قراءة في كتاب

علجية عيش: قراءة في كتاب "الباطنية الجديدة" لعلي حليتيم

علي حليتيم: الحداثيون العرب أزالوا القداسة عن كل ما هو مقدس، وأدلجوا كل ما لا يؤدلج

يدعو الدكتور علي حليتيم مدير مركز الشهاب للبحوث والدراسات الجزائر في كتابه الباطنية الجديدة إلى تجاوز "اللا مفكر فيه" الذي تحدث عنه محمد أركون في كل اطروحاته الفلسفية والانتقال إلى حفر مسارات وأسس العقلانية في الحداثة العربية، كما دعا إلى فحص بنية العقل الحداثوي العربي في علاقته بالتراث وبالمشاريع النهضوية العربية وفي علاقته بالحداثة الغربية، هي رسالة ربما أراد علي حليتيم توجيهها للنخبة الفرانكفونية​.

دائما مع كتاب الدكتور علي حليتيم "الباطنية الجديدة" الذي يضم أكثر من 300 صفحة ويحتوي على أطروحات علمية ويطرح أفكارا عديدة، تغذي العقل والروح، فكل فكرة تطرح أسئلة عديدة وتبحث لها عن جواب من طرف المفكرين (المستبصرين)، والباطنية الجديدة هي دعوة إلى ممارسة الاستبصار، لفهم كيف يفكر العقل البشري وماهي توجهاته، فهو يطرح قضايا شائكة على غرار فكرة الحداثة العربية، الداروينية والفرويدية، الحداثة والقراءات المعاصرة، ومدارسها وقد خص الدكتور علي حليتيم الظاهرة الشحرورية كأنموذج وكذلك الظاهرة الأركونية بالانتقاد وهتان الظاهرتان الفكريتان تحتاج إلى قراءة تحليلية منفردة، ولا شك أن هناك من سبقنا إليها من المهتمين بالفكر العربي الإسلامي والفكر المضاد (الحداثي) خاصة وأن الدكتور علي حليتيم استدل في بعض محاور كتابه بمفكرين، على غرار المفكر مالك بن ني وكتابه الظاهرة القرآنية، عزت دروزة وكتابه النبأ العظيم، وأبو يعرب المرزوقي في التفسير، وما جاءت به كذلك الحركات الإسلامية المعاصرة ممثلة في الإخوان المسلمين في مصر، والسنوسية في ليبيا وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

لقد قدمت هذه الحركات الإسلام الصحيح في قالب يستوعب الحداثة العلمية، عكس ما جاءت به الحداثة العربية الرافضة للنص الديني (القرآن)، فقد جعلت الحركات الإسلامية من الحداثة العلمية واجبا دينيا وضرورة وجودية، كما أمر بها الإسلام نفسه، وفي ظل هذه الحركات وجد الناس انفسهم مسلمين معاصرين، والسبب يقول الدكتور علي حليتيم هو أن هذه الحركات شددت على البعد الإنساني في الإسلام وبينت نصوص هبد الحميد ابن باديس تنويرا من الطراز العالي، تتلخص في الإسلام الحضاري في الوقت الذي نقرأ فيه كيف ناصبت بعض القراءات الحداثية العداء للتجديد الديني لأنها كما يضيف هو تريد أمرا آخر مخالفا أو مختلفا، إن مفهوم التجديد يطرح كثير من الأسئلة وما يراد به، هل هو التحديث مع الحفاظ على الأصل؟ أم هو التخلي عن القديم، فالتجديد عند مالك بن نبي يقود إلى تحديد المفهوم والتصوّر، وقد يراد بالتجديد التغيير، للتحول، التقدم والتطور والإبداع، أي إيجاد شيء جديد أو استبدال شيء قديم.

و التجديد كمفهوم معنوي يعني مناهج التفكير والتعليم ولا يراد به تجديد الدين أو إلغاؤه وإنما شرح لما هو مستعص عن الفهم في النص الديني من خلال البحث عن مفاهيم تكون قريبة لكل كلمة واردة في النص الديني حتى لو كان بطريقة تأويلية، والتأويل لا يعني الإلغاء، يلاحظ أن ثمة فرق بين التجديد والتغيير، إن كُتِبَ المفهوم باللغة اللاتينية innovation – changement، فنحن أمام صراع مفاهيم، لدرجة أن هناك من لا يفرق بين كلمتي تصحيح وتغيير باللاتينية rectification – changement ويرى آخرون ومنهم الدكتور أبو بكر جيلالي أن التحوّل mutation مفهوم يرتبط بالتغيير والتجديد معًا، أو الارتقاء كما نقرأه في التجديد الحضاري، أو البناء الحضاري، فالبناء يعني التماسك ووضع منهج حياة والانتماء الصحيح للفكر الإسلامي ومنهجه وآلياته وهو ما أشار إليه الدكتور علي حليتيم في الصفحة 146 من الكتاب إذ يقول في الصفحة 147 : إن القرآن ليس وحيٌ فقط، وإنما هو منهج وكريق لبلوغ الكمال كمشروع مسار لنشر الرسالة الإلهية التي اوكلها الله للبشر عندما أخبر ملائكته بأنه سيجعل في الأرض خليفة وأمرهم بالسجود له، وهذا هو الكمال الذي بلغه الإنسان، لكنه بجهله أهمل هذه الرسالة بل اضاعها فضلّ عن سبيله " إن رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ" )الآية 7 من سورة القلم ) وسفك الدماء وعاث في الأرض فسادا.

