإلى الإفكار لا الأشخاص. وقد جاء في المأثور " لا تعرف الحق بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله ".
عناصر الموضوعية:
وانطلاقا من هذا المفهوم الى الموضوعية والمكونات، نرى إن للموضوعية عناصر ومكونات، وهذه العناصر والمكونات، هي عبارة عن القيم الحاكمة في مسيرة الإنسان الموضوعي وهذه العناصر كالآتي:
1- نشدان الحقيقة والمعرفة بصرف النظر عن مصدرها: دائما التطرف في كلا الاتجاهين " الحب والبغض " يصادر الحقيقة ويشرع للاستبداد وإقصاء الرأي الآخر، ويخرج الإنسان من دائرة الموضوعية، لأن التطرف يحرم على الناس المشاركة في صنع الحقيقة والمعرفة، ويصادر منهم الحق في الاختلاف، له وحده " المتطرف " الحق في أن يخالفهم وليس لهم أي حق في إبداء رأي مخالف له.
لهذا ومن أجل أن لا تُستباح الحقيقة ويُزيف الواقع وتُنتهك السمعة والكرامة، ويُرجم أصحاب الرأي المخالف، نحن بحاجة الى الاعتراف بأن الحقيقة المطلقة لا يملكها إنسان أو فئة من الناس، لهذا فإننا ينبغي أن ننشد الحقيقة ونبحث عنها في كل مكان وحين الحصول عليها أو الوصول إليها لا بد أن نتشبث بها، ونعض بالنواجذ من أجلها دون أن نلتفت الى مصدرها ومنبعها، لأن الحقيقة بأجزائها المئة موزعة عند الناس جميعاً، ويقول في هذا الصدد الفيلسوف الكندي " خليقٌ بنا ألا نخجل من الاعتراف بالحقيقة واستيعابها مهما كان مصدرها " ويقول ابن رشد أيضاً " إنه يجب علينا ان نستعين على ما نحن بسبيله بما قاله من تقدمنا في ذلك سواء أكان مشاركا لنا في الملة أم غير مشارك طالما كان صوابا ". لهذا لابد أن يتحلى المرء بآداب الاختلاف والحوار والجدل، حتى تتسنى لنا معرفة الحقيقة أولاً والقبول بها ثانياً، ويقول عبدالرحمن الكواكبي في أدب الحوار والجدل: إن الأنفة من الانقياد للحق عجز، وإن الاعتراف به والتجرع له عز، فلا يمتنع من قبول الحق إذا وضح له، ولا يكون قصده من الجدل ألا يقطع فإن من كان ذلك غرضه لم يزل في تنقل من مذاهبه، وتلون في دينه، وإنما ينبغي له أن يعتقد من المذاهب ما قام البرهان عليه إن كان مما يقوم على مثله برهان أو وضحت الحجة المقنعة فيه، إن كان مما لا يوجد عليه برهان، وبهذا تتأسس قواعد التواصل الإنساني الحضاري القائمة على المساواة بين الشعوب بما تقتضيه الحياة الإنسانية بطبيعتها من تكافل وتالف ومحبه وسلام.
2- احترام التخصصات: إن توسع العلوم وتشعبها أدى الى بلورة الاختصاصات العلمية المختلفة بحيث أصبح لكل جانب من جوانب العلم أهله واصحاب الاختصاص فيه لهذا فإن الموضوعية تقتضي احترام هذه التخصصات لأنها تنطلق من واقع العلم التفصيلي بذلك الحقل أو التخصص فليس من الموضوعية في شيء أن نأخذ دقائق علم الاجتماع مثلاً، من الطبيب البشري لاختلاف التخصص، كما أنه ليس من الموضوعية أن نأخذ علم الطب بقوانينه وتفاصيله الدقيقة من علم الاجتماع، وهذا طبيعة الحال لا يمنع أن تكون للإنسان معلومات عامة حول مجمل حقول العلم، ولا بد من القول إن احترام التخصصات العلمية المختلفة يؤدي الى تركيز العلم والمعرفة، لأنها لا تنطلق إلا من ذلك الإنسان المختص.
3- عدم العجلة في إصدار الأحكام: إن الموقف الذى يتخذه الإنسان على هدي دراسة مستفيضا ومعرفة عميقة دائما يكون سليما، كما أن الموقف المستعجل، أو الذى لم ينطلق من معرفة عميقة يكون غالبا مجانباً للصواب، وبعيداً عن الحقيقة. لذا فإن الموضوعية تتضمن عدم الاستعجال في اتخاد المواقف وتحديد الأحكام لأنه غالبا كما يقرر علماء المنطق إن العجلة والتسرع من أسباب الخطأ الرئيسية. ولعمري إن الكثير من المشكلات التي تعانيها ساحتنا الأدبية والثقافية هي من جراء غياب الموضوعية وفق هذا المعنى، إذ نتسرع جميعاً في اتخاذ المواقف أو تحديد الأحكام تجاه أي نشاط وإبداع، دون أن نقرأه بتمعن، أو نفهم السياق الفكري والاجتماعي الذى ولد فيه هذا النشاط أو الإبداع، إننا بحاجة لأن ندرس بعمق إنتاج ساحتنا الأدبية والثقافية، قبل أن نقوم هذا الإنتاج أو نتخذ تجاهه موقفاً محدداً، لأن هذه الدراسة العميقة، هي التي تجعلنا نعطي لكل ذي حقٍ حقه فالموضوعية تلازم المعرفة العميقة والتأني في تحديد الأحكام تجاه أي ظاهرة إنسانية، فحينما تنشأ ظاهرة اجتماعية أو سياسية أو ثقافية، ينبغي ألا نستعجل في اتخاد المواقف تجاهها أو وصمها بالسلب أو الإيجاب، وإنما ينبغي أن يسبق أتخاد الموقف، وضوح الرؤية، وتوفر المعلومات الكافية التي تؤهل الانسان ذاتياً وموضوعياً لاتخاذ الموقف الموضوعي تجاه تلك الظاهرة.
4- النظر الى الاخرين بعيدا عن التهوين والتهويل: اذ ان الموضوعية تقتضي جعل الاخرين في مواقعهم الطبيعية والنظر إليهم بدون استصغار أو تضخيم. فالنظرة التي ترى الآخرين القوة المطلقة - القادرة على فعل كل شيء نظرةً غير موضوعية، كما أن النظرة التي ترى الآخرين وكأنهم أرقام صفرية لا تستطيع أن تحرك ساكناً نظرةً غير موضوعية. إن النظرة الموضوعية تعني أن تجعل الآخرين في مواقعهم الواقعية بعيدا عن التهوين والتهويل. ولا شك أن تحقيق هذه النظرة في الفضاء الخارجي مرهون بنظرة الإنسان إلى نفسه، فإذا كان ينظر إليها نظرة احتقار وتصغير فإنه سينظر إلى الآخرين نظرة تهويلية، أما إذا نظر إلى ذاته نظرةً معتدلة ترى الحسنات كما ترى السيئات، فإنه سينظر إلى الآخرين ذات النظرة.
فجماع القول في هذه المسألة هو: إن مضمون النظرة إلى الذات هو الذي يحدد طبيعة النظرة إلى الآخرين.
***
محمد محفوظ








