عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

نجم السراجي: الناي بين الرومي وكلكامش.. من ألم الفقد إلى مقاومة النسيان

عادةً ما يُقَيَّمُ الإنسانُ، ككائنٍ فاعلٍ في هذا الوجود، بما يحققه، وبالأفق الذي يتطلع إليه، وصلابة الأرض التي يقف عليها، وسعة وعيه وإدراكه، ومحددات سقف طموحه؛ ليحمل هوية الكائن المتطلع الذي ينجذب إلى نور غايته، وسحر ارتقائه، وقوة إرادته وهو يواجه العثرات.

وقد تنحصر مساحة هذا التطلع في حدود السكينة والأمان، أو أن تتفجر صورُ التميز البشري ونسق الإبداع من رحم المعاناة والعوز، وقسوة التهديد والتشريد. وهو ما يُعرف في المنطق النفسي والفلسفي بـ «إبداع المحن» كاستجابة للتحدي؛ حيث تتحول قسوة الظروف إلى وقودٍ يذكي جذوة الإرادة، لتخرج تلك الطاقة وذاك الفكر من عتمة الألم والمعاناة التي تحفز منطقة اللاوعي، فتتحول إلى «إنجاز» يخرج من أعماق الوعي والتيقظ.

ومن هذا المضمار النفسي بالذات، تتخلق رمزية الناي، ورحلة كلكامش، وتجربة الرومي؛ فالألم الذي أعقب قطع القصبة حمل بذور الانبعاث الذي حَفّز طاقاتها الدفينة لتبوح بصوتها وتعلن كينونتها الناطقة بالبقاء. وهو الحال عينه لدى كلكامش حين استفزت فاجعة فقد أنكيدو في داخله الوعي بمواجهة النسيان وترك الأثر، ولدى الرومي حين تحول ألم غياب شمس التبريزي في روحه إلى ينبوع شعرٍ متدفق ودورانٍ صوفيّ «السَّماع» يحاكي دوران الأكوان ونسقها.

يستهل الرومي مدونته الشعرية «المثنوي» بندائه الخالد:

أنصتْ إلى الناي يحكي حكايته... ومن ألم الفراق يبث شكايته

ومنذ تلك الدعوة الصوفية، اعتادت الذائقة الأدبية أن تقرأ أنين الناي وشجنه كرثاءٍ لماضٍ مفقود، واشتياقٍ إلى زمن الغابة الأولى حيث الماء وصخب القصب. غير أن فهماً عميقاً لمعنى الفقد يتجاوز هذا الحنين السلبي؛ فالقطع شكّل إيذاناً بولادة كائنٍ جديد اسمه «الناي»، يملأ الدنيا بأشجانه ليعلن فيض الشوق والبقاء.

فحين خضعت القصبة لعمليات قلع وتثقيب وتفريغ قاسية، كان الوعي هو الابن الشرعي لخبرة الفراق؛ إذ صار التجويف ممرّاً لأنفاس العازفين ومجالاً حيوياً تنبثق منه النغمات، ليرتدي الناي خصال كائنٍ ينطق بلغة الموسيقى والشجن، ويذكرنا بأن ألم الفقد هو عتبة الانبعاث والتجدد ونمو الروح.

 ويذكرنا أيضاً بضرورة فهم ماهية الشوق بوصفه حركةً متطلعة نحو المستقبل تتجاوز حدود الجمود وأثر الماضي. فمن يشتاق يفهم واقعه بوعيٍ على أنه فضاء مفتوح للاحتمالات، وأن الواقع القائم يتسع للتغيير والسعي نحو آفاقٍ أرحب. فالشوق يوقظ الوعي ويمنح الإنسان اتجاهه؛ بينما ينتهي من يفقد الشوق إلى انطفاء الدافع الهادي إلى الأفق، فيقع في التيه واستسلام الروح للركود.

يتسامى مفهوم الشوق هنا عن التعلق العابر بأشخاصٍ أو رغباتٍ واهية، ليتجلى بوصفه تطلعاً حياً نحو الحقيقة والمحبة، والحق والعدل والسمو. وبلوغ هذا المعنى يقتضي أن تتحرر النفس من سطوة «الأنا» المتعالية ومتاهة الرغبة، وهو ما يمثل جوهر التجربة العرفانية التي تترجمها مقولة "موتوا قبل أن تموتوا" إذ تدعو إلى تجرد الذات من أوهامها لتستقبل الحق وتجلياته ببصيرة أصفى، تماماً كما تفرّغت قصبة الناي واتسعت للشجو والعطاء.

ومن تجربة الناي هذه، ينبثق هذا التجلي المولود من رحم الانقطاع؛ ليتصل بأفقٍ آخر تجسده ملحمة كلكامش في مواجهة النسيان. فالملك الذي انطلق في مستهل رحلته مغروراً بقوته وسلطانه، تفاجأ برحيل أنكيدو الذي بعث في روعه رعب أن يغرق هذا الودّ وتتلاشى تلك السيرة في صمت النسيان.

هنا تحول ألم الفقد لدى كلكامش من جرحٍ صامت إلى محركٍ للوعي؛ فأصبح يسعى لترك أثرٍ حقيقي يمنح وجوده المعنى، تماماً كما أحيى قطع القصب صوتَ الناي وجعله خافقاً بالبقاء.

وهكذا يلتقي الناي في شجنه المتجدد بكلكامش في رحلته الوجودية، وبجلال الدين الرومي في دورانه الشاخص نحو الحق في "السماع" فالناي يقاوم النسيان بالنغمة المستمرة مع كل نَفَس، وكلكامش يقاومه بالمآثر المكتوبة، والرومي يقاومه بالدوران الصوفي والشعر الذي يحول الغياب إلى عشقٍ دائم.

كلهم اكتشفوا الحقيقة الذاتية ذاتها: أن الفقد يمثل طاقة بناء، وأن المعنى يتأتى من الانفتاح والتجرد الواعي الذي يفتح الأفق على اتساع الحياة، متجاوزاً كل انغلاق وركود.

فالقصبة نطقَت بلسان الناي حين اقتُلعت، وكلكامش بدأ رحلة الوعي الكبرى حين فُجع بأنكيدو، والرومي تفجر ينبوع شعره حين غاب عنه شمس التبريزي.

إن أعظم ما تعلّمنا إياه هذه التجارب هو كيفية تحول الانقطاع وآلام الفقد إلى جسورٍ للعبور وولادة جديدة للوعي؛ فصوت الناي فينا يزداد تجدداً بالقطع، ويستمر صدى نغمته متقدا في الذاكرة الإنسانية، حاملاً الشوق بوصفه بوصلةً لا تهدأ، لبناء مستقبلٍ يتعالى على الفناء ويقاوم النسيان إلى النهاية.

***

الدكتور نجم السراجي

لندن 4.11.2026

في المثقف اليوم