فإذا كانت الصورة كما يقول علي حليتيم (الفقرة الأخيرة من الصفحة 147) في أوروبا هي الغلق التام للأفق الثقافي والنهضوي، فهي الصورة نفسها في العالم الإسلامي، ويمكن أن نسأل : كم عدد العلماء المسلمين في العالم الإسلامي اليوم؟ كم عدد الخطباء والفقهاء، كم عدد المفكرين الإسلاميين، وكم عدد الجامعات ومراكز البحوث الإسلامية، كيف تحقق التغيير والأمة الإسلامية عاجزة عن النهوض بنفسها، لدرجة أنها لم تجد سبيلا لنصرة إخوانها في فلسطين وباقي الشعوب المضطهدة، أو أن ترفع الفساد من على أرض الإسلام؟ عن أيّ إسلام يتحدث دعاتنا، لقد حصروا الإسلام في قشوره، ففي دار الإسلام شباب مسلم يعيش على الهامش فعانق المخدرات، في دار الإسلام مخمرات وبارات، نساء مشردات، إن أمّة محمد منقسمة، ممزقة، وكما يقول علي حليتيم في الصفحة 148 : لو تعامل المسلمون مع القرآن لما وصل حالنا اليوم إلى هذا الوضع، اختلف المسلمون حتى في الناسخ والمنسوخ في الصفحة نفسها وهو يقدم صورة حيّة للحداثيين وكيف تعاملوا مع القرآن بنفس منطلقات وعقلية فلاسفة الأنوار، وكأننا نعيد النقاش حول قصة القرآن إن كان مخلوق أم هو كلام الله.

نشير هنا أن المفكر محمد أركون ناقش مسألة القرآن الكريم وتحوّله من شفهي إلى كتابي، ولذا نجد التنويريين يتعاملون مع النص الديني كما يتعاملون مع أي كتاب عادي ولا يدركون أنهم يتعاملون مع نصٍّ مُقَدّسٍ ثابت لا يتغير، كما نلاحظ أن الدكتور علي حليتيم لم يخصص ولو صفحات قليلة ليطرح فكرة "القداسة" للنقاش، وتحديد ماهيتها وكيف يتعامل الإنسان وحتى المفكرين مع المقدسات في الديانات السماوية الثلاثة (اليهودية، المسيحية والإسلام)، فقد أشار الكاتب إلى رأي محمد أركون (الصفحة 149) في القرآن حين اعتبره ناقصا، وأن النصوص المفقودة مخبأة في بعض المكتبات هنا وهناك عند الفرق من غير أهل السُنّة، وهو بذلك يقصد "الشيعة"، ربما محمد أركون يقصد الآية الكريمة التي سقطت حين شرع الصحابة في جمع القرآن في كتاب والذي سمّوه (مصحفا)، وأثارت جدلا بين المتكلمين، فالحداثة تنفي الظاهرة الدينية وترى أن النصوص المقدسة ماهي إلا نصوصا وضعها بشر انبثقت في واقع معين وفي زمن معين ( صفحة 150) وهي دعوة إلى "اللا مفكر فيه" التي تحدث عنها المفكر محمد أركون في أطروحاته، حيث أثارت اهتمام علي حليتيم، الذي نجده يطرح أسئلة عديدة لاسيما اللا مفكر فيه في الحداثة وموقفها من الدين ومنطلقاتها الإيديولوجية، وربما طرحه هذه الأسئلة جاء متأخرا، لأن الذي مطالب بالرد عليها مات وهو محمد أركون، حتى لو أجاب عليها الذين يؤمنون بالفكر الأركوني، لن يستطيعوا تقديم الرؤية الأركونية الصحيحة للفكر الديني والظاهرة القرآنية وموقعها من الحداثة.

لعل هو السبب الذي دفع علي حليتيم إلى أن يدعو في الصفحة 151 إلى تجاوز اللا مفكر فيه والانتقال إلى حفر مسارات وأسس العقلانية في الحداثة العربية، كما دعا إلى فحص بنية العقل الحداثوي العربي في علاقته بالتراث وبالمشاريع النهضوية العربية وفي علاقته بالحداثة الغربية، هي رسالة ربما أراد علي حليتيم توجيهها للنخبة الفرانكفونية، ما لا يفهمه القارئ هو الربط التراث بالوحي، هل التراث متوقف عند النص الديني؟ فماذا عن أفكار الأصوليين التي تكون أحيانا خارجة عن النص الديني؟، فالعالم الفكري اليوم يعيش مرحلة ما بعد الحداثة، ولا أحد يعلم ما هو عالم ما بعد الحداثة، فالمفكرون تنبأوا بنهاية الإيديولوجيا، ونهاية اليوتوبيا، وقالوا لا وجود لحوار الأديان وحوار الحضارات بعد أن أزاح الحداثيون القداسة عن كل ما هو مقدس، وأدلجوا كل ما لا يؤدلج، وكما يقول هو أي علي حليتيم انشقت السماء وأصبح صعب إبعاد القطيع الغربي بعد أن انصهر مع القطيع الشرقي ( ص153) واصبح القطيعان مؤدلجان لا يريد كل منهما حوار ولا نقاش ولا فهما، لأن قطيعنا اغلق باب الاجتهاد فغرقنا في السطحية.

***

قراءة علجية عيش بتصرف

في المثقف اليوم